الفصل 8 | من 30 فصل

رواية الفراشة الزرقاء الفصل الثامن 8 - بقلم يارا سمير

المشاهدات
21
كلمة
7,198
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

في أحدى المرات أثناء عودة سمية من الدار إلى المنزل، تحرك خلفها كالعادة دون علمها جلال بسيارته ليطمئن عليها. وصلت لمنزلها، تحركت من سيارتها وتتجه إلى مدخل البناية. اقترب منها شخص وأمسك ذراعها واستوقفها. تملكت سمية ملامح خوف: "أحمد.. أنت بتعمل إيه هنا وفي الوقت ده؟ بنبرة غضب، أمسك يدها: "إنتي بتعملي إيه في الوقت المتأخر ده؟ كنتي فين؟

وقبل أن تجيب سمية، اقترب جلال، دفع يد أحمد، وأمسك يد سمية وأوقفها خلفه ووقف في مواجهة أحمد. تفاجأت سمية بوجود جلال في تلك اللحظة. "جلال.." تحدث جلال بنبرة هادئة: "مينفعش تمسك إيدها في الشارع كده." بنبرة غضب تحدث أحمد: "وأنت مين عشان تقولي أعمل ولا معملش؟ "أنا صديق مدام سمية." نظر إليها أحمد: "صديقك.. ما شاء الله يا سمية." لاحظ جلال ارتباك سمية وتحدث إلى أحمد: "ممكن تكلمني أنا." "نعم، وأكلمك بمناسبة إيه؟ إنك صديقها؟

قبل أن يتحدث جلال، تقدمت سمية خطوتين إلى الأمام: "أحمد، مينفعش اللي بتعمله ده في الشارع كده." نظر جلال إلى سمية: "إنتي تعرفيه؟ "طليقي." "مهما كان، في الوقت ده وفي الشارع مينفعش." تحدث أحمد: "وينفع إنك تكون موجود في الوقت ده هنا؟ تحدثت سمية بنبرة عالية: "أحمد، كفاية." صمت أحمد ووجه حديثه إليها وأمسك يدها: "تعالي فوق نتكلم." سحبت يدها سمية. وقبل أن تتحدث، تحدث جلال بهدوء:

"أعتقد إنك عارف إنها لوحدها، مش هينفع تستضيفك عندها، لا الوقت ولا المكان مناسب." "إنت.." قاطعت حديثه سمية: "أحمد، مفيش حاجة هنتكلم فيها، لا فوق ولا في أي مكان. إنت أساسًا وجودك هنا غلط، أرجوك امشي." نظرت إلى جلال وتحدثت بتلك النبرة الحادة: "واتفضل حضرتك يا بشمهندس، لو سمحت."

قالت كلماتها وتوجهت إلى داخل البناية. وقف جلال ينظر إلى أحمد. وبالفعل تحرك أحمد غاضبًا متجهًا إلى سيارته. تأكد جلال بذهابه وتحرك بسيارته وعاد إلى الدار. في الشقة، سمية تجلس على الأريكة متفاجئة من ظهور أحمد المفاجئ غير المبرر، والأكثر هو ظهور جلال. سمعت طنين هاتفها وكانت رسالة من جلال: "أنا بعتذر على ظهوري المفاجئ، وأكيد فيه توضيح بالسبب. غير لائق أتصل بيكي في وقت متأخر، فاكتفيت بالرسالة حاليًا. بكرر اعتذاري."

انتهت سمية من قراءة الرسالة. ظهر أمامها اتصال من أحمد. أغلقت الهاتف وتركت الهاتف. في الصباح، توجهت سمية إلى الحضانة كعادتها. وهي في المكتب، فتح الباب وظهر أمامها أحمد. نظرت إليه في صمت. تقدم خطوتين: "أنا جيت في وقت غير مناسب." "هيفرق في إيه؟ تعرف بعد ما جيت." شعر بالإحراج: "ممكن أقعد." "اتفضل." جلس: "مش هتقوليلي تشربي إيه؟ "تشربي إيه؟ "قهوة، إذا أمكن."

طلبت سمية القهوة وجلس أحمد يرتشف قهوته وسط صمت. وسمية تنظر إليه. ليتحدث وانتهى من احتساء قهوته: "شكرًا على القهوة." "ها يا أحمد، خير إن شاء الله؟ ظهورك فجأة كده من غير مقدمات." "أنا كذا مرة جيت ليكي هنا والبيت في مواعيد خروجك من الحضانة، لكن مكنتش بلحقك. وفي البيت مش بلاقيكي، فقلقت عليكي." "قلقت عليا؟ لا، اطمن، أنا كويسة." "أيوه قلقت، إنتي دلوقتي عايشة لوحدك بعد ما نضال سافرت. عرفت من البواب."

"تمام.. ظهورك ده إيه سببه برضه؟ مفهمتش." "ممكن تقوليلي بترجعي متأخرة منين؟ ومين الشخص اللي كان موجود امبارح ده؟ وبأي حق يتكلم معايا كده؟ "إنت بأي حق تسألني الأسئلة دي وعاوزني أجاوبك؟ تلعثم أحمد: "سمية، مش ورقة جواز هي اللي تحدد علاقتنا وتدينا حقوق. إحنا كنا قبل ما نتجوز مع بعض، وكل واحد كان له حق عند التاني يسأله ويعرف عنه كل حاجة." "إنت قلتها قبل وكنا.. ده ماضي. إنت ليه مصمم تفضل في الماضي يا أحمد؟

أحمد ميخصكش أنا بعمل إيه وبروح فين، ولا أعرف مين. مفيش علاقة بينا تسمحلك بكده. اللي بينا كان ماضي عيشناه بحلوه وبمره وانتهى.. دلوقتي كل واحد في حياته.. كل واحد في حياته حر يعمل فيها اللي هو عاوزه لوحده." "سمية، أنا مش قادر أنساكي." صمتت سمية. واستكمل أحمد حديثه: "سنة مرت وبحاول، لكن كل ما أمشي خطوتين أرجع 10 ورا. مش قادر يا سمية." "لا، هتقدر. هتقدر لأن مش هينفع أي حاجة تانية تتعمل غير كده." "لا، فيه؟ "اللي هو إزاي؟

"أنا فكرت كويس في حلين. لو منفعتش واحد، فيه حل التاني، بس إنتي توافقي." "إيه الحلين؟ "نرجع لبعض، نتجوز." "نتجوز؟ وإنت طلقتني بالثلاثة طلاق بائن والعدة انتهت." "ما هو أنا سألت شيخ، قالي لو الطلاق في غضب وإنت مكنتش عاوز تطلق، مش هتتحسب." "شيخ قالك؟ "أيوه. المهم أنا أقول مكنش في نيتي وإنتي تكوني موافقة نرجع. وصدقيني لما هنرجع، اللي فات ده ولا لحظة هتتكرر منها تاني. هبقى ليكي وبس." "خلينا في الحلول دلوقتي، والحل التاني؟

"لو مش مطمنة للحل الأول، نرجع عرفي." ارتسمت ملامح المفاجأة على وجه سمية. واستكمل أحمد: "أنا دورت على الحلول دي مش عشاني لوحدي، عشانك. سمية، إنتي طول عمرك تقوليلي ملكيش في الدنيا دي غيري. بعد ما اتطلقنا كانت معاكي نضال، لكن سابتك وإنتي لوحدك دلوقتي. مش هينفع تكملي حياتك لوحدك وأنا موجود." ظلت تحدق فيه للحظات. وأغمضت عيناها لحظة وتحركت من مقعدها وجلست في المقعد الذي أمامه: "يعني دول الحلين اللي فضلت سنة تفكر فيهم؟

"ما هو مش هينفع نرجع لبعض من غير حاجة تثبت علاقتنا." "نتصاحب يعني." "طبعًا مش هرضاها ليكي." "فإنت قلت لا، منعملش حاجة غلط. ففكرت في غلط أكبر نعمله، نتحايل على ربنا، المهم يكون معاك ورقة تسمحلك تلمسني." "سمية، أنا مش قصدي كده. أنا لسه بحبك وعاوز أصلح اللي فات." "أنا حقيقي مش عارفة إنت جايب الثقة دي منين إني عاوزة أرجع. هل أنا كلمتك وعيطتلك واتحايلت عليك نرجع؟ هل بلحقك اتصالات ورسائل؟ وده خلاك تضعف وعاوز نرجع؟

"لا، بس.."

"بس إنت عشان عاوز نرجع، فبالتالي ماسك في مشاعري زمان اتجاهك إنها مستمرة. وده سبب يخلينا نرجع. أحمد، أنا حبيتك ومشاعري زمان لك كانت حقيقية ومحبتش غيرك. وفراقنا أثر فيا، مش هقول مأثرش، هزني وكسر الأرض تحتي. مش هنكر إنك أثرت فيا، لكن ده لأني كنت صادقة في مشاعري اتجاهك، مش عشانك إنت كشخص. أنا اخترت شخص غير مناسب وأديتله كل حاجة عندي، مشاعر وحب وطاقة وعمر.. لكن قدرت أتخطى وأبدأ صفحة الملم اللي اتكسر مني ووقفت على رجلي.. أنا مش مستنية حد يا أحمد. اللي فات مات، وقولتلك قبل كده اللي اتكسر ممكن يتصلح، لكن اللي مات نحييه إزاي؟

أنا قفلت الكتاب اللي يخصنا ورميته ورايا ومببصش عليه. منستش، لكن مبحاولش افتكر. وده الفرق اللي بيني وبينك." "سمية، إنتي أمانة عندي. فكرة إنك قاعدة لوحدك." قاطعت كلامه: "عارف مشكلتنا كبشر إيه؟

لما نعرف نقطة ضعف إنسان، بدل ما نحتويها ونطمنه، لا بنحاول نستغلها قدر المستطاع عشان يعمل اللي إحنا عاوزينه. بالوهم بنوهمه إنه لو سمع كلامنا هيبقى في أمان، وده مبيحصلش. هو بيكون في القاع، وبالوهم بننزله سابع أرض.. الوحدة، ولوحدي.. أحمد، أنا طول عمري لوحدي، مفرقتش كتير زمان من دلوقتي.. ثواني لا تفرق. دلوقتي أنا عارفة أنا عاوزة إيه وإيه أولوياتي. أنا أولوياتي مش حد تاني."

"لو خايف عليا، لا متخافش عليا. اطمن، وقلقك وخوفك في ناس تانية أولى به." تحركت من مقعدها وعادت جلست على مقعد المكتب وتحدثت: "أعتقد كده خلاص، ولا لسه فيه كلام؟ نظر إليها في صمت. واستكملت سمية:

"سمية عايشة إزاي.. سمية بتعمل إيه.. سمية حصلها إيه.. كل ده يخص سمية وبس. اللي حصل امبارح ده أتمنى ميتكررش، لأني مش هعمل حساب أي حاجة وهتعامل معاك بالقانون. وسمية اللي قدامك بتقولك إن سمية مش هتبص ورا مهما كانت المغريات ومهما كانت الأيام قاسية عليها ومهما عانت من الوحدة والحنين لأيام.. نورتني يا أحمد، وأتمنى تقفل الصفحة، ولما تفتكرني ادعيلي، ده اللي عاوزاه منك لو لسه زي ما بتقول بتحبني، لأن ده الحاجة الوحيدة المسموح بها تعملها ليا، غير كده لا."

نظر إليها في حزن. وطريقة كلام سمية وطريقتها القوية في الحديث أخرسته ولم يستطع أن يؤثر عليها كما كان معتقد. تحرك من المكتب وهو محمل إثم أفعاله في الماضي وخسارتك لسمية خسارة أبدية. جلست سمية في مكتبها. تنفست نفس عميق وعادت إلى عملها. بعد ساعتين، أرسل جلال رسالة إلى سمية: "هل ممكن آخد من وقتك 10 دقائق لتوضيح اللي حصل امبارح؟ أرسلت له سمية بالموافقة وأخبرته إنها تنتظره في الحضانة. وبعد ساعة، أتى جلال وجلسا في المكتب:

"شكرًا إنك سمحتيلي أجي، لأن مش هينفع بعد اللي حصل امبارح يعدي كده من غير توضيح مني ليكي." "سامعاك." "ظهوري المفاجئ ده كان بهدف معين. إنتي لما بتكوني في الدار بتمشي متأخر، والمنطقة زي ما إنتي عارفة مفيهاش سكان كتير ويعتبر صحرا، وبتحصل حوادث كتير. فطبعًا مش هتوافقي أوصلك. فللأمان مشيت وراكي بعربيتي للاطمئنان عليكي ليس أكثر، ومفيش أي هدف تاني أنا بسعى له." ابتسمت سمية: "يعني كنت بتحرسني؟

"للأمان، لأنك خارجة من عندنا، فإنتي في مسؤوليتي." "كنت أتمنى أعرف على الأقل، متتفاجئش." "أنا بعتذرلك." "تمام، مفيش مشاكل." "صافي يا لبن؟ ابتسمت سمية: "حليب يا لبن." ابتسم جلال: "شكرًا على تفهمك." نظر إلى الساعة: "هستأذن أنا، أسيبك لشغلك." "تمام." تحركت سمية لترافقه للخارج. وتحرك بسيارته وعاد إلى المكتب لعملها. في محادثة فيديو مع نضال، روت سمية لنضال ما حدث. وكانت نضال مصدومة من تصرف أحمد: "ابن المجانين!

بعد سنة راجع يعيد اللي فات." "أحمد مش قادر يتخطى فكرة إنه خسرني." "عشان حمار، لمؤاخذة." "كلمة حق، أحمد فعلًا محبش في حياته غيري وأنا واثقة من كده ومش شكيت ولا لحظة. ولولا أولاده، مروة، ولا كانت هتلفت نظره. ارتباطه بمروة بدأ بسبب حبه لأولاده." "وإنتي حبيته، ليه مش عاوزة ترجعي له؟

"لأن الحب مش هو اللي هيخلينا نعيش مع بعض الباقي من العمر. فيه حاجات تانية أهم منه، الاحتواء واحترام المشاعر وتقدير التضحيات والتفاهم والأمان.. مشاعر تتعاش مع الشريك بناء عليها بيتوجد مفهوم الحب. حاجة منهم تختفي، مفهوم الحب نفسه بينهار. حبي لأحمد مش سبب يخليني." "بس أقولك حاجة يا سمية، ويا ريت تفهميني صح. إنتي لازم تتجوزي؟ "ليه لازم؟

"على الأقل ميتكررش تاني وابن المجانين ده ينطلك طول ما إنتي لوحدك. هو شايفها فرصة فبيظهرلك. وبصراحة، مينفعش تعيشي لوحدك، كفاية." "أنا مش هتجوز هروب من الوحدة. مش هكرر نفس الغلط مرتين، ولا بسبب نظرة ولا كلام الناس. أنا هتجوز لما أقابل الشخص اللي أكون مطمنة وأنا بقضي معاه الباقي من عمري. غير كده مفيش أسباب تجبرني على الخطوة دي." "ما هو إنتي اللي بترفض أي حد بيلمح حتى، وتربي الباب."

"هيجي يا نضال اللي هيفتح الباب ويدخل كل حاجة في وقتها. وبعدين الحياة فيها حاجات كتير جميلة غير الجواز. مش هينفع أعيش وأنا تركيزي منحصر في الجواز. فيه شغل وأصحاب وحاجات كتير نجربها ونشوفها ونعملها. الحياة مليانة حاجات، وفي التوقيت المناسب هيظهر صاحب النصيب." "إنتي خسرتي كتير يا سمية، إن شاء الله ربنا يعوضك بحاجات متخسرهاش." "ليه تفكيرنا عن العوض إنه بيكون نفس الحاجة؟

ما ممكن يكون في حاجة تانية أحسن. ادعيلي ربنا يعوضني خير، ومهما كان أنا راضية، الحمد لله." "ردودك دي بتخرسني. أنا عارفة وواثقة إن اللي جواكي غير اللي ظاهراه لينا. وعارفة إنك لا هتشكي ولا تتكلمي ولا تحكي، وقررتي إنك تتحملي مسئولية أوجاعك لوحدك. هحترم قرارك واختيارك ده، وأنا معاكي دايما وهدعيلك إن ربنا يعوضك بالخير مهما كان، وإن شاء الله اللي في بالي تتجوزي." ضحكت سمية: "والله بحسك أمي، مش صاحبتي."

"أيوه، هفضل وراكي لغاية ما أطمن عليكي مع ابن حلال يستاهلك. إنتي مش أي حد يستاهلك يا سمية..! في إحدى الزيارات للدار، رأت سمية جلال وهو يهتم بالورود بدقة. ووقت تناول طعام الغذاء، جلست سمية برفقة جلال في الحديقة، المكان المفضل لجلال، وكان ينظر إلى الورود بابتسامة: "الولاد شاطرين، مهتمين بالورود." "أنا لاحظت إن أول حاجة بيعملوها لما بيصحوا." ابتسم جلال: "شاطرين." "ممكن أسأل سؤال؟ "اتفضلي طبعًا."

"إيه الفكرة من إن كل واحد يهتم بورده؟ هي فكرة جميلة، بس إيه المغزى يعني؟ "كل وردة تشبيه مجازي لصاحبها اللي اسمه مدون عليها." "مش فاهمه؟ "هفهمك. الوردة عشان تستمر في ازدهارها وهيئتها المبهجة وعطرها الجميل محتاجة إيه؟ "اهتمام ورعاية أكيد." "ينفع تستمتعي بشكلها وعطرها مش أحلى حاجة، أو فيها حشرات أو دبلانة؟ "لا، مش هبص لها أصلًا."

"هي دي إحنا. الوردة بتمثل الروح اللي جوانا. اهتمامنا بيها أو إهمالنا بينعكس على حياتنا شكلها إيه وعايشينها إزاي. هنحميها من أي دخيل ممكن يدمرها ولا هنستسلم بسهولة؟ بنتعرض لأزمات ووقعات كتير، هل هنستسلم ليها ولا هنحاول نقف على رجلينا من تاني؟ ببساطة، لما تبصي للوردة وتشوفيها، هتشوفي حياتك. واللي هتعمليه للوردة وهيظهر عليها، هي نفسها اللي هتعمليه مع نفسك، هيظهر شكل حياتك. إنتي المسئولة الوحيدة لحماية نفسك."

"بس الورد عمره قصير، يعني ببساطة ممكن يموت ويختفي." "مش الورد بس، إحنا كل حاجة في الحياة ليها عمر. مفيش حاجة معمرة. إحنا بنجتهد في حياتنا اللي عايشينها حاليًا، الغيب في علم الغيب. السؤال هنا، هنعيش إزاي؟ إزاي الوردة تقدر تعيش أطول وقت ممكن؟ "إزاي؟

"إنها تكون أول اهتماماتك. أول حاجة لما تفتحي عينك تفكري فيها وتطمني عليها وتحميها على قد ما تقدري من أي حاجة تضرها، تلحقيها. رعايتك واهتمامك هيحميها. ممكن متعيش كتير، لكن على الأقل وهي عايشة إنتي حاولتي وكانت برونقها باهتمامك بيها، صح؟ "صح."

"دي روحنا. تستحق تكون أول أولوياتنا من الاهتمام والرعاية. منستسلمش لأي وقعه ونقول إنها نهاية. منتأثرش بكلام المحيطين إننا مش هنقدر ومنحاولش. محاولتنا لإنقاذ روحنا وحمايتها وعلاجها من الضرر مسئوليتنا إحنا. فالاختيار يرجع لنا، هنستسلم ولا هنحاول ونستمر في المحاولة.. كل طفل هنا مستقبله مجهول، لكن هو عايش حاضر. الحاضر ده لازم يطمن فيه ويكون قريب لنفسه عشان يقدر يتحرك خطوات للمستقبل ويتعلم إن أي أزمة يتعرضها في طريقه مش هتكون نهايته، لا هيقدر يقف ويكمل في طريق تاني. عشان كده كل طفل له وردة مكتوب عليها اسمه.. أول حاجة بيعملوها لما بيصحوا بينزلوا الحديقة زي ما قولتي؟

"أيوه." "وبعدين بيكملوا اليوم صح؟ "صح." "هما لما يشوفوا الوردة كويسة بيطمنوا، بيحسوا إنهم ماشيين صح ويقدروا يكملوا يومهم." "طيب، فرضًا الوردة رغم اهتمامك بيها عمرها انتهى زي ما حصل قبل كده."

"بسيطة، نجيب زيها لو موجود. ولو ملقناش نجيب غيرها، المهم نجيب وردة ونتكلم مع الطفل إن فيه ورود كتير حوالينا، وبيتعلم مع كل وردة جديدة بيهتم بيها. لأن ببساطة هو في المستقبل معرض لأزمات وعقبات هتغير حياته، ورغم كده لازم يهتم بنفسه مهما كان وضعه." "يعني القصد إنك تخلي الطفل يتعلم إنه يحاول؟

"أيوه. ويعرف إن المحاولات كلها مبتنجحش. في محاولة بتنجح من مرة، ولو كررها نفسها وارد مبتنجحش، لكن ممكن لو حاول بطريقة تالتة مختلفة تنجح.. هي دي الحياة، الاستمرارية رغم وجود العقبات. الاستسلام مش هيوصل لحاجة، لكن المحاولات بأشكالها المختلفة بتوصل." "تمام." "تمام."

مرت شهور وسمية منتظمة في ذهابها للدار وتنظيم حفلات وفعاليات للأطفال كعادتها. وكانوا الأطفال سعداء بوجودها معهم. وجلال كان ينضم إليهم مع سمية، يلعب ويلهو ويشاركهم النشاطات. وكان سعيد برؤيته لسمية والأطفال سعداء.

ذات يوم، وهو في الدار، أقبلت عليه المشرفة المسؤولة عن الدار وأخبرت جلال بقرار تقديم استقالتها لزواجها والسفر برفقة زوجها. ولأنشغال جلال بعمله خارج الدار، لابد من وجود مسؤول في غيابه عن الدار. فكانت الفترة المسموحة قبل ذهابها 10 أيام. وفي خلال 10 أيام، كان يقابل بعض الأشخاص لتوظيف أحدهم، ولم يناسب أحد معايير جلال لشخص المسؤول. تبادر إلى ذهنه سمية. ولرؤيتها وسط الأطفال، وجدها الشخص المناسب للمنصب، وسيinner اطمئنان، وخصوصًا أوقات سفره.

في إحدى المرات وسمية في الدار برفقة الأطفال في الحديقة، وحولهم أوراق وألوان يرسمون ويلونون، اقترب جلال إليهم: "إيه الرسم الجميل ده؟ عندنا فنانين." اقترب إليه الأطفال مرددين: "بابا جلال، بابا جلال." احتضن الأطفال وطبع قبلة على جبينهم. وعادا إلى الرسم. وتحدثت إحدى الأطفال: "ماما سمية جابت الألوان واللوح دي عشان نرسم." ابتسمت سمية حينما سمعت من الطفلة كلمة "ماما". واحتضنتها. وتوجه إليها الأطفال الباقيين. وتحدث جلال:

"لا، أنا كده هغير. إنتوا بتحبوها أوي كده؟ أجابوا جميعًا: "أيوه بنحبها ومش عاوزينها تمشي." "يا بختك يا سمية، أنا هنسى على المنوال ده." ضحكت سمية: "لا طبعًا، مش إنتوا كمان بتحبوا بابا جلال؟ توجهوا إليه واحتضنوه بشدة وسط ضحكات جلال وسمية. أخبر جلال سمية برغبته لتتحدث معها على انفراد بعد الانتهاء مع الأطفال. جلس جلال في الحديقة يلقي نظرة على الورود والنباتات. واقتربت سمية: "محتاج مساعدة؟ "لا، شكرًا. أنا خلصت خلاص."

ترك ما في يده وجلسا. وتحدثت سمية: "لو هتكلمني على عيد ميلاد عبد الرحمن ومحمد التوأم، فكل حاجة جاهزة، متقلقش." "لا، أنا مبقتش أقلق طول ما إنتي معاهم. وأعياد ميلادهم والاحتفالات، إنتي شيلتني عني كتير حقيقي. بنتعبك معانا." "لا أبدًا، دي حاجة بسيطة. ومهما تعبت، مجرد ما بشوف ابتسامتهم بنسى أي تعب." "إنتي كده شجعتيني أطلب منك طلب بقلب جامد." "اتفضل، لو أقدر مش هتأخر أكيد."

"إنتي عارفة إن مشرفة الدار هتتجوز وهتسيب الدار لأنها مسافرة." "أيوه، قالتلي." "هي كانت معايا سنين طويلة، وحقيقي كنت مطمن طول ما هي موجودة. لأني بسافر كتير ولازم حد مسؤول يكون هنا في غيابي. عملت مقابلات كتير ومش لاقي حد مناسب بنفس المعايير اللي عاوزها للمكان." "محتاج مني يعني أدورلك على حد؟ مفيش مشاكل." "لا، عاوزك إنتي تكوني مكانه." تفاجأت سمية: "إيه؟ أنا؟

"بصراحة، معاملتك مع الكل هنا، من الأطفال للعمال للمساعدين، حبك ليهم وحبهم ليكي، وحبك للمكان، هو اللي شجعني أعرض عليكي العرض ده. لكن طبعًا لو مش موافقة براحتك." صمتت سمية متفاجئة من العرض الغير متوقع. واستكمل جلال حديثه: "واضح إنك اتفاجئتي. خدي وقتك وفكري. واعرفي مهما كان ردك، مكانك وسطنا مش هيتغير، والدار مفتوحة ليكي في أي وقت تحبي تيجي فيه." "تمام."

"بس أتمنى ميطولش عن أسبوع، لأني مسافر ومحتاج أطمن على المكان قبل ما أسافر." "حاضر." كعادة جلال، أثناء عودة سمية إلى المنزل، كان يتابعها بسيارته. وكان بعلم سمية حتى المنزل ويعود. عادت إلى منزلها، استلقت على السرير وتناولت الحبوب المنومة. وعرض جلال يشغل تفكيرها. في الصباح، قبل الذهاب إلى الحضانة، تحدثت مع نضال وأخبرتها عن العرض: "إيه يا بنتي؟ إنتي دعيتي يتبنوكي وربنا استجاب." "تصدقي؟ أيوه."

"طيب ادعيلي بمليون دولار. أنا معايا 3 آلاف منهم." ضحكت سمية: "هدعيلي وهدعيلك حاضر." "هتعملي إيه طيب؟ "بجد مش عارفة يا نضال. حاجة جوايا بتقولي وافقي، لكن مش هينفع. إنتي عارفة الحضانة، مش هقدر أسيبها لحد. وهو عاوز حد متفرغ قاعد هنا مقيم معاهم. 20 طفل، طلباتهم واحتياجاتهم ورعايتهم مجهود وطاقة لوحدهم. فصعب بالنسبالي." "يبقى عادي كلميه وقوليله أسفة مش هقدر وخلاص. على فكرة جلال من الأشخاص المتفاهمين وهيفهمك جدًا."

"أنا عارفة، بس." لاحظت نضال ملامح الحزن اعتلت وجه سمية: "بس إنتي ميالة أكتر تروحي صح؟ "أنا بحبهم أوي يا نضال. إنتي عارفة لما بيقولولي ماما بيخطفوا قلبي. ولما بحضنهم بحس إن هما اللي بيحضنوني. بحس معاهم بحاجات كتير كنت فاكرة مش هحسها وهتفضل أحلام." صمتت نضال للحظة: "يبقى قوليله موافقة وروحي." "لا، مينفعش. بقولك الحضانة، لا مش هقدر بعد السنين دي أسيبها كده." "بعيها." تفاجأت سمية: "بتقولي إيه؟ أبيعها؟

"أيوه. بيعيها واقسمي الفلوس بيني وبينك. سمية، إحنا عملنا الحضانة دي ليه؟ عشان دي حاجة تجمعنا مع بعض بجانب حاجة بتحبيها تعمليها. 5 سنين اجتهدتي وعملتي كل حاجة فيها ووصلتيها لمستوى الكل بيتكلم عليها. ورغم تعلقك بيها، لكن دايما فيه حاجة ناقصة، عمرك ما قولتي عليها. عارفة إيه هي؟ "إيه؟ "إن الأطفال بيرجعوا بيوتهم مع أهلهم وإنتي بتكوني لوحدك." "نضال، أنا.." قاطعت حديثها:

"ممكن تسمعيني للآخر. أنا مش موجودة ومش مبسوطة إنك لوحدك فيه. هو مكان بيشغل وقتك لبعض الوقت، لكن روحك لا يا سمية. بتحبي الأطفال في الحضانة، لكن كام ساعة وبيمشوا.. الدار لا، إنتي بنفسك قولتي لما بتكوني وسطهم روحك بترجع ومش عاوزة تمشي. إنتي مكانك وسطهم هناك يا سمية. متمنعيش نفسك من حاجة بتحبيها. متفكريش فيا ولا في أي حد، فكري في سمية بتكون سعيدة بإيه وفين ومع مين وبس. إنتي تستحقي تكوني سعيدة يا سمية، تستحقي."

انهمرت دموع سمية. واستكملت نضال:

"أنا اتمسكت بالحضانة عشانك. أنا مش فارقة معايا أوي. لكن بما إن مرحلتها انتهت، ننهيها ونبدأ مرحلة جديدة في مكان جديد، مكان نحس براحة فيه. وإنتي بترتاحي هناك. وبصراحة كده هبقى مطمنة عليكي إنك مش لوحدك وحواليكي ونس. ف اتكلي على الله وبعيها. ومعاكي التوكيل، خلصي كل حاجة. وأنا موافقة مهما كان السعر إيه. والفلوس نحطهم في حساب في البنك مؤقت. لو مرتحتيش وعاوزة تفتحي حضانة تاني، أنا معاكي ونبدأ تاني." ابتسمت سمية:

"نضال، أنا بحبك." أجابت عليها نضال: "مش أكتر مني. يلا، أسيبك تنزلي للحضانة وهكلم أنا السمسار اللي جبهالنا يبيعها ويتواصل معاكي. وإنتي اتكلمي مع الموظفين والناس هناك." "تمام." "يومك جميل زيك يا سمسم."

أغلقت سمية مع نضال الهاتف. وحديث نضال أزاح عبء كبير من على صدر سمية، لأنها كانت مراعية رغبة نضال في استمرار الحضانة وعدم التفريط بها، وتفاجأت بطلبها. ذهبت إلى الحضانة وبالفعل تحدثت مع العاملين وأخبرتهم بقرار بيع الحضانة وسط حزن لفراقها. مرت يومان. تحدثت نضال بالفعل مع السمسار. ولأن الحضانة ذات صيت وشهرة، فكان سهل بيعها سريعًا بمبلغ كويس. وبدأت سمية في إجراءات تسليم الحضانة. ومهلة الأسبوع أوشكت على الانتهاء. وفي آخر يوم في المهلة، أرسلت سمية رسالة إلى جلال وأخبرته بموافقتها للعرض وطلبت يومين وستذهب إلى الدار. سعد جلال بقرار سمية وتنفس بارتياح لتواجدها وسطهم.

أنهت سمية من تسليم الحضانة وجهزت حقيبتها. وأثناء خروجها من الشقة، وقفت نظرت إليها بتأمل للحظات وودعتها. وحملت حقيبتها وتوجهت إلى الدار. وكان جلال في انتظارها هو والأطفال وماما كريمة والعاملين. دخلت سمية من البوابة تفاجأت بترحيب الأطفال لها بالورود والأحضان والقبلات، يخبروها بسعادتهم بقرارها العيش معهم. كان جلال ينظر إليها بسعادة. بعد الترحيب، جلست سمية وجلال: "أهلًا بيكي في بيتك." "أهلًا بيكم في حياتي." ابتسم جلال:

"أقدر أسافر دلوقتي وأنا مطمن." "سافر واطمن، كل حاجة إن شاء الله هتبقى بخير، لا تقلق." "مش قلقان، بالعكس أنا مطمن جدًا. يمكن أكتر مرة اطمنت فيها وأنا سايب الدار آخر كام سنة." "خلصتي إجراءات بيع الحضانة؟ "يعني حاجات بسيطة المحامي هيعملها." "لو محتاجة مساعدة." "شكرًا، لو محتاجة هقول." "معتقدش، بس عمومًا أنا موجود في أي وقت." ابتسمت سمية: "تمام."

دخلت سمية وتوجهت إلى غرفتها، غرفة مخصصة لها بمفردها. وضعت أغراضها وبدلت ملابسها وذهبت إلى المطبخ للإشراف على الطعام. واستلمت مهامها وبرفقتها ماما كريمة وسط فرحة الجميع. وغادر جلال الدار وهو مطمئن بتركه في أيدي أمينة.

استقرت سمية في الدار مع الأطفال والحياة الجديدة برفقتهم. تحسنت حالتها النفسية وشعرت باستقرار وهي برفقتهم. منذ سفر جلال، كان يتابع سمية هاتفيًا أخبار الدار والأطفال ويتحدث مع ماما كريمة. وأخبرته باهتمام سمية بكل شؤون الدار. كانت تجلس سمية في الحديقة ليلاً. أقبلت عليها ماما كريمة وبرفقتها كوب حليب دافئ ووضعته أمامها: "تشربي كوباية الحليب الدافية دي، كلها هتساعدك تنامي مرتاحة." "شكرًا يا ماما كريمة."

"الأولاد ودوشتهم طول اليوم تعبوكي، أنا عارفة." "لا، بالعكس. أنا معاهم مبحسش بأي تعب. ولو تصدقيني، كنت فاكرة إنه هيكون صعب النوم هنا عشان تغير مكان وكده. لا، بالعكس، بنام وبنام كويس كمان." "فكرتيني بجلال. يرجع لنا بالسلامة. كان أغلب الوقت بينام هنا مش في بيته." "أنا كنت فاكرة إنه عايش هنا." "لا، بيته في مكان تاني، بس أغلب وقته هنا وسطنا." -له غرفة أكيد على كده؟

"أيوه طبعًا، بس هو بيحب ينام وسط الأطفال، بيبقى مبسوط وهو حاضنهم ونايم، حبيبي." "واضح تعلقه بيهم، بيحبهم أوي." "الذكرى الوحيدة الفاضلة من الغاليين." انتبهت سمية لحديثها: "تقصدي مين؟ "هدى وحسن." تكرر ذكر الاسم لثالث مرة أمام سمية. مرة من جلال، ومرة أخرى من نضال، والمرة الثالثة من كريمة. فإرادت أن تعلم من تكون هدى: "مين دول؟ بملامح حزن اعتلت وجه كريمة: "مرات جلال وابنهم، الله يرحمهم." انصعقت سمية: "اتوفوا الاتنين؟

"في حادثة. كانوا في الساحل هما التلاتة زي أي أسرة بتغير جو. رجع جلال القاهرة مضطرًا قبلهم في حاجة تخص الشغل، على أساس إنه راجع ليهم، لكن حصلت مشكلة ومعرفش يرجع، فإضطرت هدى ترجع هي وحسن لوحدهم، وهي كانت سايقة. في الطريق عربية شحن كبيرة خبطتهم. والإسعاف اتأخر. وعقبال ما وصلوا المستشفى، كانوا خلاص الأمانة رجعت لربها." حزنت سمية: "حصل إمتى ده؟ "من 6 سنين." -وايه علاقة الدار بيهم؟ هو عمل الدار كصدقة جارية يعني؟

"لا، الدار موجودة من 8 سنين. أنا كنت هنا مع هدى أول ما فتحت الدار. هي صاحبة الفكرة، كانت المسؤولة عن كل حاجة هنا. كانت طيبة وجميلة ومرحة والكل بيحبها، متتخيرش عنك يا سمية. وجودها كان بيملى المكان روح وحياة.. عشان كده اسم الدار (دار الحياة) . ومن بعد وفاتهم وجلال عهد نفسه بتحمل مسؤولية الدار بكل حاجة زي ما كانت هدى بتعمل، كتخليد لذكراها هي وحسن." -6 سنين متواصل بدون تقصير وبنفس الدقة والالتزام والاهتمام." "بالظبط."

-قليل أوي لما تقابلي شخص وفي ومخلص لشخص متوفي." "ولا لحظة نسيها. عارفة في عيد ميلادها هي وحسن بيشتري هدايا لأطفال لأنها كانت بتعمل كده. ده غير حفلة ذكرى تأسيس الدار وأعياد ميلادهم. ومش كده لأ، برا الدار كمان. ربنا يوسع عليه ويرزقه بفضله." "يارب." "استأذنك أنا بقى أبص على المطبخ وأنام." "تصبحي على خير."

جلست سمية وشردت في شخصية جلال وإخفائه الحزن وأثر فراق المقربين له وسط تواجده وسط الأطفال. فأدركت بالفعل أن الألم المخفي لا يظهر للعلن، يظل مخفيًا حتى آخر رمق. كان جلال قد سافر إلى تايلاند وكان ترانزيت الإمارات. وحينما علمت نضال أصرت عليه قضاء يوم برفقتهم. وبالفعل قامت بدعوته لتناول الطعام برفقة نضال وزوجها وابنائها. ولبى جلال الدعوة بالفعل: "يعني لازم أتحايل عليك تيجي تتغدى معايا يا ابن خالتي ولا إيه؟

"أنا أقدر، دا إنتي أول ما قولتيلي أجلت الطيارة لتاني يوم عشان أتغدى وأتعشى كمان." "أيوه أيوه، ثبتني. ماشي يا جلال، ده لولا إني عرفت من سمية حوار الترانزيت ده كنت خلعت من برا برا." ضحك: "لا، ده أنا هخصم من راتبها." "ليه إن شاء الله يعني؟ "ضريبة نقل أخبار." "هو إنت قلت لها متقولش لحد؟ "لا." "يبقى براءة، ملهاش ذنب ومتحاولش ترمي الليلة على حد تاني." ضحك جلال. وتحدث أشرف:

"إنسي يا جلال، إنت جيت منطقة الخط الأحمر عند نضال." "سمية." هز أشرف رأسه: "بالظبط، فالحق نفسك وتقبل هزيمتك بسرعة." "إحنا آسفين يا صلاح." ضحكوا جميعًا: "إيه مش ناويين تنزلوا مصر قريب ولا إيه؟ "والله أنا عاوزة، لكن هو مش عاوز." تحدث أشرف: "مشغول في الشغل، قولتلها انزلي إنتي، مش راضية." "مش هسيبك لوحدك أنا. إنسى." "مظلوم يا بيه." ضحكوا. وتحدثت نضال: "قولي يا جلال، إيه أخبار سمية في الدار؟ ابتسم جلال: "سمية دي مفاجأة."

"مش قولتلك هتنبهر بيها." "بصراحة، لما قولتي إن فيه حد تعرفيه يبقى مسؤول عن الدار، مكنتش أتوقع إنها هتكون بالشكل ده." تحدث أشرف: "إنت مش متخيل يا جلال، اللي كانت عاملاه نضال هنا عشان سمية قاعدة لوحدها في مصر، وكانت بتدعي إن السيناريو اللي عملته معاك يدخل على سمية وتصدقه الدار يجذبها وتحبه عشان لما تعرض عليها الوظيفة فيه توافق." تحدثت نضال: "هي أينعم طولت شوية وأنا كنت عارفة كده، بس الحمد لله حصل. الحمد لله."

ابتسم جلال: -بصراحة أنا من أول مرة انبهرت بشغلها وتعاملها مع الأطفال والمكان، كأنها عارفاهم من زمان."

-أو أنها ما صدقت لقتهم. سمية مرت بظروف مش ألطف حاجة وظروف وكانت لوحدها. للأسف اتاخد منها أكتر ما أخدت. وعاشت في وحدة رغم محاولتي وتواجدي معاها، لكن كنت حاسة إن فيه جواها حاجة مكتومة بتألمها في صمت وهي متعايشة معاها، لا بتشكي ولا بتحكي ولا بتتألم حتى.. هي مسئولة، وآد المسؤلية وتقدر تتعامل، واتغيرت وبقت شخصية غير سمية الأولى، لكن حاجة واحدة متغيرتش، الوحدة.. الوحدة اللي عاشت فيها سمية كان صعب أي حد يدخلها ويخرجها منها، اتحبست فيها. لكن الدار والأطفال قدروا يخرجوها منها، واطمنت إنها وسطهم ومش لوحدها."

"بجد شكرًا يا نضال على فكرتك واقتراحك." "يو ويلكم يا ابن خالتي. شكرًا لك أنت كمان إنك وافقت على طلبي ونفذته. ولما طلبت منك تخلي بالك منها مقصرتش حقيقي. بس سمية متعرفش إن ظهورك والدار كان بالاتفاق مش صدفة." "لا، متقلقيش. مش هقول طبعًا."

بطرق غير مقصودة، كلا من جلال وسمية علما بتجربة كلا منهما، وعلما مدى الألم الذي تعايشا معه في صمت. عاد جلال من السفر وعلمت بقرب وصوله إلى الدار، فرتبت حفلة ترحيب مع الأطفال. دخل جلال بعد غياب 15 يوم، وجد ترحيبًا حارًا من الأطفال، أحضان وقبلات. وكان سعيدًا بالاستقبال والحفل الذي علم أنها فكرة وترتيب سمية. قضى اليوم برفقتهم حتى جاء موعد النوم. فذهبوا إلى غرفهم برفقة المشرفين. وتوجهت برفقتهم سمية للاطمئنان عليهم جميعًا. وعادت إلى الحديقة. كان جلال يحتسي قهوته. وضعت بجانبه معطفه.

كان برفقه أحد الأطفال: "شكرًا يا سمية." "العفو." "شكرًا على الحفلة الجميلة." "دي حاجة بسيطة وهما اللي عملوها، مش أنا." ابتسم جلال. وتحدثت سمية: "نضال عاملة إيه والأولاد وأشرف؟ "بيسلموا عليكي. طول القعدة سمية سمية سمية." ابتسمت سمية: "هي دي نضال. متقمصة شخصية ماما. أكيد قالتلك خلي بالك منها ومتزعلهاش و و و و... ضحك جلال: "إنتي كنتي قاعدة معانا فعلًا؟ قالت كده." "هي دي نضال.. صاحبة عمري."

"بجد صداقتكم مميزة. كلامها عنك وإنكم أصحاب من سنين قريبة مش من صغركم وعلاقتكم قوية. اللي يشوفكم يقول سنين طويلة. أنا عمري ده كله معنديش أصحاب. مش عارف العيب فيا ولا في اللي حواليا." "حضرتك شخصية محترمة واجتماعية و... قاطعه جلال:

"أنا بتكلم عن الصداقة الحقيقية. صداقة الأزمة اللي بيكونوا معاك في أزمتك كتف في كتف بدون ملل ولا كلل. لما تمري بمشكلة من غير ما تتكلمي، هما بيحسوا، كفاية نظرة واحدة ليكي. لو حصلك موقف شتتك وتوهتي، مبيفهموكيش غلط، بيصبروا عليكي لغاية ما ترجعي لاتزانك، وهما أوقات كبيرة بيكون عامل أساسي في الاتزان ده. لا مسافات ولا مقابلات ولا مكالمات بتحدد عمق علاقتكم. أعذارهم ليكي سابقة تقصيرك. بيسمعوا منك وبعدين يحكموا. لو عاوزه تكوني لوحدك بيسيبوكي على راحتك من غير ضغط.. مراعين لظروفك. الخلاصة، أفعالهم سابقة كلامهم.. دي الصداقة، مهما مر عليها الزمن بتفضل زي ما هي مبتتأثرش. صداقة حقيقية بعيدة عن المصلحة."

"فعلًا قليل أوي لما تلاقي صداقة بالشكل ده. وغالبًا بتحصل من صدفة اتنين جمعتهم صدفة ووقفوا مع بعض من غير طلب، ودي كانت البداية." "فعلًا.. زي علاقتي أنا وإنتي. حصلت صدفة." "فعلًا." "وده معناه إحنا في بداية صداقة قوية." ابتسمت سمية: "بالسرعة دي." "أنا لسه قايلك المواقف اللي بتقول مش الكلام. والأيام هتثبتلك." صمتت سمية. وتحدث جلال: "نضال باعتهالك شنطة معايا. هبلغ على يوصلهالك الغرفة." وقف وارتدى المعطف:

"أنا همشي وأشوفكم الصبح. تصبحي على خير." في اليوم التالي، وسمية في إحدى الغرف مع الأطفال. رن هاتفها وكانت رسالة من جلال يبلغها إنه ينتظرها في الحديقة. توجهت إلى الحديقة. وكان يهتم بالورود والنباتات كعادته. واقتربت سمية إليه: "محتاج مساعدة." "ياريت.. ممكن تجيبيلي الصندوق اللي هناك ده." اتجهت إلى الطاولة وأحضرت الصندوق. وكان به زهرة زرقاء جميلة. اقتربت إليه وأخذها وزرعها. ووقف ينظر إليها هو وسمية: "إيه رأيك؟

"جميلة جدًا. ياترى مين سعيدة الحظ صاحبتها؟ "بتحبي اللون الأزرق صح؟ "أيوه." "عشان كده جبت لك وردتك باللون اللي بتحبيه." تفاجأت سمية: "ليا أنا." "أيوه.. إنتي سعيدة الحظ صاحبتها." "بجد ليا دي؟ "أيوه.. لو حصلها حاجة إنتي المسؤولة." رن هاتف جلال وابتعد ليتحدث. واقتربت سمية إلى الوردة. وكان يوجد ورقة مدون عليها اسمها كمثل البقية. وفي الخلف كلمة (إبتسمي)

. تلقائيًا ابتسمت. ونظرت إلى جلال. كان ينظر إليها مبتسمًا لرؤيتها تبتسم. وتبادلا الابتسامة. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...