الفصل 6 | من 17 فصل

رواية الجلاد لقلبي رغم حبي الفصل السادس 6 - بقلم دينا النجاشي

المشاهدات
25
كلمة
5,483
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

وصل آدم إلى العنوان الذي أرسله له صهيب، بعدما أوصل سماء إلى منزله. ترجل من سيارته بخطوات واثقة ونظراته تمتلئ شماتة، يتفحّص المكان المهجور بعين الصيّاد. لم يكن سوى منزل أنيق يتوسط منطقة خالية، تحيطه فوضى رجال أمن مطروحين أرضًا، بعضهم يئن من الألم. رغم قسوته، كان آدم يأمر رجاله دائمًا بعدم القـ*تل. القـ*تل عنده عقوبة لا تُمنح إلا لمن يستحقها حقًا، كمن يحمي "الخونة".

دخل المنزل ببطء، وعلى وقع صرخات عاصم القادمة من الداخل، ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة. تلك الصرخات كانت بالنسبة له كأنها سيمفونية من زمنٍ قديم، تحمل نغمةً لا يعزفها إلا الضعف. وما إن دخل حتى التقت عينا عاصم بهيئته المهيبة. شُلّ جسده، وارتجف كأن الموت قد تمثل أمامه. لعن اللحظة التي دفعه غروره للتواصل مع هذا الرجل، "النمر"، كما يُلقّبه الجميع.

خفض بصره على الفور، عاجزًا عن النظر لعينيه، وفي داخله يرتجف دعاءً ألا يكون هذا هو اللقاء الأخير في حياته. قطعت الصمت وهيبة الخوف صوت آدم الأجش، وهو يجلس أمامه على الكرسي، يبتسم بسخرية: آدم بتهكمٍ حاد وصوت منخفض يحمل نبرة استهزاء: _انت عاوز رجالتي تضحك عليا ولا أي يا عاصم؟ ما تحترم وجودي وحسسني إني جيت لهدف يستاهل، مش جاي أواجه واحدة نسوان قدامي.

بلع عاصم الغصة التي في حلقه من إهانة آدم ورفع عينيه بعصبية لا يدري ماذا يفعل، فخرج صوته بنبرة طبيعية: _لسا ناوي تعمل إيه؟ مش كفاية الدمار اللي كنت السبب فيه؟ آدم ببرود: _دمار إيه؟ مش فاكر. عاصم بجديّة، ونبرة تحمل تحديًا مغلفًا بالخوف: _اسمعني كويس يا آدم… إنت بتلعب بالنار. واللي بيلعب بالنار يا بيتلسع… يا بيتحرق. فالأفضل ليك تبعد عن طريقنا… لو كنت ناوي تعيش.

لمعت عينا آدم ببريقٍ مرعب، كأن الشيطان قد استيقظ فيه، واقترب من عاصم بخطوات بطيئة ثقيلة، كل واحدة منها كأنها تدق على قلبه مباشرة. حتى وقف أمامه تمامًا، ثم انحنى ليصبح على مستوى وجهه، وهمس بصوت منخفض ملغوم: _ومين بقى... الوحش اللي ناوي يلعب معايا؟ تجمد عاصم، وشعر وكأن الد.م انسحب من أطرافه. ارتبك، وانحبست الكلمات في حلقه.

وقبل أن يفتح فمه، أمسك آدم بفكيه فجأة، وضغط عليهما بقوة، فخرجت منه صرخة قصيرة حادة، ممزوجة بالألم والذل. ابتسم آدم ابتسامة شيطانية، وعيناه تلمعان بجنون، ثم همس بنبرة مخيفة: _اللي بيحط نفسه قدامي… لازم يعرف إنه مش هيتحرق بس… ده هيتحول لـ رماد. آدم بنبرة هادئة تحمل في طيّاتها خبثًا: _قولي يا صهيب... المدح بيبدأ منين؟ صهيب بجديّة، دون تردد: _لما يعجبك اللي شفته، يا آدم بيه. آدم بموائمة وابتسامة ماكرة:

_وبعد ما يعجبني… بيحصل إيه؟ صهيب بابتسامة جانبية: _تمدحه ساعتها. هزّ آدم رأسه ببطء، واردف بصوتٍ يشبه الهمس، لكن يحمل من الهيبة ما يجعل الهواء يثقل: _يعني كده… عيوني شافت، ولساني مدح؟ صهيب وهو يكتفي بهز رأسه بتأكيد: _صح يا آدم بيه. تغيرت ملامح آدم فجأة، واكتست وجهه قسوة مهيبة، ثم نظر إلى عاصم بنظرة حادة، واردف بصوتٍ جبار: _بس المرة دي... هخالف القاعدة. علشان حابب عيونه الحلوة دي تفضل مفتوحة وتشوف اللي هيحصل فيه.

انتفض عاصم بين يدي آدم كأن الرعب قد التهم أنفاسه. هو لم يحتج لتفسير... لقد فهم تمامًا ما عنى به آدم كلماته. آدم اقترب منه أكثر، وهمس بصوت بارد كالجليد، لكن يحمل حقدًا متفجرًا: _هعلّمك إزاي تبص على حاجة تبعي… وتعيش بعدها. ثم التفت نحو صهيب، الذي فهم الإشارة دون أن يُقال شيء. اقترب بخطى ثابتة من عاصم، أمسك رأسه بقوة، وفتح فاه رغم مقاومته المرتبكة. حاول عاصم الصراخ، لكن الصوت اختنق في صدره.

أشار آدم إلى أحد حراسه، فتقدم الآخر وأمسك بلسان عاصم، بينما الأخير يتخبط وتغرق عيناه بدموع الخوف والرجاء. ابتسم آدم ابتسامة باردة، ثم أخرج مشرطًا صغيرًا من جيبه، لامس به طرف لسان عاصم برفق ساخر، وقال بهمس متلذذ: _لسانك طويل يا عصام... بس مش أطول من اللازم. ثم، دون تردد، سحب شفرة المشرط بقوة. انقطع الصوت. انقطع اللسان. وبقي في يد الحارس، كرمز على أن التحدي له ثمن. نظر عاصم إلى المشهد كمن يشاهد كابوسًا وهو مستيقظ.

عيونه اتسعت، ثم أُغمضت على صدمة لم تحتملها روحه. سقط رأسه للخلف، وفقد وعيه... أما آدم، فوقف بثبات، ينظر له كأنه يُشاهد عملًا فنيًا أتمه للتو. نظر إليه آدم بشماتة، ثم تناول بعض المناديل من يد أحد الحراس، وبدأ في مسح يده بهدوء وكأنه أنهى للتو عملًا روتينيًا لا أكثر. أنهى تنظيفه، ثم التفت إلى صهيب واردف بنبرة آمرة لا تحتمل نقاشًا: _تحبسه في المصنع... وخلّي بالك، ورايا معاه شغل كتير. صهيب أومأ برأسه بموائمة، واجاب بهدوء:

_تمام. تحرك آدم خارج المنزل بخطوات ثابتة، وأمر بعض الحراس بمرافقة صهيب لحراسة عاصم والتأكد من تأمين المصنع جيدًا. في الوقت ذاته، تحرّك عدد من الرجال لنقل حراس عاصم المصابين إلى إحدى المستشفيات الخاصة التابعة لآدم، حيث يتلقى رجاله الرعاية… أو العقوبة، بحسب ما يراه مناسبًا. ثم نُقل عاصم –الغائب عن الوعي –إلى المصنع كما أمر آدم، هناك حيث لا يصل الصوت ولا الرحمة. ***

في السرايا الخاصة بعائلة الشيمي، كان عمران يتحدث عبر الهاتف، ونبرة صوته تحمل توترًا واضحًا، فيما تتشابك أصابعه فوق المكتب بضيق. المعلومة التي وصلته قبل لحظات من بعض الحراس العاملين لديه والمنتشرين قرب ممتلكات آدم، لم تكن سهلة الهضم. استمع جيدًا، ثم أملى عليهم سلسلة من التعليمات الدقيقة، صوته منخفض لكن حاد، ينم عن قلقٍ يغلي في الأعماق. كان آدم قد علم بوجود الحراس الذين أرسلهم عمران سرًّا لحراسته، وغادروا منذ فترة.

لكن عمران لم يكن يومًا رجلًا يُراهن على خطة واحدة. كانت له دائمًا طرقه الخاصة، وأساليبه التي لا تُكتشف بسهولة… طرق تزرع له الطمأنينة حتى في قلب العاصفة. وبينما كان غارقًا في توتره، محاولًا احتواء الموقف بعقله البارد، كان هناك من يراقب ملامحه بصمت. وقفت في الزاوية دون أن يشعر بها، تتأمل وجهه الذي تغيّرت ملامحه فجأة ما بين الغضب والانشغال. ثم خرج صوتها الهادئ، يحمل تساؤلًا مريبًا لكنه ناعم النبرة: _خير يا عمران؟

نظر عمران خلفه حين سمع صوتها، تنهد بعمق واضاف بجدية يحاول أن يُخفي بها قلقه: _خير… متقلقيش. لكن سارة لم تقتنع، تقدمت خطوة ونظرت في وجهه، وعيناها تفحصان ملامحه المتوترة: _الظاهر إنه مش خير، ووشك بيقول إن الموضوع يخص صاحبك. ثبت عمران نظره عليها للحظات، ثم حرك رأسه بإيماءة تؤكد شكوكها. زحف الخوف إلى قلبها، اعتقدت لوهلة أن مكروهًا قد أصاب آدم، لكنها تماسكت، ورسمت على وجهها هدوءًا يناقض ما يدور داخلها، وتحدثت بنبرة خافتة:

_آدم حصله حاجة؟ هزّ عمران رأسه نافيًا، وقال مطمئنًا: _لا… عدت على خير. ثم تنهد من جديد وأردف: _بس زي ما انتي عارفة، آدم مندفع… وعصبيته أوقات بتلغي تفكيره. والموضوع ده بيخليني دايمًا قلقان عليه. أومأت سارة بتفهّم، وقالت بلطف: _متقلقش… آدم صحيح متسرّع، بس صهيب دايمًا معاه، وذكي. بيعرف يتصرف صح وقت اللزوم. رد عمران بنبرة أكثر جدية، وقلق لم يُخفه هذه المرة: _أنا عارف ده يا سارة، بس من إمتى آدم بيسمع لحد؟

من إمتى حد يقدر يخالفه؟ حتى لو صهيب بيعمل الصح… آدم بيعنّد وبيثور، ودي طبيعته. سارة نظرت إليه بحدّة خفيفة، ثم قالت بفطنة: _صهيب مش مجرد حارس يا عمران، صهيب صديق آدم… واللي بينهم أكبر من أوامر. قبل أي خطوة، بيتشاوروا وبيحسبوها. وصدقني، القرار اللي بياخدوه دايمًا بيكون لمصلحتهم ومصلحة رجالتهم. ثم اقتربت منه أكثر، ونظرت في عينيه مباشرة:

_عمران… إنت معيش نفسك في حالة توتر مبالغ فيها. آدم كبر، وبقى راجل… مش أي حد. بالعكس، ده الكل في السوق بيهابه، وكل خطوة بيحسب لها ألف حساب. وأضافت بلهجة حازمة دافئة: _حاول تهدى… وطمن قلبك عليه. تنهد عمران بحزن عميق، يعلم في قرارة نفسه أن كل كلمة قالتها سارة صحيحة. لكنه لا يستطيع كبح هذا الخوف، بعد كل ما حدث. ذلك الخوف لم ينبت من فراغ، بل كان أثرًا مباشرًا للماضي... حين استمع بنفسه ما كان عيسى يُدبّره له.

ومنذ أن ابتعد آدم عنه، بدأ ذلك القلق ينمو بداخله كجرحٍ لم يُشفَ، رغم كل ما يحاول إخفاءه. لاحظت سارة شرود ملامحه، وانكسارًا خافتًا في عينيه، فتفهمت. لم تُعلّق، بل اختارت تغيير دفة الحديث، وقالت بابتسامة خفيفة: _قولي... أخبار الشغل إيه؟ رمش عمران كأنه عاد من عالم آخر، ثم استقام في جلسته واردف بهدوء: _ماشي تمام... ودخلنا في صفقة كبيرة، شغالين عليها بكل طاقتنا. لمعت عينا سارة باهتمام: _طيب... أنا حابة أرجع.

نظر إليها عمران بدهشة ممزوجة بفرحة مفاجئة، وابتسم قائلاً: _بجد؟ هترجعي؟ هزت رأسها بموائمة وهي تبتسم: _استأذنت عمي، ورحب بالموضوع... فـ تمام. إيه رأيك من بكرة نبدأ شغل؟ بس النهارده تشرحلي كل حاجة، عشان أبقى جاهزة. ابتسم عمران بسعادة حقيقية ظهرت لأول مرة منذ بداية الحديث: _عيوني... متعرفيش أنا كنت محتاجك قد إيه. تنهدت سارة، ثم اردفت بنبرة فيها مرارة خفيفة: _ربنا يسامحه عيسى… هو اللي قعدني، وكان بيضغط عليا بسمر.

عمران هز رأسه وادرف بصدق: _ربنا يهديه… المهم دلوقتي إنك راجعة. آخر النهار نكون قاعدين، أشرحلك كل حاجة بالتفصيل، ونظبط شغلك من بكرة. اردفت بحماس: _خلاصانة يا وحش. ضحك عمران على تلك الكلمة التي اعتادت قولها. رغم كل التغيّرات، ما زالت سارة كما يعرفها… فـ هي، وعمران، وآدم كانوا دومًا الثلاثي الأقرب، يتشاركون في كل شيء… حتى العمل. *** وفي فيلا آدم الخاصة كانت تجلس مع والدته مشتتة وحزينة بسبب تصرفاته القاسية.

حاولت السيطرة على دموعها حتى لا تبكي أمام والدته، وفي داخلها قررت أن تتحدث مع والدها وتنهي هذا الأمر، فهي لم تكن مستعدة أبداً للارتباط بشخص لا يحترمها. قطع شرودها صوت حسناء، والدة آدم، وهي تقترب منها بقلقٍ واضح: _مالك يا سماء؟ بكلمك وانتي ولا كإنك موجودة! تنفّست سماء بعمق، محاولة استعادة تماسكها، ثم التفتت نحوها وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، تخفي الكثير: _مفيش يا حبيبتي...

بس بفكر في بابا، لو رجع وملقانيش. ومش فاهمة بصراحة ليه آدم عمل كده… ليه جابني هنا فجأة، وليه الحراسة مشددة حوالين الفيلا؟ نظرت إليها والدة آدم بحنان، وربّتت على يدها بلطف، وقالت بصوت دافئ مطمئن: _متقلقيش يا قلبي، أكيد حصلت حاجة مهمة، وآدم هيقولنا وقت ما يقدر. أما والدك، فآدم كلّمني وقال إنه بلغه بوجودك هنا… وإنك حاولت تتصلي بيه، بس شكله تليفونه مقفول.

أومأت سماء بصمت، بينما حسناء ربتت على يدها بحنانٍ خفي، تداري قلقها. كانت تعلم جيدًا في أعماقها… أن ابنها هو سبب الحزن الذي يسكن عيني هذه الفتاة. وبعد فترة، وصل آدم إلى الفيلا. وما إن عبر عتبة الباب، حتى وقعت عيناه على سماء الجالسة بصمت، شاردة النظرات، ملامحها منهكة، وحزنها ظاهر حتى من دون كلمات. تنهد بانزعاج من نفسه، يلوم داخله على ذلك الانفعال الذي فلت منه.

اقترب منها بهدوء، حتى التقت عيناه بعينيها… فكانت نظرة عتاب تكفي لتعيد كل ما جرى إلى ذهنه. انخفض إلى مستواها، وقال بصوت خافت: _عارف إنك زعلانة من طريقتي... ومن صوتي العالي... بس صدقيني، ما كان قصدي أزعلك. اغرورقت عينا سماء بالدموع، حاولت كتمانها، لكن دمعة خائنة انحدرت على خدّها. أدرك آدم كم جرحها… وكم كان قاسيًا دون أن يشعر. هو من أشركها في صراعاته… وصب عليها غضبًا لم يكن يعنيها.

أمسك بيدها برفق، محاولًا إصلاح ما انكسر، لكنها حاولت سحب يدها، محتجة: _سيبني يا آدم! لكنه لم يستجب، ومضى بها إلى الحديقة رغم اعتراضها وصراخها. وصل صوتهما إلى مسامع حسناء، التي هرعت لتفقد الأمر، لكنها توقفت في مكانها عندما رأت آدم يمسك بيد سماء ويقودها للخارج. ابتسمت بخفة وضحكت: _واضح إنه بيحاول يصالحها. ثم استدارت لتُحضر العصير الذي أعدّته لها. في الحديقة، وما إن وصلا، حتى ترك آدم يدها فجأة، ونظر إليها بغضب مكتوم:

_اكتمي. سماء اشتعلت غيظًا، رفعت صوتها وصرخت بوجهه: _إنت إزاي تسمح لنفسك تخادني كده؟ ومسك إيدي؟! إنت فعلاً إنسان همجي... ومشفتش تربية! تجمّد وجه آدم، واشتعلت عيناه بوميض خطير. تقدم منها بغضب، أمسك بذراعيها بقوة، واقترب منها وهمس بجانب أذنها بنبرة باردة لكنها تحمل تهديدًا حقيقيًا: _كلمة كمان يا سماء… وهنسى إنك بنت. وساعتها… هتشوف الهمجي ده ممكن يعمل إيه.

ارتجفت سماء خوفا منه ومن ملامحه التي تحولت وأصبحت مخيفة، مما جعل دموعها تنهمر رغما عنها. فهي لا تصدق أن هذا كان آدم. أما آدم فلما أحس برعشة خوفها ورأى تلك الدموع أغمض عينيه بغضب وهو يلعن نفسه. فهو لا يستطع السيطرة على غضبه مهما حاول، فابتعد عنها ومرر أصابعه بين خصلات شعره بعصبيه. أما سماء فظلت ساكنة تنظر إليه بألم تعرف سببه، ولأول مرة تشعر أنها بكل هذا الضعيف.

فمسحت دموعها بضعف وتحركت من مكانها لتغادر، لكنه أوقف حركتها بالوقوف أمامها وهو يتنهد. _أنا مقصدش أزعلك صدقيني. ابتسمت سماء بألم وهي تنظر إليه، وفي داخلها كانت تصرخ من القهر. كان هو الشخص الذي تمنت أن تكمل معه حياتها، أن يكون لها الأمان، السند، الوطن. لكن الواقع كان أبعد ما يكون عن أحلامها… فقد تحول الحلم إلى كابوس، والشخص الذي أحبته، كان رجلٍ قاسٍ، متغطرس، لا يرى سوى سلطته...

لقد دمر أحلامها التي كانت عنه وعن وجوده في حياتها... كان يتابع وجهها الحزين، ينتظر منها أي كلمة، حتى خرج صوتها أخيرا بنبرة متحشرجة... _ربنا ليه حكمة في كل اللي حصل… وأنا الحمد لله فوقت. صمتت لوهلة، أخذت نفسًا بدا وكأنه موجة باردة عبرت صدرها، ثم تابعت بنبرة مخنوقة: _حتى لو فوقاني كان بالوجع اللي حاساه دلوقتي… بس وجع اللحظة دي أهون بكتير من وجع العمر كله.

فهم آدم ما تقصده من كلامها وشعر بالحزن ولم يفهم سببه، فهو لم يفكر قط في العلاقة وكل ما فعله كان من أجل والدته. تكلم أخيرًا، بنبرة خافتة لكن جادة: _دي حياتك… وإنتي أدرى راحتك هتكون فين، ومع مين. كلماته خرجت كأنها تصريح بالانسحاب… حيادية باردة، خلت من أي رجاء أو تمسّك. أومأت سماء برأسها بضعف، وغصّة مؤلمة سكنت قلبها.

لكن أكثر ما كسرها لم يكن فقط كلامه… بل تلك اللامبالاة التي رأتها في عينيه، وكأنها كانت عبئًا أراد التخلص منه لا أكثر. تماسكت، بكل ما تبقى فيها من كرامة، لتمنع دموعها من السقوط، ثم أردفت بنبرة جامدة، تخفي خلفها زلزالًا من الانهيار: _ممكن أفهم… سبب وجودي هنا إيه؟ وليه الحراسة اللي حوالين البيت؟ تردد آدم للحظة… هل يخبرها بما حدث؟

لكنه سرعان ما حسم أمره. كان عليها أن تعرف، ليس فقط لتفهم وجود الحراسة، بل ليعلم والدها أيضًا أن الأمر ليس عبثًا. تنهد قليلًا وارظف بنبرة جادة: _إنتي عارفة إن شغلي خلاني أكوّن أعداء كتير… وللأسف، في ناس وصلهم خبر إني خطبت، وجالي تهديد صريح بأذيتك. نظر في عينيها مباشرة وأردف: _عشان كده… الحراسة هتفضل حوالين البيت، وإنتي مش هتخرجي من غير حرس معاك. شهقت سماء بدهشة، وصوتها خرج مصدومًا: _إنت بتقول إيه؟! إحنا ما اتخطبناش!

ومفيش بينا أي حاجة! هزّ آدم رأسه بتفهم، لكن صوته ظل حازمًا: _فاهم ده كويس… وأكيد مش هقعد أشرح لكل واحد وأقول محصلش. مش مهم ده دلوقتي، المهم إنك تسمعي الكلام… ما تخرجيش من غير حراسة، ولو حسيتي بأي حاجة غريبة، تكلّميني على طول. رفعت سماء حاجبيها بغضبٍ لا تخفيه، وصوتها ارتفع باحتجاج واضح: _أولًا… الحراس بتوعك دول، تتفضل تقولهم يمشوا. وثانيًا… أكلمك بصفتك إيه؟! إحنا من النهارده… كل حاجة بينا انتهت قبل ما تبدأ!

تجمد وجه آدم، وحدّق فيها بصرامة، واردف بجديّة لا تقبل نقاشًا: _أنا مش فايق لعناد ولعب عيال… وكلامي يتسمع. الحراسة هتكون معاك في أي مكان تروحيه، ولما المشاكل دي تخلص… هم اللي هيمشوا. همّت سماء أن ترد عليه بعنفٍ أكبر، فقد كانت الغضب يتصاعد في صدرها كسيلٍ جامح، لكن صوتًا أنثويًا قادمًا من بعيد قطع التوتر. _جاء صوت حسناء من الداخل، تنادي بود: _سماء… آدم… يلا يا حبايبي، الغدا جاهز. التفت آدم نحو سماء وقال بجفاف:

_يلا، ماما بتنادي. سماء: _أنا همشي وهبقا أكلمها وأفهمها الوضع. آدم بجمود: _اخلصي يلاه وبعدين ابقي اعملي اللي عاوزاه. _إنت بتتحكم فيّا بصفتك إيه؟! وإيه طريقتك المتخلّفة دي في الكلام؟! عندها اشتعلت ملامح آدم، واقترب منها بخطوة حادة، وصوته خرج مشبعًا بالغضب: _سماء… ما تخلينيش أوريكي وشّ مش هيعجبك. واخلصي قدامي!

ضربت سماء بقدميها على الأرض بغضب، فحاول آدم أن يمنع ابتسامته من الظهور، فانصرفت من أمامه وهي تلعن اليوم الذي رأته فيه. دخلا الاثنان، وولدت آدم تتابع دخولهم بابتسامه وهي تنظم السفره وتدعو الله أن يجمعهما قريبا في هذا المنزل. أما آدم فحزن عندما رأى فرحة أمه، ولام نفسه لأنه أفسد تلك العلاقة قبل أن تكتمل، وهذا ما سيحزنها، وهو يكره أن يراها حزينة.

أخرجه من أفكاره صوت أمه وهي تقترب من سماء بكل حب وتسحبها لتجلس بجانبها على طاولة الطعام. فهو يستغرب كثيراً حب والدته الكبير لتلك الطفلة، فابتسم ساخراً وهو يتحدث إلى نفسه. قال طفله قال..... جلس هو الآخر دون أن ينطق بكلمة، وبدأوا في تناول الطعام، لكن سماء كانت مشتتة. كل ما كانت تفعله هو تحريك الطعام بالملعقة وهو يراقبها. فقطع الأمر صوت أمه وهي تطرح أسئلة. _ها ياولاد اتفقتوا تعملو الخطوبه امته؟

وبفرحه بالغه تحكي عن سعادتها بتلك الزيجه. _أي رأيكو نجيب الشبكه بكره ويومين ونعمل الخطوبه؟ صمتت سماء ولم تعرف ماذا تقول، فهي لا تريد ان تحزنها بعد رؤية كل تلك الفرحة. رفعت عينيها إلى آدم، لكنه ظل باردا ويأكل بصمت. حسناء باستغراب: _في أي ما تتكلموا؟ آدم بجديه: _أنا عن نفسي موافق. لينظر لسماء وبستفزاز: _وانتي رأيك إي يا سماء؟ سماء بصدمه: _ها؟ نظر إليها آدم بمكر ثم وجه نظره إلى والدته:

_سماء ميهونش عليها زعلك وطبعا هي موافقه ولا انتي ليكي رأي تاني يا سماء؟ نظرت له سماء بغضب وقبل أن تتكلم ضمتها والدة آدم إلى حضنها واردف بسعادة: _الف مبروك يا روحي مش مصدقه ان اخيرا الأمنيه اللي طول عمري بتمناه هتتحقق. امتلأت عيناها بدموع الفرح وأردفت بحب: _كده اقدر ارتاح وابقا مبسوطه. ابتسمت سماء ومسحت دموعها: _طيب بتعيطي ليه دلوقتي؟ حسناء بابتسامه: _دي دموع الفرحه يا قلبي. أومأت سماء برأسها مبتسمة، وقبلت

خديها وشاكستها بغمزه: _ما تقولي ان نفسك تجوزيني لإبنك وان مفيش مني. ضحكت حسناء علي مشاكستها وبحب: _فعلا انتي خساره فيه. رفع آدم أحد حاجبيه: _هي بقت كده؟ حسناء بغمزه: _امال. ابتسم آدم لفرحة والدته الظاهرة ونظر إلى سماء فكانت تضحك معها أيضًا فهو يعلم جيداً أنها لم تتحدث لكي لا تحزنها، فقرر أن يصلح ما أفسده. فهو يشعر بالارتياح تجاه الأمر، ولهذا سيحاول أن يحدث هذا الارتباط من أجل والدته ومن أجل الراحة التي يشعر بها.

قطع أفكاره كلام سماء لوالدته بأن عليها الرحيل من أجل والدها. فوقف في مكانه وبجدية: _هوصلك في طريقي اجهزي وانا هستناكي في العربيه. إنها كلامه وغادر المكان. فضغطت على يدها حتى هدأت، فهي تكره غطرسته ومعاملته الصارمة معها. لتنظر لحسناء وبتنهيده: _همشي أنا يا ماما وهبقا أكلمك. حسناء بحب ربتت علي يدها واردفت بحنيه: _عارفه ان اسلوبه وطبعه مخوفك منه بس انا متأكده انك هتغيريه وهتلخيه بني ادم تاني. سماء بموأمه: _ان شاء الله.

انتهى الحديث وودعتها حسناء وذهبت إلى سيارته لتزفر منزعجة وتمنت لو لم تكن حسناء واقفه لتغادر هي دون ان تصعد معه لكنها مضطره. فتح لها حارس الأمن باب السيارة فشكرته ودخلت دون أن تنبس ببنت شفة. وبعد أن صعدت، خرج آدم بالسيارة بصمت. انتظرت بضع دقائق حتى يبدأ في الحديث ويفهمها ما سيفعلونه، لكنه لم يتكلم، فغضبت من صمته وتحدثت بجدية: _ممكن افهم أي اللي حصل ده؟ لم يلتفت لها آدم، وبقيت عيناه على الطريق لـ يرد ببرود: _حصل أي؟

سماء بغضب: _هو انت قاصد تقل مني ولا أي بظبط. أخذ آدم نفساً طويلاً ليهدأ، فهو لا يريد أن يفسد الأمر أكثر. _ادتلك وقتك تتكلمي وترفضي وانتي سكتي. سماء بنفعال: _سكت لما شوفت فرحت ماما ومهنش عليا اكسر فرحتها. آدم بجمود: _ودا نفس اللي انا عملته. وطبعا بإيدك كل حاجه وتقدري تنهي الموضوع. شعرت سماء بـ الإهانه فضحكت بألم: _وانت بقا يعيني دلدول زي ما يحطوك تقول تمام وتسكت. صدر صوت احتكاك قوي نتج من قوف ادم بسيارته.

شهقت سماء بخوف، والتفتت نحوه بتوتر، تبحث في ملامحه عن تفسير، لكنها لم تجد إلا الغضب في أقسى صوره. عيناه، التي لطالما أحبت لونهما العسلي، تحوّلتا الآن إلى سوادٍ عميق قاتم. وأوردته البارزة في رقبته، وتلك الشراسة المنبعثة من ملامحه، جعلت جسدها يقشعر، وكأنها أمام وحشٍ على وشك الانقضاض. الصمت خيّم على المكان… صمتٌ مخيف لا تُكسره حتى أنفاسها المرتجفة.

بدأت تلعن في داخلها كل كلمة تفوّهت بها، كل عبارة دفعت به إلى هذا الغليان. كان يُحدّق بها… نظراته كالرصاص تخترقها، بلا كلمة، بلا حركة. وضعت سماء يديها على وجهها بتلقائية، تتجنّب النظر إليه، تحاول أن تحمي نفسها من سكين نظراته، ومن غليانٍ لا تعرف متى سينفجر. ثم أخيرًا، خرج صوته… هادئ، لكن بارد كالجليد، ونازف بالغضب المكبوت: _اتقي شري يا سماء… وبلاش تخليني أحطّك في دماغي… وأنسى العِشرة اللي بينا.

ظهرت الدموع في عينيها، فنظرت نحو الطريق حتى لا يرى تلك الدموع، لأنه في كل دقيقة يثبت لها أنها أخطأت في حق نفسها. أخرج بعض المناديل وقربها منها وهو مستغرب قدرتها علي البكاء كل دقيقه. فأبعدت يديه بحزن وزادت دموعها فتنهد آدم من الأمر. فهو لم يكتفِ بعدم إصلاح الأمر، بل قام بتدميره، فأضاف بجدية: _سماء اهدي وانا هعملك اللي عوزاه بس اهدي. نظرت إليه سماء، وقد احمر وجهها من كثرة البكاء، وانتفخت عيناها لتنفجر بنفعال:

_"هتعمل إيه؟ هتوجعني بكلامك تاني؟ ولا هتحسسني إنّي حاجة ما تستاهلش، وسهل تتهان بكلمتين؟! اتسعت عينا آدم بدهشة، وادرف بجديه: _"إنتي بتقولي إيه؟ متستاهليش إزاي يعني؟! هو انتي اتجننتي؟! ثم أردف بنبرة أعلى، فيها استنكار حقيقي: _"إيه الكلام ده؟! لكن سماء لم تهتم لردة فعله، كانت غارقة في ألمها، تتكلم دون فلترة: _"دلوقتي أنا اللي غلطانة؟! وانت مش واخد بالك من طريقتك… من كلامك اللي كله تجريح وتهديد وإهانات؟! آدم بجديه:

_طيب اهدي انا غلط وبعترف بده بس صدقيني مقصدش اوجعك ابدا ولا اقصد اي كلمه من اللي قلتيها دلوقتي ولو علي ارتبطنا فأنا فعلا اتمنا انك تديني فرصه ومش لأجل امي وبس لا لان انا كمان حابب انك تديني فرصه. سماء بحزن قامت بمسح دموعها وحاولت الهدوء وبجديه: _ممكن نتحرك لاني اتأخرت. حرك آدم رأسه بنفاذ صبر وتحرك ليلقيها دون أن يضيف كلمة واحدة. *** وفي مكان آخر كان جالساً والشر في عينيه.

فقد وصله الخبر بسقوط أحد رجاله في يد آدم، مما أشعل نار الانتقام في قلبه، فخرج صوته بعصبيه مفرطه: _يعني عيل زي ده بيلعب عليكم كلكم ومش عرفين تخلصو عليه.... احنا دلوقتي روحنا في ايده ويقدر يخلي اللي معاه يعترف علينا كلنا. أحد الأشخاص بتوتر: _سعادتك دماغه مش سهله واللي حوليه مخلصين ومستعدين يضحو بحياتهم فدا ليه. الشخص بسخريه:

_هو الزمن ده لسا فيه حد قلبه علي حد. فوق يا غالب الزمن اللي احنا فيه زمن مصالح واللي حولين ادم مصالحهم ماشيه يعني امنيات وبيحققها ومستحيل تتقطع العلاقات او يتغدر بيه طالما دنيتهم سهله بوجودهم معاه وحوليه بس تنقطع في حاله واحده بس. غالب باهتمام: _واي هي يا كبير؟ الشخص بشرود: _لما نحقق احنا الأماني ساعتها هنقدر نجيبه تحت رجلينا. غالب باستيعاب: _ودي نعملها ازاي؟ الشخص بابتسامه جانبيه نظر لغالب واردف بهدوء:

_الحارس بتاعه هو ده اللي هنقدر بيه نخلص علي ادم بس الموضوع محتاج لتخطيط. غالب بتفكير: _بس ساعتك دا مش مجرد حارس دا صديق قديم ليه وضابط مخابرات سابقا يعني شخص مش سهل ابدا ومش هيتلعب عليه بسهل. الشخص بجديه: _اسمع اللي بقولك عليه وبكره هتشوف بنفسك لما نخلص عليه والزفت اللي اسمه عيسى عاوزك تهربه مش عاوزين شوشره الايام دي. غالب: _ما نخلص عليه من جوه ونخلص منه؟ الشخص برفض:

_لا انا محتاجه.. لسا في مهمه هيقوم بيها وبعدها نخلص عليه. غالب بتفهم: _تمام يا كبير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...