تواجد جميع الفرق لمعرفة أسماء الفرق المؤهلة، وبدأ إعلان أسماء الفائزين. ثمانية فرق تأهلت للمرحلة الثالثة في لوس أنجلوس. تبقى ذكر اسم آخر فريق متأهل. تحدث المعلن أن الفريق المتأهل فريق عربي. أغمضت تميمة عينيها لتتلقى الإعلان. نظر حازم إليها، وهشام نظر إلى حازم، في انتظار إعلان اسم الفريق. قال المعلن اسم فريق حازم. ظلت تميمة مغمضة عينيها للحظات. تحدث إليها هشام: _تميمة، أنتي كويسة؟ فتحت عينيها: _ها.. كويسة، كويسة.
لقلقهم عليها، تجمع حولها الفريق: _تميمة، بالنسبة لنا اتأهلنا وكسبنا. كسبنا خبرة وهنحاول تاني واحنا مع بعض. ها يا تميمة، إحنا مع بعض.. صح يا شباب ولا إيه؟ أتفق الجميع مع كلماته وأكدوا عليه. الجميع أحاط تميمة وحاولوا التحدث معها لمساعدتها على تقبل النتيجة. ولكنها تداركت الموقف سريعًا ونظرت إليهم مبتسمة: _الحمد لله يا جماعة، الحمد لله. أنا مش زعلانة، خير. خيرها في غيرها، دي مسابقة مكسب وخسارة.
في الاتجاه الآخر، فرح واحتفل فريق حازم للتأهل. إلا حازم، كان تركيزه ونظره على تميمة وشعر بحزن لخسارتها. تمنى أن تفوز لرؤيته مدى تفانيها والجهد الذي بذلته في المسابقة. شاهدهم مغادرين جميعًا، وظل في موقع المسابقة مع الرابحين. وصلا إلى الفندق، وكانت تبتسم مع أصدقائها وهشام. وذهب أصدقاؤها لغرفتهم. _تصبح على خير يا هشام. _تميمة. _أيوه.
_إنتي عملتي اللي عليكي، ومش معنى كده إنه ضاع حلمك. لأ، فيه فرص تانية. بالفرصة دي هتقدري. ابتسمت تميمة: _هشام، أنا كويسة، متقلقش عليا. أنا اتأخدت بس أنا تمام. دي مسابقة وفيها كسبان وخسران، وكانت تجربة حلوة وفادتني. فأنا تمام، متقلقش. _بكرة هكون هنا، هنروح مع بعض المطار ونسافر. _تمام، هكون جاهزة.
تركته واتجهت إلى غرفتها. وغادر هشام الفندق. دخلت غرفتها وجلست على مقعد تحدق في السقف. اختفت الابتسامة وظهرت مشاعرها الحقيقية التي أخفتها عن أصدقائها حتى تظهر بالتماسك أمامهم. شعرت كأنها كانت تقف في مكان كان مليئًا بالحياة، لكنه الآن خاوٍ وصامت وموحش.
اتجهت إلى الحمام ونظرت في المرآة، وأذرفت دموعًا من عينيها حزنًا على خسارتها لحلمها الذي سخرت له كل طاقتها. انهمرت دموعها وأغمضت عينيها، وتذكرت حديثًا دار بينها وبين جلال في إحدى المرات في الدار في الماضي. فلاش باك. تميمة تذهب إلى الحديقة وتشاهد جلال يقوم برعاية الورود ويقوم بزرع ورد جديد لإحدى الفتيات الصغيرة. تقدمت نحوه وقالت: _وردة جديدة لـ"توتا" بدل اللي ماتت. _أيوه.. وردة جديدة يعني حياة جديدة، يعني فرص جديدة.
_بس ليه المرة دي مش نفس وردتها؟ _عشان تعرف وتترسخ في معتقداتها من صغرها إن مفيش خسارة دايمة. ومتحزنش على فقدان شيء، لأن أكيد فيه حاجة تانية أحلى هتحبها هتجيلها بعدين. تتعلم إن هدايا ومفاجآت القدر غير متوقعة. _يعني بتعلمها متحزنش.
_لأ، طبيعي تحزن لأن الحزن مشاعر طبيعية نمر بها كبشر، لكن متستسلمش للحزن. الحزن حالة يا تسيطر علينا يا نسيطر عليه. حاجة مبنفكرش فيها دايما إن طول ما إحنا عايشين، فكرة فقدان أي شيء في حياتنا موجودة، مش احتمال، لأ أكيد. عشان كده لما بنفقد بننصدم. فإحنا هنتعامل إزاي مع الصدمة؟ طريقة تعاملنا مع الحزن هو اللي هيشكل حياتنا، هنعيشها إزاي.
_بس أوقات بيبقى الحزن أقوى مننا. يعني مثلًا حلم حلمته سنين وابتدأ يتحقق وفجأة بيختفي وينهار. في اللحظة دي معتقدش بنقدر نفكر، إحنا بنستسلم.
_مؤقت.. نستسلم مؤقت. لأن لازم تحزني وتتوجعي. دي مشاعر إنسانية تحسي إنك عايشة. لما بتتعرضي لصدمة إن حلمك انتهى في المرحلة دي هتتألمي. حزن على وقت وطاقة ومشاعر اتبخروا. خدوا يومهم تمام، ندخل على مرحلة الاستيعاب إنك خسرتي. عند نقطة معينة وقفتي شوية، لكن هتقدري تكملي. طريقة تصرفك هنا هو اللي هيحدد لك حياتك بعدين. الألم بيكون دافع نرجع نقف، لأن مش طبيعي هنفضل طول حياتنا ثابتين عند نقطة بنبكي ونحزن بس. حزنتي وانهارتي تمام،
نرجع نقف ونكمل ونتأكد إن اللي جاي فيه حاجات كتير هتفرحنا. تميمة، طول ما إنتي عايشة وبتتنفسي، أحلامك مبتنتهيش. الأحلام بتعيش معانا لآخر يوم في عمرنا. نقع كتير، ناخد نفسنا ونرجع نقف ونكمل. لكن تنهاري وتستسلمي عند أول مطب وتقولي أحلامي ضاعت وحياتي انتهت، لأ مش صح. طريق تحقيق الأحلام مش سهل، عاوز شخص متسلح بقوة الإرادة والاستمرارية والأمل إن المرة الجاية هتكون أحسن. كده هنقدر نعيش الحياة رغم صعوبتها وهنوصل. طول ما بنحاول
هنوصل.
فتحت تميمة عينيها وتغيرت النظرة من حزن ويأس لإرادة ورغبة للاستمرار وعدم استسلام. نظرت إلى صورتها وتنفست نفسًا عميقًا وابتسمت: _إنتي مفشلتيش يا تميمة. إنتي عملتي كل حاجة تقدري عليها في الفرصة دي ووقعتي، لكن مش نهايتك. هتقفي تاني وهتحاولي تاني وهتنجحي في اللي جاي. كملي، متوقفيش. بدلت ملابسها واستلقت على السرير لتنام.
عاد حازم وفريقه إلى الفندق. دخل غرفته وجلس في حالة شرود وحزن. أمسك هاتفه وأراد الاتصال بتميمة ولكنه تراجع. بدل ملابسه وغادر الغرفة وجلس في صالة الألعاب في حالة صمت لمدة طويلة. صباحًا، استيقظت تميمة وتجهزت وغادرت الفندق هي وأصدقاؤها. كان حازم بالخارج في مقابلة مع مسؤول المسابقة. وحينما عاد، كانت غادرت تميمة الفندق وتوجهت للمطار.
عادت تميمة إلى مصر. جلست في الدار يومان ثم عادت إلى شرم الشيخ. وكانت نرمين في انتظارها في المنزل. تبادلا السلام والأحضان. وأعدت نرمين مائدة بطعام كثير: _إيه كل ده؟ إنتي عازمة المنطقة؟ _ده كده بقول بسم الله. أنا هعوضك عن كل يوم مأكلتيش فيه كويس. _أنا قلت لهم مليش غير نرمين وأكلها وتزغيطها. ضحكا وتحدثت نرمين: _متزعليش يا تميمة. عادي بجد، مش آخر مسابقة. _لأ، خلاص يا نرمين. حاجة وعدت. هنوقف حياتنا عليها، الحياة بتستمر.
_عيني في عينك كده؟ _لأ. _تميمة. تنهدت: _بصي، هو أنا زعلت بس هعمل إيه. هتاخد وقتها وتعدي، وهنكمل حياتنا، مش هنقف ونجرب تاني. دايما التجربة الأولى آثارها بيبقى صعب شويا، بياخد وقت. _هتعدي. _هتعدي. يلا نأكل بقى. إنتي إجازة؟ _أيوه. عبد الله واخد مكاني ولو احتاجني هيكلمني. _وكويس عبد الله ده؟ _إنسان محترم وشاطر ولذيذ. هبقى أعرفك عليه لأنه هنا لوحده. _وإحنا جمعية الوحيدين يعني؟ _البؤساء. ضحكت تميمة: _صح، إنتي صح. البؤساء.
عاد حازم إلى القاهرة. في منزله يجلس يشاهد عروض المسابقة الخاصة بتميمة مرارًا وتكرارًا. رأته شقيقته ميار: _من وقت ما رجعت وأنت عمال تتفرج على الفيديوهات دي. مش المسابقة خلصت؟ _أيوه خلصت. بعد 5 شهور هنسافر لوس أنجلوس. _طيب وده شكل واحد فاز واتأهل ده؟ ولا كأنك خسران. _أقولك حاجة يا ميار؟ أول مرة أحسها. _إيه؟ _مش فرحان بالفوز ده. حاسس إن حد تاني كان يستحقه. _حد تاني. تقصد تميمة؟
_أيوه. كانت تستحق الفرصة دي جدًا. لو كنتي تشوفي عينيها مليانة شغف حقيقي. الدانس بالنسبة لها مش مجرد هواية أو عاوزة تلفت الأنظار ليها. بالنسبة لها وسيلة تتواصل بيها مع روحها. بتخلق عالم ليها حر لوحدها. هالة بتلمع بتحاوطها وهي بتتحرك. _إيه ده لدرجة دي؟ _حقيقية يا ميار، بعيدة كل البعد عن التجمل. بنت حقيقية. _أكيد فيه فرص تانية ليها أحسن من اللي ضاعت دي. _أكيد، أنا متأكد بكده. نظر إلى ميار:
_سيبك مني. خلاص، إنتي ومحمد بكرة هتطلقوا؟ _أيوه. _ميار، إنتي متأكدة؟ ده طلاق مش انفصال مؤقت. _عارفة، ومفيش حل غير كده يريحني ويريح محمد. أنا مش هقدر أكمل كده يا حازم. _المهم تكوني مقتنعة. _مقتنعة ومتوكلة على ربنا. _وأنا معاكي ومش هسيبك. _أنا عارفة. رن هاتف حازم بصديقه من إدارة المسابقة: _كيمو. _إيه الأخبار؟ _تمام، بس فيه مشكلة بسيطة. _خير. _فيه فريق انسحب من 8 فرق اللي اتأهلت، وهيتم اختيار فريق تاني بداله. _يعني إيه؟
_عاوز أقولك إن الكلام على "بلو بترفلاي" و"شوك" لأنهم الاثنين واخدين ريت أعلى من لجنة التحكيم. الفرق بينهم بسيط. في خلال يومين هيقرروا أي تيم، وهيتواصلوا معاه. _بتتكلم بجد يا كريم؟ _مش بهزر يا صاحبي. _طيب أنا عاوز خدمة منك، مش هنسالك إياها أبدًا عمري. _إيه؟ _حاول تخلي يختاروا "بلو بترفلاي" بأي وسيلة. _إيه الحماس ده؟ _يستحقوا، وأنت شفت بنفسك يستحقوا الفرصة دي. _تمام، هحاول وهبلغك. _حاول على قد ما تقدر. _تمام.
أغلق الهاتف، وارتسمت ابتسامة على وجهه. ولاحظتها ميار: _فيه حاجة كويسة حصلت ولا إيه؟ نظر إليها مبتسمًا: _إن شاء الله تحصل. _إن شاء الله. هشام في الشركة في مكتبه، وفي يده علبة مخملية تحتوي على خاتم. ينظر إليها مبتسمًا وتحدث وقال: _اللحظة اللي إنت منتظرها يا هشام من سنين. المسابقة خلصت زي ما هي مخططة، ومفيش حاجة حاليًا شاغلة تفكيرها. ودلوقتي وقت تقول كل حاجة.
أرسل لتميمة رسالة أبلغها بسفره لشرم ورغبته في مقابلتها. أغلق العلبة وتحرك من مكانه وتنفس نفسًا عميقًا ووضع العلبة في جيب الداخلي لسترته وتوجه إلى الخارج، مغادر المكتب متجهًا إلى شرم الشيخ إلى تميمة. تميمة في المطعم تعمل كعادتها. رن هاتفها وكان حوده صديقها، وأجابت: _أيوه يا حوده، تمام. هخلص وهعدي عليك. أغلقت الهاتف، ووجدت أمامه حازم وتفاجأت بوجوده أمامها بعد مرور 10 أيام من رجوعها من دبي: _حازم. _عاملة إيه؟
_الحمد لله. _وأنا كويس الحمد لله. جلس على إحدى الطاولات: _هتخلصي شغلك إمتى؟ _ليه؟ _عاوزك في موضوع يهمك جدًا جدًا. _ويستاهل إنك تيجي لهنا؟ ما معاك تليفوني، كنت ابعتلي فويس باللي إنت عاوزه. _بس أنا عاوز أشوفك.. أقصد يعني أقولك وأنا شايفك. _والله؟ تحرك من مكانه: _أنا مش جعان دلوقتي.. أنا هقعد على الكافيه اللي قدام المطعم هستناكي، تمام؟ تمام.
كالعادة، لم ينتظر الرد وغادر المطعم. ووقفت تميمة في حالة من الاستغراب على تصرفه ووجوده غير المتوقع. أنهت عملها وغادرت المطعم، توجهت إلى المقهى، جلست أمامه: _ها، إيه الموضوع المهم أوي ده يا ترى؟ يا ريت مش يكون تكرار للعرض. _لأ، فكرة أعرض عليكي تاني تنضمي معايا لغيتها، لأنك مش هتعمليها. _طيب، تمام إنك عرفت. إيه بقى؟ وضع الجرسون أمامها عصير وغادر: _إيه ده؟ _اسأليه. _يا سلام.
_ماهو لسه هسألك تشربي إيه هتقولي مش عاوزة وهنقاوح وهنفرهد، فطلبت لك، وأهو قدامك، عاوزاه اشربيه، مش عاوزاه براحتك. قبل أن تتحدث تميمة، تحدث حازم: _بس افتكري دي تاني مرة وكده من الذوق مش حاجة حلوة. دوقيه بس. عصير برتقال بجزر تحفة ومفيد كمان. _ممكن يا حازم تقولي الموضوع. أخرج من حقيبته شنطة صغيرة بها صندوق ووضعه أمام تميمة: _إيه ده؟ _افتحي وشوفيه بنفسك. على ما سمعت هتفرحي بيها. فتحت الحقيبة والصندوق، كانت شوكولاتة
والنوع المفضل لها: _إيه ده.. عرفت منين؟ أكيد مش من موقع المسابقة؟ ضحك حازم: _لا مش لدرجة يعني.. أصحابك قالوا قدامي إنك بتحبي الشوكولاتة والنوع ده أكتر نوع بتحبيه، فده هدية بسيطة بمناسبة الريمونتادا. _مناسبة إيه؟ فيه إيه يا حازم؟ ممكن تنجز بجد. تغيرت ملامح حازم: _معقول معرفتيش؟ _معرفتش إيه؟ _لأ لأ استحالة.. مشوفتيش إيميلاتك؟ _فيه إيه في الإيميلات؟ _بصي كده دلوقتي، يلا بصي.
لمسكت هاتفها بلامبالاة متأففة، دخلت على الرسائل، الإيميلات، ولاحظت إيميل من المسابقة أرسل لها من يومين. _إيه ده؟ رسالة من المسابقة. _افتحيها كده. فتحتها وبدأت تقرأها، وفي منتصف الرسالة تغيرت ملامحها وصعقت وصرخت مكانها، لفتت انتباه من حولها. نظر إليهم حازم: _مفيش حاجة يا جماعة، مفيش حاجة. (نظر إليها) اهدى. نظرت نحوه وملامح الصدمة تعلو وجهها: _هي الرسالة دي بجد؟ بجد ولا برانك؟
_إنتي شايفة ميل اللي بعت ميل المسابقة اللي كان بيبعتلك عليه من أول المسابقة صح؟ _أيوه؟ _يبقى بجد. صرخت مرة أخرى: _بجد.. إحنا رجعنا المسابقة بجد. _زي ما إنتي شايفة. الحظ لعب معاكي لعبة الدقيقة 90. فيه فريق انسحب وكان إنتي وفريق تاني المرشحين لأنكم أعلى تقييم.. والحظ حالفك واختاروا "بلو بترفلاي" ترجع تاني المسابقة وتكملي حلمك لسه منتهاش. ابتسمت من السعادة: _مش مصدقة.. أنا لازم أروح أقول لهم.. لازم أروح دلوقتي حالًا.
تحركت من مكانها وتحدث حازم: _فيها حاجة لو جيت؟ _عادي تعالي، وأنت تشرح أكتر لأني مش مجمعة، مش مستوعبة. ذهبا إلى أصدقائها وبلغتهم الخبر، والجميع في حالة من الذهول غير مستوعبين الخبر. جلس حازم وشرح لهم ما حدث وأن الفرصة عادت لهم وسيسافرون إلى لوس أنجلوس بعد شهرين ونصف. احتفلوا بالخبر، وفي تلك اللحظة ظهر هشام وتفاجأ بوجود حازم برفقتهم ومن وضعهم: _فيه حاجة حصلت ولا إيه؟ اقتربت نحوه تميمة وهي سعيدة قالت:
_الفرصة رجعت لنا تاني يا هشام، إحنا رجعنا المسابقة. أخرجت هاتفها والرسالة وقرأها هشام: _إزاي ده حصل كده؟ نظرت اتجاه حازم وأشارت: _حازم اللي قالي. لو مكنش قالي مكنتش فتحت الرسائل ولا عرفت. اقترب إلى حازم ومد يداه وتصافحا وجلسا، وتحدث حازم وأخبر هشام ما حدث. وبعد قليل انصرف حازم وجلس هشام وتميمة، وكانت سعيدة: _بجد مش مصدقة. _هو حاجة متتصدقش فعلًا. _إحساس عجيب إن حلمك بعد ما دفنته في طريق ما يرجع يحي تاني وهتكمله.
_هتكمليه؟ _أيوه.. هكمل للمسابقة، فرصة مبتحصلش كتير. صمت هشام، وتحدثت تميمة: _تعالى نروح لنرمين، أعرفها هتفرح أوي. بالفعل، مرا على نرمين في المطعم، وسعدت بالخبر. ولاحظ هشام فرحة تميمة الظاهرة بالعودة إلى المسابقة. قام بإيصالها إلى المنزل، ووقفا يتحدثان: _كده هترجعي تكملي اللي بتعمليه. _أيوه. بس الفرصة المرة دي مفيهاش "معلش"، ومش هيضيعها. المرة دي التأهل لنهائي في البرازيل، يعني مش سهلة.
_يعني رجعتي لأي خطط تتأجل لبعد المسابقة. _أيوه أكيد، مفيش حاجة مهمة دلوقتي غيرها. _كويس.. كويس. يلا تصبح على خير. _وانت من أهل الخير. (وقفت لحظة) هشام، حوار الرجوع للمسابقة نساني. أنت كنت جاي عشان عاوزني في موضوع.. إيه هو؟ نظر إليها للحظات في حالة من التردد، وهي تنتظره يتحدث. ابتسم: _كنت هقولك فضي نفسك بكرة هنقضيها في البحر، ممكن؟ _وده يستاهل تيجي لهنا وتقولي؟ رسالة باللوكيشن وهتلاقيني عندك. _يعني حبيت أتأكد بنفسي.
_تمام، معاك هنقول للشباب ونرمين. _اللي إنتي عاوزاه مرحب به. _تمام.. تصبح على خير. توجهت إلى داخل البناية حتى اختفت، وأخرج العلبة من جيب سترته، فتحها، ونظر إليها بحزن وتنهد وقال: _باين إنك هتستنى معايا شوية. في المطعم، كانت نرمين تعد حلويات وكعكة تهنئة لتميمة برجوعها للمسابقة واستكمال حلمها. كانت تتحرك في المطبخ بحماس وحب، ولاحظ عبد الله أنها على غير طبيعتها: _تحبي أساعدك؟
_لأ، أنا بحب أعمل لتميمة كل حاجة بنفسي. شكرًا. _واضح علاقتكم أعمق من صحاب. وقفت نرمين وابتسمت:
_إحنا عيلة بعض. اللي جمعنا مع بعض ظروف، ومن وقتها وإحنا مع بعض في كل لحظة، فرح وحزن. صداقتنا أنقى وأعمق وأبقى علاقة ممكن تحصل بين الأصدقاء، لأنك مش محتاج تجرب صداقة الشخص ده وتمر بمراحل المجاملة والشك والغيرة والغدر. بالعكس، بتقابله وأنت جوه الموقف والظروف، أي كانت صعبة ومتلخبطة، ومن غير ما يعرفك بيوقف معاك ويسندك ويحميك، ممكن يعرض نفسه للخطر عشان يفديك. وقتها بيثبت من غير ما يحس إن اللي دخل حياتك ده يستحق كلمة
"صديق" وأقرب من يكون عيلتك، ولا مجرد عابر موقف هيمر ويتنسى. الرابط اللي ربط حياتكم ببعض هو احتياجكم لبعض وإحساسكم بوجع بعض من غير كلام، مجرد نبرة صوت مهزوزة أو نظرة عين، يكون جنبك ماسك إيدك يقولك "إنت مش لوحدك ومعاك". فـ أنا وتميمة عيلة مش أصحاب بس.
_بجد وجود أشخاص كده في الوقت ده نادر الوجود. _صادقين النوايا بيتلاقوا. _إيه الكلام الكبير ده. ضحكت نرمين: _إنت كنت فاكر أنا خبرتي في الأكل والحلويات؟ لأ حضرتك معايا 10 دكتوراه و 20 ماجستير و 3 دبلومات في علم الحياة، تحب أزود لك؟ ضحك عبد الله: _لأ لأ شكراً، إحنا آسفين يا صلاح. ضحكت نرمين واستكمل عبد الله:
_عارفة يا نرمين، أنا لما جيت شرم كنت مضايق لأني معرفش أي حد هنا بعد ما طردوني من المطعم اللي كنت شغال فيه في القاهرة. جيت وأنا وحظي وكنت مضايق. بس دلوقتي اتأكدت إن في الحاجات اللي فاكرينها وحشة بتكون فيها حاجات أحلى مما نتخيل. الوقت هنا محسسني براحة معاكم. ابتسمت نرمين: _يا أهلاً بك وسطنا. _بس أنا مصمم أساعدك. _اعمل سلطة الفواكه، لكن هحط أنا التاتش الأخير. _تمام يا شيف.
أنهت نرمين الطعام والحلويات بمساعدة عبد الله، ونقلوا الطعام إلى مكان تجمع تميمة وأصدقائها. تفاجأت تميمة بمائدة الطعام: _إيه الجمال ده كله يا نريمو. _ده أقل حاجة عندي وإنتي عارفة. _طبعًا طبعًا.. يسلم إيدك بجد. _للأمانة مش أنا اللي عملته كله.. عبد الله ساعدني. نظرت تميمة لعبد الله وعادت النظر إلى نرمين وغمزت لها: _عسول عبد الله ها. _بصراحة راجل كده ومحترم وشهم والحاجات دي شحيحة الفترة دي. _وإيه كمان؟
_وحاجات كتير لما تكبري هقولهالك. ضحكت تميمة: _ده أنا أسافر المرة دي وأنا مطمنة مليون في المية عليكي. _سافري، وفي بطنك بطيخة صيفي ومتنسيش تدعيلي. _نرمين، أنا رايحة لوس أنجلوس مش رايحة عمرة. _يا ستي ادعيلي وإنتي ساكتة. _حاضر هدعيلك يتلحلح وينطق. _ده لو نطق هيبقى يا بختي أنا بجد. _ليه يعني؟ هو إنتي قليلة ولا إيه؟ هو يطول؟ _أيوه يطول، لو عاوز يطول. إنتي مش شايفة طوله. _لأ، أنا بتكلم بجد. ليه قلتي كده؟
_ظروفنا متشابهة. أمه وأبوه في السما وأنا زيه، يعني بصره. _هو ده السبب؟ _أيوه. إنتي عارفة يا تميمة، كنت مرعوبة. مش فكرة واحد يجيلي وأقعد مع أهله وكده.. فيلم رعب بالنسبالي. فكنت بدعي ربنا في صلاتي دايما يكون حالق راسه وعادم ناسه، والحمد لله صابت. _بجد مش عارفة أقولك إيه. _متقوليش حاجة، وفكري إنتي كمان تتجوزي ويبقى ليكي بيت وحياة. _في وقته هيحصل. حاليًا هدفي محدد هوصله وبعده أي حاجة تانية.
قبل سفر تميمة، عادت لحياتها وتدريباتها مع فريقها ليستعدوا للسفر إلى لوس أنجلوس. وضح خطة وعرض مميز. وعبد الله أصبح قريب لهم ويرافقهم دائمًا.
في القاهرة، حازم في الاستوديو الخاص برفقة فريقه ليتدربا ويتجهزوا لعرض لوس أنجلوس. طلب استراحة نص ساعة وجلس ممسك هاتفه ووضع سماعات الهاند فري. ولاحظت ندى انعزاله عنهم وعنها بالاخص، وأحاديثه القليلة معها. اقتربت نحوه وألقت نظرة على ما يشاهده. كان مقاطع فيديو لتميمة، وحازم يشاهدها مبتسمًا. جلست بجواره وخبطته على كتفه وانتبه لها: _روحت فين كده؟ _معاكم، هكون فين يعني. _تميمة، الحظ حالفها المرة دي، وده مبيحصلش كتير.
_لأنها تستحق الفرصة دي. _بجد مش عارفة إيه الممتع في فيديوهات تميمة؟ إيه يفرقها عني؟ _إنتوا الاثنين مختلفين يا ندى، وده اللي بيفرقكم عن بعض. _إنت تحب أنهي؟ أنا ولا هي؟ _إنتوا الاثنين. ارتحتي؟ _يعني لو جه يوم وتميمة وأنا معاك في التيم، مين فينا هتختار تكون معاك؟ ضحك حازم: _مش هيجي اليوم ده، متقلقيش، لأنها رفضت ورفض قاطع. _إنت عرضت عليها تيجي؟ _أيوه ورفضت، اطمني. _لو كانت وافقت كنت هتعمل فيا إيه؟
_ندى، إنت هنا باختيارك، وقولت لك أول يوم انضميتي لينا، وقت ما تحبي تنسحبي مش هقف في طرقك. _عشان كده طلبت منها تنضم لينا صح؟ عشان أمشي. _يا صبر.. إنت عاوزة إيه يا ندى؟ _إنت عارف أنا عاوزة إيه؟ وموجودة هنا ليه؟ _عاوزة تكوني أشهر دانسر في مصر في أشهر جروب، وموجودة هنا عشان إنتي عاوزة تكوني هنا. _حازم، أنا موجودة هنا عشانك إنت. إنت، وإنت عارف العروض اللي بتجيلي وبرفض عشانك.
_وأنا قولت لك يا ندى، إنت بالنسبة لي صديقة، وقولت لك لو فيه فرصة أحسن روحي، ده مستقبلك. _إنت اتغيرت ليه كده يا حازم؟ إنت مكنتش كده. _أنا كده من الأول، إنتي اللي مكنتيش شايفة غير كده. عن إذنك. توجه إلى أصدقائه: _يلا يا شباب. عادت تميمة لعروض الساحة هي وفريقها. سافر حازم إلى شرم، وعلم وقت العرض الخاص بها وبفريقها في الساحة. ذهب ووقف وسط المتفرجين واستمتع بالمشاهدة. انتهى العرض وانصرف الجمع، واقترب نحوهم:
_برافو.. ممتاز. ابتسم أصدقاء تميمة ورحبوا بحازم، وجلسوا جميعًا في مكان تجمعهم: _إنتوا كده هتخلوني أخاف منكم. تحدث أحدهم: _ده تسخين بس، إنت متعرفش إحنا مجهزين إيه. حدقوا به بشدة، وتحدث حازم مازحًا: _متخافوش، أنا مش جاي أتجسس عليكم. أنا جاي كمساعدة ليكم. أوضح لكم الخطوة الجاية. تميمة، أكيد وصلك إيميل بشروط وخطوات المرحلة الثالثة قبل النهائي يعني. _أيوه.. بس مفهمتش يعني إيه عرض برايفت.
_يعني محدش يعرف عن الأداء بتاعكم، يعني تدريبكم وكل حاجة خاصة به يكون خاص. _تمام. _المرحلة دي 8 فرق مسافرة هتتصفى لـ 4 فرق للنهائي. رغم إنه مبيحصلش إن بلد واحد يكون منها متنافسين، لكن المرة دي استثناء، مش هتتكرر تاني، وبالأخص في النهائي. فاجتهدوا واعملوا كل حاجة، ولو محتاجين مساعدة أنا موجود. _يعني فريقنا المنافس هيساعدنا؟ دي نكتة. ضحك حازم: _معلومة مش هبخل عنكم بمعلومة. جلسوا وتحدثوا، وانصرفت تميمة ورافقها حازم:
_تميمة، استني هوصلك. _شكرًا، أنا هروح لوحدي. _مش هينفع تمشي لوحدك متأخر كده. _على فكرة متعودة عادي. _ده لما بتكوني لوحدك، لكن أنا موجود، همشي معاكي أونسك. _تونسني؟ _أيوه، مش إحنا أصحاب ولا رجعتي في كلامك؟ لأ، متقفناش على كده. _استنى، إنت خذوهم بالصوت ولا إيه؟ _بصراحة أيوه، لأن ردودك مش مضمونة. _فتقوم محرجاني صح؟ _مش إحراج أوي يعني، بس مش هديك فرصة للرفض صداقتنا. بليز مترفضيش، بليز. ضحكت تميمة
على طريقة حازم الكوميدية: _صعبت عليا.. يلا موافقة. _يبقى يلا بينا بقى. هتمشي كده ولا كده.. خلينا كده أسهل، والشارع فيه نور. نظرت إليه بتعجب: _وانت عرفت منين بيتي؟ ارتبك وصمت لحظة: _بصراحة، ومتقفشيش عليا. _أيوه؟ _أنا في مرة خرجتي من الجيم متأخر ومشيت وراكي لغاية البيت. صدقيني مكنش في نيتي حاجة غير إني أطمن عليكي. الوقت كان متأخر. أنا عندي أخت، فالتأخير والحاجات اللي بتحصل في الشارع تقلق أي حد. نظرت إليه في صمت وتوتر،
وتحدث حازم: _إيه.. لأ أرجوكي.. أنا بعتذر، مش هكررها تاني. _هنمشي كده؟ (أشارت اتجاه الشارع) تحدثا أثناء ذهابهم للمنزل: _إنت هنا ليه صحيح؟ _أختي مرت بظروف مش لطيفة، وقولت تيجي هنا تغير جو وكده عشان نفسيتها. _ظروف وحشة أوي؟ _اتطلقت. _هي مكنتش عاوزة ولا إيه؟ _لأ، بالعكس بطلبها وإصرارها. _أكيد خانها ومستحملتش دي كده، اترحمت.
_إيه الحكم المسبق ده.. لأ، بالعكس ده بيحبها جدًا، بس هي كان نفسها في طفل وحصل حمل 4 مرات ومتمش، وآخر مرة عملت عملية إزالة الرحم. _يا الله. _فطلبت الطلاق عشان يتجوز ويخلف، وهي مش هتقدر تعيش معاه وهو متجوز غيرها، فـ اختارت تتطلق. يعني رغم إنه قرارها، لكن بتمر بفترة صعبة. حاولت كتير أخرجها من المود ده وفشلت، وجبتها هنا وقولت ممكن لما تغير جو الدنيا تهدأ معاها. (وقف لحظة ونظر إلى تميمة)
أول مرة أحكي بسلاسة كده عن حاجة خاصة بأهل بيتي. _لو مضايق اعتبر نفسك مقلتش، وأنا مسمعتش. _لأ مش مضايق، بالعكس. فكرة إن فيه حد بيشاركني حاجة خاصة مريحة، مجربتهاش قبل كده. وقفا أمام البناية: _وصلنا. _أيوه، محسيتش بالطريق. _كنت عاوز أقترح عليك حاجة لو ينفع. _إيه؟ _أختك اسمها إيه؟ _اسمها ميار. _لو ينفع أقابلها، لو مش حابة عادي بجد مش هضايق. _لأ بالعكس، يا ريت بدل ما هي قاعدة أغلب الوقت لوحدها.
_خلاص بكرة بعد الشغل نتكلم ونتقابل. _تمام. _يلا تصبح على خير. _تصبح على خير. غادرت تميمة واتجهت داخل البناية، وظل حازم في مكانه، ثم انصرف عائدًا إلى الفندق. بالفعل في اليوم التالي، أنهت تميمة عملها وتواصلت مع حازم، واتجهت إلى مقهى كان ينتظرها فيه حازم وميار. اقتربت نحوهم: _مساء الخير. _مساء الخير.. اتفضلي يا تميمة. جلست تميمة وهي تنظر لميار مبتسمة، وبادلتها ميار الابتسامة:
_أعرفك يا ميار، دي تميمة.. أعرفك يا تميمة، دي ميار. تحدثت تميمة هامسة لميار: _إنتي بجد أخته؟ _أيوه، ليه؟ _لأنك أحلى منه بكتير. ابتسمت ميار: _إنتي اللي عيونك جميلة. _بتوشوشوا بعض في إيه؟ هو أنتم لحقتوا؟ _أسرار. ابتسمت ميار وتحدث حازم: _أنا هسيبكم شوية، هعمل مكالمة وهرجع لكم. تحرك حازم من مكانه وتركهم بمفردهم. _أول مرة تيجي شرم؟ _أيوه.
_سيبي لي نفسك، هفسحك أنا وهعرفك على أصحابي لذاذ وصاحبة عمري اسمها نرمين، بنوتة زي السكر بتعمل أحلى حلويات. جلست تميمة برفقتها حتى عاد حازم، وانصرفت لموعدها مع الفريق، واتفقت مع ميار على لقاء مرة أخرى. ظلت تميمة تلتقي مع ميار يوميًا، تجلس برفقتها ويتحدثان. ذات مرة جالستان يتحدثان بمفردهما. التفتت تميمة اتجاه ميار: _مبسوطة في شرم؟ _جميلة. _لأ مش بسالك على رأيك فيها، أنا بقولك مبسوطة في شرم.
_أنا مبقتش عارفة أحس بحاجة، فكله زي بعضه. _ليه كل ده؟ _هو حازم مقالكش إني مطلقة؟ _عادي على فكرة، مش نهاية الكون. متهديش يعني. _يمكن إنتي شايفة كده، لكن اللي برا الصورة غير اللي محبوس جواها. _طيب ما المحبوس يخرج نفسه، إيه جبره على الزنقة جوه؟ _إزاي يعني؟ _يحاول. إنتي حاولتي تخرجي من الصورة دي؟ اتحداكي معملتيش كده. _أخرج من الصورة، أعمل إيه؟ أنا خلاص اتحكم عليا بوضع وحياة معينة أعيشها باقي عمري.
_إنتي اللي حكمتي على نفسك، وبإيدك تفكي السلاسل اللي ربطتي نفسك بيها. _تميمة.. إنتي متعرفيش حاجة؟ _أنا أعرف إن لما بنتعرض لأزمة أو صدمة أو مشكلة في حياتنا، بنحس إن الوقت ثابت، الساعة مبتتحركش، الكلام حروفه بتختفي، وهدوء غريب وبيتملكنا الخوف. لكن في لحظة لو مستغلناهاش، هيبقى فعلًا حكمنا على نفسنا بالثبات للممات. عارفة اللحظة دي بتكون إيه؟ _إيه؟
_لحظة اتخاذ القرار. نقرر الخوف والعجز والسواد يسيطر على حياتنا ونعيش جسم من غير روح ونستمر قاعدين في الضلمة ولا ندور على حل نخرج للنور. اللحظة دي بتكون فرصة. _فرصة؟ _وقتها بتكون فرصة العمر اللي مبتتكررش. فرصة نغير نفسنا وحياتنا. _وإزاي ألاقي الفرصة دي؟ صمتت تميمة للحظات: _نتقابل في القاهرة، وأوريكي أحلى فرصة هتقابلك في حياتك.
في إجازة تميمة، توجهت إلى القاهرة لقضاء يومين في الدار برفقة نرمين في إجازاتهم الأسبوعية. تحدثت تميمة مع ميار وأرسلت لها موقع الدار، وذهبت ميار لمقابلة تميمة. وصلت أمام الدار وتفاجأت وظلت واقفة مترددة في الدخول. رأتها تميمة من خلال الكاميرات وتوجهت نحوها وفتحت البوابة: _أهلاً يا ميار.. تعالي.
لمسكت يدها ودخلتا الدار. بدأت تميمة تعرفها على الأماكن والأطفال، وجلسا برفقتهم يلعبا ويتحدثا. في البداية كان الوضع غريب لميار، ولكنها بعد مرور 3 ساعات بدأت تتعامل بأريحية برفقة تميمة. توجها إلى الحديقة حيث الورود: _جمال أوي الورد ده.. هو ده اسم الأطفال؟ _أيوه، كل طفل وله وردة خاصة به. _جميلة الفكرة.. فكرة مين؟ ابتسمت تميمة: _بابا جلال. _هو والدك صاحب الدار؟ _أيوه. قوليلي إيه رأيك في الأطفال والمكان؟
_بصراحة، الأول كنت مخضوضة، بعدين اتأقلمت وارتحت. المكان فيه راحة جميلة. _هحكيلك حكاية المكان ده. (حكت لها حكاية الدار، حكاية جلال وهدى، مرورًا بحكاية سمية بالتفصيل بكل ما مرت به)
. حياتها اتحولت من ضلمة لنور، وهي اللي اختارت تغير حياتها لكده وبقت أحسن من الأول بكتير. حست بحب وادت حب أضعاف أضعاف. ولا مرة حست بحرمانها من الأطفال، لأنها كانت معتبرة كل الأولاد هنا ولادها. وجودها غير كتير في حياتهم وعمرهم ما حسوا إنهم معندهمش أب وأم، بالعكس. (ابتسمت تميمة) هي لحقتنا وحمتنا وربتنا كويس جدًا، عوضتنا عن حاجات كتير وإحنا عوضناها.
دايما كانت بتقول: "أنا مش جعانة مشاعر، أنا شبعانة". وده ينطبق علينا إحنا كمان. وجودها كان حياة لينا وإحنا كنا حياة ليها. أنا بحكيلك حكاية ماما سمية ليه؟ لأنها مش مجرد حكاية.. هي كانت حياة.. حكاية أنا عشتها وكنت جزء منها، وزي ما إنتي شايفة قدامك. تفاجأت ميار: _هو إنتي؟
_أيوه، أنا بنت من بنات الدار دي. لولا ماما سمية وبابا جلال ولحقوني، مكنتش هكون قدامك كده بالشخصية دي. كنت هكون شخصية ضعيفة بتهرب من حقيقتها بالكذب والخداع. قلبي مليان حقد على غيري وحرمان وفشل وضلمة. شبعوني حب وحنية وحياة، اتعلمت منهم أكون أنا، مكنش حد تاني، وأحبني وأحب كل حاجة بعملها. ومفيش حاجة تعبني ولا تقل مني غير طريقة تعاملي مع حياتي والحياة. هو ده اللي بيفرق الشخص عن الثاني. عاوزة أقولك إن ربنا له حكمة في كل الألم بنعيشه. ولما بيحرمنا من حاجة بيبقى العوض في مكان تاني. مش شرط نفس الحاجة. بيكون عوض مبخليناش نفكر في اللي خسرناه.
صمتت ميار واستكملت تميمة: _جربي المكان هنا بدل قعدة البيت والتفكير في اللي راح اللي مش هيرجع. لكن لو فضلت كده هتخسري اللي جاي ومش هتشوفيه. ساعدي نفسك واخرجي للنور. تعالي هنا، قضي وقت معاهم، اشبعي من حبهم ويشبعوا من حبك ليهم. صدقيني النتيجة مش هتتخيليها. ولو مرتحتيش، إنتي حرة، بس أنا واثقة من النتيجة عن تجربة. صمتت ميار وعادت النظر إلى الأطفال وابتسمت ابتسامة صغيرة. غادرت الدار وعادت إلى المنزل، ودخل حازم لغرفتها:
_إنتي جيتي إمتى؟ _من شويا. _تميمة بعتتلك تروحي لها فين؟ _مش هتصدقي. _بيتها يعني؟ _على كلامها أيوه. _طيب عادي، بيتها وروحت لها زيارة. _دار.. دار أيتام. _بتقولي إيه؟ مش فاهم. _تميمة عاشت وعايشة في دار أيتام. تميمة يتيمة أب وأم واتربت في دار. تفاجأ حازم من المعلومة وطلب من ميار أن تحكي له ما حدث ورأت. جلس طوال الليل يفكر في تميمة وعن تركيبتها العجيبة وثقتها في نفسها وبساطتها وقوتها، وزاد إعجابه بها أكثر.
في شرم، بعد ما أنهت عملها وهي مغادرة المطعم، قابلت حازم: _إيه ده؟ مش لسه سايباك في مصر من يومين؟ _بجد؟ ده أنا كنت فاكرها شهر. _يا سلام.. ميار معاك ولا إيه؟ _لأ، أنا لوحدي. _فيه حاجة ولا فسحة؟ _لأ، شغل. _شغل؟ إنت اشتغلت هنا؟ _أيوه، خالي له مكتب سياحة هنا في شرم، همسكه له لغاية ما نسافر. لسه قدامنا 4 شهور هعمل فيهم إيه؟ قولت اشتغل. _طيب والله جميل. _هنبقى جيران يعني. أطلب منك بصلة أو توم، حبة ملح، متبقيش بخيلة.
_لأ، ده تطلبه من نرمين مش مني. إنت جيت العنوان الغلط. _مش نرمين صاحبتك يعني نفس العنوان؟ _يعني عاوز تقول إنك في رعايتنا صح؟ _أيوه، ما أنا هنا لوحدي، يرضيك أكون لوحدي بائس؟ _لأ خالص.. بس مش ببلاش. _إزاي؟ _هتدينا دروس أنا وفريقي، يعني تعرفنا تكنكيات وتكات كده يعني تشاركنا معلوماتك وخبرتك. _بسيطة. وجبة قصاد معلومات، ده مفيش أحسن من كده. _هو إنت من اللي بيقولوا كل حاجة لو ضغطت عليهم بسندوتش؟
_على حسب السندوتش. لو كومبو ياااه، أسرار حرب هتسمعيها. ضحكت تميمة: _سهلة. _صحيح، شكرًا على مساعدتك لميار. _أنا معملتش حاجة، هي اللي بإيديها هتعمل. _الفعل بيكون بدايته كلام مسموع، وأثره هو اللي بيحرك الشخص. فكلامك أثر فيها، وأنا متأكد إنها هتتحرك. _أتمنى كده. _أعتقد إنك رايحة تتعشي مع المجموعة صح؟ _أيوه. _يبقى أنا نشلت صح. يلا بينا. _يلا بينا.
علم هشام بتواجد حازم في شرم الشيخ وملازمته لتميمة وأصدقائها. عيد ميلاد هشام اقترب، وقررت تميمة أن تحتفل به في شرم مع أصدقائها غير احتفال الدار. رتبت حفلة صغيرة وأخبرته بها. بالفعل سافر هشام، وقبل الحفل قرر أن يقابل تميمة بمفردها. سافر وقرر أن يفصح عن مشاعره لها: _كنت عاوزني في حاجة؟ هنتأخر عن الشباب. _قولتي لحازم يجي صح؟ _أيوه. اتحرجت بصراحة، أغلب الوقت معانا، فـ سمع وأنا عزمته ووافق. _تمام. _إنت فيه حاجة ولا إيه؟
_كنت بسأل فين هدية عيد ميلادي. _عشان كده بتستفرد بيا؟ أنا قولتلك قولي عاوز إيه وأنا أجبهولك، وإنت مردتش؟ _يعني لو قولت الهدية اللي عاوزها هتجيبهالي؟ _طبعًا، ده مفيش نقاش. هو إنت أي حد. _طيب بناءً على كده شجعتيني أطلب. _واعتبره تم. _متأكدة؟ _جدًا. قول لزيادة تأكيد. وقف لحظات ينظر إليها ويستجمع أعصابه ويتشجع. وضع يده في جيب الداخلي لسترته ومسك علبة الخاتم: _تميمة أنا... _إنت إيه؟ سامعاك. _أنا... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!