الفصل 33 | من 35 فصل

رواية الدهاشنة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اية محمد

المشاهدات
25
كلمة
3,811
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

في صباح يوم جديد محمل بالأفراح التي ستحل على عائلة الدهاشنه، كانت الترتيبات تقام على قدم وساق، فاليوم مميز للغاية، زفاف جاسم على حفيدة فزاع الدهشان. *** بغرفة نوره، تألقت بفستان أبيض جعلها كالملاك، واكتفت بتحجيبة بسيطة مع ميك أب هادئ، فكانت جميلة حقًا. أما نادين، فأرتدت فستان ستان من اللون البينك، ووضعت قليل من المكياج مع حجاب ذهبي اللون، فكانت كالأميرات.

أما حورية الفهد، فتألقت بفستان من اللون القرمزي وحجاب هادئ باللون الأبيض، فكانت كالملكات. *** بالأسفل، أقيم حفل يليق بأحفاد الدهاشنه، حيث كان يجلس رجال من كبار عائلات دهشان ومن العائلات الأخرى، فاليوم هو اللقاء للفزاع الدهشان، كبيرهم المعزز بوجود أحصانه الثلاث لحمايته، فهم قوة يتفاخر بها. كان الزفاف على أعلى مستوى، فمن يراه يعلم أن أصحابه من أثرياء الصعيد.

حيث أقيمت خيمة كبيرة للغاية، أعدها سليم والفهد لتليق بزفاف كهذا. كان وهدان وبدر يجلسون وسط حشود من الرجال بفخر وكبرياء، وكبيرهم فزاع الدهشان يجلس بوقاره المعتاد، يستند على عصاه الأبنوسية التي تزيده وقارًا واحترامًا. *** بالأعلى، كانت الفتيات تستمعن لألحان الأغاني الإسلامية بمساعدة راوية، تم ذلك، فراوية تخشى الله كثيرًا.

فمازحت نادين معهن بسعادة وسرور، ثم جذبت ريم وهنية ورباب لينضموا إليهن، مع رفض راوية لذلك وبشدة، واكتفت بالتصفيق. ولكن لمحت شيئًا منيرًا بالهاتف، لتجده معشوقها يتغزل بها بعشق جار. فتعجبت راوية من معرفته بألوان فستانها، فهي أبدلت ملابسها وهو بالأسفل، فلم يتمكن من رؤيتها. كانت مضمون الرسالة كالآتي: "اللون دا يجنن عليكي." "أنت شايفه فين؟ "بقلبي يا ملكته." "أخرجي من عندك." "ليه؟ "أخاف عليكي من العين يحسدوا."

"جوهرتي الغالية." تلون وجهها بحمرة الخجل، ليبعث رسالة أخرى: "لازم تطلعي فورًا، بموت في اللون الأحمر دا، مش عايز حد يشوفه غيري." "أنت فين يا فهد؟ "ليه وحشتك؟ رفعت راوية عيناها لتجده متخفيًا بالأعلى، فصعدت له مسرعة والغضب حليفها. التفتت راوية للغرفة لتجده يقف بكبرياء قائلًا بابتسامة نصر: "كنت عارف إنك هتطلعي." "أنت إزاي تقف كدا؟ مش عارف إن القاعة فيها ستات؟ اقترب الفهد العاشق منها قائلًا: "عارف." "وبتبص كدا عادي؟

ربنا أمرنا بغض البصر." "لأني مش شايف غيرك." صمتت راوية وتاهت بسحر عيناه الخضراء. *** بدأ المزمار بالعزف على الألحان المخصصة بالصعيد، فقام عمر للرقص، ثم جذب جاسم وتراقص معه على أنغام الموسيقى برشاقة، وكذلك انضم لهم خالد، ثم انضم لهم أخيرًا سليم، لتكون الحفلة على صراخ قوي بانضمام الفهد لهم. لم يروا تلك الحوريات التي تراقبهم بالأعلى. منهم من مأسورة بطل معشوقها (ريماس)

ومنهم من تنظر له بخوف شديد، لا تعلم أسينبض قلبها له أم ستقاسي بالأيام القادمة (نوراه) ومنهم من تنظر لحبيبها بعشق جارف، فهو لها الأمان والحمي (ريم) ومنهم من تنظر إلى معشوقها بحزن على ما ارتكبه بحقها، فكم كانت تود أن تكون بجواره في وقت السراء والضراء، ولكن هو حرمها بذلك، وعاد ليحيي قلبها بالنبض مرة أخرى وعشقه لها (راوية) ومنهم من كانت تنظر له بجنون وغضب طفولي، كم كانت تود أن ترقص معه بتلك العصا التي تزيده هيبة وجاذبية

(نادين) *** بدأ الفهد وسليم المبارزة بالعصا، وكذلك عمر وخالد، أما جاسم فاكتفى بتشجيعهم، فهو لا يعلم الكثير عن عادات الصعيد لعيشه فترة كبيرة بالخارج. كانت الفتيات معجبة كثيرًا بهم، حتى بالرقص يمتلكون كاريزما خاصة بهم. مر الزفاف ودلف الجميع إلى القاعة، فجلسوا بتعب وإنهاك، حيث استنفذت طاقتهم بالرقص والغناء والتمايل على أنغام الموسيقى الشعبية، حيث إن الفتيات انضممن إليهم لأول مرة، فذلك بعد أن شجعتهن نادين على ذلك.

ليتفاجأ جاسم بحوريته التي جذبت قلبه منذ أن وقع نظره عليها، وكذلك الفهد، فكان يخطف النظرات سرًا لتلك الحورية التي تقف أمامه. أما عمر، فكان يراقب ريم منذ فترة كبيرة، ويعلم جيدًا أنها خجلة بشدة منه، ومع ذلك يستمتع بخجلها. أما نادين، فكانت تنظر لسليم بغيظ كبير، لم يعلم ما سببه، ولكنه يعلم أنها حمقاء، وأن تلك المشاكسة ورائها كارثة بالمعنى الأصح. ***

كان كل منهم ينظر إلى حوريته بإعجاب شديد، فبالفعل استطاعت كل منهم أن تغير هذا الحصن وتلين قلبه بطريقتها الغامضة. *** صعد جاسم ونوراه الجناح الخاص بهما، فدلف بخجل شديد، ثم توجهت إلى المرحاض وأبدلت ثيابها إلى إسدال باللون الأبيض وحجاب من نفس اللون، ثم خرجت من المرحاض لتجده يجلس بالخارج، وما أن رأها حتى نظر لها بإعجاب شديد.

فقام هو الآخر وأخذ ثيابه، ثم توضأ وخرج لها ليصلي بها إمامًا، ثم وضع يده على رأسها ليقرأ دعاء الزواج، فابتسمت له، ثم أخفضت عيناها أرضًا. *** أما بالجناح الخاص بسليم، دلف ليجد نادين تجلس على الفراش بغضب شديد، فاقترب منها وعلى وجهه ابتسامة خبث: "مالك؟ "مفيش." "ماشية." نظرت له نادين بغضب ثم قالت: "يعني أنت في الجواز حرمتني منها ودلوقتي كمان." نظر لها بعدم استيعاب ثم قال بصدمة: "هو إيه اللي أنا حرمتك منه؟

نظرت له والشرار يتطاير من عيناها، ثم قالت بغضب طفولي: "أنا عايزة أرقص بالعصاية زي ما أنت كنت بترقص." نظرت له قليلًا ثم انفجر في الضحك، حتى أنه لم يتمالك نفسه، فتلك الحمقاء تقوده إلى الجنون. نظرت له بغضب شديد ثم قالت: "أنت بتتريق عليا؟ حاول أن يتماسك نفسه، ففي النهاية نجح بذلك قائلًا بصوت مصاحب لضحك مكتوم: "لأ أبدا، بس إني ممكن أراضيكي."

نظرت له بعدم فهم، فوجدته ينحني للفراش ثم يجذب تلك العصا التي كانت تخفيها منذ فترة، ثم فتح الخزانة وأخرج واحدة أخرى له قائلًا بعشق: "مقدرش حبيبة قلبي تزعل مني." وبالفعل فتح موسيقى هادئة، ثم بدأوا الرقص بالعصا تحت ضحكتها التي سلبت قلبه. *** بغرفة راوية وفهد، ما أن دلف فهد حتى تقدم من راوية بعشق جارف قائلًا بصوت مُعبئ هفوات من الحب تارة: "إيه الجمال ده؟ مش مصدق نفسي إن الجمال ده ليا لوحدي."

خجلت راوية ثم وضعت عينيها أرضًا، فحاوطها بذراعيه. تقدم منها الفهد بابتسامة خبيثة ثم خلع عنها حجابها لينسدل شعرها البني الطويل الذي يأسر قلبه، فرواية تمتلك مظهرًا جذابًا تحافظ عليه بحجابها الأنيق. خجلت راوية ثم خرجت إلى الشرفة، وجهها قد تلون بحمرة الخجل، كانت بينهما بضع مسافات، مسافات قليلة تنقطع بنظرات طويلة تحتضنها بحنان، فكأن المسافة بينهم منعدمة بنظراتهم التي تحتضن الأخرى.

قطعها الفهد عندما اقترب منها بنظرات تحمل لها من الحب رسائل، ثم تمسك بيديها قائلًا بخوف: "لسه زعلانه مني يا راوية؟ أشارت له بمعني لا، فقال هو بارتياح: "طب ليه بتتهربي مني؟ "لأني دايما بتحط حدود بينا، مش عارفة ليه؟ "أنا؟ طب حطيت إيه بس؟ فهمني." "هو أنت فاكر إن موضوع مروج ده دخل دماغي؟ ممكن يكون الأهل صدقوا، لكن أنا لأ. يا فهد، البنت دي حكايتها غريبة وتصميمها إنها تأذيني بيأكد كدا."

بدأت ملامح فهد بالانكماش، كأنها قذفته ببؤرة من جحيم مملوءة بنيران الماضي. "هي دي ردك على سؤالي؟ رفع فهد عيناه ثم اقترب منها وجذبها للداخل، وتوجه للخزانة وأخرج مجموعة من الصور وألقاها على الفراش، ثم جلس، وضع يده أمام عيناه اللامعة بشرارات الغضب لتذكره الماضي. اقتربت راوية من الفراش ودموعها تغرق وجهها، لا تعي ما تراه.

جلست على الفراش بتعب شديد تتناول الصور بيد مرتعشة، ليبدأ هو بالحديث، ولكن بلهجته، نعم هو يتحدث معها بنفس لهجتها، ولكن مازال محتفظًا بلهجته الأصلية: "كنت بدرس بالبندر الطب، كان حلمي أبقى دكتور عشان أعالج أمي، سافرت واتعلمت ووصلت للي أنا عايزه، لحد ما هي ظهرت في حياتي." صمت قليلًا لتكمل هي والخوف مرصع بقلبها: "وبعدين؟

"ظهرت قدامي بالخداع والكذب اللي بتستعمله عشان توجع الضحايا، زي ما بيقولوا، حتى إني وجعت إزاي معرفش لحد دلوقتي. انجذبت لحجابها اللي لابساه والعفة اللي هي دايما فيها." "أقنعتني إنها مالهاش مثيل، حتى الكلام مكنش بينا، كنت بحاول أغض بصري عنيها على قد ما أقدر، لكنى خوفت من ربنا، وخبرت الكل هنا إني رايد أتجوز من البندر." "وبعدين إيه حصل؟ "جدي رفض وجاب الدنيا." "لأنها من مصر؟

"لأ، لأني كنت بدرس وصغير من وجهة نظره، وهو عايزني أكمل تعليمي وأرجع الصعيد أجف جاري وأرمي شهادتي بعد كل التعب ده." "كمل." "عاودت البندر وأنا جوايا وجع ملوش دوا، وجلت إني هنسها، لإن أصلاً مفيش حاجة كانت ابتدت عشان تنتهي. لحد ما في يوم كنت بشقتي اللي بالبندر، صحيت في نص الليل على صوت خبط جامد على الباب، فتحت لجيتها قدامي وهدومها مقطعة ومن غير حجاب وبتعيط." "إزاي ومين عمل كدا؟

"أني كنت زيك كده صدقت الملعوب صح، ودخلتها ووقفت جارها لما عرفت إن حد اغتصبه." "عشان كده اتجوزتها؟ ضغط فهد على المقعد بغضب لحظته، راوية انتظرت أن يكمل بفارغ الصبر، ليفاجئها الفهد بقوته وصلابته، فهو الكبير، كيف له الضعف!!!

"فكرت كتير قبل ما أخد الخطوة دي، زواجي منها يبقى تحدي للكبير نفسهم، مكنتش قادر أفكر، وصلت لحل مؤقت إني أستر عليها وأتجوزها، وجوازنا يكون بالسر لحد ما أخلص تعليمي، وهي وافقت عشان أهلها ممكن يخلصوا عليها لو عرفوا حاجة، أو تقدري تقولي زي ما فهمتيني كده." "وبعدين؟ "جالي اتصال من الصعيد من عمر، قالي إن فؤاد وجع ورجله اتكسرت." "أخوك؟ أغمض عيناه بألم، كأنه يتذكر أخيه الأصغر، النسخة المصغرة عنه بنفس ملامحه.

"أيوا، الله يرحمه." "يارب." "سافرت الصعيد وسابتها كالعادة، لما بعاود بسيبها في شقتي، بس المرة دي الحظ غالبها أو ربنا كان رايد يفضحها بعد سنين خداع." "إزاي؟ "لما وصلت الصعيد لقيته مقلب من عمر وسليم عشان أعود الصعيد، اتعاركت معاهم وعاودت في الفجر." "وصلت للجدران." انتظرته راوية ليكمل، فصمت قليلًا ثم أكمل: "لقيتها في سريري مع... لم يقو على إكمال تلك النيران التي ستحرقه.

أما راوية، فوضعت يدها على وجهها من الصدمة، كيف ذلك؟ "كان نفسي أقتلها، بس لأ، مجبتش أوسخ إيدي بواحدة زيها، عرفت إنها مدوراها زي ما بيقولوا، ومتخفية ورا قناع الشرف والعفاف، ورسمتها صح، ابن الدهشان قوة وجاه ومكانة، هي هيستر عليها، طلقتها وعاودت الصعيد، بس المرة دي بلا عودة، سبت تعليمي وسبت كل حاجة، وبقيت زي ما أنتي شايفة، بكرة البندر." صمت قليلًا ثم قال:

"تعرفي يا راوية، إني كنت متأكد إن التجربة بتعيد نفسها، خصوصًا لما شوفت نادين بالغيط وفكرتها إنتي." نظرت له باستغراب ليكمل هو: "اليوم اللي كنت جايلك فيه، أخدت جرعة من القسوة، كنت حاسس إني راجع لها، هي والانتقام بيجري في عروقي." "وانتقمت؟ ابتسم فهد ابتسامة بسيطة ثم قال:

"كل ده اختفى أول ما رفعت عيني وشوفتك، معرفش إيه اللي جرالي، كيف وجعت كده من أول نظرة، ساعتها اتأكدت إني محبتش، كنت بكذب على نفسي، أنتي حبي وكل دنيتي يا راوية." "يعني الولد ده ابنك؟ ابتسم الفهد بخبث: "افترضي." نظرت له بصدمة والدمع يسيل كالشلال، لهرع إليها وضمه لصدره بحنان، ثم أخرجها قائلًا بلهجتها: "غبية، بقولك محصلش بينا حاجة، هيكون ابني إزاي؟ نظرت له برجاء، ليطمنها بحديثه قائلًا:

"دا بقى السر الخفي يا ستي، إنها لفت على أخويا، كانت عايزة تدخل عيلتنا بأي طريقة، فأستغفلته، فؤاد لما سافر يكمل تعليمه، هي كانت عارفاه من الصور الموجودة في شقتي، فوقعته في شباكها." "طب وأنت عرفت؟ وقف فهد ثم استند على الشرفة قائلًا بألم:

"يارتني كنت عرفت وقتها، كنت حميته منها، لكن عرفت متأخر أوي. وأنا كنت عارف إن في حاجة غريبة بتحصل معاه، كلامه وتوتره غريب، فكلفت واحد من رجالي إنه يراقبه، وفعلاً جابلي تقرير بكل حركة بيعملها وصور ليه مع الهانم." "عملت إيه؟ "واجهته يا راوية، بس مكنتش كشفت السر ده، ليه؟ غضبت عليه، بس رافض إنه يطلقها أو يبعد عنها، واتطاول عليا بالكلام عشانها! أغمض عيناه بألم قائلًا:

"رفعت إيدي عليه لأول مرة عشان أرجع له عقله، بس للأسف هي كانت متمكنة منه، بطيبته ووشها الخادع للكل." "وبعدين؟ "سافر مصر ورجع، بس في صندوق جثة هامدة، بعد ما عمل حادثة وهو جاي الصعيد، أنا كنت السبب يا راوية، أنا خليت الحقيقة تتكشف له وهو بمصر، بعت كل الأدلة عشان يفوق قبل فوات الأوان. معرفش إيه اللي حصل غير الحادثة اللي فرقت بينا بسبب الزبالة دي."

"بعد موته بشهرين رجعت مصر عشان أنتقم منها وأوريها مين هو فهد الدهشان، سكاتي مكنش ضعف مني، بالعكس كان حكمة وأخلاق. ملقتهاش، وبدم بارد، بتبكي وبتقولي إنها عملت كل ده عشان تدخل البيت بأي طريقة وتكون جانبي، بتحاول تخدعني تاني، لكن اللي اتخدع مرة صعب يتخدع مرتين. أنا كنت هخلص عليها، بس اللي وقفني ساعتها إني اتخيلت ريم، آدمي ومبادئ وأخلاق الدهشان مستحيل تضيع بسبب واحدة زبالة زيها."

"وزي ما أنتي شوفتي، لقيتها بعد سنين والولد ده معاها." "الولد ده فعلاً ابن أخوك؟ "أول خطوة عملتها قبل ما أرجع الصعيد، واتأكدت بنفسي." "طب ليه سبتوها تاخده وتمشي؟ ابتسم فهد ابتسامة بسيطة قائلًا:

"جدي حاكم عادل يا راوية، ممكن يعمل إيه حاجة غير الظلم. هي غلطت من وجهة نظره، لكن إنك تحرمي ابن من أمه ده الموت بعينه. الكل عملوه كبيرهم عشان حكمته ما يرضاش بالظلم لو مهما كان. سافرتها مصر في بيت من بتوعنا ومعاها حرس، عشان لو فكرت تغدر، الولد هيجي هنا كل شهرين، هيفضل أسبوع من غيرها أحسن ما تتحرم منه." "أنا فخورة بجدي وبيك قوي يا فهد." ابتسم الفهد ابتسامته الجذابة قائلًا بسخرية:

"مكنش ده رأيك من شوية. كان ممكن أكون مع أخويا الوقتي." انفجرت راوية ضاحكة ثم قالت: "لأ، أنا أقدر على الكبير." اقترب منها قائلًا بجدية: "قدرتي يا راوية." توقفت عن الحديث وتطلعت لعيناه العاشقة، حيث كان الحائل بينهما القمر والعشق والجنون. *** أما بغرفة ريم، دلفت ريم إلى الغرفة لتجد عمر يقف بالشرفة ويحمل الجيتار الخاص به. ينظر لها بخبث، فابتسمت ريم لعلمها ما يريد فعله، ثم اقتربت منه وجذبت مقعدًا وجلست. قائلة بفرحة:

"أنا عايزة أسمع نفس اللي سمعته المرة اللي فاتت." ضحك عمر ضحكة جعلته أكثر وسامة قائلًا بمكر: "مش خايفة جدك يسمعني؟ "معاك مببجاش خايفة من حد واصل يا عمر." ابتسم عمر وبدأ بالعزف على الجيتار باحتراف، وعيناه كانت هي التي تذرف الكلمات لها، نعم هي عشقه الوحيد، العشق الذي يجعله ملكًا لعالم بأكمله وهي ملكته. عزف عمر على الجيتار وعيناه مسلطة عليها حتى تلاشت بينهما المسافة لتكون هي أنشودته وهو عازفها. ***

أما بجناح جاسم، جلس جاسم بعدما أدى صلاتهم أمام التلفاز، يراقب نوراه بالخفاء، لا يعلم ما عليه فعله، لا يعلم لماذا قلبه ينبض بجنون ولما يشعر بأن تلك الفتاة استحوذت عليه. اقتربت نوراه ثم جلست بجانبه وأخذت تشاهد معه التلفاز بعين تحمل له الكثير من الأسئلة، أرادت أن تطرحه عليه لكنها خجلة للغاية. ليقرأ هو ما تريده، فأطفأ التلفاز واستدار لها قائلًا: "قولي اللي أنت عايزاه." وبالفعل وضعت عينيها أرضًا ثم قالت بخجل:

"إني معرفش أنت أخد عني فكرة إيه، بس عايزك تعرف إن إني وقت اللي كنت بحس بيه تجاه سليم ده مكنش حب، ممكن يكون إعجاب بس. اللي أعرفه إن إني غلطت غلطة كبيرة خليتك تفكر عني فكرة وحشة." قاطعها جاسم: "إيه اللي خلاكي تقولي كده؟

"لأن أي حد في موقفك أكيد هياخد عني فكرة كده، بس إني مكنتش بحسبها كده واصل. أنا وعيت لاقيت نفسي من غير أب ولا أم، عمتي هي اللي كانت جاريني. كنت لما بيحصلي موقف مبلاقيش إلا يسمعني غيرها، وهي للأسف اللي زرعت في قلبي الكره والحقد للكل." بكت نوراه وهي تقص عليه ما يؤلمها، بعدما توفت والدتها لم تجد أحد يقف بجوارها سوى نوال التي احتوتها، ولكن أخذتها لطريقًا مملوء بالأشواك، طريقًا دفعت بسببه الكثير والكثير.

حزن جاسم على ما استمع إليه، فتلك الفتاة هي ضحية لأفعال أمه، وعليه أن يتحمل ما فعلته، حتى لو قليلًا، فهو أيضًا كان ضحية لها، وأن كان استمع لها لكان الآن يدفع تذكرة محملة بالندم مثلما تفعل نوراه الآن. ضمها جاسم بحنان، وهي لم تمانع، فكانت بحاجة لذلك، لأحد ما يشعرها بحنانه ويخبرها أنه بجوارها، ولأول مرة تشعر فيها بالحنان والحب المسلوب منها، لتنام بعمق شديد كأنها لم تذق النوم لسنوات وسنوات.

تبسم جاسم عليها ليعلم أن تلك الفتاة القوية خلفها طفلة بريئة، فحملها بحنان إلى الفراش ثم دثرها جيدًا وتمدد بجوارها يتأملها بحب، نعم فقد نبض قلبه بالحب مرة أخرى. *** وبمنزل واهبة القناوي، بغرفة خالد، كانت ريماس تجلس على الفراش بعدم تصديق، كيف ذلك؟ حتى أنها لم تشعر بدموعها المنسدلة على وجهها كالامطار ممزوجة بين البرودة والحرارة. لم تصدق ما رأته للتو، أم أن الله عليها وعوض لها ما سلب منها؟

أسيمنحها فرحة جديدة تنير حياتها؟ لا تعلم هل عليها البكاء أم الفرح، كل ما تعلمه أنها بحاجة إلى الصراخ لتخبر الجميع بأن قلبها سيعود للنبض مرة أخرى. دلف خالد من الخارج وهو يحمل العشاء، بعدما أخبرته جدته بأن زوجته لم تتناول شيئًا، فحمله لها بغضب لإهمال طعامها بالفترة الأخيرة. جلس خالد بجوارها يحدثها، ولكنها لم تستمع له، فكانت شاردة بعالم آخر، حتى أنه وضع يده على كتفيها يحركها بلين وهدوء: "ريماس." "ريماس." "ريماس."

ولكنه لم يسمع ردًا منها، فزع خالد عندما رأى دموعها فسألها بخوف شديد: "إنتي كويسة؟ لم تجبه ريماس، فقد تنظر له بصمت ثم قالت بصوت مُحمل بالصدمة والفرح: "أنا حامل." لم يستوعب خالد ماذا قالت، حتى كررت الكلمة بصوت مرتفع ليسمعه جيدًا ويشعر بسعادة لا توصف، حتى أنه لم يقو على الحديث. احتضنها بفرحة شديدة حتى اختلطت سعادته بدموع الفرح قائلًا بفرحة: "مبروك يا حبيبتي، ربنا عوض علينا، مش قولتلك إنه كريم." "الحمد لله."

مر اليوم على الجميع بسحابة من الفرح والسعادة غيمت على بيوتهم لينالوا الراحة بعد شقاء، وحل الصباح بأشعة الشمس الذهبية لتنير العالم بأكمله، حتى عالمهم الصغير المبني بعشق وحب جارف أنار بنورها. *** فرح عشق سعادة شقاء يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...