شمس صباح جديد تلمع بذهب لتنير هذا العالم من جديد. على المائدة كان يجلس الكبير فزاع دهشان بهيبته المعتادة، بجواره الفهد الشارد بتلك المعشوقة التي تجلس أمام عينيه. بها لمحة حزن رأها في عينيها بعدما عاد من مصر، لا يعلم ما سببها ولكن يعلم أنه جرحها جرحًا بالغًا. فكان يستدرجها بنظراته لتنعم ببعض العشق الساكن بقلبه، لتعلم أن ما فعله لم يكن سوى حماية له من غضبه الجامح.
رفعت عيناها لتلتقي بعين مفعمة بالعشق، واسمها مسطر بحروف من ألماس في عين الفهد العاشق. فخجلت كثيرًا من نظراته، وبدأت توزع نظراتها بين الطعام وبينه بخجل بدا للجميع. بالمقابل له، كان يجلس سليم ونظراته تجاه معشوقته هو الآخر، التي تجلس بجانب نواره تسايرها بالحديث ويتبادلون الضحكات. فكان التعجب مصيره ومصير الجميع. كيف لنوراه الحديث بعدما كانت تلتزم الصمت، خاصة بعد أن كشفت نوال وطردت خارج المنزل؟
فكانت نوال بالنسبة لها كالأم وكل شيء، حتى عمر كانت نظراته مسلطة عليهم بتعجب، ولكن يشعر بداخله بفرحة بأن نادين فعلت المستحيل لتجعل تلك الفتاة الباسمة تنير وجهها. أما ريم، فكانت تنظر لعمر بخجل شديد، خاصة بعد أن عزف لها مقطعًا خاصًا وأهداه لها بكلمات ملحنها بصوته العذب خصيصًا لها، فريم ملكت قلب العمر المتعجرف.
كان يتابع كل ذلك كبير الدهاشنه، الذي علا وجهه بسمة بسيطة. بسمة فخر بأحفاده، فها هو اجتمع بهم بعد آلام وأوجاع صمدت بها عائلة الدهاشنه. فهو يرى تغير القلوب بعدما كانت قاسية وتحمل الجفاء، كـ سليم بتلك المشاكسة نادين. وراوية التي روضت قلب الفهد ليصبح الفهد العاشق، فهي بالفعل فعلت المستحيل. كل معشوقة صارت ملكة لقلب حصونه الثلاث.
أما جاسم، فكان شارداً بعالم آخر. كم كان يتمنى أن تكون بجواره، أن تخبره أنه لها كل شيء، وأن المال ليس بالكثير بجانب حبها له. ولكنها أثبتت له العكس حينما تنازلت عنه، كالكثير مما تنازلت عنها من الأخلاق والمبادئ. لم ينكر أنه بحاجة لها، خاصة بعد أن حدد زفافه بعد غد، كان يريدها بجواره. ولكن رباب وهنية ملأت الفراغ وظلت لجواره، فشعر بأن الله منّ عليه بالكثير والكثير.
بعد أن تناولوا جميعًا الطعام، جلسوا بالقاعة يتبادلون الحديث، حتى دلفت نادين قائلة بـ دراما تلفزيونية: "القاعدة دي متنفعنيش." نظر لها الجميع بتعجب. فقال بدر باستغراب: "قاعدة إيه يا بتي؟ اقتربت نادين من فزاع قائلة بلهجة صعيدية: "إسمع يا كبير، ما ينفعش يبقى انت كبير الدهاشنه وتجعد إكده." نظر لها قليلاً ثم قال بندهاش: "وأني جاعد كيف يعني؟! كان الجميع يتابع الموقف باهتمام، فتلك الفتاة دائمًا توقع نفسها في المتاعب.
فأكملت هي بدراما عالية: "المفروض الجعدة دي تكون إسبشيال ^^خاصة^^ بوجودك معانا. لازم أنت اللي تحلي الجعدة مش إحنا." سليم بصوت منخفض: "إسبشيال إيه، الله يخربيتك." عمر: "والله يا سليم مراتك دي مش هترجع إلا لما رقبتنا تطير على إيد الكبير." جاسم: "متقلقش، معانا الكنج." نظروا جميعًا للفهد، الذي تبسم بهدوء لينال الوسامة بجدارة وامتياز. بينما أكملت نادين إلقاءها قائلة بحماس: "القاعدة كلها صمت رهيب مخيم على الكل، ليه؟
ماندردش شوية." نظر لها فزاع بقليل من الدهشة، ثم قال سليم بضحكة مصطنعة وهو يشتعل غيظًا من تلك الفتاة: "اجعدي يا حبيتي، زمان رجليكي وجعتك من الواقفة. تعالي إهنه." كبتت راوية ضحكاتها، ولكنها فشلت بالأخير، لتتحكم ريم بها عندما سعلت بصوت مرتفع حتى لا يرى أحد ضحكاتها. ولكن هيهات، فالفهد يتابع معشوقته، فأرتسمت بسمة على وجهه لرؤيتها تبتسم. فكفت عن الضحك وبقيت تنظر له هي الآخر، لا تنكر أنها تعشق نظراته، حتى ولو تزيدها خجلاً.
جذب سليم نادين من ذراعيها لتجلس بجانبه، فدفشته بعيدًا عنها وتوجهت مرة أخرى للكبير، تحت نظرات خوف من الجميع. نادين: "شوف يا كبير، في العاب جميلة أوي نتسلى بيها بدل الجو الخنيق ده." هدان بخوف على تلك الحمقاء من غضب الكبير: "اجعدي يا بتي، الله يسترك." فهد بابتسامة ساحرة: "أنا بجول يا نادين، تسمعي كلام أبوي وترجعي مطرحك جنب سليم." تمتم بدر بصوت منخفض سمعه البعض: "بتجول إيه المخبولة ديه؟ كيف نلعب وتجول للكبير اجده؟
ياليلتنا الحوسة." كان الكبير يستمع لها بغموض تام وصمت رهيب، ثم قال: "عندك أفكار إيه؟ نظر الجميع له بصدمة: ماذا؟ أيستمع الكبير لتلك الفتاة المجنونة؟ كيف ذلك؟
ولكن فاجأهم وظل يستمع لها وهي تسرد له ما سيفعلونه، وهي أن تسجل أسماء الكبير بورقة باستثناء الكبير، ثم يقوم فزاع باختيار اثنين بطريقة عشوائية ويتوجه لهما الكثير من الأسئلة، والخاسر بينهم هو من لا يستطيع الإجابة على سؤال ما، فسيفعل ما يطلبونه منه. وبالفعل أعجب الكبير بذلك الاختيار تحت نظرات صدمة وتعجب من الجميع. وبعد المشاورات، أحضرت نادين أوراقًا وقلمًا وكتبت أسماء الجميع بأوراق صغيرة، ثم طوتها وجذبتها بداخل إناء
وقدمتها للكبير. فاختار ورقتين بطريقة عشوائية، فظهر اسم رواية والاسم الآخر كان جاسم. فركضت نادين وأحضرت مقعدين وجذبتهما في منتصف الغرفة. كان الجميع بحالة من الصمت، فمنهم من حلت عليه الصدمة، ومن حلت عليه الدهشة من تلك الفتاة، ومنهم من تبتسم على براءة تلك الطفلة المتخفية وراء تلك الفتاة.
فجذبت رواية بالقوة وأجلستها على المقعد، وهي تحاول الاعتراض، ولكن لا مع من ستتحدث، فهي تقف أمام الحمقاء بنفسها. أما جاسم، رفض في البداية، فأخبره عمر بأن لا بأس بذلك، فهم يشغلون وقتهم لا أكثر. وبالفعل، جلست رواية على المقعد وبجانبها كان يجلس جاسم بانتظار من سيطرحون الأسئلة. وضعت رواية عينها أرضًا بخجل شديد من نظرات الفهد لها، أما جاسم، فكان يجلس بارتياح، فهو ليس بكتاب مغلق للجميع، فالجميع يعرف عنه الكثير.
فاجأ عمر جاسم بسؤال لم يتوقعه، وهو: لماذا أراد الزواج من نوراه؟ فهذا السؤال يشغله منذ فترة والآن حان الوقت لمعرفته. كان جاسم بكارثة حقيقية، كيف يجيبه بأنه فعل ذلك لأن عمر لا يستحق من تلك الفتاة ما كانت تنوي فعله. حتى نواره، بدا الخوف على وجهها ولا تعلم بما سيجيب. لكن جاسم أجاب بذكاء بالغ حينما قال: "أنا سافرت مصر كثير وشفت بنات هناك أكتر. كان ممكن أرتبط بأي واحدة فيهم، بس هلقي أفضل من تربيتكم فين؟
أكيد قدام هيا متربية في بيت الدهاشنه، فمش هلاقي أفضل من كدا." تبسم الجميع على ذكاء هذا الصبي، فهو أجاب بذكاء حتى وإن كانت العبارات مختصرة. حتى عمر ابتسم ابتسامة ظهرت للجميع، كم ارتاح قلبه بعدما عثر على الإجابة المناسبة. نادين: "أنا بقا اللي هسأل رواية السؤال الأول، إيه أكتر موقف أسعدك مع فهد؟ تاني سؤال، حبيتي فهد من قبل الجواز ولا بعده؟ ابتعلت راوية ريقها بخجل شديد، حتى أنها كانت توزع نظراتها بخجل بين الفهد والجميع.
ثم وضعت عينيها أرضًا وصمتت قليلاً، حتى بدا الخجل على وجهها عندما تلون باللون الأحمر. تابعها الفهد باهتمام، فهو أراد أن يعلم الإجابة بصبر كبير. أما هي، فكانت تشعر بخجل شديد. ابتسم الكبير ابتسامة غامضة ثم قال: "ما تستحيش يا بتي، مافيش حد غريب." ضحكت ريم بتسلية، ثم جلست تستمع لها بعدما أحضرت المشروبات. وأخيرًا تحدثت رواية بارتباك: "أنا من أول ما شفت فهد وأنا حسيت بإحساس غريب بيربطني بيه، أما الحب كان بعد الجواز."
وصمتت قليلاً تبتلع ريقها بخجل شديد من نظراتهم إليها، فالجميع ينظر لها بابتسامة بسيطة. حتى سليم نظر إلى نادين وابتسم، ثم اقترب منها وهمس في أذنها: "سمعتي كيف كان إحساسها؟ لكن أنتي من أول يوم شوفتك فيه واحنا بنتعارك مع بعض." ثم تابعت رواية حديثها: "أكتر موقف أسعدني هو لما شوفت فهد واقف على رجليه." خانتها دمعة هاربة من عينيها عندما تذكرت كيف أنه حرمها من أن تكون بجواره. شعر الفهد بحزنها، فقال حتى يخرجها مما هي فيه:
"أنتي دنيتي يا راوية، ربنا يخليكي ليا يا رب." بدر: "أستحي يا واد منك ليه، بلاش جلة حياء." رباب: "ههههه، متهمل العيال في حالهم يا بدر." وهدان: "إسكت إنت." سليم: "وانت بجا يا جاسم، إيه اللي خلاك تنقذ ريم من اللي حصلها هنا؟ انقبض قلب ريم من مجرد التفكير بالذكريات. مرت حتى وهدان والجميع استمع له بأنصات. أما جاسم، فاستعد لجولة سيخوضها مملوءة بآلام وأوجاع النبش بذكريات ماضيه، فقال والألم مصاحب بصوته:
"أنا حاولت كتير أوقف أمي عن اللي هي بتعمله ومش لقيت طريقة أفضل من كدا." كانت إجابة بسيطة، فلم يرد سليم أن يضغط عليه أكثر من ذلك. تقدمت نادين من الكبير وقدمت له الإناء وقالت بفرح طفولي: "يلا نسحب كمان ورقتين." كان الجميع يتابع الموقف بنظرات من الحيرة ونظرات من الصدمة والخوف. وكان من أهله سليم، فكان ينظر إلى الكبير بخوف شديد من أن يقطع عنق تلك الحمقاء. فنظر لها الكبير وملامحه لا توحي بشيء، ثم ضحك قائلاً: "يلا نسحب."
ثم سحب ورقتين، فوجد اسم فهد وسليم. فصرخت نادين بفرحة طفولية، ثم جذبت سليم أمام الجميع، الدهشة والغضب حليف وجهه، وأجلسته على المقعد، ثم توجهت للفهد الذي كان ينظر لها بهيبة لا تليق سوى به. نادين بنبرة مضحكة: "هلما إلى المقعد، حان دورك." ابتسم الفهد ابتسامة بسيطة جعلته وسيماً للغاية، ثم قال بكبرياء وغرور: "ولو مروحتش يعني هتعملي إيه؟ نادين بخوف مصطنع: "مش هعمل، بس ممكن أخلي الكبير هو اللي يعمل." ضحك الكبير قائلاً بفرحة:
"جوم يا فهد، ولا معتش ليك كبير يا كبير الدهاشنه؟ فهد بلهفة: "كيف ده يا جدي؟ ربنا يعطيك طولة العمر." وبالفعل، قام الفهد وتوجه إلى المقعد لينضم لسليم قائلاً بخوف مصطنع: "أدام فيها الكبير يبقى نجعد من سكات." سعدت نادين كثيراً، ثم نظرت لهم وقالت بغرور: "يلا يا جماعة، يلا يا حلوين، معانا الأستاذ سليم والأستاذ فهد. اللي عنده أي سؤال، الفرصة مش هتتكرر كتير." ضحك بدر قائلاً: "البت ديه مش ناوي تجيبها لبره؟ وهدان قائلاً
بنوع من الجدية: "يا عم سيبنا، خلينا نفرح شوية. مننكرش إن بعد ما بنات البندر دخلوا الدهاشنه اتغيرنا شوية." كانوا يتحدثون بصوت منخفض بعض الشيء، ولكن سمعهم الكبير، فكانت ابتسامته تأييداً لحديثهم. ضحك عمر بشماتة ثم قال بغرور: "أنا اللي هسأل، محدش هيسأل غيري." سليم بخبث: "وحشك الغيط إياك؟ ابتلع عمر ريقه بخوف شديد، ليكمل الفهد بمكر: "ماشي، اسأل براحتك يا ود عمي." تلبك عمر ثم جلس مجدداً قائلاً بصوت مرتبك:
"لا، أنا مش هسأل. اللي عايز يسأل يتفضل يا إخويا." سليم: "ناس ما بتجيش إلا بالعين الحمرا." صمتوا قليلاً من الوقت، ثم قالت هنيه: "أني اللي هسأل ولدي." اشتعلت الأجواء بالحماس عندما شاركتهم هنيه باللعبة. فتقدمت من الفهد وجلست بجانبه، ثم سألته بخبث علمه الجميع، ولكن رواية اتخذت السؤال على محمل الجدية، عندما قالت هنيه: "بتحبني أني أكتر ولا بنت البندر؟ صمت الفهد قليلاً، ثم ابتسم قائلاً بذكائه المعهود:
"أنا بحبها عشان بتشبهك يا أمي." وقبل يديها، ثم قبل رأسها بحنان، لتبتسم بفرح وتحضنه بحنان وسط ضحكات وابتسامات من الجميع. حتى رواية قامت واتجهت لها وقبلت يدها بحنان قائلة بحب: "ربنا يخليك لينا يا أمي." احتضنتهم هنيه قائلة بفرح ودمع يلمع بعينيها: "ويخليكم ليا يا ضي عيوني." امتلأت الأجواء بالمرح والمزح، ولكن قاطعتهم نادين عندما وقفت بجدية مصطنعة: "أنا بجا اللي هسأل سليم." ثم تقدمت منه قائلة بجدية: "بتثق فيا؟
نظر لها سليم قليلاً ولم يعلم كيف يجيبها وسط نظرات من الجميع جعلته لا يقوى إلا الحديث. تحولت نظرات باهتمام، فنادين تتحدث بجدية كأنها تريد معرفة ما يجول بخاطره على فترات طويلة. صمت سليم ثم قال بعشق جارف: "أنا بثق فيكي أكتر من روحي."
كانت الإجابة مفعمة بالحب المصاحب له، حتى أن نادين ابتسمت كأنها تحمد الله على الفترة التي قضتها بعذاب انتهت الآن بانتصار. حتى أن نوراه كانت تتابع الموقف باهتمام وابتسمت بوجود جاسم بحياتها، ليفقها مما كانت فيه، فهي كانت بدوامة كاذبة بأن ما بداخلها لم يكن حبًا لسليم، ولكنه كان شيئًا خاطئ. نعم، جاسم دلفت لحياتها منذ فترة قليلة، ولكنها بدأت تشعر بأشياء غريبة تجاهه. كانت تخطف بعض النظرات له في الخفاء، لا تعلم لماذا تحب وجوده بجانبها، لا تعلم لماذا ينبض قلبها بسرعة كبيرة عندما تراه. كل ما تعلمه أنها وقعت في حب جاسم.
انتهت الجلسة بسعادة عارمة، فـتلك المشاكسة تنجح دائمًا في إسعاد الجميع، وخاصة بعد أن دلفت تلك العائلة كأنها حملت سحابة من السعادة لتغطي بها سرايا فزاع الدهشان. وبذكاء راوية، كانت تنجح دائمًا في حل المشاكل التي تقابل من بالسرايا، فـتلك الفتيات المكمل للدهاشنه. قام الجميع بتحضير زفاف جاسم ونوراه.
حيث أنه سيكون مختلفًا تمامًا عما سبق، فالزفاف اليوم مملوء بالعشق والحب ومختومًا بحصون الدهاشنه، ليأتي يومًا جديدًا محملًا بالأحداث، يومًا مملوءًا بطيات من الحب والعشق، بعشق الفهد المميز الذي امتلك قلب معشوقته، الملكة لعرش قلبه. وكذلك المشاكسة نادين بترويض القاسي، وريم راوضت المغرور ليصبح خاضعًا لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!