الفصل 9 | من 10 فصل

رواية الغرفة المغلقة الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
23
كلمة
2,347
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

في شقة صغيرة تطل على البحر، جلست أفنان تحتسي كوباً من الشاي الساخن، بينما كانت تراقب ابنتها الصغيرة تلعب بدميتها. فجأة، ركضت الطفلة نحوها واحتضنتها بقوة. "ماما، زينة هتيجي امتى؟ هي اتأخرت أوي." ابتسمت أفنان ومررت يدها في شعر الطفلة الناعم. "زينة قالت إنها هتتأخر شوية، بس متخافيش، نص ساعة بالكتير وهتلاقيها هنا." ضحكت الصغيرة بسعادة وبدأت تلعب بأصابع أمها. "ماما، هو بابا هيجي امتى؟ كل يوم تقوليلي بكرة. هو مش بيجي ليه؟

أنا عايزة أشوفه على الحقيقة مش في الصور. هو يعني بابا مش بيحبني؟ نظرت أفنان إليها بحزن وربتت على رأسها بحنان. "لأ يا حبيبتي، بابا بيحبك قوي. بذمتك فيه حد ميحبكيش؟ أي حد يعرفك بيحبك على طول يا زينة. بس هو بابا عنده شغل مهم ومسافر بعيد." عقدت الطفلة شفتيها بتفكير ثم همست. "طيب امتى يعني؟ أنا عايزة أشوفه. هو في الصعيد؟ هي الصعيد دي فين؟ أنا عايزة أروحه."

تجمدت يد أفنان للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها، وأجابت بهدوء. "لأ يا حبيبتي، دي بعيدة قوي. أوعي تروحي لوحدك." في تلك اللحظة، رن جرس الباب. قفزت الطفلة بحماس وركضت نحو المدخل. "زينة جات! زينة جات!

نهضت أفنان بتوجس. فبرغم كل هذه السنوات، لم تكن قادرة على الشعور بالأمان المطلق. لكنها سرعان ما هدأت عندما فتحت الباب ورأت زينة تقف أمامها، تحمل كيساً من المخبوزات في يد وحقيبتها في اليد الأخرى، وابتسامتها المعتادة تزين وجهها. "جبت لكم حاجات حلوة قوي من اللي بتحبوها." صرخت الطفلة بسعادة وألقت بنفسها في أحضان زينة، التي ضحكت واحتضنتها بحب.

وبعد فترة، كانت أفنان تتأمل صديقتها التي تغيرت كثيراً منذ هروبها. زينة لم تعد تلك الفتاة المفعمة بالحياة كما كانت من قبل. ألقت بجسدها على الأريكة بتنهيدة طويلة، وردفت أفنان: "هما كويسين؟ عرفتي حاجة عنهم؟

تغيرت ملامح زينة للحظة. "من وقت ما سمعت إن وائل ورقيه اتحبسوا، وأنا مسمعتش عنهم حاجة تانية. بس اللي أعرفه إن محاكمتهم الأخيرة كانت من كذا شهر واتثبت عليهم حكم الإعدام. معرفش بقى إيه اللي لبسهم قضية إيه. بس تقريباً وليد هو اللي اتصرف عشان إلياس كان عايز يقتلهم. ووليد مش عايز يبقى فيه دم تاني. وهم في جميع الحالات هيتعدموا، يعني هيموتوا."

نظرت أفنان إليها بحزن وأومأت برأسها، لكنها لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل في صدرها. "يا ريت يكون كده بقى هادي، ونسي الانتقام والقتل وكل اللي هو كان فيه ده. البنت واحشتني قوي يا زينة. أنا كنت زي أمها وبعتبرها بنتي والله. يارب تكون كويسة." ألقت أفنان كلماتها بحزن.

وبعد فترة، في القاهرة، أمام بوابة قصر فخم، توقفت سيارة سوداء ونزل منها وليد، الذي عدل سترته الجلدية وهو يتجه نحو الداخل بخطوات ثابتة. دخل مباشرة إلى المكتب الواسع، حيث كان إلياس يجلس على الأريكة الجلدية ممسكاً بكأس المشروب دون أن يشربه، ينظر إلى نقطة ما في الفراغ وكأنه يطارد ذكرى بعيدة. "من زمان مجيناش عن القاهرة، مش كده؟ في الأول كنا بنيجي كل أسبوع تقريباً."

رفع إلياس عينيه ببطء نحو وليد وزفر ببطء. "أنا جاي عشانها. يمكن ألاقيها هنا، مع إن معتقدش. نفسي أعرف كل ده حصل امتى. أنا حبيتها الحب ده كله امتى وإزاي. أنا قدرت أدمر أي حد وقف قصادي، وهي الوحيدة اللي قدرت تدمرني يا وليد. أفنان انتصرت عليا."

ابتسم وليد بسخرية وهو يسحب كرسيه ويجلس أمامه يتأمله. "البعيد عن العين بعيد عن القلب. وعشان هي بعدت بدون سابق إنذار حصل كل ده، خصوصاً إن ضميرك بيأنيبك. أنت استسلمت وضعفت قدامها ولمستها، وهي ما كانتش مرتك أصلاً. كل ده خلى نسيانها صعب." نظر إلياس إليه بضيق ولم يرد. فقط وضع الكأس على الطاولة ونهض متجهاً نحو النافذة، يراقب أضواء المدينة التي لم تهدأ للحظة. حتى ردد بهدوء: "وأنت؟ زينة وحشتك صح؟!

ليه حاسس دايماً في عيونك الغضب منها أكتر من الحب، مع إن أنا عارف إنك محبيتش حد غيرها." تنهد وليد بضيق. "عشان أنا مكنتش أستاهل منها كل ده." أخرج وليد سيجارته وتابع. "أربع سنين وأنا بحاول أقنع نفسي إن الموضوع انتهى وإنها خلاص. مدام سابتني هي حرة، براحتها. بس مقدرتش. لا قدرت أهرب من حبي ليها، ولا قدرت أبطل تفكير فيها. ولا أقدر أعمل أي حاجة غير إني اشتغل وبس. مش عارف مين فينا دمر التاني، بس زينة دمرتني أكتر."

نظر إلياس إليه أخيراً، وكأن كلماته أصابته في مقتل، لكنه لم يعلق. فقط جلس على حافة المكتب مسنداً يديه إليه بصمت. حتى فتح أحد الحراس الباب فجأة وأردف بقلق: "يا فندم، فيه مشكلة تانية كبيرة في الأوتيل." قطب إلياس جبينه ونهض فوراً. سأله وليد بحدة: "مشكلة إيه عاد؟ إيه حكاية مشاكل الأوتيل دي؟ إيه اللي بيحصل بالظبط؟ الحارس: "حريق في واحد من الأجنحة، والعمال بيقولوا إنه مش مجرد حادث، واضح إنه حد عمله عن قصد."

نظر إلياس إلى وليد، الذي نهض الأخير مستعداً وهو يلتقط مفاتيح سيارته. "يلا بسرعة، خلينا نشوف إيه اللي بيحصل بالظبط." ألقى وليد كلماته، خرج الاثنان بسرعة من القصر. وفي المساء، في أحد الفنادق الكبيرة، وسط ضجيج الموظفين في الممر الطويل، كانت أفنان تمسك بعربة خدمة الغرف تدفعها بصمت، بينما عقلها مشغول. منذ أن بدأت العمل هنا، وهي تحاول إبقاء رأسها منخفضاً، تتجنب الأسئلة، وتتأكد من أن لا أحد يلاحظها أكثر من اللازم.

في دفعة باب أحد المكاتب، وهي تردد: "يا بيه، كل حاجة جاهزة. أنا مش فاهمة ليه كل اللي بيحصل ده. يعني مشكلة حصلت في الجناح، إحنا مالنا؟ نظر المدير إليها بضيق. "دي إجراءات لازم الكل يعملها. أصلاً أصحاب الفندق الجديد وصلوا. صعيدة زيك، يمكن تكوني عارفاهم. إلياس بيه ووليد بيه." ولم ينتهِ المدير من كلماته حتى وقع كل شيء بيد أفنان، التي تجمدت مكانها وتوقفت يدها عن الحركة، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل. "إلياس؟ إلياس هنا؟

ألقت أفنان كلماتها، وفجأة دفعت العربة بعيداً عنها، سحبت مريول العمل وألقته في أقرب زاوية، ثم اندفعت إلى أحد المخارج الجانبية المؤدية إلى ساحة انتظار السيارات. لم تلتفت خلفها، حتى لم تسمع صراخ المدير الذي طلب من حراس الأمن الإمساك بها فوراً. لكن كاميرات المراقبة كانت تسجل كل شيء.

وبعد فترة، في غرفة الأمن في الفندق، وقف إلياس ووليد أمام شاشة المراقبة، بجانب أحد موظفي الأمن، يعيد تشغيل التسجيل الذي التقط لحظة هروب أفنان. "بص يا بيه، هي دي البنت اللي كانت في الدور ده لحظة الحريق." تنهد إلياس بضيق وهو يحاول التركيز أكثر، مردداً: "وقف الفيديو كده. حاول توضح وش البنت شوية، مش ظاهر ليها." وقف الحارس المشهد وهو يحاول توضيح الوجه، ولكن بدون جدوى. فانتبه إليها وهي تركض من الخلف وشعرها الطويل المتناثر.

التفت وليد إليه بقلق: "إلياس، فيه إيه عاد؟ كان يحدق إلياس في الشاشة، مردداً بضيق: "ألغوا الشرطي. وشوفي مين البنت دي وامسكيها. عايزها تبات في الحبس النهاردة. لازم تتحاسب. وشوفوا أي حد ساعدها أو كان معاها يتمسك. أكيد البنت دي تبع حد من المنافسين لينا عايز يبوظ سمعة الأوتيل. أصل إحنا ناقصين حوارات." ألقى إلياس كلماته وذهب هو ووليد.

وفي شقة أفنان، دفعت التي الباب بقوة خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه وهي تلهث بشدة. وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة أنفاسها المتلاحقة. وصرخت: "زينة! زينة! نظرت زينة، التي كانت تضع بعض الطعام على الطاولة، والتفتت إليها بسرعة عندما انتبهت لملامحها الشاحبة وعينيها الممتلئتين بالذعر. وهتفت: "إيه يا أفنان؟ مالك؟ إنتي إيه اللي حصل لك؟ كان فيه حد كان بيجري وراكي؟ حاولت أفنان التقاط أنفاسها، مرددة بذعر: "إلياس...

زينة، إلياس ووليد موجودين هنا." اتسعت عينا زينة بصدمة. "هنا فين؟ إنتي شوفتيهم؟ هما فين يا أفنان؟ شوفتيهم فين؟ هتفت أفنان بذعر: "أنا كنت في الأوتيل... كنت شغالة زي كل يوم. وفجأة سمعت اسمه. المدير قال إن إلياس ووليد هما اشتروا الفندق يا زينة. هما أصحاب المكان اللي شغالة فيه دلوقتي. هنعمل إيه؟ إزاي ظهر فجأة كده؟

لو عرف إن عنده بنت هياخدها مني، ومش هيسامحني إني مخبية عليه طول السنين دي. بس أنا مش هفضل مستنية كده. لازم نمشي، لازم نسيب المكان ده فوراً." قالت زينة بتوتر: "يمكن ميعرفوش مكاننا يا أفنان." ولم تنهِ زينة كلماتها حتى قاطعتها أفنان وهي تصرخ بانفعال وتهز رأسها بقوة، مردفة: "وإيه يضمنلي!؟ أنا مش هفضل مستنية أشوفه هيعرف ولا لأ! إنتي عارفة لو عرف إني هنا هيعمل إيه!

إحنا لازم نمشي بأي طريقة. هنجمع هدومنا ونمشي من هنا حالاً. هنروح أي مكان تاني، أي مكان بعيد عنه." نظرت زينة إليها بدموع وأردفت: "إحنا هنفضل نهرب لحد امتى يا أفنان؟ هنفضل نجري من مكان لمكان كده لمتى؟ نظرت أفنان إليها بعجز وعيناها تلمعان بالدموع، ثم همست بصوت مختنق: "لحد ما يجي اليوم اللي يمسكونا فيه. بس أكيد اليوم ده مش النهاردة. يلا يا زينة." وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب. فتجمدت أفنان مكانها وعيناها اتسعتا برعب.

ونظرت إلى زينة بصدمة: "إلياس؟ أكيد إلياس." ألقت أفنان كلماتها وهي تبحث بعينيها عن ابنتها. ولكن الجرس رن مرة أخرى، ثم تحول إلى طرق عنيف وصوت رجالي صارم جاء من خلف الباب، مردفاً: "افتحوا الباب، شرطة." وفي صباح اليوم التالي، في قسم الشرطة، كان يجلس إلياس ووليد في مكتب الضابط، الذي طرق بأصابعه على سطح مكتبه

وهو يردد بنبرة رسمية: "المتهمة في التحقيقات الأولية أنكرت علاقتها بالحريق، لكن تصرفها وهروبها المريب بيأكد إن عندها حاجة تخبيها. عموماً، زي ما طلبتوا، هنجيبها تشوفوها بنفسكم." أشار الضابط بيده إلى أحد العناصر بالخارج. وبعد لحظات قليلة، فُتح الباب ودخلت أفنان. كانت خطواتها مترددة ووجهها شاحباً، لكن رغم ذلك، رفعت رأسها ببطء، وكأنها تحاول استجماع شجاعتها.

أما إلياس، فبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تجمد في مكانه وهو يحدق بها وكأن الزمن توقف للحظات. واتسعت عيناه بذهول. بدا صوته يخرج ضعيفاً كأنه همسة بالكاد تُسمع، مردداً بصدمة: "أفنان؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...