تحميل رواية «الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس الألفا حول المائدة المستديرة في مقاعد نُقشت عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم في القاعة التي توسطت القصر القديم. خلف كل ألفا وقفت خادمة تلبي طلباته، وأمامهم رُصّت الأطباق وفناجين القهوة. كانوا يتهامسون عن عودة الألفا الملكي، الزعيم رعد، بعد شهور قضاها في العزلة بعد مقتل رفيقته. حيث رحل رعد إلى جبل بازيخ بعيدًا عن الناس، ليس معه أحد سوى خادمة صغيرة تدعى ماجي، وهبت نفسها لخدمة الألفا منذ نعومة أظافرها. كانت نظرات الترقب تطل من عيونهم، وهمسات الجنون تتحدث عن فقدان عقله، حتى البيتا الملكي آدم لم يكن...
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
لم تكن أرض المهجرين كأي أرض عرفها رعد من قبل.
كانت قاحلة في بعض أجزائها، وغارقة في الضباب في أجزاء أخرى.
لا شيء فيها بدا مستقرًا، حتى الهواء كان يحمل معه همسات غريبة، كأن المكان يتحدث بلغة لا يفهمها سوى من تخلوا عن ماضيهم هنا.
كل شيء هنا كان يعيش في الظل.
"ابقِ عينيك مفتوحتين،" قال رعد لجود، التي كانت تمشي خلفه بحذر، أنفها يلتقط الروائح المتداخلة في الأجواء.
"أنا أشمهم،" همست. "ليسوا وحدهم."
رعد لم يكن بحاجة إلى تحذيرها ليعرف ذلك، كان قد شعر بهم منذ اللحظة التي عبر فيها الحدود غير المرئية إلى هذه الأرض.
كانوا يراقبونه.
عند منعطف ضيق بين الصخور، قطع عليهم الطريق ثلاثة ذئاب.
لم يكونوا مجرد رحّالة أو صيادين، بل كانوا مقاتلين.
أجسادهم تحمل ندوبًا تروي قصصًا عن معارك سابقة، وأعينهم لا تخفي عدوانيتهم.
"لا أرى أحدًا هنا مرحبًا به،" قال أكبرهم، صوته أجش كحجر يُسحق تحت القدم.
رعد لم يتوقف. "أنا لا أبحث عن الترحيب."
ضحك الثاني، شاب أصغر لكن لا يقل خطورة. "إذاً ماذا تبحث عن؟"
"رجل."
نظروا إلى بعضهم، كأنهم يتبادلون حديثًا غير مسموع، ثم قال الأكبر: "كل من يأتي إلى هنا يبحث عن شخص، لكن بعضهم لا يعود أبدًا."
جود همست لرعد، "لا أعتقد أنهم سيتركوننا نمر بسلام."
رعد لم يكن يخطط لذلك أيضًا.
في اللحظة التي تحرك فيها الذئب الثالث، الأصغر والأسرع، كان رعد قد تحرك بالفعل.
انقضّ عليه، ضربه بقوة جعلته يطير إلى الخلف ويصطدم بالصخور.
لم ينتظر أن ينهض، بل استدار إلى الثاني الذي حاول مهاجمته من الجانب، فتصدى له بضربة خاطفة على ضلوعه، جعلته يتراجع وهو يلهث.
أما الأكبر، فقد كان الأذكى.
لم يهاجم مباشرة، بل راقب رعد، منتظرًا لحظة ضعف.
لكن رعد لم يمنحه هذه الفرصة.
في خطوة سريعة، كان قد أمسك به من عنقه، ودفعه إلى الأرض بقوة تكفي لتحطيم عظامه.
لكن رعد لم يقتله.
اقترب منه، صوته منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
"أنا لا أبحث عن معارك بلا معنى. أريد إجابة واحدة: أين الرجل الذي جاء إلى هنا قبل أشهر؟"
الرجل تأوه لكنه ضحك، بصوت مليء بالسخرية رغم الألم.
"أي رجل؟ هذه الأرض مليئة بالهاربين."
رعد ضغط أكثر. "الرجل الذي تبحث عنه ساحرة."
توقفت ضحكته، وعيناه ضاقتا بشك.
"إذا كنت تقصد هو… فهو ليس شخصًا يمكنك العثور عليه بسهولة."
رعد لم يتحرك. "لكن يمكنك إرشادي إلى المكان الذي بدأ منه، أليس كذلك؟"
تردد الرجل، ثم قال: "اتجه غربًا، ستجد قرية مهجورة عند النهر الأسود، إن كان لا يزال هنا… فآثاره ستكون هناك."
رعد لم ينتظر أكثر، أطلق سراح الرجل، واستدار إلى جود.
"هيا."
كانت الرياح تحمل معها أصواتًا غريبة وهم يعبرون نحو النهر الأسود.
لكن رعد لم يكن يفكر في الأشباح أو الأسرار التي تخبئها هذه الأرض.
كان يفكر فقط في وعده.
وكان مستعدًا لتمزيق أي شيء يقف في طريقه.
النهر الأسود.
لم يكن النهر مجرد مسطح مائي، كان أشبه بشق في الأرض، جرح قديم ينزف ظلامًا بدلًا من الماء.
سطحه لم يكن ثابتًا، بل كان يتحرك ببطء، كأن شيئًا في داخله ينبض بالحياة.
الماء لم يكن شفافًا، بل أسود كثيف، أقرب إلى الزيت المحترق منه إلى الماء.
كل من اقترب منه شعر أن العتمة فيه ليست مجرد لون… بل كيان يحدّق إليه.
الهواء هنا أثقل، كأنه محمّل بأصداء صرخات قديمة.
لم يكن هناك صوت واضح، فقط همسات بعيدة، كأن النهر يهمس بأسرار لا ينبغي لأحد سماعها.
الضباب فوقه لم يكن طبيعيًا، بل كأنه يتنفس، يتحرك بأشكال غير منتظمة، ينسحب فجأة ثم يعود ليغطي السطح كما لو كان يحرس شيئًا في الأعماق.
وقف رعد على الضفة، يراقب بعيون ضيقة. "هذا ليس نهرًا عاديًا."
جود هزّت رأسها، وقد بدا على ملامحها القلق. "لا أشم رائحة حياة فيه… فقط شيء آخر."
"شيء مثل ماذا؟"
نظرت إليه، ثم همست، كأنها لا تريد أن يسمعها شيء في النهر. "مثل الموت، لكنه لم يكتمل."
من وسط الضباب، خرج ظل يتحرك بسلاسة فوق الماء، طويل وهزيل.
لم يكن له ملامح بشرية، لكنه لم يكن حيوانًا أيضًا.
كان أشبه بظل رجل ممتد، جسده نحيل وكأنه يتكون من الضباب نفسه.
لكنه لم يكن وحده.
من الأعماق، بدأت رؤوس أخرى تظهر، عيون مضيئة بوهج شاحب، أجساد مغطاة بقشور سوداء كأنها انبثقت من قاع النهر نفسه.
لم تكن هذه المخلوقات تسبح، بل تزحف تحت السطح، تتحرك بطريقة غير طبيعية، وكأن النهر لا يحكم قوانينها.
واحد منها اقترب أكثر، فخرجت يده من الماء، أو ما يشبه اليد.
أصابع طويلة، كأنها مصنوعة من العظام المتآكلة.
جود تراجعت خطوة، أنيابها بادية. "إنها ليست كائنات حية كما نعرفها."
رعد لم يتحرك. لم يكن خائفًا، لكنه كان يراقب.
هذه المخلوقات لم تهاجم، لكنها لم تتراجع أيضًا.
وفجأة…
"لماذا جئتم إلى هنا؟"
الصوت لم يكن صادرًا من أي من المخلوقات.
بل جاء من النهر نفسه.
كان عميقًا، متحشرجًا، كأنه يحمل أصداء أصوات كثيرة مجتمعة.
رعد لم يجب فورًا، لكنه لم ينظر بعيدًا. "أنا أبحث عن رجل عبر من هنا قبل أشهر."
"الكثير يعبرون… القليل يعودون."
السطح تحرك، وكأن شيئًا عملاقًا في الأعماق غيّر موقعه.
"لماذا تبحث عنه؟"
جود التفتت إلى رعد، لكنها لم تقل شيئًا.
رعد أبقى نظره على الظلال، ثم قال بوضوح: "لأنني وعدت."
كان هناك صمت… ثم ضحكة، لكنها لم تكن ضحكة بشرية، بل كانت كالصدى يضرب الضفاف.
"الوعد… شيء ثمين هنا."
ثم، شيء ما بدأ يتشكل في الضباب.
ظلال في الماء.
رعد لم يكن بحاجة لمن يخبره أن هذه المخلوقات لم تكن مجرد حراس للنهر، بل النهر نفسه.
عادت الحركة إلى الماء. هذه المرة، كانت أبطأ… وأكثر خبثًا.
ثم ظهر شيء جديد.
شيء خرج من أعماق النهر، ليس مخلوقًا كالأخرى، بل يد.
فجأة، تحرك الماء.
لم يكن مجرد اهتزاز على السطح، بل كان كأنه استيقظ بالكامل، وكأن شيئًا في أعماقه قرر أن الوقت قد حان.
رعد شعر بالضغط يتزايد حوله، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة.
الأرض التي يقفان عليها لم تعد ثابتة، بل بدأت تنحني، تغوص ببطء في الطين الأسود.
ثم انفجر النهر.
لم يكن موجة، بل يد ضخمة من الماء المظلم، امتدت نحوهما بسرعة هائلة، وكأنها مخلوق بحد ذاته، لا مجرد ماء.
"رعد!" صرخت جود، لكن لم يكن هناك وقت للتحذير.
ابتلعتهما الظلمة.
لم يكن السقوط في الماء مجرد سقوط عادي.
كان أشبه بالتمزق، وكأنهما لم يغرقا، بل تم سحبهما إلى بعد آخر.
لم يكن هناك إحساس بالحرارة أو البرودة، فقط فراغ.
لكن الفراغ لم يكن صامتًا.
كان هناك همسات.
أصوات بعيدة، بعضها كان يضحك، بعضها كان يبكي، وبعضها كان يهمس بأسماء لم يفهموها.
ثم… اصطدموا بشيء صلب.
لم يكن قاع النهر.
كان سجن النهر الأسود.
لم يكن ما سقط فيه رعد وجود مجرد نهر.
كان عالماً مستقلاً، مختبئاً داخل الماء، لا يمكن لأحد الوصول إليه إلا إذا اختاره النهر بنفسه.
كان الظلام مطبقًا، لكنهما لم يموتا، لم يختنقا كما يفترض أن يحدث تحت الماء.
بدلاً من ذلك، وجدا نفسيهما قادرين على التنفس، لكن الهواء كان مختلفًا.
ثقيلًا، محملاً بطعم صدأ وكبريت، وكأنه لم يكن موجودًا منذ قرون.
أجسادهم لم تكن تطفو، ولم تكن تغرق، بل كأنهم سقطوا في بعد آخر داخل المياه نفسها.
كان النهر حيًا.
كل شيء فيه يتحرك، الجدران السائلة من حولهم كانت تلتف، تتغير، كأنها تحاول فهمهم أو التلاعب بهم.
لم تكن المياه عادية، كانت كثيفة مثل الدخان، لكنها شفافة بما يكفي لرؤية الأهوال التي تحيط بهم.
لم يكن هناك قاع، بل كان هناك سجن.
قفص ضخم، مصنوع من أضلاع عملاقة متشابكة، كأنها بقايا كائن مات منذ العصور الأولى.
لم تكن حديدًا، لم تكن عظمًا، بل شيئًا بينهما، ينبض وكأنه لا يزال حيًا.
أُلقي بهما داخله، بقوة جعلتهما يرتطمان بأرض القفص التي كانت مصنوعة من طين أسود متماسك، ينبعث منه ضوء خافت، كأنما يخفي تحته شيئًا أخطر.
كان المكان مزدحمًا.
مخلوقات… ليست بشرًا، وليست ذئابًا، لكن كلاهما في الوقت ذاته.
بعضهم كانوا ذئابًا مشوهة، أجسادهم نصف متحجرة، وأعينهم تحترق بضوء أزرق غريب، كأنهم فقدوا أنفسهم منذ وقت طويل.
البعض الآخر كانوا كائنات بلا ملامح، أشباح مائية، تتحرك ببطء، همساتها تملأ المكان، لكن لا يمكن فهم كلماتها.
ثم كان هناك الأقدم.
في زاوية القفص، كان هناك ذئب هائل، أكبر من أي ذئب رآه رعد في حياته.
لم يكن مجرد ذئب، بل كائن قديم، غارق في العصور.
عيناه كانتا فارغتين، لكنه كان يراقب.
كأنما كان ينتظرهم.
الصوت العميق.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
"أنتم الآن جزء من النهر."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
سجن النهر الأسود لم يكن مجرد مكان، بل كان كابوسًا متجسدًا، عالمًا بأكمله غارقًا في المياه الداكنة، حيث يُعلق المساجين في الفراغ، بين التيارات التي لم تكن تتحرك وفق قوانين الطبيعة، بل وفق إرادة شيء أقدم وأقسى.
كان رعد داخل قفص من الحديد الأسود، معلقًا في الفراغ، كأن لا شيء تحته سوى الماء اللامحدود. كانت السلاسل التي تربط القفص تمتد في كل اتجاه، بعضها يصعد نحو الأعلى، والبعض الآخر يغطس عميقًا في الظلام، كأنها لم تُخلق لتُفك يومًا.
وبجانبه… كانت جود.
كانت مستلقية على الأرضية المعدنية، تتنفس بصعوبة، فراؤها مبتل بالكامل، وعيناها لم تفتحا بعد.
“جود؟”
لم ترد، لكنها تحركت قليلًا، كأنها تكافح للعودة إلى الواقع.
لكن قبل أن يحاول إيقاظها، سمع صوتًا.
ليس صوت الماء.
ليس صوت الحديد.
بل أنفاس ثقيلة… قريبة.
رفع رأسه، وعندها فقط أدرك أن قفصه لم يكن الوحيد. من حوله، في العتمة التي لم تكن عتمة بالكامل، كانت هناك أقفاص أخرى. بعضها مُعلق في الأعلى، يتأرجح مع التيارات السوداء، وبعضها غارق حتى نصفه، كأن النهر يحاول التهام من بداخله ببطء.
في القفص المقابل له مباشرة، كان هناك ذلك الذئب. كان جالسًا بصمت، رأسه مائل إلى الجانب، وعيناه مغمضتان كأن وجوده هنا لا يعنيه. لم يكن يتحرك. لم يكن يتحدث. لكن رعد شعر أن هذا الذئب رآه. حتى لو لم يفتح عينيه بعد.
كان هناك سجناء آخرون أيضًا.
في القفص القريب، كان هناك رجل بشري، لكن نصفه لم يكن موجودًا… أو ربما كان موجودًا بطريقة لم يستطع رعد فهمها. كأن جسده كان عالقًا بين عالمين، يتحرك ببطء كأن الهواء والماء يمرّان من خلاله في نفس الوقت.
في قفص آخر، كانت هناك ذئبة بيضاء، ساقاها الخلفيتان مقيدتان بسلاسل مغروسة في لحمها، لكن عيناها كانتا مفتوحتين، تحدقان في الفراغ، كأنها ترى شيئًا لا يستطيع أحد غيرها رؤيته.
وفي زاوية بعيدة، كان هناك مخلوق لم يكن بشريًا، ولا ذئبًا، ولا حتى وحشًا. كان طويلًا بشكل غير طبيعي، أطرافه ملتوية كأن جسده لم يكن مصممًا لهذه الحياة، رأسه مائل، وصدره كان يرتفع وينخفض بتناغم غريب مع ضربات النهر.
لكن القفص الأعمق، القفص الذي بدا أقدم من النهر نفسه، احتوى الذئب الذي لم يكن مثل البقية. لم يكن يتحرك. لم يكن يقاوم. كان مجرد هناك.
وحين فتح عينيه أخيرًا، لم يكن فيهما غضب… ولا خوف… ولا استسلام. بل شيء آخر تمامًا. شيء جعل رعد يتجمد في مكانه.
أدرك رعد الان موقفه انه فى سجن لا يعرف عنه احد اى شيء ومن غير الوارد ان يقوم أحد بانقاذه ومن غير الوارد أيضآ ان ينجح فى الهرب فقد كان واضحا ان كل السجناء حاولو الهرب بلا فائده. إذا كان ذلك الذئب الضخم يجلس فى مكانه بسكون، ماذا بإمكان رعد ان يفعل!؟
كان رعد يعلم أن التحدي المباشر ضد رعد أشبه بالانتحار. لو كان الألفا هنا، حاضرًا بينهم، لما كان لديه أي فرصة، مهما بلغت قوته.
لكن رعد لم يكن هنا.
رعد اختفى—غاب في ظلامٍ لم يعرفه أحد، ولم يعد.
وهنا، فقط، بدأ كين يرى الفرصة. لكن حتى الفرص تحتاج إلى من يدفعها… من يُطلق الشرارة.
وبالنسبة لكين، كانت تلك الشرارة باتريكا.
لقد جاءت إليه بهدوء، كما تفعل دومًا. ليست كغيرها، لا ترفع صوتها، لا تفرض حضورها بالعنف. بل تتسلل مثل الماء، تتسرب إلى الشقوق الصغيرة في الجدران حتى تُحطمها من الداخل.
“ألم يحن الوقت، كين؟”
نظر إليها، متيقظًا، لكنه لم يُجب.
فابتسمت، كما لو كانت تعلم أنه سيسمعها حتى لو لم يُجب.
“رعد انتهى.” همست، نبرتها ناعمة، لكنها تقطع مثل النصل. “لن يعود، حتى لو كنت تنتظر ذلك. لا أحد يعود من هناك، كين.”
هنا، أخيرًا، تحدث كين.
“أين هو؟”
لكن باتريكا هزّت رأسها.
“الأهم… أين أنت؟”
كان في السؤال شيء غريب. لم يكن مجرد استفسار، بل كان اختبارًا. ولسبب لم يفهمه في البداية، شعر كين أن الإجابة ستُحدد مصيره.
لم يكن يحب رعد، لكنه احترمه. احترم قوته، مكانته. لكن الآن…؟
القطيع بلا قائد.
وهو ليس مجرد تابع.
لقد حان وقته.
“أنا هنا.” قالها أخيرًا، بصوت ثابت، دون تردد.
وكأنها كانت تنتظر ذلك بالضبط، ابتسمت باتريكا.
ومن هنا، بدأ كل شيء.
هي لم تأمره، لم تدفعه علنًا، بل أقنعته أن القرار قراره. أن القطيع بحاجة إليه. أن الانتظار غباء، وأن الفرصة لن تأتي مرة أخرى.
وهكذا، حين خطا كين إلى الساحة، لم يكن مترددًا، لم يكن خائفًا. رفع رأسه، نظراته تحدّت كل من وقف أمامه.
“الألفا مات.” قالها بلا تردد، بلا لحظة صمت واحدة، وكأنه لم يكن يشك في ذلك منذ البداية. “أنا القائد الآن.”
لم يكن كين مثل رعد، لم يكن يملك هدوءه، صبره، أو ذلك الصمت الذي يُخيف أكثر من الصراخ.
كين لم يكن يحتاج إلى الاحترام… بل إلى الخضوع.
وحين يكون الحاكم ضعيفًا، لا يجد طريقة لحكم قومه سوى بإرهابهم.
أول قانون فرضه كين؟
“الضعيف لا مكان له.”
بدا بسيطًا في البداية، واضحًا، لكنه لم يكن مجرد كلمات. لقد بدأ بالتخلص منهم—أولئك الذين لم يقدروا على القتال، كبار السن الذين لم يعودوا قادرين على الركض، الجرحى الذين لم يشفوا بعد.
“لا يمكننا حمل أعباء من لا يستطيعون حماية أنفسهم.” قالها بصوت هادئ، كما لو كان يُقرر شيئًا لا جدال فيه.
لم يقل أحد شيئًا. لكن حين جاءت أول لحظة تطبيق… أدرك الجميع أن كلماته لم تكن تهديدًا فارغًا.
في أحد الأيام، اختفى أربعة من أفراد القطيع. لم يعودوا. وحين سأل أحدهم عنهم، لم يحصل على إجابة. لكنه لاحظ كيف لم يجرؤ أحد على ذكر أسمائهم بعد ذلك.
“كل من يعارض، يُصبح عبرة.”
كين لم يتحمل المعارضة، لم يقبل بها حتى كاحتمال. وأول من تجرأ على التشكيك في حكمه… كانت نهايته دليلًا. لم يُقتَل في معركة، لم يُمنح حتى فرصة القتال. تمت ملاحقته في الليل، صيده مثل فريسة، وفي الصباح… وُجد جسده مرميًا في منتصف الساحة، لكي يراه الجميع. لم يكن موتًا عاديًا. لقد كان رسالة.
“هذا ما يحدث لمن يشكّك.”
ومنذ ذلك اليوم، لم يعترض أحد.
“كين فوق الجميع.”
حتى أقوى الذئاب فهموا أن الخضوع له لم يكن خيارًا، بل حتمية. لقد أخذ كل شيء. أخذ القطيع، أخذ السلطة، أخذ القوة. وأي شخص تجرأ على أن يحلم بأخذ شيء منه… كان يختفي قبل أن يُفكر في الأمر مرتين.
باتريكا كانت إلى جانبه دائمًا، عيناها تراقبان كل شيء، لكن دون أن تتدخل علنًا. كين كان الواجهة. لكن هل كان الحاكم الحقيقي؟ لم يسأل أحد، لأن السؤال وحده قد يكون كافيًا لقتلك.
وهكذا، في أقل من شهر، أصبح كين ملكًا على الرماد.
القطيع لم يعد كما كان. لم يكن عائلة. لم يكن قوة. بل كان مجرد ظلٍ لما كان عليه في عهد رعد. لكن الجميع كانوا يعرفون أمرًا واحدًا… لا أحد يجرؤ على قول اسمه بعد الآن.
رعد؟
إنه ميت.
رعد لعن.
رعد سبب فى موت كل من يذكر اسمه او يتحدث عن ذكراه.
كان الانقلاب مفاجيء للدرجه التى لم يفلح معها نوار ولا ادم فى التصدى له. وضعهم كين تحت الاقامه الجبريه، لقد وجدو أنفسهم مضطرين للخضوع لكين بعد أن نسف كل القوانين. وضعت الحراسه امام قصر رعد وقصر ادم، ممنوع الدخول او الخروج الا بأذن من كين نفسه. حتى ادم الذى كان مضطر للقيام برحلات من أجل مصلحة القطيع واعماله الخارجيه كان مضطر للطاعه وعدم الخيانه لان كين كان يحتفظ بزوجته تاهيلا تحت يده.
أصبح كل البشر داخل القطيع عبيد لكين.
ساره، ليندا والكثير الذين كانو يعيشون حياه طبيعيه كان كين يتعقد انهم عرق أدنى من الذئاب.
حركت ماجى الورقه بين يديها، لقد قال رعد انه اذا لم يعد فإنها تعرف ما عليها فعله. لكن الخطه تغيرت. كين استولى على كل شيء، ربما انها الوحيده القادره على التحرك بحريه لأنها مجرد خادمه. بينما اجبرت لينا وتاهيلا وبقية الوصيفات محبوسات داخل القصور يتعرضون لمضايقات حراس كين.
ماذا بإمكانها ان تفعل امام الالفا؟ لقد خضع كل الالفا الأخرين لكين وهى مجرد ذئبه. لو كان نوار حر طليق لكان بإمكانه وضع خطه. لكن نوار اخ رعد محبوس هناك مقيد بالسلاسل فى قبو قصره يعامل معاملة الكلاب الأليفه.
قال كين ان رعد مات لكنها تشعر ان رعد حي فى مكان ما. كان تواصلها معه مستمر لايام حتى انقطع فجأه عن حدود النهر الأسود. كانت الرابطه التى بين رعد وماجى قويه جدا وممتده من سنين. وكان عليها ان تتصرف. كانت تدرك ان مصيرها على المحك. لكن إذا كان رعد يحتاجها لابد أن تكون جواره.
تسحبت ماجى قبل الفجر. كانت ميجا ملكيه فى النهايه وتتمتع بقوة لا يستهان بها. كانت تعرف باب خلفى سرى لا يعرف احد. اعترض طريقها حارسان تخلصت منهم بسهوله. ثم فتحت الباب السرى ودخلت القصر. وجدت لينا فى غرفتها. الاميره الملكيه والوصيفات الملكيات. ثم حررت نوار من حبسه. كان لديهم وقت محدود جدا، لذلك عندما طلب ادم من رفيقته تاهيلا ان تتبعه، أضطر أن يتركها خلف ظهره.
تاهيلا التى القت بنفسها فى حضن كين لطالما كانت محبه للسلطه. تاهيلا لم تكتفى برفض الرحيل بل قصدت كين لتخبره عن الخيانه. كان كين فى حضن كيا واضطر حراسه ان يطلبو منها الانتظار. فلا أحد يرغب بازعاج كين.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
تحركت ماجي بسرعة، تقود نوار ولينا عبر الممرات المظلمة. كانت تعرف كل زاوية، كل مخرج مخفي، لكنها كانت تدرك أن الوقت ينفد.
"يجب أن نخرج قبل أن يكتشف كين الأمر!" تمتمت، تسابق أنفاسها خطاها.
لكنها توقفت فجأة عندما شعرت بشيء… إحساس غريب، كأن شخصًا ما يراقبهم.
استدار نوار، حواسه متوترة. "هناك من يتبعنا."
لم يكن هذا مفاجئًا، فقد كانت تاهيلا تعرف أنهم سيهربون، وقد أعطت كين المعلومات. السؤال كان: هل وصلته بعد؟
في تلك اللحظة، داخل قصره، كان كين ينهض عن سريره ببطء، ينظر إلى تاهيلا التي كانت جالسة على الأرض أمامه، رأسها منخفض، لكنها لم تكن خائفة.
"أعد ما قلته." قالها بصوت بارد، بالكاد يعبّر عن اهتمام.
رفعت رأسها، عيناها تشعان بوميض خفي. "نوار هرب… ولينا معه."
لم يظهر أي تعبير على وجه كين، لكنه استدار ببطء، مدّ يده إلى سترته التي كانت معلّقة على الكرسي، وارتداها بلا عجلة.
كيا، التي كانت لا تزال على السرير، تمطت بكسل، نظرت إليه بابتسامة بطيئة. "هل ستلحق بهم؟"
أجاب دون أن يلتفت: "لا حاجة."
ثم نظر إلى أحد حراسه. "أحضروا لي الصياد."
لم تكن ماجي تدرك أنهم أصبحوا مطاردين بالفعل، لكن غرائزها كانت تصرخ أن هناك شيئًا خاطئًا. حين وصلت إلى البوابة الخلفية، توقفت فجأة.
"ماجي؟" همست لينا، متوترة.
لكن ماجي كانت تنظر إلى الظلام أمامها. كان يجب أن يكون الطريق خاليًا. كان يجب أن يكون المخرج آمنًا. لكن هناك… كان شخص ما يقف هناك.
شخص لم يكن يجب أن يكون هنا.
نوار تجمد بدوره، ثم شهق بحدة. "لا…"
لكن الصوت الذي جاءهم من الظلال كان هادئًا، متزنًا، مثل فأس تسقط على رأس محكوم بالإعدام.
"إلى أين تعتقدون أنكم ذاهبون؟"
ومن الظلام، ظهر وجه مألوف—وجه لم يتوقعوا رؤيته هنا.
الصياد.
كان أقوى مقاتل في القطيع بعد كين. وكان هنا الآن، يسد طريقهم بابتسامة هادئة، كأن المعركة لم تكن سوى لعبة أخرى بالنسبة له.
"هيا، لا تجعلوا الأمور صعبة." قال وهو يخطو للأمام، كل حركة منه تنذر بالخطر.
لكن ماجي لم تنتظر.
هجمت.
انطلقت مثل سهم، سريعة وقاتلة، أظافرها تحولت إلى مخالب وهي تهاجم الصياد مباشرة، تستهدف عنقه.
لكن الصياد كان أسرع.
تحرك بمهارة، وكأنه توقع هجومها مسبقًا، تفادى ضربتها بانحناءة بسيطة، ثم دار حولها بضربة خاطفة، قبض على معصمها وأدار جسدها بعنف، دافعًا إياها نحو الجدار الحجري خلفها.
لكن ماجي لم تكن ضعيفة.
استندت بقدميها إلى الحائط، واستغلت الارتداد لتندفع مجددًا، تدور في الهواء لتوجه له ركلة إلى جانبه، جعلته يترنح خطوة إلى الوراء.
"ماجي، لا!" صرخت لينا، لكن ماجي لم تستمع.
كان نوار يراقب الصراع، يده مشدودة إلى سلاح صغير كان يحمله في خفاء، لكن الصياد لم يكن وحده.
من خلفه، تحركت ظلال أخرى.
حراس كين.
"إنهم كثيرون!" تمتم نوار، يحدق بقلق.
كانوا محاصرين.
لكن ماجي لم تتوقف.
رأت في عيني الصياد لمحة من الحذر… لم يكن يتوقع منها كل هذا العنف، لم يكن يتوقع أن تقاتل بهذه الضراوة.
وكانت هذه فرصتها.
تحركت بسرعة، انخفضت لتفادي قبضته، ثم وجهت لكمة مباشرة إلى ضلوعه، تبعتها بصفعة قوية إلى رأسه، لكنها لم تتوقع أنه سيتحملها دون أن يهتز.
أمسكها من كتفها، ثم دفعها أرضًا بقوة.
سقطت على الأرض، شعرت بألم في ظهرها، لكن قبل أن يتمكن من تثبيتها، دارت على نفسها ووجهت له ضربة بقدمها، مستهدفة ركبته.
أطلق الصياد شهقة ألم، ترنح قليلًا، لكن الغضب اشتعل في عينيه.
"لقد أخطأتِ، ماجي."
في تلك اللحظة، قبل أن يتمكن الصياد من الهجوم مجددًا، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
أحد الحراس سقط أرضًا. ثم آخر.
شخص ما كان يتحرك في الظلال، بسرعة لا تُرى.
"ماذا؟!" صرخ الصياد، يستدير نحو الحراس الذين بدأوا في السقوط واحدًا تلو الآخر.
ثم، ظهر…
رجل.
لم يكن مجرد مقاتل آخر.
كان آدم.
"كنت أعلم أن تاهيلا ستفعلها." قال بصوت هادئ، يقف بجانب ماجي، يساعدها على النهوض.
نوار نظر إليه بصدمة. "كيف…؟"
لكن آدم لم يجب، بل نظر إلى الصياد مباشرة، بابتسامة باردة.
"حسنًا… لنرَ إن كنت حقًا أفضل مقاتل لديك، كين."
الصياد لم يتراجع. على العكس، اتخذ وضعية القتال مجددًا، عيناه تضيقان وهو يحدق في آدم. كان يعلم أن آدم ليس مجرد منافس عادي. كان صيادًا أيضًا، لكنه لم يكن كأي صياد… كان صيادًا سابقًا للملوك، يعرف كيف يقاتل، كيف يصطاد، وكيف يقتل.
لكن آدم لم يكن يخاف.
"لن تكون معركة طويلة." قال بهدوء، ثم انطلق.
لم يكن هناك تردد.
تواجه الاثنان بسرعة هائلة، كل ضربة كانت قاتلة، كل حركة مدروسة.
الهواء امتلأ بصوت التصادم، أقدامهما تحفر الأرض، كل واحد منهما يبحث عن نقطة ضعف الآخر.
الصياد وجه لكمة إلى صدر آدم، لكن آدم تفاداها بانحناءة دقيقة، ثم رد بركلة جانبية أصابت ضلع الصياد بقوة، جعلته يترنح.
ماجي، نوار، ولينا كانوا يراقبون بصمت، يعلمون أن التدخل قد يفسد الإيقاع. كان آدم في مستوى آخر، يتحرك كما لو كان يعرف ما سيفعله خصمه قبل أن يفعله.
لكن الصياد لم يكن سهلًا.
استعاد توازنه بسرعة، ثم هجم مجددًا، لكن هذه المرة بأسلوب مختلف. بدلًا من استخدام قوته المباشرة، استغل رشاقته، بدأ يراوغ، يحاول استدراج آدم إلى حركة خاطئة.
لكنه ارتكب خطأ.
آدم لم يكن فقط مقاتلًا، كان قارئًا للمعارك.
وفي لحظة واحدة، أمسك بمعصم الصياد، سحب ذراعه بزاوية مستحيلة، ثم بضربة واحدة—كسرها.
صرخة الألم ملأت المكان.
لكن آدم لم يتوقف.
استغل اللحظة، دفع الصياد إلى الحائط، ثم بدون تردد… قطع عنقه.
سقط الصياد أرضًا، بلا حياة.
كانت النهاية سريعة… نظيفة… وحاسمة.
لكن لم يكن هناك وقت للراحة.
"علينا الهرب الآن." قال نوار، ينظر إلى الحراس الذين بدأوا يقتربون.
ماجي لم تتردد، أمسكت بيد لينا، بينما أمسك آدم بسلاحه مجددًا، يستعد لاختراق الجدار البشري الذي بدأ يتشكل حولهم.
ثم، بدأوا الركض.
الغابة كانت أمامهم، والظلام كان حليفهم الوحيد.
لكن خلفهم…
كان كين لن يرحمهم.
وكانت هذه… بداية المطاردة.
ركضوا.
أقدامهم مزقت الأرض الرطبة، أنفاسهم تتلاحق، والغابة من حولهم تحولت إلى متاهة من الظلال والأغصان المتشابكة. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط الجري، النجاة، الإفلات من قبضة كين التي لن تتوقف حتى تمزقهم أشلاء.
"إلى أين؟!" صرخت لينا، بالكاد تلتقط أنفاسها.
نوار أجاب دون أن يلتفت: "الكهف… كهف لازيخ!"
ماجي شدّت على يد لينا، لم تكن تعرف القصة كاملة، لكنها سمعت الأساطير… كهف لازيخ لم يكن مجرد كهف، كان مسكنًا لروح ساحرة يُقال إنها ماتت هناك منذ قرون، لكن روحها بقيت، تحرس المكان، تحكمه، ولا تسمح لأحد بالدخول إلا بثمن.
"أنت مجنون؟!" صرخت ماجي، لكن نوار لم يرد.
خلفهم، أصوات الحراس كانت تقترب.
آدم استدار للحظة، نظر إلى الظلال المتحركة خلفهم، ثم قال بصوت بارد: "ليس لدينا خيار آخر."
كان الطريق وعرًا، مليئًا بالجذور المتشابكة والصخور الزلقة، لكنهم استمروا، مدفوعين بالخوف… وبالأمل الضعيف بأن الكهف قد يكون ملاذهم الوحيد.
ثم، ظهر.
كهف لازيخ.
مدخله كان فاغرًا مثل فم وحش أسود، باردًا، مريبًا. الأشجار المحيطة به بدت وكأنها تميل نحوه، جذوعها ملتوية بشكل غير طبيعي، كما لو كانت تحاول الهرب لكنها عالقة في لعنة أبدية.
توقفوا للحظة عند المدخل، قلوبهم تنبض بجنون.
ثم… هبّت الريح.
كانت باردة، ليست كأي ريح أخرى… كأنها لم تأتِ من الغابة، بل من الداخل، من أعماق الكهف نفسه.
"إنها تشعر بنا…" تمتمت لينا، جسدها يرتجف.
ثم، بصوت لم يكن بشريًا تمامًا، جاء الهمس:
"من أنتم… ولماذا جئتم؟"
صوت أنثوي، قديم، محمل بصدى العصور. لم يكن يأتي من مكان محدد، بل من كل الاتجاهات، كما لو أن الكهف نفسه يتحدث.
نظروا إلى بعضهم البعض… ثم، ببطء، تقدم آدم.
"نحن هاربون." قال بصوت ثابت. "نبحث عن مأوى."
ساد الصمت للحظات… ثم جاء الرد.
"كل من يدخل كهفي… عليه أن يدفع الثمن."
نوار ابتلع ريقه. "وما هو الثمن؟"
هبت الريح مجددًا، هذه المرة أكثر برودة، كأنها تمر عبر أرواح غير مرئية.
ثم جاء الرد، بصوت أشبه بالضحكة البعيدة.
"هذا… ما سأقرره لاحقًا."
وفجأة… انفتح الكهف أمامهم.
وصوت مختلف صارم، صرخ، دفع الثمن مسبقاً كان يتوقع حضوركم.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
عندما فتحوا أعينهم، لم يكونوا في الغابة بعد الآن.
كانوا في قفص.
الجدران من حولهم لم تكن حجرية، بل مصنوعة من مادة غريبة، كأنها مزيج بين العظام والأخشاب السوداء الملتوية. كانت تتنفس، تتمدد وتنكمش ببطء، كأن المكان كله كائن حي. الهواء كان مشبعًا برائحة نفاذة… خليط من الأعشاب المجهولة والدم.
لينا كانت أول من تحدث، بصوت مهزوز:
"أين… نحن؟"
لكن قبل أن يجيب أحد، فتح الباب.
دخلت الساحرة.
كانت أطول مما بدت في الغابة، أو ربما كان الظلام يجعلها تبدو كذلك. شعرها الأسود الطويل كان ينساب حولها كظلال تتحرك بإرادتها، وعيناها كانتا بلون غير ثابت، يتغير بين الأخضر السام والأصفر المميت.
"أهلاً بكم في مختبري." قالت بصوت ناعم، لكنه يحمل خلفه شيئًا لا يمكن وصفه.
ثم استدارت، وسارت عبر الممر المظلم. لم يكن أمامهم خيار إلا أن يتبعوها.
ما رأوه بعد ذلك لن ينسوه أبدًا.
الغرفة التي دخلوا إليها لم تكن كهفًا عاديًا، بل مختبرًا مليئًا بالكائنات المشوهة. أقفاص زجاجية احتوت مخلوقات لم يروا مثلها من قبل:
ذئب بعين واحدة، وعظامه مكشوفة من جانبه، لكنه لا يزال يتحرك وكأنه لا يشعر بالألم.
غراب بأجنحة خضراء مغطاة بطبقة من الأوردة النابضة، كأنه زرع أعشابًا داخل جسده.
ثعبان برأسين، أحدهما يهمس بلغة غير مفهومة، والآخر يصرخ بلا توقف.
ماجي شهقت، تراجعت خطوة إلى الوراء.
"ما هذه الأشياء؟!"
الساحرة ابتسمت، لم تلتفت إليهم.
"نماذج أولية."
ثم اقتربت من طاولة في منتصف الغرفة، حيث وُضعت أعشاب وأدوات غريبة، بعضها ينبض كأنه حي.
"كل شيء هنا يأتي من الطبيعة… لكن ليس كما تعرفونها."
على الطاولة، كانت هناك أنواع مختلفة من الأعشاب، بعضها كان مألوفًا، لكن معظمها لم يكن كذلك. بعض الأسماء التي ذكرتها الساحرة جعلت القلق يزحف في أعماقهم:
نبتة الظل الأسود: تبدو كزهرة بنفسجية صغيرة، لكنها عندما تلمس الجلد، تنمو جذورها داخله وتمتص دم حاملها.
أوراق العدم: ورقة بيضاء تمامًا، لا تترك ظلًا، وتستخدم لطمس الذاكرة.
زهرة نايشرا: زهرة متوهجة تصدر نبضات ضوئية، ويُقال إنها تفتح العيون على "ما لا يجب رؤيته".
عشبة الجحيم الصامت: عشبة تنمو فقط في أماكن الموت، تجعل من يتناولها غير قادر على الصراخ حتى وهو يحترق.
دموع البئر: مادة سائلة تُستخرج من نبات يشبه اللبلاب الأسود، يسبب هلوسات تجعلك تعيش أسوأ مخاوفك وكأنها حقيقية.
ماجي نظرت إلى الطاولة بذهول.
"لماذا… لماذا تحتفظين بهذه الأشياء؟"
الساحرة رفعت رأسها ونظرت إليها بابتسامة بطيئة.
"لأجل الطقوس، طبعًا."
أشارت الساحرة إلى دائرة مرسومة على الأرض، محفورة بدماء جفت منذ زمن. كانت هناك رموز غريبة متناثرة داخلها، بعضها يتحرك ببطء، كما لو كان ينبض بالحياة.
"هناك قوى في هذا العالم… نائمة." قالت، عيناها تتوهجان. "لكنها لا تبقى نائمة إلى الأبد."
ثم اقتربت من إحدى الطاولات، حيث كان هناك جلد بشري قديم مكتوب عليه بلغة من العصور المنسية. مرت أصابعها عليه برفق، كأنها تستشعر طاقة خفية.
"بعض الطقوس تحتاج إلى تضحيات."
ثم استدارت نحوهم.
"وبعضها… يحتاج إلى متطوعين."
عندما نطقت الساحرة بكلمتها الأخيرة، شعر نوار بشيء بارد يزحف في عموده الفقري.
"متطوعون؟"
عيناها الغريبتان تلاعبتا به، وكأنهما تختبرانه. لكنه لم يكن بحاجة إلى تفسير إضافي. فهم ما تعنيه. فهم أنه إذا لم يجد طريقة للخروج، فلن يخرجوا أبدًا.
جلس في زاوية القفص، يراقب، يفكر، يحسب الاحتمالات.
الخروج بالقوة كان مستحيلاً. الأقفاص ليست من الحديد أو الخشب، بل من مادة حية غريبة، كأنها تمتد إلى الأرض نفسها. حتى لو حاول كسرها، لم يكن واثقًا مما سيحدث… وربما كان الخطر أكبر من الفائدة.
التفاوض؟ لا… الساحرة لم تكن من النوع الذي يساوم. كانت تلعب وفق قوانينها الخاصة.
بدأ بمراقبة التفاصيل الصغيرة.
لاحظ أن الساحرة تستخدم أعشابًا معينة بشكل متكرر، وكأنها تحتاج إليها في كل طقوسها.
لاحظ أن بعض الأقفاص لم تكن مغلقة تمامًا، بل تنفتح للحظات عند دخول المساعدين الغرباء.
لاحظ أن الضوء داخل الكهف لم يكن طبيعيًا… كان يأتي من شقوق في الجدران، مما يعني وجود مخرج محتمل في الأعلى.
والأهم… لاحظ أن الساحرة كانت تراقبهم، لكنها لم تكن تراقب آدم.
آدم… أين اختفى؟
كان اختفاؤه محيرًا، لكنه لم يكن عشوائيًا. لا شيء يفعله آدم يكون بلا سبب.
وهذا يعني شيئًا واحدًا:
آدم ربما وجد طريقة للهروب بالفعل.
نوار لم يكن شخصًا يتصرف باندفاع. كان يعرف أن أي خطأ قد يعني موتهم جميعًا. لذلك، بدأ يختبر الأشياء بحذر.
عندما أحضرت الساحرة الطعام، لاحظ أن أحد أتباعها كان يحمل زجاجة صغيرة تحتوي على مسحوق رمادي—ليس طعامًا، بل شيء آخر. ربما مخدر؟ سم؟ شيء يستخدم في الطقوس؟
وعندما قامت الساحرة بإشعال نار صغيرة قرب أحد المخلوقات المشوهة، رأى كيف أن بعض الأعشاب احترقت بلون أزرق، وأطلقت دخانًا جعله يشعر بدوار بسيط.
وعندما تحدثت عن "المتطوعين"، لم تكن تنظر إليهم جميعًا… بل نظرت إلى ماجي.
نوار لم يحب ذلك أبدًا.
إذن… ماذا لو استخدم كل هذه التفاصيل؟
ماذا لو استطاع إيجاد طريقة لاستعمال تلك الأعشاب، ذلك المسحوق، تلك اللحظات الصغيرة التي تغفل فيها الساحرة عنهم؟
ماذا لو استطاع قلب الطقوس ضدها؟
جلس نوار في مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا. خطته لم تكن مكتملة بعد، لكنه كان يملك شيئًا أهم:
بداية.
والبدايات… هي كل ما يحتاجه للهرب.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن أمام نوار خيار سوى التحرك بسرعة، لكن بذكاء.
عندما أمرته الساحرة بمساعدتها في تحضير الطقوس، لم يُبدِ أي مقاومة. على العكس، تظاهر بالخضوع، وانحنى أمامها كما فعل أتباعها.
كانت عيناه تراقبان كل شيء—الرماد المتوهج، العظام المحفورة، والأهم… الأعشاب التي تستخدمها.
لاحظ أن الساحرة مزجت نوعين من النباتات في مدقة حجرية قبل أن تضيف مسحوقًا رماديًا. كانت هذه المكونات تهمه أكثر من أي شيء آخر، لأن تأثيرها بدا حاسمًا في التعويذة التي ستُلقيها على ماجي.
الفرصة جاءت عندما سلّمته الساحرة مجموعة من الأعشاب ليطحنها.
أخذ نفسًا عميقًا، واستدعى في ذهنه كل ما لاحظه من قبل:
نبتة الظل الأسود تمتص الدم عند ملامستها للجلد، لكن إذا أُحرقت مع زهرة "نايشرا"، تتحول إلى مادة منشطة تزيد من قوة العضلات وردود الفعل.
أوراق العدم تُستخدم عادةً لمحو الذاكرة، لكن إذا طُحنت مع "عشبة الجحيم الصامت"، فإنها تُعزز الإدراك الحسي بدلاً من إضعافه.
دموع البئر تسبب الهلوسة، لكن عند خلطها مع مسحوق عظام الذئاب، يمكن أن تجعل الذهن أكثر وضوحًا بدلاً من إغراقه في الخوف.
بينما كانت الساحرة مشغولة بترتيب الرموز الدموية، بدأ نوار عمله.
بمهارة حذرة، استبدل بعض الأعشاب التي طلبتها الساحرة بأخرى مماثلة في الشكل، لكنها مختلفة في التأثير.
طحن الأعشاب بسرعة، محافظًا على وجه جامد حتى لا يثير الشكوك.
أضاف مسحوقًا دقيقًا من زهرة "نايشرا" إلى الخليط، محاولًا إخفاء حركته عن أعين الأتباع.
عندما انتهى، سلم المدقة للساحرة، متظاهرًا بالخضوع التام.
راقبها وهي تأخذ الخليط وترسم به خطوطًا معقدة على جسد ماجي المقيدة.
ثم بدأت التعويذة.
النتيجة لم تكن كما توقعت الساحرة.
بدلاً من أن تنهار ماجي، أو تفقد وعيها كما خططت الساحرة، حدث العكس تمامًا.
عيون ماجي اتسعت، وامتلأت بوميض ناري.
شعرت بطاقة لم تختبرها من قبل، كأن جسدها تحرر من قيوده الطبيعية.
نبضات قلبها تسارعت، لكن ليس خوفًا—بل قوة.
ثم… تحطمت القيود.
الساحرة تراجعت للخلف، غير مصدقة لما يحدث.
فتحت فمها لتنطق بتعويذة أخرى، لكن ماجي تحركت بسرعة غير بشرية.
بقضتها واحدة، أمسكت بالساحرة من عنقها ودفعتها للخلف، بينما انطلق نوار إلى القفص لتحرير الآخرين.
كان هناك فوضى.
الأتباع اندفعوا لحماية سيدتهم، لكن ماجي كانت سريعة بشكل مخيف.
قبضتها حطمت عظام أحدهم، وركلة واحدة أطاحت بآخر عبر الغرفة.
نوار استغل الفوضى.
ألقى ببعض الأعشاب المتبقية في النار، مما تسبب في تصاعد دخان أزرق سام.
الأتباع الذين تنشقوه ترنحوا، وكأنهم وقعوا في وهم لا يمكنهم الهروب منه.
أمسك نوار بذراع ماجي، وصاح: "اخرجيهم من هنا!"
ماجي لم تتردد.
اندفعت نحو القفص، مزقته كما لو كان مصنوعًا من الورق، وسحبت لينا وآدم بسرعة.
كان المخرج الوحيد في الأعلى، حيث شقوق الضوء تتسرب عبر الجدران الحية.
"اتبعوني!" صاحت، ثم قفزت، مستخدمة قوتها المكتسبة حديثًا لتسلق الجدران بسرعة.
نوار تبعها، وقلبه ينبض بقوة.
عندما خرجوا أخيرًا من الكهف، شعروا وكأنهم استعادوا أنفاسهم لأول مرة منذ وقت طويل.
ماجي نظرت إلى يديها، إلى القوة التي ما زالت تشعر بها في عروقها.
لم تكن مجرد فتاة بعد الآن.
كانت شيئًا آخر… شيئًا جديدًا.
نوار وقف بجانبها، والتقى عينيها.
"هل أنتِ بخير؟"
ماجي ابتسمت، لكن في عينيها كان هناك شيء لم يكن موجودًا من قبل.
"أنا… أفضل من أي وقت مضى."
اختفاء آدم
بينما كان الجميع محتجزين في القفص، بدا أن آدم اختفى تمامًا.
لم يره أحد منذ أن دخلوا سجن الساحرة، ولم يكن هناك أي أثر له في القفص أو في المختبر.
لكن نوار كان يعلم أن اختفاؤه لم يكن عشوائيًا.
آدم لم يكن مثلهم.
لم يكن يقاتل، لم يكن يواجه الأعداء مباشرة، لكنه كان ذكيًا—ذكيًا بما يكفي ليعرف متى يختبئ، وأين يبحث عن إجابات.
آدم لم يُؤخذ معهم إلى القفص لأنه لم يكن هناك عندما وقعت الساحرة في طريقهم.
بينما كانوا يهربون في الغابة، كان آدم قد لاحظ شيئًا غريبًا—أحد أتباع الساحرة لم يكن مثل الآخرين.
لم يكن يتحدث معهم، ولم يكن يتبع الأوامر مثل البقية.
كان يتحرك كأنه منفصل عنهم، كأن له هدفًا آخر.
آدم، بدلاً من الاستمرار في الهروب مع المجموعة، قرر اتباع هذا الرجل.
وهكذا، عندما وقع نوار والبقية في الأسر، كان آدم يراقب كل شيء من الظلال.
اختبأ في ممرات الكهف، راقب الساحرة، راقب أتباعها، وسمع ما لم يكن يفترض به أن يسمعه.
"رعد… لا يزال صامدًا."
"لا تقلقوا، السجن لن يسمح له بالهروب."
"لا أحد خرج من النهر الأسود، ولن يكون هو الاستثناء."
آدم لم يفهم كل شيء فورًا، لكنه عرف اسمًا واحدًا مهمًا: رعد.
وكان هذا كافيًا ليعرف أن هناك شيئًا أكبر يجري هنا.
عودة آدم
عندما تحررت ماجي، واندلعت الفوضى في المختبر، ظهر آدم أخيرًا.
خرج من الظلال، وكان يحمل في يده مفتاحًا صدئًا، وعلى وجهه تعبير غريب—مزيج من القلق والانتصار.
"أنتم بخير؟" قال بسرعة، ثم نظر إلى ماجي بدهشة. "ماذا حدث لكِ؟"
لكن نوار لم يكن لديه وقت للأسئلة. "أين كنت؟ وكيف خرجت؟"
آدم لم يُضِع الوقت في التوضيح.
تحدث بسرعة وهو يقودهم بعيدًا عن الكهف.
"استمعت إلى الساحرة وأتباعها يتحدثون. هذا المكان ليس سوى جزء صغير من شيء أكبر. السجن الحقيقي، السجن الذي يخافون منه، ليس هنا."
"إذن أين؟" سألته لينا، وعيناها تضيقان بقلق.
آدم توقف، نظر إليهم جميعًا، ثم قال بهدوء:
"سجن النهر الأسود."
نوار شعر بشيء بارد يزحف في صدره.
لم يكن يعرف الكثير عن ذلك المكان، لكنه سمع القصص.
"لا أحد خرج من هناك."
لكن آدم لم يبتسم هذه المرة.
لم يكن الأمر مجرد لغز آخر يحله—كان حقيقيًا، وكانوا في سباق مع الزمن.
"إذا كان رعد هناك…" قال بصوت منخفض، "فلن ينجو وحده."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
بعدما هربوا من الكهف، وجدوا أنفسهم أمام النهر الأسود.
حدود السجن الملعون الذي احتُجز فيه رعد.
كان الماء مظلمًا، لزجًا، كأنه ليس ماءً حقيقيًا بل ظل يتحرك ببطء.
لم يكن هناك جسر، ولم تكن هناك وسيلة لعبور النهر… إلا شيء واحد.
قارب الجان.
"هذا ملكٌ للساحرة." قال آدم وهو يشير إلى القارب القديم المتروك على الضفة.
"إنه ليس قاربًا عاديًا… إنه مصنوع من سحر قديم."
كانت الألواح الخشبية السوداء تبدو وكأنها نُحتت من ظلال متحجرة، وكانت النقوش الغامضة تتوهج بلون فضي باهت.
لم يكن هناك أي مجاديف، فقط سطحٌ ناعم ومقعد في المنتصف، كأنه لم يُصنع ليُقاد بأي وسيلة معروفة.
لكن لم يكن لديهم وقت للتردد.
"إلى الداخل." أمر نوار، وقفز أولًا، تبعه آدم، ثم ماجي ولينا.
بمجرد أن لمسوا القارب، ارتجف تحتهم، وكأنه استيقظ من سبات طويل.
بلا أي مجاديف، بلا أي حركة منهم… بدأ القارب بالإبحار وحده.
كان الهواء فوق النهر باردًا، كأنهم دخلوا عالمًا مختلفًا تمامًا.
السكون كان خانقًا، والماء الأسود تحته بدا بلا نهاية، كأنهم يطفون فوق فراغٍ أبدي.
لكنهم لم يكونوا وحدهم.
أول ما ظهر… كان وجهًا.
من الماء الأسود، على بعد متر واحد من القارب، ارتفع رأس بشري ببطء.
لم يكن متصلًا بجسد، فقط وجهٌ أبيض شاحب، بعينين فارغتين، وحدقة صغيرة جداً، كأنها نقطة سوداء وسط بحرٍ من الفراغ.
ثم آخر… ثم آخر.
عشرات الوجوه خرجت من الماء، تحدق بهم دون تعبير، تحركت مع القارب، تراقبهم بصمت.
"ماذا يريدون؟" همست لينا بخوف.
لكن لم يكن هناك وقت للإجابة، لأن الأيدي ظهرت بعدها.
من الماء، امتدت أصابع طويلة، عظمية، شفافة تقريبًا، كأنها مصنوعة من الضباب الكثيف.
بدأت تتحسس القارب، تزحف فوق حوافه، تبحث عن شيء، تبحث عنهم.
"لا تتحركوا!" قال آدم بصوت حاد.
لكن ماجي لم تستطع منع نفسها من التراجع، وبمجرد أن حركت قدمها، التفت يدٌ حول كاحلها.
صرخت.
سحبها الظل السفلي بقوة، كاد يُسقطها في الماء، لكن نوار تحرك بسرعة، أمسك بذراعها بقوة وسحبها للأعلى.
اليد اختفت، لكن المزيد منها ظهرت، تحاول الإمساك بهم، تمسك بجوانب القارب، تحاول قلبه، إغراقه.
"القارب يتحرك ببطء أكثر!" صاحت لينا، وعيناها تتابعان الحواف.
كان ذلك صحيحًا.
لم يكن القارب مجرد وسيلة عبور… كان كائنًا حيًا، وكان يتفاعل مع الخوف.
كلما زاد اضطرابهم، كلما تباطأ، وكأنه يتغذى على ذعرهم.
"اهدأوا." قال نوار، صوته ثابت.
"لا تنظروا إليهم. لا تتفاعلوا معهم."
كان الأمر أصعب مما بدا، لكنهم أجبروا أنفسهم على التماسك.
تجاهلوا الأيدي التي كانت تمتد، تجاهلوا الوجوه التي اقتربت حتى باتت أنفاسها الباردة تلامس وجوههم.
ببطء… بدأ القارب يُسرع مجددًا.
ثم، كما لو كانوا يعبرون حاجزًا غير مرئي، اختفت الوجوه.
تراجعت الأيدي، وساد السكون مرة أخرى.
"لقد… نجونا؟" همست لينا، صوتها لا يزال يرتجف.
لكن قبل أن يجيبها أحد، توقف القارب فجأة.
أمامهم… على الضفة الأخرى من النهر، كان هناك شيء ينتظرهم.
بوابة عملاقة، سوداء كالفحم، محفورة عليها رموز تشبه تلك التي رأوها في كهف الساحرة.
خلفها… كان السجن.
سجن النهر الأسود.
عندما توقّف القارب، نظروا جميعًا إلى الأمام.
البوابة كانت ضخمة، ترتفع كأنها جزء من الجبل نفسه، سوداء كأنها امتصّت كل ضوءٍ حولها.
لم تكن مصنوعة من الحديد أو الخشب، بل من مادة غريبة، كأنها مزيج من الحجارة القديمة واللحم المحنّط.
كانت هناك رموز محفورة على سطحها، لكنها لم تكن ثابتة—كانت تتحرك، تتلوى ببطء وكأنها تنبض بالحياة.
لكن أكثر ما كان مخيفًا… هو العيون.
عشرات العيون الصغيرة كانت مفتوحة داخل النسيج الحجري، تحدق بهم دون أن ترمش.
بعضها كان بشريًا، وبعضها كان شيئًا آخر تمامًا.
"كيف نفتحها؟" سألت ماجي، صوتها بارد لكنه حذر.
آدم اقترب، راقب الرموز، ثم همس: "هذه ليست مجرد بوابة… إنها ختم."
حاولوا دفعها، لكنها لم تتحرك.
حاول آدم تلاوة بعض الكلمات التي سمعها في كهف الساحرة، لكن العيون بدأت تتحرك بسرعة، واهتزت الأرض أسفلهم، كأنهم أيقظوا شيئًا كان نائمًا منذ قرون.
ثم، تراجعت ماجي خطوة إلى الوراء، وأغلقت عينيها.
كانت تشعر بالأشياء التي لا يراها الآخرون.
منذ أن شربت الأعشاب التي مزجها نوار في كهف الساحرة، شعرت أن شيئًا ما تغيّر بداخلها.
قوتها لم تكن جسدية فقط—بل كانت شيئًا أعمق، شيئًا يخصّ هذا المكان المظلم.
رفعت يديها ببطء، وتنفّست.
كان هناك شيء داخل البوابة، شيء كان يُراقبهم، شيء كان ينتظر كلمة واحدة، إشارة واحدة… ليتحرّك.
ثم، بلا تحذير، فتحت عينيها.
الرموز توقّفت عن التحرك.
العيون كلها استدارت نحوها وحدها.
ثم، بصوتٍ لم يكن بشريًا تمامًا، همست ماجي:
"أنا… جزءٌ منك."
البوابة اهتزّت.
ثم، كما لو أنها كانت تستجيب لصوتها، بدأت الرموز تتلاشى ببطء، وعيونها أغلقت واحدة تلو الأخرى.
ثم… انشقّت البوابة إلى نصفين.
ما وراء البوابة لم يكن كهفًا… بل بحرٌ من الظلام.
سجن النهر الأسود لم يكن فوق الأرض، بل تحته.
كانوا يقفون على حافة نفقٍ واسع، يقود إلى الماء الأسود الذي لا قاع له.
في منتصف النفق، كان هناك درج حجري ينزل إلى الأعماق، لكنه لم يكن مستقيمًا—بل كان يلتف كأنهم كانوا يسيرون داخل دوامة، أو في حلق مخلوقٍ عملاق.
كل شيء كان ينبض، يتحرّك ببطء.
"كيف… كيف يُفترض أن نجد رعد هنا؟" همست لينا، وهي تحاول ألا تنظر إلى السواد المتحرك حولها.
لكن ماجي لم تنتظر.
نزلت الدرج أولًا، بلا خوف، وكأنها تعرف الطريق.
ثم… بدأوا يسمعون الأصوات.
همساتٌ بعيدة، أصواتٌ مكتومة، أنينٌ ضعيف، كأنّ الجدران نفسها كانت تهمس بأسماء أولئك الذين سُجنوا هنا.
ثم… سمعوا صوته.
"لا… تثقوا بالسجن."
كان صوت رعد.
لكنه لم يكن قادمًا من أي اتجاه محدد—كان يتردد في كل مكان، يتكرر داخل عقولهم، كأن السجن نفسه كان يردّد كلماته.
ثم، عندما وصلوا إلى أسفل الدرج، وجدوه.
رعد كان هناك، داخل قفصٍ مغمور بالماء حتى صدره، وسلاسله لم تكن عادية.
كانت مصنوعة من النهر نفسه.
ماجي اقتربت أولًا، عيناها تراقب الماء الذي يحيط برعد.
"إنها ليست مجرد سلاسل." قال آدم، وهو يتفحّصها من بعيد.
"إنها جزء من السجن. إذا حاولنا كسرها، قد…"
"قد يستيقظ السجن بالكامل." أكمل رعد بصوتٍ هادئ.
لكن ماجي لم تتوقف.
مدّت يدها، ولمست الماء.
في اللحظة التي فعلت فيها ذلك، تغيّر لون السائل.
كان أسودًا بالكامل، لكن الآن… بدأ يتحوّل إلى لونٍ آخر، لونٍ فضيّ، ثم أزرق، ثم… شفاف.
"ماذا… تفعلين؟" سأل نوار، وهو يراقب بذهول.
لكن ماجي لم تُجب.
أغمضت عينيها مرة أخرى، ثم… همست بكلمات لم تفهمها لينا، ولا حتى آدم.
السلاسل بدأت تتفتّت.
في أقل من ثانية، تدفّق الماء بعيدًا، وكأن شيئًا آخر استدعاه، وكأنّ السجن نفسه رفض الاحتفاظ برعد بعد الآن.
رعد نظر إلى ماجي، ثم إلى البقية.
"لقد فعلتموها."
"لكننا لم نخرج بعد."
من فوقهم… بدأ السجن يهتزّ.
إيقاظ الظلام
السجن لم يكن مكانًا فقط.، كان كيانًا… وكان غاضبًا.
من الأعلى، بدأت الشقوق تتفتح في الجدران، وخرج منها دخان أسود كثيف، كأنه يحاول استعادة من أخذه منه.
الأصوات تعالت… والظلام بدأ يتحرّك.
"نحن بحاجة إلى طريق للخروج." قال نوار، وهو ينظر حوله.
لكن قبل أن يستطيع أحد اقتراح أي شيء، رفعت ماجي يدها مرة أخرى.
ثم همست بشيء… وهذه المرة، لم يكن نوار متأكدًا إن كانت هي نفسها من تتحدث، أم أن شيئًا آخر يتحدث من خلالها.
ثم… انفتح ممرٌ جديد، يقودهم إلى الحرية.
ركض رعد وجود والبقيه بعد أن بدأت الأرض تتحرك من تحتهم.
كانو يركضون فى نفق يتحطم من خلفهم.
هناك ضوء نحو السطح.
ركض رعد وهو يستخدم قوته.
وقبل ان يبتلعهم النفق قفزو على السطح.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
عندما خرجوا إلى السطح، وجدوا أنفسهم في أرضٍ لم يعرفوها.
لم يكن هذا المكان هو نفس الغابة التي هربوا منها، ولم يكن كهف الساحرة.
كانت السماء فوقهم مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، والهواء مشبع برائحة غريبة، مزيجٌ من الرماد والرطوبة والدم القديم.
التربة تحتهم كانت سوداء، متشققة، وكأنها لم تعرف المطر منذ قرون.
لكن هذا لم يكن أسوأ شيء.
"انظروا…" همست لينا.
في الأفق، على بعد عدة أمتار منهم، كانت هناك أطلال.
ليست مجرد أطلال قديمة، بل بقايا مبانٍ ضخمة، أسوار نصف مدمرة، وأعمدة حجرية متآكلة.
كانت كلها تبدو كأنها جزءٌ من مدينة عظيمة سقطت في النسيان.
لكن وسط هذا الخراب… كان هناك شيءٌ يتحرّك.
"ما هذا المكان؟" سأل آدم، وهو ينظر حوله بحذر.
"هذه ليست الغابة… وليست أراضي القطيع." قال نوار بصوتٍ خافت.
ماجي لم تقل شيئًا. كانت عيناها تحدقان في الأنقاض، وكأنها تتذكر شيئًا ما، شيئًا لم تعشه لكنها شعرت به في عظامها.
رعد وقف في المنتصف، جسده لا يزال متعبًا بعد ما مرّ به في السجن.
تنفّس ببطء، ثم رفع نظره إلى ماجي.
"أنتِ التي فتحتِ الممر، صحيح؟"
نظرت إليه، ولم تُجب على الفور.
كانت كلماتها أبطأ، كأنها تبحث عن إجابة لم تفهمها بعد.
"لم أفتح الممر…" همست في النهاية. "لقد… وجدتُه."
"هذا لا يهم الآن." قال آدم، وهو ينظر إلى الأطلال. "المهم هو معرفة أين نحن… وكيف نعود."
لكن قبل أن يتمكن أيٌ منهم من قول شيء آخر…
سمعوا الصوت.
كان أشبه بصدى بعيد، لكنه لم يكن صدى الريح أو الأرض… بل كان صوت خطوات.
ثم، من بين الأنقاض، ظهر أول ظل.
كان طويلًا، بشري الشكل، لكنه لم يكن بشرًا.
عيونه كانت تتوهج بلونٍ أحمر خافت، وجسده مغطى بما يشبه الدروع العظمية.
لم يكن وحده—خلفه، بدأ المزيد منهم بالظهور، يخرجون من الظلال وكأنهم استيقظوا من سباتٍ طويل.
"من هؤلاء؟" همست لينا، يدها على سلاحها.
رعد ضيّق عينيه، عضلاته توترت. "لا أعرف… لكنهم ليسوا ودودين."
وقفوا جميعًا، أنفاسهم محبوسة، بينما بدأ الظلال يقتربون.
ثم… توقفوا.
كان هناك شيءٌ غريب.
لم يهاجموهم، لم يصدروا أي صوت، فقط وقفوا هناك، يراقبون.
وكأنهم… كانوا ينتظرون شيئًا.
ماجي كانت أول من تحرّك.
خطت خطوة إلى الأمام، جسدها لا يزال متوترًا، لكنها لم تُظهر خوفًا.
ثم، بصوتٍ خافت، سألت:
"من أنتم؟"
الصمت دام للحظة.
ثم… رفع أحدهم رأسه قليلًا.
لم يكن لديهم وجوهٌ حقيقية، فقط ملامحٌ باهتة، لكن بدا وكأنه يراقبها.
ثم… تكلم.
"لقد عدتِ أخيرًا."
"لقد عدتِ أخيرًا."
ترددت الكلمات في الهواء كأنها صدى قديم يعود من الماضي، لكنها لم تكن موجهة للجميع—كانت موجهة إلى ماجي وحدها.
نوار تحرّك بسرعة، وقف بجانبها وكأنه يستعد لحمايتها، بينما تبادل آدم ولينا نظرات حذرة.
رعد لم يقل شيئًا، لكنه راقب الظلال بعينين ضيقتين، أنفاسه كانت أبطأ مما ينبغي، وكأن غريزته تخبره بشيء لا يفهمه بعد.
لكن ماجي؟
لم تتحرك. لم تتراجع.
فقط وقفت هناك، مواجهةً هذه الكائنات، وكأنها بالفعل تعرفهم.
"أنا لا أعرفكم." قالت أخيرًا، صوتها ثابت لكنه حذر.
"بل تعرفين." ردّ الكائن الأول، وعيونه الحمراء الخافتة لم تتركها. "أنتِ التي فتحتِ البوابة. أنتِ التي أيقظتنا."
"أيقظتكم؟" كرر نوار، عاقدًا حاجبيه. "ماذا تعني؟"
لكن الظل لم يرد عليه. بل استمر في الحديث مع ماجي فقط.
"لقد حلمنا بكِ، كما حلمتِ بنا. والآن… عدتِ إلينا."
صمت.
ثم، ببطء، رفع يده.
رعد تحرّك فورًا، وضع نفسه بين ماجي والظل، وعيناه تألقتا بتلك الوهجة الذهبية الخطيرة.
"ابقَ بعيدًا." قال بحدة، نبرته لم تكن تهديدًا فقط، بل أمرًا لا يقبل الجدل.
لكن الظل لم يتحرك، فقط مالت رأسه قليلًا، كما لو أنه يراقب رعد للمرة الأولى.
ثم قال شيئًا جعل الهواء يبرد من حولهم.
"أنتَ… واحدٌ منهم."
في تلك اللحظة، بدا أن كل شيء توقف.
رعد لم يتحرك، لكنه لم يرد أيضًا.
آدم ونوار تبادلا نظرات سريعة، وكأنهما لم يفهما تمامًا ما كان يقصده الظل، لكن ماجي؟
ماجي كانت الوحيدة التي فهمت.
"ماذا تعني؟" سألت، لكن صوتها كان مختلفًا هذه المرة. لم يكن صوتًا مشحونًا بالخوف أو الغضب… بل كان صوت شخصٍ بدأ يتذكّر شيئًا كان يظنه مفقودًا.
الظل لم يبتسم—لم يكن لديه فم ليبتسم—لكنه اقترب ببطء، وكلماته كانت واضحة كأنها محفورة في العدم نفسه.
"أنتِ تعرفين من نحن، وما نحن، ومن أنتِ."
لم تستطع ماجي أن تنكر الكلمات. لم تستطع حتى أن تقاومها.
شيء ما في أعماقها، شيء خفي ومجهول، ارتجف للحظة… كأنه يعرف أن هذه لم تكن كذبة.
لكنها لم تكن مستعدة لسماع الحقيقة بعد.
"أنا لا أفهمك." قالت، لكن حتى هي شعرت أن الجملة لم تكن صادقة تمامًا.
الظل لم يتحرك. لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
الهواء من حولهم كان أثقل، كأن شيئًا غير مرئي كان يضغط عليهم جميعًا.
رعد ضيّق عينيه، ثم استدار ونظر إلى ماجي، ولم يكن في نظرته أي ارتباك.
لم يسألها ما الذي يحدث، ولم يطلب منها تفسيرًا.
كان هناك يقين غريب في ملامحه، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
"ليس الآن." قال بصوت هادئ لكنه صارم، موجّهًا كلماته إلى الظل. "لسنا هنا من أجلكم. نحن فقط نغادر."
"يمكنكم المغادرة." ردّ الظل، لم يكن غاضبًا أو رافضًا، بل بدا وكأنه يوافق على ذلك بسهولة غير متوقعة. "لكنها… ستعود."
ماجي لم ترد. لم تستطع.
ثم… اختفى الظل.
كما لو أنه لم يكن موجودًا أبدًا.
"علينا الرحيل فورًا." قال آدم، وهو ينظر إلى البقية. لم يكن يريد البقاء هنا لحظة واحدة إضافية.
تحرّكوا بسرعة، العبور عبر الحدود الأخيرة بين السجن والعالم الخارجي لم يكن سهلًا، لكنهم لم يتوقفوا.
عندما خرجوا أخيرًا، كانوا على الجانب الآخر من النهر الأسود.
الليل كان ما زال مظلمًا، لكن هناك شيء مختلف في الهواء.
كأن السجن لم يكن مجرد مكان… بل كيانٌ كان يراقبهم، والآن فقط سمح لهم بالمغادرة.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير في ذلك.
لأن هناك شيء آخر كان ينتظرهم في الظلام.
كانت الأرض صلبة تحت أقدامهم، لكنها لم تمنحهم الشعور بالأمان.
الهواء كان ساكنًا على نحو غريب، وكأن العالم نفسه يحبس أنفاسه.
رعد كان أول من تحرّك.
لم يتحدث، لم يلتفت إليهم، فقط سار للأمام بخطوات ثابتة، كأنه يعرف الاتجاه الذي يجب أن يسلكوه.
الآخرون تبعوه دون سؤال. لم يكن هذا وقت الأسئلة.
لكن لم يكن عليهم البحث طويلًا… لأنهم لم يكونوا وحدهم.
من الظلال، ظهر شخصٌ ينتظرهم.
ماجي توقفت، عيناها ضيّقتان وهي تحدّق في المجهول أمامها.
كان هناك شيء غريب في الطريقة التي وقفت بها تلك الشخصية المجهولة، لم تكن تهدّدهم، لكنها أيضًا لم تكن تبتعد.
"من هناك؟" سأل نوار بصوت منخفض، مستعدًا للهجوم إن لزم الأمر.
لم تحصلوا على إجابة مباشرة.
بل، تحرك الغريب أخيرًا.
خطوة واحدة فقط للأمام، إلى ضوء القمر الباهت، ليكشف عن وجهه.
كان شابًا، لكن بشرته شاحبة بشكل غير طبيعي، وعيناه بلون رمادي باهت، كأنهما انعكاس للضباب.
كان يرتدي عباءة داكنة، وحذاءً جلديًا قديمًا، لكن أكثر ما لفت نظرهم… كان الندبة الطويلة التي تمتد من وجنته حتى عنقه.
"كنتم أسرع مما توقعت." قال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ثقلًا لا يُفسّر.
رعد لم يتراجع. لم يكن خائفًا، لكنه أيضًا لم يكن مرتاحًا.
"من أنت؟"
الشاب لم يجب فورًا.
فقط نظر إليهم جميعًا، وكأنه يزن وجودهم، ثم أخيرًا قال:
"أنا رسول. والسيدة تنتظركم."
ماجي شعرت بقلبها ينبض بقوة، رغم أنها لم تكن تعرف لماذا.
لم يكن في نبرة صوته تهديد، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.
"أي سيدة؟" سأل آدم، صوته يشوبه الحذر.
الشاب لم يبتسم، لكنه أيضًا لم يبدُ منزعجًا من السؤال.
فقط نظر إلى ماجي مباشرة، وكأنها الوحيدة التي تستحق الجواب.
ثم، ببطء، قال:
"الساحرة."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
الصمت الذي تلا كلمته كان ثقيلاً، وكأن الهواء نفسه قد تجمد للحظة. نظرات الجميع تحولت إلى ماجي، لكن الأخيرة لم تتحرك. لم ترد. فقط نظرت إليه، وعيناها السوداوان كانتا كأنهما تحاولان اختراق ضباب عينيه الرماديتين.
"الساحرة؟" نطق نوار أخيرًا، صوته محمل بالحذر والارتياب.
الشاب لم يلتفت إليه. فقط أبقى نظره على ماجي. "نعم. وهي تنتظركم."
رعد ضيق عينيه، وتقدم خطوة إلى الأمام، جسده متوتر كما لو كان على وشك الانقضاض. "لماذا؟"
الشاب تنفس ببطء، كأنه لم يكن مستعجلاً في الإجابة. "لأنكم خرجتم من النهر الأسود أحياءً." ثم، بعد لحظة صمت، أضاف: "وهذا يعني أنكم جزء من شيء أكبر مما تظنون."
آدم تبادل نظرة سريعة مع لينا، وكأنهما كانا يدرسان الموقف بصمت. لم يكن أي منهما مرتاحًا. لم يكن هناك سبب للثقة بهذا الغريب، خاصة بعدما حدث في السجن، لكن في الوقت ذاته… لم يكن لديهم وجهة أخرى.
"وإذا رفضنا الذهاب؟" سألت ماجي أخيرًا، نبرتها لم تكن متحدية، بل باردة، كما لو أنها كانت تختبره.
الشاب لم يتأثر بسؤالها، فقط قال ببساطة: "يمكنكم الرفض، لكن الساحرة ستجدكم في النهاية."
"كيف نعرف أنك لا تكذب؟" قال نوار، يرفع حاجبه بريبة.
الشاب لم يبتسم، لكنه بدا كما لو أنه كان يتوقع السؤال. ببطء، رفع يده، كاشفًا عن شيء كان يمسكه بين أصابعه. شيء صغير، أسود، وينبض بوميض باهت.
عندما رآه رعد، تصلب في مكانه. شيء ما في هذا الكائن الصغير جعل ذئبه الداخلي يزمجر بصمت. لم يكن يعرف ما هو، لكنه شعر أنه خطر.
"ما هذا؟" سألت لينا، وهي تضيق عينيها.
"علامة." أجاب الشاب، قبل أن يرميها نحوهم.
سقطت العلامة على الأرض، وبدأت تتوهج أكثر… حتى تشكل فوقها شيءٌ لم يكن ضوءًا تمامًا، بل كان ظلًا. ظل لوجه… وجه مألوف.
"…باتريكا ." همست ماجي، قبل أن تستطيع منع نفسها.
عندما نطقت الاسم، تلاشى الظل. لكن الأثر الذي تركه لم يختفِ.
آدم كان أول من تحدث بعد الصدمة. "إذن… الساحرة هي باتريكا ؟"
الشاب لم يرد مباشرة، لكن نظرته كانت كافية لتأكيد ذلك.
رعد لم يتحرك، لم يتكلم. فقط كان ينظر إلى ماجي.
أخذت ماجي نفسًا عميقًا، ثم أخيرًا قالت: "خذنا إليها."
***
في الطريق همس رعد: "كانت خطتها من البداية أن تبعدني عن القطيع. اخترعت قصة كارا رفيقي، لكن من أجل ماذا؟"
قال نوار: "أشعر أن الأمر أكثر تعقيدًا. كين لن يصمد أمام رعد. سينحني ويترك القطيع ويهرب."
"إلا إذا،" همست ماجي بقلق.
"إلا إذا ماذا؟" صرخ رعد.
"إلا إذا كانت باتريكا حولته لمخلوق آخر. رأينا الأعشاب السحرية التي تستخدمها باتريكا، التعاويذ السحرية والمخلوقات التي تمارس عليها تجاربها."
"أي أن كان ما تخطط له،" صرخ رعد، "سأقوم بقطع رقبته. لن أرحمها حتى لو كانت جنية أو ساحرة أو أي شيء آخر. كاد النهر الأسود أن يبتلعني. لماذا ترغب باتريكا برؤيتنا بعد أن خططت لقتلنا؟ ربما كانت تخفي حقيقتها، لكن الآن بعد ظهور رعد تعرف أن الأمور تغيرت."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
عندما وصلوا، امتد الكهف أمامهم كفراغ مظلم لا نهاية له.
لكن كل خطوة داخله كشفت عن عالم ليس من هذا الواقع.
الجدران لم تكن مجرد صخور، بل كانت تنبض، كأنها جلد حي يتنفس ببطء.
وأصوات خافتة لمصدر مجهول كانت تهمس في أرجائه.
في القلب، ارتفع العرش.
لم يكن مصنوعًا من الخشب أو الحجر، بل من مادة غريبة، سوداء عميقة، متشعبة كشرايين متحجرة، تنبض داخلها خيوط أرجوانية داكنة كأنها الدم في الوريد.
كانت جذوره تمتد عبر الأرضية، متداخلة مع الكهف، كما لو أنه ينمو منه.
جلس عليه كائن… ليس بشريًا بالكامل.
باتريكا، المرأة التي كانت مجرد بشرية ذات يوم، لم تعد كذلك الآن.
قامت ببطء، جسدها أطول مما هو بشري، نحيلة بشكل غير طبيعي.
بشرتها رمادية داكنة كأنها نُحتت من رماد بارد، وعيناها فضيتان بوهج زئبقي مخيف.
لكن الأكثر رعبًا لم يكن في ملامح وجهها… بل في وسط جسدها.
عند معدتها، انفتحت عين ثالثة ضخمة، بلا حدقة، مغمضة في البداية.
ثم بدأت الجفون السميكة تنزاح ببطء، كاشفة عن كرة رمادية ذات دوامات سائلة تتحرك في عمقها.
وكأنها تحتوي بُعدًا آخر، لا ينتمي إلى هذا العالم.
وفجأة، دوى صوت خفقان قوي.
عشرات الغربان السوداء انطلقت من الظلال، تحلق فوق العرش، تهبط على أطرافه كأنها حرّاس.
لم تكن عادية، عيونها كانت بيضاء شاحبة، مفتوحة على وسعها.
وفي مناقيرها حملت رسائل قديمة، أو رقع جلدية نقش عليها بلون أحمر داكن كأنه ليس حبرًا.
على جانبي القاعة، تحركت كائنات صغيرة، أقزام قذرة.
جلودهم رمادية كالأحجار الميتة، وأعينهم الصغيرة الصفراء لم تبرق بأي ذكاء بشري.
كانوا صامتين، يتحركون بخفة، يحملون أواني فخارية داكنة.
يضعونها قرب العرش كما لو كانت قرابين.
كان الهواء حولهم مشبعًا برائحة غريبة، مزيج من الأعشاب المحترقة والدم الفاسد.
لكن الأكثر رعبًا… كانوا الخدم البشريين.
اصطفوا على جانبي العرش، رجال ونساء، بأجساد متخشبة، ملابسهم رثة لكنها نظيفة.
وعيونهم خاوية تمامًا، زجاجية، فارغة كما لو كانوا بلا أرواح.
لم يتحرك أي منهم، لم يرتعش جفن واحد، حتى أنفاسهم كانت بالكاد تُسمع.
لم يكونوا أحياء تمامًا، ولم يكونوا أمواتًا أيضًا.
باتريكا رفعت يدها ببطء، فاختفى همس الكهف، وتوقف حتى تنفس الغربان.
ثم تحدثت، بصوت لم يكن صوتًا بشريًا بالكامل، بل كان عميقًا، يتردد صداه كأنها لا تتحدث وحدها، بل عبرها كيانات أخرى.
"أخيرًا… عدتَ إلي، رعد."
كان الهواء مشحونًا، مشبعًا بقوة غير مرئية، لكنها لم تزرع الرهبة في قلب رعد.
على العكس، كلما نظر إلى العرش، إلى العين التي تحدق بهم من وسط معدة باتريكا، كلما ازدادت جمجمته ثقلًا… ازداد ذئبه الداخلي صخبًا، وكأنه على وشك تمزيق القيود.
كان يمكنه أن يشعر به—النبض العميق في صدره، الدافع الحيواني لتمزيق كل شيء أمامه، لتدمير هذا العرش، لسحق باتريكا تحت قدميه.
وقف هناك، وسط الكهف، محاطًا بالغربان ذات العيون البيضاء، بالأقزام الرمادية، بالخدم البشر المسلوبي الإرادة.
وبحراسها الحقيقيين—كائنات كانت بشرًا ذات يوم، لكن السحر لوى أجسادهم، جلودهم مغطاة بأخاديد سوداء، أعينهم تتوهج باللون الفضي المشوه، وأسنانهم أطول مما ينبغي.
خطا رعد للأمام، حذاؤه سحق أرضية الكهف بصوت أجوف.
بينما نظر مباشرة إلى العين المفتوحة في معدة باتريكا.
لم يتحدث إليها كخاضع، لم يسأل، لم يطلب.
لقد تحداها بالصمت.
"هل تتحداني؟"
نطقت باتريكا أخيرًا، بصوتها العميق الذي يحمل أكثر من نبرة، أكثر من كيان يتحدث من خلالها.
لكنها لم تبدُ غاضبة… بل مسلية.
رعد لم يجب.
فقط رفع رأسه قليلًا، مستعرضًا هيمنته أمامها، ثم قال ببرود:
"أنتِ لم تنجحي في قتلي، ولم تنجحي في الاستيلاء على القطيع بالكامل."
الغربان نعقت بقوة، وكأنها تحذر، أو تحتج.
أحد الخدم البشر ارتعش، كما لو أن كلماته خلخلت سحره الواهي.
الأقزام لم يتحركوا، لكن نظراتهم الصغيرة ارتفعت قليلاً نحو الساحرة.
أما باتريكا؟ فابتسمت.
"يا لك من متعجرف."
قالتها ببطء، ثم رفعت يدها اليمنى، وفي لحظة، تجمدت الأجساد حولها.
الحراس الممسوخون انحنوا أكثر، الخدم فقدوا أي أثر للوعي، الغربان رفرفت بأجنحتها كما لو أنها أصيبت بالذعر.
حتى الهواء نفسه أصبح أكثر سمكًا، كما لو أنه جزء من قوتها.
ثم، تغير العرش.
الجذور السوداء التي كوّنته تحركت.
تشابكت أكثر، ثم بدأت تلتف كالأفاعي، تصعد على جسد باتريكا، تمتد عبر أطراف أصابعها.
كان العرش يتفاعل معها، ليس مجرد مقعد، بل كيانٌ ينبض بسحرها.
رعد لم يتحرك.
لم يرتعش، لم يظهر أي علامة ضعف.
كان يعلم ما تحاول فعله—إرهابه، زعزعة ثقته، جعله يدرك أنه في عرينها، حيث قوتها في ذروتها.
لكنه لم يكن مجرد ذئب عادي، ولم يكن ضائعًا بعد الآن.
ابتسم، ابتسامة بطيئة، خطيرة.
ثم قال، بصوت منخفض، لكنه قوي كهدير العاصفة:
"أنا لا أخاف منكِ."
العين في معدتها تقلصت، كما لو أنها تأثرت بكلماته.
للحظة، فقط للحظة، رأى شيئًا في وجه باتريكا… ليس خوفًا، بل شيء قريب منه.
بحركة واحدة من يدها، انفجر المكان في الفوضى.
عندما حركت باتريكا يدها، شعر رعد بانفجار من الطاقة يجتاح المكان.
الجذور السوداء التي كانت تلتف حول العرش انتشرت كالأفاعي، تزحف بسرعة عبر الأرض والجدران، لكن ذلك لم يكن سوى البداية.
أول من ظهر كانت مخلوقات لم تُخلق من اللحم، بل من العتمة نفسه.
انبثقت كلاب الظل من الفراغ، أجسادها غير مستقرة، تومض بين الحالة الصلبة والسائلة وكأنها لم تنتمِ تمامًا لهذا العالم.
كانت عيونها كأنها فجوات ممتلئة بنيران بيضاء، وأنيابها الطويلة تتقطر بدخان سام.
هاجمت أولًا، مندفعًة بسرعة تفوق البشر، لكنها لم تصدر أي صوت… لم يكن هناك لهاث، ولا زئير، فقط صمت خانق يسبق الموت.
على جانبي القاعة، بدأ الخدم البشريون المسلوبو الإرادة يتغيرون.
جلودهم تصدعت، وانبعثت منها أخاديد سوداء متوهجة، كأن السحر يلتهمهم من الداخل.
أطرافهم تمددت بشكل غير طبيعي، وتحولت أصابعهم إلى مخالب عظمية.
كانوا المتغضنين—بقايا بشر امتصت باتريكا إرادتهم، لتعيد تشكيلهم كجنود لها.
لم يكونوا سريعين مثل كلاب الظل، لكنهم لم يتوقفوا عن الحركة، وأي إصابة لم تكن كافية لإيقافهم.
كانوا يسقطون، ثم ينهضون من جديد، كما لو أن الألم لم يعد جزءًا من عالمهم.
لكن الأسوأ.
من خلف العرش، خرجوا—ثلاثة كائنات كانت تبدو مألوفة بشكل مرعب.
كانت تحمل ملامحهم.
وجه رعد، وجه ماجي، وجه نوار… لكنهم لم يكونوا هم.
أجسادهم كانت مصنوعة من مادة شبيهة بالزجاج الملوث، تنكسر أحيانًا ثم تعيد تشكيل نفسها، وأعينهم سوداء بالكامل.
"مستحيل…" تمتم نوار، وهو يحدق في النسخة المشوهة منه.
النسّاخ لم يتحدثوا، لم يقلدوا أصواتهم، لكنهم هاجموا بحركات كانت مألوفة جدًا.
كانوا يعيدون تكرار كل خطوة قاموا بها في قتال سابق، لكن بشكل أسرع، وأقوى.
كان هذا أسلوب باتريكا الحقيقي—ليس مجرد السحر والقوة، بل التشكيك في هويتهم، في ذواتهم.
بينما كان الجميع مشغولين بالقتال، بدأ الهواء نفسه يرتجف، وأصبح المكان باردًا بشكل غير طبيعي.
من العدم، ظهر كيان لم يكن له شكل محدد… مجرد تموجات سوداء في الهواء، كأن الفراغ ذاته قد أصبح حيًا.
لكن رعد شعر به على الفور.
لم يكن مجرد مخلوق، بل كان وعياً منفصلًا، شرًا نقيًا بلا جسد.
"لا تدعوه يلمسكم!" صرخت ماجي، وهي تدرك ما هو.
الهائم لم يكن يقتل جسديًا، بل كان يسرق الأرواح، يسحب إرادتهم كما لو كان حفرة لا قاع لها، يترك الضحايا كقوقعة فارغة، عيونهم تتحول إلى بياض تام، أجسادهم تهوي بلا حياة.
باتريكا لم تكن تقاتلهم مباشرة، لكنها لم تكن بحاجة لذلك.
كان هذا اختبارها، حربها النفسية قبل أن تكون حربًا جسدية.
وسط الفوضى، جلست باتريكا فوق عرشها كما لو كانت ملكة تحضر حفلة تُقام على شرفها.
عيناها، بلونهما الأخضر المتوهج، تابعتا الحرب الدائرة دون انفعال حقيقي، لكن ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيها وهي ترى مخلوقاتها تمزق الهواء، تهجم، تتراجع، تحاصر فريستها كأمهر الصيادين.
كان عرشها منحوتًا من العظام السوداء، ملتفة حول بعضها وكأنها لا تزال تنبض بالحياة.
خلفها، انتصبت الجوقة الموسيقية—عشرة هياكل عظمية، ترتدي عباءات سوداء مهترئة، تحمل آلات غريبة الشكل مصنوعة من الضلوع والفقرات البشرية.
تعزف بصمت لا يصدر عنه سوى صوت نشازي، كأن الأوتار لم تُشدّ من أجل الموسيقى، بل من أجل تمزيق العقول.
بصوت خافت، بدأ الهيكل العظمي الأول يدندن لحنًا جنائزيًا، ثم تبعه الآخرون، كل منهم يضيف طبقة جديدة من الصوت.
تداخلت مع العزف، حتى تحولت إلى همهمة مخيفة، ارتفعت شيئًا فشيئًا، وملأت القاعة السوداء بنشيد الساحرة القديم:
"من العتمة خرجنا… وإليها نعود…"
"دمُ الأرض لنا… والماء نُحول…"
"كل روح تُسلب… هي لنا تنحني…"
"والقمر الباكي… لن يُضيء بعدي…!"
مع كل جملة، استجابت الأرض، ارتجفت كما لو أن النشيد أيقظ شيئًا قديمًا كان نائمًا في أعماقها.
الجدران زحفت إليها كأنها تتنفس، والنهر الأسود في الخلف بدأ يموج، دوائر من الظلام انتشرت على سطحه.
ثم تصاعد منه بخار أسود كثيف، تسلل ببطء إلى القاعة، كأنه يد ساحرة تمتد لتختنق الهواء نفسه.
باتريكا رفعت يدها، كأنها تقود الجوقة، وتابعت المشهد بعينين نصف مغمضتين، تتذوق اللحظة كما يتذوق الذئب مذاق الدم.
كان هذا عزفها… وكانت الحرب سمفونيتها.
وكان الكل يخضع لها.
قذفت باتريكا حبة عنب فى الهواء ثم فتحت فمها.
كادت حبة العنب ان تسقط بعيد لكن قوة جباره جعلتها تتوجه نحو فم باتريكا.
ثم صرخت باتريكا وهى تتكاء برأسها على وساده من الورد:
"لا تقتلو رعد انا احتاجه حى جسده وروحه تلزمنى فأنا احتاج خادم مثله."
"اما لينا الرقيقه فيمكن للهائم ان يأخذها حتى ينجب لنا طفل جديد."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
كان الهواء مثقلًا بالموت، وكل نفس يسحبه رعد كان محمّلًا برائحة الدم والرماد. المخلوقات التي أطلقتها باتريكا لم تكن مجرد وحوش، بل كانت كوابيس من لحم وعظام، كل منها صُنع ليحطم إرادتهم.
آدم كان يحارب بجنون، سيفه يشتعل بآخر ما تبقى من قوته، يقطع رأس مخلوق برأسين قبل أن يشعر ببرودة مريعة في صدره. نظر إلى الأسفل… حيث انغرس رمح أسود، مغطى بسحر قاتم، داخل قلبه. ارتجف جسده، سقط على ركبتيه، وعيناه الواسعتان بالكاد استوعبتا ما يحدث.
رعد صرخ باسمه، لكن الصوت لم يصل إليه.
نوار كان محاصرًا، يدافع عن نفسه بصعوبة وهو يواجه ظلًا يتحرك بلا ملامح. ضربة واحدة، قوية، جعلته يسقط أرضًا وهو يلهث، عاجزًا عن النهوض.
ماجي قاتلت حتى تمزق جلد يديها، لكنها عرفت أن النهاية قادمة عندما سقط آدم أمامها. شهقت وهي تراه يتهاوى، نظراته تخبو، الدماء تنساب من شفتيه، ثم… توقف عن الحركة.
آدم مات.
قبل أن تستوعب ماجي هول الكارثة، كانت يدان مخلبيتان قد أمسكتا بـ لينا، سحبتاها إلى الخلف بينما صرخت الأخيرة بصوت ممزق، تحاول أن تتخلص منهما. رعد حاول الوصول إليها، لكنه تأخر. التعاويذ السوداء لُفت حولها كأفاعٍ، خنقتها، جرتها نحو العرش.
باتريكا ضحكت. كان صوتها لحنًا سامًا.
"لن أقتلكِ،" قالت وهي تلمس ذقن لينا بأطراف أصابعها الطويلة. "بل سأجعلكِ شيئًا… آخر."
على قمة جدار مُنهدِم، راقبتها بصمت.
لم تكن جزءًا من هذه الحرب، لكنها كانت تعرف أنها جزء من القدر. كانت فتاة بشرية، ليست من القطيع، وليست ساحرة، لكنها لم تكن "بلا شيء." كانت صيادة، ابنة الليل والغابة، تمتلك هدوء قاتل محترف، وعيونًا لا تخطئ هدفها.
شعرها الطويل، بلون الليل، كان مجدولًا بإحكام، وعيناها الواسعتان تتوهجان بلونٍ فضيّ باهت. بشرتها كانت شاحبة، مغطاة بأثار جروح قديمة، ويدها لم ترتجف وهي تسحب القوس من ظهرها.
بصمت، رفعت قوسها، وسحبت سهمًا واحدًا.
ليس سهمًا عاديًا. كان مصنوعًا من خشب مقدّس، منقوعًا في دم تنين قديم، ورأسه كان يحمل قطعة من ضوء الشمس المصفّى. لم يكن موجهًا نحو قلب باتريكا، بل نحو شيء آخر… عينها الثالثة.
في اللحظة التي أوشكت فيها باتريكا على تنفيذ تعويذتها، انطلق السهم، كأنه شهاب ممزِّق للسماء.
— وصدَم عينها الثالثة مباشرة.
صرخة الساحرة ملأت القاعة، ليست مجرد صرخة ألم، بل صرخة تمزّق شيء غير منظور، انكسار لعنة قديمة. الأرض اهتزت، الجدران تشققت، المخلوقات أصدرت عواءً ممزقًا.
رعد رفع رأسه، رأى الفتاة أخيرًا.
ألقت الفتاة سلمًا من الحبال بعد أن أحكمت ربطه في شجرة أعلى الكهف، ثم صرخت:
"تسلقوا، سأوفر لكم الحماية."
حلت الفوضى بين المخلوقات التي بدأت تهجم بلا خطوة.
وكانت باتريكا تصرخ من الألم.
ثم صرخت في أحد الأقزام:
"أحضر لي عشبة فارتيوخ قبل أن ألعن."
دفع رعد لينا لتتسلق أولًا، ثم ماجي، ثم نوار.
وعندما هم بالتسلق، كانت الساحرة قد استعادت قوتها.
وقطعت السلم بسحرها.
صرخ رعد:
"اهربوا، أنا لا أحتاج سلمًا."
صوبت سهام الأقزام تجاه رعد الذي تحول لذئب ضخم.
وكان رعد يركض ويناور، ثم فجأة بكل قوته قفز.
قفزة هائلة أوصلته فوق صخور الكهف، ثم انطلق راكضًا خلف الفتاة ورفاقه.
كان نوار مصابًا ولم يتمكن من الركض أكثر. عندما وصل رعد، وجد نوار مستلقى على الأرض ينزف دمًا. كانت إصابته بليغة وماجي تحاول إسعافه بلا فائدة.
وسط الصمت، قالت الفتاة:
"أستطيع علاجه."
"انقلوه داخل كهفي."
داخل الكهف العتيق، حيث لا يصل ضوء النهار إلا بخجل، حملت الفتاة نوار على كتفيها إلى معقلها شبيه بملاذٍ سريّ؛ جدرانه محفورة بنقوشٍ قديمة تروي حكايات من زمن بعيد، وأركانه تخبئ أسرار الطبيعة وماضيها المظلم.
هناك، بين أعواد الخشب المتصدئة وأوعية خزفية صغيرة منتشرة على حجر الأرض، بدأت تستجمع أعشابها النادرة التي تعلمت فنونها في رحلاتها الطويلة عبر الغابات والجبال.
رفعت يديها برشاقة، وأخرجت من حقيبتها الصغيرة ثلاث أعشاب أساسية:
عشبة الفارتيوخ: ذات الأوراق الخضراء الداكنة ولمعة فضية على محاورها، وهي عشبة معروفة بقدرتها على تجديد الخلايا وشفاء الجروح العميقة.
زهرة الليل: زهرة نادرة تتفتح فقط عند خيوط القمر، وتنبعث منها رائحة عطرة ممزوجة بالغموض، يُقال إنها تعيد للنفس شجاعتها وتخفف الألم.
أوراق سماع الظلام: أوراق داكنة بلون السواد، تحتوي على مركبات سحرية تخفف الالتهابات وتعيد النشاط للجسد المنهك.
بدأت الفتاة بطحن هذه الأعشاب في هرس خشبي قديم، تحركت بأصابعها الرقيقة وكأنها تلحن لحن شفاء خاص بها، تستحضر من خلاله ذكريات من ماضيها؛ ماضٍ كانت فيه جزءاً من عشيرة البدو السحريين الذين علموها أسرار الطبيعة والشفاء بطرق لا يفهمها إلا من عاشوا تلك التجارب المرة. كانت همساتها هادئة، تندمج مع صدى قطرات الماء القادمة من بئر صغير داخل الكهف، لتخلق سمفونية علاجية تعبق برائحة التراب والرطوبة.
وضعت المزيج على جروح نوار بيدين خافتين، مستخدمة قماشاً قديماً ليلف به جراحه، وبدأت تهمس بأدعيةٍ عتيقة، نغماتها مماثلة لصوت الرياح المتسللة عبر أوراق الأشجار في ليالي الشتاء الباردة. شيئًا فشيئًا، بدأ لون وجه نوار يتحول؛ من شحوبٍ قاتم إلى دفء الحياة، وبدأ الدم يعاود تدفقه الطبيعي كأنه يستجيب لصوت تلك الطقوس السحرية.
كان الكهف نفسه شاهدًا على هذه اللحظات؛ جدرانه الملتوية التي تحكي قصص بطولات ماضية، وآثار طقوس قديمة محفورة بين الصخور، بدا وكأنها تهمس بسرٍ من أسرار الطبيعة. ذلك المكان كان ملاذها؛ ملاذ تعلمت فيه كيف تتعايش مع الألم وتستمد القوة من الوحدة مع الأرض. فقد كانت الفتاة تعيش على هامش العالم، بين الظل والنور، تحمل على عاتقها ذكريات معارك ضارية، وجرحاً لا يُشفى بسهولة، ولكنها وجدت في الطبيعة مداواة لروحها المتعبة.
وبينما كانت الأعشاب—عشبة الفارتيوخ وزهرة الليل وأوراق سماع الظلام—تعمل سراً في عروق نوار، وقفت الفتاة تراقب بصمتٍ يقظة، عيناها الفضيتان تشعان بعزمٍ لا يلين.
ليلى.
لم تكن ليلى سوى فتاة صغيرة عندما بيعت لأول مرة، حين اختُطفت من قريتها النائية على أطراف الغابة، كانت ابنة صياد بسيط، لم يكن لديها ما يميزها سوى عينيها الفضيّتين اللتين اعتبرهما السحرة علامةً على هبةٍ نادرة أو لعنةٍ قديمة.
بأيديٍ خشنة وقبضاتٍ لا تعرف الرحمة، جُرَّت ليلى عبر الكثبان والوديان، حتى وصلت إلى كهفٍ معزول، حيث لا نور يتسلل، ولا أصوات سوى قطرات الماء التي تتساقط برتابة كأنها تحصي الأيام.
كانت الليالي داخل الكهف سلسلة من العذاب، حيث كان الجلادون يجردونها من قوتها، ليس فقط بالسياط التي مزقت جسدها، ولكن أيضًا بالتعاويذ التي جردتها من أي شعورٍ بالزمن. كل ليلة، كانت تُجلب إلى دائرة من الأحجار المسحورة، حيث يقف الساحر الأول الذي أسرها – رجل يُدعى أركان الساحر الرمادي – وهو يدوّن ملاحظاته حول مقاومتها.
"إنها لا تزال تتحمل... عيناها لا تفقد بريقهما بعد"، قال ذات مرة بينما كان يراقبها وهي تزحف بعد ليلةٍ أخرى من الجَلد.
لم يكن الألم مجرد عقوبة، بل كان جزءًا من تجربةٍ سحرية، اختبارًا لقوة تحملها، وانتظارًا للحظة التي قد تنكسر فيها وتصبح وعاءً مفرغًا يمكن إعادة تشكيله. لكن ليلى لم تنكسر.
بعد شهورٍ من التعذيب والاعتداء، قرر أركان أن يبيعها. لم يكن بحاجة إليها بعد الآن، لكن سحرةً آخرين قد يرون فيها قيمةً أكبر. هكذا بدأت مزادها الأول.
في ليلةٍ مُقمرة، في سوقٍ مخفيٍّ داخل أطلال مدينةٍ قديمة، وُضعت ليلى على منصة حجرية، مكبلة اليدين والقدمين، فيما تجمع حولها سحرةٌ يرتدون عباءات داكنة، يتفحصونها كما يتفحص التجار بضائعهم.
"عيناها نادرة، دمها قوي"، قال أركان وهو يعرضها للمزايدة.
"أعطيك ثلاث زجاجاتٍ من دم العرافة الحمراء"، نطق صوتٌ خشن من الظلام. كان الساحر الأسود كُليداس، رجلٌ يُقال إنه استبدل قلبه بحجرٍ مسحور ليبقى خالدًا.
وهكذا، مقابل زجاجاتٍ تحتوي على سائلٍ أحمر متوهج، انتقلت ليلى من يدٍ إلى أخرى، كأنها قطعة أثرية وليست إنسانة.
كُليداس لم يكن مهتمًا بتعذيبها بنفس الطريقة، بل كان لديه غرضٌ آخر. كان يريد روحها، أراد تحويلها إلى تعويذةٍ تُمدّه بالقوة. لكنه لم يكن خبيرًا بما يكفي، لذا باعها بدوره إلى ساحر العظام، زهير الملعون، الذي كان يجمع أطفالًا مثلها لاستخدامهم في طقوسه.
داخل قفص ساحر العظام.
في قلعته المتهالكة، كانت ليلى تُحبس في قفصٍ معدني، مع آخرين مثلها، كل واحدٍ منهم كان ينتظر دوره ليُستهلك في إحدى طقوس زهير. كان الأطفال الآخرون يتهامسون عن مصيرهم، لكن ليلى لم تتكلم كثيرًا. كانت تحدّق في قضبان القفص.