في الصباح استعد الجميع لبداية اليوم الجديد بنشاط. ما عدا هي، كانت حزينة للغاية، فاقدة للأمل، مستسلمة لذلك الماضي الأليم. كانت شارده لمدة طويلة، ولكنها أفاقت من هذا الشرود سريعاً وتناولت هاتفها وقررت إرسال رسالة قصيرة لمنتصر. كان محتواها: "أنا محتاجة إجازة لفترة طويلة." أجابها هو الآخر برسالة: "كنت هكلمك عشان أديكي إجازة مفتوحة لحد ما فهد يمشي من عندك." ردت بعدم فهم: "ليه كده؟ أنا مالي بمشكلته؟
منتصر: "اسمعي الكلام، وهي فرصة تريحي أعصابك." أجابت: "انت عرفت منين إني مخنوقة؟ منتصر: "أنا مش قولتلك قبل كده، انتي زي بنتي. يلا بقا بلاش رغي كتير، عندي شغل." أجابته ميرال: "مش عارفة أشكرك إزاي." وأغلقت هاتفها وتناولت دفترها القديم. كان فارغاً تماماً. تذكرت أنه كان هديتها الأخيرة من أمير، لتد مع عينها. ولكن سرعان ما تختفي تلك الدموع، وفتحت ذلك الدفتر وكتبت:
"مكنتش متوقعة إن هيجي يوم وأكتب اللي حاسة بيه، ومكنتش متوقعة إني هكتب فيك مشاكلي. يوم ما جيتلي هدية، كنت مفكرة هكتب فيك أحلامي الوردية شبه لونك بالظبط، بس انت جيت في الوقت الغلط. جيت في الوقت اللي هلوثك فيه بحكايتي اللي لونها أسود وأسوأ من الأسود كمان. يا ترى ليه بنقابل شخص واحد بس يفضل يعلم فينا ويغير فينا، وفي الآخر يسيبنا نواجه كل المشاكل دي لوحدنا؟
اكتشفت إن القوة ملهاش علاقة بالخوف، والخوف بيولد خوف أكبر منه. خوف من إني أقع مرة تانية مع حد جديد مش ليا، وخوفي بأنه يكون ليا وميصونيش أو ميبقاش فاهمني، وخوفي من الوحدة. يا ترى هفضل فيها كتير؟ كنت شايفة إن خلاص مغامراتي خلصت، بس طلعت لسه هبدأ من جديد."
وظلت تكتب في كلمات شبيهة لهذه الكلمات، قد تكون غير مرتبة نوعاً ما، لكنها تعني لها الكثير وتوصف منها الكثير أيضاً. قطع تلك الكتابة الطويلة رنين هاتفها معلناً باسم ياسين. لتجيب سريعاً: "ياسين، إزيك؟ ياسين: "إيه يابنتي، ده مال صوتك؟ ميرال: "أبدا، عندي برد بس." ياسين: "طب أنا هنا في العين السخنة وحابب أقابلكم." ميرال: "إمتى؟ ياسين: "دلوقتي. بصي، هقابلك في الكافيه اللي قدام الڤيلا بتاعتي." ميرال: "متيجي عندي يعني؟
عندي كافيه وأروح بره؟ ياسين: "مش هقدر أبعد عن الڤيلا. تقدري تقولي فيها أمان." ميرال: "هلبس وأجيلك على طول حاضر. أصلاً انت واحشني." ياسين: "وانتي كمان ياحبيبتي. يلا مستنيكي." تدخل عليه زينة وهي تقول: "ممكن أدخل؟ ياسين: "متستأذنيش، ده بيتك. تعالي." زينة: "أصل لقيتك بتتكلم، محبتش أزعجك." ياسين بابتسامة: "دي ميرال، تقدري تقولي أختي." زينة: "هي قريبتك؟ ياسين: "متربية معايا." زينة: "ممكن أسألك سؤال؟ ياسين: "اتفضل."
زينة: "هو انت ليه جبتني هنا؟ ليه مسبتنيش في الشارع أو حتى سلمتني لعزيز؟ ليه اتحملت مسؤوليتي؟ ياسين: "عارف إن في أسئلة كتير في دماغك، بس أنا راجل. إزاي هسيب بنت جميلة ورقيقة زيك في الشارع؟ انتي طبعاً عارفة ساعتها كنتي هتواجهي إيه أو كان هيحصلك إيه. أنا نفسي مش مستوعب إنك هنا معايا، بس مقدرتش أسيبك، رغم إنه مكنش وقتك أصلاً." زينة: "مش خايف على نفسك لو وصل لينا؟
ياسين: "مش خايف غير عليكي. أنا مش بخاف على نفسي، أنا بشوف الموت كل يوم وشايف إن هو مش حاجة أهرب منها. ده المفروض يكون أكتر حاجة مستعد ليها، لأنه هو الحقيقة المؤكدة في حياتنا. يمكن منفرفش هيجيلنا امتى، بس اللي نعرفه إنه جاي يعني جاي." زينة: "شكلك مخبي بلاوي." ياسين: "طب إيه بقا؟ أنا لازم أجهز عشان ميرال." لتفضل زينة الصمت.
على الجانب الآخر، ارتدت ميرال ملابسها المكونة من بنطلون جينز أزرق غامق وبلوزة قصيرة باللون الأسود وحذاء عالي، وتركت لشعرها العنان. نزلت إلى الأسفل لتجد كلا من لينا وفهد جالسين يتناولان الفطور. لتقول لينا: "رايحة فين؟ ده مش لبس شغل." ميرال: "هقابل ياسين." لينا بابتسامة: "سلميلي عليه." غادرت ميرال وهي تتجنب الحديث مع فهد. ليقول فهد: "مين ياسين ده؟ حبيبه؟ لينا: "لا، ده متربي معاها، يعتبر أخوها." فهد باختصار: "آه، فهمت."
بعد مرور ربع ساعة، وصلت ميرال إلى الكافيه لتجد ياسين. ميرال: "ياسين، إزيك؟ ياسين بابتسامة: "انتي أخبارك إيه؟ شكلك مش مطمنة." ميرال بحزن: "ما انت عارف يا ياسين." ياسين بنفس الابتسامة: "يابت ياهبلة، انتي ألف واحد يتمناكي. عارفة أنا لو ينفع كنت اتجوزتك من بدري، بس أنا عارف إنه اللي بالقلب هو ده اللي مانعني." ميرال: "هتعاكس بقا؟
وبعدين هو مبقاش في القلب ولا حاجة، بس غصب عني بفتكره. هو كان واخد أماكن كتير في حياتي، فجأة مبقاش عايز يكمل، ومبقتش مناسبة." ياسين: "ميرا، شوفي حياتك بجد. هو كمان شاف حياته خلاص، ويمكن يتجوز قريب." ميرال: "أنا مش مستنياه يا ياسين عشان أقرر. أشوف حياته أول ما هو يشوف حياته. كل الحكاية إني ملقتش حد فاهمني."
ياسين: "مش كل اللي فاهمك بيحبك، ومش كل حد مختلف ومش قادر يوصل لتفكيرك يبقى وحش. متأخديش بالفكر ولا بالمظاهر ولا بمستوى التعليم. خدي قلب يحافظ عليكي ويكون بيخاف من ربنا وعلاقته بيه كويسة. ناس كتير أوي من نفس المستوى الاجتماعي والفكري والثقافي ومش مرتاحين مع بعض." ميرال: "قولي بقا، جيت هنا ليه؟ وإيه الأمانة اللي عندك؟ شكلها مخدرات." ياسين بمرح: "الله يخربيتك! هتحبسيني! ميرال: "وهخرجك منها يباشا كمان."
ياسين: "لا جد بقا، الأمانة دي تبقى بنت." ميرال: "نهارك أسود! وانت جايب بنت عندك تعمل بيها إيه؟ ياسين: "الله يخربيت مخك! هحكيلك." سرد لها ما حدث أمام ڤيلا الأنصاري. ميرال: "حركة حلوة منك، بس يا ترى إيه مصير البنت دي؟ ياسين: "مش عارف. بفكر أكتب عليها وأرجع لها حقها وبعدها أطلقها."
ميرال: "لا، انت مش قد عزيز ده أولاً. ثانياً، عزيز مسجل عندكم وهي قريته. لو اتجوزتها هتتفصل عن شغلك. متنساش ده، مينفعش تهد كيانك اللي بنيته في سنيني." ياسين: "البت حلوة وبريئة أوي، مش وش بهدلة." ميرال: "شكلك وقعت." ياسين: "يا شيخة اتنيلي! كل الحكاية إنها بنت ناس، مينفعش تفضل معايا كتير من غير جواز. ولو رجعت هتقتل، وأخاف أجيب لها شقة إيجار لوحدها حد يضحك عليها أو تمشي غلط. دي صغيرة برضه." ميرال: "يخربيت تفكيرك!
انت لو أمها مش هتفكر في كل ده." ياسين: "مش يمكن ربنا بعتني ليها في الوقت المناسب." ميرال: "طب وشغلك؟ أنا خايفة عليكي." ياسين: "انتي عارفة إني محبتش مجال الشرطة ده وكنت داخلة غصب. ربنا يحلها بقا، بس الأول لازم أقبض على عزيز قبل ما أعمل أي حاجة عشان أضمن إنها بقت في أمان أو بقت في جزء من الأمان." ميرال: "ياريت كل الناس زيك." ياسين: "بقولك إيه، تعالي معايا عايز أشتري لها هدوم لأنها بتلبس هدومي." ميرال: "وهدومها فين؟
ياسين: "ما أنا قولتلك، كانت لابسة هدوم الغفير." ميرال: "حاضر. وكمان أنا عايزة أشتري قطة." ياسين: "ليه كده؟ ميرال: "نفسي يبقى عندي قطة من زمان. مربتش قطط." ياسين: "حاضر، هجيب لك واحنا مروحين. عايزاها إيه؟ ميرال: "عايزاها بنوتة وتكون هيمالايا." ياسين: "طب يلا." أخرج من جيبه بعض النقود ووضعها في الدفتر الذي أمامه، وذهبا للتسوق معاً. لتمر أكثر من ساعة وفي أيديهم مشتريات كثيرة. ياسين: "كده كفاية ولا؟ ميرال: "يا عم، اهدا!
انت جبت لها حاجات مش هتخلص." ياسين: "فداها. يلا بقا نجيب القطة." وبالفعل، اشترى لها القطة التي تريدها وقال: "دي هديتك انتي بقا." ميرال: "بجد، أحلى حاجة جتلي يا ياسين." ياسين: "هتسميها إيه بقا؟ ميرال: "امممم، هسميها أوري." ياسين: "ده اسم ولد يابنتي." ميرال: "لا، لايق عليها." ياسين: "مش عارف أشكرك إزاي ياميرا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!