الفصل 5 | من 31 فصل

رواية الجامحه و البدوي الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
74
كلمة
3,336
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

كانت رودينة تجهش بالبكاء وتنتحب بعد أن أعطت حمزة موشحاً: "أنا مش رخيصة يا حمزة بيه، وأنا ما عيش راجل، وأنا تربية مرة.. بس مرة بميت راجل ربتنا وعلمتنا، ولا احتجنا لمخلوق.. المرة ربت سهيلة ورودينة اللي ضفرهم ألف منك.. أخص عليك، دي قيمتنا يا ابن عمي؟ صحيح انت هتفرق عن أخوك إيه؟ واحد اعتدى على أختي والتاني يقولها يا رخيصة يا تربية المرة.. ابعدوا عننا بقه، منكو لله".

واستدارت وظلت تجري بشدة وتجهش بالبكاء، كانت لا ترى من شهقاتها لتحس بيده تشدها وتضمها إلى حضنه وتحاوطها بشدة حتى أحست أنه سيخنقها. ليقول: "بس بس، خلاص اسكتي عشان كل واحد هياذي التاني بكلامه". لترد: "ابعد بقه، انت عايز إيه؟ مش أنا رخيصة؟ خلاص أنا بقولك إني رخيصة.. ابعد يا غالي يا شريف، ابعد بقه، انت إيه ده؟

ليقترب ويشدها: "ماتلمسنيش، وآخر مرة توجه كلامك ليا، اعتبرني ميتة، وأنا من النهارده مش شايفاك أصلاً، ولاد عمي الاتنين ماتوا". واستدارت وتركته مبهوتاً، ليقف لا يعرف ماذا يفعل. "آه أخطأت وتستحق العقاب"، ولكن لا يقول ذلك. لتدخل رودينة خيمتها وتنام فوراً. وتدخل هالة، ويظل هو جالساً والهم يتلبسه. "إيه يا زفت، انت اللي قلته ده؟ رخيصة وبتتشقطي وبتوري جسمك للرجالة؟ إيه الزبالة اللي طلعت من بقك دي؟ والآخر تقولها تربية المرة؟

أخص عليك، ماتربيتش.. (حلوف نقول إيه) ليهتف بغلب: "أعمل إيه؟ ما حسيتش بنفسي، كنت مقهور ومتغاظ.. البت وقفت وسط ألف راجل تهز في جسمها ونازلة دلع قمر بنت الجزمة، هموت، جتتي فايرة، طب أفضل أطحن في نفسي كده.. وهي بتعيط، مش قادر، عايز آخدها في حضني أسكتها.. لا وتقول خلاص شايفاك ميت.. هم عليك، عيل بومة، وطور، انت إيه اللي جابك عشان تنيل الدنيا؟ جتك الارف، خش اتخمد في الليلة الغابرة. هيا سهيلة نامت بدري والا إيه؟

ليتنهد ويذهب إلى النوم. كانت سهيلة ترى ذلك البدوي وهو يبتعد عنها وشعرت بالخوف والرهبة، لتسرع إليه وتقول: "استني استني، انت هتسيبني وتمشي؟ ليستدير ويضحك، لتنظر إليه غاضبة، ليقول: "إيه، قلبتي قطة في ثانية؟ لتكتم غيظها، ليهتف: "طيب هنمشي، بس بشرط". لتهتف: "شرط؟ شرط إيه ده؟ بقولك إيه، لو فاكر إني لوحدي وهخاف منك، ماتحلمش". ليقترب منها وينظر

إليها برغبة صارخة ويقول: "والله أنا لو منك أخاف، بس ما أحلمش، لا هحلم، مفيش في إيدي حالياً إلا كده لحد ما أشوف الحلم جاي تحت إيديا". لتصرخ: "انت بتقول إيه يا بتاع انت؟ اتفضل اتهبب، سمعني". ليهتف: "لسانك المبرد ده هقطعهولك، بس اصبري". ليقول: "همشي معاكي، بس تردي على أسئلتي، مانا مش همشي المسافة دي كلها وأتعب وأنتِ قاطمة وبومة كده". لتخبطه على كتفه: "بومة في عينك، عيل صقيل". ليضحك: "نهار أسود، أنا عيل؟

اللوح اللي قصادك ده عيل، ليه هي المزة كام سنة؟ لتهتف: "مالكش فيه.. كبيرة كفاية إني أقف لشكالك". ليرفع حاجبيه: "طيب يا كبيرة، كفاية، اسم القمر إيه؟ لتهتف: "استغفر الله". ليقف ويهتف: "طيب اتكلي على الله، شوفي حالك، أنا واقف". لتهتف بغيظ: "زفت، اسمي زفت سهيلة". لينظر إليها وتتسع ابتسامته: "طب يا زفت يا سهيلة، نكمل بقه وتردي على الأسئلة". ظل يسأل وهي ترد على مضض ويجمع المعلومات عنها.

ليقول: "طب وايه بقه اللي خلى المز القمر يخبي جماله كده وقالب على.. على ربيع؟ لتقطب حاجبيها لتصرخ: "لا بقه، انت قليل الأدب، يلا غور من هنا، ومش عايزة منك مساعدة". ليبتسم ويقول: "طب سلام يا مزة، أشوفك بعد عقود شمسية متحنطة". وتركها ومشى حتى وصل مسافة كبيرة، لتلمحه يخرج تليفوناً من جيبه، لتنصعق، لتذهب إليه جرياً لتهتف: "إيه ده، معاك تليفون وماقلتش؟ طب اديهوني والنبي، أكلم أختي، زمانها قلقانة".

ليقول: "ده تليفون صحراوي والخط قطع". لتشعر بالحزن، لتستدير، ليظهر في الأفق عدد من الأشجار ومياه وخيمة وبعض النار، لتترك ذلك الحقير وتذهب عدواً وهو مبتسم متمهل. لتصل قبله، وإذا بها تصعق من المنظر، فكانت هناك خيمة صغيرة جداً تكفي لفرد أو اثنين باعجوبة، وأمامها نار وبعض الفواكه. لتظل تنادي في الأفق: "إيه ده؟ هو مفيش حد؟ هما راحوا فين؟ ليهتف: "ربنا يستر ويكونوا سلام، أصل الذيابة هنا كتير، ولو لقوا حد لحاله بيقطعوه".

لتشعر بالرعب، ولكنها لا تظهر، لتذهب وتجلس بجوار النار وتقول: "طب إيه، هنعمل إيه؟ ليقول: "مش هنعمل، هنبات وربنا يحلها". لتنظر إليه بغضب: "ونازل هبد وقرفتني، وعارف المكان؟ دانت غتيت والله، تعرف بقه تنقطني بسكاتك، ما عدتش مستحملة من صوتك، إيه ده، دا ذنب يا ربي". ليظل يدندن لفترة، وبدأ بقول مموال، كان صوته حانياً رائعاً، وكان يقول مواويل بدوية، لتبتسم دون إرادتها، فالجو يحتاج لتلك الكلمات.

لتقف وتاخذ تفاحة وتذهب إلى طرف البحيرة، وهو يردد المواويل ويكمل واحداً تلو الآخر. "أم العيون السود والرمش فتان _اللي رمتني بحبها يا حلاها غمازتين _الخد والخد مليان وطول الشعر طاح كله وراها ولا الشفايف لونها لون رمان _والعنق طوله زايداً في حلاها أما طباعه يا عرب ما به إنسان مشابهًا للي أوصفها مفتون للي ترمي بسهام عينن سارح يا ناس في نظرت عينها قتلتني وخدت قلبي تعمل ما بدو فيها"

كانت تقف هائمة يتخللها صوته الرائع، كان صوته يدخل القلب، كلماته تنساب بداخلها، لتقف مستندة إلى الشجرة ومغمضة العين. ليقوم ويتجه إليها ويراها حالمة، ليقترب ويمسك يدها. ويهمس: "انت حلوة أوي يا سهيلة". لتقف قليلاً ثم تنتفض وتنظر إليه وتنتش يدها لتقول: "إيه، فيه إيه؟ ليقول: "مفيش، لقيتك واقفة في الضلمة، خفت حاجة تقرصك". لتقفز من مكانها: "إيه بجد؟ طب أوعى، أما أرجع للنار".

لتذهب مسرعة وتجلس بجوار النار، وبدأت هي تشعر بالنعاس، لتقول: "هما هييجوا ياخدونا امتى؟ ليهتف: "الله أعلم، يوم يومين تلاتة". لتصرخ: "نهار أسود، بتقول إيه؟ انت مش عارف مكان؟ ليهتف: "تقريباً لا". لتجلس مقهورة: "والناس اللي كانوا هنا راحوا فين طيب؟ وسايبين أكل وشرب، إيه ده، أنا خايفة يكون حاجة كلتهم". لتسمع عواء الذئاب، لتقفز من مكانها: "إحنا هنام إزاي؟ ليهتف: "في الخيمة". لتقطب جبينها: "نعم يا أخويا، دا فرد واحد".

ليضحك: "خلاص خليكي بره، اتلسعي بالليل، العقارب هتحبك". وقام وخلع عباءته ليظهر جسده، وكان يلبس بنطالاً قصيراً تحته، ليهتف: "تصبحين على خير، والا إني أشك". دخل الخيمة بمفرده، وهي تنظر إليه بغيظ: "عيل زبالة، عبوشكلك بقه إيه ده، نايم وسايبني أتقرص؟ عايز يموتني، أكيد هيبعني أعضاء، أمال ماشي في الحتت المقطوعة دي ليه؟ والا هيبعني في سوق النخاسة؟ آه، ستات بتتباع. أ. قلة أدب. عايز قلة أدب".

لتصدح ضحكته: "إيه يا بنتي، انت دخلتي فيلم أكشن، نخاسة وعبيد وقلة أدب، بس عموماً قلة الأدب بعدين، اطمني حالياً هنلاقيكم في قلب بطن دب، تعلب ديب". لتخبطه: "ماتحترم نفسك بقه، مش كت اتخمدت، ريحني بقه، دا إيه الشبكة السودة دي". ليهتف: "أوك، هقوم والله، وبنام ما بحسش، هسيبك بره، انت حرة". لتمر ساعة وبدأت تشعر بالتعب والارتخاء، لتحس بحركة قريبة، لتجد عقرباً، لتصرخ وتهجم على الخيمة: "افتح افتح".

ليفتح لها على الفور، لتسقط عليه من فزعها. لتهتف: "فيه عقرب بره، الحق، هيموتنا". ليضحك بشدة، لترفع نفسها وتبدأ في ضربه بشدة: "بتضحك على إيه يا بارد". ليقول: "على القمر اللي لازق فيا دا، هتبقي ليلة". لتخبطه وتبعده، ولكن ليس هناك مساحة، لتتذمر: "هنتهبب ننام إزاي؟ هنام مقرفصين والا واقفين". ليقول: "نامي، وأنا هتصرف". لتقطب جبينها، ليهتف: "اقلعي الجاكت، هتتخقني والله". لتزغده: "احترم نفسك".

ليتنهد: "والله هتتخقني وهتعيي، الجو هيقلب نار والفتحات في الخيمة عالأد". لتقول: "مش قلعة الزفت، واوعى، أما أتخمد". لتنام وتعطيه ظهرها، لينام وتحس أن الخيمة ستنفجر، لتقول: "مش نافع، زفت، ننام؟ طب انت ساعة وأنا ساعة". ليهتف: "لا، أنا عندي فكرة". ليشدها إليه، لتصرخ، ليهمس: "أهدي، خلاص، هيا كده، ساعتنا ونامي بقي عشان أنا تعبان". وشد عليها ونام. كانت مشتعلة عن آخرها. "الله يخرب بيتك، سامحني يا رب، أموته ده؟

وماله لازق كده؟ كتك مصيبة تشيلك، أما أتخمد يا رب بقه". لتستسلم أخيراً للنوم، فقد استكفت من الرعب. ليجدها قد استغرقت في النوم، ليديرها ببطء ويفك أزرار جاكتها ويهمس: "والله ما عشان حاجة، بس هتصحي عيانة". ليبعده ويبعد وشاحها، ليحس أن قلبه سيجن. "البت بتنور، مخبية إيه؟ لا خبي، خبي الجمال ده، مش أي حد يشوفه، أنا بس.. بت قشطة وقمر، إيه هنام كده إزاي؟ دانا جنبي بركان ونار، خلصت عليا.. نام، عدي ليلتك واحترم نفسك".

ليظل ينظر إليها: "يا لهوي، هيا بتنور كده ليه؟ لا مالهاش حل". لتأتي إليه فكرة، ليخرج تليفونه ويهتف: "معلش يا قمر، نسجل اللحظة لحد ما نرجع لها تاني". ليبعد التليفون، يفر شعرها على كتفه، ويدل رأسها على صدره ويبتسم ويلتقط له عدة صور، ليتنهد ويشدد عليها ويحتضنها وينام بصعوبة. في الصباح تململت، واستيقظ البدوي وظل ينظر لسهيلة لفترة. "نايمة قمر في حضني، يا لهوي، إيه يا بت ده، قلبي هيقف".

كانت ملتصقة به، تنام على صدره، وبدأت تتحرك لتفيق، لتتنهد وتحاول أن تستعيد وعيها، لتجد نفسها على صدره يحتضنها، وهيا بلا جاكتها، ويتلمسها، لتهب مسروعة وتصرخ. ليهب هو أيضاً ويهتف: "إيه؟ أسد؟ لتنظر بغضب: "إيه اللي قلعني هدومي؟ انت عيل سافل وقليل الأدب". ليتربع ويتنهد: "طب اخرجي بره الخيمة، عشان هتشوفي قلة أدب في حياتك ماسمعتيش عنها، وأنا ماسك نفسي بالعافية". لترتعب لتخرج وهيا تشبعه شتائم.

لتنتظره بالخارج وتهز رأسها. ليلتقط تفاحة ويتجول هنا وهناك، وهيا تجلس تغلي. ليقول: "على فكرة، ممكن بكرة أو بالليل نلاقيهم طابين علينا". لتصرخ: "لا، كتير، أختي هتموت كده، ماتتحملش". لتجلس حزينة: "طب اسمها إيه؟ وتليفونها؟ لتهتف ببراءة: "هتكلمها والنبي". ليبتسم: "آه، وحياتك، وانت قمر كده". لتأخذ منه التليفون وتكلم رودينة، فلم ترد، ظلت تكلمها حتى ردت. لتقول بحب: "رودي يا قلبي، انت كويسة؟ "مالك يا بت، صوتك ماله؟

"مفيش، إيه صوتك معيط، مالك؟ انطقي". "والله لو مانطقتي لاجي أطلع روحك". "بت انت مخبية إيه؟ يخربيتك، أنا مش جنبك". "يا نهار أسود، بتعيطي؟ مين قربلك وأنا أجي آخد روحه". كل ذلك وهو ينظر إليها متمتعاً بجمالها وقوتها. ليسمعها تقف: "إيه؟ اتخانقتي مع حمزة ليه؟ انطقي". "إيه؟ إيه؟ إيه؟

نهارك أسود ومهبب، أنا هاجي أقطع وشك، كنت بترقصي في الحلقة يا زبالة، والله لا أطين أيامك إن ما كسرتلك وسطك، ومش عايزاه يزعل ويضربك، دانا لو مكانه كنت حشيت وسطك.. متغاظة يا جزمة، أطولك إزاي؟ أجيبك من شعرك.. بتعيطي ليه؟ اخرسي". "ماله حمزة؟ آه يزعقلك ويقطم رقبتك". "إيه؟ بتقولي إيه؟ "يا نهار أبوه أسود، قالك كده؟ قالك كده يا بت؟ والا بتكذبي وتهيجيني على الفاضي؟ طب اقفلي يا زبالة، هموت منكو.. هموت يا لهوي".

"بقي كده يا حمزة؟ وأنا اللي قلت إنك مش زيه؟ كده يا حمزة؟ كانت تغلي ووجهها أحمر، والآخر يقف مبهوتاً من تغيرها. لتنظر إليه بغضب وتهتف: "ممكن مكالمة تانية". ليهز رأسه من سكات، فحالتها لا تستدعي النقاش. لتصل، ليرد حمزة. لتهتف: "لا فوق لي يا حيلتها، كده عشان أسمع أمك الكلمتين.. آه، سهيلة يا راجل، البنات اللي سيباهم مع المفروض راجل". "لتكون فاكر يا حمزة إنك وعيلتك حاجة؟

آه، لتكون فاكر إننا شايفينكو حاجة. اسمعني واتخرس لحد ما أخلص. أنا بقه تربية المرة يا سي حمزة، مش عاجباك في أي؟ آه، تربية مرة وأتشرف إني تربية مرة وهفضل طول عمري تربية مرة. بس انتو ماتربيتوش، لا من مرة ولا من راجل. بتبرر إيه؟ رقصت؟ كلمتك إنك ضربتها؟ جبت سيرة القلم اللي نزل على وش أختي؟

حقك تقطم رقبتها، أنا كنت هعمل كده، إنما ولاد عاصم الورداني مش رخاص يا حمزة، ولاد عاصم وأمينة مش بيتشقطوا ولا بيوروا جسمهم للرجالة. كنت شفت جسمنا فين يا حمزة بيه؟ والا أخوك سرح بيك وقال لك حاجة؟ ماهو زبالة وواطي. تصدق بالله، كنت فاكراك حاجة عدلة، طلعت زي بقيت الرجالة زبالة وواطين، أخص عليك".

"اسمع، مالكش دعوة بأختي، عندك أختك ابلعها، إنما أختي طرف صباعها ماتقربلوش لحد ما أجي، ولسه يا حمزة.. تربية المرة هتعرفك شكلها إيه". وقفت الخط وأعطته له، وابتعدت عنه، كانت تريد أن تصرخ، أن تخرج ما في داخلها، كانت تحس بالنار. ليذهب إليها ويشدها إليه، لتصرخ به، ليشدد عليها ويهتف: "اهدي، حالتك صعبة، اهدي شوية". لتصرخ: "ابعد بقه، مش مستحملة يا أخي".

ودفعته بعيداً وظلت تجري حتى وصلت للبحيرة وجلست بجوارها، وبدأت تبلل وجهها بالماء، ولكنها تعبت بشدة، فانفجرت بالبكاء. كان قلبها يؤلمها، ولم تحس بذلك الذي اقترب وشدها مرة أخرى واحتضنها، وهيا تبكي بعنف، فهي لم تبكي منذ الحادث، كتمت كل شيء ولم تذرف دمعة واحدة، تحول قلبها إلى حجر، واستحال الدمع، كانت تتعجب لماذا لا تبكي ولماذا قلبها نشف هكذا، لتنهار بين يدي ذلك الغريب، لم تعلم لماذا انهارت بين يديه هكذا، كانت كلما هدأت تنفجر مرة أخرى.

ليأخذا في أحضانه ويفك وشاحها وشعرها ويمسد عليها، وهيا منساقة، لأول مرة من سنين، كان يتلمسها بحنان لا يتجاوز، ولكنه يحتضنها بقوة، كانت بين يديه أنثى فقدت قوتها المصطنعة، فهي تحيط نفسها بهالة من الجمود والصلابة، أحس أن بها الكثير، كانت تنتحب ولا تصمت.

ليحملها ويذهب بها إلى الصخور ويجلس ويجلسها، ويأخذها في أحضانه، كان مراعياً، حنوناً، وهيا تئن من الوجع وتتذكر ذلك اليوم الأسود ببشاعته، وتنتفض بشدة. بكت على يومها بعده بسنين، بكت على حبها وحب طفولتها بعد سنين، بكت على فقدها شخصيتها القديمة بعد سنين.. أنثى تحملت سنين وسنين دون دمعة واحدة، لتنفجر أنهار الدموع في أحضان البدوي الغريب. ولكن الغريب تحول إلى حضن وأمان، لتستكين لفترة، تتلمس بعض الراحة من مطحنة الدنيا.

أما هو، أحس أن بها شيئاً جلل، لتنهار هكذا، كل ما أهمه أن تكون في أحضانه بأمان، كان يشدد عليها ويقبل رأسها، كانها غاليته وكنزه الذي يراعيه. ليمُر فترة، لتنفض نفسها وتقوم وتبتعد عنه، ليحاول أن يقترب، لترفع يدها بقوة وتهتف: "من فضلك، خطوة تانية ماتقربش.. أنا آسفة، أنا ماكنتش في وعي، متشكره على دعمك". وتركته وذهبت إلى الخيمة وجلست بجوارها. قرر أن يتركها لبعض الوقت، وظل يراقبها وهيا شريدة والحزن يصرخ من وجهها، يمزق قلبه.

ليتنهد: "يا ترى مخبية إيه؟ واجعك كده؟ وكنت بتهبشي مين في التليفون؟ ومين الواد التاني اللي مغلولة منه أوي كده ومكرهك في الرجالة؟ إيه اللي يكره واحدة أوي كده في الرجالة ويقلب حالها؟ ماشي يا سهيلة، هنشوف". ليمُر الوقت، ليذهب إليها ومعه بعض الفواكه المجمدة والتمر، ووضعهم في يدها، لتقطب حاجبيها، ليهتف بمرح: "الحق حاجة قبل ما أخلصهم واحنا محبوسين ومش هنعرف هييجوا امتى". لتقطب: "مش انت قلت إن النهاردة".

ليقول: "أنا قلت، هما بقه ييجوا، دا راجع ليهم، الصحرا غدارة". لتهتف بتوهان: "كل حاجة غدارة". ظل ينظر إليها، ليتنهد ويقول: "طب إيه رأيك ننزل الميه؟ لتقطب: "ميه إيه اللي أنزلها؟ انت أهبل". ليقول: "عادي، الجو شمس، وانزلي بهدومك، اقلعي بس الجاكت، وانزل، أنا عن نفسي هنزل". لتقول: "لا يا عم، انت اتفضل، الـ.. أنزل الـ". ليهتف: "طب خلاص، خليكي يا عدوة الفرحة".

وذهب هو، لتجده يخلع ملابسه وينزل بالشورت، وتظل تراقبها وهو يغطس ويضرب في الماء، لتبتسم. لم تتذكر آخر مرة نزلت فيها الماء، كان قبل تلك الحادثة المشؤومة. خلعت حذائها وظلت تبلل قدميها في الماء، ليرشها ببعض الماء: "يا بنتي، هتندمي، دانت جلدك لون اللبن، ماشفتيش لا شمس ولا ميه من يوم ما اتولدتي". لتقطب وتقول: "خليك في حالك". لظل فترة تحس أنها تريد أن تدخل بشدة، ولكنها لا تجرؤ على ذلك، لتصرخ فجأة، لتجد...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...