في منزل الفتيات، كانت سمية تريد استبدال بعض الأغراض لهن. مر عليها جلال ليصطحبها. طلبت منه أن يفتح باب شنطة السيارة، وبدأت سمية تضع الأغراض. تحرك جلال من السيارة ليساعدها. وقفا يتحدثان ويتجادلان. وأثناء حديثهما، ظهر عفيفي من العدم. لمح جلال وجوده، فأشهر سلاحًا اتجاه سمية. أسرع جلال وحاوطها بذراعيه، واستدار، وأصابته الطلقة النارية. سقطا على الأرض وسط صرخات سمية.
تجمهر بعض الأشخاص وقبضوا على عفيفي. وسريعًا، انتقل جلال إلى المشفى. كانت سمية بمفردها تنتظر أمام غرفة العمليات، ثم انضم إليها هشام. جلست سمية في صمت، تردد بعض الآيات القرآنية وتناجي الله في صمت. هشام كان مليئًا بالتوتر والخوف، لا يعلم كيفية التصرف وهو يشاهد سمية هادئة، صامتة، شاردة. وجلال الله أعلم بحاله. جلس هشام بجانب سمية. نظرت إليه وابتسمت، ومسكت يديه وربتت عليهما: "متخافش، بابا هيبقى كويس. ادعيله."
وهما جالسان، اقتربت إليهما تميمة تبحث عنهما وهي تتعلثم في خطواتها. ووراءها هشام: "تميمة." نظرت سمية اتجاهها، وأسرعت تميمة بخطواتها إلى سمية: "ماما." "تميمة، انتي جيتي هنا إزاي؟ سابوكي تخرجي إزاي؟ "أنا هربت منهم." "تميمة! "أنا آسفة، بس مقدرتش أقعد وأنا قلقانة على بابا جلال." ضمتها سمية للحظات: "هيبقي كويس، هيبقى كويس." جلسا ينتظران خروج جلال من العمليات. وأومأت بعينيها تميمة لهشام ليبتعدا عن سمية ليتحدثا.
وتحرك برفقتها هشام: "متقلقش يا هشام، هيبقى كويس." "إن شاء الله." "عفيفي المجرم اتقبض عليه. بتوع الأمن قالوا إنه في القسم. دا كان هربان." تحدث هشام بتلقائية: "أكيد لازم ينتقم بعد اللي حصل له. حياتنا كانت هادية، مفيهاش الحاجات دي." كلمات هشام أشعرت تميمة بتحمل مسؤولية ما حدث. منذ ظهورها وتعرض سمية لمواقف مؤذية، بدء بدعوة الخطف وتهديد بالحبس، وانتهت بمحاولة قتل. وقفت تميمة صامتة، فقدت القدرة على الحديث والمواساة.
انتبه هشام لكلماته: "تميمة، أنا آسف، مقصدتش." "انت صح يا هشام. أنا لما ظهرت، حياتكم الهادية مبقتش هادية. أنا اللي آسفة." تركته واتجهت، جلست بجانب سمية. وشعر هشام بالضيق وعاد وجلس بجوار سمية. ضمتهم سمية إلى حضنها. حتى خرج الطبيب وأخبر سمية بإخراج الطلقة النارية التي أصابت كتف جلال. تنفست سمية بارتياح واحتضنت هشام وتميمة.
قامت سمية بتوصيل تميمة للمنزل، وعادت إلى منزلها برفقة هشام. بدلا ملابسهما، وأحضرت بعض الأغراض، وعادت إلى المشفى. انتقل جلال إلى غرفة بمفرده، وكانت ترافقه سمية. حينما فتح عينيه، كانت سمية جالسة بجانبه ممسكة بيده، ومستندة برأسها على يده. وشعرت باستيقاظه: "جلال." نظر إليها بابتسامة وتحدث: "انت كويس؟ حاسس بحاجة؟ انده الدكتور." "أنا كويس.. كويس." طبعت قبلة أعلى رأسه: "متعرفش أنا خوفت إزاي. المهم إنك بخير."
ابتسم وهو ينظر إليها. مرت 4 أيام وتحسن جلال وعاد إلى المنزل. كانت سمية ترافقه، لا تتركه لحظة. وهشام دائم الجلوس برفقته. وتميمة كانت تأتي لزيارة هي والفتيات، وبعض الوقت بمفردها. كانت تميمة تتجنب التحدث مع هشام. وشعر هشام بوجود خطب ما، وتذكر آخر محادثة دارت بينهما. وهما في المنزل، كانت تميمة تنتظر الفتيات ليعودا إلى الدار. اقترب منها هشام: "خلاص ماشين؟ "أيوه." "تميمة، انتي زعلانه مني؟ "لا، هزعل ليه؟
"اللي قولته آخر مرة مكنتش أقصد." "انت مغلطتش في كلامك." "لا، غلطان. لأن لو مكنتيش ظهرتي، كانت حياتنا هتبقى فيها ملل. من وقت ما جيتي والبيت بقى فيه روح، وماما سمية فرحانة، وبابا جلال كمان. شوية مشاكل عادي، اتحلت." "بابا جلال اتصاب، وكان ممكن ماما سمية... "ومحصلش الحمدلله، والاتنين بخير." "الحمدلله." أخرج من جيب بنطاله: "تقبلي اعتذاري." نظرت إلى يده، وكانت شوكولاتة، وهي نقطة ضعفها. نظرت إليها وإليه، وهو مبتسم.
أمسكتها: "مش مستاهلة يعني." "يعني اتصالحنا؟ "اتصالحنا." ابتسم هشام ورأى الفتيات قادمات، وودعهما وعاد إلى الداخل وهو مبتسم. في غرفة نوم جلال وسمية، ساعدت سمية جلال ليستلقي على السرير وجلست بجواره: "انت كده مرتاح؟ "أيوه." "استني أجيبلك مخدة تانية، ثواني." أمسك يدها: "سمية، أنا مرتاح. أنا كويس. أنا كويس." جلست بجواره: "المهم إنك كويس." أمسك يدها: "مكنتش أعرف إنك بتحبيني أوي كده. هو آه عارف إنك بتحبيني، بس مش لدرجة دي."
"جلال، وانت في العمليات، أنا كنت حاسة روحي بتتسحب مني." "بعد الشر عليكي." "ربنا ما يعدها تاني." تحدث مازحًا: "قوليلي يا سمية، لو الدكتور خرج وقال لك 'ملحقني'." قاطعته: "متțقولش كده." "ليه؟ كل شيء وارد إنه يحصل. إحنا اللي بنهرب من الحقيقة." "جلال.. أرجوك، أنا مش هقدر أكمل لو حصلك حاجة."
"لا، هتقدري يا سمية. هتقدري لأنك تقدري. أنا مش النهاية. هتكملي حياتك وهتعيشي وهتكملي اللي إحنا بنعمله مع بعض. زي ما كملتي اللي هدى كانت بتعمله، إنتي كمان في يوم هتكملي. إحنا بنسلم لبعض عشان اللي عايشين عشانه يفضل مستمر. لو إحنا الاتنين اختفينا، اللي عيشنا عمرنا عشانه هيختفي. لازم يكمل." "طول العمر لك وتكمله، ونكمله مع بعض." "سواء أنا موجود أو لا، لازم يكمل يا سمية. هي دي الحياة، بتستمر. لكن هتستمر إزاي؟
سمية حبيبتي، مهما حصل، اوعديني هتكملي اللي عملناه سوا. كملي لو مش موجود." "إيه اللي بتقوله ده يا جلال؟ "اللي حصلي ده نبهني لحاجة أنا مكنتش بفكر فيها، إن أنا ممكن في لحظة اختفي بدون إنذار. عشان كده فكرت، لازم أقولك وأوصيكي. اللي عملناه لازم يستمر يا سمية، وأنا واثقة إنك تقدري." وضعت رأسها على صدره وأذرفت دموع من عينيها، وأغمضت عينيها هربًا من كلماته: "ممكن كفاية كلام بقى." ضحك جلال: "حاضر. طلباتك أوامر."
ضمها جلال متحملًا الألم: "بحبك." بعد فترة، تحسن جلال وعاد إلى طبيعته وعمله وحياته. في دار الفتيات، تجمعن ليتحدثن مع سمية. وتحدثت سمية: "كنتم عاوزين تقولوا حاجة.. قبل ما تقولوا حاجة، عندي لكم مفاجأة. هي كانت بتتحضر وقت الحادثة، واللي حصل نساني أقولكم. عاوزاكم تجهزوا عشان هتبدوا دراسة خلاص. كل حاجة جهزت." لاحظت سمية ملامح الحزن على وجوههن: "مالكم؟ في حاجة ولا إيه؟ في إيه يا تميمة؟
"هو دا الموضوع اللي عاوزين نتكلم فيه معاكي يا ماما سمية." "سامعاكي." "إحنا عاوزين نرجع للدار اللي كنا فيه." تفاجأت سمية: "إيه.. ليه؟ في حاجة مضايقاكم هنا؟ تحدثت إحدى الفتيات: "إحنا جينا ومعانا مشاكل، فهنمشي نرجع مكان ما كنا." "مين قال إنكم جيتوا ومعاكم مشاكل؟ في إيه يا تميمة؟ "عفيفي واللي حصل لبابا جلال، كنا إحنا السبب." ابتسمت سمية: "لا طبعًا، مش إنتوا السبب."
"لا، إحنا. لولا ظهوري وعرفتي حكاياتنا، مكنش حاجة من دي حصلت، وبابا جلال اتأذى." "أولاً، اللي حصل دا قدر. وقدر إننا نتقابل أنا وإنتي، وأعرف البنات الحلوين دول. واللي حصل السبب فيه عفيفي، مش إنتوا. هو اللي مجرم، وطبيعي المجرم يعمل كدا. وجلال كويس زي ما إنتوا شفتوا.. شيلوا الكلام دا من راسكم. أنا مش عاوزاكم تفكروا في حاجة غير حياتكم ودراستكم دلوقتي. أي حاجة تانية، أنا وجلال موجودين، متقلقوش.. اتفقنا." صمتت
الفتيات ونظرت إلى تميمة: "اتفقنا يا تميمة." "اتفقنا." ذهبت سمية وجلال لشراء ملابس المدرسة وبعض الأغراض اللازمة للدراسة للفتيات. عادا والسيارة مليئة بالأغراض. رأتهن تميمة وذهبت إليهن هي والفتيات، وحملا الحقائب وعادا إلى الداخل. ووجدا اسم كل فتاة على حقيبة خاصة بها. وطلبت منهن سمية الذهاب وقياس الملابس. وجلست هي وجلال ينتظران العرض المدرسي.
ذهبن الفتيات بلهفة إلى غرفهن وبدأ قياس الملابس وسط مشاعر سعادة كبيرة. ذهبن إلى سمية وجلال، وكان رد فعل سمية وجلال انبهارًا واعجابًا، مما زاد لكل فتاة الثقة في نفسها. تميمة جلست في غرفتها تنظر إلى الحقيبة في صمت. وتحدثت نرمين: "إيه يا تميمة؟ متقيسي الهدوم." "حاضر، هنزل وراكي." ذهبت نرمين وهي سعيدة بالملابس. وتأخرت تميمة وهي جالسة. سمعت نقرًا على باب الغرفة، ودخلت سمية: "ممكن أدخل." "اتفضلي يا ماما، طبعًا."
"منزلتش مع البنات ليه؟ مش عاجبينك ولا مش مقاسك؟ "مش عارفة." جلست سمية بجانبها: "مالك يا تميمة؟ في إيه؟ "اتكلم عادي." "اتكلمي يا حبيبتي، إحنا اتفقنا على إيه؟ متخافيش أبدًا، اتكلمي براحتك." "أنا حاسة إني بحلم وخايفة أصحى على كابوس." "ليه بتقولي كدا؟
"مفيش حد عاملني بالطريقة دي قبل كده. كل اللي قابلتهم في حياتي، سواء في الدار أو في الشارع، محدش عاملني كويس. دايما كان مطلوب مني أنفذ أوامر وأتعاقب بالضرب والإهانة. اختار وأفرح مكنش موجود. فجأة كده أبقى مرتاحة، هرجع المدرسة أدرس، مش قادرة أصدق وخايفة أصدق، أصحى على كابوس. أنا بخاف أحلم." مسكت
يدها وربتت عليها بابتسامة: "متخافيش.. احلمي.. واشطحي بأحلامك، لأن دا حقك. حقك إنتي.. احلمي وانتي جاهلة هتقدري ولا لأ تحققي أحلامك. احلمي لأن الواقع بيتحقق عن طريق الأحلام يا تميمة. اللي عشتيه قبل كده كان تمهيد للمرحلة دي، واللي عايشاه دلوقتي تمهيد لمرحلة قدام، وهكذا. من مرحلة لمرحلة هتعيشها، هتحلمي وتسعي لأحلامك. سواء هنا أو في مكان تاني، مش مهم. عارفة المهم إيه؟ "إيه؟
"إنتي.. إنتي اللي هتحركي كل أحداث حياتك. هتحركي الخمول لنشاط، التذمر لظهور، من الضلمة للنور. عقبات ومشاكل ومطبات هتتعرضي ليها، هتكونك إنتي. هتكون شخصية تتعامل مع أي حد في كل الظروف. اللي عيشتيه من تجارب مش أساس حياتك تبنيها عليه. بيكون درجة من درجات سلم حياتك ومستقبلك. الأساس هو الإرادة. أنا هكمل مهما كان الوضع، ومهما كنت فين. هستغل المتاح حواليا لصالحي، حتى لو فشلت، هتعلم من فشلي. لو وقعت، هتعلم آخد حذري، هتعلم إزاي أعيش. لكن أربط رجلي بماضي وأنسى أعيش الحاضر ومحلمش بالمستقبل؟
لأ، مش صح." كان يستمع لهم جلال من خلف الباب، ونقر على الباب ودخل: "لقيتكم اتأخرتوا وعاوزين نتعشى." "تعالى يا جلال." "أنا مقصدتش أسمعكم، أنا بعتذر. فممكن تسمحولي أقول حاجة." "قول يا حبيبي." "اسمعي كلام سمية يا تميمة." (جلس أمامهم)
"متتنازليش عن حقك في الحياة وأحلمي. متمنعيش نفسك ومتحلميش لمجرد ظروف إنتي مختارتيهاش تعيشيها. لكن بإيدك تغيرها، هتتغير لما تحلمي وتسعي ورا حلمك. أحلمي واسعي لحلمك. هسألك سؤال، هي الفراشة أصلها كان إيه؟ "دودو." "وعشان توصل للمرحلة الفراشة عملت إيه؟ "الشرنقة."
"اتخلقت دودو فقررت تتغير. دخلت في تحدي مع نفسها لوحدها من غير مساعدة من حد. حطت لنفسها احتمالين، مفيش فيهم تالت. يا هتموت يا هتخرج تطير. ماتت خلاص، انتهت. لكن لما خرجت وطارت، هل بعد ما طارت رجعت تاني دودو؟ "لا." "يبقى احلمي يا تميمة. طول ما فيكي نفسك، احلمي وطيري ورا أحلامك، ومتبصيش وراكي." تدخلت سمية: "احلمي، أحلام كتيرة مش هيتحققوا كلهم، لكن أكيد فيهم حلمك وهيتحقق. المهم إنك متقفيش، كملي."
نظرت تميمة إلى جلال وسمية، ولأول مرة تشعر بإحساس وجود الأب والأم في حياتها، وأنها ليست وحيدة. ابتسمت وغادر جلال وسمية. ونظرت تميمة إلى ملابس المدرسة وقامت تقيسهم، وانضمت للفتيات. اليوم التالي، يوم الدراسة. استيقظت سمية باكرًا واتجهت إلى منزل الفتيات، وكانتا استيقظن ويتجهزون للذهاب إلى المدرسة. وساعدت دادة جليلة لتحضير الإفطار وأغراضهن. كان جلال أعد لهن باص ليقلهن من وإلى المدرسة. قبل أن يذهبا إلى الباص،
تحدثت سمية: "انهاردة أول يوم في مستقبلكم. إنتوا زي أي حد هناك. مفيش فرق بينكم غير التفوق. الشاطر والمجتهد في دراسته هو المتميز. غير الدراسة مفيش تميز، ولا حد أقل ولا أعلى. رايحين مكان هنعمل أصحاب ونذاكر. اتفقنا." "اتفقنا." ذهبت برفقتهم سمية إلى المدرسة، وساعدت كل فتاة على معرفة مكانها بما إنهم مراحل مختلفة. أطمأنت عليهن واتجهت إلى الدار الأخرى، وتحادثت مع جلال وأخبرته وهي سعيدة بسعادتهم بذهابهم إلى المدرسة.
كانت سمية يوميًا تذهب للفتيات قبل ذهابهم تودعهن، وتعود إلى الدار. وليلاً تزورهم برفقة هشام، وإن اتواجد جلال أيضًا. في المدرسة، نرمين جالسة تتناول طعامها. وبدون قصد، تلطخت ملابسها. وحاولت نرمين تداري الآثار بيدها. وشاهدتها فتاة من المدرسة. نظرت إليها نظرة اشمئزاز، ثم همست للفتاة الأخرى، وبدأ ينظران لنرمين باحتقار. لاحظت تميمة نرمين جالسة وملامحها حزينة، واقتربت إليها: "بدور عليكي، قلت هربتي بالسندوتشات."
ظلت صامتة: "مالك يا نريمو؟ حد أخد من سندوتشاتك ولا إيه؟ "لا." "مالك." "تميمة، أنا عاوزة أكون معاكي، مش عاوزة أكون في الفصل اللي أنا فيه." "ما إنتي عارفة، مش هينفع. لأن ماما سمية قالت الأفضل نتفرق في أماكن عشان يبقى لينا أصحاب كتير وكده." "أنا مش عاوزة أكون أصحاب، إنتي كفاية عندي." "أنا كده كده على قلبك، بس برضه." لاحظت تميمة دموع نرمين: "في إيه؟
روت لها ما حدث، ونظرات الفتيات الأخري لها، وتجنبهم لها في الفصل، ويتهامسون عليها دائمًا. تركتها تميمة وذهبت إلى الفتيات تتحدث معهن: "ممكن أعرف هي نرمين ضايقتكم في حاجة عشان تتجنبوها؟ مش هي صاحبتكم؟ تحدثت إحدى الفتيات بنبرة تكبر: "لا، مش صاحبتنا." "ليه؟ دي عسولة ودمها خفيف و... "إحنا عارفين إنتوا إيه. إنتوا عايشين في دار أيتام، ومستر عبد الرحمن مالك مجمع المدارس عطف عليكم ودخلكم معانا. غير كده، مش أي حد يدخل هنا."
صمتت تميمة. واستكملت الفتاة حديثها: "إحنا لينا أهل وبيت وحياة غيركم. مينفعش نكون أصحاب." تذكرت تميمة كلمات سمية بعدم الخوف والتمسك بحقها، وعدم قبول الإهانة، وأنها متساوية مع أي فتاة أخرى. تقدمت خطوتين وقالت: "إنتوا ليكم أهل وبيت، أيوه صح، وإحنا معندناش. لكن إنتوا معندكمش تربية، ودي عندنا إحنا." صدمت الفتاة من كلمات تميمة: "إنتي بتغلطي فيا؟ بتقولي أنا مش متربية؟ التفتت
لها تميمة ونظرت لها بقوة: "أنا مقولتش، إنتي اللي قولتي. فإنتي أدرى طبعًا." التفتت إلى نرمين: "يلا يا نريمو." ابتسمت نرمين وتحركت برفقة تميمة. وهمست لها: "إيه دا يا تميمة؟ بكلمة خليتها مش على بعضها." "المثل بيقول لك اللي على راسه بطحة، وواضح إنها حسست عليها."
ضحكت نرمين وتميمة. وفجأة، اقتربت الفتاة إلى تميمة وجذبتها من شعرها، أسقطتها على الأرض، وانهالت عليها بالضرب. ودافعت تميمة وتبادلا الضربات، حتى أتت المشرفة وفصلت بينهما، وذهبا إلى المديرة. كانت الفتاة مصابة وملابسها ممزقة، وتميمة أيضًا، لكن أقل منها: "إيه اللي عملتوه دا؟ ممكن تفهموني." تحدثت الفتاة: "شتمتني." "إنتي شتمتيها يا تميمة؟ "لا." "كذابة، شتمتني." "بس إنتي اللي جرتيني من شعري، والبنات شاهدة."
"إنتي شتمتيني الأول." أسكتتهم المديرة: "هنشوف في الكاميرات كل حاجة. بكرة ولي أمر كل واحد يكون هنا." عادت تميمة إلى المنزل، وكانت مترددة من إخبار سمية ما حدث. ولكن إدارة المدرسة أبلغت سمية بالزام حضورها في اليوم التالي. ذهبت إلى غرفة تميمة، كانت تجلس أمام المكتب: "تميمة." نظرت لها ورأت الإصابة أعلى عينيها: "إيه دا؟ "لا أبدًا، حاجة بسيطة." "المدرسة بعتالي، في إيه؟
نظرت تميمة للحظات: "بصراحة كده، أنا وبنت هناك ضربنا بعض. بس هي اللي بدأت. أنا ممدتش إيدي." "احكيلي براحة، إيه حصل." جلست تميمة ونرمين، وأعلمتا سمية ما حدث وما يحدث لهما في المدرسة من معاملة غير لائقة. وتحدثت تميمة: "هي لما ضربتني، مكنش ينفع أسيبها تضربني. دافعت عن نفسي." رغم تحول ملامح سمية للغضب، إلا أنها ابتسمت لتميمة. ولاحظت تميمة: "إنتي قولتي لها كده وهي ضايقت، فشدتك من شعرك." "أيوه.. زعلانه مني؟
"هو مكنش ينفع اللي حصل، بس إنتي دافعتي عن نفسك. بس دا مش معناه إنك تستخدمي إيدك على طول. مينفعش، ممكن خبطة كده غلط في مكان حساس، عينها أو أي مكان، وتتأذى وتبقى مشكلة كبيرة." "متخافيش، أنا أخدت بالي. بس إيدها تقيلة أوي." ضحكت سمية وفتحت ذراعيها وضمت نرمين وتميمة: "أيوه كده، خليكم مع بعض. احموا بعض واهتموا ببعض، ومتسمحوش لحد يتعدى حدوده. لأن مفيش حد مميز عنكم، ولا أحسن منكم. كلنا واحد."
في اليوم التالي، ذهبت سمية إلى المدرسة لمقابلة مديرة المدرسة ووالدة الفتاة. ودافعت سمية عن تميمة ونرمين وباقي الفتيات، وعن حقهم في حسن المعاملة والتعامل دون تفرقة، وعدم تعدى حدود. وكشفت تسجيل الكاميرات أن تميمة تحدثت بهدوء، وانصرفت، والفتاة جذبتها من شعرها أمام الجميع.
طلبت المديرة بحضور تميمة والفتاة، وطلبت من الفتاة الاعتذار لتميمة عن فعلتها. وأصرت الفتاة أن تميمة بدأت بإهانتها، وأنكرت تميمة. ولأن التسجيل كان تصوير بدون صوت، فلم يثبت إهانة تميمة للفتاة. بالفعل، اعتذرت الفتاة لتميمة. وابتسمت تميمة إلى سمية، وأومأت سمية بعينيها لتميمة لاعتذار إلى الفتاة. وبالفعل اعتذرت. ونظرت سمية إلى المديرة ووالدة الفتاة: "تميمة اعتذرت عشان هي اتربت على إنها متردش الإهانة بإهانة. عن إذنكم."
غادرت سمية وتميمة للخارج، وضمت سمية تميمة وهي مبتسمة: "شكرا يا ماما." "شكرًا إنك مخفتيش ودافعتي عن حقك ومتنازلتيش. بس يا تميمة... "مش هيتكرر تاني، بس لو حد قرب لي مش هسكت." ضحكت سمية وغادرت المدرسة وعادت إلى الدار. كان جلال ينتظرها، وروت له ما حدث، وجلسا يضحكان على تصرف تميمة.
انتهى العام الدراسي ونجح الجميع. وكانت هدية جلال للفتيات جهاز تابلت لكل فتاة. كانت سمية تقسم وقتها بين المكانين ومنزلها. وكان يرافقها جلال وهشام. وبعض الوقت كان هشام يساعدها توصيل أغراض للفتيات ويقضي طلباتهم. في يوم، ذهب إلى منزل الفتيات. وكان أغلب الفتيات حاضرين، إلا تميمة. بحث عنها في الحديقة، وسمع صوت موسيقى، واتبع مصدر الصوت حتى وصل خلف المنزل. وجد تميمة جالسة تشاهد مقاطع فيديو على التابلت.
واقترب إليها ولاحظ وجوده: "هشام.. انت جيت امتى؟ "كنت بجيب حاجات للبنات عاوزينها. سألت عليكي قالولي اختفيتي." "كل شوية بيندهوا عليا، زهقت، فهربت هنا." "ماهو إنتي اللي رفضتي تيجي تعيشي معانا." "ما أنا قلت مش هينفع أسيب البنات، هيزعلوا. وبعدين أنا معاهم، وإنتوا معانا، مفرقتش." "المهم اللي يريحك. ها، بتتفرجي على إيه كده؟ "بص يا هشام، بيرقصوا حلو أوي." "آها، دا بريك دانس وهيب هوب. شوفت فيديوهات كتير لناس على اليوتيوب."
"تعرف إن اتعلمت كذا حركة، حتى بص." تركت التابلت بجانبه، وبدأت تقلد الحركات وسط إعجاب هشام: "جميل يا تيما، إنتي مقلداها بالظبط." "ولسه. أنا كل يوم بتفرج وبأدرب على الحركات." "لدرجة دي؟ "بحس إني حرة وطايرة، ودا إحساس حلو أوي." "طيب جربتي الباليه؟ "لا، محبتهوش. حسيت إنه بيقيدني. لكن الهيب هوب بيخليني حرة، وببقى مبسوطة." "يعني هتكوني راقصة هيب هوب مشهورة؟ "مش بعيد، ممكن." "مجنونة." "بص بص الفيديو دا."
جلس برفقتها يشاهدان مقاطع الفيديو، وتقلد تميمة لبعضها وسط تشجيع هشام.
لاحظ هشام اهتمام تميمة الشديد بالهيب هوب والبريك دانس، فبدأ بتجميع لها عروض لمشهورين وحفلات لراقصين عالميين، وأعطاها لها. وكانت سعيدة بمشاركته اهتمامها. الرقص كان لتميمة السبب الوحيد الذي يشعرها بحريتها، فتمادت في حبه حتى تعلقت به تعلق شديد، لدرجة لم تحلم أي أحلام أخرى سوى أن تصبح راقصة هيب هوب مشهورة، وسط تعجب الجميع وسخرية بعض الفتيات. ولكن سمية وهشام كانا يشجعاها أن تفعل ما تحب، ولكن المقابل عدم إهمال دراستها.
كانت سمية عرضت على الفتيات الذهاب إلى الدار الأخرى كنوع من نشاط لهم يساعدا في المكان ويتعاملا مع الأطفال الصغار. رحب بعض البنات، والبعض الآخر تكاسل. فلم تجبر الأخريات، واكتفت بتميمة ونرمين وفتاتين أيضًا. أول ما لفت انتباه تميمة قصة الورود والورقة، وأخبرها هشام وتحمست: "أنا كمان عاوزة وردة." "بتتكلمي بجد؟ "أيوه. إنت مش لك وردة؟ "بصراحة لا." "ماما سمية ليها وردة صح؟ "أيوه، اللي هناك دي."
نظرت إليها، كانت وردة زرقاء. اتجهت إليها ونظرت إليها بسعادة وحماس: "أنا عاوزة وردة زيها، بنفس اللون." "طيب اختاري لون تاني." "أنا بحب اللون الأزرق، ومكنتش أعرف إنه حلو كده. عاوزة وردة زيهم، ممكن؟ " عاوزاها هنا ولا هناك في البيت؟ "لا، هنا جنب وردة ماما سمية، وههتم بيها." "حاضر.. هقول لبابا وهنجيب لك وردة."
ابتسمت تميمة وسعدت. وبالفعل، جلال حينما علم نفذ طلبها ووضع وردتها بجانب وردة تميمة. وبالفعل، داومت تميمة على الذهاب إلى الدار ومساعدة سمية والاهتمام بوردتها. مر عامان والأوضاع مستقرة للجميع. أنهى هشام اختبارات الثانوية العامة ونجح بمجموع كبير. وأقام جلال احتفالًا لهشام مصغر مع سمية، وسيقام احتفال كبير يجمع الفتيات في الدار: "مبروك يا هشام، مجموعك جميل أوي. ناوي على إيه؟ نظر إلى جلال وابتسامة: "هندسة إن شاء الله."
نظرت سمية إلى جلال: "أيوه ابن أبوك أنت." ضحك جلال: "طبعًا هندسة، أومال مين اللي هيشيل الشغل مكاني." تحدثت سمية: "مكنتش أعرف إنك أب ديكتاتوري يا جلال. استغليت حب هشام لك وهتخليه يدخل هندسة عشانك." "لا، أنا مظلوم كده. أنا ضغطت عليك يا ابني." ضحك هشام: "لا، محصلش. أنا اللي عاوز كده عشان أكون مع بابا في الشغل." "هتدرس هنا بقى ولا زي بابا برا؟ قالتها سمية مازحة،
ولكن إجابة هشام فاجأتها: "دا بعد إذنكم، عاوز أدرس هندسة في لندن زي بابا جلال، وهتخصص في المجال المعماري." نظرت سمية إلى جلال: "دا مصمم ومرتب كل حاجة يا جلال. جلال الصغير ده ولا إيه؟ ضحك جلال: "خافي مننا بقى. ولما هشام يتجوز ويخلف، هيجيب جلال الحفيد، وهنبقى جلاجل كتير حواليكي." ضحكوا جميعًا. واقترب جلال إلى هشام وأمسك كتفيه: "إحنا معاك في أي حاجة إنت عاوزها. المهم تعمل اللي بتحبه إنت يا هشام."
"أنا قررت واختارت يابابا هندسة إن شاء الله." "على خير إن شاء الله." "طيب، إيه يلا اجهزوا." "ليه؟ "وعدت تميمة والبنات هنسهر معاهم وهنحتفل بنجاحي معاهم. عازمهم على بيتزا." "ما شاء الله. روحوا إنتوا، أنا مرهق، مش هقدر." "تمام يا حبيبي، مش هنتأخر." "هسبقك يا ماما في العربية." تحرك هشام وهو ممتلئ بالحماس واللهفة للذهاب. وتحدث جلال لسمية: "مش ملاحظة يا سمية، تعلق هشام بالبنات والبيت هناك و...
قاطعته سمية: "هو بيتعامل معاهم إنه أخوهم الكبير ومسؤول عنهم. وقربه لتميمة بسبب ظروف طريقة تعارفهم مع بعض من البداية، وأنا مأكدة عليه يخلي باله منها." "هشام ملوش أصحاب هنا خالص، وقته كله في الدار معاكي ومع البنات. فمخرجش للحياة عشان يقدر يحكم مشاعره صح ويختار صح من غير ما يظلم نفسه ولا يظلم حد معاه. أنا عاوز لما يختار، يختار بقلبه وعقله، ويتأكد إنه اختيار العمر، مش مجرد مشاعر عابرة."
"هيسافر لندن وهيتعامل مع ناس والدنيا هتفتح معاه، متقلقش." "رغم إني هفتقده جدًا، بس كله يهون عشان مستقبله." اقتربت إليه سمية ووضعت رأسها على صدر جلال وضَمَّته واحتضنته وقالت: "وأنا روحت فين؟ أنا مش هسيبك أبدًا." طبع قبلة أعلى رأسها وضمه لحضنه، والابتسامة تعلو وجوههم.
جهز هشام أوراقه وتحدد يوم السفر. ذهب إلى منزل الفتيات ليودعهن. جلس برفقتهم بعض الوقت ولاحظ اختفاء تميمة. علم من نرمين بأنها تختبئ في الحديقة الخلفية للمبنى. توجه إليها، وجدها تقوم ببعض حركات الهيب هوب. فتقدم إليها: "يعني عارفة إني مسافر بكرة وهأجي أسلم عليكم، ومع ذلك مختفية." "هشام.. إنت قلت هتيجي ع 6." "الساعة دلوقتي 7 ونص." "ياااه، محسيتش بالوقت. رغم إني قلت لنرمين تعرفني، تلاقيك جبت حاجة حلوة ونسيت الدنيا بسببها."
ضحك هشام وجلس على الأرض، وجلست بجواره تميمة. نظر إليها: "هتوحشيني يا تميمة.. أقصد هيوحشني رغينا ومناكفتك." "وإنت كمان. بس أكيد هتنزل إجازات، صح؟ "أكيد طبعًا." "ماهو إنت لازم تنزل. ماما سمية وبابا جلال سهل يروحولك، لكن إحنا صعب." "الإجازات هنا، خلص الكلام." "عاوزاك ترجع هندسة قد الدنيا." "دعواتك بقى." "بدعيلك يا ابني، وإنت ادعي لي. داخلة ثانوية والحياة مرار." "لا، شدي حيلك. عاوزك تحصليني."
"لا لا، أنا خليني هنا، البلد اللي نعرفها. وبعدين مينفعش اتنين مهندسين، كفاية واحد." "خليكي طموحة." "أنا طموحة، بس في طريق تاني. المهم خلي بالك على نفسك من البنات الأجانب كده ولا كده." ضحك هشام: "لا متقلقيش، مليش في الملون. المهم متنسنيش يوميًا تبعتي لي يومك وإيه عملتوا، وأخباركم. عاوز أحس إني معاكم، مسافرتش." "عاوزني أبقى رويتر؟ كفاية نرمين." "بحب أسمع صوتك." "بتحب إيه؟
"أسمع صوتكم كلكم، يعني إنتي ونرمين والبنات كده يعني." "متقلقش، هنصدعك." "لو محتاجة حاجة، قولي لي." "تم." "وريني كده كنتي بتشوفي إيه." جلسا قليلًا، ثم غادر هشام. عاد إلى المنزل، جلس برفقة سمية وجلال، ثم خلد إلى النوم. وفي اليوم التالي باكرًا، تحركا إلى المطار ورافقه جلال وسمية. أنهى إجراءاته وجلس ينظر موعد طيارته. فتح موبايل وقلب في الصور على هاتفه، وتوقف عند صورة لتميمة، وتَمَعَّن النظر إليها مبتسمًا،
وردد: "هتوحشيني يا تميمة." في دار الحياة، يجلس جلال في الحديقة بعد ما اهتم بالنباتات والورود. جلس ينظر إليهم بسعادة، والابتسامة تعلو وجهه. اقترب إليه سمية وبرفقتها فنجان القهوة: "القهوة." "يسلم إيدك يا حبيبي." "لقيتك اتأخرت، قولت هتطول هنا." جلست بجانبه، ووضع ذراعه حول كتفها: "سيبتك إنتي ونضال تتكلموا براحتكم، لأني عارف لما بتفتحي مبتقفليش." "فسيبتني وسيبت قهوتك تبرد وجيت هنا، لكن أنا عملت لك غيرها."
ينظر إلى الورود: "شكلهم حلو أوي يا سمية." "فعلًا شكلهم مبهج، والأولاد كل ما بيكبروا كل ما بيتعلقوا بيهم جدًا." "وردتك ووردة تميمة جنب بعض." ابتسمت سمية: "أيوه هي طلبت. طلعت بتحب لون الأزرق زي. أتمسكت برأيها، عاوزة وردة زي." "بتحبك." "أنا كمان بحبها أوي. كل ما أبصلها وأشوف ابتسامتها، أقول أنا لو كان في حد ظهر في حياتي وأنا في سنها لما قابلتها، كان ممكن حاجات كتير متحصلش، أو بمعنى أصح، حاجات كتير محسهاش."
"تميمة هي إنتي." "أيوه، شايفة نفسي فيها وأنا صغيرة. لكن هي ليها شخصية مختلفة، رغم كده بحاول أطمنها." "شايفة يا سمية الفراشة اللي هناك دي؟ "أيوه، جميلة." "بتتنقل من زهرة لزهرة، ومع كل مكان بتروحه، بيتملى عطر وبيكون مبهج. كنت بدور على تشبيه ليكي، مكنتش عارفة لغاية ما شوفت الفراشة. إنتي فراشة جميلة دخلت حياتنا، ملأتها بهجة وسعادة وحب." ابتسمت سمية: "عشان إنت موجود."
"لا.. عشان إنتي كده. عارفة يا سمية، أكتر حاجة حبيتها فيكي إيه؟ "بعد السنين دي؟ إيه يا ترى؟
"إنك متغيرتيش. فضلت جميلة قلبًا وقالبًا للحظة دي. رغم قساوة الأيام اللي مرت عليكي، مغيرتكيش. مقدرتش تغيرك، بالعكس اتغيرتي للأحسن. إنتي قوية يا سمية، وقوتك معدية. أي حد بيقرب منك بيشحن قوة وأمل وحياة، بيقدر يقف ويكمل. أثر الفراشة لا يزول، وأثرك ظاهر ومستمر في الانتشار. عندك الدار، الأطفال هنا، وتميمة والبنات، وهشام، وأنا.. إحنا كلنا من غير وجودك مكنش هيبقى لينا أثر." "إيه الكلام الكبير ده."
"أنا بقولك كده عشان أقولك أنا محظوظ بوجودك في حياتي." "أنا اللي محظوظة بوجودك معايا يا جلال. معاك مش حاسة إني لوحدي. عشت عمري كله إحساس الوحدة يتملك مني، ومعرفتش أهرب منه، وبسببه كنت هضيع. ظهرت لي في لحظة، انتشلتني من ضلمة بعاني منها. معاك مطمئنة ومش عاوزة حاجة غير وجودك، وأفضل في حضنك كده." وضعت رأسها على صدره وضَمَّته: "بحبك."
مر عامان على سفر هشام للندن، وكان دائم التواصل مع تميمة بالرسائل والمحادثات والاتصالات. تميمة اهتمت بحبها لرقص الهيب هوب والبريك دانس. وكان وقت فراغها تجلس تستمع إلى موسيقى وتؤسس عليها خطوات وتشاهد مقاطع فيديو لمصممي رقصات. ونرمين، من حبها في الطعام، كانت دائمًا التواجد في المطبخ برفقة دادة جليلة وتعلمت صنع الحلويات والكيكات. وكلما احتاجت سمية لحلويات، تطلب من نرمين صنعها. تركت سمية الفتيات، كلًا منهم تفعل ما ترغب به وتفضله دون وضع حدود، وتحت رقابتها هي وجلال وموافقتهم.
مجموعة من الفتيات، منهم تميمة، أنهين مرحلة الثانوية العامة. جلست سمية برفقتهم: "ها يا بنات، ناويين على إيه بقى بعد الثانوية؟ تبادلن النظرات دون كلام. وعادت سمية سؤالها: "عاوزين تعملوا إيه؟ عرفوني عشان نرتبها مع بعض. إنتوا مجاميعكم كويسة." طلبت سمية التحدث إلى تميمة بعيدًا عن الفتيات: "في إيه يا تميمة؟ "بصراحة يا ماما، إحنا محروجين." "محروجين من إيه؟ "عاوزين نكمل في الجامعة، لكن مصاريفها أكتر من المدرسة وكده."
أمسكت تميمة من يدها وأجلستها، وجلست سمية تتحدث للفتيات: "اللي عاوز يكمل في الجامعة هيكمل مهما حصل. كذا مرة أقول لكم مستقبلكم إنتوا اللي بتحددوه باختياراتكم. وفي فرص لما بتضيع مبترجعش، فليه نضيعها؟ عاوزين تكملوا دراسة." "أيوه." "يبقى خلاص، هتكلموا وميشغلش تفكيركم أي حاجة. أنا قلت من أول يوم، إحنا معاكم في كل خطواتكم. احلموا واتحركوا، وإحنا وراكم." تجمعت الفتيات حول سمية بالأحضان، وهما سعداء باستكمال دراستهم الجامعية.
طلبت سمية تميمة تصطحبها للخارج ويتحدثا. فتحدثت إحدى الفتيات هامسة: "أكيد خلتنا نكمل عشان تميمة تكمل، ماهي اللي على الحجر." تحدثت فتاة أخرى: "مش بعيد لو طلبت تدخل جامعة خاصة، مش هتقولها لأ. أساسًا عمري ما شوفتها قالت لها لأ على أي حاجة." تدخلت نرمين: "تصدقوا؟
إنتوا مبيطمرش فيكم. من وقت ما جينا هنا، ولا مرة حسينا بتفرقة. رغم أيوه، تميمة أقرب واحدة فينا لماما سمية، ورغم إنها طلبت منها تعيش معاها وتميمة رفضت عشان متزعلوش. ولا حصل تميز، إنتوا اللي مبتشبعوش." "أيوه، محصلش تميز، لكن مكانة تميمة مختلفة." "بطلي غل بقى. المفروض تشيلي جميل تميمة عمرك كله إنها أنقذتنا من الجحيم اللي كنا فيه. تميمة لو وحشة كانت خلعت لوحدها. أفكرك بس إننا هنا بسبب تميمة. ها، تميمة."
"خلاص يا نرمين، مكنتش كلمتين." "احتفظي بيهم لنفسك، وسيبي تميمة في حالها." جلست تميمة برفقة سمية في الحديقة تنتظر جلال ليصطحبها للمنزل: "بكرة الصبح هعدي عليكم." "تمام." "مش محتاجة حاجة؟ "لا يا ماما، كل حاجة عندي. إنتي أصلًا مش مخلياني محتاجة حاجة." ابتسمت سمية وربتت على خدها بلطف: "هشام جاي بعد شهر." ابتسمت تميمة: "أيوه، ماهو قالي."
"أنا مبسوطة بقربكم لبعض. دايما مع بعض بتشجعوا وتسندوا بعض. إنتي مش محتاجة أقولك هشام عيلتك يا تميمة.. ولا حاجة تانية؟ "ها.. مش فاهمة حاجة تانية يعني إيه؟ "يعني حاجة حساها كده ولا كده. متتكسفيش." ضحكت تميمة: "يا ماما، إحنا قدامنا مستقبل، بدري أوي نفكر في الحاجات دي." نظرت
إليها للحظة وأمسكت يدها: "تميمة، أنا يمكن أكتر حاجة مؤثرة فيا إني لوحدي من غير عيلة. والعيلة الوحيدة اللي كنت فعلًا حساها عيلتي خسرتها. خسرتها بسبب مشاعري. أهلي متوفيين، وعيشت فترة في بيت أحمد طليقي، وهما احتوني بجد، حسيت إنهم عيلتي. لكن وقتها كنت تايهة وعاوزة طوق نجاة أتشعبط بيه، وهو كان الطوق ده وقتها. صدقت مشاعري ومشيت وراها، وبسبب كدا خسرته وخسرت عيلتي الوحيدة. لو مكنتش خسرتهم، كنا هنبقى على تواصل، وأحمد كان هيبقى عيلتي، مش هحس إني لوحدي. زي مثلًا يوم حادثة جلال، مفيش حد معايا. العيلة سند في وقت الأزمة. كنت
أتمنى وقتها حد يقول لي: فرملي مشاعرك، وهدي، إنتي صغيرة. المستقبل مختلف. لكن من خوفي أكون لوحدي، عيشت الحاضر والمستقبل وقتها بمشاعري اللي صدقتها وأنا صغيرة، والنتيجة زي ما إنتي عارفة. ولكن بعد مرور السنين، قابلت الحب بجد، الحب اللي استحقه، الحب اللي عوضني عن كل حاجة. قابلت جلال، وهو دا اللي يتقال عليه حب العمر فعلًا. لما تحبي، اسألي نفسك سؤال: هل الشخص دا أنا حابه أكون معاه ولا محتاجاه؟
تميمة، عاوزة أقولك هشام، أنا هبقى أسعد واحدة في الدنيا لو علاقتكم خدت شكل تاني، ولكن لما تكون صح وحقيقية، مشاعركم ورغبتكم تكون حقيقية متأكدين منها، مش مجرد فورة مشاعر واحتياج وهروب. مش عاوزاكي تتسرعي، خدي وقتك. مشاعرك حافظي عليها واتأكدي منها كويس، هتكون فين ولمين. هشام عيلتك الوحيدة يا تميمة من بعدي أنا وجلال، وهو ميستحقش يتجرح، ولا إنتي تستحقي تتجرحي. فأي تسرع هتخسري مشاعرك وهشام. أنا مش رافضة لو في حاجة، لكن تكون حقيقية وفي وقتها. اتأكدوا الأول من مشاعركم قبل ما تخطوا خطوة هيبقى صعب الرجوع عنها. فاهماني."
"متقلقيش يا ماما، أنا عمري ما هخسر هشام. متقلقيش. ولو في حاجة، أول حد هقولك إنتي." "وأنا مستنية.. ولو عاوزة حاجة منه، متتحرجيش، اطلبيها." "لا مش هتحرج. أنا أساسًا طلبت خلاص، وهيجيب وهو جاي." "تصبح ع خير." بعد ما أوصلت تميمة سمية إلى السيارة، عادت إلى غرفتها. هاتفها رن، وكان هشام: "اتش.." "إيه كل دا؟ لا إنتي رديتي ولا نرمين ولا البيت افتكرت اتخطفته." "كنا في اجتماع تحديد مستقبل مع ماما سمية."
"كده هتبيعيني وهتدرسي عندك، وأنا كنت عامل حسابي هتيجي هنا." "على ما أعتقد أدبي مبيدرش هندسة، صح؟ ولا في لندن غيروا نظام التعليم." "يا ناصحة، كنت هشوف لك دراسة تناسب شهادتك." "لا يا عم، خليني في بلدي، أكرملي. دا إحنا بنتكلم عربي بالعافية، عاوزني أتكلم إنجليزي." "يعني مش عشان البنات." "مالهم البنات؟ "كالعادة يا تميمة، لما تبقى قدامك فرصة بتضيعيها عشان ميضايقوش."
"ما إنت عارف، مش هينفع أكون سابقهم درجة. كلنا هنا متساويين." "ماشي يا متواضعة هانم. يعني هتدخلي تجارة، ونرمين أكيد اقتصاد منزلي قسم مطبخ." ضحكت تميمة: "هقولها، ويا ويلك منها، هتعملك فروت سلاط لما تيجي." "وإضافة آيس كريم، موافق." ضحكت تميمة، وتحدث هشام: "أنا كده هنام مبسوط." "ليه؟ عشان الفروت سلاط؟ "لأني سمعت صوتك." "يلا تصبح على خير."
أغلقا الهاتف كلاهما. استلقى هشام على السرير وأغمض عينيه وهو مبتسم. وغادرت تميمة الغرفة برفقة سماعات الهاند فري، وتوجهت إلى الحديقة الخلفية، وبدأت تشغيل الموسيقى والرقص عليها حتى أرهقت، واستلقت على الأرض تنظر إلى السماء. يتبع ....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!