كان شارع جانبي. أنا عارف الشارع ده. شارع سد. خايف ونفس الوقت عايز أقرب. لحد ما لقيت بنت قاعدة على الأرض، ضامة نفسها وشعرها الطويل نازل على دراعها وصوت عياط خارج منها. التوتر والرعب ابتدوا يوصلولي وضربات قلبي بتتصارع. واقف مكاني متخشب، مبعملش حاجة غير إني ببص عليها وأنا مرعوب. صوت شهقاتها بيعلى. عايز أتحرك وأجري مش عارف. كل اللي في دماغي دلوقتي إنها مش إنسانة. أكيد مفيش حل غير إني أتكلم وأسألها. "بـ بـ بتعيطي ليه؟
صوت شهقاتها وقف، كأنها انتبهت ليا. التوتر ماليني حرفيًا. معرفش لما ترفع وشها هشوف إيه. مسخ ولا عفريت ولا إيه. بترفع راسها بالراحة وهي بترتعش، لحد ما نظرها وقع عليا. اتكلمت بخوف وعيطت وقالت: "ارجع البيت يا أسر." "ولو مرجعتش؟ "مهو مش بمزاجك هترجع، حتى لو غصب عنك." "مفيش حد يقدر يغصبني على حاجة." "روح يا أسر وبلاش تمشي في الضلمة لوحدك. يمكن يطلعلك عفريت ولا حاجة."
"قوليلها لو مبطلتش تعمل اللي بتعمله ده أنا مش هخرجها. أنا عارف إنها محتاجاني." ضحكت وقالت بسخرية: "هه. متتحدهاش يا أسر يا حبيبي، زي ما بتقولوا. ابعد عن الشر وغنيله. غني يلا يا أسر واسمع الكلام وروح." ملحقتش أتكلم، لأنها قامت من مكانها وزحفت على الأرض، وضوافرها اللي شبه المخالب بتخبط في الأرض وصوت مرعب طالع منها وبتقرب ناحيتي بسرعة.
جسمي اتفك على آخر لحظة، لأنها كانت قربت مني وبتستعد إنها تغرز ضوافرها في رقبتي. جريت بسرعة. وأنا بجري بصيت ورايا، عليها. كانت بتزحف وبترجع لنفس الشارع تاني. أنا مش قادر أوقف جري، خايف لو وقفت تطلعلي تاني. وصلت البيت، وللأسف فتحت الشقة ودخلت أوضتي، وكالعادة قفلت على نفسي باب الأوضة ونمت. الصبح بقى... "أسر، ماما بترن عليا." "قمت وخرجت بره الأوضة ورديت عليها." "أيوه يا ماما."
"خلصي النهاردة بدري عشان نزور خالك عشان تعبان." "حاضر يا ماما، هحاول. سلام." "سلام." "دخلت أوضة أسر وأنا مضايقة، وهو استغرب وقال:" "مالك يا رغد؟ "ماما عايزاني أخلص بدري ونروح نزور خالو." "طيب، وإيه اللي مضايقك في كده؟ "مهو اللي مضايقني إن خالو مش تعبان ولا حاجة. هما بيقولوا كده بس عشان أقعد أنا ومحمد مع بعض." "محمد مين؟ "ابن خالي." "خدت نفس وبعدين قولت بتكشير:"
"أنا ومحمد مش بنطيق بعض. هو لو عليه أصلاً يولع فيا. أمي وأبوه مقتنعين إننا لبعض من واحنا صغيرين." "وكملت وأنا بضحك:" "وقال إيه، قريين الفاتحة من واحنا صغيرين. تصدق؟ "اتكلم ببرود وقال:" "عادي على فكرة. أسمع عن ناس كتير بيعملوا كده." "رديت وأنا متعصبة:" "الموضوع هيمشي لو أنا ومحمد بنحب بعض. بقولك، لو شافني ممكن يرميني من البلكونة." "رد وهو بيضحك:" "يااه! عملتي إيه ليه لدرجة إنه مش طايقك أوي كده؟ "اتكلمت ببراءة:"
"مبعملهوش حاجة، هو اللي مش طايقني كده." "ضحك وقال:" "بنظرتك دي معتقدش." "احم احم. طب يلا كمل." "مش طايق البيت بجد، حاسس إن جدرانه بتضيق عليا والهوا فيه بيقل ومخنوق منه. لبست ونزلت أتمشى في الشوارع. وبصيت لقيت إعلان لفيلم على باب السينما، عجبني. دخلت أتفرج عليه، أهو بالمرة أطلع نفسي من الرعب اللي عايش فيه. كانت آخر تذكرة للفيلم." "إيه يابا دي؟ تذكرتي أنا."
"بصيت لمصدر الصوت الغريب ده، لقيتها واقفة جمبي وبتـ بصلي وبتوجهلي كلامها. نفس البنت اللي شفتها في الجنينة امبارح." "رديت وقولت باستغراب:" "تذكرتك منين إنشاء الله؟ "هو إيه اللي منين؟ أنا اللي جيت الأول هنا، بس روحت أكلم صاحبتي أشوفها جايه ولا لأ." "أيوه، وأنا مالي بده كله؟ "مدت أديها ليا وقالت:" "هات التذكرة." "لأ، أنا دفعت فلوسها خلاص، وكمان دي آخر تذكرة. يعني مستحيل أديهالك." "حطت أديها في وسطها وقالت بغضب:"
"زي ما قولتلك، أنا اللي جيت هنا الأول، يبقى أنا ليا الحق إني آخدها. يلا هاتها وبلاش لماضة." "هو اللمض في الحوار ده كله إنتي على فكرة." "أنا مش لمضة، إنت اللي رخـم وسرقت التذكرة بتاعتي." "سرقت إيه؟! "... أصلاً إنتي نسيتي إنك المفروض تعتذرلي وتشكريني في نفس الوقت على الموقف بتاع امبارح، ولا إيه؟ "منا كنت هعتذر. إنت اللي سبتني ومشيت. أعملك إيه يعني؟ أجي أبوس دماغك ولا إيه؟ مش فاهمة."
"طب وطي صوتك ده بدل ما أقطعلك لسانك." "متـ تقدرش. لإنك لو حاولت حتى ترفع صباعك عليا، هتلاقي نفسك على الأرض وغرقان في دمك." "ضحكت وقولت:" "إيه الثقة دي كلها." "تجرب؟ "مفيش تذاكر. واخبطي راسك في الحيط." وأخدت التذكرة ودخلت الأوضة اللي بيتعرض جواها الفيلم، واتفرجت عليه. الصراحة كان فيلم ممتع وجميل بجد، وكان يستاهل الخناقة دي.
طلعت بعد ساعتين من السينما، وبصيت لقيتها قاعدة على الأرض ومربعة رجليها وحاطة الهاند فري في ودانها. وأول ما شافتني شالت الهاند فري وقامت بسرعة وبدأت تقرب مني. "أتمنى تكون استمتعت بالفيلم، وأنا مش مسامحاك على التذكرة. هه. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بن... "هو اسم أمك إيه؟ "هو انتي هبلة؟ "لأ يابا. احترم نفسك." "هو أنا هخلص من الرعب أخش على جنان ولا إيه." "منك لله بجد. أنا كنت مستنية الفيلم ده أوي."
"إنتي مستنياني أعتذرلك مثلا؟ "أظن إنك لازم تعتذر. كان أصلاً المفروض متعاندش معايا وتديهالي." "وأظن برضو إن المفروض يعتذر، وبالأكثر كمان. هو إنتي صح؟ "تنهدت وبصتلي ونظراتها كلها ندم، وقالت:" "أنا آسفة. الموقف كان صعب عليا. أختي تايهة وأنا مكنتش مركزة خالص." "الصراحة رضيت بأسفها وقولت:" "خلاص، مسامحك." "احم. وانت مش عايز تقول حاجة؟ "أقول إيه؟ "تعتذر." "أعتذر ليه؟
وإنتي طولتي لسانك عليا، قولتي عليا حرامي ودعيتي عليا، كل ده وعايزاني أعتذرلك برضه؟ "أنا اعتذرت. اعتذر إنت كمان. مش هتخسر حاجة يعني." "سكت. وهي تنهدت وقالت:" "خلاص. متعتذرش. مش عايزة منك حاجة."
وسابتني ومشيت. وأنا فضلت أبص عليها لحد ما اختفت. أسلوبها غريب وملامحها هادية ولبسها بسيط. روحت البيت وأنا بفكر فيها. عملت شاي ودخلت البلكونة. كان الجو ليل. الصراحة سيرتها مش قادرة تخرج من دماغي. أسلوبها عاجبني. كنت بتخيل الموقف تاني وأنا مبتسم. معرفش حاجة عنها غير اسمها بس.
لمحت صوت خرفشة في الزرع اللي في البلكونة. كنت متردد شوية، بس روحت أشوف ده إيه. كانت زي ورقة سودا مكتوب عليها كلام بالدم. الكلام مكتوب بطريقة كأن عيل صغير كاتبها. حاولت أترجم على قد ما أقدر، لحد ما بدأت أقرأ: اسمها سلمى أحمد المهدي، عمرها 22 سنة، في كلية الهندسة. بتشتغل في محل ورد في ***** ورقم تليفونها ****** استغربت وقولت: مين اللي بعت الورقة دي وليه؟ حطيتها تحت المخدة ونمت. "يمكن اللي بعتهالك يكون مازن ده؟
"هو فعلاً مازن اللي بعتها، بس لحد دلوقتي معرفش هو ليه عمل كده. وكل ما بسأله مابيردش ويسيبني ويختفي. عندي فضول أعرف هو ليه قرب مني أوي كده. ده العفريت الوحيد اللي عمري ما خفت منه." "ياه يا أسر. يظهر إن قصتك مفيهاش رعب، بس طلع فيها كمان حاجات تانية." "قولت الجملة دي وأنا مضايقة." "حاولت أنام معرفتش. صحيت كانت حوالي 3 الفجر."
"طلعت الصالة وفتحت التليفزيون وقعدت أتفرج شوية، وبعدين حسيت برعشة في جسمي والمكان بقى بارد. شامم ريحة شياط. قمت بسرعة عشان أشوف الريحة دي من المطبخ ولا إيه. كان الغاز طافي ومفيش أي مصدر لريحة الشياط. قولت خلاص، دي مش من عندي. رجعت تاني للصالة وقعد على الكنبة. وأنا قاعد سمعت صوت باب الحمام بيتفتح بالراحة، وريحة الشياط كانت كتيرة. قاعد مكاني ببص لباب الحمام اللي بيتفتح ببطء شديد قدامي، وصوته اللي بيدخل وداني لحد ما
اتفتح على الآخر. الحمام ضلمة، وفضولي بيحركني ناحية باب الحمام. شغلت النور، مفيش أي حاجة في الحمام. دخلت غسلت وشي وبصيت للمرايا، وبعدين جيت أخرج، الباب اترزع في وشي، كأن حد قفل عليا من بره. روحت عند الباب وبحاول أفتحه ومش عارف. بنهج من كتر الخبط على الباب، ووقفت خبط، لأن النور بتاع الحمام اطفي. سكون تام. ضلمة. أنفاس بتتزايد. ريحة الشياط لسه موجودة. حاسس بحرارة. بحاول أتكلم، صوتي مبيخرجش. رغبة ملحة في النوم. نوم إيه
دلوقتي بس. فعلاً استسلمت للنوم."
"صحيت وأنا بقول في نفسي: أكيد ده حلم، وإني مش نايم في الحمام. بس أنا فعلاً نمت في الحمام. معرفش قد إيه، بس قومت بسرعة وحاولت أفتح الباب. وأخيراً اتفتح. خرجت كأني خرجت من سجن. بدأت آخد نفسي. وغيرت هدومي. كان جسمي واجعني. ببص لقيت آثار خدش على جسمي، وحاسس بيهم على ضهري. لبست القميص ونزلت المشرحة. بقيت عايز أهرب من البيت ده بأي طريقة." "وصلت المشرحة." "إيه يا دكتور أسر؟ بقيت كويس الحمد لله؟ "هزيت راسي بـ آه.
وهو كمل وقال:" "ممكن بقى تكمل شغلك؟ الجثث بتكتر، وأنا معنديش دكتور تشريح ممتاز غيرك يا أسر." "حاضر يا دكتور." "طلعت من المكتب وروحت أوضة التشريح ومعايا ملف الجثة اللي هتتشرح. من الآخر، بحاول أشغل نفسي من إني أبص على تلاجتها." "أسر، أخبار النوم في الحمام إيه؟ مش بذمتك حلو؟ دانت كنت نايم في الأرض كأنك طفل صغير." "مردتش عليها وكملت قراية في الملف."
"على فكرة عادي. أنا أصلاً اتعودت على تجاهلك ليا. مهو اهتمامك بقى على حاجة تانية، مش كده ولا إيه؟ "كان فيه ملايات على سرير الجثة. شقيت الملاية لقطع صغيرة ولفيتها وحطيتها في وداني عشان مسمعش أي كلمة منها. ومسكت المشرط وبدأت تشريح الجثة." "كانت آثار الخرابيش بيوجعني، كأن نار بتاكل في جسمي."
"على فكرة يا أسر، اللي بتتجاهلها دي حايشة عنك حاجات كتير أوي. ولو سبتهم يا أسر، إنت حياتك حرفياً هتكون أوحش من الجحيم نفسه. تيجي أقولك على نبذة منهم؟ "شوفتها كانت واقفة قدام تلاجتها مربعة أديها وبتبصلي بغضب، وبتقول:" "الحمامات مش أماكن للنوم يا أسر. ده مكان مليان حاجات إنت متعرفش عنها حاجة... أخبار الجروح اللي على جسمك إيه؟ "قربت ناحيتي وفتحت كام زرار من قميصي، وقالت بحزن:" "عارف مين اللي عمل فيك كده؟
"نظراتي بتقول إن أكيد هي اللي عملت كده." "لأ يا أسر. أنا معملتش كده، وعمري ما هعمل كده. دول جنيات الأرض. إنت كنت زي جاكيت بيتخانقوا عليه، وإنت اللي كنت بتدفع تمن الخناقة." "يعني إيه؟! "قفلت القميص وبصتلي وقالت بابتسامة:" "متخافش. أنا خدتلك حقك منهم. التمن اللي دفعوه على عملتهم دي كان غالي أوي." "حصلهم إيه؟ "اتحرقوا يا أسر. أنا أقدر أعمل أي حاجة شر ممكن تتخيلها." "وحطت أديها على كتفي وقالت ببرائة:"
"عشان كده إنت لازم تبعد. اللي بتفكر فيه ده عشان أنا أذايا وحش. وحش أوي يا أسر. ولو مش مصدقني، تعالي معايا."
"شدتني من إيدي وروحت الحمام بتاع المشرحة. مكنتش عايز أروح معاها، بس هي كانت بتجبرني بقوة رهيبة. أنا مش عارف جايباها منين. دخلنا وقفلـت الباب، ومسكت راسي وقربتها من المرايا أوي، وراسها كمان قربت. ظهر من المرايا انعكاس لبنات حلوين أوي. مشوفتش في جمالهم قبل كده. كانوا مبتسمين وبيغنوا. صوتهم بيدخل في قلبي حرفياً. كنت مستمتع بالمنظر، لحد ما فجأة غنائهم بقى صوت صراخ ورجاء، ووشوشهم الجميلة بتتبدل لوشوش سودا متفحمة، وشعرهم
بيولع، وعيونهم كأنها بركان بينزل منها نار كتير أوي. نار حسيت بحرارتها كأني معاهم. صوت صراخهم مزعج، مش قادر أسمعه. حاسس كأن راسي هينفجر من كتر الصريخ، لحد ما جسمهم بقى بيدوب في برك النار اللي نزلت من عيونهم، وهم بيبصولي، وعلى نظراتهم ندم ورجاء."
"كانت الين بتضحك بهيستريا على المنظر، وبتبص بنظرات شر وانتصار. لحد ما المشهد اتبدل، وانعكاسي أنا بس ظهر على المرايا." "بصتلي وقالت بشر:" "ها؟ إيه رأيك؟ "فتحت المايه وقعدت أغسل وشي كتير أوي. حاسس إن وشي بيتحرق." "أسر. مفيش حاجة على وشك. إنت قمر." "فعلاً معتش حاسس بحرارة في وشي. ووقفت المايه، وبصتلها وقولت بخوف:" "إنتي عايزة إيه؟ بتعملي فيا كده ليه؟ "ابتسمت وقالت:"
"الورقة اللي تحت المخده بتاعك تتحرق بسرعة، وإلا إنت اللي هتتحرق يا أسر. سامع؟ "هزيت راسي بـ آه وأنا خايف. وبعدين هي ابتسمت واختفت." "فتحت الباب وطلعت وأنا بمسح في وشي. دخلت الأوضة وكملت تشريح الجثة بالعافية. كان بيخرج منها صوت فحيح كتير. خرجت من الأوضة وروحت عند الدكتور." "أنا مش هعرف أكمل في المشرحة دي." "تاني يا أسر؟ أظن هتقولي إن الجثة بيطلع منها صوت ولاب لاب والكلام بتاعك ده، صح؟
"اعتبرني مجنون. أنا برضه مش هكمل شغل هنا." "وسبته ومشيت وهو بينادي عليا. خلاص تعبت من حياتي دي، مش قادر أكمل فيها تاني بجد." "روحت البيت ودخلت الأوضة، وبصيت تحت المخده ملقتش الورقة." "الورقة... متأكد إني حطيتها هنا. راحت فين؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!