مر شهر... عذاب... معاناة لنسيان تلك الحادثة. ابتعدت قسمت واستقرت. أما ليال وربى، فما زالوا مع جود في الإسكندرية. جاءت طبيبة وجد النفسية، استقرت هذا الشهر معهم لتهيئة وجد للمقابلة الصحفية. وكذلك رهف وحنين معظم الوقت مع جودي، حتى لا تشعر بأي تغيير. أما ذلك المالك، فيقترب منها بنظراته فقط. علم بأمر عائلة زوج رهف، يريدون أملاكها هي وابنتها. سيقنعها، لقد وجد من خطفت قلبه، وسيقنعها بالتأكيد بالزواج منها.
هو لا يهتم لآراء الناس، بعكسها. إنه اليوم المنشود، بما لجود من مكانة. حضرت أهم مذيعة في الشرق الأوسط، والجميع ينتظر هذا اللقاء، هذا التبرير. الأعداء يتربصون، البورصة، سوق الأعمال، الكل. ارتدت ملابسها وجلست على الفراش، خائفة، قلقة، كل مشاعر التوتر تعتريها. أنهى ارتداء زيه الرسمي وجثى أمامها. أمسك يديها بكل حنية، طبع قبلة على كفها الأيمن. نظرت لعينيه، تبثه خوفها.
"احنا أقوياء، ومأذيناش حد، احنا اللي اتأذينا وبس. هنحضر المقابلة دي، هتقعدي جنبي في حضني، هنتكلم بكل صراحة، مش هنخبي. اللي حصل بعيدًا عن أسر، هو بريء، كش لازم نجيب اسمه. اللي عايزة تجاوبيه جاوبيه، واللي مش عايزة تجاوبي عليه، اضغطي على إيدي وبس، وأنا هتصرف. المقابلة هوا ومش متسجلة علشان ماحدش يقول إننا بنفبرك ولا مونتاج. براحتك، لو حسيتي إنك مش قادرة، هنهي كل حاجة وحالاً." تسربت إحدى دمعاتها التي جاهدت في عدم هطولها.
أزالها بكل رقة. "تؤ... إنتي قوية، لازم تظهري، لازم كله يعرف الحكاية، إنتي الضحية وإنتي المظلومة، مش الجانية. فاهمة؟ تمشي ورأسك مرفوعة. اتفقنا." أومأت له. جذب يدها وهو يعدل من وضعية حجابها، وسار للأسفل، حيث يوجد استوديو كامل في بهو فيلته. رحبت بهم المذيعة، وجلس على أريكة تسع لشخصين، وأجلسها بجانبه، ويداه تحوط خصرها، ويده الأخرى تتمسك بيدها. المذيعة تجلس أمامهم، وحولهم الكاميرات.
وخلف هذه الكاميرات، يجلس والديها، أسر، ديالا، رهف، مالك، والد ديالا. أما حنين وجودي، في مكان مخصص للألعاب مع الحرس. "ها قد بدأ اللقاء... 3... 2... 1... همس في أذنها: "اهدي، أنا جنبك، بحبك."
"السلام عليكم. انهارده وفي اللحظة دي، إحنا في بيت رجل الأعمال الغني عن التعريف، جود المالكي. اسم بتتهز له أسواق أعمال وبورصات كتير. حياته الشخصية كانت صندوق مقفول، كل اللي نعرفه عنها إنه كان متجوز، وزوجته توفت أثناء ولادة بنته جودي. ورجع اتجوز تاني، زوجته الحالية وجد المالكي. بس الفترة الأخيرة، من شهر بالتحديد، ظهر فيديو على كل المواقع واتحذف بعدها بساعات، والآن ليس له وجود. أكيد أثار الرأي العام. والمعروف عن جود المالكي، ما بيردش، بيسيب الكلام كده. بس حالياً، إحنا معنا رجل الأعمال المهم جود المالكي، وزوجته وجد المالكي. بنرحب بيكم جدًا، وإنكم اخترتوا برنامجنا للظهور والرد على تساؤلات الناس."
"أولاً بنرحب بيكي في بيتنا، وبنرحب بالناس اللي شايفانا. ومن البداية، اسألي اللي حضرتك عايزاه طالما مافيهوش تجريح." "أكيد. أول حاجة، ليه... ليه جود المالكي قبل بعمل اللقاء ده، والرد على الأسئلة، مع إن ده عكس اللي نعرفه." "أي انتقاد لشغلي ما كنتش برد عليه، بس لما ييجي لبيتي ومراتي، لازم أرد." "ليه الرد اتأخر كده، بعد الواقعة بشهر؟ "سؤال مهم. أكيد واقعة صعبة، فكان لازم مراتي تتعافى منها، علشان هي الأولى بالرد."
"يعني حضرتك ما بتنفيش أي حاجة." اعتدل في جلسته. "أكيد صعب على أي راجل الاعتراف بكده، بس لأ. لامتى هندفن راسنا زي النعام وننكر الحقائق؟ الفيديو كان حقيقة، ومراتي، وجد المالكي، تعرضت للحادثة البشعة دي." أغمض عينيه. ثم فتحهما، رادفًا بقوة: "مراتي، وجد المالكي، تعرضت لأبشع أنواع الجرايم، تعرضت للاغتصاب. صعب على أي رجل شرقي أكيد يعترف بدا، بس دي حاجة حصلت." ثم جذب يد وجد وقبل كفها.
"دي حاجة ماتعيبش مراتي، بالعكس، هي الضحية وهي اللي محتاجة الدعم. هي ما أجرمتش." وسط ذهول المذيعة، التي سرعان ما تجاهلته بهدوء تام. "احمم... أكيد طبعًا. أي أنثى بتتعرض في الشارع العربي دلوقتي لمضايقات، تحرش، اغتصاب، وحاجات أكيد أبشع. بس في ظل المجتمعات بتاعتنا، الست هي اللي غلطانة، بسبب لبس، بسبب أي حاجة تانية، ماشية متأخر. ده رأي الناس. الناس اللي مش فاهمة لا في أدب ولا دين ولا أي حاجة."
"ده فكر رجعي ومتخلف. لازم نقف جنب الست. إنت لو حد خد وظيفتك، حلمك، البنت اللي بنحبها، بتحس إنك انتهيت، الدنيا مالهاش لازمة. بما بالك بالبنت اللي مشاعرها أساسًا ضعيفة، تتعرض لحاجة زي دي، أهم حاجة عندها تتسلب بأبشع طريقة كدا. قبل ما ندور على مين غلطان، لازم ندعم البنت دي الأول نفسيًا، جسديًا، بكل طريقة ممكنة. وبعد كده نبتدي نحط المحاكم بتاعة الناس الفاضية اللي ما وراهاش حاجة غير الخوض في أعراض الناس."
"بحيك جدًا على تفكيرك. ممكن نتكلم مع المدام." ضغط جود على يد وجد، التي نظرت لعينيه. استمدت منه القوة. كلامه أعطاها ألف ثقة. تذكرت كل لحظة وقف بجانبها، ساعدها، تحملها، أحبها. "ممكن." كان هذا رد وجد الهادئ، التي نظرت للمذيعة، وهي تضغط على يد جود. "أول حاجة، أكيد بنرحب بيكي للمرة التانية. لو تقدري، تقولي لنا تفاصيل اللي حصل."
"كنت في حفلة عادية، حفلة عيد ميلاد صاحبتي. عادي، شربت عصير زي أي حد في عيد ميلاد، وبس. كان فيه مخدر. كنت حاسة بكل حاجة للأسف." ثم أغمضت عينيها. شد جود من احتضان خصرها، وضغط على كفها داعمًا، غير عابئ بالكاميرات. فتحت عينيها، مبتلعة ريقها بصعوبة. "كنت حاسة، بس مش قادرة أعمل أي حاجة." "أكيد شعور صعب، أكيد. بس اتخطيتي الفترة دي إزاي." ابتسمت. "جود... أكبر دعم ليا. تقبل مني كل حاجة، تقبل تقلباتي، انكساراتي، كل حاجة."
"أكيد بهنيكي على زوجك، بس مش موجود زيه اليومين دول. المعظم بيسيب الست، ولو ماسابهاش خوفًا من كلام الناس، دلوقتي شوية ويسيبها، أو يزهق من تقلباتها." "ده مش راجل." تدخل جود في الحوار.
"اللي ما يقفش جنب مراته في أصعب وجع في حياتها، ده مش راجل. الرجولة مش صوت عالي وسرير، دي فكرة ناس كتير. الرجولة إنك مع مراتك، بنتك، تديهم أمان، أمان يحكولك. إنك تبقى أحن حد عليهم في لحظات ضعفهم، إنك تتقبل كل حاجة، كل تقلب. الست قوية جدًا، بس لما بتضعف وتنهار بتبقى محتاجة سند، مش جلاد." "احترامي بيزيد لحضرتك. بس أكيد دلوقتي حالة مدام وجد أحسن."
"أكيد أنا أحسن. لما بكون عندي عيلة قوية، وزوج ما تخلاش عني، مع إنه عارف اللي حصلي، وكمل معايا. وهو السبب إني قاعدة ومكملة، هو الداعم ليا، أكيد أحسن." "أكيد فرحانين ليكي إنك تجاوزتي المرحلة دي، وربنا ما يحطش أي بنت في المواقف دي."
"إن شاء الله. أنا لما وافقت على اللقاء، أكيد ما كنتش عايز أبرر ولا حاجة، بس حبيت الناس تعرف إن أي بنت بتواجه موقف زي ده، مش لازم تنكسف. إنتي مش جاني، إنتي ضحية، لازم تقفي. واللي يبيعك بيعيه، واللي يقف جنبك في الموقف ده، أوعي تتخلي عنه. وحابب أقول حاجة، قررت إني هعمل مؤسسة هتديرها وجد، للبنات والستات اللي تعرضت لأي نوع من أنواع التحرش، الاغتصاب، أي حاجة ضرتها، أو سلبت منها أنوثتها حتى لو بلمسة."
"الست هي المنشأ اللي بتربي. لو هي كويسة، واعية ومثقفة، كل حاجة لعد كده بتتظبط." "قرار بحييك عليه، أكيد أنا والمتابعين. بنشكركم على المقابلة دي. أستاذة وجد، لو حابة تقولي حاجة أخيرة نختم بيها." "أنا كنت ضحية، زي بنات كتير. قومي، واقفي، إنتي أقوى من أي حاجة في الكون. ما تخليش حد يوقعك. وعايزة أقول لجود، أنا بحبك جدًا، إنت كل حاجة في حياتي. وبس." وانتهى اللقاء بهذه الكلمات.
بالطبع انتقلت الأخبار كالنار في الهشيم. لم يهتم بها جود، وأما كانت بضعة الأسهم التي سقطت من شهر، فقد ارتفعت، وأصبح جود نصير المرأة، ووجد حكاية يقتدى بها الكل. انتهى اليوم. وأصر جود على الكل بالذهاب، وأرسل أسر إلى باريس لمتابعة العمل. كما ذهب والدي وجد. والآن أصبح جود، وجد، جودي، لوحدهم. جلست وجد، وبحضنها جودي. "مامي." "نعم." "إنتي ليه مش بتقعدي معايا كتير." "خلاص يا جودي، هقعد معاكي، وهنلعب كتير جدًا." "بجد."
"بجد. يلا، نقوم نغير هدومنا وننام، وأحكيلك حدوتة." "هييييه، يلا." صعدت للأعلى مع جودي، تحت أنظار جود، الذي أزيح هم ثقيل من على صدره. فاليوم لأول مرة يشعر بأن وجد قد تخطت كل هذه المعضلة تمامًا. صعد إلى غرفته، أخذ حمامًا، وجلس منتظرًا وجد. دخلت الغرفة، وجدته يمد لها يده وهو جالس على الفراش. ذهبت وتكوّرت في حضنه. قبل جبينها. "أنا مبسوط، لاول مرة أحس إنك اتعافيتي كليًا."
"وأنا كمان مبسوطة، قدرت أواجه، مش خايفة من حاجة، وحاسة بأمان كبير." ثم خرجت من حضنه وجثت فوقه. "إيه في إيه." قالها بتوجس، وهو يزيل شعرها الذي غطى وجهها. "إنت مش هتخرج بعد كده من غيري." "ليه." "طلعت في التليفزيون، وقلت كلام حلو، ودلوقتي بقيت الهيرو، حلم كل ست. أنا غيرانة عليك." قالت كلمتها الأخيرة بخفوت. وهب تندس في حضنه مرة أخرى. "يسلملي الغيران." رفع ذقنها حتى تنظر في عينيه.
"وأنا بحبك. وبس. إنتي وجودي دلوقتي حياتي، فاهمة." "فاهمة." ثم اقتنص حقه من ثغرها. لقد ابتعد هذا الشهر عنها، وأآن الأوان أن يشعر بقربها. بعد وقت طويل، تتمسح في صدره كالقطة. "جود." "مممم." "المؤسسة دي فكرتها حلوة." "المؤسسة من شهر العمال بيشتغلوا فيها، وهتقعدي مع المنفذين ليها بكرة، وقولي اللي انتي عايزاه، هتبقي باسمك." "أنا بحبك يا جود، إنت كل حاجة بجد." ضمها لحضنه أكثر. "وأنا مش عايز غير الكلمة دي وبس."
نوم في هدوء وطمأنينة، بلا خوف، بلا أرق، فقط حب. قام مالك بتوصيل رهف وحنين. قام بحمل حنين التي غفت، وصعد إلى شقتهم. فتحت له رهف غرفة حنين، وضعها على الفراش، طبع قبلة على جبينها، وأزال حذاءها، وخرج من الغرفة. وجد رهف تجلس على إحدى الأرائك، فجلس أمامها. "رهف، إحنا لامتة هنفضل كده." "كده إزاي." "إنتي عاملة مش واخدة بالك، وأنا بجري وراكي، لامتة." قامت وأعطته ظهرها. "أنا قلت لك قبل كده يا مالك، أنا مش موافقة."
قام وأدارها له، قربها منه بشدة. "ابعد، ابعد." "مش هبعد يا رهف، مش هبعد. إنتي بتحبيني، بشوفها في عنيكي، ليه مصرة على البعد." بكل قوتها، أبعدته عنها. "قلت لك قبل كده، أنا أرملة، معايا بنتي، وأهل أبوها الله يرحمه، والناس. مش هينفع. بطل تضغط على أعصابي بقى." وجلست على الكرسي خلفها. جثى أمامها، وأمسك يدها، يعد على أصابعها.
"أول مشكلة، بنتك، وبتموت فيا، وأنا بحبها جدًا، وإنتي شايفة دا كويس. تاني مشكلة، أهل جوزك الله يرحمه. أضمن لك إن مافيش حد هيتعرضلك، ولا هيحاول ياخد بنتك، شغلهم أهم، وأنا اتفاهمت معاهم. الناس، وإنك أرملة، يولعوا الناس، يولعوا. أنا بحبك، وهتجوزك، فاهمة." "إنت... إنت رحت لأهل جوزي؟ إنت مجنون." "حنين." "اهدي، واظهر ورقة، اقري. مضوا تنازل عن حضانة حنين لو اتجوزتي." أخذت الورقة تقرأها، مندهشة بشدة. "إيه دي؟ إزاي."
"مش مهم. المهم إن ماحدش هياخد حنين مننا." "مافيش إحنا، مافيش." قالتها ودموعها تغرق وجنتيها. "ليه كده؟ ليه عايزة البعد." "إنت مش فاهم. هيقولوا إيه؟ صحباتي بعدوا عني، خافوا أسرق جوازاتهم. نظرة الناس ليا اختلفت، فاهم؟ ولما اتجوز تاني، هتجوزك يا مالك، بعلاقتك، وكل دا. الناس ما بترحم." اقترب منها، وأمسك كتفيها.
"يولعوا، قلت لك مليون مرة يولعوا. أنا جبت آخري معاكي، وهتجوزك، وتجهزي يوم الخميس، بعد تلات أيام. فيلتي جاهزة، وأوضة حنين هاخدها بكرة تختارها. فاهمة." قال كلمته الأخيرة بحدة. أجلت بين يديه. سند جبينه على جبينها، هامسًا. "حرام عليكي، ليه كده بس. أنا حبيتك، وبتمنى قربك والله. عايز عيلة معاكي إنتي. الأرملة زيها زي باقي البشر، ليها فرض تانية، ليه تقفلي قلبك ليه. أنا بحبك، وبحب حنين. وافقي، عشان خاطري وافقي."
انكمشت في حضنه، وكان هذا خير جواب. أبعدها يزيل دموعها. "أنا هنزل، علشان ما ينفعش أفضل أكتر من كده. بكرة هاخدك إنتي وحنين تنقوا اللي انتوا عايزينه." أومأت له. قبل جبينها وكف يدها اليسرى، هامسًا. "الخميس بس، وهتبقي مراتي، وهتلبسي الخاتم اللي هيقول لكل الناس إنك ليا وبس." وذهب تاركها في فرحتها، تحاول تهدئة قلبها. قررت عدم الاهتمام بحديث الناس، لن يستطيع أحد أن يسعدهم جميعًا.
همها ابنتها، وضمن لها أنها لن تخرج من كنفها، لذا فهي ستأمنه على حياتها وحياة ابنتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!