دلف بخطوات بطيئة يتذكر كلمات جده فيضع عيناه أرضاً حتى لا ترى تلك الحمقاء الغضب بعينيه. نظرت له راوية بتعجب، فهو يضع رأسه أرضاً، شعرت بالإهانة المواجهة إليها، حتى أنها كادت أن تخرج من الغرفة. فسمعت لصوته الغاضب. فهد بغضب، ومازالت عيناه أرضاً: إسمعي، ذي ما لكي شروط ليا، شرط أنك تتحشمي وتلبسي الحجاب. هنا رفع عيناه الخضراء ليقابل عيناها الرمادية ليتوقف عن الحديث. نظر لها بصدمة، بتلك الفتاة تختلف تماماً عن من رآها صباحاً.
راوية بغضب: أتحشم، شايفني قدامك بلبس مش محترم أذي، تكلمني كدا؟ لم يكن يستمع لها، عيناه تأبى ترك عيناها، حتى هي صمتت قليلاً وأستجابت له بالنظرات. فتلك الفتاة تشعره بأنه بكوكب آخر، كوكب لا يوجد به سواهم. فقط نظرات سائدة بينهم، حتى أنها وضعت عيناها أرضاً بتعجب من نظراته الغريبة. أما هو فكأنه القوة تخلت عنه أمام تلك الأميرة، لتعلنها ملكة لعرش قلبه. لا يعلم أنها ستعاني مع تلك القسوة الموجودة بداخله.
قطع تلك النظرات دلف هاشم الذي جلس بجانب ابنته ثم نظر للفهد قائلاً: إسمع يا بني، أنا قصدي أننا نقعد لوحدنا عشان أقولك كلمتين. قال فهد بهدوء: أتفضل يا عمي. نظر هاشم لراوية ليجد القبول على وجهها، فقال: قومي يا حبيبتي هاتي لفهد العصير. راوية بتفهم: حاضر يا بابا. وبالفعل خرجت راوية، وتبقا هاشم مع الفهد قائلاً:
أنا عارف أن في الصعيد هنا في عادات وتقاليد غير مصر. أنا سألت عليك وتأكدت أنك شخص قمة الاحترام والأخلاق، فأرجو يابني أنك تحترم أن بنتي لسه متعرفش تقاليدكم، فأرجو أنك تصبر عليها وتديها الفرصة أنها تفهم وتتعلم. فهد بأحترام: متخافش يا عمي، أني فاهم كل دا ومتفهمه زين. إبتسم هاشم له قائلاً: على بركة الله يا بني، أنا موافق. وبالفعل خرج الفهد ومعه هاشم للخارج يتفقون على موعد محدد لعقد القرآن. *** بالمطبخ.
كانت شاردة بتلك العيون الغامضة، لا تعلم كيف أشارت لأبيها بالموافقة على هذا الزفاف، هي أرادت الرفض لتصرف هذا المتعجرف، ولكن لا تعلم ماذا حدث له. بالخارج تم الاتفاق على عقد القرآن والميعاد المناسب للزفاف. تحت نظرات اندهاش عمر وسليم للفهد الصامت الغارق في بحور ذكرياته التي ستزيده قوة وقسوة مع تلك الفتاة.
كانت متخفية تراقبه من بعيد، تتواعد له بالكثير. فهو الفتى الوحيد الذي نال إعجابها، كانت تنوي الزواج منه، وتنوي ذلك في نفس اليوم الذي سيكون فيه عقد قرآن راوية. فتلك الحمقاء تعيش الحياة بعفوية بزمان مملوء بالحقد والخداع. تم الاتفاق على كل شيء، وظلوا بانتظار العروس لتدلف راوية ووجهها تلون بحمرة الخجل، وضع عيناها أرضاً، تقدم المشروبات للجميع. تفاجئ سليم بتلك الفتاة المحجبة، فعلم أن الأخرى من المؤكد أنها أختها.
وزعت المشروبات على الجميع وتبقا الفهد. لتقترب منه بخجل وتناوله الكأس. رفع عيناه بها ونظراته القاسية عادت لتكسو وجهه من جديد، فهو الآن ببؤرة محصورة بالماضي. نظرت له راوية باستغراب لتجده يلتقط الكأس بالقوة، كأنه يعتصر ذكريات مضت بالجرح والعذاب. غادرت راوية المكان وهي بحالة فضول واستغراب من هذا الشاب. أما نادين، فظلت تراقب سليم إلى أن سنحت لها فرصة الحديث معه عندما خرج للرد على هاتفه بالخارج.
أنهى سليم المكالمة وألتفت ليعود ليجد تلك الفتاة أمامه. نادين بابتسامة: مش هتقولي اسمك إيه؟ نظر لها قليلاً بدهشة ثم قال: أنتي معندكيش خشى، كيف الحريم؟ نادين باستغراب: كلمني مصري، ينوبك ثواب. تأفف سليم وأستدار ليغادر، ليستمع لحديثها قائلة: هنتجوز إزاي من غير ما أعرف اسمك؟ صدم سليم وقال: جواز إيه اللي عم تتحدثي عليه؟ أقتربت نادين وعلى وجهها ابتسامة ثقة قائلة: جوازنا أنا وأنت. سليم بغضب:
أنتي مجنونة يابت أنتي ولا اتخبلتي في مخك عاد؟ نظرت له بابتسامة قائلة: أيا كان اللي بتقوله، فأنا بتكلم بجد، وجوازنا هيكون مع ابن عمك ده، وهنشوف مين اللي هينفذ كلامه. أنا ولا أنت. سلام مؤقت. وتركته وصعدت للأعلى تحت نظراته الغاضبة من تلك الفتاة. أخرجه من بؤرة غضبه عمر قائلاً باستغراب: واقف كده ليه يا سليم، جدي بيسأل عليك. سليم بصدمة: أني مشفتش جلة حية إكده. عمر باستغراب: ليه، في إيه؟
قص له سليم عن تلك الفتاة لينفجر ضاحكاً ومندهشاً قائلاً: عمالتها إزاي دي؟ هههههههههههههه. وعرف إزاي أن جدك هيعمل كده؟ نظر له سليم بعدم فهم قائلاً بدهشة: تجصد إيه؟ عمر: جدك أول ما أنت خرجت عرف أن ليها أخت كمان أو بنت عمها، راح طالبها ليك. سليم بغضب لم يري له أحداً مثيل: كيف ده، وأني رحت فين؟ إزاي يعمل كده من غير ما يشورني؟ رفع له عمر كتفيه قائلاً: محدش يفهم دماغ الكبير إلا الفهد. سليم بعصبية:
أني مش موافق وهدخل أقوله الكلام ده. وتوجه سليم للداخل ليجد يد عمر الأقرب له، قائلاً بنبرة تحذيرية: بلاش يا سليم، مش هنا، على الأقل لما نروح البيت، ما تنشاش أي تصرف هنعمله، هيتحسب على الدهاشنه، أمال ليه جدك منبه على الفهد أنه ما يتكلمش خالص. نظر له سليم باقتناع، ولكن عقله سيجن، كيف أتت الفتاة بكل تلك الثقة، وكيف حدث ذلك؟ *** عاد الكبير إلى المنزل ومن معه. ليتحدث سليم بصوتاً مرتفع، فجمع لأجله من بالمنزل. سليم بغضب:
كيف ده يا جدي، تتفق على الجوز من بنت البندر، وأني آخر من يعلم؟ بدر بخوف من أبيه: كيف تعلي حسك على جدك كده، أجفل خشمك، هو أدرا بمصلحتك. فزع بغضب: أسكت أنت يا بدر، كمل كلامك يا سليم. تدارك سليم ما ارتكبه، فقال بصوتاً منخفض بعض الشيء: يا جدي، أني مش عايز أتزوج البنت دي، ودا اللي عندي.
إنقبض قلب نواره عندما استمعت للحديث بينهم، وكذلك حزنت ريم، فالكبير يفعل ما يراه مناسباً لهم دون نقاش. أما رحاب، فبكت لعلمها بأن المشاكل ستكون حليفتهم بالمنزل، فالفهد يتحكم بغضبه مع الجميع، أما سليم فيفشل بذلك الأمر. حل الصمت المكان، ليتحدث الكبير قائلاً: ألا عندك كيف، وكلمتي تتكسر قدام عيلة القناوي؟ سليم: يا جدي، أني... قاطعه صوت الكبير قائلاً بغضب حطم جدران المنزل:
مفيش حديث تاني، هتكتب عليها مع الفهد في نفس الليلة، ودا آخر حديث، فاهمني. نوال بابتسامة نصر متخفية خلف الحزن: يبوي، مينفعش كده. وكادت أن تكمل حديثها، لينظر لها الكبير نظرة أخرستها قائلاً للنساء بغضب: أنتوا واقفين كده ليه، انجروا من هنا. وبالفعل غادر الجميع من أمامه، لينظر الكبير لسليم قائلاً: حسك العالي ده، هعرف كيف أوطيه.
وتركهم الكبير وصعد لغرفته، فلحق به واهدن وبدر. وتبقا الفهد الشارد بملكوت آخر، وعمر المتطلع لغضب سليم الذي يراه هكذا لأول مرة. جلس سليم بغضب: كيف تكون الحرمة دي مراتي، دي مش محجبة ولبسها عَفَش. عمر بهدوء:
أنت اللي بتقول كده يا سليم، خليك عاقل وعلمها براحة. أنا عرفت أنها بنت أخو هاشم القناوي، وأبوها وأمها ميتين بقالهم كتير، يعني مالقيتش اللي يواجهها، وأنت في إيدك كل حاجة. جدك أدي كلمة، مستحيل يرجع فيها أبداً، وأنت عارف. دفش سليم المزهرية بغضب، ثم توجه لغرفته. أما عمر، فنظر للفهد، وعندما وجده شارداً، حمل هاتفه وغادر مسرعاً حتى لا يصبح ضحية مرة أخرى. *** بغرفة الكبير. وهدان: معلش يابوي، عيل صغير وغلط. فزاع بغضب:
كيف يعني؟ بدر: أهدأ يابوي. فزاع: لما شوفت البت لقيتها أخلاق واحترام، فجولت فرصة، أكيد بت عمها نفس الأخلاق، وكل ما قوينا علاقتنا بعيلة القناوي أفضل لينا، عشان الكل يعرف حدوده مع الدهاشنه. *** بمنزل واهبة القناوي. هاشم باستغراب: و أنت هتديهم نادين كمان يا حاج؟ واهبة: وماله يا ولد الناس، طلبوها، والعيلة دي متتخيرش عن بعضيها. هاشم بخوف:
يعني كنا نستنى لحد ما نشوف راوية هتعرف تمشي معاهم ولا لأ، مش نعطيهم الاتنين، ثم أن نادين مش هتعرف تمشي معاهم خالص. واهبة: خلاص يا ولدي، أنا إديت كلمة لفزاع ومش هتراجع فيها. شباب الدهاشنة قيم وأخلاق يا ولدي، متخافش، أني عارف أنا بعمل إيه زين. نظر له هاشم بصمت، فهو يعلم بصدق حديثه. *** جلس يتذكر ماضيه المزروع بالأشواك. ريماس: أرجوك يا فهد، أرجوك ما تبعدش عني. فهد: بعد إيه، بعد ما اكتشفت خيانتك ليا؟ إزاي تعملي كدا؟
ريماس بدموع: كان غصب عني، لازم أشتغل كده عشان أصرف على إخواتي. فهد بصدمة: تغضبي ربنا عشان إخواتك، تبيعي نفسك؟ أنا مش مصدق بجد، أنتي إزاي بتعملي القرف ده، وأنا مخدوع فيكِ؟ ريماس بدموع: هسيب كل حاجة عشانك. ضحك بسخرية قائلاً: أنا صعيدي، عارفه يعني إيه؟ احمدي ربنا أنك لسه بتكلميني وعايشة لحد دلوقتي. كل شيء منهي بينا. لو شوفت وشك تاني، أوعدك بأنك هتكوني جثة، ودا وعد شرف مني ليكِ.
وتركها فهد وغادر، تركه وقلبه محطم مما رأه. رآها بأحضان رجل آخر، ثم اكتشف أنها تبيع نفسها مقابل المال. عاد للصعيد وقلبه محطم، حتى عمله تركها وأصبح يعمل مع الكبير، حتى صار الذراع الأيمن له. يعرف الكثير عن الكبير على عكس الجميع، فهو بئر أسراره.
أفاق على ذكرى عيونها. نعم، هو ظن أن تلك الفتاة هي التي ستكون زوجته، ولكنه تفاجئ بتلك الحورية. لا يعلم هل ما زال قلبه ينبض بالحب، أم أن تلك الفتاة اقتلعت الحب من قلبه وجعلته كالحجرة. *** بغرفة سليم. كان يغلي من الغضب، والتوعد لتلك الفتاة. تبسم بمكر، مرحباً بها في بئر الشيطان، ليرها من هو سليم الدهشان.
أما بالغرفة المجاورة، هناك من تتواعد لتلك العائلة بالهلاك، ثم بخت سمها القاتل بعقل نوراه، التي استجابت لها سريعاً، وإلى خططها. *** صعد عمر للأعلى ليتقابل معها، فتلتقي عيناهما بنظرة طويلة. هو بعيناه التي تشبه الذهب الصافي، وهي بعيناها الخضراء. فريم تمتلك نفس لون عين أخيها الفهد. ريم: هو في إيه؟ عمر بهدوء: مفيش يا ريم، متشغليش بالك باللي بيحصل، عشان محدش يسمعك كلمة ملهاش لازمة. ريم بتفهم: لأ، مش هسأل تاني.
وتوجهت لغرفتها، ثم وقفت على صوته. عمر: إلا أنا، ممكن تسأليني اللي تحبيه. ضحكت بابتسامة بسيطة، ثم استدارت له، ليقترب هو قائلاً بنبرة تحمل الكثير من الغموض: جدي عاوز يجوز سليم، الدور عليا أنا. لمع الدمع بعينيها، فرسمت بسمة بسيطة على وجهها قائلة: وهو قالك إيه؟ تعجب عمر من قوة تلك الفتاة وقال: مقالش حاجة مهمة، يعني. ريم بابتسامة جميلة: ربنا يهديلك الحال يا واد عمي، عن إذنك، الوقت اتأخر.
وتوجهت لتدلف الغرفة، لتجد يده متماسكة بيدها بقوة، قائلاً بدهشة: بتداري إيه يا ريم؟ ريم باستغراب وهي توزع نظراتها بين يده وبين عيناه: سبني، هداري إيه يعني؟ اتركني لحالي. عمر: عينك بتقول كل حاجة يا ريم، ما تحاوليش تنكري. ريم: أنكر إيه؟ بلاش كلام ماسخ، سيب إيدي. عمر: مش قبل ما أعرف إيه اللي بتحاولي تداريه. ريم بخوف وهي تتلفت حولها: أرجوك سبني، لو أخويا شافك مش هيحصل خير، سبني.
وبالفعل تركها عمر، ثم توجه لغرفته حزيناً، يشعر بأنها تحاول أن تخفي شيئاً ما. ***
أما هي، فدلت الغرفة وجلست أرضاً تبكي بصوتاً مرتفع. هي بانتظار خبر قتلها عندما يعلم جدها أنها ليست عفيفة. نعم، هي تتذكر أنها لم تفعل شيئاً، هي لا تعلم كيف أفقدها شرفها، وكيف هي سلمته نفسها بتلك السهولة. هي بريئة، لم تفعل شيئاً، ولكن لن تجد أحداً يصدقها، ولا حتى الفهد سيتفهم ذلك. فنحن بمجتمع يحمل الجهل برؤيته، عفة البنت حتى ولو وقع عليها اعتداء، ننظر لها على أنها الجاني وليست المجني عليه. ***
هناك سرا مخفي تخفيه ريم، ولكنه لن يظل طويلاً، فيكشف عند زوجها. منه، ماذا سيكون رد فعله عندما يجدها... جحيم يحرك سليم للزواج بتلك الفتاة، ليريها أشد قسوة وعذاب. ولكن ماذا لو كشف المجهول؟ هل ستتمكن راوية من الفوز بقلب الفهد؟ وماذا لو عاد الزمان نفسه مجدداً؟ تلك الفتاة ستظهر مجدداً بحياة خالد. هل هي جاني أم مجني عليها؟ خطط ومؤامرات لتحطم الحصون. هل ستنجح؟ كل ذلك وأكثر في الدهاشنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!