كانت تجلس في زاوية الغرفة، تحاول أن تُظهر ثباتًا أمام نظرات إلياس المتوحشة الذي أغلق الباب خلفه ببطء. انتشر صوت قفل الباب في المكان كأنه صفارة إنذار. تقدم نحوها بخطوات هادئة لكنها ثقيلة كالرصاص. رفعت رأسها ونظرت إليه بثبات مصطنع قائلة: إلياس.. أنا مش خايفة منك… ومهما حاولت تهددني، مش هسكت… مش انا اللي اخاف من واحد زيك.. انت تجدر تخوف اي حد بس انا لأ.
نظر إليها إلياس ووقف على بُعد خطوات قليلة منها، ضاحكًا ضحكة قصيرة لكنها خالية من أي مشاعر. ثم اقترب فجأة وجلس أمامها خافضًا صوته وكأنه يتحدث مع طفل مرددًا: خايفة؟ لأ يا رفيف، الخوف لسه مبدأش. بس إيه الجرأة اللي فيكي دي.. لسه زي ما انتي متغيرتيش. عاملة فيها شاطرة وتعرفي تعملي كل حاجة في الدنيا … بس معلش كل حاجة هتتصلح. نظرت رفيف إليه بخوف وحاولت أن تتراجع للخلف، لكن الحائط كان سدّها الوحيد. فهمست بصوت
مرتجف رغم تحديها مردفة: لو فكرت تعمل أي حاجة… هصرخ، وهخلي الناس كلها تعرف اللي بتعمله.. قسمًا بالله ما هسكت. ابتسم إلياس ابتسامة باردة ووضع يده على الحائط بجانب رأسها، حاجبًا عنها أي مخرج. ثم همس بصوت يشبه فحيح الأفاعي: تصرخي؟ جربي كده وأنا هوريكي وجتها هعمل إيه… ولا أقولك… من غير ما أعمل.. يلا… صرخي ووريني. ألقى إلياس كلماته وأمسك بذراعها فجأة بقوة جعلتها تتأوه من الألم. فصاحت وهي تحاول دفعه بغضب: إلياس، سيبني!
لم يهتم إلياس لكلماتها وسحبها نحوه أكثر، وعيناه مليئتان بالتهديد مرددًا: أنا حذرتك كتير قوي وجولتلك ابعدي عني… بلاش تحاولي تدخلي في حياتي.. بس من الواضح كده إن مفيش فايدة.. أصل جوليلي يا رفيف إنتي بتحبيني ولا إيه عاد.. طولى الصراحة. نظرت رفيف إليه بتوتر وحاولت تحرير نفسها بعنف قائلة: مش هسمحلك تعملي كده فيا.. مش هسكت زي رقية… ابعد عني. تنهد إلياس ولمعت عيناه بغضب أكبر، ثم اقترب من أذنها وهمس بنبرة مخيفة:
مش عايز أسمع اسمها قدامي فاهمة… مش عايز أسمع اسمها.. هي ماتت خلاص. رفعت رفيف عينيها إليه والتقت نظراته المظلمة التي جعلت قلبها يرتجف. تملّكتها لحظة من الرعب وهي تراه يقترب أكثر، ثم صرخت بصوت مكسور: سيبني، بالله عليك. ولم تنهِ رفيف كلماتها وشدّد إلياس قبضته أكثر على معصمها ثم أردف ببرود وهو ينظر مباشرة في عينيها: جه وقت الحساب بينا… إنتي اللي دخلتي هنا برجليكي وبمزاجك.. فـ استحمّلي بقى اللي هيحصل فيكي.
أنهى إلياس كلماته واقترب بخطوات متوترة من رفيف، لكنها صرخت بغضب قائلة: اوعى تلمسني… خلي عندك شوية إحساس؟ إنت عايز مني إيه عاد؟ أنا عارفة إنك مخبي سر كبير، ومؤكدة إن رقية لسه عايشة… إنت كداب قسمًا بالله… بطل كدب بقى واظهر على حقيقتك. تنهد إلياس بغضب واضح وهو يحاول السيطرة على أعصابه، وكلماته تقطر حدة: إنتي مالك.. إيه اللي مدخلك في حياتي؟ إنتي أصلًا جاية هنا ليه عاد؟
دايمًا عايزاني أفقد أعصابي. بجزلك إيه… أنا خلاص جبت آخري منك، كفاية قوي كده. أنهى إلياس كلماته وقبل أن تُكمل رفيف أي رد، أمسكها إلياس من ذراعها بقوة وسحبها خارج البيت. مرت دقائق قبل أن يصل إلى منزل رشيد، حيث فتح الأخير الباب بفزع وهو يردد: إيه اللي حصل يا ابني؟ ادخل قول في إيه عاد. دخل إلياس المنزل تاركًا رفيف، التي انفجرت غضبًا: انت إنسان معندكش إحساس وجليل التربية ومحدش علمك الأدب نهائي.
نظر إليها إلياس بحدة مصطنعة وهدوء متكلف قبل أن يردد موجهاً كلامه لرشيد: عمي… أنا مش فاهم رفيف دي عايزة إيه مني بالظبط! في كل مكان أروحه ألاقيها قدامي، وبتدخل بيتي كمان زي الحرامية. غير إنها دايمًا تتهمني إني مخبي رقية. أنا تعبت منها مش عارف أعمل معاها إيه عاد.. لو عندكم حل إنتوا قولوا وأنا أعمله يمكن ربنا يهديها.
كانت كلماته الباردة كفيلة بأن تصدم رفيف، التي لم تستوعب كيف تحول من شخص غاضب إلى هادئ متزن بهذه السرعة. حاولت الرد، لكن والدة رقية صاحت بغضب وقهر: كفاية بقى يا رفيف! حرام عليكي! جولتلك إن بنتي ماتت، ليه بتعذبيني بالشكل ده؟ اتجي الله.. إنتي بتعملي فيا كده ليه عاد. جلست زينب والدة رقية على الكرسي، تبكي بحرقة، فاقترب منها إلياس وطمأنها بلطف زائف:
خلاص يا حاجة.. متزعلوش. هي بس بتحب رقية قوي، ومش قادرة تستوعب إنها ماتت عشان كده بس. قاطعته زينب بدموع وهتفت: لأ يا ابني، كفاية كده. مش عايزة أشوفها تاني… رفيف امشي! من النهارده ملكيش أي صلة بينا خلاص مفيش كده بقى إحنا تعبانين. نظرت رفيف إليهم بدموع ووقفت تحاول التحدث لكن رشيد تدخل بحدة واردف: امشي يا رفيف.. كفاية اللي عملتيه.
نظرت رفيف بحزن وخرجت من المنزل بدموع، أما خارج البيت كان يقف إلياس بجانب سيارته، ينظر إليها بسخرية قائلاً: دي أول خطوة. بعدتك عنهم نهائي. عشان لما أجلك إن شاء الله محدش هيهتم أو يسأل عنك.. إنتي أصلًا مكنش ليكي حد غيرهم. وبحذرك للمرة الأخيرة… ابعدي عني يا رفيف أحسن. مسحت رفيف دموعها بحزم وردت: قسمًا بالله ما هسيبك يا إلياس. هفضحك جدام الكل وهتشوف. ضحك إلياس بصوت عالي واستقل سيارته مغادرًا. بينما صرخت رفيف بعناد:
قسمًا بالله، ما هسيبك! أنهت رفيف كلماتها الغاضبة، وفي صباح اليوم التالي، كانت شيرين تركض بخوف في أحد الشوارع، بينما تطاردها فتاة غريبة حتى أمسكت الفتاة بذراعها قائلة: استني… أنا مش هعملك حاجة! إنتي خايفة مني ليه عاد؟ صحيح إنتي متعرفنيش، لكن أنا أعرفك، وعايزة أقولك حاجة مهمة. نظرت شيرين إليها بقلق وتراجعت خطوة للخلف مرددة: انتي عايزة إيه مني؟ أنا معرفكيش ولا عايزة أعرفك أصلًا، ابعدي عني. تنهدت الفتاة بضيق:
ابن عمك إلياس هو السبب في اختفاء خطيبك. هو الوحيد اللي يعرف مكانه. وائل لسه عايش صدقيني والياس هو اللي حابسه. تجمدت شيرين في مكانها من الصدمة ورددت بغضب: إنتي بتجولي إيه؟! مستحيل! إلياس مش ممكن يعمل كده، هو بيدور عليه في كل مكان. إنتي كدابة. تنهدت الفتاة وهتفت بإصرار:
صدقيني هو اللي عمل كده… لو عايزة تتأكدي، روحي للبيت القديم بتاع إلياس، هناك هتلاقي الحقيقة. لكن لحّقي خطيبك قبل فوات الأوان.. لو استنيتي أكتر من كده هيموت ويندفن من غير حتى ما حد يعرف عنه حاجة. ألقت الفتاة كلماتها وركضت مبتعدة، بينما ظلت شيرين واقفة في مكانها، مذهولة، عاجزة عن استيعاب ما سمعت. وفي مساء اليوم التالي كانت رفيف تقف أمام المنزل القديم ومعها رجل بدا مترددًا وهو يقول:
أنا مش مرتاح لـ اللي بنعمله. إنتي متأكدة إن مفيش حاجة هتحصل؟ تنهدت رفيف بضيق ورددت: صدقني مفيش حاجة هتحصل. كل اللي موجودين هنا حارسين، وأنا حطيت منوم في الواكل بتاعهم. هما خلاص بيناموا دلوقتي. لازم ندخل ونفتش في كل الأوض لحد ما نلاقي رقية. يلا بينا.
دخلت رفيف بحذر، وعلى الجانب الآخر، كانت رقية تجلس على الأرض في إحدى الغرف، تبكي بحرقة كعادتها، تدعو الله أن ينقذها. وفجأة، ارتعدت عندما سمعت خطوات تقترب من باب الغرفة. ظنت أنه إلياس، لكنها انصدمت عندما فُتح الباب لتجد رفيف أمامها. وقفت رفيف مصدومة مردفة: رقية… إنتي لسه عايشة؟ فعلًا لسه عايشة؟ احتضنتها بقوة وأضافت: واحشاني قوي… منه لله إلياس هو اللي عمل فيكي كده. يلا بسرعة، لازم نهرب من هنا.
أمسكت رفيف بيد رقية لتسحبها خارج الغرفة، لكن الأخيرة توقفت فجأة وقالت: وائل! وائل موجود هنا. إلياس حابسه في أوضة المخزن. توجهت رفيف إلى الغرفة ببطء وفتحت الباب فـ وجدت وائل يجلس على الأرض مرهقًا يحاول النهوض، لكنه لم يستطع. فـ أسرعت نحوه وساعدته على الوقوف، ثم خرجوا جميعًا من المنزل. وقبل أن يستقلوا السيارة، ظهرت شيرين فجأة، تحدق بهم بصدمة مرددة: رقية… إنتي لسه عايشة؟ وائل! إنتَ هنا إزاي.
نظر إليها وائل بتعب يمتزج بالغضب، بينما قالت رفيف بقلق: اركبوا العربية بسرعة! يلا، اركبوا! ركضت شيرين نحوهم وهي تصيح بلهفة: استنوا! وائل، أنا دورت عليك كتير قوي بالله عليك، جولي إيه اللي حصل؟ تراجع وائل قليلًا، ثم قال بصوت متهدج: ابعدي عني! أنا بكرهك، وبكرهكم كلكم. كل اللي كان بينا انتهى! أمسكت شيرين يده وهي تبكي قائلة: مستحيل أسيبك تمشي! بالله عليك، خلينا نتكلم.. فهمني إيه اللي حصل.
أدار وائل ظهره وركب السيارة مع رفيف. حين جاءت رقية لتصعد، أمسكت شيرين يدها بشدة وصرخت: مش هسيبكم تمشوا مهما حصل! دفعتها رقية شيرين بعنف، صارخة: ابعدي عني! مش عايزة مشاكل أكتر من كده. وفي تلك اللحظة فقدت شيرين توازنها واصطدمت بسيارة مسرعة فـ سقطت على الأرض، بلا حراك جثة هامدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!