في أحد الأماكن النائية كان يجلس هو وصديقه شارد. فانتبه أسر لشروده، متسائلاً: "مالك يبني؟ من ساعة ما المهمة خلصت وانت ساكت." صهيب بتفكير: "مستغرب رد فعل آدم." أسر باستغراب: "رد فعله إزاي يعني؟ صهيب بجدية: "أخد الموضوع بهدوء ورد فعله كان طبيعي وبارد بطريقة مش مطمناني." أسر بمؤامرة:
"أنا فكرت في كلامك ده، بس اللي استنتجته بعدين إن آدم ممكن يكون طلع حوار الانتقام ده من دماغه من بعد هروب عيسى من السجن وفكر في مراته ومامته." صهيب بشرود: "مظنش." استغرب أسر عدم اقتناعه. *** وفي المقر الرئيسي للشركة، طرقت عائشة باب مكتبه ليأذن لها بالدخول. وبعد دخولها، توترت بسبب قسوة أسلوبه معها الليلة الماضية. فأخذت نفساً عميقاً وتحدثت بهدوء: "السلام عليكم." لم يرفع سامر عينيه إليها وأجاب بجمود:
"وعليكم السلام. اتفضلي الورق ده عليه كل التصميمات المطلوبة، عاوزك تراجعيه وتشوفي كل تصميم محتاج أي عشان يكمل بصورة أحسن وتجبيه أراجعه." عائشة بمؤامرة: "حاضرة." تحركت أمامه وجلست على المكتب الصغير في نفس المكان، وانغمست في المهام التي طلبها. أما هو، فرفع رأسه ونظر إليها وهي منهمكة فيما تفعل. تنهد بانزعاج منها ومن المشاعر التي يشعر بها تجاهها، فنفض الأمر وعاد إلى عمله من جديد.
وبعد فترة قصيرة، انتهت عائشة من التصاميم. وأخذت الجهاز لتريه ما أضافته إلى التصميمات الموجودة على الورق، وهي متأكدة من أنه سيحب ذلك. اقتربت منه وبنبرة طبيعية: "بشمهندس، أنا خلصت اللي طلبته، ممكن تبص عليهم؟ أومأ لها سامر ونظر إلى ما فعلته ليطالعها بجدية مخيفة: "أنا مش شايف أي انبهار في اللي عملتيه." عائشة بإحراج: "بس يا بشمهندس، كل اللي أضفته جديد." سامر بحدة:
"وأنا مش عاوز الجديد يا آنسة، أنا عاوز أنبهر بحاجة منها منفعة مش تلزيق وخلاص." حاولت عائشة حبس دموعها فأجابت بنبرة متحشرجة: "طيب ممكن تفهمني حضرتك تقصد إيه؟ لم يهتم سامر بنبرة صوتها التي أشارت إلى حزنها المكبوت على تصرفه، وتابع بجدية: "مش عاوز منظر بس، أنا عاوز من ورا المنظر ده حاجة ليها فايدة. يعني شكل وإفادة يا مهندسة." وأشار على أحد التصميمات وتابع بجمود:
"يعني مثلاً في وقفة زي دي، عملت حساب كبار السن في التصميم ده أو ذوي الاحتياجات الخاصة؟ لا طبعًا، عشان كده هيفضل شغلك دايمًا ناقص ومش هتتقدمي أبدًا." أومأت عائشة متفهمة وأضافت بحزن: "المرة الجاية هعمل حسابي على النقطة دي يا بشمهندس." سامر ببرود: "دلوقتي تظبطيها وتوريني." فركت عائشة يديها بتوتر وحاولت التحدث، لكن سامر نظر إليها نظرة صارمة مما جعلها تتردد فيما ستقوله وتغادر المكان.
وفي طريقها للخروج، كانت شارده بحزن. اصطدمت بأحدهم. فنظرت إليها عائشة بندم: "أنا آسفة." ابتسمت تلك الفتاة بلطف: "ولا يهمك يا قمر." عائشة بابتسامة: "شكراً، عن إذنك." أومأت الأخرى برأسها، لكنها أوقفتها متسائلة: "معلش، ممكن أعرف فين مكتب بشمهندس سامر؟ عائشة باستغراب: "آه، هو اللي في الآخر ده." شكرتها بابتسامة وغادرت، لكن عائشة واصلت متابعتها بفضول. واستغربت نفسها، فتحركت مغادرة المكان.
عند سامر، استمع طارقاً على باب مكتبه ليأذن بالدخول، ولم يرفع عينيه ليرى من الطارق، لأن سكرتيرته وعائشة هما المسموح لهم بالدخول، ولا يؤذن لغيرهم إلا بإذنه، وذلك بعد أن تستأذن منه سكرتيرته. دخلت ورفعت أحد حاجبيها وبضحكة: "إيه يا عم الجامد، تب حتى بص وشوف مين اللي دخل أو عبر أمي." رفع سامر عينيه وابتسم بحب: "تعالي يا سفروته. هي السكرتيرة مش بره ولا إيه؟ ابتسمت بمكر وغمزت بابتسامة:
"لقيتها مشغولة في مكالمة فدخلت من غير ما تلاحظ." سامر بضحكة خفيفة: "مش هتعقلي أبداً. على العموم يا ستي، أنا كلمت لك صديق ليا وهو اللي هيدربك بنفسه. ومن حسن حظك، دارس إدارة أعمال + دراسته الأساسية." وأضاف: "المهم أنا هنا مش ابن عمك ولا هعرفك." مودة بغيظ: "طيب وليه متدربنيش أنت؟ سامر بهدوء: "لأني عارف إننا هنقضيها ضحك وهزار. ثانيًا، أنا عاوز اللي يدربك يكون درس نفس تخصصك. وكمان لو عرفتي مين اللي هيدربك مش هتصدقي."
مودة بسخرية: "ويطلع مين بسلامته؟ سامر بغيظ: "اتعدلي يا حبيبتي، إحنا هنا مش في البيت. ولو غلطتي، أنا غير مسؤول." مودة بغضب: "في إيه؟ ما تطردني أحسن؟ سامر بنفاذ صبر:
"مودة، أنا بتكلم لمصلحتك. عمي رافض إنك تشتغلي وأنا زهقت معاه على ما وافق وطلب تدريبي معاه. قدرت أقنعه تكوني معايا عشان تاخدي الموضوع بجد. عشان كده طلبت من عمران هو اللي يشرف على تدريبك. وعمران جاد في تعامله وأنا عاوزك تكوني نفس الأسلوب. ومش عاوز عند، أبوس إيدك اسمعي اللي يقولك عليه." مودة بتفاجؤ: "ثانية واحدة، أنت تقصد إن اللي هيدربني عمران الشيمي؟ سامر بموافقة: "آه، هو." مودة بصدمة: "انت اتجننت يا سامر؟
بقا عاوز حوت زي ده يدرب واحدة كانت بتنجح بالبركة؟ وأكيد أسلوبه زي ابن عمه صح؟ لا لا، أنا مستحيل أعمل في نفسي كده." سامر باستغراب: "وإنتي عرفتي ابن عمه منين؟ مودة وهي لا تزال في حالة صدمة، أردفت بنزعاج: "عرف إن سماء موجودة عندي وجه أخدها... أقسم بالله حسيته مصاص دماء مش إنسان طبيعي أبداً."
حرك سامر رأسه، وفي داخله يرغب في معرفة سبب هذا الشجار، لكنه أنهى نفسه عن التفكير في الأمر، فهو قد اتخذ قراراً بعدم التفكير فيها مرة أخرى. في تلك اللحظة، انقطع انتباه سامر بدخول عمران عليه بغضب: "ساااامر." انتفضت مودة عندما سمعت صوته وملامحه الغاضبة واختبأت خلف سامر. لاحظ عمران الأمر ووقف مكانه ينظر إلى سامر بجدية حتى يوضح له من هي. حمحم سامر وسحب مودة من خلفه، وأرسل نظرات غاضبة إلى عمران بسبب إخافته لها بهذا الشكل:
"تعالي يا حبيبتي متخفيش، ده عمران الشيمي شريكي." أومأت مودة برأسها دون كلمة، فابتسم عمران وأردف بجدية: "معلش يا آنسة مودة معرفش إنك موجودة." استغربت مودة حالته التي تغيرت في ثانية واحدة، وأردفت بنبرة حاولت أن تكون متماسكة: "ولا يهمك." عمران بهدوء: "اتفضلي معايا، أكيد سامر فهمك إن أنا اللي هشرف على تدريبك." مودة بتوتر: "هو مينفعش نبدأ من بكرة؟ لاحظ عمران خوفها الواضح منه فتفهم الأمر وأضاف بابتسامة جعلته أكثر وسامة:
"إحنا هنبدأ كسل من أولها ولا إيه؟ مودة بنفي: "لا طبعاً، أنا أقصد... قاطعها عمران بلطف: "متقلقيش، الموضوع ميخوفش وابن عمك موصيني عليكي الصراحة." نظرت مودة لسامر وهمست بقلق: "إنت موصيه عليا إزاي يا سامر؟ دا أنا بنت عمك حبيبتك." سامر بضحكة خفيفة: "متقلقيش، ما الواد حلو أهو وبيكلمك كويس، خايفة ليه؟ أخذت مودة نفس عميق وبنبرة هادئة: "طيب أعمل إيه؟ عمران بجدية: "اتفضلي على مكتبي."
ونظر لسامر بابتسامة خبيثة: "وانت يا غالي، عشر دقايق هعرف مودة المكتب وأجيلك لأني عاوزك في موضوع." سامر بقلق: "تمام." انصرف عمران والتقت عيناه بالمرتبكة، فتبسم وقال بهدوء: "اتفضلي معايا." أومأت برأسها بهدوء وغادرت بجانبه متجهة إلى مكتبه. وعندما وصلوا، تحدث عمران بجدية: "ده المكتب بتاعي والمكان اللي هدربك فيه، وبإذن الله بكرة هيكون ليكي مكتب معايا." مودة بتفهم: "تمام." عمران:
"اتفضلي الملف ده، عاوزك تراجعيه كويس ولما أجيلك هسألك في كام تفصيلة." مودة بصدمة: "لا، إحنا متفقناش على كده." عمران باستغراب: "تقصدي إيه؟ مودة بقلق: "ء.. أقصد إني لسا هدرب يعني، على الله حكايتي. هتسأل عن تفاصيل ليه؟ عمران بهدوء: "دي حاجات إنتي درستيها، كل ما في الموضوع إن الملف ده هيكشف لي نقاط ضعفك اللي هشتغل عليها." مودة بتوتر: "طيب إيه رأيك أبقى صريحة معاك؟ رفع عمران أحد حاجبيه وأردف بهدوء: "وماله." مودة
بتوتر زائد لاحظه عمران: "بص، إنت تعتبرني مدرستش، ولا أقولك، إنت تقول لسامر إني فشلت وأنا همشي ومش راجعة تاني، اتفقنا." عمران بابتسامة: "أهدي وفهميني ليه كل التوتر ده." مودة بنفس طويل: "لأني غشاشة." عمران باستغراب: "نعم؟ مودة بمؤامرة: "آه والله زم بقولك كده، عمري ما نجحت بمجهود." عمران بضحكة: "عمري بيتك يشيخه! إيه الصراحة المطلقة دي." ابتسمت مودة عندما رأت ضحكته وأضافت بتنهيدة:
"ما أنا قلت، آخرتها جوازة وعيال. لازمتها إيه المذاكرة ووجع الدماغ. بس مفيش عريس عليا الطلب لغاية دلوقتي، فقلت أضيع وقت على ما يجي." ازدادت ضحكات عمران من ما تقوله وهمس من بين ضحكاته: "ده إنتي ضايعة خالص." مودة بضيق: "هو أنا بقول إيه؟ بيضحك مش فاهم." حرك عمران يده وأردف بضحكة: "مفيش خالص." مودة بزهق: "طيب متقولش لسامر حاجة من اللي قلتها عشان ميخلصش عليا." كاد أن يضحك أكثر لكنه تمالك نفسه وأومأ بهدوء:
"طيب، عيشي في المكان وأنا هروح لسامر أخلص معاه كام حاجة وأراجع." حركت رأسها موافقة، أما عمران فغادر المكتب متجهاً لمكتب سامر، لتتحول ملامح وجهه إلى جمود مخيف يناقض شخصيته منذ دقيقة. *** في أحد الأماكن الخاصة بغالب، جلس هو وكبير التجار ينظرون لشخص نائم بصدمة من حالته المزرية. غالب بصدمة: "مسبش فيه حتة سليمة." الشخص بجمود:
"أنا كل همي إني ألحقه قبل ما يقول كل اللي عنده لآدم أو الدخلية يوصلها حاجة، وانت مش تايه وعارف إن منصور الزناتي عنده معلومات تودينا ورا الشمس." غالب بتفهم: "فاهم يا ريس. المهم هنعمل معاه إيه؟ ابتسم الآخر ابتسامة جانبية وأردف ببرود: "إحنا خلاص ضامنين الحارس من بعد الموضوع ده وعرفنا إن مفيش حد وراه وقدرنا نوصل لمنصور، مبقاش غير إنه يصحى ونطمن عليه وبعدها نبعت روحه للي خلقه." غالب بمؤامرة: "تمام يا ريس."
في تلك اللحظة، وصلت رسائل كثيرة إلى غالب، ففتح هاتفه وألقى نظرة على كمية تلك الرسائل. تشنج مكانه وصدم بما رآه. فلاحظه الشخص الذي يقف أمامه ليتساءل مستغرباً: "مالك يا غالب؟ أعطاه غالب الهاتف، فتحولت ملامح وجهه هو الآخر لصدمة، فصاح بغضب: "لازم تخلصوا عليه في أقرب وقت يا غالب. الحاجات اللي معاه دي هتودينا في داهية، والزفت اعترف بكل المستخبي." غالب بتوتر: "متقلقش، ساعتك مش هيلحق يعمل بيهم حاجة." الشخص بشر:
"ورحمة أمي لخليه يندم." غالب بمؤامرة: "هيندم ساعتك." ***
في فيلا آدم وتحديداً في غرفة سماء، كانت تجلس ودموعها تنهمر حزناً على ما مرت به وعلى حديث آدم الذي كسرها من الداخل. ازدادت دموعها بسبب سلبيتها الناتجة عن هدوء بركانها أمامه، فعند وجوده يهدأ ألمها منه ولا ترى سوى حبها وتلك المشاعر التي تبدو وكأنها تعمي عينيها وتخفف آلامها، وهذا أكثر ما يحزنها. إنها تسامحه دائمًا على كل ما يفعله. هي تعشقه لا تنكر ذلك، لكنها لن تنسى ما قاله ولن تمرره. شعرت بالأسف على نفسها وعلى كرامتها المهانه بسبب مشاعرها تجاهه.
فاقت من دوامة الحزن على صوت طرق خفيف على باب غرفتها. مسحت دموعها وقالت بهدوء: "ادخل." دخلت أم آدم ونظرت إليها بابتسامة خفيفة: "عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ سماء بهدوء: "كويسة يا ماما." اقتربت والدة آدم منها وجلست أمامها وأضافت بحزن: "حقك عليا يا سماء." سماء بدموع حركت رأسها: "أنا مش زعلانة منك يا ماما، إنتي ديماً كنتي سند ليا واللي حصل ملكيش ذنب فيه." حسناء بحزن: "بس عارفة ابني وعارفة طبعه الوحش." سماء بلطف:
"متأنيش نفسك يا حبيبتي، كلنا فينا عيوب وادم عيبه عصبيته وأنا بدعيله ديماً ربنا يهديه." حسناء بحب: "يارب يا حبيبتي وأشوفكم في أحسن الأحوال يارب." سماء بابتسامة: "يارب." حسناء بضحكة خفيفة: "بس تعرفي عمري ما شفته بالمنظر ده." سماء باستغراب: "إزاي؟ مش فاهمة."
اقتربت حسناء منها وقامت بضمها لتمسح على رأسها بابتسامة حزينة بسبب الجرح الذي سببه ولدها لتلك الصغيرة. فقد ظهر حزنها على عينيها المنتفخة أثر بكائها ووجهها المرهق. أما سماء، فاستكانت بين ذراعيها براحة، فهي أرادت هذا الحضن بشدة حتى تغادر مشاعرها السلبية ويهدأ حزنها قليلاً لتستمع إلى ما تقوله والدة آدم:
"كان زي المجنون اللي راح منه حاجة، كان موجوع وطول الوقت بيزعق ويشخط في الحراس وهددهم كلهم وفضل يدور عليكي في كل مكان، وفي الآخر جالي وفضل يترجاني عشان أقوله على أصحابك القريبين ليكي. ورغم زعلي منه مقدرتش أتحمل الوجع اللي شيفاه في عيونه وحالته اللي أول مرة أشوفه فيها، وعرفت ساعتها إن آدم بيحبك بجد، وده اللي خلاني أقوله على بيت مودة." كانت سماء تستمع لما تقوله حسناء بصدمة، ليتبادر
إلى ذهنها سؤال واحد: هل يحبها آدم فعلاً؟ لكن كيف وهو من قالها صراحةً إن لا تصدق كل ما يحصل، فهذه الزيجة قام بها لأجل والدها لا أكثر. رفعت رأسها لتنظر لحسناء بتساؤل: "ليه بتقولي كده يا ماما؟ إنتي متعرفيش آدم قالي إيه." حسناء بحنان:
"لأني أكتر واحدة أعرف ابني من عنيه ومتأكدة إن كل كلمة قالها كان وراها سبب، وبكرة تتأكدي من كلامي ده. وزي أي أم بتنصح بنتها هنصحك وأقولك حافظي على بيتك يا قلبي وعلى آدم، لأن آدم مخلص في حبه وهيحبك بجد يا سماء، بس اديله وقت يفهم مشاعره." سماء بدموع: "مقدرش أسامحه على اللي عمله." حسناء بتفهم قامت بضمها وتابعت بفطنة:
"وأنا مقلتش تسامحيه، بالعكس خدي موقف قوي منه ومتعديش اللي عمله بالساهل أبداً، ولو حسيتي إن مفيش فايدة وإن آدم فعلاً مش هيتغير، أنا بنفسي هبعدك عنه." أومأت سماء بدموع، فقبلت حسناء رأسها بحب: "إن شاء الله كل اللي جاي خير يا قلبي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!