مر عام ونصف على وفاة جلال. في المكتب، سمعت سمية نقرًا على الباب. _اتفضل. _عاملة إيه يا سمية؟ التفتت لمصدر الصوت وتفأجئت. _أحمد؟ نظر إليها أحمد باسمًا. _أنا قولت إنك نسيتيني، ممكن أقعد؟ _اتفضل. جلس. _البقية في حياتك. أنا عارف إنها متأخرة، بس أنا كنت مسافر من 3 سنين. أنا نقلت حياتي كلها لدبي بعد وفاة أمي، ومكنتش أعرف اللي حصل غير من قريب بالصدفة. _ولا يهمك. مروة والأولاد عاملين إيه؟ _بخير. طمنيني عليكي، عاملة إيه؟
بابتسامتها المعتادة. _الحمد لله بخير. _بصراحة كنت قلقان، مقدرتش أمنع نفسي أطمن بنفسي عليكي. _شكرًا لاهتمامك، لكن اطمن أنا بخير. _أنا مش هعطلك، لكن لو تسمحيلي أطمن عليكي بين الوقت والتاني وأقدر أجي هنا للأطفال بهدايا وكده. صمتت سمية للحظات. _تنور في أي وقت. _عن إذنك. _اتفضل. غادر أحمد مكتب سمية وعلى وجهه ابتسامة لرؤيته لسمية مرة أخرى، بينما سمية في المكتب متفاجئة من زيارته.
في الشركة، تميمة تجلس أمام اللابتوب، وجهها عابس. اقتربت إليها إحدى زميلاتها في المكتب. _هتتغدى إيه يا تميمة؟ _أي حاجة. _مالك؟ في حاجة ولا إيه؟ _لا مفيش. _وشك مقلوب ليه كدا؟ _لا دا الطبيعي، متركزيش معايا. _بجد؟ ليه؟ من وقت ما جيتي ووشك كدا، هو انتي جاية غصب عنك؟ نظرت إليها تميمة. _أيوه، أنا اتغصبت على نفسي، ولما نشوف آخرتها إيه. _يعني بعد المدة دي متأقلمتيش على الشغل؟ _متشغليش نفسك بيا، هاتيلي معاكي أي وجبة. _تمام.
أرسل هشام رسالة لتميمة وطلب منها الذهاب إلى مكتبه. تحركت من مكتبها واتجهت إليه. _نعم يا سيادة المدير. _إيه سيادة المدير دي؟ _مش أنت صاحب الدكان، فالقاب محفوظة. _صاحب الدكان؟ _أنت بتاخد كلامنا لسكة وإحنا في مكان شغل. ضحك هشام. _انتي هنا بتكوني تميمة تانية خالص. _التنوع حلو عشان الملل. _طيب عندك انهاردة جيم بعد الشغل؟ _لا.. ليه؟
أخرج من الدرج بجانبه ووضع أمامها بطاقتين لحضور حفلة لعرض الهيب هوب. فتغيرت ملامح تميمة لسعادة. _إيه دا؟ دا بجد؟ ضحك هشام. _كنت عارف إنك هتتحولي بالشكل ده. حد أعرفه قال في الفندق فيه حفلة لعروض الهيب هوب واشتريت تذكرتين نحضر عرض النهاردة. أمسكت البطاقتين بسعادة وحماس. _بجد يا هشام؟ _هشام.. سيادة المدير، إحنا في مكان شغل. _سوري، آسفة يا سيادة المدير باشا بيه. ضحك هشام. _يلا ارجعي لشغلك، وهمر عليكي في البيت نروح سوا.
_أوكي. خرجت تميمة وهي ممسكة في يدها تذاكر الحفل وهي سعيدة. أنهت عملها وعادت إلى المنزل سريعًا. أنهت مهامها المنزلية وتجهزت. والساعة 8، أرسل هشام رسالة وأخبرها إنه ينتظرها أمام العمارة. سريعًا تحركت وغادرت المنزل وصعدت بجواره في السيارة. _يلا بينا على الحفلة. _يلا بينا. تحرك هشام واتجه إلى مكان الحفلة في إحدى الفنادق الكبيرة. دخلا للقاعة المقام بها العروض وكانت تجلس تميمة مليئة بالحماس. _لدرجة دي متحمسة أوي؟
_أوي أوي يا حسن. _حسن مين؟ _أنت مبتتفرجش على أفلام ولا إيه؟ حرامية في كيجي 2 كريم عبد العزيز. _آه.. والبنت الصغيرة. _أيوه شاطر.. صحصح معايا كده يا اتش، أنت كده بتضيع هيبة الشه. ضحك هشام. _أنا بعتذر ليكي وللشه. ضحكت تميمة. _تمام خلاص.. تعرف أنا بصيت على أسماء الدانسر، كان منهم واحد أعرفه. _تعرفيه إزاي يعني؟ _من الدانسر اللي شوفت فيديوهات لهم وكنت بتدرب عليها. _مين ده؟ _حازم عادل، ليدر تيم زووو.
_دا أكتر واحد شوفتي فيديوهاته صح؟ _أيوه، لدرجة إني شوفت نفسي معاه في الشو. _وأنا هكون أول الحاضرين. _وهدخلك ببلاش. يلا. ضحكا وتحدث هشام في الهاتف في الخارج، وحينما عاد وجد تميمة جالسة تنظر بشرود على المسرح. _إيه؟ روحت فين؟ _كنت مع حلمي. _حلمك؟ _يومًا ما هتشوفي في مكان زي ده وعلى الاستيدج ده (أشارت على المسرح) بالشو بتاعي. _ناقص تقولي مع الدانسر اللي هنا عشان الحلم يكمل. _مع حازم عادل شخصيًا كمان.
نظر إليها هشام وهي تتحدث بكل ثقة. ونظرت إليه. _عارفة إنه جنان وحلم يتقال عليه مستحيل. هيحصل امتى وإزاي أنا معرفش، بس أنا بحلم ومن حقي أحلم بالمستحيل. هشط بأحلامي لأقصى درجة، مش هسمح لحاجة تقيدني. أحلم. ابتسم هشام. _وأنا معاكي وهقف مكان الجمهور ده وهصقفلك كمان. بادلته الابتسامة. _وزي ما اتفقنا، هدخلك ببلاش. _شكرًا مقدمًا. _يو ويلكم.
بدأ العرض ووقفت تميمة واندجت مع العرض والجماهير بحماس لم يره هشام مثله من قبل. كانت تلك المرة الأولى الذي يرى فيها تميمة بكم الحماس والطاقة. ظل ينظر إليها بابتسامة وهي تقوم ببعض الحركات ومتحمسة، حتى انتهى العرض. لم يشاهد غير تميمة. انتهت الحفل وعادت إلى المنزل. استلقت على السرير وهي مستمتعة بالحفلة.
بعد زيارة أحمد لسمية، في المرة الأولى التي لم تعتد الـ 10 دقائق، كرر الزيارة مرة أخرى وهو يحمل هدايا وحلويات لأطفال الدار. استقبلته سمية بصدر رحب وساعدته على توزيعها على الأطفال وكانوا سعداء بالهدايا. جلسا في الحديقة يحتسيا كوبان من الشاي. _شكرًا يا أحمد على الزيارة والهدايا الجميلة. _دي حاجة بسيطة، وشكلهم وهم مبسوطين بيفرح الكبير قبل الصغير. تنظر إليهم سمية مبتسمة. _أيوه فعلًا. نظر إليها أحمد وهي تبتسم.
_ابتسامتك جميلة زي ماهي يا سمية. نظرت إليه سمية في صمت وانتبهت لكلماته. _أقصد إنك متغيرتيش عن زمان، في الحقيقة انتي متغيرتيش خالص. أنا بتكلم على معرفتنا ببعض من وإحنا صغيرين، إنك يعني نفس الابتسامة، متغيرتش. _الفضل يرجع ليهم ولجلال، لولاهم كانت ابتسامتي اختفت. سمع أحمد اسم جلال، ارتبك. _أنا قولت كده برضه إنهم السبب. المهم إنها متغبش، لأنها أكيد مهمة ليهم وللي حواليكي.
_أحمد في مرة ابقى هات يوسف وياسمين يلعبوا مع الأطفال هنا، هيفرحوا. _إن شاء الله.. هستأذن أنا. وقفت سمية لتودعه. التفت إليها. _سمية، هو ممكن آخد رقمك؟ _ليه؟ _عشان المرة الجاية لما أجيب حاجات أبقى أسألك، أنتِ أدري هما بيحبوا إيه وكده. المرادي جبت بالحظ. ابتسمت سمية. _مش محتاج تسألني ولا تسأل حد يا أحمد، وأنت بتشتري فكر إنك بتشتري ليوسف أو ياسمين، بس كده. _ها.. أيوه تمام.. عن إذنك. _اتفضل.
تحرك أحمد اتجاه البوابة، وقبل أن يغادر استدار وألقى نظرة على سمية وهي تلعب مع الأطفال بمرح وكأنها أحدهم. ابتسم وغادر الدار. تغيبت تميمة عن العمل لمدة يومان وعلم هشام وتحدث معها على الهاتف. _انتي تعبانة؟ _يعني. _طيب هعدي عليكي نروح لدكتور. _لا مش مستاهلة. _طيب أجيبلك أدوية من الصيدلية؟ _عندي، ونرمين قايمة بالواجب. بنبرة حادة. _تميمة. _عاوزة حلبسة. تعجب من حديثها. _عاوزة إيه؟ _حلبسة.. حلبسة؟ أنت متعرفش الحلبسة؟
_حمص الشام قصدك. _متلعبش في الأساسيات لو سمحت. هي اسمها حلبسة، لو سمحت. ضحك هشام. _أنا بعتذر ليكي ولا أساسيات. قوليلي بتتباع فين وأجبلك طيب. _لا، تعالي اعزمني عليها. أنت كده كده كنت هتيجي عشان مش هتعرف تنام غير لما تعرف السبب، صح؟ ابتسم. _صح. _عارف على أول الشارع عندي يمينك جنب محل الحلويات في عربية صغيرة بتعملها تحفة. تعالي هناك هتلاقيني. _تمام، نص ساعة وهكون عندك.
بدلت ملابسها وغادرت المنزل وتوجهت إلى عربة حمص الشام. وبعد لحظات وصل هشام. جلسا على مقعدين وبرفقتهم حمص الشام. _إيه رأيك؟ _جميل بصراحة، حلو في البرد. _بالهنا. _هتدفعي إنتي؟ _أنت المدير، لازم تدفع. _إنتي اللي فتحتي السيرة أهو، في إيه؟ ليه يومين مبتروحيش الشغل؟ _ولا هروح بكرة كمان. _إنتي تعبانة مخبية؟ _لو تعبانة هنزل أقعد في البرد ده في الشارع. _طيب في إيه يا تميمة؟ نظرت أمامها للحظات وتشجعت ونظرت إليه.
_هشام، أنا هسيب الشغل. تفاجأ من قرارها. _ليه؟ في حد ضايقك هناك؟ حد قالك حاجة؟ عرفيني. _محدش يقدر يضايقني. _حد قال حاجة عن الدار وكده؟ قوليلي مين. _وإن قال، هو عيب. وبعدين أنا اللي بقول: أنا من بنات دار الحياة، اللي مش عاجبه ميبصليش، وخلصنا. _طيب ما انتي قلبك جامد أهو ولا هامك حد، في إيه؟ _أنا مش مرتاحة. _شغل ثابت بمرتب كويس في مكان كويس، وتقوليلي مش مرتاحة؟ إزاي؟
_أيوه صدقني مش مرتاحة. حاسة إني في المكان الغلط، مش مكاني. عارفة إنه جنون حد يسيب وظيفة بمرتب ثابت في مكان كويس، وغيري بيلف كعب داير على المكان زي ده. بس أنا مش أنا هناك. أنا بتنفس أول ما بخرج. _بس قعدتي 6 شهور يعني تقدري تكملي. _وممكن تكون 6 شهور مدة كفاية تقولي كفاية. أنا جربت عشان يبقى الحكم عن تجربة. أنا فضلت 6 شهور أحاول، وعشانك وعشان ماما سمية. حاولت عشان إحنا التلاتة، بس بجد مش قادرة.
_وإيه اللي خلاكي تاخدي القرار دلوقتي؟ _حازم عادل. _نعم؟ _لما روحت عرض حازم عادل، التردد بقى أكيد، اتشجعت أكتر على القرار. أنا مش مجبرة أعمل حاجة مش عاوزاها ولا حباها. _الحياة مش بالرفاهية دي يا تميمة؟ _وهو أنا كده عايشة رفاهية؟ أنا أخدت قرار لمجهول، أنا هواجهه لوحدي. _وليه نعمل في نفسنا كده؟ ليه نروح لمجهول واحنا شايفين رؤية واضحة. _يمكن اللي عشته من وأنا صغيرة اتعودت على مواجهة مجهول، وبقى عادة.
_بس انتي حاليًا مستقرة غير زمان يا تميمة. _استقرار مؤقت. مينفعش أطمن لدرجة اليقين. أي حاجة في لحظة ممكن تتغير. _مش هعرف آخد معاكي حق. دايما تقلقيني عليكي بتصرفاتك دي. _وأنا مش قلقانة لأني موجود يا اتش، أنت وماما سمية. _ماشي.. يعني هتعملي إيه دلوقتي عشان أكون معاكي في الصورة؟ _الجيم موجود، وفيه كام برايفت، والدنيا ماشية وتمام. _يعني هتفضلي مدربة زومبا في الجيم؟
_مش عيب ولا غلط، حاجة حباها بعملها، والمكان ده عصفورين بحجر واحد، شغل ومنه مكان بتدرب فيه. _انتي بتتكلمي بجد؟ عاوزة تعملي كده؟ _أنت متفاجئ ليه؟ أيوه بجد، وأنا سايبة استقالتي في الدرج، هكلمهم يطلعوها ويسلموها. _دا انتي قررتي ونفذتي؟ _لا، قررت وقولت هعرفكم، وبعدها هنفذ. _ولو قولنا لا خليكي؟ _مش هتقولوها. _متأكدة؟ _أيوه. ماما سمية سيبالي حرية الاختيار، أعمل اللي بحبه أنا. وأنت مش هتغصبني على حاجة.
_تميمة.. الشغل ده من الأساسيات في الحياة، مينفعش نتعامل معاها ببساطة كده. _بص يا هشام، سيبني أمشي بدماغي لغاية ما أشوف هوصل لإيه. وصدقني لو خربت خالص معايا، هجيلك وأتحايل عليك توظفني تاني، حتى لو هشتغل مكان الأوفيس بوي. لكن دلوقتي أنا مش عاوزة الشغل ده. _مش عارف أقولك إيه. _زي ما بتقولي دايما: أنا معاكي يا تميمة. نظرت إليه مبتسمة فبادلها الابتسامة. _أكيد معاكي، لكن..
_مفيش لكن، لأني بردت. عاوزة أرجع البيت بدل ما فعلًا أتعب وتروح بيا المستشفى. ضحك هشام. _لا وليه.. يلا بينا أوصلك. ذهبت تميمة إلى سمية وأخبرتها بقرار تركها للعمل. _أنا عارفة بنسبة كبيرة إنه قرار غلط ومتهور، لكن أنا متحملة مسؤوليته. _يبقى اعملي اللي انتي عاوزاه. _ولو قراري غلط فعلًا؟ _هنتعلم نخلي بالنا من القرار اللي بعده. هي دي الحياة، لازم تجربي عشان تقدري تتعلمي. المهم تحددي خطواتك يا تميمة. _قولتيلي
زمان أنتي وبابا جلال: اطيري ورا أحلامي. فانا عاوزة أطير ورا أحلامي، والحاجة اللي بعملها أكون مرتاحة وحباها وعاوزاها. ابتسمت سمية. _يبقى تطيري لأعلى مكان تقدري توصلي له. لكن اعملي حسابك إنك هتقعي، هتتكعبي، هيظهر لك مصائد كتيرة تصطادك وتوقفك. _هقع، لكن هرجع تاني أحاول وأطير من تاني وأكمل. طول ما فيا نفس مش هقف، هكمل. ابتسمت سمية وضمت تميمة. _أنا سعيدة يا تميمة بيكي أوي. _تربيتك يا ماما، انتي وبابا جلال.
نظرت إليها تميمة. _مفيش كلمة اتقالت منكم وعدت كده. أنا اتعلمت من غلطاتي السابقة، وأوعدك إني هكون زي الفراشة، هطير وهفضل أطير ورا أحلامي ومش هرجع دودة تاني. قبلتها سمية على خدها. _أنا متأكدة إنك في يوم هتحققي حلمك، طول ما أنتي بتسعي وبتحاولي. _إن شاء الله.
جلست تميمة برفقة سمية واهتمت بشئون الدار برفقة العاملين بالدار. أصبح يوم تميمة بعد تركها العمل في شركة هشام مساعدة سمية في الدار نهارًا وليلًا. تذهب إلى الجيم وكانت سعيدة بحياتها البسيطة. إنجازاتها ضئيلة، ولكنها كانت سعيدة بها جدًا. تكررت زيارة أحمد للدار بهدايا لأطفال. في إحدى المرات جلس برفقة سمية. _كنت عاوزني في موضوع يا أحمد.
_أيوه.. البنك اللي شغال فيه احتفالًا بمرور 50 عام على إنشائه، فقرروا يعملوا احتفالية، وأن جزء من الاحتفالية يختاروا دار أيتام أو مستشفى أو دار مسنين يتبرعوا بمبلغ لهم ونحتفل معاهم. وأنا اقترحت عليهم المكان هنا ووافقوا، وقالولي أسألك لو مناسب. إيه رأيك؟ _دي حاجة جميلة، أكيد معنديش مانع. أي حاجة تفرحهم أنا موافقة عليها. _جميل. _عرفوني بالتاريخ إمتى ونرتبها. _تمام، هعرف التفاصيل والتوقيت وهبلغك. _تمام.
مر يومان وجاء أحمد برفقة موظف من البنك وتحدثا على ترتيبات الحدث. تم الحدث وسط الأطفال والهدايا والحلويات، وانتهى الحدث أفضل مما توقع الجميع. بعد 3 أيام قام أحمد بزيارة الدار. وكانت سمية في الحديقة تنظر إلى الورود أمامها وشاردة بابتسامة. اقترب إليها. _صباح الخير. التفتت إليه. _صباح الخير. _ممكن أقعد؟ _اتفضل طبعًا.. تشرب إيه؟ _ممكن نسكافيه. _تمام. طلبت له المشروب ونظرت إليه منتظرة حديثه.
_أنا جيت أشكرك على الإيفنت، اتعمل أحسن من توقعاتنا. _لا أبدًا، مفيش داعي للشكر. _أنا كنت واثق إن إيفنت هيعجبهم، لدرجة إنهم قالوا أي احتفالية شبيهة للي تمت، هيكون اسم الدار أول الأماكن المقترحة. ابتسمت سمية. _شكرًا ليكم، الأطفال يستحقوا كل حاجة جميلة زيهم. _عشان كده انتي معاهم يا سمية. نظرت إليه في صمت واستكمل حديثه.
_عارف كويس عن تجربة سنين إنك لما بتكوني في حياة حد، حياته بتكون جميلة إزاي. أنتي بتجمّلي أي مكان بتكوني فيه. _شكرًا على المجاملة. _لا مش مجاملة، أنا بتكلم في حقائق. أنا بغبائي خسرتك وخسرت حاجات كتير كنت عايشها وحاسسها. من بعدك محستهاش ومهما حاولت مفيش فايدة. _أحمد.. قاطع حديثها. _أنا منستكيش رغم السنين دي يا سمية. جلال ومروة حاجز منعني أقرب تاني، لكن الحياة أدتني فرصة تانية بعد ما كنت فقدت الأمل. _فرصة لإيه؟
_فرصة أقولك، أنا محبتش غيرك ومش عارف أحب غيرك يا سمية. بعدتي وسافرت، لكن طول الوقت في بالي وبفكر فيكي وفي أيامنا ولحظاتنا. سمية اللي بينا كان عمر صعب يتمحي في كام سنةبعاد عن بعض.. أنا الندم على خسارتك بيقطعني كل ليلة، منستش ولا لحظة. إحنا عيشنا مع بعض عمر يا سمية، انتي محفورة جوايا. _ومروة مراتك أم عيالك.
_انتي قلتيها أهو، أم عيالي. أنا مش قادر أشوفها غير كده. حاولت ومقدرتش. غصبت على نفسي وقولت واقع غصب عني، بفكر فيكي. أنا مش شايفها، شايفك إنتي يا سمية. أنا لا نسيتك ولا قدرت أتخطاكي. _رغم مرور السنين دي واللي عشته، لسه زي ما أنت يا أحمد، متغيرتش. _أنا بحبك ومنستكيش، ولما عرفت إنك اتجوزتي مكنتش أقدر أكلمك، في حاجز بينا. لكن لما عرفت خبر وفاة جلال. قاطعت حديثه. _قولت الحاجز اتشال والفرصة متاحة، صح؟
_سمية، إحنا اتجوزنا عن حب. أنا أول حب في حياتك. _وأنا مبنكرش ده. أنا حبيتك أيوه، واتجوزنا أيوه، وتخطيتك أيوه. _تخطتيني؟
_أنت أول حب في حياتي، لكن جلال حب حياتي الحقيقي. جلال عشت معاه سنين أقل كتير من اللي عشتها معاك، لكن تكفيني باقي عمري. عشت معاه الأمان الحقيقي، وفي حضنه كان طمأنينة حقيقية. كل وجع وألم عشته قبل ما أقابله، لما قابلته مش هقول اتمسح، لكن بوجوده مسمحش بفرصة أفتكر لحظة من اللي فاتت. سنين الوحدة اللي عشتها قبله، عشت معاه السكينة والهدوء. الخوف اختفى. جلال بالنسبة لكم رجل أو زوج، لكن بالنسبالي ملاك اتبعتلي من السما في وقت كنت بحتضر ومحدش حاسس بيا ولا شايفني، مد إيده في الضلمة ولحقني.
_الله يرحمه. _بالنسبة لكم مات، لكن بالنسبالي جلال معايا كل لحظة ووقت، مش سايبني. _معقولة بعد ما مات لسه بتحبيه؟ ابتسمت سمية. _بسبب حبه أنا عايشة. لا خايفة ولا حاسة بوحدة، لأن اللي عمله عشاني وعشته معاه يكفيني لآخر يوم في عمري. لاحظ أحمد ابتسامة سمية وهي تتحدث عن جلال ووصفها الصادق النابع من قلبها عنه. واستكملت سمية حديثها.
_أحمد، أنا لما قولت قفلت كتابنا، قفلته فعلًا بكل حاجة فيه. مشاعري وذكرياتي وحياتي اللي عشتها. أنا عايشة دلوقتي بأيام جلال ولحظاته، وهفضل عايشة بيهم لآخر لحظة. هو وبس. مفيش مساحة لشخص تاني. مفيش مكان لحد تاني غير جلال في قلبي. صمت أحمد وتحدثت سمية. _آخر نصيحة هقولهالك: بيتك وولادك ومراتك هما اللي يستاهلوك مش حد تاني. اقفل على الماضي وعيش الحاضر معاهم للمستقبل. إحنا انتهينا من زمان يا أحمد. _أستأذنك أنا.
_اتفضل.. والدار وأطفال الدار تنورهم في أي وقت. تركها مغادرًا للخارج، وقف للحظة واستدار لينظر إليها. وجدها وقفت أمام وردة زرقاء تلمسها بأطراف أناملها وابتسامة تعلو وجهها. وقف متعجبًا من كم المشاعر والحب الذي تكنه سمية لجلال، رغم المدة القصيرة التي قضتها برفقته. غادر المكان، وكانت المرة الأخيرة التي تأكد بها فقدانه لسمية للأبد.
نزلت نضال زيارة لمصر لقضاء بعض الوقت برفقة سمية كعادتها، هكذا كانت علاقة سمية ونضال المستمرة بدون انقطاع. جلسا سويًا في المنزل وأخبرتها بآخر حديث مع أحمد ورغبته في عودتهم. _أنا قولت زمان: حد سخن عندهم وهو صغير، دماغه دي إيه. _أي حد مكانه هيفكر كده، هو اتصرف طبيعي. _لكن طبعًا لما اتكلم لقى رد غير متوقع ولا طبيعي.
_أحمد ميعرفش جلال ولا عامله عشان يحكم عليه. بالنسباله راجل زي أي راجل، عمره ما هيتخيل علاقتي ب جلال شكلها إيه. _لكن عايش كل ده وبيفكر فيكي رغم اللي عمله وعياله. _كل إنسان بيختار خلاصه أو عذابه، وهو اختار عذابه بنفسه. _ربنا اسمه العادل، حقك اترد وإنتي متحركتيش مكانك. يكفي اللي عاشوه وحاسينه. اللهم لا شماتة.
_عشان كده بقول دايما: مش كل حاجة تستحق نحارب ونقلب الدنيا عليها. مش كل المعارك تستحق. لو زرعنا في أرض مش أرضنا، منبكيش، لأننا هنحصد في أرض تانية بخير أكبر بكتير من اللي زرعناه. ربنا مبيضيعش حق حد أبدًا. _ونعم بالله.. المهم إنك بخير يا حبيبتي. _الحمد لله.. كنتي قايلالي عاوزاني في موضوع صحيح؟ _لا، ماهو الباب اتقفل خلاص، مفيش مجال. _مش فاهمة؟ _موضوع أحمد قفل الدنيا خلاص، قولتي الخلاصة. تحدثت سمية مازحة.
_انتي كنتي جايبالي عريس ولا إيه؟ _بصراحة كده أيوه. القاعدة لوحدك مش حلوة، انتي محتاجة ونس. ومتقوليش هشام وتميمة والأطفال والبنات.. كل دول مؤقت وهيشوفوا حياتهم وهتبقي لوحدك. _دي سنة الحياة يا نضال. _أيوه، بس العريس ده عايش في دبي، يعني جنبي وهتبقى معايا ومعاه مش لوحدك. وقبل ما تقوليلي، والدار مستعد يساعدك ماليًا في رعاية الأطفال، مش معترض. ضحكت سمية.
_نضال، أنا مفيش مساحة ولا مكان لحد في حياتي. مفيش مشاعر أعيشها لحد. أنا عشت كل حاجة، الوجع والدموع والألم، وعشت الفرحة والسعادة والأمان والاستقرار والحب. عشت الأمومة والأسرة والصداقة. عشت الأخوة والزوجة، في إيه تاني أعيشه؟
أنا اكتفيت، أنا شبعانة الحمد لله. جلال كان فرصتي الوحيدة والأخيرة اللي أعيشها في الحياة، يا نضال، وعشتها الحمد لله. أنا راضية بكل لحظة مرت عليا وبكل لحظة هتمر عليا. أنا ربنا كرمني بأكتر ما كنت أتمنى، هطمع في إيه تاني. _المهم إنك تكوني مرتاحة. _الحمد لله.
في دار الحياة، تجلس تميمة برفقة الأطفال وتهتم بشئونهم برفقة سمية وبعض المشرفات. في نهاية اليوم وذهاب الأطفال إلى النوم، اتجهت تميمة إلى الحديقة للاطمئنان على وردتها. التفتت تعود للداخل، وجدت إحدى المشرفات جالسة تتحدث برفقة أخرى. وانضمت تميمة إليهم. _بتنموا على مين؟ شاركوني. _عليها هي نفسها. _ليه عملتي مصيبة ولا إيه؟ _أكبر مصيبة ممكن الإنسان يعملها في نفسه. بملامح صدمة. _قتلت حد؟ _هتتجوزي. أجابت تميمة.
_يا ريتها كانت قتلت حد، كان أهون. ضحكا وتحدثت المقصودة بالحديث. _والله انتوا رخمة، بدل ما تطمنوني بترعبوني. ضحكا وتحدثت تميمة. _اطمني يا حبيبتي، زي شكة الإبرة، بس إبرة من الإبر الكبيرة دي، عارفاها. ضحكا وتحدثت الفتاة. _والله انت رخمة. اقتربت إليهم سمية وهي تسمع ضحكتهم. _ضحكوني معاكم. _تعالي يا ماما، شاركينا نلاقي حل. جلست سمية. _حل إيه يا ترى؟ _هتتجوز. _ماشاء الله، مبروك. _بقولك يا ماما، هتتجوز. _وفيها إيه يا تميمة؟
مش فاهمة. _هو عادي الجواز كده؟ لا مش عادي طبعًا. _لا عادي، لأنه حلال ربنا وحاجة جميلة، فكرة تكوين أسرة وبيت حياة. _هو حضرتك مبتسمعيش عن نسب الطلاق اللي بتزيد؟ اللي بيطلقوا أكتر من اللي بيتجوزوا. _من نعم ربنا علينا إنه بيبعت لنا كل حاجة في وقتها، لأن ده وقتها. لكن إحنا كبشر نسبة كبيرة منا أنانيين. بنستعجل الحاجة بدون ما نفكر. هو ده وقتها؟ هل ده مناسب؟ هل أنا جاهزة؟
ف الاستعجال والانجراف ورا القطيع بيوصلنا إن النتيجة بتكون غير مرضية، وبنفتقد عنصر الراحة والسعادة، وبنعيش لكن مش حاسين بحاجة. وده نتيجة قرارات طايشة وغلط، فبيحصل الطلاق، ويقولوا إن الجواز أوحش فكرة. لكن الحقيقة تفكيرهم واختيارهم هو اللي وحش، مش الجواز. _يعني إيه أكون جاهزة وأحس إن الفكرة وقتها؟ هعرف إزاي؟
_قرار الزواج محتاج لعقل مع قلب، مع بعض. الاتنين يتفقوا إنهم مستعدين لبدا حياة جديدة مع شخص هيشاركنا كل حاجة من حياة وقرارات. اللحظات السيئة واللحظات الجميلة.. الزواج محتاج شخصين اتفقوا إنهم هيمسكوا إيد بعض دائمًا. حياتهم هتكون مشاركة. كل طرف يطمّن التاني ويسعده ويحققله الاستقرار. ودا مش بالهدايا وكلام الحلو، لا بالأفعال والمواقف. المواقف أكبر دليل إثبات على عمق العلاقة وبتوصل لفين. مفيش استغلال طرف ولا مشاعر. الأمان متوفر.
_مش سهل لو حد خاض تجربة صعبة يكررها تاني؟ _مش صعب يكرر التجربة، لما شخصين مليانين جروح من الماضي ويتجمعوا مع بعض يقرروا يعيشوا الحاضر ويبصوا على المستقبل. وقتها الماضي مش هيكون موجود، مش هيختفي وأثاره موجودة، لكن مش هتحسي بوجوده لأنكم مشغولين بالحاضر والمستقبل. تحدثت تميمة. _زي بابا جلال كدا؟ ابتسمت سمية.
_إنك تقابل شخص يطيب أوجاعك ويتقبلك زي ما إنتي بجروحك ويحتويكي، مش هتحتاجي حاجة تاني من الدنيا. جلال حسسني بأحلى الأحاسيس، كنت فاكرة مش هحسها. العيلة والأمومة والزوجة والابنة والحبيبة والصديقة. حسسني إني أغلى حاجة يملكها في الدنيا. يابخت اللي بيلاقي إنسان يبص في عينيه يشوف نفسه فيها. وقتها ولا هتحتاجي أي حاجة في الدنيا تاني. سعادتك هتختزل في نظرة عينيه وضمة حضنه وطبطبته عليكي بس. (نظرت إلى الفتيات)
فاختاري صح، اختاري اللي يقف جنبك، لا قدامك ولا وراكي، يقويكي ميضعفكيش. وقبل كل ده تكوني إنتي قوية ومش ضعيفة. اختاري الشخص الصح والظروف المناسبة، هتكون كل حاجة كويسة. تحدثت إحدى الفتيات. _بابا جلال رجل خارج من كتاب ألف ليلة وليلة. ابتسم الجميع وتحدثت الأخرى. _بمناسبة الجواز، هتتجوزي إمتى يا تميمة؟ البنات بتتجوز، كلهم مفضلش غيرك إنتي ونرمين وإيناس. _على الساعة 6 ونص كده لو فاضيين. _نعم؟ _مش بتسألي إمتى، فبقولك.
ضحك الجميع وتحدثت تميمة. _أنا معرفش هتجوز إمتى. _يعني الفكرة متاحة؟ هتتجوزي؟ _مش عارفة بصراحة. _هو كل ما حد يسألك على حاجة تقولي معرفش؟ _ماهو أنا معرفش فعلًا، مش هفتي وخلاص. أنا متغيرة، كل وقت بقرار شكل. _الوقت بيمر، خلي بالك. تحدثت سمية.
_مش مهم الوقت، المهم الاختيار. تختاري المناسب ليها وهي تكون مناسبة له، يبدأوا حياة مع بعض. عشان كده بقول دائمًا: عدم التسرع. لا لسن إنك كبرتي تتجوزي، ولا لأن فلانة اتجوزت وانتي لا، ولا عشان حد يحميكي ومتبقيش لوحدك، ولا هروب ولا خوف. لما تختاري اختاري اللي يزودلك ثقتك بنفسك، مش اللي يستغلك. هو ده الحب والزواج الصح. وعلشان تحبي وتتجوزي، أهم حاجة نفسك، قوي نفسك ومتستسلميش وتكوني ضعيفة. ولو متجوزتيش مش نهاية الكون، لسه وقتك مجاش، متستعجليش. ولو ملقتيش اللي يناسبك مش معناها إنك مش عايشة. لا ظروف ولا خوف ولا ضعف يخلّوكي تعملي حاجة ضد رغبتك.
تحدثت تميمة. _أوعدك يا ماما، عن نفسي، لما هتجوز هيكون عن اقتناع عقل ورضا وموافقة قلب، ومش هستعجل. ويجي وقت ما يجي، مش هجري وراه، هو يجري ورايا، مش كده؟ ضحك الجميع وقالت سمية. _القدر مفاجآته غير متوقعة. سيبها للقدر وهو هيفاجئك.
في الجيم، وتميمة تتدرب كعادتها. بدون قصد انشقت المرآة، فتحملت تكاليف تصليحها. ولعدم توفير المال معها، قامت ببيع هاتفها دون علم أحد إلا نرمين. وكانت تخبر سمية تركته في المنزل سهوًا. ولمن يريد الوصول إليها عن طريق نرمين. ووسط حديث هشام مع نرمين علم بذلك. ففي يوم انتظر تميمة عائدة من الجيم أمام المنزل ورأته تميمة. _هشام، أنت واقف هنا؟ في حاجة؟ _عاوز حلبسة. ضحكت تميمة. _عاوز إيه؟ _حلبسة.. أنا عازمك، يلا.
اتجها إلى عربة حمص الشام وجلسا. _كلمتك كتير، تليفونك مقفول. _آه، أصلي بصلحه. _بتصلحه ولا بعتيه؟ نظرت إليه. _يا نرمين يا فتّانة. _يعني لو هي مقالتش مكنتش أعرف. _حاجة بسيطة يا هشام، هجيب غيره. توجه إلى السيارة وعاد بحقيبة في يده. _اتفضلي. _إيه ده؟ _تليفون جديد بدل اللي بعتيه. _ومين قالك إني عاوزة تليفون؟ _هتقعدي من غير تليفون؟ _لا، هجيب بس شوية كده. _لا، شوية ولا شوية.. امسكي ده يلا. _مش عاوزة. تفاجأ هشام من رد تميمة.
_ليه يا تميمة؟ هو أول مرة أجيبلك هدية؟ _لا مش أول مرة ومش آخر مرة، لكن الهدايا اللي ليها أسبابها. عيد ميلادي، أنت ربنا يوفقك في مشروع كذا، والطبيعي شوكولاتات وحاجات لطيفة، مش موبايلات يا هشام. _إيه الفرق؟ مش فاهم. نظرت إليه. _الفرق إني مش هفضل معتمدة عليك في كل مشاكلي. حصلت مشكلة وحلّيتها بطريقتي واتصرفت. لو مكنتش عارفة أتصرف كنت كلمتك، لكن طول ما أنا قادرة خلاص. _أول مرة تعملي فرق كده.
_لأن ده الصح يا هشام. عزومة عشاء، شوكولاتات، تمام، مبتكلمش. لكن احتياجاتي أنا مسؤولة عنها، تخصني أنا. وأنت غير ملزم بيها، مهما كانت علاقتي بيك، إلا لو جوزي. لكن أنت مش جوزي. _طيب خلاص نتجوز. _نتجوز عشان تجيبلي موبايل؟ (ضحكت) دا انت دماغك رايقة. تحدث هشام. _تميمة، متكبريش الموضوع. ده موبايل عادي. _بالنسبالك عادي، بالنسبالي لا. أنا مسؤولة عن نفسي، لو سمحت يا هشام. صمت هشام وتحدثت تميمة.
_بس ده ميمنعش إنك اللي هتدفع حق الحلبسة، بقولك أهو. أنا مديونة وعليا فلوس. نظر إليها بتعجب لسخريتها من وضعها المادي ورفضها الهاتف. جلسا قليلًا ثم عاد إلى المنزل وجد سمية جالسة أمام التلفاز. _ماما، انتي لسه صاحية؟ _مستنياك. _مكلمتنيش ليه؟ كنت جيت بدري. _سألت عليك في الشركة قالوا مشيت، قولت هتيجي على طول، مكنتش أعرف إنك هتتأخر. تنفّس نفسًا عميقًا، جلس ووضع بجانبه حقيبة الهاتف. _كنت بشوف تميمة. _ومالك مضايق ليه كدا؟
_الأستاذة باعت موبايلها عشان تسد فلوس عليها في الجيم. المراية اتكسرت، ومقالتليش. ولما عرفت من نرمين جبتلها واحد تاني ومرضتش تاخده. بتقولي أنا مسؤولة عن نفسي ومش موافقة أساعدها. ابتسمت سمية وتعجب هشام من رد فعلها. _انتي موافقاها يا ماما ولا إيه؟ _بصراحة جدًا، برافو عليها. _ماما؟ إيه كلامك ده؟ _هشام.. تميمة مش صغيرة لسه. تميمة كبرت وشايلة فعلًا مسئولية نفسها. إحنا لازم نساعدها على كده. _إحنا موجودين معاها.
_إحنا في حياتها جنبها وفى ضهرها، لكن مش قدامها. طبيعي تتعرض لمشاكل ولازم هي تدور على حل بنفسها الأول، ولما تغلب ندخل، لما تطلب هي. غير كده غير مسموح لينا. _بس كده بتبعدنا عنها. _هي كده بتقوي نفسها بنفسها، تعتمد على نفسها، سواء حد موجود أو لا. هي مش هتستنى حد، لو قادرة هتتعامل. مش قادرة هيظهر اللي يساعدها. وبعدين أنت موجود، لو احتاجتك هتكلمك. _هي قالتلي كده بالظبط، لما احتاجك هكلمك. ضحكت سمية. _فظيعة تميمة.
_بجد مش عارف أقولك إيه. أقولكم إيه؟ _سيبها على راحتها، متضغطش عليها. سيبها تتعامل مع الدنيا ومشاكلها وتتعلم. لازم تتعلم، لأن مفيش حد دائم يا هشام. _ماشي، هسيبها. لما نشوف.. كنت عاوزاني في إيه صحيح؟ _كنت عاوزة آخد رأيك في حاجة أنا هعملها؟ _قولي يا ماما، أنا سامعك، ومبدئيًا أنا موافق. ابتسمت سمية. _أنت عارف إن الدار بعد مشكلة رجاء، رغم اعتراضي، أنت كتبته باسمي. باقي نصيبك أنت ورجاء، فبقي ملكي، صح؟
_ده حقك يا ماما، وبابا جلال كان هيعمل كده، أنا عارف. _فانا بفكر أكتب الدار باسمك أنت يا هشام؟ _ليه؟ _أنت اللي هتكمل اللي بدأه جلال. _انتي موجودة يا ماما، وأنا معاكي. _أنت هتكمل وأنا اللي معاك. وهحس براحة كده أكتر. صمتت للحظات وتحدثت سمية. _وشقة البنات هكتبها باسم تميمة.. إيه رأيك؟ _ليه القرارات المفاجئة دي؟
_يعني محدش ضامن الأعمار. الدار أنت هتخلي بالك منها وهتكمل بعدي، والشقة لتميمة، وأي بنت من البنات لما تحب ترجع تلقى مكان. وتميمة أكتر حد أنا واثقة إنها هتكون فاتحة بابها للجميع. _رغم اعتراضي على حوار الدار، لكن اللي يريحك اعمليه، وأنا معاكي في أي قرارات. _خلاص، هكلم المحامي ونبدأ في الإجراءات. _تمام.
بالفعل تحدثت سمية مع المحامي وطلبت منه إتمام إجراءات نقل الملكية. ولكن قبل يوم التوقيع، تعرضت سمية لأزمة قلبية مفاجئة في مكتب الدار. رأتها تميمة مستلقية على الأرض وسريعًا طلبت الإسعاف وتم نقلها إلى المستشفى وأدخلوها عمليات. وتميمة وهشام بالخارج في حالة من الخوف والتوتر. ظلت تميمة تقرأ بعض الآيات القرآنية تناجي الله كي ينقذها ويحفظها لها، وهشام يحاول التماسك ولم يستطع، ظل في ذهاب وإياب باستمرار في انتظار خروجها من العمليات. خرج الطبيب واتجه إليه كلًا من تميمة وهشام وملامح الطبيب غير مطمئنة.
_خير يا دكتور؟ هي كويسة، صح؟ بقت كويسة؟ نظر إليهما. _أنا آسف.. مدام سمية توفت أثناء العملية. البقاء لله.
وقفت تميمة تستوعب كلمات الطبيب وهشام في حالة من الذهول. خرجت تميمة تهرول إلى خارج المستشفى وتسقط على الأرض وتقوم مرة أخرى، تحاول إنكار ما سمعته منه. عادت إلى الدار وتوجهت بخطوات سريعة إلى وردة سمية، وجدتها سقطت على الأرض أوراقها مبعثرة. جثت على ركبتيها، أمسكتها وكأن سقوط الوردة كان تأكيد حقيقة وفاة سمية بالفعل. احتضنت الوردة وأغلقت عينيها وانهمرت الدموع من عينيها. ظلت جالسة على الأرض حتى شعرت بيد تلمس كتفها. كان هشام. نظرت إليه وهي تحتضن الوردة. حاول هشام أن يساعدها على الوقوف، وكانت لم تتمالك. وقفت بصعوبة ونظرت إليه باكية.
_هشام. ضمها هشام في حضنه وانهمرت الدموع من عينيه هو أيضًا. في تلك اللحظة، شعر هشام وتميمة بإحساس باليتم الحقيقي بفقدانهم سمية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!