كانت الغرفة خافتة الإضاءة، والمكان يعبق بصمت ثقيل. وقف الطبيب أمام إلياس الذي بدا وكأنه غارق في بحر من الأفكار، يتأمل وجهه بصدمة واضحة. بعد لحظات طويلة، قطع الطبيب الصمت بصوت خافت ولكنه ثابت: “للأسف… الحالة وصلت متوفية. البقاء لله.” تردد صدى الكلمات في أذني إلياس كأنها صاعقة. لم يستطع استيعابها في البداية، فكرر متلعثمًا: “ماتت؟! شيرين… ماتت؟
أومأ الطبيب برأسه، ثم غادر الغرفة سريعًا، تاركًا إلياس يجاهد لاستيعاب الموقف. جلس على أقرب كرسي، وكأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله. همس بصوت مرتجف، أشبه بالبكاء: “ماتت… شيرين ماتت… هما جتلوها… جتلوها! اقترب هادي منه بحذر، وعيناه ممتلئتان بالدموع. جلس بجانبه ووضع يده على كتفه مرددًا بصوت منخفض: “ربنا يرحمها، يا إلياس. حاول تهدى… لازم نفكر إزاي هنبلغ الحجة. أنا هقوم أخلص الإجراءات علشان الدفن والعزا.”
ألقى هادي كلماته وجاء ليذهب، ولكن كلماته لم تكن كافية لتهدئة غضب إلياس الذي انتفض فجأة، ممسكًا بذراعه بحزم. قال بغضب مكتوم: “مفيش عزاء، هادي. شيرين مش هيتعملها عزا غير لما اخد بتارها. وحضر نفسك للسفر… وابعت لوليد يرجع فورًا.” نظر هادي إليه بصدمة واضحة، وهو يحاول فهم ما يقصده. فاردف: “أسافر؟ ليه يا إلياس؟ أنا مش ممكن أسيبك في وقت زي ده. مينفعش أسافر دلوقتي أصلًا.” ولم ينهي هادي كلماته حتى قاطعه إلياس
بصوت غاضب أشبه بالأمر: “جولت هتسافر يعني هتسافر! مش هسمح إن حياتك تبقي في خطر. تحجز على أول طيارة لدبي وتسافر فورًا. مش عايزك هنا الفترة دي نهائي.” لم يمنح هادي فرصة للاعتراض، بل أنهى كلامه وغادر الغرفة بخطوات غاضبة، تاركًا هادي في دوامة من الحيرة والخوف.
في صباح اليوم التالي، كانت أفنان جالسة في شقتها، تمسك هاتفها بيدين مرتجفتين. وجهها كان شاحبًا، وكأن الحياة انسحبت منه. نظرت إلى صديقتها رقية، التي شاركتها نفس الصدمة، وقالت بصوت مختنق: “ماتت… شيرين ماتت يا رقية! كل الناس بتقول كده… يالهوي! إحنا قتلناها… إحنا السبب! وقبل أن تستطيع رقية الرد، اخترق صوت وائل الغرفة بنبرة باردة تحمل في طياتها غضبًا واحتقارًا: “ما تموت!
تستاهل. علشان ابن عمها يتربى شوية ويتعلم الأدب من الأول والجديد. ولسه…” نظرت أفنان إلى وائل بغضب شديد، ولم تستطع السيطرة على صوتها وهي تصرخ مردده: “هو انت مجنون؟! دي كانت خطيبتك، وكنت بتحبها! وهي كمان كانت بتحبك قوي! حرام عليك… ادعيلها حتى بدل ما تتكلم بالشكل ده عليها.. انت جبت جساوة القلب دي كلها منين؟ ابتسم وائل بسخرية مريرة وهو يردد: “بحبها؟! وأدعيلها؟!
أدعي لوحدة ابن عمها حبسني أنا وأختي سنين في مكان مرميين فيه ومنعرفش نخرج! شوفي رقية… شوفي اللي عمله فيها! تحبي أقولك كان بيعمل فيها إيه يا ست أفنان؟ ولا بلاش علشان مجرحش مشاعرك؟ وعلي العموم شكرًا على اللي عملتيه، أنا وأختي عمرنا ما هننسى مساعدتك. لكن خلينا نكون واضحين بقى. من النهاردة، إحنا اللي هنتقم وانتهينا على كده.” ألقى وائل كلماته كأنها صفعات، ثم أمسك بيد رقية وسحبها معه ليخرج. حاولت أفنان أن تمنعه،
قائلة بتوسل: “مينفعش يا وائل! أكيد إلياس بيدور عليكم دلوقتي في كل مكان. خليكم هنا لحد ما الأمور تهدى، وإن شاء الله ربنا يسترها.” جلست رقية على كرسي قريب، واضعة يديها على وجهها، وتنهدت بضيق وهي تهمس بصوت مكسور: “أنا مش خايفة غير على أهلي… إلياس ممكن ياخد بتاره منهم. أبويا… أمي… ممكن يقتلهم.” نظر وائل إليها بحزن وقلق، ثم قال محاولًا طمأنتها:
“لأ مستحيل. لو عايز ياخد بتاره هيكون مننا إحنا، مش منهم. أنا هتصرف.. صدقيني مش هيحصلهم حاجة.” ألقى وائل كلماته بقلق، وفي مكان آخر خارج مصر، كان شاب ينهض من على الفراش عاري الصدر، ينظر إلى الفتاة النائمة بجانبه على السرير، قائلاً بنبرة دافئة: “زينة.. يلا يا عيوني.. قومي بقى، هتفضلي نايمة كده طول النهار؟ فتحت زينة عينيها بتذمر، ثم أردفت بصوت كسول: “صباح الخير يا قلبي.” ابتسم وليد واقترب منها وطبع قبلة على خدها مرددًا:
“صباح الفل على أجمل عيون في الدنيا كلها.” لكن قبل أن يكمل حديثه، قاطعه صوت طرقات على الباب. توجه وليد لفتحه، ليجد الخادمة واقفة هناك بتوتر. فردد بالإنجليزية وبنبرة ضيق: “Why are you bothering me at this time?” “لماذا تزعجينني في هذا الوقت؟ اعتذرت الخادمة قائلة بتوتر:
“I apologize, sir, but you received news from Cairo. Your cousin, Professor Elias, requests you to book the first flight and go immediately to Cairo for an urgent matter.” “أعتذر يا فندم، ولكن جاءك خبر من القاهرة. ابن عمك، الأستاذ إلياس، يطلب منك حجز أول طائرة والذهاب فورًا إلى القاهرة لأمر عاجل.” ألقت الخادمة كلماتها وانصرفت. عاد وليد للداخل، يبدو عليه الضيق، فاستقبلته زينة بنبرة قلق: “وليد، في إيه؟ حصل حاجة؟
ليه إلياس عايزك؟ رد وليد بنبرة متوترة: “مش عارف، بس حضري نفسك يا زينة. أكيد في حاجة كبيرة. أنا هروح أشوف تذاكر علشان ننزل على أول طيارة.” وفي مكان آخر في القاهرة كان إلياس يقف أمام المقابر، ينظر بحزن إلى قبر شيرين. حتى اقترب منه الحارس بخطوات مترددة مرددًا:
“هما عند أفنان هانم يا بيه. هي اللي ساعدتهم وخرجتهم من البيت، وهما دلوقتي عندها، لكن في بيت قديم ليها محدش يعرفه. والكاميرات أثبتت إن مدام رقية هي اللي عملت كده في آنسة شيرين، الله يرحمها. حضرتك تحب نعمل العزا إمتى؟ نظر إلياس إلى قبر شيرين بحزن وضيق، ثم اردف بحزم: “النهارده… هنعمل العزا النهارده بالليل إن شاء الله.”
ألقى إلياس كلماته وغادر المكان بخطوات ثقيلة. بعد فترة قصيرة، كانت تقف أفنان أمام منزل عائلة رقية، مذهولة من هول المشهد. كان المنزل يحترق أمام عينيها، والجميع يحاولون إخماد الحريق دون جدوى. بعد لحظات، نزل رجال الإسعاف من المنزل، يحملون جثتين متفحمتين. اقتربت أفنان منهم، وصرخت بلهفة: “بالله عليك، قول إنهم عايشين… أبوس يدك قول هما عايشين؟ أجاب أحد رجال الإسعاف بحزن: “للأسف، الاتنين ماتوا. البقاء لله.”
ألقى الرجل كلماته بسرعة وغادر. اندفعت أفنان في بكاء مرير، مرددة: “ربنا ينتقم منك يا إلياس… حسبي الله ونعم الوكيل فيك… ربنا ينتقم منك… أنت شيطان! لم تكمل أفنان كلماتها حتى اقترب منها طفل صغير، وقدم لها رسالة قائلاً: “اتفضلي يا طنط، الرسالة دي ليكي.” أخذت أفنان الرسالة باستغراب، وعندما قرأتها، تجمدت في مكانها، ثم ركضت بسرعة وهي تردد: “لأ. يارب ميعملش كده… لأ مستحيل!
كانت أفنان تقذف كلماتها بينما تركض بعجلة، وفي المساء، كان إلياس يجلس بجانب زوجة عمه على الفراش، التي كانت تبكي بحرقة. مرددة: “خلاص يا إلياس… بنتي راحت… كل حاجة راحت خلاص… مش هقدر أشوفها مرة تاني… مش هعرف آخدها في حضني يا إلياس.” تنهد إلياس بحزن، ثم احتضنها قائلاً: “اهدي يا مرت عمي وادعيلها بالرحمة… والله العظيم مش هسيب بتارها.. أنا هقطع سلالتهم كلها، مش هسيب حد فيهم عايش… هاخد بتارها صدقيني.”
نظرت نادية إليه بدموع غزيرة، وهتفت بغضب: “وائل… لازم تقتله… لازم تقتله وتخلي قلب أخته يتحرق عليه. هو السبب في كل اللي حصل ده… هو وأخته العقربة… كانوا شؤم علينا… لازم يموت يا إلياس! تنهد إلياس مرة أخرى، وقبل يديها، واردف بضيق: “هيموت يا حاجة… أي حد شارك في موت شيرين صدقيني، مش هسيبه مهما حصل.”
ألقى إلياس كلماته، ثم غادر. وبعد فترة، كانت رقية تقف في مكانها، تصرخ بشدة، بينما تشاهد المنزل يحترق. وصلت أفنان إلى مكان الحريق، واقتربت منها، ورددت بصدمة: “رقية… إيه اللي حصل؟ وائل؟ صرخت رقية بنبرة يائسة: “وائل جوه يا أفنان… أخويا جوه، بيموت! أخويا بيموت، أنقذيه بالله عليك! ولكن قبل أن تكمل رقية كلامها، قاطعهم صوت سيارة الشرطة. نزل الضابط واقترب من أفنان قائلاً: “أنتي مطلوب القبض عليكي.” نظرت أفنان إليه بصدمة،
وهتفت بنبرة مرتبكة: “نعم؟ ليه؟ أنا عملت إيه؟ هو إيه اللي بتقوله ده يا فندم؟ في قضية إيه طيب؟ أجاب الضابط بجدية: “قتل… وصلنا معلومات إنكِ السبب في موت الحاج رشيد ومراته.” نظرت رقية إليه بصدمة، وهتفت بسرعة: “حج رشيد ومراته؟! أفنان، أبويا وأمي ماتوا… ماتوا! اتكلمي ليه ساكتة كده هما ماتوا؟ نظرت أفنان إلى رقية بدموع، ثم حاولت أن تتحدث لكن الضابط أشار للعسكري أن يأخذها بعيداً. فصرخت أفنان وهي تبكي مرددة:
“والله ما عملت حاجة… جسمًا بالله ما عملت أي حاجة.” كانت تصرخ ببكاء مرير بينما أخذها رجال الشرطة في السيارة. نظرت رقية إليها بدموع، وفجأة انتفضت عندما سمعت صوت إلياس يردف بسخرية: “فيه واحدة محترمة برده تهرب من بيت جوزها كده.” التفتت رقية بصدمة، لتجد إلياس أمامها. حاولت الركض، لكنه سحبها إليه، قائلاً بسخرية:
“عيب… مينفعش تهربي من جوزك يا مرتي الحلوة… وصحيح، اترحمى على أفنان، علشان اللي خدوه دول مش بوليس… دول رجالت. ودلوقتي بدأ وقت الحساب بينا.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!