منذ إحضار جلال الوردة الزرقاء لسمية، أصبحت مثل أطفال الدار. أول شيء تفعله حينما تستيقظ هو الذهاب للاطمئنان عليها والاهتمام بها. وفي آخر اليوم، تجلس أمامها تنظر إليها بابتسامة وتتأملها. كانت تساعد الأطفال بالاهتمام بأزهارهم وتساعد جلال في الاعتناء بالورود والنباتات عمومًا. في يوم، أخبرت سمية المشرفين الآخرين بأنها ستذهب في مشوار لمدة ساعتين. وأثناء خروجها من الدار، تقابلت مع جلال وهو داخل من البوابة. "صباح الخير."
"صباح الخير." "على فين الصبح؟ "عندي مشوار بسيط وراجعه." "تمام." اتجهت إلى سيارتها. وقف جلال ينتظرها حتى تنصرف. لاحظ سيارتها لم تتحرك وهي داخلها تحاول تشغيلها. اقترب إليها ونقر على الزجاج. "في مشكلة ولا إيه؟ "مش عارفة، مش راضية تدور." "طيب، أنا ممكن أوصلك مشوارك." "لا شكرًا، أنا هطلب عربية." شعر بإصرارها. "اللي يريحك. وأنا هكلم الميكانيكي يجي يشوفها، تمام؟ "تمام."
أنهى جلال اتصاله بالميكانيكي ولاحظ وقوف سمية. تحرك اتجاهها. "في حاجة ولا إيه؟ "ولا عربية راضية تقبل ريكسوت." "الساعة 8 الصبح وهيبقى صعب شوية تلاقي عربية، هتستني كتير." "أعمل إيه؟ هستنى." "ما في حل تاني، أوصلك أنا." "لا شكرًا." "اعتبريني تاكسي." ابتسمت سمية. "تاكسي؟ "أيوه، وهاخد الأجرة، مش هطنش. ممكن توافقي؟ بعد تردد، وافقت سمية. وقبل أن يتحرك: "رايحة فين؟ "المقابر." "رايحة لحد؟ "لماما، النهارده الذكرى بتاعتها."
"تمام، حطي اللوكيشن وهنتحرك." تحرك جلال ووصلا. وانتظر سمية بالخارج. ودخلت سمية نصف ساعة ثم خرجت واتجهت إلى جلال. "آسفة لو اتأخرت." "لا براحتك." "يلا بينا." في الطريق، تحدث جلال. "المشوار كان بسيط وعادي، ليه كنتي مصممة متقوليش رايحة فين؟ "عادي يعني، مشوار شخصي. هيفرق مين رايح مقابر، فليه أقول؟ "بس تشاركي المعلومة مع غيرك مثلًا عشان لو حصلت مشكلة ولا حاجة يبقى معاكي." "أنا متعودة أتعامل مع أي موقف لوحدي الحمد لله."
"بس انتي مش عايشة لوحدك في الدنيا." "هو أيوه، فيه ناس حوالينا. لكن فعليًا أنا لوحدي، ودي حقيقة مش هنكرها." "جميل إننا نتقبل حقيقة عيشنا، بس مش جميل إننا ننكر واقع عايشينه." "الحقيقة هي الواقع."
"الحقيقة هي إحساسنا، لكن الواقع أحاسيس خارجية بتحيطنا بتأثر فينا وبتغيرنا. مثلًا، أنتي عايشة إحساس الوحدة دي حقيقة، مفيش جدال ولا خلاف. بتعملي كل حاجة لوحدك. لكن الواقع إن فيه إيد اتمدت ليكي تساعدك ولو بحاجة بسيطة. هنا هيكون رد فعلك إيه؟ هترفض؟ "الإيد اللي اتمدت عشان تساعدني، هيكون المقابل إيه؟ للأسف مفيش، لأن أنا معنديش غير شوية سنين فاضية عايشاهم." "مين قال إنهم سنين فاضية؟
لو بنظرك سنين فاضية، فبالنسبة لغيرك كنز صادفه." "خبطات الحياة بتوصلنا لمرحلة إن إحنا لوحدنا، بيبقى الوضع أريح عن نكون وسط ناس مش هيقدروا يحسوا بينا لأنهم مجربوش وجعنا." "هو ممكن مفيش حد جرب وجعنا إحنا، لكن ممكن يكون جرب إحساس الألم نفسه وهيبقى عارف قد إيه بنتألم وأثر ألم هيكون إزاي. فبالتالي هيكون حاسس بينا، مش حاسس بوجعنا، لكن عارف إحساس الوجع إيه وهيبقى فعلًا عاوز يساعدنا لو سمحنا له بفرصة." صمتت سمية. وتحدث جلال.
"فرصة ممكن تفرق في حياتنا وحياة غيرنا. مش هنقدر نغير الحقيقة، لكن هنقدر نغير الواقع. وبكده إحساسنا بالحقيقة هيتضائل ومش هيأثر علينا." صمتت سمية. وتحدث جلال. "تسمحيلي تيجي معايا مشوار مش بعيد ومش هنطول." "فين؟ "مش مختلف عن المكان اللي كنا فيه. موافقة؟ "تمام."
تحرك جلال بالسيارة وتوجه إلى مقابر عائلته. تحرك من السيارة مع سمية وتوجه إلى مدخل مقابر عائلته كما مدون على لوحة خارجية. تقدم جلال خطوتين ووقف يقرأ الفاتحة، وفعلت سمية مثلما فعل. أشار لها بالاقتراب والوقوف بجواره. ونظر أمامه وتحدث: "أعرفكم ببعض. هدى، أعرفك بسمية." تفاجأت سمية. واستكمل جلال حديثه.
"أنا عارف إن الزيارة دي متأخرة يا هدى، بعتذرلك. هي دي سمية اللي حكيتلك عنها، إنسانة جميلة، قلبها جميل، وفيها حب الدنيا. الأطفال زي ما قولتلك بيحبوها جدًا. ردت في الدار الروح وحلمك مستمر يا هدى، لأني متأكد إن سمية هتحافظ عليه أكتر مني." نظر إليها وهو مبتسم. "مش كده يا سمية؟ هزت رأسها. "أيوه.. أكيد." نظر أمامه وتحدث وأشار إلى قبر هدى.
"استكمالًا لحديثنا عن الحقيقة والواقع، اللي قدامي ده حقيقة عايشها، مفيش مجال لإنكارها. حقيقة هتعيش معايا لآخر يوم في عمري. (نظر إلى سمية) لكن الواقع هيساعدني أكمل." صمتت سمية وهي تنظر إليه وإلى قبر هدى. قبل أن يغادر جلال، روى النباتات الموجودة وأعطى حارس المقابر مبلغًا من المال. وغادرا سويًا إلى السيارة. وسمية كانت صامتة. وتحدث جلال. "آسف لو المشوار أزعجك." "لا ابدًا، بالعكس أنا ممتنة إنك أخدتني معاك."
"هدى تعرفك. أنا اتكلمت عليكي كتير معاها وحكيت لها عنك كتير." "حكيت إيه؟ "حكيت اللي شوفته وحسيته من أول مرة قابلتك فيها، وعلاقتك بالأطفال وبالدار. طمنتها إن أخيرًا المكان في إيدي أمينة، متقلقش."
ابتسمت سمية. وابتسم جلال. وعادا سويًا إلى الدار. طلبت من جلال المرور على إحدى محلات ألعاب الأطفال. وأخبرت جلال برغبتها بشراء ألعاب للأطفال. وقبل أن تدفع الحساب، دفع هو من ماله الخاص. وعادا إلى الدار. ووسط الأطفال جميعًا، تحدثت سمية. "عارفين الهدايا الجميلة دي من مين؟ "إنتي وبابا جلال." "لا مش صح.. الهدايا الجميلة دي من ماما هدى وحسن بعتوها ليكم."
تفاجأ جلال من كلمات سمية وحديثها عن هدى وحسن. وأخبار الأطفال حكاية الدار وكلماتها الجميلة عن هدى وحسن. ونظرات الحب في عيون الأطفال لهدى وحسن. أنهت سمية الحديث والتجمع. وجلس جلال في الحديقة يتابع النباتات والورود. وسمية بالداخل تتفقد الأطفال وأحوالهم. جلسا جميعًا، تناولوا طعام وجبة الغذاء. وجلسوا يمارسون نشاط الرسم. وشاركهم جلال والجميع كان سعيدًا. والأجواء مليئة بابتسامات الجميع.
مع مرور الوقت، أصبحت علاقة سمية وجلال عميقة. يوميًا يجلسان سويًا ويتحدثان عن عدة مواضيع. ويحكي لها جلال عن مغامراته في السفر وسط ضحكات سمية على مواقفه الكوميدية.
في أحد الأيام، شعرت سمية بألم في معدتها. وكانت مع مرور الوقت يتزايد وساء الوضع لعدم بقاء الطعام في معدتها. لم تستطع النزول من غرفتها. وعلمت ماما كريمة وهاتفت جلال. وجاء الطبيب للدار. وبعد فحص وكشف على سمية، دون لها بعض الأدوية وطلب إجراء بعض الفحوصات ومنظار على المعدة حينما تتحسن. ذهب الطبيب برفقة جلال وأحضر لها العلاج وطلب من ماما كريمة الاهتمام بها. ظل جلال يومين في الدار يهتم بالأطفال وليطمئن على سمية وتلبية أي طلبات خارجية. كان يطلب لها عصائر وسلطات وأكلات خفيفة.
بعد مرور 3 أيام، خرجت سمية من الغرفة. ولشعور بالألم، استعدت للذهاب لإجراء الفحوصات. جلال في الحديقة شاهدها تتجه نحو بوابة الخروج بخطوات سريعة. توجه إليها ونده عليها. "سمية؟ التفتت إليه. "جلال." "رايحة فين وإنتي تعبانة كده؟ "أنا أحسن من الأول." تمعن جلال النظر إليها وملامحها المريضة. "شكلك غير يوحي بكده. بس بما إنك قادرة تقفي، ده كويس. بس مش معناه تخرجي. رايحة فين؟ قولي إيه محتاجاه وأجبهولك."
"هروح أعمل الفحوصات والمنظار لأن معدتي لسه بتوجعني شوية." "هتروحي لوحدك؟ "أيوه عادي، متقلقش. بعرف أتحرك لوحدي." أوقفها. "مش حكاية بتعرفي ولا لا. هتروحي وإنتي تعبانة كده؟ لا طبعًا." "الكل هنا مشغول ومش هينفع نسيب الدار. أنا هروح بسرعة وهرجع. عن إذنك." "هاجي معاكي." "لا شكرًا." أغلق البوابة. "مش هسيبك تروحي لوحدك يا سمية. ممكن بلاش عند؟ صممت سمية. وتحدث جلال. "السكوت علامة الرضا. يلا بينا."
توجه بالسيارة إلى المستشفى المجاورة. وجلس ينتظر نداء اسم سمية. "بجد مكنش له داعي تيجي معايا، القاعدة هتطول وهتزهق." "مين قال إني هزهق؟ بالعكس، أنا معاكي مبزهقش خالص. وبعدين، أُقعد جنبك وشايفك أحسن كتير ما أُقعد في الدار وأنا قلقان عليكي."
ندت الممرضة اسم سمية. وتحركت برفقة جلال. ودخلت لسحب عينة دم. وخرجت. أحضر لها جلال العصير. وبعد قليل، توجها إلى المنظار. وعلما وقت استلام الفحوصات في يوم الغد. تحركا عائدين إلى الدار. وطلب من ماما كريمة الاهتمام بسمية وعدم إرهاقها. ورفضت سمية العودة إلى غرفتها. وجلست في الحديقة. وجلس برفقتها جلال أمام وردتها. "متقلقيش، أنا بهتم بيها في غيابك." "شكرًا بجد."
"متشكرنيش عن شيء أنا عاوز أعمله. الوردة دي مسئوليتي زي ما إنتي كمان مسئوليتي. مش هسمح لها بضرر ولا هسمح ليكي التعب يهزمك. هحارب معاكي التعب." ابتسمت سمية. "وهتحاربه إزاي وهو عندي أنا؟ أقبلت كريمة ومعها صحن شوربة. وضعته أمامهما. وتركتهم للذهاب إلى الأطفال. وأمسك جلال الصينية. "هحاربه بالشوربة أكيد." ابتسمت سمية. واستكمل جلال. "وبابتسامتك الجميلة دي.. بصي، إحنا هنقضي عليه بسرعة. يلا تاكلي ولا أنا آكلك؟
"لا مش لدرجة، هقدر آكل." "وأنا قاعد أهو. هشوف، لازم الطبق ده يخلص كله." "مش هقدر." "حاولي.. لما هتحاولي كذا مرة هتقدري. مش أنتي عاوزة تخفي؟ "أكيد." "يبقى الإرادة مع المحاولة هتوصلي لنتيجة. وأنا معاكي، مش هسيبك. يلا."
بدأت تتناول الشوربة بهدوء. ورن هاتف جلال. وابتعد ليجيب على الهاتف. في تلك اللحظة، توقفت سمية عن تناول طعامها. ونظرت إلى صحن الشوربة. ثم نظرت إلى جلال. وذرفت دموع من عينيها. اهتمام جلال بها ومرافقته لها وبقائه في الدار لمدة يومين. وسؤاله الدائم عليها. رغم تواجدهم في نفس المكان، ولكن لأنه لا يجوز الذهاب إلى غرفتها، كان دائم الاتصال بها وهو في الحديقة. إصراره الدائم على الاطمئنان عليها. شعرها بإحساس كانت مفتقدته من قبل. أثناء مرضها عندما كانت برفقة أحمد. وإحساس الوحدة الذي تملكها في ذلك الوقت. شردت ودموعها تنهمر. فأقترب إليها جلال ولمح دموعها.
"سمية.. مالك؟ في حاجة؟ إنتي تعبانة؟ نروح المستشفى ولا أطلب الدكتور؟ أزاحت دموعها. "لا لا، مفيش. أنا كويسة." "ليه الدموع دي طيب؟ هي الشوربة مش حلوة؟ "لا بالعكس جميلة." "اومال في إيه؟ إذا سمحتيلي أعرف." وضعت الصينية على الطاولة وتنهدت. "افتكرت فترة كنت تعبانة فيها، لكن كنت لوحدي. من الألم مكنتش قادرة أتحرك." "وبقيتي كويسة؟ "الحمد لله. لولا جارتي كان ممكن يحصلي تسمم وأموت."
"الحمد لله إنك بخير. هو لما بنتعب ذكرياتنا المتعلقة بالتعب بتهجم علينا. بس الحمد لله إنتي بخير." "وقتها مكنتش بخير من التعب." "بس جارتك لحقتك." "اللي كنت منتظرة منه يلحقني، ملحقنيش." "الأثر اللي جواكي هو لحظة احتياجك لشخص معين ولكنه ماكنش موجود." صمتت سمية. وتحدث جلال.
"وقت ما تعبتي، اللي لحقك جارتك. رغم كنتي منتظرة شخص تاني. وهنا لما تعبتي، اتحملتي تعبك في صمت وإحنا لحقناكي. سمية، تدابير ربنا لينا مختلفة عن اللي إحنا عاوزينه. بتكون أحسن لينا. وقتها مبتحسيش بكده، لكن بعدين لما كل حاجة بتهدأ بنفهم." نظرت أمامها سمية في صمت. وتذكرت معاملة أحمد وقت مرضها. وشعرت بالرغبة في البكاء. وشعر جلال بذلك وقال: "أنا هسيبك لوحدك وهشوف الأطفال."
تحرك خطوتين. واللحظة التي استدار فيها جلال، انهمرت سمية بالبكاء. عن ما شعرت به سابقًا من ألم ووحدة. كل لحظة عانت بها بمفردها. وأكثر شخص تحبه لم يشعر بها وتركها بمفردها تعاني. وقف جلال بعيدًا ينظر إليها. ويمنع أن يقترب منها أي طفل أو شخص من العاملين. رغبة منه لتركها بمفردها تخرج ما تكنه في صدرها بأريحية.
بعد بكاء ساعة ونصف متواصل، جلست في سكون وصمت. وطلب جلال من إحدى الفتيات الصغيرة الذهاب إلى سمية وضَمّها. وبالفعل، ذهبت الطفلة وضمت سمية. وبادلتها سمية الحضن. وظلت تحتضنها. ووقف جلال من بعيد. وعلى وجهه ابتسامة حينما لمح ابتسامة سمية وهي تحتضن الطفلة. أطلق تنهيدة ونظر إلى السماء وعاد.
في اليوم التالي، توجه جلال إلى المستشفى. واستلم نتيجة الفحوصات وأرسلها للطبيب. وأطمأن على سمية. وطلب الطبيب رؤيتها. عاد جلال إلى الدار. وتفاجأت سمية بذهابه إلى المستشفى. وأخبرها بموعد الطبيب بعد يومين. ذهبا إلى الطبيب. وعند عودتهم، تفاجأت سمية باختفاء الأطفال من الدار. والهدوء في المكان. توجهت برفقة جلال إلى الغرف. ولم تجد ولا طفل ولا العاملين في الدار. ارتسمت ملامح القلق عليها وعلى جلال. وأخبرها بالذهاب للبحث في الحديقة الخلفية. وكان المكان مظلمًا. حينما تقدمت خطوتين، أشعل الإنارة. والأطفال والعاملين متجمعين.
وبصوت واحد: "هابي بيرث داي ماما سمية". تفاجأت سمية بالمفاجأة. وأقبل عليها الأطفال بالهدايا البسيطة منهم لها. وسط أحضان وقبلات. علمت أن تم ترتيب الحفل بالاتفاق مع جلال. اقتربت إليه. ولمحها. ونظر بعيدًا. "إنت تعمل كل ده؟ وأقولك اتأخرنا تقولي لأ. وكنت بتدور معايا عليهم وأنا أقول إنت هادي ليه؟ رد فعلك كان غير متوقع." "معرفش أكذب. حاولت ومعرفتش. بس اجتهدت صح." ضحكت سمية. "أيوه بصراحة. بس محتاج تدرس تمثيل."
"حاضر.. المهم، يارب الحفلة اللي على قدنا دي عجبتك. إحنا حاولنا كلنا نطلعها أحلى حاجة." "دي أحلى حفلة عيد ميلاد تتعملي. شكرًا." تبادلا الابتسامة. واستكملا الاحتفال برفقة الأطفال. حان وقت النوم. وطمأنت سمية أن الجميع نائم. ونزلت إلى جلال في الحديقة. وهو يتفحص الورود كما يفعل كالعادة. "محتاجة مساعدة؟ "لا شكرًا." جلس على المقعد أمامها. "ناموا." "أيوه، التنطيط هدت حيلهم ناموا على طول."
"كانوا مبسوطين بالحفل جدًا. لما قولتلهم عليها نقف مع بعض وقفة رجالة ونعمل أحلى حفلة. أحلى من حفلات. اتحمسوا أوي وشكلهم وهم بيساعدونا حقيقي بيفرح القلب." "هما جمال ربنا يحرسهم. بيحبوا أجواء الحفلات وكده." "طبعًا. بس الأهم إن الحفلة ليكي لماما سمية. ودي عندهم أهم من مليون حفلة تانية." "بجد شكرًا على كل لحظة وذكرى جميلة ليا هنا." "إحنا المفروض نشكرك على كل حاجة عملتيها لينا لما جيتي. عارفة في لحظة أنا مرعوب منها؟
إحنا كلنا يعني؟ -إيه هي؟ "لحظة تيجي تقولي لنا أنا همشي." -همشي ليه؟ إلا لو هتطردوني وقتها." "يعني تقولي لنا هتجوز مثلًا.. طبيعي هتمشي ومحدش هيقدر يقول كلمة." ابتسمت سمية. "لا متقلقوش. مش هيحصل. أنا هنا على قلبكم لغاية ما أنتم تمشوني." "وإحنا مش هنمشيكي. إحنا كلبشنا فيكي خلاص." ضحكا. وتحدث جلال. "بس معنى كلامك ده إنك مؤجلة فكرة الجواز شوية." "لاغياها.. مش موجودة." تفاجأ جلال. "معقول تجربتك الأولى أثرت فيكي لدرجة دي؟
"أنا منكرش إن تجربتي كانت قاسية وعلمتني وفهمتني معاني حاجات كتير. لكن لا، مش السبب. مش تجربة تحكم علينا باقي حياتنا. أنا مش مع الفكر ده. لأن كده اللي بيدمرنا من تجربتنا، لكن أفكارنا. يعني إحنا دمرنا نفسنا بنفسنا. تجربة خلصت، انتهت. حلوة أو وحشة، إحنا بنتعلم حاجة منها تغير تفكيرنا، توضح لنا حاجة كده يعني. لكن إنها تقفلنا خالص، لا غلط." "كلامك جميل.. بس إيه السبب اللي خلاكي تلغي الفكرة؟ "أنا.." "إنتي إيه؟
"الزواج ده مكون من شخصين. اتنين يشاركوا بعض في كل حاجة. اتنين العطاء والأخذ بينهم رايح جاي. مينفعش علاقة تبدأ وتستمر بشخص واحد شغال عليها والتاني متفرج. مبيعملش حاجة، بياخد بس. دي مش علاقة، ده استنزاف مشاعر وعمر وطاقة الطرف التاني." "تمام معاكي.. إنتي فين مشكلتك هنا؟ "أنا لو اتجوزت هاخد بس والطرف التاني اللي معايا مش هياخد حاجة مني. قولتلك قبل كده أنا اللي معايا شوية سنين فاضية عايشة بيهم." "ليه بتقولي كده؟
"لأن دي الحقيقة والواقع. اللي هيرتبط بيا هيحكم على نفسه بالوحدة." "إيه الكلمة الكبيرة دي؟ "هو ده اللي هيحصل." صمت جلال لحظة. وتحدثت سمية.
"أنا عشت عمري كله خايفة، خايفة أخسر أشخاص حبيتهم، وخسرتهم لأني مقدرتش أحافظ عليهم. أو بمعنى أصح، معنديش حاجة تربطهم بيا، حاجة هما عاوزينها. مش عاوزة أخاف تاني من خسارة حد. أنا عارفة إني هخسره وأعيد الإحساس من الأول. أنا عاهدت نفسي مسمحش للخوف يسيطر عليا تاني. وطول ما أنا لوحدي مش هخاف. مش هخاف من خسارة حد." تحركت من مكانها. "أستأذنك أطلع أنام. تصبح على خير." "تصبح على خير." تحركت خطوتين. ونده عليها. "سمية."
التفت إليه. وتقدم خطوتين ووقف أمامها. "سمية.. إنتي موجودة يعني كل حاجة موجودة. اللي معاكي مبحسش بفقدان حاجة ولا بالوحدة زي ما بتقولي. وجودك يكفي في حياته. لأنك إنتي كنز في حياة أي حد." ابتسمت سمية. "ميرسي على كلامك الجميل.. تصبح على خير."
تركته سمية واتجهت عائدة إلى غرفتها. دخلت الغرفة. جلست أمام المرايا. ونظرت إلى انعكاس صورتها. وشردت لحظات. وانتبهت. وبدلت ملابسها. ولمحت هدايا الأطفال الموضوعة على الأرض. تناولت حبوب المنومة. وأغمضت عينيها. واستسلمت للنوم.
أقترب يوم رأس السنة. وتحدث جلال مع سمية برغبته بإقامة حفلة للأطفال بمناسبة رأس السنة في الدار. وأيضًا يضم إليها احتفال شركته في الدار برفقة الأطفال. وافقت سمية. وبدأت التحضير لاحتفال. ولأن الاحتفال كان أكبر ولشخصيات مهمة، قررت تستعين بمساعدة من (عمر) . كان يعمل برفقتها في بعض الحفلات في الحضانة في السابق. أرسلت إليه رسالة. وأرسل لها موافقته. وأرسلت إليه عنوان الدار. وقف عمر أمام البوابة. "عندي موعد مع مدام سمية."
"أقولها مين حضرتك؟ "قولها عمر بنهاوي، خطيبها." تفاجأ موظف الأمن. "خطيبها؟ "أيوه. بلغها ممكن." دخل موظف الأمن. وصادف جلال. "مين ده يا علي؟ "ده خطيب مدام سمية." صعق جلال. "مين.. خطيبها مين؟ وإزاي يعني؟ "هو قالي أبلغها كده." "طيب تمام، روح بلغها." وقف جلال يحدق في عمر. وشاهد سمية تتجه إلى البوابة بخطوات سريعة اتجاه عمر. ووقفت ورحبت به بحرارة وابتسامة مشرقة في وجهها. وقامت بوغزه في كتفه. لم يتحامل. واتجه إليهم.
"مساء الخير." التفت سمية. "باشمهندس جلال." "مين حضرتك؟ "عمر بنهاوي. من أشطر مهندسين ديكور. طلبت منه يجي يساعدني عشان حفلة رأس السنة." "أها.. أهلاً وسهلاً." مد يديه جلال. وصافح عمر. وبابتسامة تحدث عمر. "فرصة سعيدة يا باشمهندس جلال." "أنا الأسعد." "إن شاء الله أنا وسمسم هنعمل شغل جميل هيعجبك." نظر إليها. "سمسم؟ نغزته مرة أخرى أمام جلال. "في عينك.. كذا مرة أقولك متقولش سمسم دي." "خطيبتي بقى، أقول براحتي." تفاجأ جلال.
"خطيبته؟ ضحكت سمية. "لا لا مش خطيبي ولا حاجة." "هتنكري؟ عندي شهود." "إنت صدقت ولا إيه؟ الحكاية ببساطة زمان كان فيه شخص بيضايقني. وعمر حب يقفل الباب قدامه فقال إنه خطيبي. ومن ساعتها ماسك إنه خطيبي." "أجيب لك الشهود؟ "اسكت بقى، عمر أخويا الصغير." "5 سنين مش حوار. لكن هفضل وراكي لغاية ما توافقي." "تعالي ورايا أوريك المكان. يلا. عن إذنك." "اتفضلوا اتفضلوا. محتاجين مساعدة عرفيني." "أكيد."
تحركت سمية وهي تتبادل مع عمر الضحكات. وسط نار أشعلت بداخل جلال. تحرك خلفهم. وظل يتابع تحركاتهم. حتى أوصلت سمية عمر إلى البوابة. وغادر. وهي عائدة إلى الداخل. "سمية." "أيوه." "خلصتوا؟ "أيوه. هيجيب الحاجات المطلوبة وهنبدأ. مفضلش أقل من شهر." "مش محتاجة حاجة يعني؟ "لا ابدًا، أنا معايا الفيزا اللي ادتهالي. وهجهز الفواتير وكل حاجة لبعد الحفلة." "أنا مطمئن. باين علاقتك مع عمر مقربة يعني؟
"لذيذ هو صح.. بيحب الضحك والهزار والمقالب وشاطر أوي في شغله." "أها، باين باين. وإنتي مبسوطة إنك شوفتيه؟ "شخص كويس معايا. وذكرياتي معاه أيام الحضانة من الذكريات الجميلة." "كمان.. تمام تمام." "في حاجة؟ "لا ابدًا. اتفضلي ادخلي اتفضلي." "عن إذنكم."
مر يومان. وظهر عمر مرة أخرى ليبدأ ترتيب وتظبيط مكان الحفل برفقة سمية. كان جلال يعمل من الدار. وحينما يرى عمر كان يظل جالس في الحديقة يراقبهما وهما يعملان. اندمج عمر برفقة الأطفال. لعب معهم. وشاركهم بعض الوقت. فكان وقته المفضل قضاء اليوم في الدار برفقة سمية والأطفال. في الدار، تجلس سمية تراجع بعض الأوراق الخاصة بالحسابات في مكتب الدار. سمعت نقر الباب. "ادخل." "ايه الجمال ده؟ مديرة إدارة الدنيا منورة المكتب."
تفاجأت سمية بالصوت. ونظرت أمامها. كانت نضال. من المفاجأة ظلت جالسة لحظات. "في إيه؟ إنتي هنجتي؟ هو ده السلام وحضن المطارات المتوقع؟ لا." تحركت من مكانها. سمية. وبخطوات سريعة اتجهت إلى نضال. وارتمت في حضنها وضمتها. "نضال.. نضال! لا مش مصدقة." "لا صدقي نضال بشحمها ولحمها." جلسا وتحدثت سمية. "جيتي إمتى؟ "من ساعتين. حطيت الشنط في الشقة. وقولت لأشرف أطلبلي عربية للتجمع حالا. مقدرتش استنى لبليل بصراحة. وحشتيني."
"وإنتي أكتر. بس إيه المفاجأة دي؟ إحنا اتكلمنا امبارح وقولتي إن إجازتكوا هتقضيها في قطر. مش كنتم معزومين أسبوعين هناك." "أيون فعلًا. بس أنا مليش مزاج. أنا ما بصدق أشرف ياخد إجازة أروح أقضيها مع أصحابه. ليه أنا معدومة الأصحاب؟ هو راح المرة اللي فاتت وقعدت بالعيال لوحدي في دبي. المرادي قولتله الدور عندي. هننزل مصر ومعايا بالعيال." ضحكت سمية. "جبّارة.. بس أحلى مفاجأة والله."
"ماهو من وقت ما قعدتي هنا. وكل ما أقولك هبعتلك زيارة تقوليلي مش هينفع يا نضال. مشغولة يا نضال. فقولت لأ بقي أنزل آخد حقي غصب. مدام الرضا مش نافع." ضحكا. "أحلى غصب في حياتي." "واضح إنك نفسيًا مرتاحة. وده حاجة مفرحاني أوي ومطمناني عليكي." "الحمد لله. بجد وجودي هنا غير جوايا حاجات كتير." وهما جالستان يتحدثان، سمع خبط على الباب. وكان جلال. "وأنا أقول الدوشة دي إيه؟ عرفت إنك جيتي." "هي دي؟
حمد الله على السلامة يا ابن خالتي." "حمد الله على السلامة يا نضال. نورتي دارنا." "الدار منورة بأهلها والله. بص بقى عشان نبقى متفقين. أنا نازلة أسبوعين. سيبلي فيهم سمية. مليش فيه ممكن." "اهي قدامك اهي براحتها أكيد." تحدثت سمية. "هبقى معاكي متقلقيش. بس مش هقدر أغيب عن الدار. وكمان فيه ترتيبات حفلة رأس السنة. وأنا المسؤولة عنها. وإنتي عارفة." "أيوه. لما بتمسكي حاجة بتسيبها معموله وخلصانة."
"بس ده مينفعش إني أسيبك. وبعدين إنتي اقعدي معايا هنا. وأولادك يجوا. المكان هنا جميل." "بالنسبة لي مفيش فرق. إن شاء الله أُقعد معاكي على الرصيف." "يبقى اتفقنا نرتب." دخل جلال. "بالمناسبة دي، أنا عازمكم على العشا برا. نضال وأشرف وأنا وسمية." فرحت نضال ووافقت. وتحدثت سمية. "أصل.." تدخل نضال. "لا أصل ولا صورة. عزومة يعني هو اللي هيدفع. موافقين يا جلال؟ موافقين."
"خلاص نتقابل بليل. هسيبكم مع بعض دلوقتي. عندي ميتنج في الشركة." ليلًا، حجز جلال طاولة في إحدى المطاعم المعروفة. وأرسل الموقع إلى نضال وأشرف. وذهب إلى الدار لسمية. وتحركا سويًا اتجاه المطعم. جلسوا أربعتهم حول مائدة الطعام. وكانت سمية تتحدث مع جلال. وابتساماتهم متبادلة. وكانت نضال تراقبهم دون علمهما. حتى لاحظ أشرف نظراتها لهم وابتسامتها. "إنتي بصالهم كده ليه؟ "إنت مش ملاحظ حاجة؟ "ملاحظ إيه؟
هتحرجيهم كده لو أخدوا بالهم." "شكلهم حلو أوي وهم بيضحكوا يا أشرف. عارف أنا كنت شاكة. بس دلوقتي أنا متأكدة." "على إيه؟ "إن فيه حاجة بين الاثنين دول. وبما إن سمية مقالتليش حاجة، فأنا واثقة إن جلال بيحبها." "بطلي هبل بقى. وأوعي تقوليلهم حاجة. طول ما الاثنين مقالوش حاجة، ده لو فيه حاجة. ملكيش حق إنك تربشطي عليهم." "خلاص خلاص. هو أنا معرفش أفضفض معاك براحتي؟ لازم تكتمني كده." "ماهو إنتي فضفضتك بتغرق سفن."
اتجهت سمية ونضال إلى الحمام. أمام الحوض والمرايا وهما يعدلون هيئتهم وملابسهم. "سمسم." "أيوه." "إيه رأيك في جلال بعد الفترة دي؟ "إنسان كويس جدًا. محترم. أخلاق." "أنا مبقولكيش قوليلي مواصفات موظف. جلال كإنسان كده بتحسي بإيه لما تتكلمي معاه أو تتعاملي معاه كده يعني." "إنسان كويس. مريح. بيقدر يحتوي اللي قدامه. حنين. لو تشوفي حنيته مع الأطفال تخطف قلبك." لحقتها نضال. "يعني هو خطف قلبك؟ صح؟ خطف قلبك؟
تفاجأت سمية من طريقة نضال. "إيه يا نضال؟ بتعملي كده ليه؟ "قولي بقى؟ هل جلال خطف قلبك؟ انتبهت لقصدها وضحكت. "والله إنتي مجنونة." "قولي بقى؟ "خطف أو مخطفش، مش هيفرق حاجة." "ليه بتقولي كده؟ "لأن مفيش حاجة هتحصل. ومفيش حاجة هتحصل يا نضال، فاهمة؟ لاحظت نضال تحذير سمية. "تمام خلاص. دي كانت دردشة بينا." "يلا نخرج ليهم."
مر العشاء. وعادت سمية إلى الدار برفقة جلال. وبعد يومين تلقيا دعوة لمنزل نضال. ووافقت سمية. وذهبت إلى منزل نضال برفقة جلال. وكان جلال وسمية يجلسان يتحدثان كالطبيعي. وظلت نضال تراقبهم. اقتربت وجلست بجوارهم. ونظرت إليهم وابتسمت وقالت. "تصدقي شكلكم حلو أوي وأنتم قاعدين جنب بعض. عارفين ناقصكم إيه؟ تحدث جلال. "ناقص إيه؟
"راجل بعمة يقعد على الكنبة دي ويقول بارك الله لكما وبارك الله عليكما وجمعكما بالخير. وإحنا نقول آمين. وارفع حتة زغروطة من قلبي." صدمت سمية من كلمات نضال. "نضال إيه اللي بتقوليه ده؟ اقترب أشرف. "هزار البوابين ده. قولتلك هيوديكي في داهية." ضحك جلال. "والله إنتي فقر يا نضال." ضحكت نضال. "عجبتك الفكرة يا ابن خالتي؟ ضحك جلال بدون حديث. ولكن انزعجت سمية. وتحركت من جانب جلال. واتجهت إلى المطبخ. ولحقت بها نضال.
"مالك يا سمية؟ أوعي تكوني زعلتي؟ رمقتها نظرة غضب. "إنتي عارفة إني مبحبش الهزار اللي كده." "أنا آسفة يا سمسم بجد. مش قصدي تتضايقي خالص. بس بجد شكلكم حلو أوي. إنتي مش شايفة نفسك وإنتي بتتكلمي مع جلال وشك بينوّر والله." "بينوّر.. ده نور الكهربا يا نضال." "بتهزري." "إنتي اللي بتهزري. نضال بلاش تحرجيني وتحرجيه بكلام دا ممكن؟ "خلاص. إحنا آسفين يا صلاح."
قضت نضال إجازتها برفقة سمية أغلب الوقت في الدار. وسط الأطفال. واندماج أطفالها معهم. مرت إجازة نضال سريعًا. ودعت سمية في الدار. لأن أحد الأطفال مريض. لم تستطع سمية تركه وتذهب لإيصال نضال المطار. فذهب جلال. أنهى إجراءات السفر. واتجه أشرف وأطفاله إلى الداخل. ووقفت نضال مع جلال. "شكرًا يا جلال." "على إيه؟ معملتش حاجة."
"لا عملت كتير. وكتير أوي. أكتر ما اتوقعت وتخيلت. سمية اتحولت لسمية تانية. سمية اللي تستحق تعيش وتفرح وتتنطط وتعمل اللي هي عاوزاه من غير خوف وقلق ووحدة." ابتسم جلال. "اطمني عليها وهي وسطنا." أمسكت يده. "أنا مطمنة عليها لأنها معاك يا جلال." "نضال.." "جلال. هقولك جملة واحدة. متسيبش سمية. سمية تستحق تعيش مع شخص بيحبها زيك." تفاجأ جلال من كلمات نضال المباشرة. "نضال أنا.."
"أنا مش عايزة أسمع كلام. كل حاجة باينة وواضحة في عينك وعينها. بس هي خايفة. طمنها يا جلال لو فعلًا بتحبها. ومفيش حاجة هتأثر على علاقتكم. وانت فاهم قصدي كويس.. سلام." تركته نضال. ووقف جلال في مكانه للحظات. حتى انتبه للمكان. واتجه إلى سيارته. جلس بداخلها. وكلمات نضال تردد مرة أخرى. تنفس نفس عميق. وحرك السيارة وذهب. أقترب يوم 31 ديسمبر ليلة رأس السنة. كانت سمية منشغلة مع عمر على الترتيبات والتجهيزات.
كان الترتيب كالاتي: من الساعة 2 بعد الظهر حتى الساعة 8 ليلًا خاص بالأطفال فقط. ومن الساعة 9 إلى 12 خاص بضيوف جلال. وكانت حفلة بسيطة. وكان من الضيوف شقيقة جلال، رجاء. شقيقة جلال. فرق العمر. جلال يكبرها بعامين. متزوجة وتقيم في السعودية. جاءت لزيارة مؤقتة. ودعاها جلال لحفل لمشاركة الأطفال. لاحظت رجاء نظرات جلال تلاحق سمية. وتلك الابتسامة تعلو وجهه. وتحدثت. "هي دي سمية اللي حكتلي عليها يا جلال؟ "أيوه هي."
"باين عليها كويسة." "إنسانة جميلة يا رجاء. لما تعرفيها هتحبيها أوي." "المهم إنها شايفة شغلها كويس هنا ومهتمية بالدار." "جدًا. أكتر مني بصراحة. ساعدتني في تحمل مسؤولية الدار." "سمعت من المشرفات إنها مش متزوجة. أو معنى أصح مطلقة؟ "أيوه." "وقالوا عشان مبتخلفش العيب منها. وجوزها اتجوز عليها وخلف." صفعه جلال بنظرة تعجب. "إيه العيب منها دي؟ هيه دي كلمة تتقال يا رجاء؟ "هو أنا جايباها من عندي. مش سبب عدم الخلف منها هي."
"بس منقولش عيب. ربنا خلقنا في أحسن تقويم. إنسانة عادية زي أي إنسانة كاملة. وبصراحة هي مش إنسانة عادية. أكتر من عادية. والأطفال ده رزق. ما أنا كان عندي حسن وهو فين دلوقتي." شعرت رجاء بالإحراج. "لا، في فرق. إنت لو اتجوزت هتقدر يبقى عندك أطفال. لكن هي." "هي يخصها هي. ملناش حق نقول تقدر ولا متقدرش. نراعي مشاعر بعض بكلام كويس. إنما عيب ومعرفش إيه دي مش أخلاقنا ولا تربيتنا. ولا إيه؟ "خلاص يا جلال. مكنتش كلمة قولتها."
"الكلمة دي ممكن تسبب أذى وجرح. مهما عملتي بعد كده مش هتقدري تعالجيه. ف ليه نستسهل ونقولها. دعي الخلق للخالق. ف متتقالش تاني بعد إذنك. معندكيش كلمة كويسة متتكلميش يا رجاء."
أنهى جلال حديثه وتركها. مما جعلها تشعر بغرابة لدفاع جلال عن سمية والتحدث معها بتلك اللهجة الحادة. انتهت حفلة الأطفال وحفلة ضيوف. وأطمأنت سمية لخلود الأطفال للنوم. وبرفقتهم هدية بابا نويل الذي كان يرتدي عمر زيه ووزع عليهم الهدايا. وكانت إحدى الفقرات. اتجهت سمية إلى الحديقة. مساعدة المساعدين في تنظيفها وترتيبها. سمعت جلال ينده عليها. "إنتي لسه هنا؟ أنا قولت اختفيت أكيد. مشيت مع أختك؟ "وصلتها لبيتها ورجعت." "في حاجة؟
"جيت أشوف لو محتاجين حاجة أساعدكم." ابتسمت سمية. "زي ما إنت شايف بنحاول نلم آثار المعركة." ابتسم جلال. "يبقى هيا بنا جميعًا." توجه جلال برفقة سمية والمساعدين لترتيب وتنظيف الحديقة. بعد مرور ساعتين، أنهيا جزء كبير. وطلبت سمية منهم أن يذهبا يستريحا ويستكملا صباحًا. جلس جلال يستريح. وأتت سمية بزجاجة مياه. "الماية." "شكرًا." "تعبت معانا." "طبيعي أتعب. مش أنا اللي عملت كل ده. كل واحد يتحمل مسؤولية عمايله." ضحكت سمية.
"بس الحفلة كانت جميلة. سواء للأطفال أو لضيوفك." "بصراحة كانت زي ما أنا كنت عاوز. بسيطة وهادية والكل يكون مبسوط." "عمر عمل شغل جامد. أنا كنت معاه خطوة بخطوة." "خطيبك؟ ضحكت سمية. "عمر بيحب الهزار. وأنا عارفة إنه بيهزر. لأن في حياته بنوتة وهيخطبها هي قريب إن شاء الله." "ربنا يوفقه.. عقبالك." صمتت سمية. واستكمل جلال. "مش هتقولي عقبالك إنت كمان؟ "عقبالك إنت كمان." صمتا للحظات. وتشجع جلال وتحدث.
"سمية.. عاوز أطلب منك طلب. ممكن؟ "لو أقدر مش هتأخر." "هتقدري. إنتي الوحيدة اللي تقدري تعمليه." انتبهت سمية. "إيه هو؟ صمت للحظات وهو ينظر إليها. "ممكن تشاركيني الأيام الجاية من عمري؟ صدمت سمية من المفاجأة. وقبل أن تتحدث، لحقها جلال. "أنا عاوزك تشاركيني الواقع بتاعي يا سمية." "أنا.. أنا آسفة. مش هقدر." امتلأت عيناها بالدموع. وتحدث جلال. "ليه مش هتقدري؟ إيه السبب القوي اللي يمنعك؟
"لأن ببساطة معايا هتعيش وحيد. أنا مش هقدر أعملك العيلة اللي أي راجل بيتمناها لما بيرتبط. أنا مش الشخص المناسب للمكانة اللي عاوز تحطني فيها. أنا آخري مشرفة الدار لمجموعة أطفال وبس."
"أنا وإنتي عندنا بدل الطفل 20 يا سمية. إنتي بيتقال لك يا ماما وأنا يا بابا. إحنا هنا عيلة بالفعل يا سمية. أنا عايش 6 سنين لوحدي معاهم. سهل كنت أتجوز. لكن كان صعب ألقى زيك. أنا عاوز أتوزجك. لأنك إنتي يا سمية. لا عاوز أطفال ولا عاوز حاجة غير وجودك معايا وحضني." "لكن.."
"لو بتفكري في هدى، هدى ليها مكانها في قلبي لأنها جزء من حياتي اللي عيشتها. وإنتي ليكي مكانك في حياتي اللي هنعيشها. سمية، متخليش الخوف من المجهول يهزمك. اسمعي لقلبك بيقولك إيه. بيقولك تستحقي تعيشي وتتحبي. وأنا صريح معاكي وقدام ربنا. أنا عاوز أتوزجك عشانك إنتي وبس. أنا محتاجك في حياتي. عاوز أنا وإنتي والأطفال اللي هنا نبقى عيلة بجد حقيقية بوجودها معانا وإحنا ماسكين إيد بعض. نواجه الخوف والألم مع بعض."
أخرج علبة وقدمها لها. "افتحيها." فتحت العلبة. كان عبارة عن طوق يوضع على الرأس مليء بالورود. ولفت انتباه سمية بأنه يحتوي وردة من كل نوع وردة موجودة في الحديقة التي يهتموا بها الأطفال. تحدث جلال.
"الطوق ده فيه 22 وردة. اللي هما أطفال الدار وأنا وإنتي. بعد أسبوعين عيد ميلاد جميلة. وإنتي كنتي فكرتي في فكرة إن البنات تلبس طوق ورود على شعرهم. لأن جميلة بتحب الورود. أنا عملت لك ده ليكي. وعارف إنك عاملة واحد لنفسك. مش عاوز رد دلوقتي. يوم حفلة عيد ميلاد جميلة، الطوق ده هعتبره إشارة لموافقتك إننا نكون عيلة واحدة. هيكون ده اللي معاكي. لو رافضة، هيكون الطوق التاني اللي عملتيه هو اللي معاكي. وهعتبر نفسي متكلمتش في حاجة. ومكانك هو هو هنا مش هيتغير. الدار والأطفال ملهمش علاقة. إنتي مكانك هنا."
مسكت سمية الصندوق وصمتت. ونظرت إلى جلال. ابتسم لها. "أنا مسافر بكرة عشان مسببش ليكي أي ضغط. وتكوني على راحتك في أخذ القرار. وهرجع يوم عيد ميلاد جميلة. هكون موجود وأعرف قرارك النهائي. ومش هتكلم بعده مهما كان. وأقولك تاني، مهما كان قرارك. إنتي مكانك محفوظ. مش هيتغير. سواء في الدار أو في قلبي. تصبح على خير."
حمل معطفه واتجه إلى البوابة وغادر الدار. ووقفت سمية تنظر إلى الطوق في صمت. عادت إلى غرفتها. جلست ووضعت الطوق أمامها. تنظر إليه. ودموعها تنهمر من عينيها. وتشعر بصعوبة أخذ القرار. يتبع ..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!