ملأت الزغاريد المكان، فاليوم الحناء الخاص بأحفاد الدهاشنة. تألق الفهد بجلباب أبيض جعله كالبدر الساطع، فكان حقًا كالأمراء. وكذلك سليم وعمر كانوا يرتدون نفس اللون الخاص بالدهاشنة، فهم مميزون للغاية. دعت هنية ورباب أن الله يحمي أبناءهم، بطالتهم التي تخطف الأنفاس. فكانوا كالأمراء، حتى عمر الذي ارتدى الملابس الصعيدية لأول مرة كان جذّابًا للغاية.
أصر فزاع على واهبة القناوي أن تُقام حنة للعروس بقصره مع ريم، وبالفعل تم نصب حفل كبير بخلف المنزل لهما. كانت راوية كالحورية بفستانها الذهبي المفعم بالحياة، حتى حجابها البسيط جعلها كملكة متوجة على عرش القلوب. أما نادين، فارتدت فستانًا من اللون الأحمر وحجابًا أبيض، فكانت جميلة حقًا. وريم ارتدت فستانًا بلون عينيها الخضراء، فكانت كأميرة القصص الخيالية.
أما ريماس، فكانت ترتدي فستانًا بسيطًا من اللون الأزرق، فضفاضًا بعض الشيء لإخفاء جنينها عن الأعين، وارتدت حجابًا بنفس الدرجة، فكانت قمة في الجمال. *** بالأعلى، كانت نوال تغلي من الغضب وقلبها يتمزق على والدها، لا تعلم أين هو أو ماذا به. كل ما تعلمه أن عليها رسم البسمة المزيفة على وجهها، وتنتظر صباح الغد بفارغ الصبر لتنال ما تريد. لا تعلم بأن المكيدة ستقلب ضدها. دَلفت نوراه بغضب جامح قائلة بغيظ:
وبعدين يا عمة، هنجعد إكده ونتفرج عليهم؟ نوال بتحذير: أوعي يا بت تعملي حاجة إكده ولا إكده. نوراه بغضب: أني معرفش مالك، بس ليه مخلتنيش أكشف الصور اللي معايا لسليم؟ خليه يكروشه بره. نوال بخبث: هيحصل، بس بعد الجواز. مينفعش دلوقتي. نوراه: ليه بجا مينفعش دلوقتي؟ نوال بخبث:
يا بت اسمعي بالبندر، الواحدة ممكن تتزوج أكتر من مرة، عوايدهم إكده، وبذات لو كانت بت بنوت. لكن أحنا هنكسرها. الأول لما تتجوز وتتطلق بعد فراقها بكام شهر أو بكام يوم، وإكده يجوم الكبير يضغط على سليم أنه يتزوج عشان محدش يفكر أن فيه حاجة. بسليم وساعتها بس هكلم أبوي وأقنعه بجوزته منكِ، وأنتي أولى بالغريبة. ابتسمت نوراه على ذكاء العمة الماكر وقالت: زين يا عمة، هستانا والأمر لله. نوال بخبث:
زين يابتي، يالا ننزل تحت عشان محدش ياخد باله من حاجة. وبالفعل هبطوا للأسفل، وانضموا للنساء بنظراتهم الحاقدة للجميع. *** بالمكان المخصص للرجال، أبدى الجميع مهارته بالرقص بالعصا، وخاصة سليم وعمر. أما خالد، فكان سعيدًا بتلك المبارزة رغم عدم معرفته لها. أما الفهد، فرفض أن يتنافس مع سليم وفضل الجلوس بصمت، شارد الذهن بتلك الفتاة. على الجانب الآخر، لم يكن حالها أقل منه، بل أكثر شرودًا به. كيف له أن يكون بتلك الصلابة؟
لا تعلم شيئًا سوى أن قلبها ينزف جرحًا على ما حدث. كانت الأجواء بين الفتيات أشد حماسًا عندما تميلت نادين وريم، بينما ريماس لم تقو على ذلك واكتفت بمتابعة ما يحدث. انتهى الحفل وتوجه الشباب للمكان المخصص للعروس لينضموا إليهم قليلاً. سحر كل منهم بحوريته. تقدم الفهد منها بعين تحمل من العشق العتيق أفواه. جلس سليم بجانب نادين التي تنظر له بسعادة، ليبادلها نفس البسمة، فهو أصبح متيمًا بها.
كانت ريم تنظر لعمر بإعجاب شديد، فهو وسيم بالملابس الصعيدية التي تراها به لأول مرة. أما ريماس، فكانت تجلس وعيناها تتأمل المكان بخوف شديد، لا تعلم لماذا يطاردها هذا الخوف، ولكن هذا ما تشعر به. *** فهد وراوية. نظر لها الفهد كثيرًا، بينما تهربت هي من نظراته. فهد بصوت منخفض: آسف. نظرت له راوية كثيرًا ثم قالت بسخرية: على إيه؟ الموضوع اتنسي، أنت لسه فاكره؟ وضع عينيه أرضًا ثم رفعها لها قائلاً:
كنت متعصب أوي يا راوية، غصب عني، صدقيني. راوية باستغراب: ليه؟ فهد: هقولك، بس بكرة بإذن الله. النهارده مش للكلام. نظرت له بعدم فهم، ليجذبها أمام الجميع ويرقص معها على المزمار، وباليد الأخرى التقط العصا وأخذ يتميل معها على الموسيقى تحت نظرات اندهاش وحقد الجميع. فالمجلس يحوي النساء فقط، وبالقرب منه مجلس صغير لعائلة الدهاشنة: كوهدان وواهبة وبدر وهاشم.
كانت الفتيات تتابع فهد بإعجاب شديد، فهو من تجرأ على فعل ذلك وخالف العادات والتقاليد. تقدم سليم منه وتميل معه هو الآخر، وكذلك عمر الذي جذب خالد، فتلك الفرصة ذهبية لاشتراك الفهد بالرقص معهم. كانت العرائس تتابعهم والبسمة على وجههم، وجميعهم يقفون وأيديهم تشجع بصمت. فجذبت هنية راوية ونادين وريم ورقصت معهم بسعادة. تحت نظرات كل عاشق لمحبوبته.
انتهى الحفل بسعادة للجميع، وكذلك راوية التي أبى معشوقها إدخال الحزن لقلبها، وقرر كشف السر الماضي بتذكرة حياته لحوريته البيضاء. فهل ستقبل الحقيقة؟ *** دَلفت العرائس لقصر الكبير بعد أن رفض عودتهم للمنزل دون تناول الطعام والجلوس معهم قليلاً. فأنصاع واهبة القناوي وهاشم لذلك. تناول الجميع الطعام بسعادة، إلا نوال التي كادت نظراتها أن تفتك بريم وراوية. ولكن تجاهلتها الفتيات.
انتهت السهرة وركبت كل عروس بجانب معشوقها لتكون ملكًا له بعد ساعات معدودة. ساعد سليم نادين بالهبوط، لتنظر له باستغراب، ليقول بتعجب: أنتي زينة؟ نادين: لا. سليم بلهفة: لأ، ليه؟ حاسة بأيه؟ نادين: أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده. أنت بتعاملني حلو أوي، أنت كويس؟ ضحك سليم بصوته كله ليكون بأوسم ما يكون. فقالت بغضب جامح: أنت بتضحك على إيه؟ سليم: عليكِ والله ما أنا خابر أعمل إيه عشان أعجبك عاد. نادين بخجل:
أنت عاجبني من غير حاجة. سليم بغضب: طب يالا ادخلي، لحسن أغير رأيي وأتزوجك دلوقتي. ضحكت نادين وحملت فستانها، ثم توجهت للداخل تحت نظراته المملوءة بالعاشق الصادق. *** بسيارة الفهد. فتحت السيارة وتوجهت للهبوط، لتجد يده الأسرع إليها. نظرت له قليلاً، فابتسم قائلاً: مستعجلة للنزول؟ راوية بسخرية: امال هفضل هنا لبكرة؟ ضحك الفهد قائلاً: ممكن على فكرة، أنتي مراتي يا راوية، من حقك أي حاجة.
تاهت راوية بسحر عينيه، ولكن مازالت منزعجة مما ارتكبه. فتوجهت للهبوط، ليجذبها بالقوة للداخل، ثم أغلق الباب وتحرك مسرعًا، لتصرخ به قائلة بتعجب: أنت رايح فين؟ فهد بهدوء: مكان هادئ نتكلم بيه. راوية باستغراب: دلوقتي وبلبسي دا؟ أنت مجنون صح؟ نظر لها الفهد نظرة غامضة ما بين الغضب والهدوء. السكينة والأمان. القسوة والعشق. بعد عدة ساعات، وصل الفهد لأحد المطاعم. ثم هبط وهي معه، وتوجهوا للداخل. *** بسيارة خالد.
كانت ريماس تضحك بشدة، حتى خالد لم يعد يعلم هل جننت أم أن هذه أعراض للحمل. خالد: مالك يا حبيبتي؟ انتي كويسة؟ ريماس: ههههههه والله أنا لحد الآن كويسة أوي، ههههههه، لكن بعد شوية الله أعلم، هههههههه. خالد بتعجب: ريماس، انتي كويسة؟ ريماس: لا، هههه، في عروسة بتروح مع عريسها وكمان إيه؟ هههه، حامل، بزمتك الموضوع ميضحكش؟ نظر لها خالد قليلاً، ثم انفجر ضاحكًا هو الآخر. *** بالمطعم.
لم يعلم ما الذي عليه إخبارها، حتى الكلمات تخلت عنه. فهد بهدوء، على عكس بركان الغضب بداخله: لما كنا بمصر، شوفتها. راوية باستغراب: هي مين؟ زفر الفهد بحنق قائلاً: مروج. راوية بتعجب: مين مروج دي؟ نظر لها قليلاً ثم قال: دي الإنسانة اللي حبتها بكل صدق، وهي بتطعني بضهري من غير ما أحس. تحولت نظراتها لصدمة، ولكنها تماسكت قائلة: أنت حبيت كام مرة؟ ابتسم بألم قائلاً: هو اللي ينكسر مرة، يحاول يكسر نفسه تاني. راوية بعدم فهم:
أنت تقصد إيه؟ فهد: أخت ريماس، مشفتهاش غير مرتين بس، فعلاً حاولت توقعني، لكن مقدرتش، ولا حبتها من الأساس. راوية بصدمة: امال إيه الكلام اللي سليم قاله ده؟ كان بيكذب؟ فهد بصوت مرتفع بعض الشيء: سليم كان بيقول اللي الكل يعرفه، محدش يعرف حاجة عن الماضي غيري أنا وأنتي، ثم صمت قليلاً وأكمل بحزن: وأخويا الله يرحمه. راوية بدموع: أنا مش فاهمة حاجة، أنت عايز ترجع لها تاني؟
نظر لها قليلاً ثم صمت، يتذكر ما ارتكبته تلك الحمقاء، ولكنها لم تتحمل هذا الهدوء الغامض وقامت مسرعة من أمامه حتى لا يرى دموع ضعفها. أتبعها الفهد ثم جذبها، وهي تقف لتصعد إلى الباص. ليصرخ قائلاً بغضب: أنتي اتجننتي؟ عايزة تركبي تاكسي في نص الليل؟ وبعدين إزاي تمشي بالطريقة دي؟ راوية والدمع يحلفها: حضرتك تحب أمشي بأي طريقة؟ ولا أقعد أسمع لقصة عشقك اللي رجعت لقلبك من جديد؟ فهد بغضب: اتكلمي معايا كويس، أفضل ليكي.
راوية بغضب جامح: اتكلم معاك إزاي وأنت بتسترجع ذكريات حبك من جديد؟ أنت اتجوزتني ليه؟ فهد: ممكن توطي صوتك؟ راوية بصراخ: سبني في حالي لو سمحت. وتركته راوية وتوجهت للطريق، لتجد يده الأسرع إليها ليجذبها بالقوة إلى السيارة تحت مقاومتها. كان يسوق بسرعة كبيرة، فضرب على عنادها، وهي تتمزق من الداخل عما استمعت إليه. لم تتحمل أن تستمع لأكثر من ذلك، ولكنه أبى أن يتركها دون أن يحطم ما تبقى بقلب ذاق الجرح أوجاعًا.
وصل الفهد لمنزل واهبة القناوي في زمن قياسي من سرعته المفرطة. ثم توقف بحركة سريعة تدل على الغضب بداخله، فصدمت راوية بالنافذة. وضعت يدها على رأسها حتى تتحمل الألم الناتج من أثر الاصطدام. ليقترب منها الفهد بخوف: أنتي كويسة؟ دفشته راوية قائلة بغضب: مش هتفرق كتير إذا كنت كويسة ولا لا، الجرح النفسي أصعب من الجسدي بكتير. صمتت قليلاً ثم كفكفت دموعها قائلة بألم: بشكرك على الوقت اللي اخترته عشان تكسرني فيه.
وقبل أن يتحدث، كانت قد اختفت من أمامه. تطلع فهد لظلها الذي يختفي تدريجياً من أمامه. ثم توجه مسرعًا للمكان المنعزل عن الجميع. ليغوص بدوامة الماضي التي رفضت معشوقته الاستماع إليه، وتركته يعاني بمفرده. *** مكائد وخطط تدبرها نوراه لأيقاع نادين. كيف ذلك؟ من الذي سينال مراده؟ نوال أم عمر؟ وكيف سيحدث ذلك؟ ما هو السر الخفي وراء مروج والفهد؟ هل ستصمد العلاقات أمام المجهود؟ ماذا سيحدث عندما توضع الخطط لأسقاط الحصون الثلاث؟
هل سينجح الجياد؟ ما مصير القلب المحطم (راوية) من المجهول؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!