تحميل رواية «الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس الألفا حول المائدة المستديرة في مقاعد نُقشت عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم في القاعة التي توسطت القصر القديم. خلف كل ألفا وقفت خادمة تلبي طلباته، وأمامهم رُصّت الأطباق وفناجين القهوة. كانوا يتهامسون عن عودة الألفا الملكي، الزعيم رعد، بعد شهور قضاها في العزلة بعد مقتل رفيقته. حيث رحل رعد إلى جبل بازيخ بعيدًا عن الناس، ليس معه أحد سوى خادمة صغيرة تدعى ماجي، وهبت نفسها لخدمة الألفا منذ نعومة أظافرها. كانت نظرات الترقب تطل من عيونهم، وهمسات الجنون تتحدث عن فقدان عقله، حتى البيتا الملكي آدم لم يكن...
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الرياح تهب ببرودة قاسية، تلسع وجوههم كأنها سكاكين صغيرة، فيما وقفوا على حافة جرف شاهق يطل على وادٍ متجمد. جبال الجان المتجمدة كانت تمتد أمامهم كمتاهة من القمم المغطاة بالجليد، يكسوها ضوء قمر شاحب زاد من هيبتها وغموضها.
رعد كان يشعر بضغط غريب على جسده، إحساس لم يكن مجرد تعب… بل كأنه فقد جزءًا من كيانه. نظر إلى يديه، تحسسهما بحذر، لكنه لم يرَ أي تغيير بعد. كلمات الملكة لا تزال تتردد في ذهنه: "لديكم وقت محدد… بعده ستتلاشون تمامًا."
ماجي كانت تراقب المكان بعيون متيقظة، يدها لا تزال على مقبض خنجرها، بينما ليلى، رغم الإرهاق الذي بدا على ملامحها، كانت تحدق في الأفق بتصميم غريب.
"كيف سنجد ضرغام في هذا الجحيم المتجمد؟" تساءلت ماجي وهي تشد معطفها حول جسدها.
ليلى أغمضت عينيها للحظة، كما لو أنها تحاول استشعار شيء ما. ثم همست: "نشعر به، أليس كذلك؟ ليس مكانًا عاديًا…"
رعد لم ينكر ذلك. الهواء هنا كان ثقيلًا، مشحونًا بطاقة غريبة، كأن الجبال نفسها تتنفس. ثم، كما لو أن الطبيعة استجابت لكلامها، ارتفع صدى صوت عميق في المكان—صوت لم يكن بشريًا تمامًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليجعلهم يتجمدون في أماكنهم.
كان الصوت يأتي من الظلام بين الأشجار الجليدية، عميقًا وممتلئًا بقوة قديمة. ثم ظهر صاحب الصوت—كان طويلًا، طويلًا بشكل غير طبيعي، ملفوفًا بعباءة ثقيلة من الفراء الرمادي، ووجهه مغطى بقناع معدني منحوت كأنه جزء من جلده. عيناه، رغم القناع، كانتا تلمعان بضوء فضي، مثل وهج الثلج تحت ضوء القمر.
ماجي وضعت يدها على خنجرها، لكن ليلى رفعت يدها لإيقافها.
"أنت ضرغام، أليس كذلك؟" قالت بصوت ثابت.
لم يجب الكائن فورًا، بل تقدم خطوة إلى الأمام، مما جعل الثلج تحت قدميه يئن بصوت غريب. ثم قال:
"ومن أنتم لتبحثوا عني؟"
رعد، رغم شعوره بأن جسده لم يعد تحت سيطرته الكاملة، أجبر نفسه على التحدث:
"نحتاج إلى مساعدتك."
ضحك ضرغام، لكنها كانت ضحكة بلا مرح، كأنها مجرّد صدى لصوت الرياح.
"مساعدة؟" التفت إليهم، ببطء متعمد. "ولماذا أساعد من يحمل لعنة الملكة؟"
رعد شعر بالدم يغلي في عروقه.
"لأنك الوحيد القادر على إيقافها."
صمت ضرغام للحظات، ثم اقترب أكثر، حتى أصبح على بعد خطوات منهم. شعروا وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل، مليئًا بطيف من السحر القديم.
"إيقافها؟" قال بصوت منخفض، كأنه يختبر الكلمات على لسانه. "أنتم لا تفهمون شيئًا، أليس كذلك؟"
ليلى نظرت إليه بعينين حادتين.
"إذن، اجعلنا نفهم."
ضرغام حدق فيها طويلاً، قبل أن يقول أخيرًا:
"إذا أردتم مساعدتي…" أشار بيده إلى القمم الجليدية خلفه. "عليكم أولًا البقاء على قيد الحياة هذه الليلة."
ثم، قبل أن يتمكنوا من سؤاله عن قصده، دوّى صوت عظيم في الجبال، كأن الأرض نفسها استيقظت.
"بسيطه" همست ماجى وهى تضحك، "سنشعل النار داخل أي كهف ونبقى بداخله حتى شروق الشمس."
"هو انتي شايفة أي شجرة وسط الجليد ده؟"
صرخت ليلى بغضب.
جود، التي كانت شارده، قالت: "هناك أشجار مدفونة تحت الجليد، كل ما علينا فعله الحفر حتى نجد شجرة ونخرجها."
كانت عيني رعد مصوبة نحو نار مشتعلة داخل أحد الكهوف البعيدة.
"هو محدش شايف النار المشتعلة دي غيري؟" قال وهو يشير تجاه النار.
"التلال هنا مسكونة بأرواح وكائنات مظلمة لا يمكننا المغامرة" أوضحت جود وهي تغمض عينيها، "علينا أن نجد كهف فارغ ونحميه بالتعاويذ."
بدأ رعد الحفر بعدما تحول إلى ذئب يضرب الثلج بمخالبه.
حدث مجموعة من الحفر دون أن يجد أي شيء.
وكانت ليلى وماجي يحفرون في مناطق أخرى بلا فائدة.
كانت الثلوج بدأت تتساقط حتى غطت كل أجسادهم ولم يتبقى لهم وقت طويل قبل أن يتجمدوا.
فوق الجليد من بعيد كانت هناك خطوات تسير نحوهم تحمل قنديل زيت.
توقفوا في صمت وخوف يترقبون ذلك الشخص الذي يمشي تجاههم.
لم يتأخر الشخص، ظهرت امرأة ترتدي معطفًا جلديًا وشعرها جديلة خلف ظهرها.
"اتبعوني إذا لم تكن لديكم رغبة في الموت."
"من انتي؟" سألت جود بنبرة قلق.
استدارت المرأة بعيون مشتعلة: "لا أسأله، لا اختيارات. أما أنا وإما الموت في الصقيع."
"مش هنتحرك من هنا غير لما نعرف انتي مين؟" أصرت جود بطريقة غريبة عليها.
"كما تشأون" همست المرأة وتبخرت في العدم.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت المجموعة في صمت مذهول بعد اختفاء المرأة الغامضة. لم يترك اختفاؤها أي أثر، وكأنها لم تكن سوى سراب وسط الجليد المتجمد. حتى الهواء بدا وكأنه استعاد سكونه الثقيل بعد رحيلها، لكن كلماتها ظلت عالقة في أذهانهم: "إما أنا وإما الموت في الصقيع."
جود كانت لا تزال تحدق في الفراغ الذي كانت تقف فيه المرأة قبل لحظات.
"هذا... ليس طبيعيًا." همست، متوترة.
ماجي، التي كانت ترتجف من البرد، مسحت الثلج عن وجهها وقالت بصوت محايد:
"حسنًا، يبدو أننا أضعنا فرصتنا الوحيدة في البقاء أحياء هذه الليلة."
رعد كان ينظر إلى المكان حيث اختفت المرأة، ثم صوب عينيه إلى القنديل الذي تركته خلفها، متوهجًا وسط العتمة.
"ربما لم نضِع الفرصة بعد."
تقدم بخطوات ثابتة نحو القنديل، التقطه بحذر، فوجد أنه لا يزال مشتعلاً، والزيت داخله لم يتجمد رغم البرد القارس. تلاعب اللهب الخافت بظلالهم على الجليد، وكأن القنديل يحمل شيئًا أكثر من مجرد نار… ربما يحمل دعوة لم تكتمل.
"إذا كانت تريده أن ينطفئ، لفعلت." قال وهو يرفع القنديل عاليًا، فانعكست أضواؤه على الوجوه المتعبة.
ليلى نظرت إليه، ثم إلى المكان الذي اختفت فيه المرأة.
"أتظن أنها تركت لنا طريقًا لنكمل؟"
أومأ رعد، ثم التفت إلى الآخرين.
"ليس لدينا خيار. إن لم نتحرك، سنموت هنا."
جود، رغم توترها، استسلمت للأمر الواقع، ووافقت:
"حسنًا، لنرَ إلى أين سيأخذنا هذا القنديل."
تحركوا عبر الجليد، متتبعين الضوء الخافت الذي يرسم طريقًا غير مرئي وسط الجبال المتجمدة. كانت الرياح تعوي من حولهم، كأنها تهمس بأسرار قديمة لا يُفترض أن يسمعوها. الأرض تحت أقدامهم كانت زلقة، والخطوات الخاطئة قد تعني السقوط في الهاوية.
لكن وسط هذا البرد القارس، كان القنديل يشع بحرارة غريبة، وكأنه يخلق درعًا خفيًا حولهم، يمنع التجمد من الوصول إلى عظامهم.
بعد مسافة بدت وكأنها بلا نهاية، ظهرت أمامهم فتحة كهف، محاطة بصخور ضخمة بدت كأنها تحرس مدخلًا إلى عالم آخر. وقفوا أمامه بتردد، ثم قالت ليلى بصوت حذر:
"هذا ليس كهفًا عاديًا…"
وقبل أن يتمكن أحدهم من الرد، دوّى صوت منخفض من الداخل، كأنه همس قادم من أعماق الأرض:
"كنتم أغبياء بالمجيء إلى هنا."
تجمدت أنفاسهم في الهواء البارد، وتبادلوا النظرات بحذر. كان الصوت عميقًا، لكنه لم يكن بشريًا تمامًا، بل حمل نبرة مشوبة بالسخرية والإنذار.
قبض رعد على القنديل بإحكام، ورفع رأسه متصديًا للظلام داخل الكهف.
"ومن أنت لتصفنا بالأغبياء؟" قال بصوت ثابت، متحديًا أي كيان يسكن هناك.
ساد صمت ثقيل للحظات، ثم تردد الصدى مرة أخرى، قادمًا من أعماق الكهف:
"أنا من يبحث عنه الجميع… ومن لا يجرؤ أحد على مواجهته."
ماجي همست وهي تتراجع خطوة للوراء، يدها على خنجرها:
"هذا ليس فألًا جيدًا، رعد…"
لكن ليلى كانت تحدق داخل الكهف، عيناها تضيقان، كما لو أنها تحاول الرؤية عبر الظلام. ثم قالت بصوت منخفض:
"إنه يختبرنا."
رعد نظر إليها، ثم عاد ببصره إلى الداخل. كان هناك شيء ما في الظلام، شيء أكثر من مجرد وهم، لكنه لم يكن يستطيع تمييزه بعد.
ثم، فجأة، تلاشى الظلام ببطء، كأنه يُسحب إلى الأعماق، وظهر عند المدخل رجل طويل القامة، يلبس معطفًا أسود ثقيلًا، وغطت نصف وجهه قناع معدني مثل الذي كان يرتديه ضرغام. لكن عينيه، على عكس ضرغام، كانتا بلون أحمر داكن، مثل جمرة خامدة تنتظر أن تُبعث من جديد.
وقف الرجل ينظر إليهم بصمت للحظات، قبل أن يتكلم بصوت هادئ لكنه مشحون بالقوة:
"إذا كنتم تبحثون عن ضرغام… فقد وجدتم نصفه فقط."
عبست جود، ونظرت إلى رعد بعدم فهم.
"ماذا يعني بنصفه؟"
الرجل ابتسم ابتسامة باردة، ثم استدار ببطء، مشيرًا لهم بالدخول.
"إذا كنتم تملكون الجرأة، تعالوا واكتشفوا بأنفسكم."
ترددوا للحظة، لكن ليلى تقدمت أولًا، تبعها رعد، ثم ماجي وجود. حين عبروا عتبة الكهف، شعروا بأن الهواء نفسه تغير—لم يعد بارداً كما كان في الخارج، بل مشحوناً بطاقة غريبة، كما لو أنهم دخلوا إلى مكان خارج الزمن.
فى الداخل كان هناك جدار ضخم من الجليد، وفي داخله، كان هناك شخص آخر يشبه ضرغام تمامًا… لكنه كان نائمًا، محبوسًا داخل الجليد، وعيناه مغمضتان كما لو أنه لم يستيقظ منذ قرون.
"همست جود لكننا رأينا الساحر ضرغام وقال إذا استطعتم البقاء هذه الليله فأنه سيظهر صباح اليوم التالى ويخبرنا عن مكان أمير الجان ريان"
"أمير الجان ريان؟"
دار جسد الرجل المقنع فى دوائر صغيره كأنه فراشه.
"هنا فى هذه الأرض جان وشياطين وعفاريت وغيلان، فى كل كهف تسكن روح شريره لابد انه عفريت كان يتلاعب بكملا أحد يصل إلى ضرغام لقد حاولت منذ سنين ان اصل اليه بلا فائده ثمن ضرغام لا يقدر عليه احد"
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
ساد صمت ثقيل، وكأن الجدار الجليدي نفسه يتنفس مع كلمات الرجل المقنع. لم يكن هناك صوت سوى أنفاسهم المتسارعة، وضوء القنديل المرتعش يلقي بظلال مرتجفة على الجدار حيث يرقد الرجل المحبوس داخله.
تقدم رعد خطوة، يحدق في الملامح المنحوتة في الجليد. كان وجه ضرغام الثاني هادئًا، كأنه في سبات عميق، لكن هناك شيء ما في ملامحه بدا مألوفًا بشكل مقلق. لم يكن مجرد شبيه… بل كان صورة طبق الأصل.
ليلى كانت أول من كسرت الصمت:
"إذا كان هذا ليس وهمًا… فمن الذي تحدثنا إليه في الخارج؟"
الرجل المقنع ضحك بصوت منخفض، لكن ضحكته كانت جافة كصوت الصخور حين تنكسر.
"منذ متى تثقون بما ترونه هنا؟ هذا المكان لا يخضع لقوانينكم… إنه فخ. أنتم لا تبحثون عن ضرغام الحقيقي، بل عن خيال خلقته هذه الجبال."
نظرت إليه ماجي بحذر.
"إذن، من يكون هذا؟"
اقترب الرجل من الجدار الجليدي، مرر أصابعه المعدنية على سطحه، فأصدر الجليد طنينًا غريبًا، كأن شيئًا خلفه بدأ يتحرك. ثم التفت إليهم، وقال بصوت خافت لكنه مشحون بالمعنى:
"هذا… هو ضرغام الحقيقي."
شعرت جود برجفة تسري في عمودها الفقري.
"إذا كان هذا هو الحقيقي… فمن ذلك الذي تحدث معنا في الخارج؟"
أدار الرجل رأسه ببطء، وعيناه الحمراوان تألقتا بوميض شيطاني.
"ظلكم."
ارتجف الهواء حولهم، وكأن الجدار الجليدي نفسه استشعر كلماته. ثم، دون سابق إنذار، بدأت التصدعات بالظهور على سطح الجليد، تمتد مثل عروق سوداء تنبض بطاقة غريبة. كان هناك شيء ما يتحرك في الداخل—ليس ضرغام فقط، بل شيء آخر… شيء لم يكن عليهم إيقاظه.
أمسك رعد بمقبض سيفه، وصرّ على أسنانه.
"إذا كان هذا فخًا، فلماذا تأخذنا إلى هنا؟"
ابتسم الرجل المقنع، لكنه لم يرد، بل رفع يده، مشيرًا إلى شيء خلفهم. التفتوا جميعًا بسرعة—لكن ما رأوه جعل الدم يتجمد في عروقهم.
كان هناك شخص يقف عند مدخل الكهف، متشحًا بالسواد بالكامل، لكن ملامحه كانت مألوفة جدًا… مألوفة حد الرعب.
كان ضرغام.
لكن ليس ذلك الذي في الجليد، ولا ذلك الذي التقوه في الخارج.
هذا كان مختلفًا.
عيناه لم تكونا بلون الفضة، بل بلون الليل نفسه، وكأنهما بوابتان مفتوحتان على الفراغ. جلده كان شاحبًا أكثر من اللازم، وشفتاه كانتا منحنية بابتسامة خالية من أي مشاعر بشرية.
قال بصوت هادئ، لكنه حمل في طياته ظلامًا لا يوصف:
"ألم أخبركم أنكم أغبياء بالمجيء إلى هنا؟"
لم يكن هذا ضرغام الذي بحثوا عنه.
كان هذا ضرغام الذي ضاع في الجليد منذ زمن بعيد.
وكان الآن… قد استيقظ.
تراجعوا خطوة غريزية، كأن وجود هذا "الضرغام" الجديد سلب الهواء من رئاتهم. حتى الرجل المقنع، الذي بدا غير مبالٍ طوال الوقت، أصبح صامتًا، وعيناه الحمراوان ثبتتا على القادم الجديد وكأنه يواجه شيئًا يعرفه مسبقًا.
رعد، رغم اضطراب أنفاسه، قبض على مقبض سيفه بشدة، لكن قبل أن يتمكن من سحبه، رفع ضرغام الغريب يده ببطء، وكأنه ينذره بعدم المحاولة.
"أنا لست عدوكم،" قال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل صدىً غريبًا، وكأنه يخرج من أعماق الجبل نفسه.
لم تخفِ ماجي شكوكها، قبضت على خنجرها وقالت بنبرة حادة:
"وهل يفترض بنا أن نصدقك؟"
لم ينظر ضرغام الغريب إليها، بل أبقى نظره مثبتًا على الجدار الجليدي حيث كان ضرغام الآخر لا يزال نائمًا. ثم قال ببطء، كما لو أنه يختار كلماته بعناية:
"ذلك الذي تبحثون عنه… كان يومًا ضرغام، لكنه الآن شيء آخر."
التفتت ليلى إلى الجدار الجليدي، حيث تشققت طبقة الجليد أكثر، وكأن شيئًا خلفه كان يحاول الخروج. قلبها انقبض، شيء ما في أعماقها أخبرها أن هذا ليس تحريرًا… بل كارثة تنتظر لحظة الانفجار.
"ما الذي تعنيه؟" سأل رعد، صوته حاد كالنصل.
لم يرد ضرغام الغريب فورًا. بدلاً من ذلك، تقدم إلى الأمام، حتى صار أمام الجدار الجليدي مباشرة، ثم مد يده ولمس سطحه بأصابعه الطويلة.
حدث انفجار.
لم يكن انفجار نار أو ضوء، بل طاقة خفية اهتز لها الكهف بأكمله. تراجعت المجموعة بسرعة، بينما انطلقت تشققات ضخمة عبر الجليد، كأن روحًا محتجزة في داخله بدأت بالصراخ.
ثم، ببطء، فتح ضرغام النائم عينيه.
لم يكن هناك بريق فضي في عينيه، ولا أي أثر للحياة الطبيعية.
بل كانت فارغة.
فارغة تمامًا، وكأنها بوابتان إلى العدم.
ثم، بدون إنذار، انهار الجدار الجليدي بالكامل.
رفعت جود ذراعيها لتقي وجهها من الشظايا المتطايرة، بينما سحبت ماجي خنجرها واستعدت. رعد، بدافع غريزي، أمسك بليلى وجذبها بعيدًا عن موقع الانهيار، بينما اهتزت الأرض تحتهم.
وحين هدأ كل شيء، نهض ضرغام الحقيقي من بين الأنقاض، عاريًا من أي أثر للجليد، لكنه لم يتحرك… فقط وقف هناك، منتصبًا، بينما جلده الشاحب يتوهج ببرودة غريبة.
ثم، بدون أي تعبير على وجهه، قال بصوت لم يكن بشريًا تمامًا:
"أين… أنا؟"
نظر ضرغام الغريب إليه، ثم استدار نحو رعد وبقية المجموعة، وقال بصوت منخفض لكن محمّل بالتحذير:
"الآن… أصبحتم في مشكلة حقيقية."
ساد الصمت، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا. كان ثقيلاً، محمَّلاً بشيء غير مرئي، كأن الهواء ذاته فقد توازنه. نظراتهم جميعًا كانت مثبتة على ضرغام، الذي وقف وسط الأنقاض الجليدية بلا حراك، عيناه الفارغتان تائهتان في العدم.
ثم، فجأة، انطلقت منه زفرة طويلة، كأنها أول نفس يسحبه منذ قرون.
لم ينتظر رعد أكثر. تقدَّم خطوة، قبضته لا تزال على سيفه، وسأل بصوت هادئ لكنه حذر:
"هل أنت ضرغام؟"
لم يأتِ الرد فورًا. بدا وكأن ضرغام يحاول استيعاب السؤال ذاته، قبل أن يميل برأسه قليلًا، ثم قال بصوت غريب، منخفض كأنه صدى لعشرات الأصوات مجتمعة:
"ضرغام… هذا كان اسمي ذات يوم."
تبادلت ماجي نظرة حادة مع ليلى، التي بدت متوترة لكنها لم تتحرك. أما جود، فكانت تتراجع ببطء، ويداها تتحسسان رموز الحماية التي خطتها في ملابسها منذ زمن، كأنها تتوقع الأسوأ.
كان الرجل المقنَّع الأكثر هدوءًا بينهم. ابتسم تلك الابتسامة الباردة التي لم تحمل أي مرح، وقال:
"إذن، أنت لست ضرغام الآن؟"
استدار ضرغام الجديد إليه ببطء، حدَّق في عينيه الحمراوين، ثم قال بصوت أكثر وضوحًا هذه المرة:
"أنا أكثر من ضرغام… وأقل منه في الوقت ذاته."
كانت تلك الكلمات كافية لإشعال الشكوك.
تقدَّمت ليلى خطوة، عيناها تحدِّقان فيه بقوة، ثم قالت:
"كفى ألغازًا! إن كنت تعرف من تكون، فقلها بوضوح."
نظر إليها ضرغام مطوَّلًا. ثم، في لحظة غريبة، ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة عادية… بل شيء بارد، شيء جعل القشعريرة تسرح في جسدها كما لو أنها نظرت إلى شيء لا ينتمي إلى هذا العالم.
ثم قال بصوت خافت، لكنه اخترقهم كالسهم:
"أنا ضرغام… لكنني أيضًا ما تبقى منه."
تحجَّرت ملامح رعد.
"ماذا تعني؟"
لم يُجِب ضرغام فورًا. بدلاً من ذلك، رفع يده ببطء، وأشار نحو الرجل المقنَّع.
"سألتم عن ضرغام… لكنه ليس كيانًا واحدًا."
شحبت ملامح جود.
"ماذا تقصد؟"
أخفض ضرغام يده، ثم قال ببطء، كأنه يجرُّ الكلمات من ظلام بعيد:
"قبل قرون، ضرغام لم يكن مجرد ساحر… بل كان سجينًا هنا."
كانت الجملة كفيلة بجعل القنديل في يد رعد يرتجف، كأن شعلة النار نفسها تفاعلت مع الكلمات.
ضحك الرجل المقنَّع ضحكة منخفضة، لكنه لم يبدُ متفاجئًا.
"وأخيرًا، الحقيقة تبدأ بالظهور."
استدار ضرغام إليه، وقال بصوت أكثر برودة:
"وأنت كنت تعلم، أليس كذلك؟"
صاحت ماجي فجأة، وقد فهمت شيئًا:
"أنتما… شخص واحد؟"
لم يرد ضرغام الغريب، بل اكتفى بالصمت. أما ضرغام الجديد، فرفع يده، ووضعها على صدره، كأنه يشعر بشيء ينبض داخله، ثم قال:
"كلا. نحن نصفان لشيء واحد… أو بالأحرى، لما كان ضرغام يومًا."
أخذ رعد خطوة أخرى للأمام، رغم التحذير الغريزي الذي اجتاح جسده، وقال بنبرة متوترة:
"إذن… أنت لست كاملًا؟"
أومأ ضرغام ببطء.
"أنا روحه… أما هو"—وأشار إلى الرجل المقنَّع—"فهو ظله."
عند هذه الكلمات، ارتفع هدير غريب من أعماق الكهف، كأنه قادم من شيء لم يفق بالكامل بعد. الجدران نفسها بدأت تهتز، وكأن شيئًا آخر، شيء أكبر، كان يستيقظ.
ضحك الرجل المقنَّع مجددًا، لكنه هذه المرة لم يكن يحاول إخفاء شيء.
"إذن، حان الوقت أخيرًا."
كان رعد، ليلى، ماجي، وجود في حالة تأهب قصوى. كان هناك شيء مروع يحدث هنا، شيء لم يكونوا مستعدين له بالكامل.
قبض رعد على سيفه بقوة، ثم قال بصوت منخفض، موجِّهًا كلامه إلى ضرغام الجديد:
"إن كنت بالفعل روحه… فماذا حدث لك؟"
لم يرد ضرغام على الفور. بل نظر إلى يديه، وكأنه يراها للمرة الأولى، ثم قال ببطء:
"لقد تمزَّقت."
عند تلك الكلمة، انفجرت الأرض تحتهم.
حين انفجرت الأرض تحتهم، لم يكن انفجارًا عاديًا. لم يكن هناك نار، لم يكن هناك صوت مدوٍّ، بل كان أشبه بانهيار نسيج الواقع نفسه. فجأة، وجدوا أنفسهم يسقطون… ليس إلى أسفل كما هو متوقع، بل إلى الداخل، إلى مكان آخر، كما لو أن الكهف ابتلعهم إلى بُعد مختلف.
عندما استعادوا وعيهم، كانوا يقفون في ساحة واسعة، أشبه بسراديب قديمة منحوتة في الجليد الأسود. جدرانها بدت وكأنها تتنفس، تتوهج للحظات ثم تعود للظلام، كأنها قلب نابض تحت الجليد. في منتصف الساحة، وقف ضرغام، أو ما تبقى منه، بجانب الرجل المقنّع. لكن الآن، لم يعودا منفصلين… بل كانا يتحولان، شيئًا فشيئًا، إلى كيان واحد.
أمسك رعد سيفه، مستعدًا لأي هجوم.
"ما الذي يحدث؟"
رفع ضرغام رأسه، عيناه اللتان كانتا فارغتين في البداية بدأتا تكتسبان لونًا جديدًا… لونًا ذهبيًا مشعًا. عندما تحدث، كان صوته مختلفًا، أكثر تماسكًا، أكثر كمالًا.
"أنا لم أكن ممزقًا فقط، بل كنت محبوسًا هنا… حتى أتى الوقت المناسب لاستعادة نفسي."
نظرت جود حولها بحذر.
"وأين نحن؟"
رفع ضرغام يده، وبإشارة منه، بدأ الجليد يتلاشى من حولهم، كاشفًا عن خريطة من الضوء، منقوشة على الأرضية الجليدية. كانت الخريطة تتغير، تتحرك، كأنها تعيد رسم نفسها في كل لحظة.
"هذا المكان ليس كهفًا… بل هو بوابة." قال ضرغام، وعيناه تحدقان في الخريطة المتوهجة. "بوابة إلى مملكة الجان."
حبست ليلى أنفاسها.
"إذن… الأمير ريان هناك؟"
لم يرد ضرغام فورًا. كان يحدق في الخريطة، كأنه يبحث عن شيء محدد. ثم، بعد لحظة من الصمت، قال بصوت خافت لكنه محمَّل بمعانٍ ثقيلة:
"ريان لم يُختَطَف… بل أخفي."
رفعت ماجي حاجبها بريبة.
"أخفي؟ ما الفرق؟"
رفع ضرغام يده مجددًا، وهذه المرة، انبثقت صورة أمامهم، صورة ضبابية لمدينة خفية بين الجبال، محاطة بجدران من ضوء أزرق متوهج.
"هذه هي مملكة الجان." قال بصوت هادئ. "لكنها ليست كما كانت. هناك شيء خاطئ يحدث بداخلها."
ضيّق رعد عينيه.
"هل تعني أن الجان أنفسهم هم من أخفوا ريان؟"
التفت ضرغام إليه، ونظر إليه كما لو أنه يقيّمه لأول مرة، ثم قال ببطء:
"بل أخفوه… لإنقاذه."
صمت ثقيل خيّم عليهم جميعًا.
كانت جود أول من تحدث.
"إذا كانوا يحمونه… فلماذا لا يظهر؟"
لم يجب ضرغامها مباشرة. بدلاً من ذلك، مرر يده فوق الخريطة، فظهرت صورة أخرى—هذه المرة، كانت صورة لقفص من الطاقة، يحوم في الفراغ، محاطًا بظلال سوداء كثيفة.
"لأن هناك شيئًا… أو أحدًا… يبحث عنه أيضًا."
أدركت ماجي الأمر قبل الجميع، وقالت بصوت مشوب بالخوف:
"تريد أن تقول أن هناك قوة أخرى… تسعى لأسره؟"
أومأ ضرغام.
"ليس فقط أسره… بل تدميره."
شعرت ليلى بالقشعريرة تزحف على جسدها.
"لكن من؟"
لم يرد ضرغام مباشرة. بدلاً من ذلك، التفت إلى الرجل المقنّع، الذي كان واقفًا بصمت طوال هذا الوقت. ثم قال له بنبرة أقرب إلى التحدي:
"حان الوقت لأن تخبرهم بالحقيقة."
ضحك الرجل المقنّع ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن ساخرة هذه المرة، بل كانت مليئة بالحزن. ثم، ببطء، رفع يده إلى وجهه، وأزال القناع.
عندما سقط القناع على الأرض، انكشف وجهه الحقيقي.
كان يشبه ضرغام… لكن ليس تمامًا. كانت هناك اختلافات طفيفة، خطوط أكثر قسوة، ندبة طويلة تمتد من جبينه حتى ذقنه، وعيناه—رغم تشابههما مع ضرغام—لم تكونا حمراوين فقط… بل كان فيهما ظلٌ يتحرك، كأنه محبوس داخلهما.
ثم قال بصوت خافت لكنه اخترق السكون مثل السيف:
"أنا شقيق ضرغام."
كانت تلك الصدمة كافية لجعل الجميع يتجمدون في أماكنهم.
حدَّق رعد فيه بذهول.
"ماذا؟"
لم يبتسم الشبيه، بل نظر إليهم جميعًا بجدية قاتمة، وقال:
"اسمي غياث. وأنا… سبب اختفاء ريان."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
نظروا جميعًا إلى غياث بذهول، كأنهم لم يفهموا الكلمات التي خرجت من فمه.
كان ضرغام لا يزال صامتًا، عيناه الذهبيتان مثبتتان على شبيهه الذي كشف عن هويته للتو.
رعد كان أول من استعاد تماسكه. قبض على مقبض سيفه بشدة وقال بصوت حاد:
"إذا كنت السبب، ففسّر لنا كيف؟"
تنهد غياث، وكأن كلماته القادمة ستثقل عليهم جميعًا، ثم قال:
"قبل سنوات طويلة، كنت وريث العرش الحقيقي لمملكة الجان، لكنني فقدت كل شيء… بسببه."
وأشار إلى ضرغام.
جود نظرت بينهما، بين الشبه العجيب والاختلاف الغريب.
"كيف يمكن أن تكونا شقيقين وأحدكما جان والآخر بشري؟"
ضحك غياث بسخرية، لكن ضحكته كانت حزينة أكثر مما هي مستفزة.
"لأن ضرغام لم يكن دائمًا بشريًا."
الهدوء الذي تلا كلماته كان أشبه بسكون ما قبل العاصفة. الجميع تجمّدوا في أماكنهم، بينما بدأ ضرغام يحدق في غياث كما لو أنه استعاد ذكرى كان قد نسيها منذ زمن بعيد.
ليلى شعرت بأن قلبها ينبض بسرعة، وقالت بصوت مرتجف:
"أنت تقول… إن ضرغام كان جانًا؟"
أومأ غياث ببطء.
"ليس مجرد جان… بل ولي العهد، الأمير الذي كان مقدرًا له أن يحكم بعد والدي."
أغمض عينيه للحظة، كأنه يستعيد الذكريات القديمة.
"لكن حدث شيء لم يكن في الحسبان… شيء غيّر كل شيء."
ضرغام لم يتحرك، لكنه تحدث أخيرًا، وصوته كان أشبه بصوت شخص يتذكر حياته للمرة الأولى.
"لقد نُفيت."
نظر إليه غياث بحدة.
"بل لُعنت."
رعد، الذي كان يسمع كل هذا بصبر نافد، قاطعهم قائلاً:
"كل هذا لا يهم الآن! المهم أن ريان في خطر، وعلينا أن نعرف كيف نستعيده."
غمغم ضرغام وكأن الكلمات تخرج منه دون أن يدرك:
"لقد نُفيت من المملكة، وأُجبرت على العيش في عالم البشر… لم أكن أتذكر من أكون."
نظر إليه غياث بعينين مشتعليتين بالغضب والألم.
"وأنا من بقيت أحمل الذنب وحدي."
كان هناك شيء مخيف في صوته، شيء جعل حتى ماجي تتوقف عن تحريك خنجرها. تابع قائلاً:
"عندما اختفى ضرغام، تغير كل شيء في المملكة. لم يكن هناك ولي للعهد، ولم يكن هناك من يرث العرش سواي… لكن والدنا لم يكن يثق بي كما كان يثق به. كنتُ مجرد ظل، مجرد احتياطي. وعندما جاء الوقت، عندما كان عليّ أن أتولى العرش…"
توقف للحظة، ثم أكمل بصوت مرتجف:
"اتهموني بالخيانة."
ليلى حدقت فيه.
"لماذا؟"
تنهد غياث، ونظر إلى رعد مباشرة.
"لأنني حاولت إنقاذ شخص لا يجب أن يكون في المملكة."
ثم أضاف بصوت قاتم:
"حاولت إنقاذ ريان."
سرت قشعريرة في أجسادهم جميعًا.
جود كانت أول من تحدث بعد لحظة صمت.
"إذا كنت تحاول إنقاذه، فمن الذي كان يسعى لإيذائه؟"
نظر غياث إليها طويلاً، ثم قال بصوت خافت:
"الحاكم الجديد."
رعد عقد حاجبيه.
"أي حاكم؟"
"الحاكم الذي جلس على العرش بعد اختفاء ضرغام… والذي لم يكن يجب أن يجلس عليه أبدًا."
ضرغام لم يبدُ متفاجئًا.
"أبي."
جود وضعت يدها على فمها، بينما تجمدت ليلى في مكانها.
ماجي قالت بصوت بارد:
"إذن، الملك نفسه هو من سعى وراء ريان؟"
أومأ غياث.
"ريان ليس مجرد أمير، إنه يحمل سلالة أقوى من أن تُترك دون رقابة."
ثم صمت للحظة قبل أن يضيف ببطء:
"ريان ارتكب خطيئة لا تُغتفر في نظر الملك."
رعد ضاق عينيه.
"ما الذي فعله؟"
أجاب غياث بصوت منخفض لكنه حمل قوة كلماته:
"أحب إنسانة بشرية."
ساد صمت ثقيل. جود وليلى تبادلتا نظرات مذهولة، بينما بقي ضرغام صامتًا.
تابع غياث:
"حين اكتشف الملك ذلك، غضب بشدة. لم يرد أن يتكرر ما حدث في الماضي، أن يتحد دم الجان مع البشر، فرأى أن ريان لم يعد يستحق العرش. لم يكتفِ بحرمانه من حقه كوريث، بل أمر بنفيه."
توقف للحظة، ثم أضاف بصوت أكثر قتامة:
"لكن الحقيقة أنه لم يكن يريد نفيه فقط… بل قتله."
ليلى غطّت فمها بيدها، أما رعد فقبض على سيفه بقوة.
"عندما أدركت ذلك، كنت الوحيد الذي استطاع مساعدته على الفرار. أخفيته بعيدًا عن أعين الجميع، وظننت أنني أنقذته… لكن الملك لم يتوقف عن البحث عنه منذ ذلك الحين."
ضرغام، الذي كان يستمع بصمت، قال أخيرًا:
"أين هو الآن؟"
أجاب غياث بصوت منخفض:
"في مكان لم يعد آمنًا بعد الآن."
رعد رفع رأسه، الحدة في عينيه تزداد.
"إذن علينا أن نصل إليه قبل الملك."
غياث نظر إليه نظرة طويلة، ثم قال بصوت هادئ لكنه مليء بالتحذير:
"إذا ذهبتم معي… لن يكون هناك عودة."
ضرغام حدّق فيه مباشرة وقال:
"خذني إليه."
ابتسم غياث، لكن ابتسامته لم تكن مريحة.
"إذن استعدوا… لأن ما نحن مقبلون عليه قد يغيّر كل شيء."
ساد الصمت بينهم للحظات، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان ثقيلاً، محمّلًا بالاحتمالات والمخاطر. كل واحد منهم كان يدرك أن اتخاذ هذه الخطوة يعني تجاوز الحد الفاصل بين الأمان والهاوية.
أخيرًا، تحرك رعد. رفع رأسه ونظر إلى غياث بثبات.
"إلى أين سنذهب؟"
غياث أجابه دون تردد:
"إلى المكان الذي أخفيت فيه ريان... سجن النهر الأسود."
تجمدت ليلى وجود، بينما حدّق ضرغام في غياث بحدة. لكن رعد، على عكسهم، لم يُظهر أيّ مفاجأة… فقط توترت عضلاته، وانقبض فكه.
"سجن النهر الأسود؟" تمتمت ليلى بصوت خافت، غير مصدقة. "لكن… هذا مجرد أسطورة!"
"بل هو حقيقة." قال غياث ببرود. "سجن النهر الأسود ليس مجرد مكان لحبس السجناء… إنه مكان يُسجن فيه من يُراد محوهم من الوجود."
توقف للحظة، ثم أضاف:
"وكان هذا هو المصير الذي أراده الملك لريان."
كان الجميع مستغرقين في محاولة استيعاب كلامه، لكن عيونهم انجذبت إلى رعد حين قال بصوت خافت، لكنه محمّل بالثقل:
"أنا أعرف ذلك المكان."
التفتوا جميعًا إليه، نظراتهم مليئة بالدهشة.
"كيف تعرفه؟" سألت ليلى، والقلق يملأ ملامحها.
رفع رعد نظره، وعيناه تعكسان ذكرى لم يرد استرجاعها.
"لأنني كنت هناك."
ساد الصمت مجددًا، لكنه هذه المرة لم يكن ثقل الصدمة وحده، بل شعور بالخوف الحقيقي.
"أنت… كنت في سجن النهر الأسود؟" سألت ليلى، وكأنها تحاول استيعاب الأمر.
"ليس فقط كنت هناك،" قال رعد بصوت بارد، "بل كنت محبوسًا داخله."
انعقد حاجبا ضرغام.
"وكيف خرجت؟"
لم يجب رعد مباشرة، بل نظر إلى جود ثم إلى ماجي، وكأن كلماته تخصهم قبل أي أحد آخر. وأخيرًا قال:
"لأنهم أنقذوني."
ساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة، بل احترام.
ماجي، التي لم تكن من النوع الذي يحب الحديث عن البطولات، قالت بصوت جاف:
"الدخول إلى السجن شيء، والخروج شيء آخر. إذا كنا سندخل مجددًا، فلابد أن نكون مستعدين."
أومأ غياث موافقًا.
"هذه المرة، لن يكون الأمر مجرد هروب. علينا أن نستعيد ريان."
جود، التي كانت تتذكر تفاصيل المهمة السابقة، شدّت على قبضة سلاحها.
"إذن فلننهِ ما بدأناه."
تبادلوا نظرات حازمة، ثم تحركوا معًا، وكأنهم اتخذوا قرارًا واحدًا دون حاجة إلى الكلام.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
كان النهر الأسود أكثر من مجرد مجرى مائي. كان كيانًا ينبض بالحياة، كأنه روح قديمة تئن تحت وطأة الأسر. مياهه لم تكن مياهًا عادية، بل كانت شلالًا من الظلام السائل، تتدفق ببطء كأنها ترفض أن تتحرك. تتخللها لمحات خاطفة من الأضواء المتراقصة، كأن أرواحًا حبيسة تحاول الصراخ من داخله.
كان النهر يمتد بلا نهاية، ضفافه مظلمة كأنها بوابة لعالم آخر. أما الهواء المحيط به فكان محملًا بهمهمات خافتة، أصوات ضائعة بين الحياة والموت، تهمس بكلمات غير مفهومة، لكنها كانت تحمل رجاءً يائسًا، تحذيرًا غير مكتمل، أو ربما لعنة لم يكتمل نطقها.
وقف رعد على الحافة، وعيناه تراقبان التيارات السوداء المتلألئة. شعر ببرودة غريبة تزحف إلى جلده، كأن شيئًا يحاول سحبه من الداخل. كأن الماضي يعيد نفسه. تذكر عندما كان محبوسًا داخل سجن النهر الأسود قبل أن تنقذه المجموعة، ثم تذكر آدم، الذي قُتل في حرب الساحرة باتريكا. كل تلك الذكريات هاجمت عقله دفعة واحدة.
"هذه ليست مياهًا..." تمتمت جود وهي تراقب الدوامات الصغيرة التي تتشكل وتختفي بسرعة.
"إنها أرواح." قال غياث بصوت هادئ، لكن نظرته كانت تحمل ظلًا من الذكرى. "أرواح أولئك الذين عُذبوا حتى نُسيت أسماؤهم... ولم يعد لهم مكان لا في عالم الأحياء، ولا في عالم الموتى."
ماجي حدقت في سطح النهر، بينما رفعت يدها بحذر. فجأة، برزت يد طيفية من الأعماق، أصابعها الطويلة ممتدة نحوها كأنها تستجدي النجاة. لكنها لم تكن يدًا بشرية. كانت مزيجًا من العظام والظل، وداخلها، لمع بريق أزرق كعين ميتة لم تُغلق أبدًا.
"لا تلمسوها." قال ضرغام بصوت منخفض، وهو يراقب كيف تراجعت اليد إلى المياه المظلمة. "إنها تبحث عن طريق للخروج، لكنها لن تتردد في سحب أي شخص بدلاً منها."
"وكيف سنعبر إذن؟" سألت ليلى، وهي تنقل نظرها بينهم.
أجاب غياث: "هناك قارب، لكن الوصول إليه ليس بهذه السهولة."
وأشار إلى الضفة البعيدة، حيث ظهر هيكل قارب قديم، مصنوع من الخشب الأسود المحروق، يطفو بهدوء وسط الظلام. لم يكن هناك مجداف، ولا حبال، لكنه كان يتحرك. ينجرف ببطء كأن يدًا غير مرئية تقوده.
"إنه ليس قاربًا عاديًا." تمتم رعد.
"ولا يجب أن يعامل كذلك." قال غياث وهو يتقدم بحذر، خطواته بالكاد تلمس التربة الرطبة. "هذا القارب يتحرك وفق إرادة النهر، ولا يأخذ سوى من يسمح لهم بعبوره."
تبادلوا نظرات سريعة، ثم تحركوا، كل واحد منهم يقفز إلى القارب بصمت.
ما إن صعد آخرهم، حتى بدأ القارب يتحرك وحده، منجرفًا عبر التيارات السوداء.
رأى رعد انعكاس وجهه في المياه. لكنه لم يكن انعكاسًا عاديًا. بل كان ظلًا مشوهًا، يحمل عينين لا تنتميان إليه، ونظر إليه بابتسامة لم تكن له.
ماجي سمعت صوتًا هامسًا، كان يشبه صوت والدتها، لكنه لم يكن صوتها حقًا. كان هناك خطأ بسيط، نبرة خاطئة، تردد مريب في الكلمات، وكأن النهر كان يحاول إعادة تشكيل الذكريات بما يناسبه.
أما جود، فقد شعرت وكأن الهواء أصبح أثقل، كأن أحدًا يتنفس قرب أذنها دون أن تراه.
"لا تستمعوا إلى شيء." قال ضرغام وهو يضغط على قبضة سلاحه، بينما كان صوت خافت يتردد حوله، يناديه باسمه، وكأنه يدعوه إلى الغرق.
لكن الأسوأ لم يكن الأصوات. بل الظلال. خرجت من المياه، كأنها أطياف تتسلل عبر السطح، بلا وجوه، بلا ملامح، لكن بها شيئًا يشبه الحياة.
"تمسكوا جيدًا!" صرخ غياث، بينما اهتز القارب تحتهم، وكأن الأرواح تحاول قلبه.
لم يكن هناك وقت للقتال، كان عليهم أن يصمدوا. أمسك كل واحد منهم بشيء ثابت، بينما ازدادت الهجمات. الأيدي الطيفية خرجت من المياه، حاولت سحبهم، حاولت التمسك بملابسهم، بأقدامهم.
لكنهم تمسكوا.
وفي اللحظة الأخيرة، عندما كانت أقرب الظلال على وشك لمسهم، خرج القارب من النهر، واستقر على ضفة صخرية أمام مدخل سجن النهر الأسود.
أمامهم، ارتفع مدخل السجن، بوابة حجرية قديمة محفورة عليها رموز لم يفهموها. كان الهواء هنا مختلفًا، كأن العالم نفسه يلفظ هذا المكان ويرفضه.
"هنا يحتجزون من يريدون أن يُمحى وجودهم." تمتم غياث وهو يضع يده على البوابة.
ضغط عليها، وبدأت الأحجار تتحرك، كأنها تتنفس، ثم فتحت الطريق إلى الداخل.
ما إن دخلوا، حتى أحاط بهم الظلام، لكن لم يكن ظلامًا عاديًا. بل كان حيًا.
"استعدوا." قال رعد وهو يسحب سيفه.
كان هناك شيء يتحرك في الأعماق، شيء لم يكن بشريًا ولا جانًا. بل شيء وُلد في هذا السجن ولم يعرف عالمًا غيره.
انفجرت العتمة من حولهم، وخرجت المخلوقات. كانت أطول من البشر، أجسادها مغطاة بجلد حجري متصدّع، وعوضًا عن العيون، كان هناك فجوات سوداء تحترق بلهب داخلي.
رعد كان الأسرع، شق طريقه عبرهم كأنه إعصار قاتل. ماجي قاتلت بشراسة، عيناها تراقبان كل حركة، خنجرها يلمع في الظلام. جود كانت كالظل، تضرب ثم تختفي. ضرغام استخدم قوته لضرب الوحوش حتى تفتتت، بينما غياث استغل تعاويذه ليشلّ حركتها.
وأخيرًا، بعد معركة دامية، وصلوا إلى قلب السجن، حيث كان ريان مقيدًا بالسلاسل السحرية.
كان حيًا، لكنه بالكاد يستطيع رفع رأسه.
"لقد تأخرتم." قال بصوت ضعيف، لكن ابتسامة صغيرة كانت على شفتيه.
"ألم تقل لنا ألا نتأخر؟" تمتم رعد وهو يقطع السلاسل، بينما قام غياث بكسر التعويذات.
ركضت ليلى واحتضنت ريان بكل قوتها.
"ريان حبيبي اشتقت لك."
دفع ريان يد ليلى برفق. "من، أنتِ؟"
تيبست ليلى في مكانها. "ريان، أنا ليلى حبيبتك؟"
"سامحيني، لكنني لا أتذكرك." قال ريان وهو يترنح بضعف.
همس غياث: "هذا من فعل النهر."
بينما ظل ضرغام صامتًا وعلى وجهه بقايا ابتسامة ميتة.
"لقد مُحيت ذاكرة الأمير ريان."
وسط هذا الانشياق، وقبل أن يحتفلوا بالنصر، تردد صوت هادئ في المكان.
"لقد انتهى هذا العبث."
التفتوا، وكانت ملكة الجان تقف هناك، محاطة بحراسها.
وكان ريان، رغم تحرره، قد أصبح الآن أسيرها، مقيدًا بتعويذة ملكية، لا يمكن لأي ساحر كسرها.
انحنى الجميع أمام الملكة ما عدا غياث وضرغام. حتى رعد نفسه انحنى رغم عنه. كان لحضور الملكة وسحرها سطوة وقوة لا يمكن معارضتها.
همس غياث: "ريان لن يفيدك بشيء. مسح النهر ذاكرته أصبح بلا فائدة."
"الأمير غياث؟ مر زمن طويل قبل أن نتقابل."
انصدم غياث، لقد تغير شكله ومظهره مما يجعل من المستحيل أن يعرفه أي شخص على أرض الجان.
"أنا لا أعرف عن ماذا تتحدثين." قال غياث بلا مبالاة.
"لكني أعرف." ردت ملكة الجان. "وستصبح خادمي مثلهم. كل نسل الملك الأحمر سيكونون عبيدًا لدي."
ألقت الملكة تعويذة على غياث وضرغام. ورغم أن التعويذة لم تأتِ بنفعها مع غياث لأنه ساحر وأمير جني، إلا أنه أبدى استسلامه. بينما اختفى ضرغام فجأة.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
امتدت مملكة الجان على سفوح الجبال، تحيط بها غابات منيرة بأشجار تمتد جذورها عميقًا في التربة المسحورة، تتوهج أوراقها بألوان لا يراها البشر إلا في الأحلام. وفي قلب المملكة، ارتفعت القصور المصنوعة من الكريستال الأسود، تعكس أنوار السماء القرمزية التي لا تغيب أبدًا.
في تلك الليلة، كانت المملكة تضج بالحياة.
أقيمت احتفالية كبرى بمناسبة عودة الملكة سيرينا، احتفال لم يشهد مثله منذ عقود. سكنت الموسيقى الأرجاء، وتراقصت ألسنة اللهب السحرية في الهواء، بينما انتشر أسياد الجان بين الحشود، يرفعون أنخاب النصر، ويهمسون عن الأسرى الذين عادت بهم الملكة من سجن النهر الأسود.
كانت سيرينا تسير عبر الساحة الرئيسية، مرتدية رداءً من الحرير الأسود المطرّز بخيوط فضية تعكس الضوء كأنها جزء من السماء ذاتها.
تاجها المرصّع بأحجار نادرة يلمع كلما مرت تحت شلالات الضوء السحرية التي تسقط من الأبراج العالية.
وخلفها، سار الأسرى.
رعد، جود، ضرغام، غياث، ماجي، وليلى، مقيدون بسلاسل سحرية، لكن أعينهم لم تكن منكسة.
وعلى رأسهم، كان الأمير ريان، الذي سار بهدوء، نظراته لا تبارح الملكة، كأنه يحاول فهم عقلها قبل أن تحكم عليه.
وقف الجان على جانبي الطريق، يهمسون، يضحكون، بعضهم ينظر بشفقة، والبعض الآخر بترقب.
وفي وسط الساحة، رفعت الملكة يدها، فتوقفت كل الأصوات.
"عاد ملكتكم من ساحة النصر." قالت بصوت امتد عبر المملكة كلها، كأن الرياح حملته ونثرته بين الأشجار والجبال. "وعاد معي أسرى الحرب... رموز لضعف أعدائنا، وشاهد على قوتنا."
دوّى التصفيق، وعلا الهتاف.
أما الأسرى، فقد وقفوا بلا حركة، ينظرون إلى الملكة التي كانت تستمتع بلحظة انتصارها.
لكن وسط الاحتفالات، كان هناك اجتماع ينتظرها. اجتماع لن يُسمح فيه للأغاني أو الضحكات بالتدخل.
عندما انتهت الاحتفالية، اجتمعت الملكة في قاعة الحكم مع مستشاريها.
كانت القاعة مستديرة، سقفها مقبّب من الكريستال العتيق الذي يعكس ظلال الحاضرين على الجدران. في منتصفها، جلست الملكة سيرينا على عرشها المرتفع، يحيط بها ثمانية من مستشاريها، يمثلون الفروع الثمانية لحكم الجان.
"الآن، إلى العمل." قالت الملكة وهي تلقي نظرة على مستشاريها.
"ماذا سنفعل بالأسرى؟" سأل أحدهم.
"سنحتفظ بهم كأوراق مساومة." أجابت، ثم التفتت إلى مستشارها الأكبر، اللورد إيدرين، الذي كان يرتدي رداءً قرمزيًا يميز رتبته. "ماذا عن الجان الأحمر؟"
أجاب إيدرين بصوت هادئ، لكنه محمل بالثقل السياسي: "الملك ثورن يواجه اضطرابات داخلية، الجان الأحمر لم يعدوا كما كانوا. هناك تمرد في الحدود، ونقص في الموارد، وشائعات عن انقسام داخلي في البلاط الملكي. إنهم في موقف ضعيف."
ابتسمت سيرينا ببطء. "وهذا يجعلهم يائسين... مستعدين للمقايضة."
"بالتأكيد." قال مستشار آخر، اللورد فايرن، وهو يمرر إصبعه عبر خريطة من جلد التنين موضوع على الطاولة. "إذا عرضنا عليهم الأمير ريان، فسيضطرون لدفع ثمن باهظ لاستعادته."
"وماذا نطلب في المقابل؟" سألت الملكة، متظاهرة بالتفكير، رغم أن عينيها كانتا تعكسان أنها قد قررت مسبقًا.
"أرضهم الجنوبية." قال إيدرين مباشرة. "إنهم يملكون أراضي خصبة في الجنوب، غنية بالسحر والطاقة القديمة. السيطرة عليها ستمنحنا منفذًا إلى منابع القوة السحرية هناك، مما يغير موازين القوى بين ممالك الجان."
"لن يتخلوا عنها بسهولة." قال فايرن بحذر.
"لكنهم سيتخلون عنها عندما يدركون أن فقدانها أقل خطورة من فقدان وريث العرش." أجابت الملكة، عيناها تضيقان بمكر.
"ماذا عن الأسرى الآخرين؟" سأل إيدرين.
توقفت الملكة لوهلة، ثم قالت: "أما البقية.. سنعرضهم للبيع بالسعر المناسب. إنهم مجرد بشر حقيرين."
كاد الاجتماع أن ينتهي عندما ارتفع صوت رفيع قادم من الظلام.
ثم سمعت تكتت عصا خشبيه على الأرض، توجهت الأنظار نحو شمعون المستشار الذي لا يظهر إلا عندما يكون هناك شيء.
"لا نقايض الأمير ريان نظير الأرض الجنوبية."
"لماذا؟" صرخ اللورد إيدن بأنزعاج.
"لما نرضى بقطعة أرض إذا كان يمكننا أن نستولى على مملكة الجان الأحمر كله؟ لطالما نشبت بيننا حروب لا نهاية لها والآن لدينا الورقة الرابحة."
"تقصد ريان؟" سألت الملكة.
"ريان أقوى مقاتل في أرض الجان، لم يهزم في معركة من قبل. الملكة تتحكم به، إنه مجبر على طاعتها. سنمنحه جيشًا من الصعاليك ويمنحنا مفاتيح أبواب مملكة الجان الأحمر."
"أتعتقد أن ريان بمفرده قادر على هزيمة الجان الأحمر؟"
"اسمع يا لورد فايرن، لقد ضربت الرمل. هناك واحد من الأسرى، فا ذئب، إنه يتملك قوة رهيبة لا حد لها، بوقوفه جوار ريان لن يصمد أمامهم أحد."
"والملكة تتحكم به أيضًا، ثم، هناك البشرية التي حلمت أن تكون ذئبة، ليلى، الساحرة، حبيبة ريان ستفعل أي شيء من أجل حمايته. لكن هناك خطر رأيته وسط الدائرة، فتاه تمتلك قوة غريبة لكنني لا أستطيع رؤية وجهها، إنها موجودة داخل أرض القصر."
"تقصد واحدة من الأسرى؟"
"لا أعرف." همس شمعون، "لكنها هنا تراقبنا حتى وهي بعيدة. ثم إن غياث لم يخضع للتعويذة بعد، إنه أمير جني وساحر. لابد التخلص منه."
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
نهضت الملكة.
"سمعتم ما قال الكاهن الأكبر، ما رأي قائد الجيش؟"
نهض جني ربعه، ذو جلد أزرق وأذن مدببة ورأس ضخمة بحجم صخرة.
"تعلمين رأيي يا ملكتي، أنا أرحب بأي شيء فيه دم."
انطلقت عناصر جيش المملكة تجمع الفلاحين والزراع والمتشردين واللصوص، واعده إياهم بمنحهم قطع من الذهب وثروة كبيرة بعد انتهاء الحرب.
جمع جيش من عدة آلاف، يتقدمه الأمير ريان والألفا رعد.
وقف الجيش أمام الملكة التي منحتهم إشارة البدء، ومنحت الأمير ريان، الذي انحنى أمامها، سيف متراس الذي صنعه الحداد مالك.
ثم انطلق الجيش الهزيل يسير في الغابات والمستنقعات والعواصف، يحركه السحر، سحر الملكة وتعويذاتها.
وقف ريان على حدود مملكته.
كانت هناك فرقة استطلاع اعترضت طريقهم، قضى عليها رعد بمفرده.
وصلت الأخبار لملك الجان الأحمر، والذي كان لم يخرج من قصره منذ عام كامل، وكان لا يسمع إلا صراخه في الليالي المظلمة.
قتل الحارس الذي نقل له الخبر، ثم خرج يلبس درعه المصنوع من حديد المسترين.
لم يستطع أحد أن يخبره أن قائد جيش المعتدين هو ابنه الأمير ريان، الذي غضب عليه وقام بنفيه بنفسه.
امتدت مملكة الجان الأحمر كغابة من الظلال والنيران، أشجارها مغطاة بوهج قاتم، وأرضها مشبعة بالسحر القديم.
عند أسوار القصر، تجمعت جيوش الملك ثورن، مدججة بالأسلحة السحرية والدروع السوداء التي امتصت لعنات حروب سابقة.
وعلى الجانب الآخر، كان جيش الملكة سيرينا، الذي قاده الأمير ريان بنفسه.
جيش من المرتزقة والمتشردين، تحركه تعويذات الملكة وسحرها.
ومع ذلك، فإن أعينهم كانت مزيجًا من الطمع والخوف، يعلمون أنهم يواجهون قوة لا قبل لهم بها.
كان الليل يلف السماء، لكنه لم يكن مظلمًا.
وقف ريان أمام أسوار المملكة، ممسكًا بسيف متراس، نصل يقال إنه شُحذ بدماء الملوك وخُتم بسحر لا ينكسر.
وإلى جانبه وقف رعد، صامتًا، لكن عينيه كانتا تراقبان القصر، كأنه ينتظر شيئًا.
ثم انفتح باب القصر.
خرج منه الملك ثورن، بردائه الأسود الذي تراقصت عليه لهبته الداخلية، ودرعه المصنوع من حديد المسترين، المعدن الذي لا تؤثر فيه التعاويذ.
خطواته كانت ثقيلة، كأنها تدق على الأرض وتعيد إليها قوة كانت قد فقدتها.
لم يكن هناك حديث.
لم يكن هناك تردد.
رفع الملك يده، فتدفق السحر من حوله، وانطلقت النيران كجدران متحركة بينه وبين الجيش.
لم يكن يريد قتال الجنود.
لم يكن يريد سفك دماء لا قيمة لها.
كان يريد ابنه.
"إلى الأمام!" صرخ ريان، فانطلق الجيش مخترقًا النيران، بعضهم احترق، وبعضهم واصل التقدم.
أما رعد، فقد قفز إلى الأعلى، متجنبًا اللعنات، وانطلق ليجد طريقًا إلى داخل القصر، تاركًا ريان لمواجهة والده.
وانفجرت المعركة.
كان الملك أسرع مما ظن ريان.
لم يكن مجرد رجل عجوز منفي في قصره.
كان وحشًا، عاش قرونًا، قاتل جيوشًا، وأباد أممًا.
ضرب بسيفه فتشققت الأرض، وانطلق الشرر كالأشواك.
لكن ريان لم يكن ضعيفًا.
لقد تعلم القتال في المنفى، عاش بين القتلة والمرتزقة، وعرف كيف يراوغ، كيف يصمد، كيف يضرب حين يحين الوقت.
كان الابن يواجه الأب، لكن لا مكان للعاطفة هنا.
دار القتال كإعصار بينهما.
ضربات سيف متراس التقت بدرع المسترين، محدثة صوتًا أشبه بالرعد.
كل مرة يحاول ريان اختراق دفاع والده، كان الملك يصدّه بسهولة، كأنه يعبث به فقط.
"هل هذا كل ما تعلمته في المنفى؟" قال الملك بصوت عميق.
لم يجب ريان، لكنه بدل أسلوبه.
بدأ يتراجع، يترك لوالده مساحة أكبر، كأنه يتعب أو يخاف.
لكن الحقيقة كانت غير ذلك.
كان يستدرجه.
كان يريد أن يجعله يخطئ.
وفي اللحظة التي رفع فيها الملك سيفه عالياً ليهوي على ابنه، تحرك ريان بسرعة خاطفة، انحرف إلى الجانب، ثم طعن بحدة.
اخترق سيف متراس الجنب الأيمن للملك.
توقفت المعركة للحظة.
وقف الملك، يحدق في الجرح، ثم نظر إلى ابنه، كأنه لا يصدق.
لم تكن الضربة قاتلة، لكنه شعر بشيء آخر.
شعر بشيء أكبر من الألم.
"لقد أصبحت قوياً." قال، وصوته لم يكن غاضبًا.
لكن في اللحظة التالية، رفع يده، وانطلقت موجة نارية عنيفة، دفعت ريان للخلف بقوة، حتى ارتطم بالأرض.
سقط سيف متراس من يده، وانحنى الملك فوقه، يمسك برقبته بقبضة من حديد.
"لكنك ما زلت ضعيفًا أمامي."
كان يمكنه أن ينهي الأمر في تلك اللحظة.
لكنه توقف.
للمرة الأولى، نظر في عيني ابنه، ورأى فيهما شيئًا لم يره من قبل.
لم يكن الخوف.
لم يكن الحقد.
بل كان التصميم.
وقبل أن يتمكن الملك من سحقه، جاء صوتٌ قويٌّ من بعيد.
"أُتركه."
التفت الملك ثورن، فرأى رعد واقفًا على بعد خطوات، عيناه تشتعلان، وقبضته تمسك رأس أحد قادة جيش الجان الأحمر، وقد مزقه بأسنانه.
"إن لم تتركه الآن، فسأجعل هذا القصر جحيمًا لك."
ابتسم الملك، كأنه وجد تحديًا أخيرًا يستحق القتال.
نظر إلى ريان للمرة الأخيرة، ثم أطلق سراحه، وتراجع، يضع يده على جرحه، ثم اطلق تعويذة شفت جرحه بينما كان ريان يكافح لينهض.
"أعددت لك مملكة فأحببت بشرية وجئتني بجيش من الصعاليك لتغزو مملكتي؟"
"تخدم سيرينا عدوتي؟"
ثم اطلق من يده دفقات من النار المشتعله.
سارت النار في جيش ريان وراح الجان يصرخون.
كانت للملك الأحمر قوة جبارة فهو أقوى ملوك الجان.
وكان رعد يخترق الصفوف نحوه مدفوع بقوة تجبره على القتال.
ارتطم المعدن بالمعدن وبعد نصف ساعه من القتال استخدم الملك سحره.
لكن رعد كان مسحورًا أصلاً فلم تأت التعويذة بنتيجتها.
اندهش الملك بينما همس له مستشاره: "الأمير ريان مسحور، وكذلك القائد الآخر."
"واقعين تحت تعويذة تدفعهم للقتال حتى الموت، لن يستسلموا أبدًا."
قال الملك: "اذهب إلى الساحرة الملعونة اطلب منها أن تحررهم من سحرها وسأمنحها ما تريد."
حارب الملك الأحمر رعد وكاد يتغلب عليه أكثر من مره، لكن سرعة رعد الذئبية كانت تنقذه في كل مره.
يكاد السيف إن يقسمه نصفين.
كان الملك لديه قوة الجان والسحر، وكان رعد الألفا الأقوى في عالمه.
كان رعد حاول أن يتحول إلى ذئب أكثر من مره وكانت الملكة سيرينا تمنعه.
وكانت هناك قوة غاضبة تتمحور داخل جوف رعد، لكنها غير قادرة على الانفجار.
انضم ريان لرعد في حرب الملك الأحمر الذي كان يقاتل بثبات.
يضرب بسيفيه في كل اتجاه.
وكان واضح أنه يقاتل بسهولة، لا رعد ولا ريان قادر على لمسه أو الاقتراب منه.
وكان جيش سيرينا اندحر وانهزم، لكن قوانين الجان لا تعتبره انتصارًا ما دام قائده لا يزال يقاتل.
وريان لم يستسلم ورعد لازال يصرخ ويقاتل وماجى بوجود يدافعون بكل قوتهم الجموع التي تحاصرهم.
وصل رسول الملك الأحمر إلى كهف الساحرة التي بدأت في فك التعويذة.
وكاد الملك الأحمر وجيشه أن يطبقوا على رعد وريان إلا أن غياث وضرغام ظهرا فجأة محاطين بهالة برتقالية.
في اللحظة التي تمكنت فيها الساحرة من فك التعويذة.
ألقى غياث العظمه تجاه ماجى التي تلقفتها في الهواء.
ثم انفجرت قوتها مع فك التعويذة التي كانت تسيطر عليهما.
أطلقت ماجى دفعات من الطاقة والنار التي مسحت كل ما أمامها مثل الريح التي تكنس أوراق الشجر.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
بعدما فُكّت التعويذة واستعاد ريان حريته الحقيقية، لم يعد مجرد دمية في يد الملكة سيرينا. كانت الحرب قد أرهقت الجميع، لكن شيئًا في داخله كان يعرف أن النهاية لم تأتِ بعد. كان يعلم أن والده، الملك الأحمر، لن يسلم العرش حقًا، حتى لو قال ذلك أمام الجميع. كان يعرف أن والده رجل لا يقبل الهزيمة.
في الليلة التي تلت المعركة، حينما كان الجميع مشغولين بجمع جثث القتلى ومداواة الجرحى، تسلل ريان إلى قصر والده.
وجد الملك جالسًا على عرشه، يراقب اللهب المتراقص في الموقد الكبير أمامه. كان درعه قد خُلع، وجراحه لا تزال مفتوحة، لكن عينيه كانتا حادتين كما لو لم يتغير شيء.
"أتيت لتقتلني، إذن؟" قال الملك الأحمر بصوت هادئ، دون أن ينظر إلى ابنه.
توقف ريان عند المدخل، أصابعه مشدودة على مقبض سيف متراس.
"لا يمكنك أن تعيش وتتركني أحكم،" قال ريان بصوت منخفض، لكنه ثابت.
ضحك الملك الأحمر، ضحكة قصيرة لكنها لم تكن خالية من الإعجاب. التفت إليه، ونظر مباشرة في عينيه.
"أخيرًا، تتصرف كملك."
وقف ببطء، جسده المرهق بالكاد يتحمل ثقله، لكنه لم يظهر ضعفه. نظر إلى ابنه نظرة طويلة، ثم أشار إلى السيف في يده.
"هيا إذن، افعلها."
لم يتحرك ريان.
"لن تحاول إيقافي؟"
"لا،" قال الملك ببساطة. "لأنني لو كنت مكانك، لفعلت الشيء نفسه."
في تلك اللحظة، فهم ريان شيئًا. والده لم يكن رجلاً يخاف الموت، ولم يكن رجلاً يطلب الرحمة. لقد عاش طويلًا، قاتل مئات الحروب، وحكم بالدم والنار. والآن، بعد أن خسر أمام ابنه، لم يعد يرى سببًا للاستمرار.
لم يكن هناك مجال للتردد.
في حركة واحدة، رفع ريان سيف متراس، وطعن والده مباشرة في القلب.
لم يصدر الملك أي صوت، فقط شحب وجهه للحظة، ثم ابتسم، وكأن شيئًا في داخله قد ارتاح أخيرًا.
"حكمتهم بقبضة من حديد..." همس بصوت بالكاد يُسمع. "فاحكمهم بطريقتك، يا بني."
ثم انهار جسده، وسقط الملك الأحمر على الأرض، بلا حياة.
وقف ريان فوق الجسد للحظة، ثم أغمض عينيه، يشعر بثقل المسؤولية يحطّ عليه بالكامل. لم يعد مجرد ابن منفيّ. لم يعد مجرد أمير متمرد.
لقد أصبح الملك.
خرج من القصر ببطء، سيفه يقطر بالدم، وعيناه مظلمتان بما رآه. حين وقف أمام الجموع، لم يكن بحاجة إلى إعلان أي شيء. كان الجميع يعرفون.
مات الملك الأحمر.
وعاش الملك ريان.
بعد أيام من تنصيب ريان ملكًا على أرض الجان الأحمر، أقيمت الاحتفالات الكبرى في جميع أنحاء المملكة. تحولت القرى إلى ساحات للفرح، وامتلأت السماء بالمشاعل المتراقصة، وأقيمت الولائم التي لم يسبق لها مثيل. لكن كل ذلك لم يكن شيئًا أمام الحدث الأهم: زواج الملك ريان من ليلى، الفتاة البشرية التي أحبها رغم كل العوائق.
القصر كان في أبهى حُلته، تم تزيينه بالحرير الأحمر والذهب، وكان الجميع ينتظرون اليوم الذي ستصبح فيه ليلى ملكة.
لكن في الليلة التي سبقت الزفاف، حدث ما لم يكن متوقعًا.
---
استيقظت ماجي فجأة على صوت الرياح تعصف بنوافذ القصر. لم يكن الأمر طبيعيًا، فالليلة كانت هادئة قبل لحظات. خرجت من غرفتها بسرعة، تتبع إحساسًا غريبًا بالخطر، واتجهت إلى جناح ليلى.
وعندما فتحت الباب، وجدت الغرفة فارغة.
السرير غير مرتب، والنافذة مفتوحة، والستائر ترفرف بعنف. لم يكن هناك أثر لليلى، وكأنها تبخرت في الهواء.
في نفس اللحظة، كان ريان جالسًا في قاعة العرش، ينظر إلى سيف والده القديم، عندما اندفع أحد الحراس إلى الداخل، وجهه شاحب وعيناه مذعورتان.
"مولاي..." تردد الحارس، كأنه لا يصدق ما سيقوله. "الملكة ليلى... اختفت!"
تجمد ريان في مكانه. في البداية، لم يفهم ما قيل له، أو ربما رفض تصديقه. نهض بسرعة، متجهًا إلى جناحها، لكن عندما رأى الغرفة الفارغة، شعر بشيء بارد يجتاح قلبه.
"ابحثوا في كل مكان!" أمر بصوت هادر. "لا يمكن أن تكون قد ذهبت بعيدًا!"
انتشرت الفرق في القصر، ثم في أنحاء المملكة، لكن لم يكن هناك أثر. ليلى لم تُرَ تغادر، ولم يسمع أحد أي صوت، ولم تُكسر أي نافذة أو تُفتح أي بوابة بالقوة.
اختفت كما يختفي الدخان.
---
بعد ساعات من البحث، وجد رعد شيئًا غريبًا بالقرب من سور القصر. على الأرض، وسط العشب المبلل بالندى، كان هناك وشاح ليلى الأبيض، لكنه لم يكن وحده.
كان هناك أيضًا آثار أقدام، لكنها لم تكن بشرية.
كانت آثارًا غريبة، ملتوية، وكأنها تعود لمخلوق لم يكن من هذا العالم.
عندما حمل رعد الوشاح وعاد به إلى ريان، لم يقل شيئًا، لكنه رأى في عيني الملك شيئًا لم يره من قبل.
لم يكن الغضب.
لم يكن الحزن.
بل كان الخوف.
لأن ريان، في أعماقه، كان يعرف أن هذا لم يكن اختطافًا عاديًا.
اجتمع قادة الجيش وحراسه ومستشاريه وكان ريان جالس على عرش الملك الأحمر يتلوى من الغضب.
همست له اخته وكان اسمها فردسان وكانت لئيمه ماكره ان رعد والبشرين هم الذين اختطفو ليلى.
ثم وشوشت له بأخبار الجواسيس عن رؤية رعد وليلى يتضاحكان ويتمايلان فى الحديقه، استشاط ريان غضب وأمر بالقبض على رعد ورفاقه.
فردسان التى ارسلت إلى رعد من يبلغه بنية ريان التخلص منه بعد أن استولى على عرش الملك الأحمر.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماعيل موسى
فردسان التي لم تكتفِ بالرسول الذي أوصل الأخبار إلى رعد، قابلته شخصيًا. وضحت له ميول ريان الذي ورث من والده عرق الجنون والتخلي عن أصدقائه.
"لقد وضعت كل إمكانياتي لمساعدتك على الهرب يا رعد، قبل أن يصل حارس ريان إليكما."
المقابل كان رعد يعلم أن لا شيء يمنح بلا مقابل في أرض الجان.
"قالت فردسان أن تساعدني عندما أحارب ريان على كرسي العرش."
همس رعد: "لكن؟"
وضعت فردسان يدها على فم رعد: "ليس الآن."
الحراس أحاطوا بالقصر. جمعت فردسان رعد ورفاقه في دائرة، ثم ألقت عليهم التعويذة التي نقلتهم من القصر.
وجد رعد نفسه في أرض قريبة من أرض مملكته البشرية. نقل من عالم الجان تمامًا.
جلس رعد على الأرض، لم يتقبل الأمر، بينما بدت جود وماجي سعيدتين بالعودة لأرضهما مرة أخرى.
"لا يمكن أن تنتهي رحلتي هكذا." همس رعد بغير تصديق.
"ليلى في خطر." تحدثت العنقاء جود: "اسمع يا ألفا، وعدت ليلى أن أعثر على الأمير ريان وفعلت. وعدتها أن أصلها به وفعلت. ووجودك هناك الآن سيزيد الأمور اضطرابًا. أها، ورأيت بنفسك كيف ألصقت تهمة اختطاف ليلى بي."
"رغم أنني متأكدة أن فردسان خلف كل ذلك."
صرخ رعد: "لكن كيف؟"
"لا تنسى أنني عنقاء يا خاطِر. فردسان تخطط للانقلاب على ريان وتولي الحكم. تعتقد أنه الأحق بكرسي العرش ولديها قواد في جيش ريان يدعمونها. إنها تحتفظ بليلى في مكان بعيد ولم يعثر عليها ريان أبدًا."
لماذا صرخ رعد بتساؤل؟
"لأنه غير مستعد لدفع الثمن. التعويذة التي ألقتها فردسان تعويذة ثنائية."
"حدق رعد بوجه جود: انطقي يا جود، هاتي ما في جوفك؟"
"لن يعثر ريان على ليلى إلا إذا تخلى عن العرش مقابل حبه. ليلى مقابل العرش، إنها التعويذة التي أطلقتها فردسان. ليس ذلك فقط، بل إن التعويذة نفسها تمنعه في حال التنازل على العرش من أجل حبه أن يطالب بالعرش مرة أخرى. وإذا حاول أن ينقلب، تتفاعل التعويذة عكسيًا مع تصرفاته وتقضي عليه."
صرخ رعد: "ريان لابد أن يعرف ذلك."
"ريان؟" صرخات ماجي لأول مرة: "ريان باعك ونحن معك، مع أول همسات من فردسان. هل تعتقد أن سيصدقك أو أنه يعتبرك صديقه؟ انسَ يا رعد كل ذلك، لديك مملكة تحكمها وشعب يتوق لعودتك."
عاد رعد إلى أرض مملكته، كان قلبه يصرخ كل ليلة بحب ليلى.
للتهرب من حبه المحرم، انغمس في ترتيب شؤون القطيع.
أعاد هيكلة الجيش وأبرم الصفقات في أرض البشر.
وبدا أن عصرًا من الرخاء شمل القطيع، بعد أن زادت أرباح المملكة وفاضت عن الحاجة.
وكان رعد أنشأ جيشًا نظاميًا من كتائب وفرق.
وكانت الأمور تسير بخير حتى تعرضت القرى الشمالية لهجوم خاطف خلال الليل، وقتل كل الرجال فيها وسبيت النساء والأطفال.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم اسماعيل موسى
الدمار في القرى الشمالية
كان الفجر لا يزال بعيدًا عندما وصلت الأخبار إلى رعد. هرع أحد الفرسان إلى القصر، يترنح من الإرهاق، وجهه شاحب وكلماته متقطعة.
“مولاي… القرى الشمالية… دُمرت بالكامل!”
في لحظات، كان رعد في قاعة الحكم، يرتدي درعه، وجنوده يتجمعون حوله، بينما يتحدث الشاهد الوحيد بصوت مرتجف:
“لم يكنوا بشرًا… لم يكونوا ذئابًا… كانوا كالأشباح، يتحركون في الظلام، يقتلون بصمت، ثم يختفون كأنهم لم يكونوا هنا أبدًا…”
نظر رعد إلى جود، التي كانت تجلس بصمت، عيناها تضيقان بتركيز.
“طيف؟” تمتمت، وكأنها تحاول فك لغز مستحيل.
“أنتِ تعرفين شيئًا عنهم؟” سألها رعد.
هزّت جود رأسها، لكنها لم تبدُ واثقة. “هناك سحر مظلم هنا… شيء غير طبيعي.”
وقف رعد، وعيناه تضيقان بحدة. “لن أسمح لهذا بالاستمرار. سنذهب إلى هناك بأنفسنا.”
—
عند وصوله إلى القرى الشمالية، كان المشهد أشبه بالكابوس.
الجثث معلقة على الحراب، كما لو أن المهاجمين أرادوا إرسال رسالة. الدماء غطت الأرض، والمنازل تحولت إلى أطلال. لم يكن هناك ناجون سوى طفل صغير، كان يجلس وسط الرماد، ينظر إلى الفراغ، كأنه لم يعد ينتمي إلى هذا العالم.
انحنى رعد أمامه، وضع يده على كتفه بلطف.
“ماذا رأيت؟”
همس الطفل بصوت بالكاد يُسمع: “وجوههم… لم تكن لهم وجوه…”
تبادل رعد وجود وماجي نظرات قلقة. هذا ليس هجومًا عاديًا.
وقف رعد وسط ساحة القصر، وجهه متجهم، وعيناه تقدحان شررًا وهو يراقب الفرسان العائدين من القرى الغربية. كان الدم يغطي دروع بعضهم، وأعينهم مليئة بالصدمة.
تقدّم قائد الدورية، ركع على ركبة واحدة، وانحنى رأسه احترامًا.
“مولاي… لقد حدث ذلك مجددًا.”
ضاقت عينا رعد، وعبس وجهه بحدة.
“كيف؟ متى؟”
“قبل الفجر بقليل. تمامًا كما حدث في الشمال. وجدنا الجثث ممزقة، النساء والأطفال مختفين، والمنازل محترقة.”
شدّ رعد قبضته بقوة، حتى كادت تتكسر عظام أصابعه. كان يحاول كبح الغضب المتصاعد داخله. التفت إلى جود وماجي، اللتين كانتا تتابعان بصمت.
“هذا ليس هجومًا عشوائيًا.” قال بصوت منخفض لكنه كان يحمل نبرة من الغضب المحتدم. “هناك يد خفية تحرّك هذه الوحوش.”
جود عقدت ذراعيها وقالت: “ما زلت أعتقد أن هناك سحرًا مظلمًا في الأمر… شيء يتجاوز فهمنا حتى الآن.”
أخذ رعد نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى فرسانه. “لن ننتظر حتى يحدث هذا مجددًا. سنضع دوريات في كل القرى. سنبحث عن أي أثر، أي علامة تدلّ على مصدر هذه الهجمات.”
“جود؟ الحقي
بى من فضلك.”
على سطح القصر وقف رعد يرمق الخلاء.
وترك جود جالسه على مقعد من خشب الابنوس تقضم أظافرها.
بعد ربع ساعه قال رعد دون أن يلتفت اليها:
“قولي يا جود لما تخفين الأسرار عنى؟”
“أسرار؟” انتفضت جود.
“أجل يا جود لا تنسي اننى الالفا الخاص بك وأستطيع ان اتلصص على عقلك.”
“إنها مجرد شكوك يا سيد رعد.”
“ريان؟” همس رعد بلا مبلاه. “تعتقدين ان ريان يحاول ان ينتقم منى لاختطاف ليلى!؟”
“لكن
خائفه من القول، خائفه ان أكرر الجره واعود لأرض الجان؟”
“إذا كان ريان نجح فى فتح بوابه دخل منها كل هولاء الجان فأن ذلك اعلان حرب.”
“أريد منك بصفتك عنقائى ان تحددي لي مكان الهجوم القادم.”
“لابد أن أكون هناك أنتظر الجان مع جنودي.”
“إذا كان ريان يريد حرب فقد نالها، رعد يلبى الطلب عندما يذكر اسمه.”
قالت جود:
“أت
عتقد ان ليلى لازالت مختفيه؟”
شعر رعد بقلبه يتقلص. لو كانت ليلى معه لما سمحت له بمهاجمة ارضي.
“فردسان تحتفظ بليلى ورقة ضغط.”
“تريد أن تشتت عقل ريان وتدفعه للقتال فى أكثر من جبهه.”
“الليله الماضيه رأيت عفريت لخذان
من العفاريت الطياره كان يتجسس على القصر.”
“لو كان ريان متأكد اننى اختطفت ليلى لظهر بنفسه.”
“تعرفين مكان غياث وضرغام؟” همست جود.
“لا، منذ رحيلهم من أرض مملكة الجان الأحمر اختفو من مجالى رؤيتى.”
“لديك نصف يوم يا جود قبل فجر اليوم التالى على ان اكون هناك جاهز لصد الهجوم القادم.”
“بوابات الجان إلى الأرض سبعه يستخدمونها للولوج إلى أرض البشر.”
رعد كان يعرف ذلك، كان الهجوم السابق على القرى الشماليه والغربيه.
تبقى الجنوب وهناك سيعسكر بجيشه.
لن يجروء ريان على مهاجمة العاصمه، خلال ذلك الوقت يا جود تحدثى إلى إذا وصلتك اى اخبار.