تحميل رواية «الحب اولا» PDF
بقلم دهب عطية
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ة ومنطقة قريبة من البحر تحمل رائحة البحر المالح ونسيمة العطر المنعش…..وفي قلب منتجع راقي دلفت شابة جميلة من الباب الرئيسي بعد ان سمح لها عمال الأمن بدخول….خطت خطواتها بثبات يلوح منه الأنوثة والرقة…بثوبها الهفّاف والذي يتأرجح حول ساقاها بجمالاًطويل ومحتشم كاخلاقها…..جميل ومرح كروحهايحمل اللون الأزرق كالبحر رفيق عالمها وونيسوحدتها دوماً…..رمشت بعينيها وهي تنظر للشارع على الجهة اليمنىفالتقطت عينيها العسلية الامعة اسم صاحب الفيلا…….تبسمت شفتيها الوردية وهي تعكس الاتجاه يميناًثم خطت بحذاءها الأبيض بن...
رواية الحب اولا الفصل الأول 1 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل الثاني 2 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل الثالث 3 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل الرابع 4 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل الخامس 5 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل السادس 6 - بقلم دهب عطية
رواية الحب اولا الفصل السابع 7 - بقلم دهب عطية
جفاها النوم رغم التعب الذي يسري في جسدها
الآن……..
كانت ممدده على الفراش في الظلام الدامس….
تفتح جفنيها على وسعهما…. تضحك تارة وتخجل تارة…….
ماذا حدث لها هل جنت ؟…. وجن قلبها معها ؟…. منذ متى تهتم للغرباء !!… منذ متى تُسهرها كلمة…. وتشغلها نظرة……. منذ متى وهي تنجذب لجنس آدم ؟!…
كانت ومزالت مبتعدة….. مكتفية بنفسها واحلامها..
من اين اتى… ولماذا يتسلل اليها بكل هذه
السرعة….
ارخت جفنيها بتعب وبدأت تتثاءب…. فوجدت عقلها
يعيد عليها ما حدث….
كلمست يدهُ ، وكانها تستسعرها على كفها من
جديد فترتجف بحياء !……
كصوته الرجولي، وكانها الآن تسمع نبرته الخشنة
ذات البحة المهيبة تهمس في اذنيها فيذوب
جزءاً منها معه….
كرؤيته عن قرب ، وكانها ترى طلته الوقورة المشعة
بالوسامة والهيبة……….
وسيم بدرجة تفجر داخلها مشاعر متعددة لم
تختبرها قط…. لمجرد النظر اليه والتحدث
عن قرب ……
ماذا يحدث لها هل جنت……. مالذي تعرفه عن عاصم الصاوي لتفكر فيه بهذا الشكل الخاص……
انبعث الضوء من هاتفها جعلها تفتح عينيها وتميل لاخذه…….وعندما نظرت اليه وجدته رقم غير
مسجل…..
حانت منها نظرة للساعة التي تشير للثانية صباحاً….مطت شفتيها باستياء……وهي تفتح الخط معتقدة انه طلب يتم حجزه من الآن حتى يصل ظهراً………
استوت جالسة وهي تضع الهاتف على اذنها……
قائلة وهي تتثاءب عنوة عنها…..
“الو سلام عليكم……”
انبعث صوتٍ خشن ذو هيبة قائلاً…….
(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…..شكلي صاحيتك من النوم…….)
انتفضت في جلستها أكثر واضاءة المصباح
المجاور لها……. وقد ابتلعت ريقها هاتفة
بتوجس……
“استاذ عاصم……. خير حصلك حاجة……”
على الناحية الأخرى اوما براسه
بوجوم…..
(آآه انا استاذ عاصم….مفيش فايدة…….)
سالته شهد بقلق……. “انت كويس…..”
ئن عاصم متألماً…….(لا بطني وجعاني أوي…….)
وقع قلبها في قدميها وهتفت
برعب…..
“إيه بطنك وجعاك….. طب ماتروح لدكتور……”
تنهد بأسى وهو يتلذذ بنطق حروف
إسمها…….(هيعملي اي الدكتور ياشهد……)
قالت بقلق…… “هيكشف عليك……..”
لاحت التسلية على محياه فقال
بخبث….
(ولما يسالني كلت إيه…. أجيب سيرتك عادي…)
قالت شهد بحمائية….
“على فكرة انا وكله معاك من نفس الأكل…..”
صدرت من عاصم ضحكة خافته…..جعلتها تضيق
مابين حاجبيها بشكٍ سائلة……
“بجد انت تعبان ولا بتهزر…….”
تنحنح عاصم بخشونة قائلاً…..
(ههزر معاكي في ساعة زي دي……. بجد تعبان….)
سالته بارتياع…… “طب عندك إيه…….”
سحب نفساً طويلاً ثم قال بانتشاء….
(انا معرفش بس ممكن اقولك اللي بحس بيه….)
ارجعت خصلة من شعرها للخلف وهي تقول
ببراءة……
“قول يمكن شوية برد في معدتك….هقولك تشرب
إيه عشان ترتاح…….”
تحدث عاصم هائماً في جمالها المرسوم امام
عيناه……..
(هقولك….. لما بشوف حد معين……بحس كده انه وحشني… وعايز اتكلم معاه في اي حاجة المهم نتكلم وشرط اساسي أسمعه….. ولم بيغيب
عني……لا بعرف اكل ولا أشرب….ولا حتى انام…..وقلبي… قلبي مش مظبوط…….بيوجعني
اوي ملقيش عندك علاج لوجع القلب……)
بعد الاستماع إليه عقبت عابسة…..
“هو انت مش قولت ان بطنك هي اللي وجعاك……”
اجاب عاصم ببراءة……
(ما كل موصل ببعضو…. مفرقتش كتير……)
مطت شفتيها ممتعضة لتقول….
“لا فرقت كتير………انا معرفش اعالج القلوب….”
رد عاصم بتهكم…..
(ليه انتي تخصص بطنه بس…….)
رغم حنقها فلتت ضحكة رقيقة خائنة من بين
شفتيها الممعتضة……فعقب وهو يبتسم لأجل ضحكتها الناعمة……
“ماحنا بنعرف نضحك أهوه……”
تلاشت ضحكتها وهي تساله بصرامة….
“برضو مش فاهمه متصل ليه…..”
اخرج تنهيدة ثقيلة….وهو يختلق مبرراً……
(حبيت اطمن عليكي…..وباركلك مرة تانيه…على الافتتاح……..)
تمتمت بعدم اقتناع…. “شكراً…..على السؤال…. ”
رد عاصم بتسلية…….
(دي أقل حاجة عندنا….مقولتليش برضو…..اعالج وجع قلبي بأيه……)
قالت شهد بجدية شديدة….
“أقولك…..اشرب بوء ميه قبل ماتنام……”
مط شفتيه هازئاً وسالها عبر الهاتف…
(والله ؟!….. وبيجيب مفعول على كده……)
اومات بتأكيد….. “طبعاً……..”
ازداد سخريته……..(مجرباه يعني…..)
كتمت الضحكة بصعوبة وهي تخبره
بجدية…. “امم……..على ضمنتي……..”
(ماشي ياشهد…..اشوفك بكرة…….الساعة عشرة…….)تذوق اسمها مجدداً بتلذذ تستشعره
بشدة فيخفق قلبها معه…….لتقول هاربة منه….
“تصبح على خير يا استاذ عاصم…….”
مط شفتيه باستياء واجابها وهو يتكأ
على لقبها السخيف….
(وانتي من أهل الخير يـا اسـتـاذة شــهــد…….)
اغلقت الهاتف وضمته الى صدرها وهي تكبح
ضحكة صادرة من أعماق قلبها… شاعره بقلبها
يقفز في سعادة وسرور……
على الناحية الأخرى ارتشف القليل من الماء ثم وضع الكوب جانباً …. وبعدها وضع راسه على الوسادة مبتسماً بانتشاء مُتمتماً …..
“ماشي ام اشوف اخرتها معاكي… ياست الحُسن….”
……………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي……
دلف عاصم الى غرفة الطعام… فوجد الجميع هناك يأكلوا وجبة الفطور بصمت….. حتى رأته جدته (نصرة..) فتهلل وجهها فرحاً وهي تدعوه بأن
يتقدم…..
“صباح الخير صاحي متأخر النهاردة…..مش
عادتك….. ”
ابتسم عاصم وهو يتقدم منها ومال على رأسها
يقبلها قائلاً…….
“صباح آلورد….. راحت عليا نومه…..عاملة أي ياست الكل…….”
“الحمدلله ياحبيبي…قعد بقا كُل لقمه….” ثم نظرت نحو يزن الذي يأكل بنهم غير مبالي بأحد
وقالت ضاحكة….
“قبل مايزن يخلص على الفطار…….”
قال يزن وهو يمضغ الطعام الذي تكون في
وجنتاه ككورتين صغيرتين……..
“الله ياتيته…..انتوا هتحسدوني ولا إيه…….ما كل
من الچم….مانتي عارفه….وبعدين انا بقالي يومين
اكلتي ضعيفة……وحاسس اني هفتان……..”
ضحك عاصم وهو يجلس جوار
جدته….
“الحمدلله انك حاسس مش متأكد…….”
رمقت إلهام عاصم بضيق ثم ربتت على ظهر
ابنها وهي تقول بنبرة ذات معنى……
“بالف هنا ياحبيبي….هو انت بتاكل فين يعني…ما
كل من خير أبوك……..”
تمتمت عاصم بصوتٍ عالٍ متغاضياً عن
الرد…..
“بسم الله الرحمن الرحيم……..”ثم وضع أول لقمة
بفمه…..
فقالت نصرة وهي تمضغ الطعام على
مهل….
“قولي ياعاصم حكيم مجبش بضاعة جديدة…غير الحاجات اللي ورتهاني في تلفونك…….”
اجابها عاصم بنفي……
“لا لسه……أول مايجيب حاجة جديدة… هيكون
أول واحد يبلغك……دانتي زبونته……..”ثم أدار
عاصم وجهه لمسعد (عمه.)وساله بفتور…..
“واي اخبار المعرض ياعمي….. ”
رفع مسعد عيناه على ابن أخيه قائلاً….
“كله تمام والشغل شغال كويس….مش ناوي تزرني في مرة وتاخد فكرة عن تجارة العربيات…..”
امتقع وجه نصرة فعقبت باستهجان….
“خليه في تجارة الدهب….هي دي التجارة اللي تنفعه….”
تافف مسعد بضيق…..
“جرالك اي يامي…..هو كل ماتيجي سيرة شغلي
ميعجبكيش كلامي…….”
قالت نصرة مقتضبة….
“انت عارف مش عاجبني ليه….”
تافف مجدداً…… “لا حول ولا قوة إلا بالله……..”
ربتت الهام على كتفه بلؤم على مرأى اعينهم
وقالت……
“كُل ياخويا متفورش دمك احنا لسه على الصبح….”
نادتها نصرة بغضب…. “إلهام…….”
نظرة لها الهام بملل…… “نعم ياماما……”
قالت نصرة بحدة…..
“متدخليش بيني وبين ابني…..سامعة……”
عضت الهام على باطن وجنتيها قائلة
بصعوبة….
“اللي تشوفيه……اتكتمت……..”
بينما نظرت نصرة الى ابنها قائلة
بحسرة….
“كُل يامسعد عشان مفورش دمك زي مراتك مابتقول…….”
لم يرد مسعد بل اكتفى بالصمت….لتتحدث نصرة
مع حفيدها الأكبر قائلة بتذكر وبنبرة حزينة
“صحيح ياعاصم…..سنوية جدك قربت….وعايزين نعمل وليمة كل سنة…….”
ابتسم عاصم بحنو قائلاً…..
“تعيشي وتفتكري ياحاجة…..قوليلي عايزة إيه
وانا انفذة……..أأمُريني…. ”
قالت نصرة وهي توزع نظراتها على
الجميع….
“الامر لله واحدة يابني….. زي كل سنة هنجيب
طباخ وناس تخدم على الناس الغلابة اللي هتكون
موجوده هنا……اهوه نكسب دعوة حلوة…..وتبقى صدقة على روح جدك الله يرحمه…….”
اوما عاصم براسه بانصياع…..
“تمام…..هشوف هعمل اي وكلامك……”
قالت نصرة بامتناع…..
“اسمع ياعاصم بلاش الطباخ اللي جه السنة
اللي فاتت…..”
سالها عاصم باستفهام….
“ليه ياحاجة……..هو اكله معجبكيش…….”
قالت نصرة بعدم رضا…….
“هو ده اكل ياعاصم…..دا زينة يابني…..لا ليه طعم
ولا ريحة….شكل حلو وخلاص……..شوف غيره حد يكون مضمون…….”
قفزت في رأسه صورتها فلانت شفتيه بابتسام
مغزية تخص صاحبة العيون العسلية…….فاجابها….
“حاضر هجبلك حد مضمون…….”
تدخلت إلهام كالعادة بنظرات مزدرية تقول
بتكبر……
“انا شايفه ان ملهاش لازمه التكاليف دي كلها
ياماما….يعني لو طلعنا حاجة لله أحسن….من
الزحمة والهيسة بتاعت كل سنة…….بصراحة
البيت بيبقا مليان ناس غريبة منعرفهاش أصلا والواحد خايف حاجة تتلطش كده ولكده….”
سالتها نصرة بصلابة…..
“ومن امتى في حاجة بتتسرق من بيت
صابر الصاوي…. من امتى يامرات ابني……”
تلعثمت إلهام في الرد بعد نظرات الجميع
المصوبة عليها…….
“انا بقول ممكن….مقولتش اني في حاجة اتسرقت……..”
ضربت نصرة بقبضة يدها المرتجفة سطح المكتب قائلة بسطوة تضاهي عشر رجال معاً…….
“وليمة كل سنة هتتعمل في معادها…. رحمة ونور على روح المرحوم صابر الصاوي جوزي……ولي مش عاجبه….يلزم اوضته لحد ماليلة تعدي على خير………..”
تدخل عاصم قائلا برفق….
“اهدي ياحاجه……ضغطك هيوطى…..”
وكذلك برر مسعد افعال زوجته بحرج بالغ
وهو يرمقها بعتاب……
“الهام متقصدش يامي……..هي قصدها تريحك….”
وامات نصرة براسها مستهجنة…..
“بجد ؟!…. كتر خيرك يالهام…..بس انا بقا بحب
التعب….بذات لو هاخد صواب واجر عليه
هعمله………”
تدخل يزن في الحديث قائلاً بملاطفة…حتى
تهدأ الأجواء المتوترة قليلاً……
“حصل خير ياتيته……كلنا هنحضر للوليمة….وانا بنفسي هخدم على الناس……”
انعقد حاجبي عاصم بتعجب ليقول بلؤم
مرح………
“انت اللي حكمت على نفسك ياحلو…..مترجعش تعيط وتقول اه يارجلي واه ياضهري……”
سحب يزن نفساً عميقاً حتى تضخم صدره وهو
يقول بزهوٍ….
“ضهري ورجلي إيه….أمال انا بروح الچم ليه مش عشان استعد للحاجات اللي زي دي…..ابن عمك وحش…..اتقل….. ”
ابتسم عاصم غامزاً…..
“ماشي ياعم الوحش اما نشوف….”
نظرة لهم نصرة بحب….وقالت
بمحبة….
“ربنا يحميكم ياحبايبي ويخليكم ليا…….”
هتف يزن ناغشاً إياها…..
“ويخليكي ليا يانصرة قلبي……”
هتف عاصم ساخراً……
“افطر يانحنوح………خليك تلحق جامعتك……”
مالى يزن على الجدة هامساً بشقاوة….
“غيور أوي….”
ضحكت نصرة وهي تندمج معه أكثر….
“من يومه……”
برمت إلهام شفتيها بغضب وهي ترمق زوجها بحنق
ليهز كتفه بقلة حيلة……..فنهضت من مكانها سريعاً
دون استئذان……….وقد لحق بها مسعد سريعاً…..
وعندما دلفت للغرفة صرخت بهجوم….
“انا مليش لازمة في البيت ده يامسعد….مليش لازمة……..”
اغلق مسعد الباب وتقدم منها محاول ان
يهدأها…….
“أهدي يالهام….دي مهم كان أمي….مقدرش اعترض
على حاجة عيزاها…….”
غلت دمائها كمرجل ناري وهي تصيح
هائجة……
“يعني انت موافق على الهبل ده……وليمة ولمه…
ما طلع حاجة لله وتخلصنا….لازم تعمل فرح
حوليها……..”
زفر مسعد بقلة صبر…….
“يالهام….دي سنوية ابويا……وهي متعوده تعمل كده
كله سنة……..”
اشارت الهام على نفسها بغيظٍ محتقن…..
“وكله سنة بعترض…..ومفيش حد بيسمعلي كلمة…
انا مش حسى اني في بيتي….انا حسى ان زي
زي الكرسي ده…….”خبطت على المقعد
بهيجان…….
تحدث مسعد بصبر…..
“ياحبيبتي احترام الكبير واجب……”
نزلت دموع الهام وهي تقول بحرقة…..
“وانت شايفني قللت منها……..انا بتكلم في الصح يامسعد……..اللي هي عايزة تعمله ده بيخنقني….
بحس انه مش بيتي…..مينفعش اعترض على
حاجة مش عيزاها ياناس…….”
تافف مسعد هذه المرة بقلة صبر…..
“مش هقولهالك تاني يالهام…. امي كبيرتنا
….ومينفعش نعترض على حاجة هي عيزاها……”
سالته بعينين تشتعل…… “يعني اي يامسعد……”
اتجه مسعد لباب الغرفة قائلاً بصرامة……
“يعني اللي هي عيزاه تعملو…..ملكيش دعوة …
حطي لسانك جوا بوك وبلاش تعمليلي مشاكل معاها….انا مش ناقص مشاكل……مش هتكون
مشاكل برا وجوا…انا زهقت……..”
فتح الباب امام عينيها الحاقدة…….واغلقه
فنادت عليه بتشنج……
“مسعد………..مسعد……..”
لكنه لم يعود…..فتمتمت بعصبية……
“هرب زي كل مرة……جبان…….ابن أمه……..”
مسكت الهاتف وهي تبكي ثم رفعته على اذنها
قائلة بانفاس متهدجة من شدة الغضب…….
“روفيدة شوفتي الهم اللي انا فيه……..هتعمل
السنوية زي كل سنة………….”
……………………………………………………………..
جالسة امام التلفاز بملل… تتافف كل دقيقة متقلبة
في جلستها بعدم ارتياح…..تشعر بضيق بالانزعاج من هذا التجاهل والمعاملة الشبة منعدمة بينهما…. والنظرات التي تكاد تحرقها كلما رآها……
ماذا حدث ؟!..لماذا تغير هكذا….. لم يكن هكذا قبل أيام… كان لطيف حاني…. هادئ….. ويعاملها بانسانية…….
لماذا تحول الا لوحة ثلج باردة….ونظراته تشع
بغضاً وغضب……..هل يكرهها فعلاً…..ام انها
تتوهم……..
لماذا يبيت في الورشة أحياناً….وان تصادفت معه يكن لمدة ساعتين ثم يرحل…….وكأنه يصعد إليها
فقط حتى لا يشك والديه في شيء……
ترقرقت الدموع بعينيها…..وهي تشعر بالاختناق من هذا السجن………
الباب مغلق بالمفتاح… لا تخرج….. لا ترى أحد…كل
ما تفعله الجلوس هنا كما يريد….وكما يريد
الجميع منها…….
خذلت ثقة الجميع فأصبحت بنسبة لهم وصمة عار
ممكن ان تصيبهما وتنكس رؤوسهم في الوحل…
لذا بكل شهامة تزوجها ابن عمها…..الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً…..تزوجها ليكن واصي عليها
حتى يأخذ كل الصلاحيات لردعها وحبسها هنا
في سجناً……هو امام الجميع العش الزوجي
لهما…….
كل شيءٍ كاذب من حولها مزيف…..مجرد عروسة
بالحبال تتحرك يمينا ويساراً بايديهما…….
لكن من تلوم……..هي من فعلت في نفسها كل هذآ
لقد وقفت أمام الجميع يوماً وقالت الحب أولاً…ولم
تعرف ان الحب عملة لا تباع ولا تُشترى……..
نزلت دموعها وهي تتذكر هذا اليوم المشئوم والتي قررت به ان تلقي كل شيءٍ خلف ظهرها و تهرب
مع من تحب……..كما أخبرها….وكما وافقت دون
ان تفكر مرتين في عواقب الهروب من أهلها
وسلطان عبد القادر !!……
في يوماً شتوي بارد ليلاً وفي منتصف الليل كانت السماء تمطر والجو سيء من شدة الطقس المنقلب…..
خرجت من غرفتها ببطئ شديد وحرص….وبدأت تدور حول نفسها بخوف وبقلبٍ يخفق بهلع
كالصوص في الظلام…….
كانت تشبههم وهي تدور حول نفسها برعب يميناً
ويساراً…….تنظر لباب الشقة البعيد بلهفة…
فهي ترى خلف هذا الباب المغلق….حريتها وحبها
الوحيد……ستنال كل هذا ان خرجت من هنا…
ستثبت للجميع واولهم سلطان أنها فعلت الصواب
وان عادل أحبها بصدق…..ولن يُحبها أحد كما فعل
عادل……..
وصلت أخيراً الى باب الشقة ولحسن الحظ ان والدها
لم يوصده ككل يوم….ربما نسى….وربما القدر يتعاون معها…..
بلعت ريقها وهي تخطو للخارح مغلقة الباب خلفها
على مهل…حتى لا يسبب ضجيج……
ثم أخذت السلالم ركضاً وهي ترفع طرف عباءتها السوداء قليلاً وتحاول عدل وشاح رأسها الأسود
عندما وصلت لباب العمارة لفح الهواء البارد
وجهها ورذاذ المطر بللها….
لحسن حظها ان اليوم كان ممطر….فكان الشارع خالي من البشر والظلام والمطر يخفي الوجوه..
ركضت جوار الرصيف وهي تحمل حقيبة اغراضها بين يداها…
حتى تجاوزت الشارع التي تقطن به….فوصلت للطريق العام والقت نفسها في سيارة سوداء
صغيرة…..
بدأت تأخذ انفاسها وهي تهتف
برعب……
(انا مش عارفه طوعتك إزاي…….)
سمعته يهمس جوارها ببحة خاصة وبكلامه
المعسول الذي اوقعها في الهوى……
“يمكن عشان بتحبيني…..واننا لو بعدنا عن بعض ممكن حد فينا يموت من غير التاني……”
لانت شفتيها وابتسمت بعذاب وهي تدير رأسها
اليه ومزالت تسند راسها على ظهر المقعد بتعب
ومزالت انفاسها عالية من كثرة الركض
والخوف… ومزال وجهها مبلل من الشتاء….
ومزالت مرعوبة من عواقب ماحدث…. ومزال
كل شيءٍ معقد وغير متوزان أمامها… ورغم
ذلك وذاك……. قالت بدلال اليه……
(أتكلم عن نفسك…. انا اقدر اعيش من غيرك عادي……..)
اعتدل الشاب قليلاً في جلسته….وكان شابٍ في منتصف العشرينات من عمرة…..كان عادياً
الملامح عابث النظرات…..يظهر بوضوح
ادمانة للممنوعات….مما يعطي انطباع سيء
عنه وهذا سبب رفض اهلها له….واعتراض
سلطان على الزيجة بعد ان سأل عنه وتأكد
انه غير جدير بها……قال بابتسامة لعوبة…
(كذابة يادوللي…. انا أول ماقولتلك نهرب عشان
نتجوز ونحطهم قدام الأمر الواقع… مكدبتيش
خبر ووفقتي علطول… من غير حتى ما تفكري……)
قالت داليدا بهيام…..(يمكن لاني بحبك……)
تعمد النظر اليها بتأثر وهو يخبرها…..
(وانا بموت فيكي…….محضرلك مفاجأه جامده لما نوصل…….)
راقبته وهو يحرك المحرك ثم انطلق بسيارة
فسالت بهدوء…….(على فين…..)
اجاباها…..(على شقتي……)
كشرت عن انيابها……..(شقتك؟!….)
اجاب بثبات وهو يشغل مساحات الزجاج
حتى يرى الطريق…..
(شقة مفروشة…. اجرتها عشان نقعد فيها سوا….
أمال عايزاني اخدك ونقعد مع امي واخواتي…
دول كانوا سلموني لاهلك تسليم اهالي من قبل
حتى ما اكتب عليكي……)
قالت داليدا بحنق مكتوم….
( بس احنا متفقناش على كده ياعادل…. احنا اتفقنا اننا هنطلع على المأذون الأول نكتب
ونروح نعرف اهلي اننا اتجوزنا…..)
قال عادل بتعجب…..
(وانتي فكرك حتى لو كتبنا دلوقتي… القسيمة هتطلع في ساعتها……)
سالت ببلاها….(امال إيه…..)
رد عادل بجدية شديدة…..
(امال إيه !!….. بتاخد وقت طبعاً يادليدا…مش أقل من شهر….)
هتفت بدهشة…..(شهر !!…..)
اوما مؤكداً……(آآه شهر…….)
سالته بتعجب……(طب هنعمل إيه……)
نظر عادل لها قائلاً بتوضيح……
(هنكتب الكتاب طبعاً….. الماذون والشهود جايين ورايا….. وهنقعد كام يوم فيها لحد ما ناخد القسيمة ونوريها لاهلك زي ماتفقنا…….. ساعتها
غصب عنهم هيرضوا بيا….. ومش هيقدورا يحرمونا من بعض….. اي رأيك…. موافقة…)
اومات برأسها بالموافقة كالمنوم
مغناطيسين……
(موافقة…. طالما هتنجوز رسمي…. على ايد
مأذون وشهود……)
قال عادل بتأكيد…..(طبعاً جبتي اوراقك انتي……)
اشارت على الحقيبة الموجوده على ساقيها…
(جبت كل حاجة هنا……)
اشار لها بعبث……
(وشنطه دي فيها اي غير الأوراق……)
قالت ببراءة……(هدومي……)
سالها بلؤم….(بجد…… حلوة الهدوم دي……)
رمقته بتحذير…….(عااااااادل…..)
رقص حاجباه بشقاوة…..
(عادل اي بقا….. دا الليله ليلتك يادوللي…..)
جزت على اسنانها تخفي ابتسامتها قائلة…
(اتلم……)
(بحبك……….ووصلنا على فكرة…..)قالها وهو يوقف السيارة……
فنظرت داليدا من خلال النافذة الى العمارة
المجاورة التي تبدو أنها من المباني القديمة
جداً في هذا الحي الشعبي……
(الشقة هنا……)
خرج عادل مجيباً…….(آآه الدور الأخير……)
خرجت خلفه قائلة بدلال….(هطلع كل ده……)
سالها عادل غامزاً……(تحبي اشيلك……..)
(بس بقا……)لكزته في كتفه وهي تصعد معه ضاحكة…
صعدا معاً حتى الطابق الأخير….فاخرج
عادل المفتاح وفتح الباب مشيراً لها
بدخول…….
بلعت داليدا ريقها وهي تدلف للمكان بتوجس
شعرت بخطٍ من الصقيع يتخلل جسدها المنكمش من شدة البرد والمطر الذي غرق عباءتها…..
دارت عيناها بتأني في الشقة الشبه فارغة…..خالية من الاثاث مجرد غرفة وصالة وحمام ومطبخ…ترى
الغرفة بوضوح تحتوي على سرير فقط !!…
اما باقي الفرش فمنعدم…….
شعرت بعدم الارتياح بعد ان أغلق عادل
الباب خلفه…….لم يكن لديها خيار للتراجع…فقد اختارت بكامل اردتها….ولم يجبرها عادل على ذلك……
رن جرس الانذار في أذنيها عندما سمعت
عادل يقترح بنبرة غريبة….
(مش هتغيري هدومك…….)
استدارت داليدا اليه بوجهٍ شاحب تسأله….
(اغير هدومي !!……)
اهتزت حدقتاه سريعاً لكنه أجاب بنبرة هادئة
(هدومك مبلوله يادوللي…من الشتا…ادخلي الحمام غيريها عشان متبرديش……مش قولتي الشنطة دي فيها هدوم….خديها معاكي…ولبسي حاجة كويسة
عشان الماذون زمانه جاي هو والشهود….)
حمل الحقيبة و تقدم منها واعطاها اليها
قائلاً بحرارة….
“اوعي تتاخري الماذون على وصول……”
اخرجت داليدا تنهيدة ارتياح وهي توما براسها
بخجل…..فقال عادل بنظرة عاشق….
(بحبك……)
احتضنت الحقيبة قائلة بخجل…(وانا كمان…..)
مالى عادل عليها حتى يقبلها لكنها هربت
سريعاً الى الحمام الذي أشار عليه….
بعد حوالي نصف ساعة من تواجدها بداخل سمعت
الباب يطرق بقوة….فوقع قلبها وهي تخرج من الحمام بعباءة بيتي محتشمة ولكن شعرها مكشوف
ومنسدل على ظهرها فمن شدة الخوف نست
غطاء رأسها….
وقتها خرجت لترى الطارق الغاضب والذي اتى في هذا الوقت…..لتجد شخصٍ لم تتوقع وجوده الآن
(سلطان عبدالقادر) ابن عمها….يمسك عادل من ياقة ملابسه وهو يصرخ فيه بوحشية سائلاً عنها….
وقتها صرخت بعزم ما فيها وهي تقترب منهم
لتبعد عادل من تحت يداه الشبية بالمطرقة الحديدية…….
حينها نظر لها نظر المتها….وحزنت لأجله…..فقد
رأت في عيناه نظرة المطعون في شرفه….نظرة
المكسور……لدرجة انها رأت دمعت وهمية في عيناه وهو ينظر اليها بعدم تصديق…..وفجأه انتشرت الصدمة لغضب أسود على محياه…ونزل على صدغها سريعاً بصفعه اوقعتها أرضاً اسفل قدماه………
أغلق الباب بقوة وصوت المفاتيح جعلاها تفيق
من شرودها بل و تنهض من مكانها وتذهب
إليها…..حتى تلحق به وتسأله قبل ان يغلق باب
غرفته على نفسه كالعادة ويتركها لوحشة اليل
تنهش عقلها وقلبها…….
“سلطان………احضرلك العشا…….”
لم يعرها إهتمام بل تابع السير لغرفته بمنتهى البرود
المستفز لاعصابها مما جعلها تلحق به قائلة بصيحة
غضب…….
“سلطان انا بكلمك…….”
“مش عايز أطفح……”استدار اليها سريعاً صارخاً بتلك
الكلمات وعيناه الحمراء ترمقها بازدراء كريهاً……
المها قلبها بشدة مما جعلها تغمض عينيها خوفاً منه…
بينما هو نظر الى خوفها بقرف…ثم للسلسال المعلق في عنقها…والذي تخفيه أسفل ملابسها…..فلو كانت تهابه فعلاً ما كانت احتفظت بسلسالا يحمل صورة حبيبها….
وكانها تتحداه…..وتستهزء به……..لا يملئ عيناها
إذاً…..
” شايفاني بقرون صح…….. ”
فتحت عينيها بخوف وهي تسمع هذه الكلمات.. التي لفظها وهو يقف امامها بمنتهى العصبية والغضب والازدراء الذي يأبى ان يمحى من عيناه…….
قالت بغصة مختنقة بالبكاء……
“انا مش فاهمه حاجه……. هو انت اتغيرت كدا ليه
انا عملت إيه…….”
“عملتي ده…… “وقبل ان تترجم ماذا يقصد وجدته يسحب السلسال الذهبي من عنقها بمنتهى العنف
لدرجة انهُ جرحها بشكلاً غير ادامي….. حتى انقطع
قفل السلسال ورحمها من العذاب………
تاوهت متألمه وهي تلامس الخط الرفيع الأحمر في عنقها………. ناظرة اليه بخوف ممزوج بالغضب…. بالكره بكونها اصبحت تحت رحمة رجلاً مثله !….
اغمضت عينيها بزعر وارتجفت عندما تقدم منها ومسكها من ذراعها بقوة مشيراً الى السلسال بغضب……..
“شايفاني بقرون ها…. مش مالي عينك….معلقه صورة حبيب القلب في رقبتك وانتي على ذمتي….. شايفاني****……… ها متنطقي شايفاني إيه…..
مسك حفنة من شعرها بقبضة من فولاذ وبدا
يهزها بمنتهى الهمجية قائلاً بضراوة…..
” ولا تكوني افتكرتي اني عشان بعملك كويس هكون نسيت عملتك السودة……لا وهتعرفي تستهيفيني زي
مانتي عايزة……. فوقي يابت…… دا انا اللف عشرة من عينتك بصباع واحد……….فاهمه…… بتشتغليني… عملالي فيها حبيبا ومعلقه صورته في رقبتك…
مفيش اي احترام للنطع اللى سلمك اسمه
وشرفه…..”
حاولت داليدا التملص من بين يداه وهي
تبكي متالمة…….
“سبني ياسلطان حرام عليك شعري هيتخلع في إيدك……..آآه ارحمني أبوس إيدك…. ”
تركها سلطان دافعاً اياها للحائط ليقول
مشمئزاً…
“ابعدي عني مش عايز اشوف وشك… سامعه… انا قرفان منك ومن نفسي………قرفان على الخطوة
المهببه اللي خدتها وسلمت نفسي واسمي لواحده
جايبها من شقة واحد هربت من اهلها عشانه…..”
مسحت دموعها هاتفة بكبرياء محطم…..
“محدش قالك اتجوزني…….. محدش قالك أعمل كده
ياريتكم كنتم موتوني وريحتوني من القرف ده….”
لم يعلق سلطان بل ظلت نظرة الاحتقار الساخرة
تشع من عيناه الغاضبة……لذا قالت داليدا
بكراهية……..
“انت فاكر انك عملت فيا معروف….. انت
دبحتني….. دبحتني………
لم يعقب فتابعت بغضب أكبر وهي تذرف الدموع
دون توقف……..
” بص حوليك كويس…. انا في سجن وانت على بابه……… ”
قال سلطان بقساوة……
“وهفضل على بابه…… لحد ماربنا ياخد واحد فينا
ساعتها واحد فينا هيرتاح من التاني……”
صمتت وازداد سيل الدموع من عينيها وهي تنظر
اليه بوجع ممزوج بندم……..فحذرها بتوعد وبملامح
خطِرة……….
“متقربيش مني تاني يادليدا…. اياكي…. المرة الجايه
مش هسمي عليكي…. وانتي عرفاني لما بقلب….”
أغلق الباب خلفه بقوة…. فانتفض جسدها من
مكانه برعب……ثم لم تلبث الا ودلفت لغرفتها
مغلق الباب عليها….والقت جسدها على الفراش
دافنة وجهها في الوسادة تاركة العنان لشهقاتها
العالية وعينيها في ذرف الدموع والندم على
فعلتها الغبية معه……
بداخل الغرفة……تخلص سلطان من قميصه والقى جسده الضخم على الفراش بزفرة تعب……
ثم اغمض عيناه وهو يحاول تهدأت انفاسه العالية
غضباً…..محاولا نسيان صوت بكاؤها الذي يسمعه
بوضوح حتى ان كانت تكتمه في الوسادة !……
لماذا فعلت هذا به…افسدت حياتها بيدها…كانت
من الممكن ان تتزوج شخصاً آخر يناسبها سناً وعنفوان……مرِح…… معسول الكلام… جيد في التعبير…….يعشق الحياة….ويعرف كيف
يُحب………وكيف يسعد من يحب………
وقعت معه هو…….بسبب غباؤها….وتصرفاتها المتهور
ابتلتها الحياة به…فهو بنسبة لاية أمرأه ابتلاء
كبير !!…..
ليس جيد في التعبير…..لا يعرف كيف تكون لغة
الحب……..ليس بحنون…….لم يكن مرحٍ يوماً…..لا
يجيد الكلام المعسول…….لا يعرف من اي باب
يدخل لاثنى ويوقعها في غرامة ؟!…..
الحياة تتشكل بنسبة له عملاً في النهار ،
نوماً في الليل……..
ام الحب والارتباط بهذا الجنس الناعم…. فهو جرب
مرتين وفشل….لمجرد انه خشن في التعامل…لا يتهاون مع إمرأة تخصه……..لذا كلا منهن لاذت
بالفرار منه……..
ويشاء القدر بعد ان يغلق هذا الباب لصعوبة طباعه
الخشنة معهن………تفتح داليدا الباب خُلسة وتدلف منه………وتتحداه دون ان تدري لذا قادة الجنون يومها وطلب يداها في لحظة غضب وتهور
من والدها……
ولأن خلف كل خطأ قراراً مُتسرع…..كان أكبر خطأ الزواج منها……فكما يُقال قد أصلح الخطأ بخطأ
أكبر……..
فهو لا يستحقها وهي لا تستحقه…..وهما غير مناسبين لبعضهما….. لكن بسبب فعلتها الفادحة
اصبحا هنا…….يمثلا الحب….وهم ليسوا
بمحبين ؟!!…..
شرد ذهنه قليلاً متذكراً اليوم الذي أخبره به عمه
(ناصف) ان داليدا هربت من البيت وهذا قد
اكتشفه عندما ذهب ليصلي الفجر……..
وقتها جن جنونه وهو يذهب اليهما في وقتٍ قياسي يدعي الله ان لا تكون خذلت الجميع وفعلتها….
لكنه انصدم حينما وجدهما يبكون بخوف عليها
مترجين اياه كالاطفال بأن يرجعها قبل ان يمسسها هذا الشاب بأذى…….فمن يعلم ماذا فعل
بها الآن….
وقتها وعدهما انها في عُهدته وستعود كما خرجت
دون ان يمسها آذى……..
وبالفعل بعد عدت مكالمات لأشخاص مقربين من المدعو (عادل) عرف المكان دون ان ياتي إسمها في
شيء…..
وعندما وصل اليه تهجم عليه سائلاً عنها بقلب يخفق
برعب عليها….وقتها لم يتوقع أبداً ان تخرج امامه بمنتهى البرود بعباءة بيتي وبشعر مكشوف
تدافع عن حبيبها وتتبجح أمامه….
لذا لم يسيطر على نفسه وهو يرفع كفه ويصفعها بمنتهى القسوة والقوة التي اوقعتها أرضاً أسفل
قدميه…….
……………………………………………………………
وقعت داليدا أرضاً بعد صفعة قوية جعلت اذنيها تصفر بقوة وصدغها يلتهب احمراراً…….
بلعت ريقها وهي تتراجع للخلف زحفٍ بساقيها
وهي ترى سلطان يضرب عادل بمنتهى الوحشية
فصرخ عادل يسبه بقسوة….
“انت جاي ليه….. مالك ومالنا…… كنت واصي عليها بتحبني وبحبها ياخي وهنتجوز…. انت مال أهلك…….”
لكمه سلطان عدت مرات وركله اسفل
الحزام…هاتفاً بانفاس متهدجة من شدة
الغضب………
(تجوزوا !!…….مش لما نقرأ الفاتحة على
روحكم الأول……انت عارف ان انا ممكن اوديك
في ستين داهيه….انت خاطف قاصر يالا…..لا وعايز تتجوزها من ورا اهلها كمان….عارف دي عقوبتها إيه…..)
ارتعد عادل ونظر لداليدا الجالسة أرضا تبكي وترتجف بخوف……
(داليدا جايه بمزاجها…. انا مخطفتهاش…. قوليلوا يادليدا……. قوليلوا……)
نظر لها سلطان بحدقتاه المشتعلة وحرك
شفتيه بعنف سائلا…..
(ايوا قوليلي يامحترمة…. انك هربتي من بيت أهلك لشقة واحد عازب…… كنت بتعملوا اي بظبط….. ومغيره هدومك وكشفه شعرك…..
كنتوا بتعملوا اااايه…. انطقي……..)
قالت داليدا بشفاة ترتجف…وجسد
مزعور…..
(محصلش حاجة ياسلطان…. اقسم بالله
ماحصل حاجة……..)
رد سلطان بقرف….
(دا عشان انا جيت بس…….مش كده….)
قالت بدفاع وهو تحاول النهوض…..
(عادل كان هيتجوزني…. احنا مستنيين المأذون….)
بصق الكلمة بقرف وهو يهتف بعدم تصديق….
(مأذون !!….مش مصدق؟!…انتي هبلة لدرجادي
مفكيش مخ….. بيضحك عليكي من حتة عيل
حشاش زي ده…….)
ثم سحبه سلطان من ياقة قميصه هاتفاً بشراسة…..(وفين المأذون يلا…فين.)
قال عادل باعياء من كثرة الضرب الذي
تلقاها من هذا الضخم…..الذي يفوقه
جسداً وقوة…….
(جاي…. جاي دلوقتي…….)
(كداب…..كداب ياروح أمك…..عشان اللي زيك
سككه كلها شمال اليمين يتعبو… مش كده….)
خبط سلطان جبهته بجبهة عادل الذي لم يتحمل
الضربه ووقع أرضا فاقد الوعي……تسيل الدماء
من رأسه……..
صرخت داليدا بخوف وهي تركض لعنده لكن سلطان مسكها من شعرها وجرها لأحد الغرف
واغلق الباب عليهما……وبدأت تاخذ هي أيضاً
عقابها……..من صفعات….لسب…….لضرب
بشكلاً غير ادامي……….
وقد افرغ كل غضبه عليها……وخرجت من الغرفة تجر قدميها بصعوبة وهي تذهب معه من الشقة
تاركة عادل ملقي أرضاً في دماؤه……
وعندما وصلت الى شقة والديها أستقبلها والدها
بصفعة قوية اوقعتها أرضا فاشفقت أمها عليها فاخذتها بين احضانها باكية معها ارضاً وهي
تعاتبها بحسرة….
(ليه عملتي كده فينا ياداليدا….ليه يابنتي…..ليه
عايزة تحطي راس ابوكي واهلك في الطين…
…ليه يابنتي…..)
ظلت تبكي في احضان امها وتخفي وجهها في صدرها….حتى سمعت والدها يخرج من المطبخ
حاملاً السكين بين يده ينوي قتلها…..
لولا سلطان الذي وقف امامه ومنعه….
(بتعمل اي ياعمي…..)
صرخ ناصف بحرقة وهو يحاول ابعد سلطان
من أمامه….
(سبني….سبني ياسلطان…هقتلها وشرب من دمها…..اللي زي دي لازم تموت قبل ما تجبلي
العار…….سبني……)
لم يتزحزح سلطان من أمامه بل اخبره
بخشونة……
(داليدا في حمايتي…..محدش هيقربلها طول
ماهي معايا…….)
صرخ ناصف بغضب…..
(يعني إيه…. عايزني اسبها تدور على حل شعرها…….)
رد سلطان بالهجة عنيدة……
(مش هيحصل…. بنتك صاغ سليم…. والغلطه اللي عملتها هتتحاسب عليها…..ومفيش حد هيربيها غيري….)
تساءل ناصف بوجوم…..(تقصد اي ياسلطان….)
سحب سلطان نفساً طويلاً….ثم أخبره
بصلابة……
(اقصد ان داليدا بقت ملزمه مني من النهاردة…
انا عايز اتجوز بنتك ياعمي على سنة الله
ورسولة…… قولت إيه….)
اتسعت عينا داليدا وصرخت في احضان أمها
برفض…
(لا مش هيحصل…. لا….. لا حرام عليكم…..)
اتسعت عينا ناصف بغضب…وتجاوز سلطان
وهو يميل عليها أرضاً ويجذبها من شعرها…..
(اخرسي يا فاجرة…. ليكي عين تتكلمي بعد
عملتك السودة……)
خلصها سلطان من بين يدي
والدها…وهتف بسرعة….
(عمي……عمي اهدى خلينا نتكلم…..)
وضع ناصف يده على صدره متألماً ثم لفظ
بصعوبة له…….
(انا موافق… موافق ياسلطان…. والفرح هيكون اخر الشهر ده……)
هز سلطان راسه بالموافقة
(وانا جاهز…… وشقتي جاهزة……)
قال ناصف بصعوبة…..(يبقا على بركة الله……)
ام داليدا فمن بين دموعها بدات تمتمت
بقهر……
(لا….. حرام عليكم…… لا……)ربتت والدتها على
ظهرها وهي تبكي معها…..فتابعت داليدا
بحرقة….
(مش عايزة اتجوزه لا….مش عايزة اتجوزه….)
أغمض سلطان عيناه بتعب ومزال صوت رفضها يدوي في أذانه كصاعقة الرعد…….
………………………………………………….
في اليوم الثاني مساءاً…..
قد عاد من العمل في الورشة باكراً…..وعد لنفسه بعض الشطائر وكوب من الشاي…….وبدأ يتناولهم امام التلفاز بينما هي تلتزم بالجلوس في غرفتها
ولا تخرج منها….
أثناء تناوله للطعام ومتابعة الأخبار….صدح جرس الباب…..فعقد حاجباه وهو ينظر لساعة الحائط
التي تشير للتاسعة مساءاً……
فاتجه الى غرفة الأطفال المقيمة فيها داليدا
واقتحم الباب دون استئذان قائلاً……
“اي مش سامعة جرس الباب……”
احتدت نظراتها وهي جالسة على الفراش بشعراً
مشعث وبشفاه مقلوبة…..ضامة ساقاها الى
صدرها بذراعيها…… جالسة جلست البؤساء !!…..
قالت داليدا باقتضاب…..
“هو مش المفروض تتسئذن قبل ماتدخل …”
نظر لها بعدم رضا ثم اجاب بمنتهى البرود……
“انا مبستئذنش في بيتي….. قومي سرحي شعرك
الواقف ده…… وغسلي وشك…. على ماشوف مين على الباب…. وياريت نفرد وشنا شويه… لحد
مالضيف اللي على الباب يمشي…….”
عندما اغلق الباب خلفه تاففت بغضب بل وجذبت الوسادة وصرخت داخلها ثم القتها على الباب المغلق……..
بالخارج فتح سلطان الباب فوجد أخته الكبرى
(أميرة….)تقف امامه بإبتسامة حانية تحمل بين
يداها طبق من الحلوى الشرقية المفضلة لديه
فقالت أميرة وهي تحرك الطبق امامه بشقاوة…
“قولك مينفعش اكون عامله بسبوسة ومطلعش لسلطان حبيبي طبق……”
اخذ الطبق منها وهو يبتعد عن الباب مرحباً بحفاوة….
“تسلم الايدي يام جنة…..تعالي ادخلي انتي عايزة حد يعزم عليكي ولا إيه…….”
دخلت أميرة وهي تبحث بعيناها عن داليدا
سائلة….
“حبيبي مش محتاجة عزومة دا بيت أخويا…….
فين ديدا صحيح…….”
“في الأوضة زمانها جايه….تعالي نقعد جوا….”أشار
لها سلطان على غرفة الصالون….
جالسا الإثنين على الاريكة….وضع سلطان طبق الحلويات جوار صنية الشطائر…..فعقبت أميرة
مبتسمة…..
“يااااه فكرتني بالذي مضى..لسه بتاكل السندوتشات
دي ياسلطان……”
ضيق سلطان عيناه بلؤم……
“من فات قديمة تاااه…….بذمتك جوزك بيعملهالك
في البيت…….”
ابتسمت بسخرية مجيبة….
“جوزي مبيعرفش يعمل كوباية شاي حتى..مش سندوتشات ”
قدم سلطان لها شطيرة ليقول بود….
“يبقا حماتك بتحبك….خديها بقا من ايد أخوكي…
لسه سخنه والجبنة جواها سايحة…….”
اخذتها منه أميرة وهي تضحك ثم قضمت لقمة
منها… لتجد الجبنة تذوب في فمها والعيش
مقرمش قليلاً……..فعلت باعجاب…..
“لا حلوة تسلم إيدك…….”
“تعالي كل يوم وهاكلك سندوتشات جبنة تركي
على الطاسة…….”قالها سلطان وهو يمسك جهاز
التحكم ويخفض ضوضاء التلفاز…..
فقالت أميرة وهي تشير على طبق
الحلويات….
“موافقة…دوق بقا البسبوسة…..انا عملاها بسمنة البلدي زي مابتحبها……..”
“ريحتها باينه وبعدين انا أول مرة أكل من ايدك بسبوسة…….”مسك سلطان الطبق وبدا يتناول
قطعة بيده…..
فقالت أميرة بمحبة…..
“بالف هنا ياحبيبي….” ثم نظرت باتجاه الباب لتجد داليدا تدلف اليهما بكامل اناقتها كعروس…. بعباءة استقبال مطرزة…. وشعر منسدل على الظهر
بنعومة ، وبزينة وجه متقنة ورقيقة……..
“واهي داليدا جت اهيه أخيراً….ماشاء الله… اي الحلاوة دي…. ”
اشتم رائحة آلورد الجوري قبل حتى ان يسمع تصريح أخته…..لذا رفع عيناه عليها سريعاً…ثم
انزلهم ببغض…….مدعي انشغالة في طبق
الحلوى….
عانقتها أميرة بمحبة…..
“اي ياديدا……عامله اي ياقلبي…..”
بادلتها داليدا العناق بشوق…..
“الحمدلله يأميرة….انتي اي أخبارك…..”
“الحمدلله تعالي قعدي جمبي…ودوقي من البسبوسة
دي قبل ما سلطان يخلصها…….”قالتها أميرة ضاحكة وهي تسحبها جوارها…..لتجلس داليدا بينهما على نفس الاريكة……..
فقالت داليدا بحرج…..
“بالف هنا……..خلي ياكلها…. كاني كلت……”
لكزتها أميرة في كتفها غامزة…..
“يسلام على الحب…….”
فمد سلطان يده بقطعة من (البسبوسة..)
قائلاً وهو يجز على اسنانه مغتصب
البسمة…..
“لا وانا ميخلصنيش برضو….. دوقي ……”
إدارت وجهها اليه وقالت ببرود ممتنعة
“مش عايزة…….”
جز على اسنانه مقرب قطعة الحلوى من
فمها أكثر….. “دوقي…..”
رفضت داليدا بعناد……فنظرت اميرة بتعجب….
صك على اسنانه أكثر… رامقها بقوة نارية…..
وهو يتكأ على الاحرف بشدة…….
“دوقي يادودا……… دوقي ياروحي…..”
ففتحت فمها مقتضبة…واخذتها منه بحنق
شديد……امام نظرات أميرة المراقبة لهما….
“حلوة أوي…..لازم تعلميني الوصفة يأميرة….”
اشارت أميرة على عيناها…. “من عنيا ياديدا……”
ثم نظرة داليدا الى صنية الشطائر فقالت…
“دا جيباه معاكي برضو….”
نظرة أميرة للصنية بتعجب أكبر….فتدخل سلطان
سريعاً…..
“لا يادليدا……. دا انا عملت السندوتشات دي عشان
ناكلها سوا…. بس انتي اتاخرتي في الحمام….”
ارجعت داليدا راسها للخلف قائلة
بارتجال…
“آآه…. دي أكيد سندوتشات المربى اللي بحبها…”
مط سلطان شفتاه بجزع……
“لا دي عيش شامي بالجبنة التركي….”
قضمت منه داليدا وهي تخفي حرجها……
“آآه افتكرت….. بس طعمه حلو اوي تسلم إيدك
ياحبيبي…”
ثم نظرت الى أميرة قائلة…..
“وانتي عامله اي يأميرة… وجنة… مطلعتش ليه
معاكي…..”
قالت أميرة بجذل……
“قعده تحت مع ستها….. صحيح انا كنت طالعة عشان اقولك ان انا وجنة بكرة هننزل نشتري شوية
حاجات من المول اللي فاتح على أول شارع
الساحة…. تيجي معانا……. اهو نتمشى شوية
ونغير جوا…. بدل قعدت البيت…….”
هتفت داليدا بلهفة…… “ياريت…….”
ثم أدارت راسها لسلطان الذي ألقى عليها نظرة
حادة اخرستها…….فتدخلت أميرة بضيق بعد ان
رأت نظرته……
“بتبصلها كدا ليه ياسلطان… ماتسيبها تفك عن
نفسها هتفضل حبسها بين أربع حيطان…….”
نظر سلطان الى داليدا بصدمة فاشاحت داليدا
عينيها عنه بخوف…..فسال سلطان أخته……….
“مين قالك اني حبسها…..”
فهزت أميرة كتفيها قائلة بحنق……
“باينه اهيه لا بتطلع ولا بتنزل من ساعة ما اتجوزتها……. حتى امي لاحظت انك بتقفل الباب عليها قبل ماتنزل الورشة…. ليه بتقفل عليها…..”
بلعت داليدا غصة مختنقة في حلقها
قائلة قبل ان تستئذن……
“انا هقوم اعملك حاجة تشربيها يأميرة…..”
قالت أميرة بحرج….. “مش عايز اتعبك……”
“تعبك راحة….مفيش تعب ولا حاجة….”ابتعدت
داليدا عنهما بعد تلك الكلمات…..
فمالت أميرة على أخوها قائلة بعتاب….
“ساكت ليه ياسلطان…. اللي مترضهوش على اخواتك مترضهوش عليها…… دي مش غريبة دي بنت عمنا.. يعني من لحمنا ودمنا….. متربية قصاد عنينا…. وعرفينها كويس يبقا لازمتها اي بقا الحركات
دي…..”
انتفض رأس سلطان هاتفاً بصدمة…..
“انتي بتقولي اي يأميرة….دماغك راحت فين… امك
فهمت غلط……انـ”
قاطعته أميرة بجدية شديدة……
“فاهمة الصح…. وبلاش تقفل الباب على مراتك… وسبها تنزل تقعد مع امي بنهار تونسها وتاخد
بحسها طالما انت مبترجعش من الورشة غير
بليل……..”
تافف سلطان وهو يبعد عيناه عن أخته معقباً
بوجوم…….
“واضح ان الموضوع ملهوش علاقة بطبق البسبوسة
وانك طالعة تعاتبيني……”
ربتت أميرة على ركبة اخيها قائلة بحنان…..
“اسمع ياسلطان…. انا أختك وعرفاك كويس.. وواثقة
ان في حاجة كبيرة حصلت انت مش عايز تقولهالي…..”
زفر سلطان بنفاذ صبر….
“برضو يأميرة دماغك راحت لبعيد….قولتلك
مفيش حاجة……..”
اومات أميرة برأسها تقول بيقين….
“مفيش حاجة من ناحيتها آه… لكن من ناحيتك انت فيه….. تكونش مبتحبهاش…. وابوك اللي غصبك
عشان بنت عمنا وكده……”
نادها سلطان بجزع……. “يا اميرة……”
تجاهلت أميرة نداءه وقالت بحنو……
“ياخويا حتى لو الموضوع كده… صدقني بكرة تحبها
داليدا زي القمر وروحها حلوة وتتحب… دا كفاية انها متربية على إيدك… وطول عمرها تحت عنيك…..”
صمت سلطان ولم يعقب…فربتت أميرة على ركبته
مجدداً قائلة برفق……
“روق كده ياسلطان وتقي الله فيها… وعمِلها بما يرضي الله…. ربنا يرضا عليك……”
اوما براسه واجماً…… “حاضر…….”
قالت أميرة برجاء….
“ووافق انها تنزل معانا المول وتفك عن نفسها
شوية…….عشان خاطري…. ”
تململ بضيق…….”حاضر…. اي اوامر تانيه…..”
ضحكت أميرة قائلة….
“لا ياقلب أختك…. لو في جديد هبلغك…..”
قبل ان ينهض مد يده في صنية الشطائر
واعطاها واحداً قائلاً……..
“شوية وجايلك……اتسلي في دا على ما اجي…”
ضيقت عينيها بخبث…..
“ماشي…. براحتك خالص……”
اتجه سلطان الى المطبخ فوجد داليدا تقف امام رخامة المطبخ وتولي ظهرها له منشغلة بما
تفعله….
فاقترب سلطان منها حتى شعرت بانفاسه الساخنة تلفح جانب عنقها فاهتزت يداها وهي تسكب المشروب الغازي في الكاسات……….
ملأ رئتيه من عبير عطرها المغوي…..بينما همس
جوار أذنيها بخشونة……
“انتي حاكيه ايه لاميرة……..”
تركت مابيداها واغمضت عينيها بقلب يرتجف
بخجل متاثراً من هذا القرب الشبه حميمي
بينهما…..
فقد حاصرها وهو يسند كفيه الاثنين على حافة الرخامة جوارها من الناحيتين……
حينما طال صمتها ادارها إليه…..وظل الحصار كما
هو الفرق الآن بانها تنظر لعيناه وانفاسه الرجولية الدافئة تضرب صفحة وجهها بقوة…….
“ساكته ليه….انتي قولتلهم اني بقفل عليكي
الباب……راحه تشتكي مني…….”
هتفت داليدا سريعاً…..
“والله ما حصل…..انا متكلمتش خالص…..”
احتدت نظراته عليها شاعراً بجزء منه يتأثر بقربها بجمالها…. بعينيها الجميلة المشعة بالشقاوة والحياة…… “امال هي عرفت منين.؟……”
وبقلة حيلة قالت…..
“معرفش………والله ما أعرف…….”
سحب سلطان نفساً متهدج وهو ينظر الى شفتيها الشهية التي تتحرك ببطء شديد خدر حواسه
لبرهة فاصبح على حافة التهور……لذا رفع
كفيه بعيداً عنها ليقول بصلابة…….
“اسمعي…..من أول بكرة هتنزلي تقعدي مع امي بنهار
تبقي معاها…..عشان متشكش في حاجة…..ومنين ماتزهقي اطلعي على شقتك محدش هيمنعك…المهم
تعرف اني مش حبسك ولا قافل عليكي زي ما بيقوله……..”
اومات براسها وهي تشعر بنفحات من السعادة
تنعش صدرها…….. “حاضر…….”
سألها وهو يبتلع ريقه….
“انتي عايزة تخرجي مع أميرة وجنة……”
أطرقت برأسها مُذعنة……
“لو مش عايز خلاص…….”
نظر لها طويلاً…… ثم قال واجما….
“موافق طالما هتكوني مع اختي وبنتها….. المرادي بس…… متخديش على كده……”
اغتاظت من رده لكنها شكرته
بإبتسامة صفراء… “شكراً…..”
أمرها بغلاظة قبل ان يرحل…..
“العفو………خلصي وطلعي اقعدي معاها……”
عضت على شفتيها وهي تسبه في سرها بغيظٍ….
………………………………………………………………
اثناء قيادة السيارة باتجاه شارع الصاوي….. أنتبه
لها تقف عند الرصيف تنتظر سيارة أجرة حتى
تقلها……. وكانت تحمل بين يداها أكياس تحمل
شعار (الشهد…) فخمن انه طلب ستوصله لأحد
زبائنها…….
لانت عيناه وذاب قلبه وهو يتأملها بكامل اناقتها المحببة للنفس تقف بأدب تنتظر……
جمالها جمال بري هادئ….. مفعم بالحياة بحلوها
ومرها…….جميل قوامها…..تمتلك جسد نحيف لكن يشع انوثة أرق من صوتها الموسيقي !!…..شعرها
الأسود القصير الناعم الذي يتدلى على كتفها
بنعومة يكاد يقسم انه أحب تلك القصة كما
أحب الخصلات التي تتناثر على جبهتها….
حتى النظر لملامح وجهها الرقيقة الصغيرة لها مفعول آخر على قلبه…….وعند النظر لعسليتاها
يفقد النطق وتنهال عيناه منها بقدر ظمأه……
وعندما يراقب شفتيها وهي تحركهما متحدثة
بصوتها الموسيقي الراقي يضيع كما لم يضيع
يوماً في حياته…….
فكيف تغلغلت اليه….ولماذا تفجرت كل تلك
المشاعر بداخله دفعة واحده نحوها…..الم يتوب
عن الهوى……وأخذ هدنة من الحب وعذابة……….
اقترب بسيارته منها ووقف امامها ثم فتح النافذة الزجاجية منادياً عليها بخشونة…….
“آنسة شهد……..”
حانت من شهد نظرة على تلك السيارة بتوجس…
وعندما ابصرته…. خفق قلبها بشدة….. وارتجف
جسدها…… رجفة المُحب عند اللقاء !……
تقدمت من السيارة خطوتين ثم انحنت برأسها
قليلاً…..وبصوت متحشرج سألت…….
“استاذ عاصم….. خير……..”
“راحه فين…….”
لانت شفتيها بتعجب…….وبنظرة بسيطة اخبرته
من اعطاك هذا الحق ؟!….
فهم النظرة سريعاً لذا فتح الباب قائلاً……
“هوصلك….. سكتك على طريقي……”
نظرة شهد الى اتجاه السيارة…..وعقبت…..
“بس انت داخل شارع الصاوي….. وانا راحه…..”
قاطعها بنبرة لا تقبل النقاش……
“هوصلك مكان ماهتروحي…….”
عقدة حاجبيها بعدم فهم…… “مش فاهمه…..”
رد عاصم بجزع……
“مانا قولتلك سكتك على طريقي…….”
نظرة شهد للشارع ثم للسيارة…..وقالت
بامتناع مغلقه الباب مجدداً…..
“لا معلش انا هاخد تاكسي……”
اتكا على حروف اسمها مجدداً….
بغيظ………
“اركبي ياشـهـد…..مش هاكلك…….”
ظلت صامتة تفكر…. فلم يعطيها فرصة ونادها مجدداً بطريقته المميزة التي لم تسمعها يوماً من أحد….. “شـهـد…….”
ارحم قلب شهد…..لماذا تتكأ على حروف اسمي بهذا الشكل المربك………. الا تعرف النطق سريعاً……
قالتها داخلها وهي تغمض عيناها لثواني ثم فتحت
الباب مجدداً واستقلت جواره…….فملأ رئتيه في لحظة دخولها من عبق عطرها الطيب المسكر….
ثم انطلق بالسيارة بعدها محاول اخماد شيءٍ
آثاره العطر وصاحبته……..
“راحه فين……”سالها دون النظر إليها…..
فاعطته عنوان المنتجع الذي ستوصل الطلب اليه……..
فحانت منه نظرة عليها فوجدها متوترة قليلاً…وغالباً
غير راضية على ان يقلها بسيارته…….
فحاول تشتيت عقلها……قائلاً بلؤم……
“تعرفي ان بؤ المايه اللي شربته…..جاب نتيجة فعالة
ونمت بسرعة…… ”
اكتفت بايماءة…… “كويس……”
فحاول مجدداً كسر الصمت بينهما…….
“هو انتي أي اللي خلاكي توصلي الاوردار ده بنفسك…..مش بشير هو المسئولة عن الحاجات دي…..”
اومات شهد دون النظر إليه…..
“ااه بس بشير اتأخر….والاوردار ده مستعجل…فقولت اوصله أنا…..دا أول تعامل بيني وبين الزبونة…
ومحبتش اتأخر عليها…..”
اوما براسه متفهماً…..
“واضح انك بتحبي شغلك أوي…….”
نظرة للنافذة مؤكدة…… “الظاهر كده……”
سألها بجدية…….
“يعني مفيش في حياتك غير الشغل……”
اتتها غريزة قوية في الرد بأجابة مراوغة
فقالت…. “الشغل واتنين كمان……..”
هتفت متعجباً…… “اتنين ؟!…..”
نظرت اليه ببراءة زائفة وقالت……
“انت فهمت إيه….اخويا واختي……كيان وحمزة والشغل…… هما كل حياتي….. ”
انهال من جمال عينيها هامساً…… “بس…….”
“بس………” زحفت حمرة الخجل لوجنتيها لذا
ابعدت عيناها عنه سريعاً……
نظر لها عاصم باصرار شديد…..
“يعني عمرك مارتبطي قبل كده…….”
سالته بملل….رغم ان قلبها متجاوب مع السؤال
بلهفة…….
“اي لازمة الاسئلة دي…..عندك عريس ليه…..”
شعر بالاحباط…..فقال بمرح طفيف…….
“تقريباً……هدورلك….يعني احنا عندنا كام شهد… ”
لم تعرف بماذا تجاوب لذا قالت بحرج….
“ربنا يخليك……بس انا مش عايزة أتجوز……”
سألها بدهشة…… “ليه…….”
“ينفع مجوبش…….”مالت براسها نحو النافذة…
ثم بعد ثواني قالت…..
“على ايدك اليمين هنا……..”
دارت حدقتاه حول المكان سائلاً….
“المكان هنا…….”
“آآه…. شكراً تعبتك معايا…..”خرجت من السيارة شاكرة اياه ظناً منها انه سيرحل…..
ثم اتجهت الى المنتجع بثوبها الربيعي الجميل المحتشم……..فراها تدخل من البوابة بعد ان سمح
لها أفراد الامن بالدخول……
أحياناً يخمن عند التفكير في شخصيتها بانها
تهرب من شيءٍ قاسي جاف…….أخذ منها الكثير…..واستنزف شيءٍ داخلها……فجعلها هكذآ مغلفة بالهدوء بالرقة تتعامل بأسلوب مميز سلسل ……لكن في الحقيقة هي قشرة ضعيفة تخفي خلفها أمرأه ثائرة ماقته…تود اخراق القوانين…..ولا تحب ان تُنسب لرجلاً ؟!…….
اخرج علبة السجائر من جيب بنطالة واخذ واحدة
ووضعها في فمه….. ثم اشعلها وارجع راسه للخلف
سانداً على ظهر المقعد ثم نزع السجارة من فمه
ونفث الدخان امام عيناه مردداً جملتها
بضيق…
“ينفع مجوبش ؟!!… مش فاهم امال مين اللي هيجاوب…. ”
أغمض عيناه شاعراً بانه يتسرع في هذا الأمر… لكن
ماذا يفعل فهو لم يكن يوماً من محبي المراوغة….
دوماً كانت الصراحة مفتاح الأبواب المغلقة
عنده…..
اما باب الشهد فيبدو انه يحتوي على عدة إقفال عويصة ولكل قفل منهم مفتاح مختلف عن
الاخر ؟!….
بعد دقائق خرجت شهد من بوابة المنتجع وهي تعدل حقيبتها على كتفها ناظرة للرصيف حتى تحدد المكان
التي ستقف فيه وتشير لسيارة تقلها للمطعم….
لكن سريعاً انعقد حاجباها بدهشة وهي تحدق في سيارة عاصم الصاوي…التي مزالت تصف في مكانها
الم يرحل بعد دخولها ؟!…..لماذا ينتظر هنا ؟!…
رغم انها ليست ساذجة لفهم بقاؤه هنا……لكنها اختلقت الأعذار بانه ينتظر أحد…او لها مصلحة
في التواجد هنا…..
فعلت هذا فقط لتبرر لمن ينبض بلا توقف داخل ضلوعها…..بأنها ليست المقصودة…..من هذا الإنتظار
العظيم !……
ادعت انها لا تراه رغم ان عيناه تلاحقها….وتنتظرها
بشوق خُلق من سراب !…..
عندما وجدها عاصم تتنحى جانباً بعيداً عن موقع
سيارته….فتح الباب وخرج منه…..منادياً بصوت خافت…….
“شــهــد………”
أسبلت جفنيها بحنق…….توقف أرجوك………
قالتها داخلها وهي تشعر ان هذا التقارب يغرقها في
بحر لا نجاةٍ منه……..
رفعت عينيها…وادعت الدهشة بمهارة وهي تقترب منه خطوتين…….
“استاذ عاصم…….انت لسه هنا………”
أشار بعيناه على السيارة امراً …
“اركبي…….”
هتفت ذاهلة….. “نعم……”
قال بمنتهى الجدية….
“عايزك في موضوع مهم…….”
تساءلت بشك….. “موضوع إيه…….”
“شغل يـاشـهـد……..”وكانه يختلق الاحديث حتى ينطق إسمها بطريقته الخاصة……….
“اركبي خلينا نتكلم……”
اومات براسها وهي تستقل السيارة مجدداً جواره
وهو لحق بها سريعاً …..وانطلق بعدها…..مختار
مكانة المفضل البحر……..
اوقف السيارة في مكان يطل على البحر مباشرةً
عن بعد امتار لكن تبصره العين بوضوح……
فقالت شهد وهي تنظر للمكان من حولها……..
“جيبنا هنا ليه…….”
رد عاصم بهدوء وهو يحل حزام الأمن….
“عشان نتكلم…..المكان مش عجبك….تحبي نروح مكان تاني……”
هزت راسها بنفي……
“لا هنا كويس…..ينفع نتكلم برا…….”
أومأ براسه موافقاً…..فترجلت من السيارة وهو
بعدها…..أستقبلها نسيم البحر المنعش… فاغضمت
عينيها مرتخية لبرهة وهي تستند على مقدمة سيارته….
فوقف عاصم جوارها…. يتأملها بقوة انها حلم
يصعب تفسيرة……. لغز عسير الحل….معضلة لا
حل لها…..انها تعويذة طلاسمها معقدة………
ومع كل هذه العقد والمصاعب ينجذب لها عاطفياً
وروحانياً وجسدياً !!….
فمن اي اتت ؟…. ولماذا هي؟…..ليس لديه إجابة
مقنعة……مما يستشعره بقربها……
فتحت شهد عينيها ونظرة اليه بعسليتين صافيتين
هادئتين لأبعد حدود الكون حلوتين شهيتين عندما
التقطهما بعيناه الصقريتين………فقالت له
“شغل إيه……اللي عايز تكلمني فيه…….”
ابعد عيناه عنها بصعوبة ثم نظر للإمام داخلاً في صلب الموضوع……
“سنوية جدي صابر الصاوي قربت…وكل سنة جدتي بتعمل وليمة معتبره حاجة كده زي الموائد اللي بتتعمل في رمضان…..يعني بتطعم المحتاجين
رحمة ونور على روح جدي…..”
اومات براسها مستفسرة…..
“تعيش وتفتكر….ربنا يخلهلكم…..بس انا فين
شغلي هنا……..”
نظر لها قائلاً بهدوء…..
“محتاجين طباخ يطبخ للناس اللي هتيجي تاكل
في اليوم ده……..”
سالته مستفسرة……
“والعدد كبير……..قصدي يعني الناس هيكون قد إيه…….. ”
“معرفش على حسب……بس أكيد العدد هيكون كبير…….مش أول مرة نعمل كده…. بيجلنا ناس
من كل حته…… “ثم أضاف وعيناه تسير على
ملامحها بتأني………..
“هي أن شاء الله السنوية هتكون اخر الشهر….. قولتي إيه…….”
ابعدت شهد عينيها عنه قائلة…..
“قولت لا اله إلا الله…..هرد عليك كمان يومين باه
او لأ………”
سالها عابساً…..
“وليه لا……مش فاهم مش ده شغلك……”
اكدت وهي تتحدث بعملية….
“اكيد دا شغلي بس دي مسئولية وعدد كبير…..ومحتاجة اجمع ناس تساعدني….أكيد مش هعمل كده لوحدي………”
تفهم ترددها لذا قال بخشونة…..
“فهمت….خلاص جيبي اللي يساعدك في الطبخ
وانا عليا اجيب الناس اللي هتخدمكم وتضايف
الناس في اليوم ده…..اتفقنا……..”
مجدداً اومات بهدوء…..
“ان شاء الله اشوف الاول الناس اللي هتبقا
معايا….”
صمتا قليلاً ثم قطع الصمت عاصم متذكراً…..
“بس خدي في بالك….جدتي مش بيعجبها العجب…
ومش اي أكل هتعملو للناس……في اكل معين هتتطلبه منك تعملهولهم…….بطريقتها هي
كمان…..فلازم قبل ما تبدأي في اي حاجة…
تروحي تزوريها وتتفقي على كل حاجة معاها…. ”
لم تتضايق شهد كما توقع بل قالت
بسلاسة….
“مفيش مشكلة طالما هي صاحبة الموضوع…
سبني اتفق معاها…….”
سألها بوجوم…… “يعني خلاص اطلع منها…….”
اومات ببساطه….. “آآه ياريت……..”
اتسعت عيناه مندهشاً….. “اي الاحراج ده…..”
ضحكة شهد بخفوت فضاع في تفاصيل الإبتسامة كما يضيع الغريب في أرض غير ارضة…….فقال
عاصم بمناغشة…..
“تعرفي انك أحلى لما بتضحكي……..”
ادارت وجهها إليه فتعانقت العيون بألق عاطفي كاسح وكذلك مستجد بينهما……فسالته بلؤم
خفي……
“بجد واي كمان…….”
نفحات من البهجة اصابة قلبه فقال بصوتٍ
لهوف……
“ولما بتبقي لئيمة……”
اتسعت عيناها بصدمة مشيرة على نفسها بعدم تصديق…… “انا لئيمة ؟!…..”
أومأ براسه ببساطه وهو يبتسم… فأخيراً تجاوبة
معه كالأحياء !…..فقالت بصدمة ممزوجة
بالحنق….”لئيمة إزاي يعني……”
نظر للأرض وركل شيءٍ وهمي بحذاءه الأسود
وهو يجيب…….
“لسه من شويه لما كنتي شايفه عربيتي عملتي
نفسك مش واخده بالك منها……..لا واول
مانديت عليكي…..عملتي نفسك متفجاة انك شوفتيني……”
عضت على شفتها السفلى امام عيناه
الثاقبة…ثم هزت كتفيها بعدها قائلة بمراوغة…….
“عشان دي حقيقية…….مخدتش بالي منك غير لما نديت عليا…….”
تافف عاصم بمزاح شقي……
“وكمان كدابة…..يعني لئيمة وكدابة….وضحكتك حلوة…….اتقي الله بقا……”
كبحت ضحكتها بصعوبة وهي تهتف بصلابة…
“على فكرة كلامنا في الشغل خلص…..ينفع ترجعني
مكان ما خدتني……..”
انصاع لطلبها باستياء وهو يشير على
السيارة ….. “ماشي اركبي……….”
اولته ظهرها وضحكة دون صوت….. ثم فتحت
باب السيارة واستقلتها وهي تغلق فمها قبل
ان يراها…….لكنه عندما احتل مقعد القيادة
أدار محرك السيارة قائلاً بخشونة…..
“بطلي ضحك……..”
لم تنظر اليه بل قالت بجدية قصوى..
“مين دي اللي ضحكت هضحك ليه….مفيش حاجة
تضحك أصلاً……..”
مط شفتيه ممتعضاً……. “متخفيش الضحك
معلهوش ضريبة…….”
اشاحت بوجهها لنافذة الزجاجية بصمت…وقد خانتها
اللحظة فلانت شفتيها في إبتسامة جميلة….
……………………………………………………………
عندما يخرج الإنسان من علاقة حب فاشلة استنزفت
كل مشاعره النبيلة……والمصدقية في الأفعال…..
ويتضح بعد الفراق انه وهم منقطع النظير….
ينعزل جزءاً منه عن الحياة في رقعة منزوية…..
ويظن انه لن يتصادف مجدداً بالحب…. ويظن
انه حصيناً الى يوم الدين……
لكن يقع……… يقع الوقعة الكبرى في قصة جديدة
اعتنقها قلبه ببسالة معبراً عنها بتباهي وكأنه لم
ينجرح من الهوى يوماً ؟!….
لما نداوي الحب بحباً……..لما الحياة عبارة عن عاشقين…. شريكين….زوجين….اثنين……..
كل منهما يكمل الآخر….ينتمي للآخر وكانه
القدر الذي لا مفر منه؟!….
لماذا عند إلقاء الأول تأخُذنا اللحظة…وتتسمر
أعيننا بنظرة خاصة…….وعندما نبدأ بالحديث
نشتهي الكلمات كما لو اننا نتذوق الأحرف لأول
مرة بنهم……وعندما تبدأ الشفاه تلين في إبتسامة
خاصة كنظراتنا لبعضنا……..يخفق القلب فرحاً
وكان البسمة رمزٍ لبهجة المُحب……
ام عن الشوق فهو كالمرجل الناري في صدر المحب….
نشتاق عندما نحب…….والشوق يأخُذنا الى من نحب
وعندما نلتقي يزداد لهيبة طامعاً في الأكثر…..
كالبحر هي عجيبة.. غريبة…. قوية…. وحزينة….
لكنها جميلة بعواصفها وهدوءها جميلة…. بنظراتها
ببسمتها بحديثها الفاتر جميلة… وتجذبة دون
ان تدري ، ومن النظرة الأولى لعينيها فهم انها لن
تمر عليه مرور الكرام….ستترك آثر لا يمحى عند رحيلها……….وربما ستظل ان أرادت ذلك……..
فالحب بالأجبار لا يليق بانثى مثلها……ولانها
مختلفة عنهن …اختلافها أدى الى ضياعُ؟!…..
“مالك ياحولم……..ساكت ليه……..”
ابتسم عاصم وهو يلقي الصنارة مجدداً بعد ان وضع الطُعم بها…. ثم نظر الى حكيم المتطفل..
“هقول إيه……..”
زم حكيم شفتاه قائلاً……
“قول انك خلصت على سمك البحر كله…ومش
مستكفي……..”ثم نظر حكيم للعلبة البلاستيكة
الكبيرة والتي تمتلئ باسماك البحر…..
فقال عاصم بشرود…….
“إلا سمكة واحدة……مش راضية تاكل الطعم…..”
تحدث حكيم بلؤم…..
“غيرو….مالاسماك أنواع……وكل نوع ولي طُعم
غير التاني….”
قال شارداً في البحر…… “جايز…….”
لكزة حكيم بزهوٍ مبتسم….
“خد رايي انا خبره في الحاجات دي…….”
“انا لو هاخد رأي حد يبقا مينا……..”نظر عاصم نحو مينا الجالس جواره من الناحية الاخرى……على الاحجار…. مكانهم المفضل في الصيد منذ ان
بدأت صداقتهم………
قال حكيم بشماته….. “واضح انك واقع…….”
رد عاصم فاتراً…… “مش بظبط…..لسه…….”ثم
نظر الى صديقة الثالث (مينا..)ذلك الرزين
الجاد اكثر منه ومن حكيم في تلك المسائل
والذي كان يكبرهم بعدت باعوام……..
“اي رأيك يامينا……”
ساله مينا بهدوء…… “في إيه…….”
شعر عاصم بالحرج لكن السؤال اندفع على لسانه
دون ان يفكر مرتين…….
“في الستات عموماً……اي الحاجة اللي بتشدهم لينا……..”
تدخل حكيم بسلاسة وهو يمط شفتيه
بيقين…..
“جيوبنا معروفة……الفلوس مفتاح قلب اي
ست…. اسمع مني….. ”
تافف عاصم بجزع……
“لما ابقى اسالك ابقا جاوب……قولي يامينا…..”
تعجب مينا من تغير صديقة المفاجئ…ومن لمعة عيناه ولهفة في صوته….فسأله مستفسراً……
“مالك ياعاصم……قولي مين دي اللي قدرت تضيعك بالسرعة دي……من فترة كنت رافض الجواز والستات
اي اللي حصل…….”
تدخل حكيم غامزاً…..
“شكله وقع………وقعه شديدة……”
لم يرد عاصم بل نظر للبحر وامواجة
العتية…..فقال مينا بهدوء…..
“الستات لغز حير رجالة كتير…….وكل ست ليها دخله معينة…..لكن اللي مشترك بينهم انهم بيحبوا الراجل الدغري….الجد……يعني لو مالي ايدك منها توكل على الله وفتحها……..”
هز عاصم راسه موضحاً……
“لسه بدري على الخطوة دي…انا عايز أعرف
بس اي الحاجة اللي تشدهم لينا…..”
اخبره مينا ببساطه……
“انك تكون موجود….من غير مايطلبوا تكون موجود…….مهتم….حنين…..سند وأمان….هو
ده اللي بيحبوا فين…….”
برم حكيم شفتاه باستنكار….ثم تدخل بالحديث موضحاً بصيغته الخاصة…..
“قعد انت يامينا على جنب…..انا هفهمك ياعصومي…..ماهو كل شيخ وليه طريقة…
اسمع……..
الست دايما عندها فراغ عاطفي مكبوت……
محتاجه إيه بقا عشان يخرج للنور…….حبة
اهتمام على شوية هشتكه…على كلمتين حب وغرام من اللي بالي بالك…..وكل مادلعتها كل مغرقتك حب وحنان…..أمال….إيه…. اسمع مني اديها هشتكه
تديك لاڤلاڤا ……”
قال مينا بعدم رضا…….
“اللي انت بتنصحه بيه ده يعملوا بعد الجواز
مش في المرحلة دي……..”
تافف عاصم بحنق شديد منهم…معقباً
بقرف……..
“وكاني متزفتش قبل كده…….انا غلطان اني سالتكم……..قولت انتوا أهل خبرة……اتاريكم
محتاجين خبرة……..”
هتف حكيم ممتعضاً……..
“طيب ياخبرة……..اتصرف انت ومتجيش تسالنا تاني……….”ثم مال عليه هامساً بفضول…….
“بس مين دي اللي شقلبت حالك ياحولم……وبقيت
تسأل عن طريقة تدخلها منها…… ”
لم يرد عليه فقد اهتزت الصنارة بقوة في يداه فانشغل في سحبها من الماء….
……………………………………………………………..
وصلت في الصباح الباكر الى المكتب…. فتحت الشقة
التي يتواجد بها مكتب (سليم الجندي…)
ودلفت وهي تحمل حقيبتها وكيس يحتوي على فطورها المعتاد من شطائر مجهزة في البيت…..
سعلت بقوة وهي تشعر انه تنفست غبار….. نظرة للمكان من حولها فوجدت انه غير نظيف…على غير
العادة ففي يوم الإجازة تاتي زوجة البواب وتقوم
بتنظيفة……..
تاففت كيان وهي تلامس سطح مكتبها بطرف اصبعها لتجد الغبار في كل مكان…..
مطت شفتيها وهي تخرج من الشقة منادية
بصوتٍ جهوري……
“عم عوض….ياعم عوض…….”
هرول الرجل وهو يصعد درج السلم
قائلاً…
“ايوا ياست كيان……..عايزة حاجة….”
قالت كيان بجزع……
“امبارح كانت اجازة ياعم عوض….والمكتب متنضفش مع اني مأكده عليك قبل مامشي…….”
تحدث الرجل مؤكداً بجدية…..
“حصل ياست وانا كنت ناوي اطلع ام العيال تنضفه باليل… لكن الاستاذ سليم جه بليل وبات فيه… فمكنش يصح اطلع مراتي…… والاستاذ نايم في المكتب……..”
تشدقت كيان بدهشة….. “استاذ سليم هنا……”
اوما الرجل وهو يشير على الباب الفاصل
بينهما…..
“ايوا انتي مشوفتهوش ولا إيه….دا في مكتبة….”
نظرت للباب متمتمه بحيرة….
“واي اللي بايته هنا……”
“معرفش والله ياست……….”
نظرت كيان للبواب وقالت معتذرة……
“طب خلاص ياعم عوض…..روح انت…..”
“اللي تامري بيه ياست……”قالها البواب وخرج
من المكان……
فنظرت كيان لمكتب سليم المغلق…..ثم خفق قلبها برهبة….وهي تاخذ خطواتها نحوه…..
فتحت الباب بحذر……ومررت فيروزيتاها البراقة
على المكان بحذر……..لتجد سليم ممدد على الاريكة الوحيدة الموجودة في المكتب…….ببنطال الحلة الرمادي وبقميصها الأبيض المفتوح أول أزراره باريحية شديدة….ليظهر جزءاً من صدره البرونزي الرياضي المشدود……
غضت بصرها وهي تشعر انها بمأزق…ان طال تأملها
لرجل مثلة ينبض بالجاذبية والوسامة حتى وهو نائم !!….
سحبت الهواء لرئتيها لتجد الغرفة متشربة من
عطره……..لم تشتم الا عطرة المنكه بانفاسة
الرجولية……….
اسبلت اهدابها بتوتر…..ولم تتقرب من مكانه بل استدارت تفتح النافذة الخاصة بالغرفة لتدخل
الشمس والهواء إليها……ربما استيقظ بعدها……
بالفعل……شعر سليم بشعاع مزعج مثبت على
جفونه المغلقة ونسيم بارد لفح وجهه…….ففتح
عيناه ببطئ منزعجاً…….
“اي ده….”
“صباح الخير ياستاذ……”
قالتها كيان وهي تقترب منه قليلاً بإبتسامة مشرقة
مشعة بالحياة….ابتسامة تعني له الكثير وكانه لقاح
ضدد اليأس والحزن……..
بلع ريقه الجاف وفتح عيناه بصعوبة قائلاً
وهو يستوي في جلسته……
“صباح النور…..الساعة بقت كام دلوقتي…..”
قالت كيان وهي تجلس بالقرب منه على أحد
المقاعد الوثيرة…….
“تمانية…… هو حضرتك بايت هنا ليه…..”
القى عليها نظرة قوية جعلتها تتراجع برأسها
للخلف قليلاً….. فقال هو باقتضاب وهو
يخرج علبة السجائر…….
“كنت شغال على قضية مهمة…..فراحت عليا
نومه هنا….. ”
نظرة كيان بما يفعله بعدم رضا…لذا تدخلت بعفوية وسحبت السجارة من فمه قائلة…….
“انت بتعمل اي ياستاذ…. التدخين غلط… وبذات
على معدة فاضية……..”
رد ممتعضاً وهو يشيح عيناه
عنها….
“هو كان فيه فطار وقولت لأ……”
نهضت بمنتهى الحيوية قائلة بطيبة….
“دقيقتين والفطار يكون جاهز….وكوباية شاي عشان تحبس بيها كمان….دقايق……..”
عندما خطت خطواتها باتجاه الباب…لم يمنع نفسه
من سؤالاً أقحم عقله به طوال اليل حتى انتهى الحال به نائم على أريكة مكتبة !!…….
“انتي روحتي امتى إمبارح…….”
استدارت اليه بملامح مشدوهة….. “إيه ؟!……”
اعاد السؤال وكانه أمر مفروغ منه حق اكتسبه
دون موافقتها !!…..
“روحتي امتى إمبارح ياكيان؟……”
ظل الصمت بينهما قائم للحظات حتى…حتى
اجابت على مضض……
“العصر………العصر متاخرتش…..هو في حاجة…”
“لا مفيش حاجة…….اعمليلي قهوة… “قالها وهو يشعل سجارته بضجر……
فكانت اعند منه وهي تقول ببرود……
“هعملك فطار…….هنفطر سوا……شوية وجاية….”
حتى الان لا يعرف مالذي يفعله في نفسه…..لكنه يشعر معها بأشياء لا يجد لها تفسير ؟!….او يخشى
تفسيرها فيتضح انه خائن…..ممن يقعوا في غرام أمراتين معاً ويجدوا صعوبةٍ في إختيار واحدة فقط !!….
بعد دقائق اتت كيان حاملة صنية الإفطار..التي تحتوي على طبقين من الشطائر التي اعدتها في المنزل…..وكوبين من الشاي الساخن….
كانت رائحة الشطائر شهية…. ربما هي عادية… لكن
مع هذه المشاعر الخائنة تُعد الافضل في عيناه…
فدخولها بهذا الشكل والاهتمام الفطري يولد داخله شعور أدفأ مما سبق ……..وتذكره بامرأة وحيدة كانت تهتم بالفطرة ، بكل تفصيلة صغيرة تخصه..
(هالة..)المرأة التي لم يعشق سواها….ولم يواكب
أحد محبتها في قلبه…….والدته……. هالة…….
وضعت كيان الصنية على الطاولة امامه وجلست بالمقعد المجاور للاريكة ثم….. مدت له شطيرة
فسألها وهو ياخذها……
“عبارة عن اي دي……..”
حملت كيان شطيرة اخرى وقضمتها
قائلة…..
“عجة….. عجة بيتي عملاها بنفسي……..”
فتح الشطيرة يفحصها باعين ضيقة….
“عجة…… واي اللي جواها ده…. ”
فبلعت كيان اللقمة قائلة…… “جرجير…….”
سالته بعد فحصه الدقيق للشطيرة وكانه مسكها متلبسة في قضية غير أخلاقية…
“مش عجباك……”
رد بتردد وهو ينظر لعيناها….
“مش باكل الكلام ده…..”
قالت بلهفة….. “جرب…… هيعجبك والله…….”
سألها سليم بشك…… “على ضمنتك…..”
اومات برأسها بثقة…. “على ضمنتي ياستاذ……”
قضم لقمة من الشطيرة فوجدها عكس ما توقع
كانت لذيذة وشهية……..فسالته كيان بلهفة…
“ها……. اي رأيك……”
“كويسة……”كان رده حيادياً… مما جعلها تمط
شفتيها ضاجرة….
“كويسة؟!… كويسة دي بتفكرني بلايك الأزرق….اللي
هو جبر خواطر وخلاص……. بس على العموم دي شهادة اعتز بيها…….بالف هنا…. ”
بدأت تشاركه الطعام بصمت….فاثناء تامله لها في الخفاء أنتبه لكوب الشاي الأصفر…المطبع عليه
عيون فيروزية واسعة تشع لطافة ومنقار بالون الأصفر الداكن……لم يمنع نفسه من سؤالها
بفضول….
“هو اي حكايتك مع المج….. ده…..”
رفعت كيان عيناها اليه بتساؤل…..
“إيه عجبك ولا إيه……..”
رد ببساطه…. “شكله يشد…… زي صاحبته…..”
ردت رداً يناسب طفلة في عمر السابعة لا شابة
جميلة فاتنة القوام قد تخطت من العمر
الاربعة والعشرون عاماً…….
“اصلي بحب تويتي أوي….. هو أنا أصلا من عشاق الطيور العصافير الحمام الكناري……الحاجات
الكيوت دي…… فعشان كده بحب تويتي…
وأحياناً لما باجي اشتري حاجة والاقي عليها
صورة تويتي لازم اشتريها…حتى لو مش مقتنعه
بيها اوي……….بس شكله مريح……وبيخليني
أبتسم……….”
في سهوة اللحظة قال….. “يابخت تويتي……..”
نظرت اليه بدهشة…… “إيه……”
هز راسه ناهضاً….. “ولا حاجة…..الحمدلله……”
نهض من مكانة متجه إلى الحمام كي يغتسل……
فتابعت كيان الاكل بعقل منشغل……وأثناء ذلك سمعت خطوات انثوية بكعب عالٍ تطرق الأرضية
الصلبة وتقترب….. فرفعت عينيها تلقائياً على
باب المكتب لتجد (ايتن..) امامها على عتبة الباب بكامل اناقتها العصرية…..تنظر اليها من أسفل نظارتها باحتقار هي والطعام الموضوع أمامها…..ثم على
باب الحمام المغلق والذي دلف اليه سليم منذ لحظات…….
فنهضت كيان قائلة بأحترام…..
“اهلاً يانسة ايتن ……”
لم ترد أيتن بل ظلت النظرات قائمة بينهما…نظراتها تشع تحدي وكرهاً تقابلها نظرات كيان الشبه مجردة
من اي شعور انساني……يعلوها الفتور والهدوء….
فتح سليم الباب في تلك الأوقات وهو يجفف وجهه
بالمنشفة وقد انتبه لهذا المشهد…. ليجد الامرأتين التي يكن لهم مشاعر خاصة احدهن تستحقها والاخرى دخيلة دون ان تدرك…في مواجهة نارية سلاحها النظرات !……
قطع وصلت النظرات سؤاله
الجاد…….
“أهلا يايتن…… جيتي أمتى……..”
رفعت ايتن عيناها اليه من خلف نظارتها السوداء القت عليه نظرة اتهام…….ثم نزعت النظارة لتقابله بنظرة أشد قوة………..
………………………………………………………………
“ممكن أفهم انتي مضايقة ليه دلوقتي….”
قالها سليم وهو جالس خلف مكتبه…يطالع ايتن بنظرات متعجبة…..فنظرت له ايتن بضيق وهي
تنفث من دخان سجارتها الرفيعة بحنق…….
“يعني مش عارف……”
طرح سليم السؤال متعجباً……
“اي اللي حصل لده كله……كنا بنفطر سوا.. عادي.. ”
برمت ايتن شفتيها بقرف وقالت
بتكبر……
“عادي……إزاي عادي… دي شغالة عندك تاكل معاها بمناسبة إيه…. فين برستيجك ياسليم…..”
تحدث سليم بحمائية….
“كيان مش شغاله عندي….. كيان محامية تحت التدريب وشغالة معايا…..”
اطفأت ايتن سجارتها في المنفضة
قائلة….
“وات ايفر…… برضو اخر الشهر بتاخد مرتب منك..
تبقا شغاله عندك…..”
تشدق سليم بنفور….
“ايتن انا مبحبش الطريقه دي…..”
نظرت اليه ايتن بحسرة…قائلة باختناق….
“طريقتي ولا طريقتك…. انت مبقتش مهتم
ياسليم…. ولا بقيت اشوفك ولا بقينا بنتكلم….”
أسبل عيناه متحججاً……
“الشغل والمكتب مانتي عارفه… وبعدين كل اللي غبته عنك أسبوع من آخر مرة كنا فيها سوا….”
هتفت ايتن بشجن….تموء من غيابه بدلال..
“من أسبوع….. سليم انت مكنتش تقدر تبعد عني ساعتين على بعد…. وبعدين آخر مرة دي كنت انا
اللي جيالك بنفسي عشان ابلغك باني موافقة ان فرحنا يكون كمان شهرين….. فرحنا اللي انت مسألتش فيه ولا جهزت لاي حاجة…..”
رد بفتور اغاظها……
“كل حاجة جهزة يايتن احنا اختارنا ديكور الشقة والفرش وكل حاجة……”
اكتفت بايماءة وهي تقول…..
“فعلاً وشقتنا جاهزة…. لكن إحنا اغلب الوقت هنعيش في شقة باباك…. يبقا لازم نغير ديكورها….”
رد سليم بهدوء وهو يفتح احد الملفات
أمامه…..
“ليكي الحرية المطلقة في اوضتي… اعملي فيها
اللي انتي عيزاه… لكن بقيت الشقة مينفعش…..”
اعترضت ايتن متجبرة……
“ليه مينفعش انا عروسة ولازم أجدد المكان اللي هعيش فيه من فرش لديكور…..”
شعر بالملل من إعادة الكلام مرة أخرى…..
لكنه وضح بصوتٍ يشع حنين منكسر لوالدته
الغالية…….
“قولتلك اعملي اللي انتي عيزاه في اوضتي… بس الشقة خط أحمر…. دي تخص المستشار وحرمة….
وكل ركن في الشقة ماما اختارته وفرشته على ذوقها ومستحيل المستشار يسمحلك تغيري حاجة
فيها……”
برمت ايتن شفتيها معقبة….
“واضح اني هكون ضيفة تقيلة على قلبك
انت وباباك…….”
اندهش سليم قائلاً بدفاع…..
“ليه بتقولي كده… بابا بيحبك… وبيعتبرك زي
بنته….”
هزت راسها مستاءة من الأمر برمته…لذلك اغلقت الحوار قائلة…….
“اوكي ياسليم…. كده كدا……هنكون اغلب الوقت
في شقتنا….. مش كده…….”
هو أيضاً اكتفى بهذه النهاية فأجاب…
“اكيد ياحبيبتي…….”
وجدته يعود لملفاته متجاهل وجودها….على غير العادة مما جعلها تنهض عن مقعدها وتدور حول
المكتب بمنتهى الهيمنة…….ثم جلست على حجره
اي في احضانه كما تفعل دوماً…….
“سليم……”مررت يدها على لحيته بمداعبة مغرية…
ثم مالت وطبعت قبلة على شفتيه….قائلة ببحة
دافئة قاصدة اشعالة…..
“لسه بتحبني يابيبي……”
اوما سليم براسه وهو يعانق خصرها…..
“اكيد ياحبيبتي…….”
برقة عيناها الجريئة ببريق الانتصار….فطلبت
بصوتٍ أرق……
“مم…. يعني هتيجي معايا النهاردة البارتي بتاع اميلي………”
“ايتن……”زفر سليم وهو يبعد وجهه عنها…..
فمسكته من ذقنة وهي تئن برجاء……
“بليز يابيبي…. خلينا نروح سوا…. كلهم بيسألوا عليك….. بليز تعالى معايا بليز……”
لم يبدي اي فعل بل ظل ينظر اليها
بصمت…..فالحت بدلال أكبر مستعملة كل اسلحتها الفتاكة ضددة…… “بيبي….. وحياتي عندك……”
اوما براسه بعد لحظات حتى لا يحزنها….
“ماشي… بس مش هنطول……”
بإبتسامة منتصرة قالت….
“اوكي…… ساعتين بس……”
هتف سليم بتزمت……
“نص ساعة….. نص ساعة يايتن….”
“بيبي…….”
بصلابة هتف….
“ايتن……… لو مش موافقة بلاش نروح من الأساس……”
اخرجت تنهيدة ناعمة تعبر عن استياءها
منه…..
“أوف…. خلاص اتس اوكي………اي لاف يووو…… بيبي…….”
قربت شفتيها من شفتاه منتظرة ان يقبلها…لكنه
تنحى رافضاً……..
“مش وقته يايتن…. قومي بقا لحسان حد يدخل علينا………”
نهضت بدهشة شاعره بانه خدش كبرياء انوثتها
بهذا الرفض القاطع……
كان من فترة قصيرة يموت شوقاً كي تتعطف عليه بقلبة او عناق حميمي…….ينهال عليها كلما سنحت له الفرصة ام الآن يرفضها متحججاً بدخول الغرباء….
ثم من سيدخل الى هنا غيرها هل يخشاها الى تلك الدرجة ؟!…
الحاسة السادسة تخبرها بقوة بان هناك شيءٍ مريب
يحدث من خلف ظهرها بين خطيبها وتلك الفتاة ملونة العينين !………
……………………………………………………………..
على أحد الجسور القريبة من البحر كان يصف سيارته جانباً واقفاً أعلى الجسر سانداً بذراعيه على السور…
يعبث في سلسلة المفاتيح بين أصابعه يميناً ويساراً
كعادته عندما يتوتر….. يشرد….. يفكر في شيءٍ
يتلف اعصابة…..وباليد الأخرى ينفث من سجارته
وينفخ دخانها المتراقص امام عيناه الحانقة من
الحياة ومافيها……..
عند التطلع لهذا المنظر البديعي…..ترى الدنيا واسعة
واسعة جداً….لكن لا تساعهُ……امامه هي اضيق من ثقب الإبرة !!……..
“حمزة…….”
أغمض عيناه لثانية وانتفض قلبه بين اضلعه بخفقة خائنة سرقتها عند النداء….وعندما أستدار لها ببرود
بعيون عسلية شاخصة لها بريق اجرامي يميزها
…وملامح رصينة ، يتطلع إليها بصمت جليدي…….
جعلها تبتلع ريقها عدت مرات بخوفٍ منه…….ثم
تشجعت وتقدمت منه…..باناقتها وجمالها الذي
اشتهاه يوماً ام الآن فيشعر بالشمئزاز من مجرد النظر لها !!….
غريبة تقلبات البشر…..الحب يأتي دون تخطيط… والكره يأتي دون تخطيط….. والخيانة تاتي
دون تخطيط…… ام الفراق فياتي بتخطيط
مسبق !……
“طلبتي تشوفيني خير……..”
قالها حمزة وهو يضع يده في جيبه….
فاسبلت نجلاء جفنيها ثم مدت يدها في حقيبتها
واخرجت علبة قطيفة حمراء وقالت وهي تقدمها
له……..
“دي الشبكة اللي جبتهالي…..حقك……”
نظر حمزة للعلبة بين يدها ثم لعيناها الجامدة
فلوى ثغرة ساخراً وهو يتحدث بقرف….
“حقي ؟!….وحقي اللي كان فيكي…..فين….هياخده
سامح……..سامح يانجلاء………طب ماكنتي عرفتيني
انك مبيته النية اوي كده….عشمتيني ليه انك بتحبيني….ومستعده تعيشي معايا ولو في
عشه….فين كلامك…..”
بدات نجلاء تلاعب حاجبيها الرفيعين لتقول
مستهجنة…….
“اديك قولت كلام…..فوق ياحمزة….فوق…احنا
في زمن ما يعلم بيه إلا ربنا……و الحب مش كل
حاجة……..وبعدين انا استنيتك كتير وصبرت
عليك….”ضربت كف بالاخر ولوت شفتيها
متحسرة على عامين مضوا من عمرها
بالانتظار……..
“عملت إيه…ولا حاجة حجج حجج….وامي
كلت وشي….و مش رحماني……..وسامح من
ناحية وامي من ناحية عايزني اعمل إيه……..لو
جه لاختك عريس زي سامح وهي متعلقة بحبال دايبة مع واحد مش عارفه يجيب شقة يتجوزه فيها……هتنصحها باية…….”
اوما حمزة براسه وهو يلقي السجارة أرضاً
ويدعسها بحذاءه…..
“عندك حق…….لازم الواحده برضو تتجار في نفسها
صح…..عشان تكسب أكتر……”
قالت نجلاء بتململ……..
“احسبها زي ما تحسبها…..انا عملت اللي اي واحده
في مكان هتعملوا…..وكل شيء قسمة ونصيب…”
وضعت العلبة في يده…. ثم لوحت له مستديرة خطوتين……
“حقك…….. سلام عليكم……..”
غمغم بكرهاً شديد خلفها…..
“بسلامه يابنت الجعانه………”
ادارت رأسها اليه متسائلة….. “بتقول حاجة…….”
“بقول سكتك خضرة…..أبقي سلميلي على أمك…وقوللها حمزة مش بينسى حقه…..ولا حق اخواته البنات………سلام…. ”
ثم اتجه الى سيارته واستقلها والقى العلبة جانباً باهمال ثم انطلق سريعاً دون الالتفات خلفه……
أصبحت ماضي….والماضي لا يعود……..تظل ذِكراه راسخة في عقولنا لكن العودة من جديد امنية
لا تحقق !……
……………………………………………………………
كان صدره متضخم بالغضب واليأس… مشاعره باردة
مغلفة بطبقة من الجليد الصلب…… تجربة حبها بدلت
الأفضل داخله بالاسوء…..وربما هذا السوء يجرح
من سيحاول مساسه يوماً !!……..فهو عاد أسوأ
من السابق….أسوأ بكثير……
اثناء قيادته للسيارة ليلاً…عائداً الى الساحة بعد ان
انهى عمله……….واثناء طريقة في طريق شبه
مقطوع……سمع صراخ انثوي عالٍ ياتي من
أحد الزوايا
فاستدار ناظراً من نافذة الباب المجاور…….وبطئ
سرعة القيادة… ليجد سيارة حمراء فارهة بجوارها ثلاثة من الشباب يحاولون سحب فتاة بالاجبار الى سيارتهم….وهي تصرخ وتقاومهم بكل قوتها…
لكن الكثرة والقوة……تغلب رفضها ومقاومتها
الشبه منعدمة امامهم والتي تزيد نشوتهم
اكثر بها………
غلت الدماء في عروق حمزة ولم يتحمل رؤية هذا المنظر أمامه……..فاوقف السيارة نهائياً وترجل
منها….اتجه سريعاً الى مؤخرة السيارة واخرج
عصا غليظة تشبه (النبوت) الى حداً كبير…..
السلاح المسموح بحملة…والذي لا يتخلى عنه من
يوم ان اعتنق هذا العمل وأصبح مصدر رزقة….
اتجه سريعاً الى الشباب قائلاً بشقاوة وهو يشعر بنشوة لمجرد انه سيقيم شجار معهم….فهو يحتاج لافراغ شحنات غضبة بشدة على ايا كان…..
“اللي ياكل لوحده يزور…….ياشباب……”
توقف الشباب الثلاثة عن سحب الفتاة لكن لم يحرروها من بين أيديهم…….
رفعت الفتاة عينيها اليه….كانت ملامحها شبه مختفيه بين خصلات شعرها المتموج المتناثرة
بجنون على وجهها آثار مقاومتها مع ضباع
الليل الثلاثة……..
لم يطل حمزة النظر اليها بل عاد للشباب
مبتسماً بوقاحة…….
“مين فينا هيدوق الأول……..”
ساله الشاب الأول…. “انت مين وعايز إيه…….”
قال حمزة بابتسامة سمجة…. “عايز اللي معاك……”
تدخل الشاب الثاني…. “احنا اللي لقيناها الأول……”
رد حمزة بسماجة……
“وانا شوفتكم………يبقا يافيها ياخفيها……”
خبط الشاب على راسه حانقاً…..
“بقولك إيه اطلع من دماغنا العملية مش نقصاك……”
تدخل الشاب الثاني وهو يسحب الفتاة لعنده
وهي تقاومة بشراسة…….
“البت دي دخلتها اليله…..وهي طلبت كده…”
صاحت الفتاة بغضب…..
“ابعد عني ياحيوان…….”
لاح التعجب على ملامح حمزة فسال
بدهشة……
“اي ده….. هي الدخلة اليلة الف الف مبروك…..”
ثم تابع حمزة بلؤم…. “مش تقولي عشان ازفكم…..”
مط الشاب شفتاه ساخراً…..
“وهتزفنا ازاي بقا ياخفيف……”
“كدا أهوه……”
اتكأ حمزة على النبوت بين قبضته وهو ينظر للفتاة نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تفهم المقصود بها…لذا انحنت سريعاً…….لتجد حمزة يضرب بالعصا الغليظة ذراع الشاب الذي كان يمسكها…….فحل وثاقها لتركض سريعاً وتختبئ خلف سيارة حمزة…..
بدأ يضربهم كلهم بعصا وكلما عادوا اليه يضربهم
بالعصا وكانه يلعب (تنس..)……
“يابن ال***…..”شتمه احد الشباب وهو يتجه
الى سيارته بجبن سائل الدماء بعدما علم انه هذه الحرب خاسرة…..ولحق به الاثنين الاخرين….
لكن حمزة لم يتوقف بل بدأ بعصاة تكسير المرايات
الجانبية بل والمصابيح الامامية……ثم بدا يكسر
زجاج السيارة الأمامي….وكل هذا بصمت دون
اي كلمة…او سبه واحده……وكانه يمارس
هوايته المفضلة بتأني !!…….
فصاح احد الشباب لمن يحتل مقعد
القيادة….
“دا مجنون…. أطلع بسرعة…. اطلع هيموتنا……”
انطلقت السيارة بسرعة…ولاذو هاربين بجبن….
توقف حمزة في منتصف الطريق على الرصيف يشاهد السيارة التي تركض على الطريق السريع المظلم دون اضاءة…
مط شفتيه ساخراً…….
“ياعيني كانت آخر سيئة في حياتهم…….”
ثم حانت منه نظرة الى جانب سيارته…ليجد الفتاة
تقف جانباً تطلع عليه بصدمة…..وبعيون مشدوهة…
“افهم…..انتي انس ولا جن بشعرك ده……”
كان أول شيءٍ يوجهه له حرفياً وكانت العبارة
لاذعة باردة……..
فارجعت شعرها للخلف لتتضح معالم ملامحها الانثوية………فتاة جميلة بملامح شامخة
وعيون بنية لامعة بالدموع….شعرها أسود
طويل مموج مميز……..تميز يليق بها…….
نحيفة الجسد ترتدي تنورة وكنزة من اللون الأسود….وتترك شعرها طليق على ظهرها…..
اقتربت منه وهي تحمل بين يدها حقيبة ملابس متوسطة الحجم…..فسالها حمزة بأسلوب فظ…..
“هتفضلي سكته كتير……..”
أخيراً خرج صوتها ثابت رغم خوفها
منه….
“هقول إيه……. شكراً على المساعدة……”كانت ستبتعد لكنه منعها دون ان يلمسها……
“على فين ياست الامورة….احنا في مكان
مقطوع ياما……”
نظرة الفتاة لذراعه الممدود امامها….فابعده
وهو يسألها بحيرة……..
“انتي ايه اللي جابك المكان المقطوع ده اصلا….”
أسبلت رموشها الكثيفة قائلة….
“السواق نزلني هنا…….”
ارجع رأسه للخلف قائلاً بشك…..
“السواق آآه…..انتي شكلك غريبة عن هنا….انتي منين……..”
ردت مقتضبة…… “من الجيزة…….”
أومأ براسه قائلاً بنباهة…..
“آآه قاهراوي يعني…..واسمك إيه بقا……”
مطت شفتيها ممتعضة….. “وانت مالك…….”
هتف حمزة بسخرية……
“لسانك طول أهو….ماشاءالله كنتي وسطهم عامله شبه الكتكوت المبلول……”
لوحت الفتاة بيدها مقتضبة….
“انت هتزلني ولا إيه……”
زم حمزة شفتيه ليقول….
“لا ياختي انا مبزلش…بس كل واحد يعرف اللي عليه…….”
نظرة اليه للحظات ثم قالت بعد زفرة
باردة…
“انا اسمي قمر…….”
علق حمزة مستخفاً……
“أمر بستر……….اسمك اي بقا……”
احتد صوتها…… “ماقولنا قمر…….”
أبدى رأيه بصراحة مطلقة….
“ظلموا القمر والله……….”انذهلت من رده لكنه
تابع متسائلاً…….
“وجايه لمين ياست قمر……..”
مجدداً قالت مقتضبة….. “انت مالك برضو…….”
“هو انتي مش حافظة غيرها ولا إيه……على العموم
انا غلطان….سلام……”قالها بجزع وهو يتجه الى سيارته…..فركضت اليه قمر توقفة بحنق….
“انت رايح فين وسيبني هنا…..”
توقف وهو يلوح بيده مثلها….
“وانتي مالك…..كنت خلفتك ونسيتك….رايح لحال سبيلي…”
قالت بلهفة وهي تنظر لظلام الحالك من
حولهم ….. “طب وصلني……”
سالها متافف…… “على فين…..”
نظرة اليه بضياع…… “مش عارفة…..”
زفر حمزة بغيظ ليقول بوجوم……
“جينا بقا لوقف الحال……..خدي في بالك انا خلقي
في مناخيري….ردي على قد السؤال…خليني
اوصلك للمكان اللي ريحاه…….واخلص منك… ”
“هو انا بشحت منك…… انا جايه لخالي….بس انا معرفش عنوانه…..”عضت قمر على اظافرها
بتوتر وهي ترمقه تارة وترمق الطريق المظلم
من الناحيتين تارةٍ أخرى……
نظر لها حمزة بأستياء ثم اتجه الى سيارته بالامبالاة
واستقل مقعد القيادة…فلحقت قمر به وجلست
في المقعد المجاور له…..فنظر لها حمزة لبرهة
ثم سالها مستفسراً……
“مش عارفه عنوانه إزاي بقا…أول مرة تنزلي اسكندرية……”
اومات برأسها بضياع….. “آآه أول مرة…….”
ضيق عيناه مستفسراً…..
“ليه مبتروحيش مصيف……….”
ردت تلقائياً…..
“عندي حساسية من الماية المالحة”….
توسعت عينيها وهي تهتف معترضة……
” اااي ده ….انت مالك أروح مصيف ولا لا…….”
كبح حمزة ضحكته وهو يجاريها في
الحديث……
“المرادي عندك حق…..خلينا ندخل في الموضوع المهم……..أمك هي اخت خالك…….”
نظرت له قمر للحظات بعدم استيعاب ثم اومات برأسها سريعاً….. “آآه صح……..”
فاطرق حمزة برأسه مغمغاً
بسخرية……
“ماشاء الله عليكي نبيهة……”
سالته بشك……. “انت بتقول إيه…..”
سحب حمزة نفساً طويلاً ثم نظر لها
قائلاً…..
“المقصود يعني….امك مدتكيش العنوان ليه….”
قالت قمر بحزن……
“كان معايا بس ضاع مني في الموصلات……”
استفسر حمزة متعجباً……
“آآه…..طب متصلتيش بامك ليه وسالتيها….
معكيش تلفون……”
“معايا بس ماما ماتت من تلات شهور……”اطرقت قمر براسه وقد لمعة عيناها بالحزن وهي تجيب
بتلك الكلمات….
فشعر حمزة بمدى غباءه…فقال برفق……
“البقاء لله….طيب قوليلي اسمه ايه خالك ده…..”
رفعت قمر بنيتاها عليه بأمل
أخير……
“اسمه عثمان الدسوقي…….تعرفوا…….”
تجمدت ملامح حمزة للحظة واتسعت عيناه
هاتفاً…… “نــعـم…….”
انفجرت اساريرها فقالت بلهفة……
“إيه تعرفوا بجد……..”
هز حمزة رأسه ووضع اصبعه في ثقب آذنه
يرجها قليلاً ثم عاد اليها بكامل تركيزة…..
مردداً الاجابة التي تحمل الف سؤال…….
“انتي بتقولي عثمان الدسوقي ده يبقا مين…”
“خالك إزاي…….خال مين أصلاً….انتي مين ياما… ”
تراجعت قمر بظهرها الى النافذة المغلقة
قائلة بوجل……..
“انا قمر…… وعثمان الدسوقي يبقا خالي انا…. اقسم بالله خالي…..انت تعرفوا……..”
اوما حمزة براسه وهو في حالة من اللا
وعي….”تقريباً……….”
استوت قمر في جلستها هاتفه بلهفة وهي تأخذ
انفاسها بارتياح…… “طب متوديني ليه……الله يخليك….. ”
نظرت اليه قمر فوجدته على حالة صامتاً شارداً والصدمة تعلو وجهه…. وعيناه ذاهلة…..فعقبت
بتوجس……”ساكت ليه…….هتوديني عنده… ”
اوما براسه وهو يدير محرك السيارة
بعنف….قائلاً بصوت غريب……
“آآه هوديكي……..هوديكي عنده……..”
وعندما انطلق بسيارة غير مسار طريقه الى الحي الذي يقطن به والده وشقيقتيه وقد ظل طول الطريق يتمتم سراً بسؤال واحد وهو ينظر
لها بين الحين والاخر……
“خالها؟……خالها إزاي يعني ؟!….”…..
رواية الحب اولا الفصل الثامن 8 - بقلم دهب عطية
طرقات على الباب جعلت كيان وشهد ينظرون لبعضهما بتوجس وهم يجلسوا حول سفرة العشاء يشاركهم والدهم عثمان الذي هتف عابساً…….
يأمرهم بغضب…
“ما واحده فيكم تقوم تتزفت……. تفتح الباب…
ولا اقوم من على الاكل افتحه……”
اومات شهد بانصياع ناهضة… ثم اتجهت الى
الباب وفتحته….
اتسعت عينا شهد وهي تبصر اخيها يقف أمامها.. ينظر لها نظرات مبهمة غير مقروءه……مما جعلها
تتقدم منه هامسة بخوف…..
“اي اللي جابك هنا ياحمزة….. انا اتصلت بيك الصبح وقولتلك ان ابوك في البيت……”
رد حمزة بحسم…..
“ماهو عشان هو في البيت انا جيت…..”
همست شهد من جديد بحنق أشد…..
“انت ناوي على مشاكل يعني….. مانت عارفه…”
انتبهت شهد أخيراً لمن تقف خلف ظهر اخيها..
تسمرت مكانها مشدوهة…. عاقدة الحاجبين فاغرت الفم…. ثم زاحت اخيها جانباً وهي تبصر الفتاة الواقفة خلفه بدقة أكبر…. همست وهي تتفحصها
بعيناها من أول رأسها حتى اخمص قدميها وقد انتبهت أيضاً للحقيبة بين يداها مما جعلها
تسأله ببطئ…….
“مين دي ياحمزة……”
أشار حمزة بيده بأن تبتعد وهو يجيب
ببرود….
” ماهو ده اللي جبني…. وسعي خليني اعدي…
عشان نعرف كلنا مين دي…….. ”
لم تتحرك من مكانها بل سألته بعدم
فهم….
“نعرف من مين بظبط؟…….”
“من ابوكي……. ماهي دي تبقا قمر بنت عمتك اللي
انا معرفش اسمها إيه لحد دلوقتي…..”أشار حمزة على قمر التي اخفضت راسها بحرج ممزوج
بالصدمة من كونهم أولاد خالها عثمان !!…
صدرت من شهد صيحة استنكار…
“انت بتهزر ولا شارب حاجة……..”
زم حمزة شفتاه مستهيناً…..
“ياريت…. حتى الصدمة تكون اخف من كده…..”
ثم دلف من باب الشقة وأشار لقمر بيده قائلاً
بشكلاً مسرحي ساخر…….
“اتفضلي ياقمر وقفة ليه… دلوقتي هتقابلي عثمان الدسوقي…. أبونا…. اللي هو خالك زي ما بتقولي
إتفضلي……”
تخطت قمر عتبة الباب بخطوتين وهي تحني رأسها
بحرج وشعور الرهبة والاضطراب يموج بحلقها يكاد يخنقها……
فسحبت شهد اخيها جانباً…وهتف من
اسفل أسنانها…..
“فهمني لقتها فين دي… وبنت عمتنا إزاي…..”
ثم القت نظرة عابرة على قمر معقبة بشك…..
“وبعدين مين عمتنا دي… احنا ملناش عمات…..
دي شكلها نصابة……”
لوى حمزة شفتاه هازئاً…..
“يعني لو نصابة هتطلب تقابل ابوكي بالاسم.. ونفرض انها نصابة…. هتاخد إيه مننا…..”
مجدداً نظرت اليها وعادت الى اخيها مضيفة
بعدم ارتياح…….
“معرفش بس مش مطمنة…. يعني إيه بنت عمتنا…”
“دلوقتي هنعرف اتقلي……” قالها حمزة وهو يغلق الباب ويشير لقمر بتقدم….
ظهر عثمان الدسوقي أمامهم…….وواجه ابنه بغضب
وبنظرة سوداء وكانه من الد اعدائه…….
“اي اللي جاب هنا يالا….انا مش طردتك….”
بنظرة عدائية قال حمزة…….
“انا جايب اسلم الامانه لأهلها…وماشي علطول….”
“امانة إيه……ومين دي……”أشار عثمان على قمر
باستعلاء…..
فالقت شهد نظرة على اخيها تأكد حديثها السابق
عن قمر………بينما خرجت كيان وهي تقترب من
شهد هامسة بتسأل……
“في اي ياشهد….ومين دي……”
ردت شهد ممتعضة…..
“دي واحده نصابة….. بتقول انها بنت عمتنا…..”
تشدقت كيان بصدمة وهي تنظر للفتاة
بقوة…. “عمتنا مين ؟!….”
هزت شهد كتفيها بحيرة وهي تتابع مايحدث….
أخيراً رفعت قمر عينيها وتوجهت للحديث لعثمان
الدسوقي والتي قابلته عدت مرات في صغرها
وفي فترة المراهقة….وآخر مرة راته بها كانت
منذ خمس سنوات في عزاء والدها…..
“انا قمر سلامة ياخالي…. بنت وفية الدسوقي… أختك….. معقول مش فاكر أختك…..”
تاملها عثمان بدقة أكبر…فقفزت صورتها القديمة
في ذاكرته……فكان غير مرحب وهو يقول….
“قمر… آه….. افتكرتك……وامك عاملة اي ياقمر…”
بلعت غصة مختنقة بالبكاء وهي تجيب
بانكسار…….
“أمي…… امي ماتت من تلات شهور ياخالي…..”
ادعى الدهشة وتأثر ببراعة مردداً….
“بجد…… الله يرحمها…..”
شعرت قمر بوخزة في قلبها وهي تقول
بحزن……
“انا كلمتك وقتها وعرفتك… بس حضرتك مجتش حتى تاخد عزاها……”
ردد عثمان مبرراً……
“مشاغل ياقمر…. مانتي عارفه الدنيا مشاغل….”
نظروا الاشقاء الثلاثة لبعضهما ثم عادوا يتابعوا
هذا المشهد المخزي والمؤثر…….والذي زاد
بغضهما على ابيهم….بل نزل من أعينهما أكثر مقاماً
واحتراماً……..
احتد صوت قمر تدريجياً بعد أسلوبة المجرد
من الانسانية ونظراته الخالية من اي تعاطف
معها او حزن لأجلها……
“كان الله في العون ياخالي….. بس حتى المشاغل
دي منعتك تاخد عزاها… ونفس المشاغل خلتك تبطل تبعتلها الشهرية بتاعتها…. حصتها من العمارتين اللي ورثتوهم سوا من جدي الله يرحمه…….”
اتسعت اعين الأشقاء الثلاثة بصدمة…..
فقال عثمان ببرود…..
“بطلت ابعت الشهرية لانها باعت حقها ليا من
عشر سنين…..”
صاحت قمر مهاجمة…….
“محصلش… امي لا باعت ولا اشترت منك حاجة…
وانا معايا الاوراق اللي تثبت ده……”
تافف عثمان هاكماً…..
“هو انتي جايه لحد هنا عشان تطلبيني بورث أمك…….”
اومات براسها بصلابة…..
“دا حقها وحقي من بعضها……. وصاحب الحق
على حق……”
سالها عثمان بنظرة سوداوية….. “يعني إيه…….”
قالت مهاجمة بنظرات كاسحة….
“يعني انا عايزة ورث امي الشرعي في العمارتين…”
قال عثمان ببرود…..
“وان قولت ملكيش حاجة عندي…..”
قالت قمر….بعيون تقدح شرراً وصوتٍ مهدداً……
“هرفع عليك قضية وهتهمك بتزوير ….. لانك كاتب العمارتين بأسمك ومزور بيع حق امي فيهم… ودا اقدر اثبته بسهولة…… لاني معايا صورة بالأوراق الأصلية….. دا غير المحامي اللي هيترفعلي عن القضية واللي معاه كل الأوراق اللي هيحتاجها
ولي بيها هيجبلي حقي ويسجنك…. ”
انقلبت ملامح عثمان مائة وثمانون درجة ببراعة
وهو يقطع المسافات بينهما قائلاً بتملق……
“تسجني خالك ياقمر……اخص عليكي……”
اندهشت قمر ونظرت اليه بتوجس….لتجده يتابع
حديثه وهو يعانقها بحفاوة……
“فلوس إيه وورث إيه……انا أهم حاجة عندي اني شوفتك واطمنت عليكي….تعالي ياحبيبتي في حضني تعالي…….”
ثم أمر بصوتٍ حاني وهو يربت على ظهر
قمر…..
“شهد….حضري العشا لبنت عمتك…..دي جايه من سفر……….اكيد جعانه……”
ثم ابعدها عن احضانه برفق قائلاً بتملق….
“انتي تاكلي دلوقتي وتغيري هدومك دي وتدخلي
تستريحي وبكرة ان شاء الله هنتكلم تاني…عشان
اعرف اللي ليكي ولي عليا اتفقنا……”
ثم استدار ناظراً الى ابنه قائلاً بإبتسامة
مصطنعة….
“أدخل ياحمزة انت كمان……كل مع بنت خالك…وبات
في اوضتك…وبلاش سرمحة……الدنيا ليل يابني…”
ابتعد عثمان الدسوقي داخلا غرفته مغلق على نفسه
بهدوء…تارك العيون تحملق في الفراغ والكل يشعر
بالقلق من هذا التغير الجذريّ….والذي يُدعى للريبة
من القادم ؟!…..
همست شهد شاردة…… “هو في ايه بظبط……”
مالت عليها كيان وقالت بشك….
“ابوكي اتجنن……..او بيخطط لحاجة……”
نظرة شهد للفتاة بشفقة….
“أكيد بيدبر حاجة للبنت الغلبانه دي……”
همست كيان بهجوم….
“غلبانة ؟!……دي سهونة…شوفتي فضلت سكته قدامنا إزاي وعملت فيها مكسورة الجناح واول ما شافت ابوكي طلعت فيه….البت دي مش سهلة لازم
نتجنبها لحسان تكون ناوينا على نية….”
هزت شهد راسها معترضة بطيبة
قلب…..
“لا ياكيان….حرام عليكي…شكلها غلبانه…..”
اصرت كيان وهي ترمق اختها بجزع….
“ولله مافي حد اهبل وغلبان غيرك….اسمعي مني النوع ده بيفضل يتمسكن لحد مايتمكن…انا عرفاهم…….”
تململت شهد زافرة…..
“ماعلينا…..انا هروح احطلها تاكل دي مهم كان ضفيتنا……”
دلفت شهد للمطبخ….ودخلت كيان الصالون تشاركهم
الجلسة……فكانت قمر تتوسط الاريكة بينما حمزة
يجلس على المقعد المجاور يفرق في عيناه
بضيق……جلست كيان جوار قمر وقالت
بإبتسامة صفراء…..
“منورة يابنت عمتي…….”
ردت قمر بحياء…… “بنورك………”
عرفت كيان عن نفسها والباقية
بعفوية…
“انا كيان أصغر واحده فيهم وده حمزة اكبرنا
وشهد اختي الوسطانية……”
اومات قمر بإبتسامة هادئة ولم
تعقب…..فسالتها كيان بتطفل….
“هو انتي معندكيش أخوات…..”
هزت راسها بنفي….. “لا معنديش……”
سالتها كيان مجدداً….. “طب وابوكي فين…..”
ببحة حزينة اجابتها….. “مات من خمس سنين…….”
ارجعت كيان رأسها ثم ازداد فضولها……
“البقاء لله…….هي عمتي كانت حلوة زيك كده….”
ابتسمت قمر بحزن…… “احلى كمان…….”
اومات كيان قائلة…..
“ااه ربنا يرحمها…كان نفسي اشوفها وقعد معاها….
يلا النصيب……..”
تدخل حمزة بملل وهو يرفع عيناه
عليهم……
“بطلي رغي ياكيان…وقومي شوفي أختك
بتعمل إيه…….”
برمت كيان شفتيها ناهضة على مضض ثم سألت
قمر سريعاً متذكرة….
“ماشي…….قولتيلي اسمك إيه…….”
اجابتها بهدوء…….. “قمر……”
اردفت كيان بنظرة مستهينة…..
“قمر ؟!……مش اوي يعني……..”
عندما ابتعدت هزت قمر رأسها باستياء
معقبة….
“هو انتوا كلكم كده…….”
سالها حمزة بعدم فهم……. “كلنا إيه…..”
ردت مقتضبة….. “خفاف الدم……..”
اوما ممتعضاً…. “وراثه……. ورثنها اكبر عن جد…
عقبالك…. ”
لم ترد بل سالته بهمساـ… “هو ابوك راح فين……..”
رد بملل…… “دخل اوضته…..”
“ليه……”
بملل أكبر….. “معرفش روحي اسأليه……”
مطت شفتيها واكتفت بالصمت…..
“شكراً……”قالتها بخجل……
فسالها حمزة….. “على إيه……”
ابتسمت بحزن…قائلة بامتنان…..
“على كل حاجة عملتها معايا لحد دلوقتي……بس صدفة غريبة…….ان اللي ينجدني في طريق مقطوع
زي ده هو نفسه….يبقا ابن خالي…..”
“الصدفه بتيجي مرة واحده….ساعات حلوة
وساعات……”
ترك كلامه مفتوح مما جعلها تساله
منزعجة….”تقصد إيه…….”
بعينين شاخصة سالها وهو يستشف الإجابة
من بنيتاها المنطفئ بريقها……
“ولا حاجة…….بس انتي فعلاً معاكي أوراق تثبت
انك ليكي ورث في العمارتين……”
اكدت بثبات…. “ايوا طبعاً يعني بضحك عليه…….”
من زوايا واحده ابتسم حمزة قائلاً بغرور…..
“انتي تقدري تضحكي على الناس كلها إلا اتنين..
انا وهو………..”
تدخلت شهد قائلة بعد ان ظهرت
امامهما….
“العشا جاهز……….اتفضلي ياقمر……يلا ياحمزة
انا حطتلك معاها….. ”
نهضت قمر من مكانها واقتربت منها
بحرج…. “شهد مش كده…..”
اكدت شهد وهي تمد يدها لها
بترحيب…
“آه……نورتينا ياقمر……”
بادلتها قمر السلام معتذرة لها وحدة….وهي تشعر بالارتياح والالفة معها عكس كيان وحمزة
المتحاملا عليها بزيادة من أول لقاء بينهما….
“بنورك….معلش أزعجتك في وقت زي ده…..”
ربتت شهد على كتفيها قائلة بمحبة……
“حبيبتي دا بيت خالك…يعني بيتك…..يلا لحسان الأكل يبرد…….”
انها طيبة وتشع ذوق ورقي….وكانك تقف امام ملكة
محبوبة……تحب ذاك وتعطف على هذا……وترضي
ذلك….من نظرة واحدة وعدة كلمات تشعر إنك
تعرفها منذ زمن……..
قالت قمر باعجاب وهي تجلس على مقعد حول سفرة الطعام……..
“ريحت الاكل حلو اوى تفتح النفس…..”
جلس حمزة كذلك وافصح بمحبة…..
“انتي مش بتاكلي من ايد اي حد…انتي بتاكلي
من ايد الشيف شهد الدسوقي…….”
ابتسمت قمر بدهشة سائلة….
“بجد…..انتي طباخة………عندك مطعم……”
اجابتها شهد ببسمة لطيفة….
“آآه حاجة بسيطة كده……اكيد هورهولك
في يوم……..”
“وانتي بقا معاكي شهادة إيه……”وضع حمزة معلقة من الأرز وهو يسالها هذا السؤال…..
فقالت قمر بحرج…..
“معايا دبلوم…….وكنت شغالة في مكتبه….”
جلست شهد جوارها
قائلة بود…
“شكلك مثقفة وبتحبي القراءة…..”
قالت قمر بجذل ممزوج بالحرج….
“اوي أوي بحب الأدب و روايات الرومانسيه عموماً….وكنت مبسوطه بشغلي في المكتبه…..بس النصيب خلاني اسيبها واجي هنا….عشان ادور
على حقي… ”
تغيرت ملامح شهد قليلاً وكذلك امتقع وجه
حمزة فبلعت قمر ريقها قائلة بحرج…….
“هو انتوا زعلانين اني جايه اخد حق امي…..”
هزت شهد راسها سريعاً بنفي…
“لا طبعاً…….انتي لسه قايله ده حقك……”
لمعة عينا قمر بتمني وقالت……
“انا محتاجة الفلوس أوي…..نفسي افتح مكتبه وديرها بنفسي……..”
تدخل حمزة متحدثاً بقتامة…..
“كلنا محتاجين الفلوس مش انتي بس…الفرق بينا وبينك انك معاكي الكارت اللي تلعبي بيه…..ام إحنا
فاحنا قعدين نتفرج وبس……”
سالت قمر بحاجب معقود
ببراءة…
“مش فاهمة قصدك….. ”
تدخلت شهد بينهما بعدم رضا…..
“حمزة…..مش وقته الكلام ده….احنا على الأكل…”
نهض حمزة من مكانه متشنجاً…..
“انا شبعت….تصبحوا على خير…….”
تابعت قمر ابتعاده عنهم بعينين مشدوهتين
بينما سألت شهد…….. “هو ماله…….”
ردت شهد باختصار…… “مشاكل مع أبوه……”
قالت قمر بريبة…..
“واضح ان خالي عثمان صعب……”
بابتسامة باهته اجابتها….
“بكره تعيشي وسطنا وتعرفي…..”
هزت قمر راسها معتذرة……
“لا انا مش هطول هنا….انا هاخد حقي وهرجع
مكان ما جيت…….”
غمغمت شهد متيقنة من القادم…..
“ياريتها سهله كده……”
سالتها قمر…. “بتقولي حاجة……”
هزت شهد رأسها ….
“لا ولا حاجة……..كملي أكلك بالف هنا…….”
……………………………………………………………..
زفرة كيان بغل وهي تمسك بين يداها وسادة ولحاف…..
“انا مش فاهمة اشمعنا انا اللي حكمتوا عليا
اديها اوضتي………”
تنهدت شهد قائلة برزانة……
“أهدي ياكيان دي فترة مؤقته….لحد مانشوف
ابوكي هيعمل معاها إيه…….”
قالت كيان بغيظ…..
“واشمعنا انا ياشهد……ماتاخد اوضتك أنتي…..”
اتجهت شهد الى الفراش بعد ان بدلت
ثيابها….. بقميص قطني مريح……
“اوضتك صغيرة وسريرك كمان…..لكن هنا الاوضة اكبر وسرير كبير وهياخدنا احنا الإتنين……”
هزت كيان راسها بتزمت….
“مش موافقة اسيب اوضتي واجي ابات معاكي هنا…….”
اقترحت شهد بملل…..
“تحبي اخرج انام على الكنبة…وتنام انتي هنا….”
تاففت كيان….. “يسلام وتنامي في البرد…..”
ابتسمت شهد وهي تهز راسها بتعب….
“انا تعبت معاكي…….تعالي نامي جمبي وسكتي.. ”
استقلت كيان جوارها على الفراش….. وقد خلعت شهد السماعة وارتاحت على الفراش واطفأت النور…….. “شهد……”
سمعت شهد كيان تتحدث بصوتٍ يصل لها
بشكلاً منحفض جداً….
“تفتكري ابوكي هيعمل إيه معاها……”
ردت شهد بفتور….
“هيديها قرشين ويمضيها على تنازل……”
تشدقت كيان في الظلام…..
“قرشين إيه….العمارتين ويساوى ملايين…..”
هزت شهد رأسها مؤكده وهي تقول بيقين…..
“عارفه…….بس تفتكري ابوكي هيديها حقها…كان ادانا
ورث أمك…..اللي مطولناش منه حاجة…..كان صرف
علينا ولبى احتيجاتنا زي اي اب مقتدر بيعمل مع ولاده….ابوكي سبنا يامولايا كما خلقتني……وادينا
اهوه كل واحد فينا الدنيا عماله تلطش فيه يمين وشمال…….”
قالت كيان بريبة……
“انا مش مطمنة للجاي……وخايفة من حمزة…لو ابوكي ادى لقمر حقها احتمال حمزة يوقفلهم
ويطالب بحقنا في ورث أمك……..وتبقا مجزرة.. ”
قالت شهد بقلق أكبر…..
“ربنا يستر…..انا كمان قلقانه من ناحية حمزة… خصوصاً ان جوازته اتفركشت بسبب انه مقدرش يجيب الشقة…… ”
صمت الاثنين معاً في الظلام الكاحل…. فقطعت
كيان الصمت مجدداً…….. “شهد…..”
اصدرت شهد همهمات بسيطة….فقالت كيان بفضول….
“هو اي حكايتك مع عاصم الصاوي…..”
خفق قلب شهد في لحظة…..وتلعثمت بوجهاً أحمر
يختفي في الظلام……..” حكاية ايه……”
قالت كيان بتطفل……
“حكاية الأوردر اللي بعتهوله بنفسك….مش
قولتي انك هتحكيلي……”
ضحكت شهد……. “لسه فكرة….”
“دي حاجة تتنسي….احكيلي مخبي ايه عني….”هزتها
كيان في كتفها……
قالت شهد بنفي…….. “ولا حاجة…..”
صاحت كيان مجدداً….
“طول عمرك لئيمة……احكيلي… ”
تذكرت جملة عاصم فضحكت وهي تسأل
أختها… “كيان هو انا فعلاً لئيمة…….”
ضحكت كيان معها….
“هو في حد لاحظ ده غيري…….”
“لا انا بسألك بس……”
قالت كيان بمراوغة…..
“أحياناً بتستهبلي بمكر كده……فده يدل على انك لئيمة سيكا…….”
قالت شهد ببراءة… “سيكا…….يعني مش أوي……”
سالتها كيان….”مين قالك انك لئيمة هو……”
لكزتها شهد بحنق….. “بس بقا……”
أضاءت كيان المصباح مصممة…..
“والله أبداً لازم تحكيلي…….”
قالت شهد ضاحكة بوجها مختضب
بالحمرة…
“هحكيلك إيه يامجنونة…..كلام جاب كلام مالك…”
اتسعت عينا كيان بلؤم وهي تبتسم….
“مالك ؟!….انا اللي مالي….ولا انتي اللي مالك…..
من امتى شهد بتكلم مع حد…… ”
تجاهلتها شهد عن عمد فلكزتها كيان
مجدداً….”ها من إمتى……”
حركت شهد كتفيها ببراءة….وقالت بمواربة…
“عادي……يعني مضطرة اتعامل معاه لانه صاحب المطعم اللي بشتغل فيه……”
هتفت كيان….. “يالئيمة……..”
عبست شهد بحنق…. “متقوليش الكلمة دي…….”
قالت كيان غامزة… “واضح ان الصنارة غمزت……..”
وضعت شهد راسها على الوسادة قائلة بشفاه
مقلوبة…….
“وحتى لو صح….انا مش فاضية للهبل ده…..انا جاية
اشتغل أشتغل وحقق اللي نفسي فيه….بس…..ونامي
بقا وبطلي رغي……..”
اومات كيان براسها باستياء منها… واطفأت
النور….
وبعض لحظات من الصمت في الظلام نادت شهد
تلك المرة…. “كيان…….”
همهمت كيان بخبث…… فسالتها شهد بحيرة….
“هو انا بجد لئيمة……”
ابتسمت كيان وادعت التهكم…..
“نامي وطلعيه من دماغك…..مش قولتي انك مش فاضية للهبل ده…….”
اكدت شهد بثبات على المبدأ….
“آآه مش فاضية……”
قالت كيان بضحكة ذات مغزى….
“طيب تصبحي على خير يالئيمة……”
“بس يارخمة……..”لكزتها شهد بضيق ثم اغمضت عينيها وعلى محياها ابتسامة خاصة…..
……………………………………………………………..
على الجانب الآخر من الغرفة المجاورة…تفحصت قمر بعينيها الغرفة التي ستقيم بها الأيام المقبلة كانت
غرفة لطيفة بحيطان وردية اللون بها سرير صغير
وتسريحة وخزانة ملابس……واريكة بيضاء بالفراء تقبع جانباً وهناك بعض الدمى المتنوعة مرصوصة على الفراش والاريكة الصغيرة….وكانها دخلت غرفة طفلة في السابعة من عمرها…
لكن لم تندهش كثيراً فـ(كيان) رغم طريقتها الجافة معاها إلا انها أمرأه تشع طفولة وبراءة….نوعاً يعشقه الرجال وأصبح نادراً هذه الأيام………
بعد ان بدلت ثيابها باخرى مريحة استلقت
قمر على الفراش وعلقت عينيها على السقف وهي
لا تعرف…… مالذي ينتظرها الايام المقبلة….
لم تشعر بالالفة بينهما حتى خالها كان بارد… مصتنع
المشاعر عندما قامت بتهديدة… ولولا هذا لكان طردها برا باب منزله فوراً…….
الوحيدة التي تشعر بدفئها ومحبتها شهد…. رائعة شخصيتها هادئة لينة التعامل عكسهم…. لها عينين
جميلتين تشعان رحمةٍ بالغير….. عكس اخيها هذا
العدائي والمتحامل عليها بزيادة لمجرد انها
تطالب بحقها في ورث أمها……
عينيه العسلية حادة لكن بريقها الاجرامي ياخذ
العقل عند النظرة الأولى !!…..شعره الأسود الناعم بخصلاته المتناثرة قليلاً على جبهته……ملامحه الرجولية الصلبة……قامة طولة….جسده الصلب وصدره العريض ، ذراعه القويتين…..هدوءه رغم اشتعال عيناه…..وحديثة المحمل بالف معنى….
شخصاً له جوانب كثيرة عندما يبصرها المرء
يقف مشدوهاً عقلاً وقلباً……
اغمضت عينيها وهي تحاول طرده من عقلها….
وتتنظر الغد باحداثه القادمة……
في الصباح….
فتحت عينيها وهي تسمع صوت الأذان ييقظها
من غفوتها ظنت انه الفجر…فمسكت هاتفها ورات الساعة تشير للثانية عشر…….فانتفضت جالسة في مكانها وهي تنظر حولها والى المكان الغريب الذي تبيت فيه….
غرفة وردية واريكة بيضاء بالفراء…هل تبيت في
شقة باربي !!….
حكت في رأسها وهي تسترجع أحداث الأمس رويدا
رويدا……..حتى نهضت بعد لحظات…….وهي ترجع شعرها الغجري للخلف…..متجهة الى الخارج وهي تنظر حولها بتراقب……..
لتجد المكان خالي منهم…..بل وهادئ أيضاً……حانت منها نظرة على سفرة الطعام لتجد ورقة بخط يد انثوي مكتوب بها…..
(قمر…… معلش انا محبتش اصحيكي بدري اقولك ان
احنا ريحين الشغل….قولت اسيبك تنامي وترتاحي
احنا كلنا روحنا شغلنا بدري…حتى خالك نزل بدري
وانا عملتلك فطار قبل ما نزل وجهزته في المطبخ عندك….انا ان شآء هرجع بعد العشا….. وكيان
هترجع الساعة أربعة العصر…….شهد……)
ابتسمت قمر بحزن…. وهي تطوي الورقة… ثم بدأت تفتش عن دورة المياة……. حتى تغتسل وتنزل هي
أيضاً………
……………………………………………………………..
دلف عاصم من باب المطعم فوجدها منهكة في العمل
هي وبعض الفتيات المراهقات التي يواظبوا على العمل معها…… للمساعدة وتقديم الطلبات…..
عندما ابصرته لانت شفتيها في إبتسامة جميلة تخصه واحده….. فابتسم لعينيها وسلاما الى
عينيها الذائبة في الشهد الحلو كاسمها عند
النطق…..
وضعت الاطباق على الطاولة ثم اتجهت اليه تقطع المسافة بينهما وهي تحتضن الصنية تلقائياً بخجل كتلميذة تعانق كتابها وهي في أول موعد غرامي !…..
“صباح الخير…….”
انهال من جمالها ولعينيها روى ألف قصيدة شوق قبل ان يخبرها بصوتٍ أجش…….. “صباح الشهد……”
اطرقت براسها محمرة الوجه وهي
تقول…..
“جاي متأخر نص ساعة…. انا قولت انك نسيت
تعدي علينا……..”
خفق قلبه مع الشوق المتبادل بينهما..فقال
بعذوبة……..
“الطريق زحمة…. وبعدين انا انسى كل حاجة إلا معاد الساعة عشرة……أصله مهم عندي اوي…. ”
لم ترد بل ازداد خجلها… فمال براسه قليلاً….
“ولا انتي اي رأيك……ياشــهــد… ”
كفاك عبث رجاءاً…….ثم سألت…..
“في إيه بظبط……”
تبرم عاصم…… “بطلي بقا……”
نظرت اليه بعدم فهم….. “ابطل إيه…..”
قال بصراحة…….. “لؤم واستهبال…….”
اتسعت عينيها وهتفت تلقائيا تحذره….
“عااااصم…….”
جن القلب بين اضلعه فسالها بدهشة ممزوجة بالفرح…….. “إيه…..”
أسبلت جفنيها بتوتر….. “قصدي استاذ عاصم…….”
كشر عن انيابه تلك المرة قائلاً بغيظ….
“استاذ في عينك….انا اسمي عاصم….عاصم وبس..
زي مابقولك ياشهد….تقوليلي ياعاصم……”
كبحت ضحكة خائنة وقالت بثبات…
“مينفعش……”
سارت عيناه على قسمات وجهها بتأني
سائلاً….
“ليه مانتي لسه قايلهالي ……”
قالت بحياء…..
“لا يعني…….. دي طلعت غصب عني…….”
رد بعيون ذائبة في شهدها
الخالص….
“يارب تطلع علطول غصب عنك……..”
نظرت اليه وحاولت الهروب من عيناه وكلماته
لذا اشارت له على أحد الطاولات
قائلة…..
“تعالى قعد……هتفضل واقف كده…….”
“انا جاي متأخر وعندي شغل…..بس ماشاء الله….”
ثم نظر على عدد الزبائن الموجود بالمطعم
وقال…
“الزباين بدات تهل…..مبروك…….”
ابتسمت شهد وقالت بمناغشة…
“بجد فرحان……..دانا قولت انك هتزعل انك
خسرت الرهان…….”
طاطا براسه ضاحكاً….
“لسا فاكره يـاشـهــد ؟!….. انا كمان فاكر الهدية….”
سالته باستفسار…… “هدية إيه……”
ذكرها محاولا اعتناق الصبر عند النظر
لعينيها……
“أول مرة شوفتك فيها هنا…قولتلك لو مشروعك
نجح ليكي عندي هدية حلوة……”
اومات براسها متذكرة وهي تجيبه….
“بس هو لسه منجحش…….دي البداية……”
رد ببساطه وهو ينظر في اتجاه
آخر…..
“يبقا استنى شوية….اهو أكون عملتهالك……”
ابتسمت باندهاش….. “عملتهالي….مش فاهمة…..”
رد بإختصار……. “بكرة تفهمي…..”
“صحيح…….كويس انك فكرتني……”اخرجت شهد من جيب المريول الذي ترتديه مبلغ من المال…….
فسالها عاصم عاقد الحاجبين…… “اي ده……”
وضعته على الرخامة والوقفين بينها……
“ده الإيجار…..احنا داخلنا في الشهر الجديد….ودا
إيجار الشهر اللي فات…..”
أزاح المال ليكن امامها مجدداً…..
“شيلي الفلوس ياشهد……”
سالت متعجبة…
“ليه…..دا حقك……لازم تاخدها…..”
رفض بتزمت شديد….. “مش وقته………مرة تانية……”
رفضت شهد تخبره بتلقائية….
“لا ونبي لحسان يدخل في اي حاجة ويتصرف…”
رد عاصم ببساطه.. “طب ما تصرفيها اي المشكلة……”
اتسعت عيناها ذاهلة….
“انت بتقول إيه……دا حقك…….”
رد عاصم بعدم إهتمام…..
“انا مستغني عنه الشهر ده…….”
سالته باستفهام……
“طب ليه…مانا معايا الحمدلله والأمور ماشيه
تمام…..”
اخبرها عاصم بهدوء…..
“خلي بس معاكي…..مش وقته……”
اومات برأسها ووضعته مجدداً في جيبها…فقال
عاصم……
“على فكرة انا كلمت الحاجه عنك…وهي مستنياكي آخر الاسبوع ده….عشان تتفقوا سوا على الاصناف
اللي هتتعمل يوم السنوية……”
عضت شهد على باطن شفتيها قائلة
بتردد……
“ليه عملت كده….يعني انا لحد دلوقتي مكلمتش
حد ولا اتفقت مع حد…….”
نظر لها وقال…..
“لسه في وقت تكلمي وتتفقي……”
اتت خلود بصنية فطار صغيره ووضعتها على الرخامة امامهم…..ثم شكرتها شهد قبل ان
ترحل…..
“تسلم ايدك ياخلود…. تحب تفطر معايا…..”
نظرت لعاصم…..فقال ممتنعاً……..
“فطرت من بدري……انتي ليه طالعة من غير
فطار…. ”
هذا الاهتمام وتلك النظرة…..تذكرها باستمرار
انها تغرق معه في أعمق مكان داخلها حيثُ ان
طوق النجاة منه يعد انتحاراً !!……..فاجابته
بفتور…….
“انا مبحبش أفطر أصلا…..بس مضطرة عشان
أقدر أشتغل وقف على رجلي……..”
اوما برأسه فبدأت هي تضع أول لقمة في فمها
امام عيناه الثاقبة والتي تسجل أقل حركة
تصدر منها……بلعت القمة بصعوبة وهي
تساله بتردد….. “بتبصلي كدا ليه…….”
نظر لها عاصم طويلاً…. ثم لم يلبث الى ان قال
بعذوبة…….
“إمبار نسيت اقولك ان عنيكي حلوة أوي……”
صوته جعل قلبها يخلتج بين اضلعها فتركت
القمة من بين أصابعها… وهي تئن بعذاب
حقيقي منه….
“وبعدين معاك…….”
اقترح عاصم بهدوء….
“ينفع نتقابل في نفس المكان مرة تانيه……”
واجهت عيناه الصقريتين بتساؤل….
“ليه…….. في حاجة نسيت تقولها عن الشغل….”
رد مؤكداً……. “في حاجات……”
لم ترد بل ظلت تنظر اليه بتردد…..فقال
هو حاسماً….
“هستناكي اخر النهار ياشـهـد…..”
تلجلجت قليلاً…. “مش هينغع ياعاصم……”
سلب قلبها برجاءٍ حاني…..
“حاولي ياشهد……. حاولي نص ساعة بس
مش هأخرك…..”
اومات برأسها كالمنومة مغناطيسياً….. ثم شعرت ان
نظرة الاحتواء في عيناه تعانقها دون ان تلمسها…
لتجده بعدها يغادر وتغادر خفقات قلبها معه….
…………………………………………………………..
وقفت على الرصيف في نفس المكان الذي صادفها
به أمس………بثوبها الربيعي الأنيق وحقيبتها
الصغيرة…..وشعرها التي جمعته خلف ظهرها
تاركه خصلاتها القصيرة كالعادة تغطي جبهتها…
ظهرت سيارته سريعاً في الوقت المتفق عليه
واوقفها قائلاً بهمساً لا يسمعه سواهم….
“على البحر ياسطا……”
فلتت ضحكة حلوة من بين شفتيها….ثم اقتربت
من السيارة وصعدت جواره قائلة…..
“آه على البحر…….”
سحب أكبر قدر من عطرها الطيب وهو يؤما برأسه
منطلق بسيارة بسعادة لا توصف…شاعراً بانه لا
يسير على الأرض بل يطير….يطير معها…..مع
(سيدة الحُسن…)
لم يتحدثا الاثنين عن شيء طوال الطريق…ظل
الصمت قائم بينهما والمشاعر تهفو حولهما….
كيف فعلتها تسنكر جرأتها….ومجارتهُ….ماذا لو علم
حمزة او والدها كيف سيكون وضعها وهي تقف أمامهم كالمذنبة……
أصبحت في عمر السابعة والعشرون ولم تتلقى
دعوة شاب……لم تحب….او تهتم……او تنبهر
بأحد……..رغم انها كانت جذابة وجميلة كما
يمدحها كل من رآها…….
فكانت لا تهتم تهرب من كل شيءٍ يضعف عزمها…..ويجرح كبرياؤها…….الحب….سلاح ذو حدين…ام الموت منه او النجاة به……..وهي لا
تحب المجازفة في قصص عاطفية بائسة ؟!…
حانت منها نظرة على عاصم الصامت والذي يعطي كامل تركيزة للطريق أمامه……
وسيم لا تنكر…….يشع هيبة ورجولة طاغية…..ونظر لعيناه يضعف الفؤاد ويخلق فوضى غير قابلة للاصلاح……..فماذا عن الإهتمام الزائد وكلامه المعسول المبطن ، ونظرة عيناه التي تحتويها
بدفء لم تستشعره إلا معه……..
تغرق…… والله تغرق في بحر عاصم الصاوي…..
والمشاعر تزداد تعلقاً يوماً بعد يوم !!…
“وصلنا ياشهد……”
فاقت من شرودها على صوته الخشن….
فنظرت اليه للحظات ثم للخارج و ترجلت من السيارة بعدها…لتقف أمامها….. ففعل هو المثل
..ونظرا معاً للجو البديع المعطر بالبحر المالح……
سالته شهد بعد لحظات…. “ليه جبتني هنا……”
رد بصراحة…. “حابب اتعرف عليكي أكتر……”
“ليه…..”
قال تلك المرة بمرواغة….
“يعني قدريها…..عشان الشغل اللي بينا…والمطعم اللي مأجراه مني…….أهو اعرف مين هي شهد
عثمان الدسوقي…..اللي بعتت اخوها يأجر مني المطعم بأسمه…. مع انها هي اللي هتشتغل فيه… ”
ضحكت شهد….. “قلبك اسود أوي……”
اخرج عاصم تنهيدة حانقة…..
“أول واحده تضحك عليا….وتشتغلني هي واخوها…”
برمت شفتيها ببراءة جميلة…أحبها بشدة….
“كنا مضطرين…. وبعدين مانت كشفتنا من أول يوم…..ملحقناش نشتغل حتى….. ”
“مانتوا مش مأجرين من اي حد برضو……”رد
بزهوٍ اضحكها فقالت……
“ياسلام على التواضع…….تمام…..عايز تعرف
انا مين صح……”
اتى صوته بلهفة رغم ملامحه
الهادئة…. “ياريت…..”
سحبت شهد نفساً طويلاً ثم اخرجت إياه على مهل
معرفة عن نفسها دون النظر لعيناه……وكانها تبتلع
مرارة الأحلام المعلقة في السماء كالنجوم البعيدة…وكانها تخفي خيبتها من شقاء وتعب
ومعافرة مع السنوات ولم تجني من الأحلام إلا
مطعم إيجار في شارع الصاوي مهددة بتركة في
اي لحظة !…..وكان الأحلام تخسف بنا وتستهزء بسعينا ؟!…….
“شهد عثمان الدسوقي سبعة وعشرين سنة….خريجة سياحة وفنادق…..بقالي فترة طويلة بشتغل على نفسي في مجال الطبخ …خدت دورات تعليميه كتير واشتغلت في فنادق 5استار…..وكسبت خبره كويسة فبدأت أعمل اوردرات من البيت عن طريق الانترنت لما بدأ اسمي يتعرف قررت أفتح مطعم…..ويكون أول خطوة لنجاحي…باني يعني يبقا عندي مطعم باسمي في أحسن مكان في اسكندرية……دي كل حكايتي.. او دي احلامي اللي لسه هحققها….. ”
سالها عاصم…. “وأهلك…امك ابوكي…اخواتك…..”
قالت بغصة مختنقة……
“عندي اخ واختك….حمزة أكبر مني وكيان اصغرنا…
امي ماتت من عشر سنين……..وبابا عايش متجوز….ومستقر في حياته……”
سألها عاصم متعجباً….
“يعني إيه مستقر….مش بيشوفكم وتشوفوا…..”
“آآه طبعاً لازم يشوفنا ونشوفوا……”اكدت بسخرية مريرة……
اتى السؤال الأهم بنسبة له…..
“عمرك حبيتي ياشهد…….”
نظرت اليه مستنكرة…. “ودا ليه علاقة بالشغل؟!…..”
“دا ليه علاقة بيا….حبيتي قبل كده او ارتبطي… ”
قالها بصدق وهو يزفر بتعب بينما عيناه تطوف
على ملامحها الجميلة المستنكرة………..
ردت باقتضاب…… “لا……”
نداها بطريقته الخاصة….. “شهد…….”
فقالت بامتناع جاد لأبعد حد…..
“عاصم…. بلاش تسرع…… انا معرفكش كويس ولا انت كمان……سيب الامور تمشي ببساطه…..”
جفل قليلاً وهو ينظر إليها بصدمة……فأسبلت
اهدابها قائلة بعقلانية وبصوتٍ موسيقي…..
“انا عارفة ان الحياة بنسبالك اخد وعطا…. بس في حاجات مينفعش تاخد ولا تدي فيها… غير لما تتأكد
انها تستحق……”
حل الصمت بينهما ولم تنظر اليه….ظنت انه نفر منها
وسيتركها الآن ويذهب بعد ردها الفظ….فمن الغبية
التي ترفض رجلا مثله……
لم تتوقع انه أحب ردها…..أحب انها عكس من قابلهم
لم تمسك بالفرصة الجيدة…..والميزات الحسنة به…
بل تمسكت بشخصه……بالشخص التي ستعاشره
وستبني حياتها معه…لم تفكر بما يمتلك… وبمن
يكون……لم تكن مثلهن لذلك سلبت عقله من النظرة
الأولى واليوم تسلب قلبه بردها دون ان تدرك…..
تمتم عاصم بعذاب…… “انتي طلعتي ليا منين……..”
أرتاح قلبها فنظرت اليه متبسمة بمرح….
“انت اللي جيت بنفسك……. محدش نداك….”
قال عاصم ببساطه…… “منير نداني…….”
اندهشت سائلة….. “منير ؟!……”
ذكرها بعينين صقريتين…..
“الأغنية اللي كنتي بتسمعيها ساعة مادخلت
المطعم أول مرة…….”
ضحكت شاهقة وهزت راسها ذاهلة…..
“انت غريب أوي…. انا علطول أسمع ان الرجالة
مش بتحب التفاصيل ولا بتهتم بيها……”
اوما براسه مؤكداً باجابة سلاسة….
“صح…. بس لما التفاصيل دي تكون عن حاجة شدانا……. لازم نهتم…….”
عقدت ساعديها امام صدرها ورفعت رأسها إليه
سائلة بترفع….. “وانا شداك…….”
أكد بتكبر لا يقل عنه….
“وجودك معايا هنا بياكد ده…….”
شعرت بالخجل فقد انتصر عليها بجملة واحدة…لتجده يسألها…….. “وانتي……”
نظرت اليه مدعية عدم الفهم……. “وانا ايه…..”
قال ببساطه وعيون لا ترحم…..
“انتي كمان وجودك هنا بياكد انك مشدودة ليا…”
ازداد انعقاد ساعديها وهي تهز كتفيها
بنفي…
“مش حقيقي…. انا جيت هنا عشان افتكرت انك هتكلم في الشغل…..”
نداها بتململ……متذوق الاسم كما يحب….. “شــهــد……”
زفرة بنفاذ صبر مهتجة…..
“ممكن تبطل تناديني بطريقة دي……”
جفل سائلاً…… “اي طريقة…..”
قالت بتبرم ممتنعه عن النظر إليه….
“انت عارفها……”
حك في ذقنة مفكراً….. “مش واخد بالي……”
نظرت اليه قائلة بحنق شديد……
“بتنادي بطريقة وكانك أول مرة تنطق إسمي.. وكانك
مستغربة معداش عليك ولا تعرفه…..”
رد عاصم ببراءة استفزتها…..
“دي حقيقة…. انا عمري ماقبلت واحده أسمها شهد……”
قالت مستنكرة بوجهاً عابس…..
“طب مانا عمري ماقبلت واحد اسمه عاصم وبناديك عادي……مش بطريقتك…..”
لانت شفتاه مصرحاً…..
“بالعكس انتي بتنادي بنفس الطريقة بس مش بتاخدي بالك……”
“لا طبعاً……انت اللي غريب… ”
تلك المرة نظر لها منزعجاً….
“بلاش الكلمة دي عشان بتحسسني اني جاي
من كوكب تاني…….”
“فريسكاااااااااااا… ”
نظر عاصم الى البائع المتجول بصندوق الحلوى
على كتفه…….فعاد لعينيها مقترحاً بحنان
أبوي……..
“اجبلك فريسكااا……”
عندما اومات برأسها بالموافقة اتجه الى الرجل سريعاً وجلب لها نوع من كل صنف يحمله في
الصندوق……
ثم اتى إليها….فقالت ذاهلة….
“كل ده مين هياكله……”
“مين غيرك…….”
“بس دا كتير…..خلينا ناكلوا سوا…….”
تشاركا معاً بصمت وسط المنظر الرائع والنسيم المنكه بالبحر المالح…….
قالت شهد متلذذة…… “حلوة أوي…….”
ثم نظرت اليه قائلة بتذكر….
“صحيح….. انت نسيت تديني العنوان عشان
أقبل جدتك……”
رد عاصم بهدوء…..
“انا هوصلك بنفسي…أليوم اللي هتروحي فيه…”
رفضت بشدة……
“لا طبعاً…. ملهاش لازمة اديني العنوان… وانا
هروح لوحدي……”
اقترح بقلة صبر….
“طب مانا معايا عربية هوصلك……”
رفضت بتزمت شديد….. “لا بقولك……”
احتدت عيناه غاضباً….
“هو اي عِند وخلاص…….”
لم ترد بل امتقع وجهها بعدم رضا… مما جعله أمام
عيناها العابسة ووجهها المكفهر….. يراضيها….
“خلاص بلاش تقلبي وشك…. زي ماتحبي…..بس
قبل ماتيجي قوليلي قبلها…. ”
سالته بحاجب معقود….. “ليه يعني….”
“عشان استناكي…….”
رده جعل قلبها يجن بين اضلعها….لذا هربت من
عيناه قائلة……
“احنا اتاخرنا أوي……. ينفع نرجع……”
اتجها معاً الى السيارة……ثم بعد ان احتل عاصم مقعد القيادة سألها ببعضٍ من الضيق والتعجب
كذلك……
” بس مش غريبة شوية إنك مسألتنيش سؤال
واحد مع اني اديتك الفرصة اكتر من مرة….
انتي مش حبا تعرفي حاجة عني ؟! ……”
قالت شهد مختصرة نظرتها للحياة وللعلاقات بالمجمل………
“انا احب أعرف الشخص بعدد الايام والسنين مش من شوية كلام……..لانها بتبقا أوضح واصدق…
من اي كلام هيجامل نفسه بيه…..فهمتني… ”
اصابت الهدف مجدداً فتافف وهو يدير محرك السيارة……. “طلعتي ليا منين ياشهد…..”
إبتسمت وهي تشعر بكل جزءاً داخلها يتجاوب
معه بمحبة……..
“قولتلك انك انت اللي جتلي بنفسك……محدش نداك…. ”
رد بمناكفة…… “وانا قولتلك منير نداني……”
هزت راسها يائسة……
“واضح اننا هنفضل نلف في نفس الديرة المقفولة………”
قال مستاءاً…… “انتي اللي عايزة كده……”
………………………………………………………………
“دي صدفة عجيبة اوي ياخي…. معقول ده…. ”
قالها سلطان وهو منهمك في تقطيع شيء
بالمنشار الحاد…….
هتف حمزة بتهكم والذي يستند على باب الورشة
يمسك سجارة بين اصبعه يدخن بها بشراهة…..
“مش معقول ليه هستنا إيه من واحد… حارم عياله
من ماله ومال امهم ومتبرتع هو فيه… وسيبنا احنا
ننحط في الصخر……”
قال سلطان برفق….
“ادعيلوا بالهداية ياحمزة دا مهم كان أبوك…”
مط حمزة شفته هازئاً….
“ابويا…..عدا وفات…… غير الموضوع….”
“مش لم تقولي الأول هتعملوا إيه مع بنت
عمتكم….” ساله سلطان وهو يمسح يداه
بقماشة مهترية…..
رد حمزة مستهجناً……
“وانا مالي صاحب المال هو اللي هيعمل… يرجعلها حقها…. ينصب عليها… ميخصنيش…..”
اقترب منه سلطان بعدم رضا…….
“إزاي ياجدع دي مهما كان بنت عمتك… يتيمة وملهاش حد… دا انت لسه قايله ده بعضمة
لسانك……”
رد حمزة متململاً نافراً من الامر برمته……
“عايزني اعمل إيه…. احجر عليه مثلاً….هو حر
بشوقه بقا….. يعمل اللي يعلموا معاها… هما قرايب
يتصفوا سوا……”
تمتم سلطان بوجوم…. “غشيم وهتتعبني معاك…..”
القى حمزة السجارة أرضا ودعسها بجذاءه
قائلاً بملل……
“انا جاي قعد معاك شوية… متقفلنيش منك….”
“ماشي ياسيدي ادينا سكت……”
ليقول حمزة بجنون….. “بقولك إيه انا ماشي……”
مسكه سلطان من ذراعه بتعجب….
“اي الجنان ده يابني انت راكبك عفريت……”
لم يرد حمزة بل ظل على حالة غاضباً يائساً…
مما جعل سلطان يناكفة قائلاً……
“جرالك إيه….. هي بنت عمتك حلوة لدرجادي…”
احتدت نظرات حمزة موبخاً…. “وانت مال أهلك…..”
جز سلطان على أسنانه…..ورد عليه
بتحذير……
“احترم نفسك عشان مقلش منك……”
خبط حمزة على صدره متوعداً بشراسة….
“طب أحفظ لسانك……ومتلبخش…..”
هز سلطان راسه مبتسماً بهزل….
“يابني انا اعرفها منين عشان البخ…. انا بسألك
انت….. اصل شكلك مش على بعضك كده وانت بتحكي عنها هي الصنارة غمزت……” اكتفى سلطان بغمزة ماكرة…..
فمط حمزة شفتيه متاففاً بقرف……
“غمزت أوي…..سيبني الله يخليك ياسلطان انا لسه مفركش وقرفان من صنف الحريم كلوا…… سلام….”
“ياجدع استنى اشرب كوبية الشاي حتى……”
لم يرد عليه بل استقلّ سيارته وانطلق بها سريعاً…
فضرب سلطان كف بكف متعجباً من حالة صديقة
والحالة التي تلبسته………
……………………………………………………………..
اثناء طريقة للرجوع وبالقرب من المنزل على طريق البحر……القى سجارته من النافذة جواره….. فانتبه
لمن تقف على الشاطئ تطعم الصغار من علبة حلوى
أوقف السيارة يتأكد من وجودها فهو ميزها بشعرها
الغجري الطويل……وبالفعل عندما مالت قليلاً برأسها
وهي تضحك ظهر وجهها بوضوح……
تافف حمزة وهو يخرج من السيارة ويسبها
بداخله….
على الشاطئ….. لوحت قمر بيدها للصغار ثم عادت جالسة على الرمال بثوبها الطويل الابيض والمطبع
عليه ورود من اللون الارجواني ……وضعت علبة الحلوى على ثوبها وبدأت تاكلها وهي تنظر الى
البحر وبينها وبينه مسافة لا بأس بها……
“هو انتي مش عندك حساسية برضو من الماية الملحة…….” قالها حمزة وهو يجلس جوارها…
نظرت قمر اليه بدهشة ثم تلاشت دهشتها
بتدريج وقالت بحنق……..
“شايفني بعوم انا قاعده على الشط……”
نظر لها حمزة بوجهاً مكفهر…..
“اي اللي خرجك من البيت أصلا….”
بررت قمر ببساطه…..
“زهقت…… يعني هقعد استناكم كله ده…..”
صاح عليها بغضب مكتوم…..
“ما تتنيلي تستني…… تطلعي ليه انتي أصلا…..”
احتدت قمر امام هذا التسلط الذكوري….
“ماتلم لسانك شوية انا بعرف أرد على فكرة….”
أردف حمزة هازئاً……
“ومردتيش عليهم ليه وهما سحلينك على
الأرض…..”
قالت شهد بحمائية…..
“مين دول اللي سحلني انا محدش يقدر يسحلني……وبعدين انت كل شوية هتفكرني…”
اوما حمزة باستفزاز……
“لازم افكرك عشان تعرفي اللي ليكي ولي عليكي…”
تشدقت بقرف……. “يعني إيه…..”
نظر لها شزراً……
“يعني تحترمي نفسك وتردي عدل ….”
احترق فتيل صبرها فحاولت تعنيفُ ….
“انا محترمة غصب عنك الـ……”
اوقفها بملل…… “ما خلاص انتي بلعه راديو……”
ثم نظر خلفها على الصغار الذين يلعبوا بالكرة
على الشاطئ…….
“كنتي لمه العيال دي حوليكي ليه…. بتفرقي حلاوة……”
ضحكة باستخفاف مشيرة للعلبة على
حجرها….
“هاهاها……. لا بديهم لقمة القاضي……”
“طب مفيش واحده للقاضي…..”ابتسم حمزة وقد راقهُ المنكفة معها…..
هزت راسها بعناد…… “لا مفيش……”
مط شفتيه بقرف…… “هتطفحيه لوحدك……”
اومات ببرود…… “آآه عندك مانع…….”
رفع حمزة حاجبٍ متعجباً…وتحدث بغيظ
مكتوم وهو يجز على أسنانه……
“انتي باردة كدا ليه يابت…. انتي قمر انتي… دانتي المفروض تتسمي سراب…. هلاك….. ضلمة… اي
يابت الرخامة دي…….”
“والله مافي حد رخم غيرك…..”.قالتها ببرود وهي تضع في فمها واحده من الزلابية بتحدي…..
ضرب حمزة على ركبته نادماً……
“والله انا غلطان….غلطان يارتني….. يارتني ماوصلتك… وسبتك على الطريق تغني ظلموه……”
مطت شفتاه بقرف….
“حاجة متوقعه من واحد زيك……”
نظر لها بزهوٍ قائلاً……
“مالوا اللي زي….. انتي تعرفي تقابلي زي تاني.. فوقي
ياضلمة انتي…. حمزة واحد بس…….”
هتفت شاكرة….. “دا الحمدلله انه واحد بس…….”
“هاتي واحده….. بقولك هاتي واحده……”حاول
حمزة اخذ العلبة بمناكفة….
فضربت قمر يده قائلة…
“قولتلك هاكلها لوحدي……..”
أثناء المشادة بينهما وقعت العلبة على الرمال
جوارها وتغطت قطع الزلابية بالرمال……..
“كده…… عاجبك كده……” نظرت قمر الزلابية
بحسرة….
قال حمزة متبرماً…..
“خلاص كُليها مش عايز……”
ترقرقت الدموع في عيناها….
“نعم…. بعد مانزلت عفي الرملة…….”
نظر حمزة لها فوجدها عابسة الوجه…وعلى وشك البكاء بعد ان عكر صفوها……فقال بمشاكسة…
“خلاص بقا انتي هتعيطي…….”
لم ترد عليه بل كتفت ذراعيها وظلت على صمتها
الحزين…..مما جعل حمزة ينهض من مكانه مشيرا
لها برحيل……
“طب قومي معايا…….”
نظرت له بضيق…… “على فين ان شاء الله…….”
قال بعبث…… “هصلح غلطتي……”
برقة عيناها بحدة……. “نعم……..”
ابتسم وهو يخبرها بغمزة شقية…..
“هو اي اللي نعم….. قومي هاكلك أحلى لقمة قاضي
فيكي ياسكندرية…. دا حتى القاضي ذات نفسه
ملكلهاش…….”
هزت راسها وهي تنظر للشاطئ باقتضاب…..
“مش عايزة……شكراً… ”
زفر حمزة بقلة صبر…..
“قومي ياسراب… متقطعيش بعيشك……”
القت عليه نظرة عدائية……فضحك لعينيها
ودللها بصعوبة……
“بهزر…….. قومي ياقمراية….. حلو كده…..”
نهضت معه على مضض قائلة ببرود….
“ايوا كده كويس…….”
اشار لها فسارت أمامه….فغمغم حمزة
بملل…..
“تموتوا في النفاق………”
بعد لحظات كانت تجلس في السيارة في انتظاره…. امام أحد المطاعم الشهيرة التي تعد افضل الحلويات الشرقيه… والذي كان مزدحم بشدة وقد اختفى
حمزة داخل الزحام…..
من كثرة الملل حاولت فتح المذياع ولكنها بالخطأ
اتكات على زر فتح درج معين بداخل الدرج رأت
صورة فضولها قادها لرؤيتها….
وكانت الصورة عبارة عن عروس جميلة ترتدي ثوب خطوبة تعانق ذراع حمزة بيدها وهي تبتسم للكاميرا بينما هو ينظر إليها بهيام وقصائد من العشق تروى من عيناه………
اعتقدت بانها خطيبته…….لذلك وضعت الصورة مكانها واغلقت الدرج….. وهي تنظر من النافذة
لتجد حمزة يخرج من الزحام…. بشعر مشعث
وقميص مجعد … وكانها خرج من معركة للتو…
نظر لعينيها بقوة فاجفلت…… الم تقل ان بريق عيناه
أخذ…….والأخذ يسلب كل شيء في طريقة !!…..
استقل مقعد القيادة واعطاها العلبة قائلاً…..
“عاجبك كده…… اديني اتبهدلت عشان خاطرك…..”
ضحكت قمر وهي تفتح العلبة.. ثم أخذت
واحدة من الزلابية لتهمهم باعجاب….
“ممم……. الله دي حلوة أوي…….تاخد… ”
رفض حمزة وهو ينطلق
بسيارة…..
“لا بتلزق ايدي مش عايز…….”
حركت حدقتاها بملل….ثم مسكت واحدة
من الزلابية…….
“ياربي على الدلع….. افتح بؤك ياخفيف…..”
فتح فمه بخبث…….. “فتحنا……”
وضعته قطعة في فمه سريعاً…فمضغها حمزة
وهو يكشر عن أنيابه عابساً……..
“انتي اتهبلتي بتاكليني في بؤي…….”
لوت قمر فمها باستهانه…. “كُل وانت ساكت……”
نظر لها حمزة بقوة قائلاً بسطوة…..
“لا فوقي ياقمراية…. انا اكل واسكت بمزاجي مش بمزاجك انتي….. وبعدين انا مش عايز كُلي انتي
ونقطينا بسُكاتك……”
مضغت الزلابية باستمتاع وقالت…
“قطعت بعيشك……”
…………………………………………………………….
وصلت شهد للبيت مبكراً…..وعندما فتحت لها كيان
الباب قالت سريعاً….
“قمر مش موجودة…….”
انصدمت شهد وهي تدلف للشقة….
“بجد….. مشيت…..”
اجابتها كيان بشك….
“معتقدش……شنطتها موجودة جوا…….”
سالتها شهد بتعجب….
“طب هتكون راحت فين يعني…….”
هزت كيان كتفيها بحيرة….. “معرفش……”
في تلك اللحظات فتح الباب بالمفتاح…ودلف
حمزة وقمر خلفه….فتمتمت شهد بذهول….
“حمزة…..قمر……. كنتوا فين……”
رد حمزة وهو يضع المفاتيح جانباً…..
“شوفتها صدفة وهي قاعده على البحر فروحنا سوا…….”
قالت كيان بغيرة…… “واي اللي في ايدها ده بقا…..”
ردت قمر عليها بخجل….. “دي لقمة القاضي……”
ادعت كيان الصدمة وهي تسالها
بلؤم….
“بجد لقمة القاضي……ومين اللي جابهالك بقا……”
ردت قمر ببساطه….. “حمزة……”
مما جعل كيان تحتد تدريجياً وهي تنظر الى
اخيها والغيرة تحرق صدرها……..
“ياحنين……بقالي اربعة وعشرين سنة معاك عمرك
جبتلي لقمة القاضي……..ماشاءالله عليكي ياقمر
سرك باتع من أول يوم كده……”
تافف حمزة بتهكم……
“كيان بلاش هلفطه بالكلام انا داخل اغير هدومي……”ثم اتجه الى غرفته واغلق الباب خلفه…….
دبت كيان بقدميها بدلال…..
“مش قبل ماتجبلي زيها ياحمزة….اشمعنا هي….”
ضحكت شهد وهي تقترح بلطف…..
“ياكيان اهدي… لو نفسك فيها اوي كده هعملهالك
واحسن من برا كمان……”
دوى صوت الزغايد من خلف باب الشقة… فسالت
قمر بفتور….. “اي صوت الزغاريط دي……”
ردت شهد بابتسامة مغتصبة…..
“دي نجلاء جارتنا خطوبتها قربت…….فعشان
كده بيهيسوا………عقبالك… ”
بادلتها قمر الابتسامة ولم تعقب….فبادرة كيان
تقول بلؤم……..
“نجلاء دي كانت خطيبة حمزة….بس سابوا بعض…
بس كانوا بيحبوا بعض اوي أوي على فكرة…..”
سالتها قمر بهدوء…
“بجد…….طب وليه سابوا بعض…
اجابت شهد وهي ترمق اختها
بتوبيخ………
“يعني محصلش بينهم نصيب……”
ثرثرة كيان كالعادة دون داعي…..
“بتبصيلي ليه ياشهد… ماتقوللها عادي مش بنت عمتنا…… هو سبها عشان مش معاه يجيب شقة…..وهي وامها مستعجلين….. ”
علقت قمر متعجبة…..
“ازاي….دا خالي يملك عمارتين…..معقول ده.. ”
اومات كيان بسخرية….
“معقول……يعني بكره تعرفي انه معقول….”
نظرت شهد لاختها نظرة قوية اخرستها….
ثم قالت لقمر….. “هدخل اجهز الغدى…..”
قالت قمر بحرج……
“انا ممكن اساعدك….لو عايزة….”
اشارت لها شهد بابتسامة مرحة بان
تتقدم………
“طبعا عايزة ……تعالي ساعديني لحسان انا هلكت في شغل المطعم……..”
بدأوا يحضروا الطعام وهم يتحدثا في أشياء كثيرة
تخص حياتهم السابقة كنوع من التعريف عن الذات….وقد انضمت اليهم كيان رغم امتعاضها
من قمر…..إلا ان فضولها يقودها لتعرف كل شيء
عن ابنة العمة المجهولة…..والتي جعلت اخيها
من اليوم الأول يشتري لها الحلوى وينساها
هي !…….
في الغرفة ……
كان يقف حمزة امام النافذة يدخن السجارة بشراهة وصوت الزغاريد من الأسفل كان يصم اذنيه ويذبح
قلبه…..كان يجعل جسده ينتفض بغضب هائل…
بكرهٍ سائد….
يشمئز من كل لحظة خاصتها وحدها….من كل
حلم كان لأجلها……من كل لهفة كانت لها
وحدها…..من كل خفقة قلب كانت بقربها……..
من كل لمسة يد كانت تشتهي جسدها……جسد
باع وقلب خان لأجل الفرصة الافضل……
فسلاماً على من باع الهوى ، فالهوى منهُ اكتفى….وسلاماً على من فر من الحب….فالحب
منهُ استنكرا…..وسلاماً على من استعبد قلوبنا
ثم هجرها….فـالـهجر منهُ تحرُراً………وسلاما
سلاما دون رجعة يامؤذُونَ بإسم الحب…
………………………………………………………………
بدأت تستدير يميناً ويساراً امام المرآة تتفحص عبائتها…. ثم رفعت الوشاح أعلى رأسها لتغطي
شعرها وتبدأ بلفها كما تفضل….
“جنة اي رأيك……”
قالت جنة بمحبة وهي تقف جوارها…..
“قمر ياديدا……خديني جمبك الف الطرحة……”
دخلت أميرة الغرفة عليهم…..”خلصتوا يابنات…..”
اومات داليدا برأسها وهي تستدير لها…..
“ايوا يلا بينا………….”
فقالت أميرة وهي تخرج من الغرفة…..
“اسبقوني انتوا طيب لحد…..ماجيب شنطتي….”
تأبّطت داليدا ذراع جنة وخرجا للشارع وهم في
غاية السعادة…….فلفح الهواء وجه داليدا
فابتسمت بجذل………وهي تنظر للسماء……
“تعرفي ياجنة انا بقالي قد ايه مشفتش الشارع…..
تقريباً من ساعة ماتجوزت….. ”
قالت جنة بشفاة مقلوبة…….
“انا كل يوم في الشارع محاضرات من تمانية الصبح
مش حاجة عدله يعني……الحمدلله امي حنت عليا
ووفقت على طلعت المول ده……روحتي قبل كده…”
هزت داليدا راسها بنفي…. “أول مرة…..”
همست جنة بخبث…..
“انا روحتوا مع صحابي…….من ورا أمي…. ”
مطت داليدا شفتيها…….. “ونعم التربية……”
لكزتها جنة ضاحكة…… “خليها في سرك…….”
“في بير ياختي…..”
ثم حانت من جنة نظرة على ورشة سلطان
فوجدته يقف مع امرأة امام باب الورشة…….
“هي مين اللي وقفة مع خالو سلطان دي…..”
“دي ام دنيا……”قالتها داليدا باقتضاب وهي تنظر للمرأة بنظرة مقيمة…….كانت امرأة في منتصف
الثلاثينات من عمرها…….مكتنزة الجسد قليلاً
طويلة القامة عنها……ترتدي عباءة سوداء ووشاح
ملقي على شعرها الأسود الطويل باهمال…..فيظهر
نصف شعرها منه…….تلون وجهها بمساحيق
تجميل مبالغ بها…….لجذب انتباه أحدهم….وهي تعلم من هو…..فمن نظرتها نحو سلطان علمت انها تود الإيقاع به………
فمن تلك التي قادرة على مقاومة رجلا مثله….بهالة الرجولة المحيطة به وجسده الرياضي الضخم…
والوسامة المشعة منه….. مؤكد يحرك مشاعرها….
ويدغدغ الاعماق بقربه…….
فكان سلطان يقف أمامها ببنطال مهتري…..وفنالة حمالات داخليه من اللون الكحلي…..تبرز ذراعيه
القويتين السمراء وصدره العريض بشعيراته السوداء……
بلعت داليدا ريقها بخجل…وكانها لا تنظر لزوجها
بل تنظر لرجل غريب لأول مرة تراه……حسناً انها
لم تتأمله يوماً بهذا الشكل…حتى عندما كانت
تزوره بالورشة كأبنة عمه الصغيرة المدللة…..
سمعت جنة تهتف بتجهم……
“ومالها عماله تدلع عليه كدا ليه…….انتي
هتسكتي…. ”
نظرت الى جنة بدهشة…… “هعمل إيه يعني……”
هتفت جنة بغيظ وهي تدفع نظارتها
الطبية على عينيها أكثر……
“تعملي اي دا جوزك….دشملي يادليدا……”
نظرت الاخرى بتعجب….. “يعني إيه…..”
هتفت جنة بحمائية……
“اي يابنتي انتي نرم كدا ليه………دشملي يعني
اكسفيها…. اقصفي الجبهة خليها تحس على دمها
وتغور في داهية…….”
ضيقت داليدا حاجبيها باستعداد بعد ان
اشتعل صدرها فجأه…. “انتي شايفه كده……”
قالت جنة بتوهج…..
“أمال إيه……هو انتي مش غيرانه ولا إيه….دا
جوزك…….دشملي يادليدا……”
قالت داليدا وهي تعطيها حقيبتها لتحملها
بدلاً منها……
“ادشمل….مادشملش ليه….اتفرجي بقا……
وتعلمي مني….. ”
“قشطة……”قالتها جنة بابتسامة شيطانية
نظر سلطان للمرأة قائلاً……
“ان شاء الله هتكون جاهزة في اقرب وقت
ياست أمال….”
بصوت متغنج وبعينين مداعبتين…. قالت…
“متحرمش منك ياسطا سلطان……..انت عارف انا بحب شغلك قد إيه……بس شرط اساسي…انت اللي تركبلي الدولاب بنفسك…..اصلي مضمنش…..حد
من صبيانك بصراحة……..انت عرفني بقلق
بسرعه….
.”
اوما سلطان بتفهم….
“لا متقلقيش انا اللي هاجي بنفسي اركبة….”
ثم نظر خلف أمال ليجد داليدا اتيه عليه
بوجه مكفهر….
“داليدا…. ”
استدارت أمال تنظر الى داليدا بازدراء
مغمغمة بغل……
(بقا العيلة الهبلة دي…..تبقا مراتك انت……سيد الرجاله……. يتجوز حتة عيلة زي دي……اخييه….)
اقتربت داليدا من سلطان ووقفت بينهما فمسك سلطان كفها بحنو……
“مالك وشك مقلوب كده ليه….. انتوا خرجين
دلوقتي……”
“أيوا……” اجابة داليدا وهي تنظر الى أمال
بطرف عينيها ثم قالت باقتضاب…..
“أهلا يام دنيا……..”
مطت امال شفتيها وهي ترمقها
باستهانة……
“أهلاً ياعروسة…….نسيت اقولك الف مبروك…..”
عانقت داليدا ذراع سلطان وكما كانت جوار جحمه
الضخم….. امرأة صغيرة…..كأبنة شقية….او تليمذة مشاغبة……ثم قالت داليدا بوقاحة…..
“انتي لسه فاكرة….. دا احنا قربنا نجيب عيال….”
مالى سلطان عليها هامساً….
“مين دول اللي هيجيبوا عيال؟!……”
جزت على اسنانها قائلة…. “اسكت انت……”
أحمر وجه أمال بالحقد فقالت بابتسامة
صفراء…. “اهيه بجد…..طب الف مبروك…….”
قالت داليدا بخبث……”الله يبارك فيكي……”
ثم نظرت الى سلطان قائلة بدلالٍ….
“سلطان ياحبيبي….انت نزلت الصبح وانا نايمة…
ليه مصحتنيش عشان احضرلك الفطار……”
رفع سلطان حاجباه بدهشة…..
“فطار؟!…… من امتى……”
مررت داليدا اصابعها على ذراعه قائلة
بتدلل…….
“اخص عليك ياسلطان….دا انا كل يوم بعملك
الفطار وباكلك بايدي…….”
اوما سلطان ساخراً……
“لا والله…..بجد….وعلى كده كنت بأكل……”
جزت داليدا على اسنانها بغيظ من عدم مجارته
لها…. “طبعاً ياحبيبي بقولك من أيدي……”
استئذن سلطان من أمال وسحب داليدا
جانباً…..وقفا الإثنين داخل الورشة في
أحد الزوايا…..
“انتي بتهببي إيه ياكدابة……..”
هدرت داليدا بغضب…..
“الولية دي مالها بيك…. بتبصلك كدا ليه…..”
اجابها بقرف….. “ميخصكيش……”
هاجت وهي تهتف بغيرة…..
“ميخصنيش؟!… انا مراتك على فكرة وليه
حق عليك…..”
نظر لشفتيها الشهية بغيظٍ ثم قال
متهجماً…..
“وانا كمان ليا حق عليكي….ولحد دلوقتي مخدتوش…..فبلاش نتكلم عن الحقوق عشان
محدش فينا قد للتاني حاجة…….”
اشتعلت وجنتيها وهي تفهم مغزى حديثة….فغمغمت
بحزن…..”بقا كده ياسلطان…….”
اجاب بعناد……. “ايوا كده ياداليدا……”
لكزته في صدره بحرقة……
“واضح ان عجبك اللي بيحصل….عجباك صح….”
اوما لاغاظتها……. “أوي…….اوي بصراحة….. ”
برقة عينيها بغضب وهتفت….
“اشبع بيها اولعه في بعض……”
حذرها بنفاذ صبر وبملامح تنبأ بشرٍ…….
“أقسم بالله كلمة كمان يادليدا وهحلف عليكي مانتي خارجة وهرجعك الشقة تاني وهقفل عليكي ويبقا حد يدخل بينا……. اي رأيك…….”
“ماشي ياسلطان…..ماشي……”اخرجت انفاسها بعصبية مفرطة…..
فقال بخشونة امراً……
“متتاخريش…..سامعة…..تجيبي اللي عيزاه وترجعي…….”ثم اخرج من جيب بنطالة مبلغ
مالياً وقال برفق……
“خدي دول……”
نظرت للمال ثم قالت ممتنعة…. “معايا فلوس……”
سحب يدها ووضع المبلغ بكفها واغلق عليه بيده
قائلاً…….
“عارف…. بس يمكن الفلوس تقصر معاكي… خليهم زيادة……”
اومات براسها على مضص…..فقال برفق…..
“إشتري اللي نفسك فيه ولو عوزتي حاجة كلميني……وفردي وشك ده……”
مسك ذقنها…. فابعدت يده عنها حانقة….
“ملكش دعوة بيا…..”
نظر خلفها ثم عاد إليها قائلاً….
“طب يام بوز……. يلا عشان اميرة بتشرولك……..”
بدأ يجذب اطراف حجابها قليلاً من الإمام
حتي يغطي برزو نهديها…الذي يظهر من اسفل العباءة بحياء…….ابعدت داليدا يدهُ قائلة
بخجل….
“بتعمل إيه ياسلطان…….. ”
نظر لها بملامح مكفهرة…..قائلاً بنخوة….
“ليه مش مطولة الطرحة عن كده…..”
نظر داليدا للوشاح ثم عادت إليه
باستياء….
“دا آخرها……وبعدين العباية واسعة…. زي
ماطلبت….. ”
سحب مجدداً أطراف الوشاح….فقالت داليدا
هاربة منه…….
“بس بقا أختك وقفه……سلام……”
نظرت اليه نظرة اخيرة ثم ابتعدت….اما هو فظل واقفاً يلاحقها بعيناه حتى اختفت عن مرمى
ابصاره……
عندما وصلت الى اميرة وابنتها……استقبلتها
اميرة حافلة……
“كل ده رغي…. بتحبوا في بعض…. يلا اتأخرنا…….”
قالت داليدا بسخرية مريرة….
“معلش اصل احنا بنموت في بعض…..”
سارا معاً في الشارع جوار بعضهم…..فقالت أميرة
لها بمحبة…….
“ياختي ربنا يخليكم لبعض…….ويزود محبتكم
لبعض كمان وكمان….. ”
اكتفت داليدا بابتسامة عابرة بينما داخلها
غمغمت سراً……. “اكتر من كده هنموت بعض……”
…………………………………………………………..
في المساء…..
في غرفة النوم والتي يبيت فيها سلطان…
وقفت امام مرآة الزينة فهي تفضلها لكبر حجمها
عن المرآة الموجودة بغرفة الأطفال……
لانت شفتيها في إبتسامة تشع زهوٍ وسعادة وهي تجرب احد قمصان النوم الحريرة…والتي اصرت
أميرة ان تشتريهم لها من ضمن المشتريات
الكثيرة التي اقتنتها…….
كان القميص قصير من اللون الأبيض الامع كالقمر في تمامه تضوي معه……يكشف عن الكثير ويخفي مفاتنها
باغراء……..تترك شعرها الكثيف الطويل ينسدل
على ظهرها بنعومة……..
بدأت تمرر يداها على خصرها المنحوت راسمه بعينيها جمال جسدها بهذ القميص القمري……
لم تنتبه قط…للباب الذي فتح والضيف الذي اقتحم
غرفته ينادي عليها بملل……
“داليدا……. الآكل انا جعااان……داليـ…. ”
توقفت باقي الكلمات في حلقه وقد تبدلت ملامحه المتجهمة دوماً الى اخر شديدة التعجب…وكانها
اثارت دهشته…..بهذا القميص……
شعرت انها عارية امام نظراته المشدوهة والمثبتا عليها…..فبلعت ريقها وهي تبحث بعينيها عن شيءٍ
يسترها لكنها لم تجد….مما زاد توترها……
تكلم سلطان أخيراً وعيناه ضائعة في تلك الفتنة المتحركة أمامه…والتي تفتن قديس دون تردد
وآحد……..فماذا عنه هو !!……
“انتي بتعملي إيه هنا…….”
تلعن حظها الأسود وهذا الموقف بأكمله…..
“أنا….انا كنت بغير الهدوم اللي جبتها….مراية التسريحة هنا اكبر واحسن…”
انتظرت رداً منه…انتظرت كثيراً لكنه لم يرد ولم يرحم خجلها ظلت نظراته القوية قائمة بينهما…بل
وتبدلت بومض غريب….لأول مرة تراه في عيناه…
فتلجلجت قليلاً لتقول…وهي تنوي
الفرار منه………
“انا هغير هدومي وهحضرلك الغدى……”
اقتربت خطوتين فتقدم هو أربعة خطى حتى وقف
أمامها ولفح وجهها بانفاسة الساخنة…..
انتفض قلبها بين اضلعها وازدردت ريقها عدت مرات
بتوجساً وهي ترفع عينيها بتردد…….
“لسه زعلانه…….”
فغرت داليدا شفتيها بعدم استيعاب وهي لا تفهم ماذا يقصد……..
فمد سلطان يده يرجع خصلاتها باصابعه وكانه يختلق اي شيءٍ ليلمسها !!…..
“انا كنت بتكلم معاها في الشغل……”
هتفت داليدا بتوجس بينما حدقتاها تسير مع اصابعه المتسللة بين خصلاتها… “طالما شغل خلاص…. ”
ازدادت ملامسته الى وجنتها الطرية وعنقها
الناعم…. “يعني مش زعلانه…….”
قالت بتلعثم محاولة الهرب….
“لا…… انا هروح ا….. احضرلك الغدى……”
همس بحرارة……. “مش جعان…….”
سارت حدقتاها مع اصابعه بخوف……
“بس انت لسه قايل انك جعان……”
“شبعت……”
بلعت ربقها وهي ترى اصابعه تسير على خطوط شفتيها ترسمها كما كان يرسم وجهها وعنقها منذ ثواني……همست داليدا بضعف……
“سلطان……..”
مالى عليها هامساً برجاء حار….حارٍ جداً…متأجج
بجنون……..
“عايز اخدك في حضني….عايز المسك ياداليدا…”
اغمضت عينيها وقد ذأبت… ولم تتوقع ان يذوب جسدها وقلبها مع طلبه….
لتجده يحيط خصرها الغض بكفيه الصلبتين القويتين… ثم قربها أكثر اليه حتى تلامست اجسادهما لتجده يميل عليها ويدفن وجهه
في عنقها يشتمها بقوة ويضمها اليه أكثر من ذي قبل……وكأنه يود مزجها مع اوردته….. وكانه
يريدها ان تلامس قلبه النابض بجنون الان
بقربها…
يراها آخر وردة في أرض قاحلة…..يراها اخر نسمة
هواء تمر في صيفٍ حار……يراها آخر قطرة ماء
تمر على جوف ظمئاً……… يراها الحياة…سقاء
آلروح……….
ضمها اكثر اليه يمرمغ وجهه في جيدها مشتم عطر
الجوري من خلالها…. يبرهن الآن انها امرأة معجونة بالورد !!…..
“سلطان…….”
همست داليدا بضعف وهي تجد يداه تنحدر لمفاتنها تلمسها بتأني وكانها تكتشفها بطريقة اخرى….
“سلطان… ابعد عني…….”
ابعد وجهه عن جيدها بصعوبة… ثم…. ثم نظر اليها
وعيناه تحمل ألق جديد وهو ينظر الى شفتيها
برغبة متأججة داخله منذ ان أصبحت زوجته
وحلالاً له…..
“سلطان…..” قالتها داليدا بخوف وهي ترى عيناه
متعلقه بشفتاها الشهية……
“انا…… انا عايزك يادليدا……”
وقبل ان تترجم ماذا يريد…… وجدت شفتيها تختفي
بداخل فمه…….. لتشعر بدفئ يسيري في جسدها
بينما انفاسه تعانق انفاسها فاغمضت عينيها ولم تقاوم او تعترض… وكانه خدر حواسها وهزم اي مقاومة داخلها…….
حتى ازدادت قبلاته نهم ولمساته جرأة لم تعهدها
منه يوماً……. وهي لم تقاوم لم تعترض فقد كانت في حالة من النشوة المستجدة معه……..
لتجد ظهرها يرتاح على الفراش وهو معها يتذوقها
بنهم……. تسير شفتيه على ملامحها بشغف وكأنه
يرسمها بشفتيه……. بلسانه… باسنانه التي تدغدغ
عنقها بين الحين ولاخرى……فكان يداعبها
بحبٍ….فتذوب معه برضا تام…وكانها ليست
مرتهما الأولى….وكأنهم فعلاها قبل ان يأتي
للحياة……
لا تعرف لكنها شعرت انهم ليسوا اغراب….ليسوا مختلفين ولا حتى يجمعهما خلاف واحد….
كانوا في الفراش متفاهمين يكملون بعضهما…وكانه
الكمال الافضل على الإطلاق………
شعرت انها تضيع اكثر من الازم…. فالقبلات والملمسات ستتحول الى علاقة كاملة….. وهي
غير مستعدة وهو غير واثق مما يحدث بينهما
ربما رغبات تحركهما تدمغ اجسادهم ببعضها
بجنون….. لكن من المستحيل ان تتبدل النقطة السوداء داخلهما لأبيض قمري……..كالقميص
الذي هزم كلاهما وجمعهما في فراش
واحد…..
لا تعرف كيف دفعته وهربت الى غرفتها تغلق بابها
عليها بخوف بينما صدرها يعلو ويهبط بجنون وكانه
في سباق لا نهاية له..
اطرق سلطان على باب الغرفة بجنون وهو يهتف
بصوتٍ متحشرج……
“افتحي ياداليدا…..افتحي نتكلم…….”
قالت داليدا بصعوبة….
“لا مش هفتح ياسلطان……..وابعد عني……”
ضرب سلطان الباب بغضب…..
“داليدا انا جوزك وليا حقوق عليكي……”
سالته بحنق…… “يعني إيه…….”
“يعني انا عايزك…. محتاجك……أفتحي……”قالها بحرارة فشعرت بان الجملة تلامس جسدها الذي ارتجف بتجاوب……..
مما جعلها تدعي الغضب قائلة…..
“لا انا مش آلة للمتعة…….وبعدين انت مش قولت
انك قرفان مني سبني في حالي…….”
ضرب على الباب مجدداً بغضب
متأجج…
“إفتحي ياداليد….عشان مكسرش الباب على دماغك…….”
هتفت داليدا بتوعد……..
“والله لو عملت كده هصوت… وخلي اهلك بقا
يطلعوا على صوتنا….وقولهم انت عايز إيه……”
ضرب سلطان على الباب عدت مرات
بغضب…
“ماشي ياداليدا…..ماشي…….”
عندما شعرت ان تهديدها اتى بنفع وقد ابتعد بالفعل عن الباب…….اغمضت عينيها بتعب وتركت جسدها يهوى أرضاً خلف الباب المغلق……
…………………………………………………………..
كانت ممدة على أحد المقاعد امام مسبح الفيلا الخاص بوالدها…. ترتدي ثوب السباحة وتغطي
ساقيها بالمنشفة…… تقوم بدهن كريم على كتفيها
وذراعيها وهي تسمع احد الأغاني الغربية الصاخبة والتي تسب في الحبيب الخائن…..
هذا الذي لفت انتباه (شادي)ابن خالتها..والذي اتى للتو من الخارج في زيارة سريعة لها…وقد رآها
على هذا الحال ، منزعجة عابسة تسمع موسيقى صاخبة تتضمن كلمات حاقدة غاضبة…..
“مين دي يابيبي اللي خانك معاها……”
انتبهت ايتن اليه من أسفل نظارتها السوداء…
والتي نزعتها بعبث…..
“شادي…. امتى جيت……”
“من شويه مالك ياتوتا…..مش في المود يعني….”
جلس شادي في المقعد المقابل لها….وكان شاب وسيم الى حد ما يتمتع برفاهية المطلقة…والتي تظهر من خلال ملابسة العصرية ، ببنطالة الجينز الساقط عن خصره قليلاً….و الكنزة ذات الازرار المفتوحة مستعرضاً صدره….. وسلسال ذهبي
معلق في عنقه …. وقصة شعر غريبة الاطوار
…وحاجبين تم رسمهما بمهارة كالنساء…..ومع
كل ذلك وشوم مبالغ بها على عنقه وعلى ذراعه برسمات مريبة……
علينا ان نقول انه شخصاً يتمتع بحرية الاغراب
تلك الحرية التي ينفر منها كل شخصاً سوي….
هربت ايتن من عيناه قائلة……
“ا No….عادي…I’m fine……..(انا بخير..) ”
زاد الالحاح وهو ينظر اليها…..
“مش باين…….هو سليم زعلك ولا إيه……”
زفرة بضيق وهي تخبره على مضض….
“حسى انه مشغول بالبنت اللي شغاله معاها في المكتب…….شكا فيهم ياشادي…….”
سالها بحاجب ماكر……. “هي حلوه……”
“ا…No…..” ثم نظرة لشادي قليلاً….ثم قالت
باختناق……..
“ا yes…..حلوة…..وشكلها بتحاول تاخده مني…..”
ابتسم شادي هازئاً……
“ارسي على بر يابيبي بتحاول تاخده منك…ولا في حاجة بينهم…….”
نظرت للسماء وهي تشعر انها تحترق كلما
فكرت بوضعهما……..
“مم I don’t know ياشادي…….دا اللي هيجنني…
بس سليم متغير معايا أوي……..”
لوى شادي شفتيه وبنظرة مزدرية أخبرها…..
“واي الجديد ماهو علطول متغير…..دا راجل معقد
مينفعكيش يايتن…..جوازك منه هيحرمك من كل
متع الدنيا…..وقريب اوي هيبعدك عني وعن صاحبنا
فكري يايتن….سليم ده قفل وبيئة…….وانتي كتير
عليه………”
اومات براسها وهي تتنهد بولة…….
“عارفه بس انا بحبه….شادي بليز… بليز….I want to help…..”
نظر اليها مقطباً بتساؤل….
“مش فاهم اساعدك ازاي……”
مالت ايتن عليه تمسك يده قائلة بدهاء…..
“تحاول تقرب من البنت دي….وتبعدها عن سليم…
بليز ياشادي…….انت شاب وسيم وكول…غني..
والبنات اللي من النوعيه دي بيجروا ورا الشباب
اللي زيك…. ”
ابتسم شادي بدناءة قائلاً بتطوع……
“اوكي يايتن انا موافق اهو اتسلى شوية…. بس اشوف صورتها الأول يمكن متعجبنيش…..”
“استنى….هي عند سليم من الفريند…..”مسكت ايتن هاتفها سريعا تبحث عن صفحة كيان عبر الفيسبوك…….
وعندما وجدتها اعطاته الهاتف قائلة
بسرعة…..”اهي ياشادي هي دي…….”
اخذ شادي منها الهاتف سائلاً…. “إسمها إيه……”
قالت بتململ…….. “كيان…..”
نظر شادي للصورة بأعجاب…..
“واووو….. اسمها مميز……. وشكلها يفتح النفس…”
ابتسمت ايتن بارتياح وهي تومأ براسها
ببساطه…..
“اعمل اللي انت عايزة…. المهم تبعدها عن سليم…”
أبتسم شادي بلؤم وهو يعطيها هاتفها….
“اوكي… اعتبريها معايا.. وحلال عليكي حبيبك
القفل …. وحلال عليا كوكي……..”
اومات ايتن بابتسامة شيطانية وهي تمد
كفها له……… “اتفقنا…….”
فبادلها شادي الابتسامة بمنتهى الثقة والمكر…..
ثم بادلها المصافحة…….بإتفاق موثق بينهما…….
……………………………………………………………..
نظراته تلاحقها بقوة…. تشعرها بأنها عصفورة جميلة من فصيلة نادرة…. ترفرف حولة بخفة بين الحين والاخر فتجذب الأنظار إليها اينما ذهبت……
وضعت ( كيان) فناجين القهوة على سطح المكتب وهي تتجه امام عيناه الثاقبة الى المكتبة الكبيرة لتاخذ أحد الكتب القانونية التي تستعين بها عند الوقوف عن حل قضية معينة يكلفها بها( سليم)…..
فقال أحد الموكلين المشارك سليم الجلسة….
“احضرينا يا استاذة…….”
استدارت له كيان وهي ترتدي نظارة طبية عند القراءة…… فاحياناً الخط في الكتب صغير وغير
واضح……..
رفعت نظارتها فوق شعرها وتقدمت منه بخطوات هادئة وكانت ترتدي طاقم عملي غاية في الأناقة
عليها……. وتعقد شعرها للخلف في كعكة رغم فوضويتها الا انها جذابة جداً عليها……
جلست امام الرجل سائلة… “خير يا وفيق بيه…….”
قال الرجل الذي يشع ثراء……سواء بالحلة الفخمة
او ساعة اليد ذات الماركة الغالية……
“عامل ياستي حفلة على شرف المتر… بمناسبة القضية اللي كسبهالي……. فعامل يماطل… ومش راسي على حل…….” تابع مبتسماً…….
“عايزك تقنعيه…. لانك انتي كمان معزومة معاه…”
فغرت كيان شفتيها ثم قالت ممتنعة….
“انا…. لا مش هينفع خالص…….”
نظر الرجل لها بتعجب…..
“جرالك ايه ياستاذه… دا انا بقول انتي اللي
هتقنعيه… تقومي انتي كمان تقولي لا…..”
تدخل سليم قائلاً بصوتٍ رخيم…..
“سيبنا نفكر ياوفيق بيه…..ويومين بظبط
وهرد عليك….. ”
نهض وفيق واغلق أزرار السترة قائلاً….
“هكون مبسوط لو وفقت….دا مش هيبقا اخر
تعامل بينا……”
بادله سليم السلام قائلاً… “ان شاء الله شرفتنا…….”
ثم نظر لكيان قائلاً…….
“وصلي وفيق بيه ياكيان…….”
اومات كيان بانصياع…فرفض الرجل برفق….
“خليكي مكانك ياستاذة…انا عارف السكه
سلام عليكم……..”
خرج الرجل من المكتب….فجلست كيان في
مكانة تسأل سليم بدهشة…..
“انت فعلاً هتروح الحفلة…ولا بتقول كده
وخلاص….”
عبث في القلم بين أصابعه…..قائلاً بوجوم…..
“فيه حاجة في الشغل اسمها كده وخلاص…هو
احنا بنلعب……..”
توسعت عينيها فازداد بريق فيروزيتاها وهي
تساله…. “ايوا يعني انت هتروح…….”
“اكيد وانتي هتيجي معايا……”هز رأسه بينما
عيناه تلتقط كل تغيرات ملامحها…فسبحان
الخالق وجهها يعبر قبل ان تصرح بما يجول
بداخلها……..
قالت كيان بامتناع……
“مستحيل ياستاذ……محدش في البيت هيوافق…”
بصوتٍ رخيم اخبرها……..
“حولي تقنعيهم…..اهو نغير جوا…….اي رأيك….”
قالت ببراءة متمنية……
“هو انا نفسي أروح حفلة….زي اللي كنت بشوفها
في المسلسلات التركي والكوري…بس……”
توقفت عن الحديث….. فتافف سليم سائلا
بفضول…….
“يادي المسلسلات اللي لحست مخك….بس إيه….”
مطت شفتيها……. “مش هيوفقوا……”
قال بحاجب معقود….. “هو انتي لسه قولتلهم………”
هزت راسها قائلة بثقة…..
“من غير ماقولهم…..انا عارفه حمزة وشهد…مش هيرضوا……”
“وانا قولتلك حولي مش هروح من غيرك…..”قالها
باصرار شديد……..جعلها تخجل عنوة عنها…..
وقالت بتلعثم……
“ليه انت ممكن تروح مع ايتن خطبتك….على
الأقل هي فاهمه في الحاجات دي أحسن مني…..”
تعمق في النظر لفيروزية عينيها وهو يقول
بجدية شديدة…….
“بس هو معزمش ايتن….هو عزمني انا وانتي…
وبعدين الحفلة دي اكيد هيكون فيها شغل وتعاملات
ولازم تكوني موجوده….اهوه تكسبي خبرة…..في التعامل مع الطبقات دي…….”
ثم رجع بظهره لاخر المقعد قائلاً باعجاب…..
“انا متنبأ انك هتكوني محامية شاطرة ياكيان….”
ابتسمت كيان ابتسامة تقطر عسلا….
“بجد يااستاذ…….. دي شهادة اعتز بيها……”
بادلها الإبتسامة قائلاً بحزم…….
“اعملي حسابك هنروح الحفلة سوا…..حاولي
تقنعي اخوكي واختك……”
اسبلت اهدابها بقلب يخفق بشدة…..
“هشوف يارب يرضوا…….”
…………………………………………………………….
ترجلت من سيارة الاجرة في حي سكني راقي……
وامام منزل كبير يحاط بحديقة داخلية…..
وقفت امام الباب فاوقفها البواب المخصص
لحراسة هذا المكان….
“عايزة مين ياست………”
نظرت له شهد بهدوء قائلة….
“الحاجة نصرة… في بينا شغل…. وهي كانت مستنياني النهاردة عـ……”
اوقفها الرجل قائلاً بتذكر….. “انتي الست شهد…….”
اومات براسها بنعم…. ففتح الرجل البوابة الكبيرة مشيراً لها بدخول…..
“اتفضلي ياست شهد….. الحاجة مستنياكي من بدري……”
خطت شهد بقدمها اليمنى عتبة الباب الحديدي… وهي تخفض عينيها لترى أول خطوة من هذا البيت
ارضية مصقولة…… ممتده الى بوابة البيت
الزجاجية بافرع حديدية مزخرفة….
سارت في الحديقة وعيناها تتفحص المكان… كانت ساحةٍ خضراء جميلة تسر العين بها بعض الأشجار
ورقعة أرض بعيدة تحتوي على الأزهار…….
رغم جمال الحديقة إلا ان اصحابها كانوا مهملين بها
فالزرع وخضار العشعب ليس بحالة جيدة…كان
باهتاً لا حياة به……..
ابتسمت بحزن لطالما تمنت في صغرها ان تحظى بحديقة مثل تلك ترعى الزرع وتسقي الورد
وتقص الأشجار…….كانت تحب السلام والهدوء من يومها لكنهما لم يحبوها أبداً فعاشت العكس…حتى
تهشم قلبها قبل ان يحيا كالجميع…..
اصطحبها البواب الى داخل المنزل….. فقالت في سرها……
“ما شاء الله…….”
وكانها بداخل سراية مماليك….. كان المنزل رائع فخم
واسع يلمع من شدة جماله…… عكس الحديقة الباهته
يبدوا ان الاهتمام الأكبر للمنزل الضخم……..
انتبهت بانها في الردهة حيثُ ابواب كثيرة وسلم ممتد امامها بسور خشبي يلمع بشدة….. مؤكد انه يوصل لغرف النوم كما ترى في المسلسلات
العربية الاصيلة……
أسبلت جفنيها ثم عادت الى الرجل الذي اتى
عليها قائلاً….
“انا بلغت الست الكبيرة بوصولك….. وهي جايه
حالاً…..”
ثم تركها تقف مكانها في منتصف الردهة !….
فوقفت مكانها متخشبة……..تحرك حدقتاها يميناً ويساراً…. متأمله سراية المماليك…….
“اهلا وسهلاً….أهلا وسهلاً……”
حركت شهد راسها نحو الصوت المنبعث من
الجهة اليمنى…….لتجد امرأة قاعدة على مقعد
متحرك اكتروني…….ترتدي عباءة بيضاء ووشاح
مماثل…تشع بشاشة ونقاء وايمان تراه من النظرة
الاولى……من يراها هكذا يظن انها عادت من
مناسك الحج للتو لذلك وجهها مشع بالإيمان
والرضا……….
سريعاً فهمت انها (الحاجة نصرة…)جدة عاصم الصاوي…..لذلك تقدمت منها قائلة بحياء….
“أهلا بيكي ياحاجة…..انا شهد……”
نظرت لها نصرة بحنان وقالت باعجاب…..
“بسم الله ماشاء الله….. تبارك الخالق…….اسم على مسمى……عاملة اي ياشهد……”
اومات شهد بحرج وهي تمسك حزام حقيبتها كنوع
من استمداد القوة بعد تعليق السيدة…… الذي اخجلها
بشدة…….. يبدوا ان عائلة الصاوي صريحة في
التعبير عمَّ يرون…….
“الحمدلله…. ازي حضرتك……”
“بخير يابنتي تسلمي…..تعالي نقعد جوا… عشان نتكلم براحتنا…….”
اتجهت السيدة بمقعدها المتحرك الى الصالون ورفقتها شهد….التي شعرت بالحرج والتوتر بشدة
فهي لم تقدم على زيارة الغرباء والدخول الى
منازلهم……..
جلست شهد على الاريكة واخرجت من حقيبتها
دفتر وقلم وسألت السيدة…..
“اي الاصناف اللي حبا تعمليها في اليوم ده…..”
انعقد حاجبي نصرة بتعجب… وقالت بتمهل…
“انتي مستعجلة كدا ليه….. انا لسه مسالتكيش…. تشربي ايه…….”
رفضت شهد بحرج…… “لا….. ولا حاجة……”
اقتحم عاصم المكان قائلاً بخشونة….
“إزاي ولا حاجة انتي مفكرانه بُخله ولا إيه….”
الأمر لا يحتمل وجودك أيضاً…… الرحمة…..
خفق قلبها بشدة وهي ترفع عيناها عليه تلقائياً….
فابتسم وهو يتأملها…. فكانت مختلفة أليوم عن
كل يوم قابلها فيه…..
كانت ترتدي بنطال جينز وقميص أزرق وتلملم
شعرها للخلف على شكل ذيل حصان…..دون ترك
اي خصلات متناثر على جبهتها……
أخيراً راى الجبهة المشدودة ناصعة البياض… فاكتملت ملامحها لعيناه…… جميلة سواء الان او قبل ذلك حقيقةٍ كل شيء يليق بها يلائمها بشدة وكانه خلق لها وحدها….
حتى شهد نظرت اليه نظرة خاطفة… فكان وسيم
بشدة بطاقم الرياضي البيتي……. والذي برز عضلاته وصلابة جسده……باستثناء قامة جسده فهي واضحة دوماً وتربكها بشدة…..كان مصفف شعره الاسود الغزير للخلف…….فكان يلمع بشدة……
رجل نظيف يلمع ويليق بأن يكون مالكاً لسراية المماليك الواقفين على ارضها الآن…..
انتبهت نصرة لنظرات حفيدها المشعة بالهفة والسعادة لرؤية الطباخة…. الاتية عن
طريقة !!….
كيف وقع بهذه السرعة… وهي التي ظنت انه
سيعود الى رُفيدة عن قريب ؟!…..
“قولها ياعاصم…….لحسان انت عرفني مبحبش
أعيد كلامي مرتين…”
اقترب عاصم منها فنهضت شهد سريعاً فمد يده
لها قاصداً السلام…….
“نورتي المكان…….”
بلعت ريقها وهي تنظر لكفه ثم….للجدة التي تتابع مايحدث بفضول…..
فعدت شهد من واحد لخمسة بقلة صبر ثم
وضعت يدها بيده….. وعند الملامسة ارتجفت
فأبتسم…..وتبدلا النظرات….
قالت نصرة بخبث….
“برضو مقولتيش تشربي إيه ياشهد……”
سحبت يدها من كفه المطبق عليها…ثم نظرت
للسيدة قائلة……
“ممكن شاي……”
تدخل عاصم مهتماً……
“شاي إيه….إحنا يعتبر لسه على الصبح…هجبلك عصير….ماشي….تحبي نوع معين…..”
عضت على باطن شفتيها وهي تخبره
بصعوبة…. “لو في برتقان تمام……..”
ابتسم مداعبها بالكلمات…….
“لو مفيش نجيبوا……دا انتي أول مرة تدخلي بيتنا……”ثم نظر للجدة التي تتابع ما يحدث
بفم مفتوح……
“ولا اي ياحاجة…….”
قالت نصرة سريعاً……
“طبعاً طبعاً…..احنا لازم نكرم ضيوفنا…..هنية
هنية…….”
اتت الخادمة سريعاً بعد النداء…. ثم ووقفت
امامهم قائلة باحترام…..
“اوامرك ياست الحاجة……”
اشارت نصرة وسبحة بين يدها……
“اعملي عصير برتقان…….وقدمي للضيفة……”
اومات الخادمة وهي تسأل عاصم بأدب….
“اجيب حاجة ليك يابيه مع العصير…..”
“لا…هاتي العصير فرش……”ثم نظر لشهد
سائلا بحنان……
“تحبي اجبلك تفطري……”
اتسعت عينا شهد وكذلك نصرة…فقالت شهد
ممتنعه بسرعة…….
“لا طبعاً…. انا فطرت الحمدلله……”
أومأ عاصم باستياء من خجلها المبالغ فيه….
ثم قال للخادمة…….
“خلاص خليها عصير بس…….بسرعة ياهنيه….”
“من عنيا يابيه…..”ثم هرولت الخادمة للخارج
تلبي طلبه………
عادت شهد جالسة مكانها بحمرة خجل صارخة….
بينما جلس عاصم جوارها على الاريكة تاركاً مسافة بينهما.. فانكمشت شهد بحياء….وشعر هو برجفة جسدها دون ان يلمسها…….
فتمالكت شهد اعصابها المشدودة…ومسكت الدفتر
والقلم وعادت تسأل الجدة مجدداً…..
“لسه معرفتش اي الاصناف اللي حضرتك عيزاها…
ينفع تعرفيني عشان اسجل كل حاجة هنا ومنساش……..”
“برضو مستعجلة…….”قالتها نصرة وهي تنظر الى حفيدها بلؤم لتجده ضائع مع الجميلة مشدوهاً…
فالواقع كان مشدوهاً ولكن ليس لأجل جمالها فهو مشدوهاً من أول يوم وقعت عيناه عليها…..
بل هو مشدوهاً الآن بما رآه في آذنه اليمنى الجالس بالقرب منها……والذي يراها بوضوح دون خصلات متناثرة تجحب عنه الرؤيه…..
لذلك كانت كانت تغطي جبهتها واذنيها بتلك
الخصلات المتناثرة ؟!……..
لا يعرف مالذي حدث له…لكن قلبه…..قلبه احترق…
المه بشدة….كيف لهذا الجمال ان يكون ناقصاً….
وكيف ترى هذا مانع للجواز…….فهو الان بدأ في
ربط الاحداث ببعضها…..مستنتجاً رفضها
المبهم منذ أيام……..
ظن ان المانع هو ضرر بسيط في الأذن لا يعرف ان العيب ضرر كبير في آلروح وان ماتراه العين صورةٍ
مشوشة…….
نظرت اليه شهد وقد انتبهت لنظراته فشعرت بالحرج
وهي تخفي اذنها باصابعها بحركة عشوائية بلهاء…..
اتت الخادمة بالعصير ووضعته على الطاولة
أمامها…….
فقالت شهد للجدة مجدداً وهي تستعد للكتابة…
” فكرتي حضرتك بالوصفات اللي عيزاها…. ”
أكدت نصرة قائلة بإبتسامة……
“آه طبعاً…… اكتبي عندك……”
سحب عاصم الدفتر منها والقلم ثم مسك كوب العصير قائلاً…….
“اشربي العصير الأول وبعد كده يحلها الف
حلال…..”
احتدت نظرات شهد عليه وقد خرجت عن
صمتها….
“ممكن تديني القلم والدفتر…. لو سمحت…..”
أمرها عاصم…… “اشربي العصير الأول…..”
جزت على اسنانها….. “مش عايزة هو بالعافية…….”
تدخلت بينهما نصرة بطيبة…..
“جرالكم إيه ياولاد هتتعركوا سوا… عاصم عنده حق ياشهد اشربي عصيرك وبعدين نتكلم…..”
صدح الهاتف الارضي فاتجهت اليه نصرة بمقعدها
ثم رفعت السماعة على اذنها وقالت بعد ثواني بسعادة…….. “دي علا……”
قال عاصم بابتسامة دافئة…. “سلميلي عليها……”
اندمجت نصرة في الحديث مع حفيدتها…
فقال عاصم بضيق……
“هتفضلي تبصيلي كتير…..”
نظرت له شهد بغيظٍ…..
“انا مبحبش حد يتحكم فيه… او يغصبني على حاجة……”
مط عاصم شفتيه وهو يشعر انه يجاهد لاقتحام
قلب صنع من حجر صلب……..
“وفين الغصب ده…دي كوباية عصير….. امال لو قولتلك نتغدى سوا النهاردة….”
امتنعت بتزمت….. “مستحيل طبعاً…..”
قال برفق وهو ينهال من عسليتاها….
“مش هنا….. يعني في اي مكان برا… اي رأيك….”
رفضت مجدداً…… “لا….. ياعاصم……”
سألها بعتاب…… “ليه ياشهد…….انتي بتقفليها ليه
في وشي….”
قالت شهد متعجبة من سرعة مايحدث
بينهما….
“انت متعرفنيش غير من شهر واحد……”
رد عليها بجدية شديدة……
“في حاجات لا بتتقاس بعدد الأيام ولا الساعات…”
ردت ممتعضة…. “أمال بتتقاس بأيه….”
“طالما سألتي….يبقا الإجابة ملهاش لازمة.. ” قالها وهو يبتعد عن عيناها حانقاً…..
فعندما رأت عينياه متجهمتين….مسكت الدفتر والقلم مجدداً وخطت بيدها شيءٍ ثم اشارت اليه كي ينظر الى دفترها……فنظر وجدها كتبت ببساطه…..
(انا خايفة……)
اخذ القلم منها وكتب دون تردد…….بخط
الرقعة المميز……..
(انا جمبك ياشهد…….)ثم اسفلها كتب…..
(اديني فرصة…….)
نظرت للورقة ثم لعيناه فوجدته يطوف في فضاء
عسليتاها قائلاً بصوتٍ أجش…..
“قولتي ان الحياة بنسبالك اخد وعطا….بس فيه حاجات مينفعش ندي وناخد فيها غير لما نتأكد
انها تستحق…….انا شايف انك تستحقي….اكتر
بكتير من اللي ممكن اقدمه ليكي…….”
سارت رعشة لذيذة في عمودها الفقري…. ثم
خفقه مؤلمة من قلبها جعلتها تهمس بتوله…
“عاصم…….”
الطرب في صوتها ايقاع مميز يلامس القلب
متفاعلاً معه بقوة…….فابتسم عاصم
بجاذبية لعيناها قائلاً……
“اهو عاصم من بين شفايفك…..يساوي
عمر بحالة……”
أسبلت اهدابها بقلب يخفق بشدة…فانهت نصرة المكالمة وانضمت اليهما….فتحدثا قليلاً في العمل
ثم بعض الدردشة في اموراً عادية…لا تخلو من مشاكسة عاصم……..واهتمامه الفطري بها…..
وقد أحبت نصرة كثيراً شهد……وقد شعرت بالالفه معها اكثر من الهام ورُفيدة……
فكانت شهد نقية نقاء يرى من أول لقاء…عزيزة النفس…….راسية الحديث……على وجهها
القبول والمحبة……
فاحبتها نصرة وتمنت ان يكون ما رأته في أعينهما
صحيح…..فوقتذاك ستكون أسعد انسانه على وجه
الأرض فقد عوض الله حفيدها بامرأة حسناء
مهذبة…. نقية آلروح……هل ستتمنى أكثر من
ذلك…….
دخلت في تلك الأوقات الصافية إلهام التي خطت بحذاءها العالٍ الصالون لترى هذا المشهد….
شابة قصيرة الشعر عسلية العيون تجلس بجوار
عاصم وتبتسم وهو يضحك بقوة كما لم يضحك
من قبل وكانها اطلقت دعابة حصرية له وحده..
جزت على اسنانها وهي تشم رائحة لم تفضلها
مما جعلها تتقدم منهما صادرة صوت طقطقات
بكعبها العالٍ حتى وصلت إليهما…فقالت بود
مصتنع…….
“اهلاً وسهلاً…اي دا ياماما…هو احنا عندنا
ضيوف ولا إيه…..”
اومات نصرة على مضض…..
“ايوا يالهام….دي الشيف شهد….. اللي هتطبخ في الوليمة ان شاء الله……”
شملتها الهام بنظرة مقيمة…. ثم قالت
باستعلاء…. “الطباخة يعني…..اهلاً……..”
رفعت شهد عينيها عليها…بينما عرفت نصرة
عنها…
“دي ياشهد…… الهام مرات ابني مسعد…….”
وكانها اصيبت بصاعقة مفاجئة شلت تفكيرها
وجسدها للحظات…
جحظت عيون شهد بعدم تصديق…وان كانت شكت في وجهة الشبه بينهن فالاسم أكد انها هي……
لم تتغير رغم السنوات لم تتغير كثيراً…. مزالت هي المرأه القادرة… المستحوذة على العقول… القادرة على شبك القلوب بالهوى السام…..
هي من كانت السبب في فتح بابٍ من أبواب
جحيم والدها عليهم للأبد……..
هي من تسببت في مرض امها من شدة الحسرة بعد نفور زوجها المستمر نحوها رغم سعيها لتبدل
الحال…….
هي من جعلت من حمزة رجلاً بلا مستقبل….
هي من جعلتها تفقد الأمان والثقة فاي رجل….
هي من بسببها عاشوا سنوات من القسوة والجفاء
هي من كانت سبباً في فقدان اذنها اليمنى…. وما
اتى بعد ذلك…..
لماذا الان ترى الماضي امامها يحيا بسلام حراً
طليق…. دون ان يصاب بأي آذى…… وهم يعانوا
كل دقيقة وكل يوم ينخفض بريق الحياة داخلهما
حتى أصبحت الأيام مكررة والمشاعر مهشمة…
هما يموتوا كل يوم… وهيا تحيا مرفهة كل دقيقة
فأين عدالة السماء ؟!……
مدت الهام يدها إليها قائلة بإبتسامة صفراء…
“اهلاً ياشهد……..”
نهضت شهد من مكانها ودون ان تبادلها السلام
حملت حقيبتها قائلة……
“انا لازم امشي اتاخرت…….”
ارجعت إلهام يدها وهي تنظر لشهد بدهشة وغضب……..
حتى عاصم استقام واقفاً ينظر اليها
باستفهام…..
“تمشي؟!…..بسرعة دي………”
قالت شهد بوجوم وهي تحمل الحقيبة على
كتفها…….
“انا خلصت شغلي…وكتبت الوصفات اللي هعلمها
واتفقنا على كل حاجة……”ثم نظرة للجدة
مستفسرة…….
“مش كده ياحاجة نصرة…….يعني لو فيه اي
حاجة ناقصة عرفيني…. ”
هزت نصرة راسها بنفي وهي تقول بحنو…..
“لا يابنتي كله تمام….بس يعني قعدي اتغدي معانا…..اهو يكون عيش وملح بينا…….”
“مرة تانيه…..عن اذنكم……..”قالتها شهد وهي
تخرج من الصالون نحو الخارج……..
لحق بها عاصم وهو يناديها بلهفة…… “شهد……..شهد………”
استغربت إلهام بشهد قلة ذوق تلك الفتاة…وتعجبت
وغضبت من عاصم الذي يركض خلفها بلهفة…وكانها
اخر نساء العالم…….جزت على اسنانها وهي تسب أختها باقذع الكلمات………
مسكها عاصم بقوة من ذراعها وادارها اليه حتى
وقعت على صدره….فقال بانفاس عالية……
“انت بتجري كدا ليه…..انا مش بنادي عليكي…”
نظرت لعيناه القوية ومزال يطبق على ذراعها لكن
أرخى مسكته قليلاً…….سألها وعيناه تجري على
قسمات وجهها الشاحب……
“مالك ياشهد…..وشك مخطوف كدا ليه……”
خفق قلبه فانصاع لامرها……
“زي ماتحبي…..بس ينفع أعرف مالك…….”
اخفضت بصرها وهي تنزع ذراعها عن
يده برفق…..
“تعبانه شوية……وعايزة أروح……”
هتف بقلق…… “تحبي نروح للدكتور……”
رفضت وهي تهرب من تلك العيون الدفئة… التي تحتويها من نظرة واحده……”لا لأ….انا كويسه…….”
لم تكن تعرف يوماً ان الظلام دافئ إلا عندما
تنظر لعيناه……
ما الحكمة فان تكون تلك المرأه زوجة عمك….
هل هذا إنذار للابتعد عنك………
اقسم بأنني لم انوي الاقترب منك باي شكلا من الاشكال…….
المزعج بانك من تلاحقني ، وانا لا أجد سبب لردعك
….لكن يبدو ان الحجة انتهت هنا..وأصبح هناك سبب قوي للابتعد عنك……..
فأنا لا اطيقها…..ولن اطيق اي شخصٍ من طرفها
حتى ان كان انت…..
انتهينا ؟!!……..
يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية الحب اولا ) اسم الرواية
رواية الحب اولا الفصل التاسع 9 - بقلم دهب عطية
تلتوي على الفراش بوجع. أتتها النوبة. صراع مع الماضي، من قسوة وجفاء وظلم واحد تلو الآخر. في الماضي تجرعته كالماء كل ساعة وكل يوم. الهواء ينسحب من بين رئتيها، وكأنها تشعر بوالدها يقبض على عنقها بقوة كما كان يفعل عندما يثور عليها غاضباً. جسدها يتعرق، رأسها ستنفجر من شدة الصداع، قلبها يؤلمها بشدة، وجسدها كله في حالة تشنج رهيب.
لم تاتِها هذه النوبة منذ سنوات. سنوات عديدة تعتكف الهدوء والسلام، الوجهة الباردة للحياة، حتى تحافظ على نفسها من هذه النوبات شديدة القسوة على جسدها. تتسارع الأفكار داخلها أكثر من اللازم، تهلك عقلاً يعاني دون مبالغة. صدرها يضيق، تختنق، والماضي يلاحقها.
في السابق، وفي أحد الأيام، وصلت لسن الخامسة عشر، وكان سناً يلائم المواجهة بنسبة لها. وقتها دخلت على أمها الغرفة، وكانت أمها تصارع الموت على الفراش لسنوات من شدة الحسرة والقهر والذل التي ذاقته على يد زوجها، والعذاب الذي رآه أولادها الثلاثة على يديه، من ضرب لظلم لتعنيف لشتائم لإهانة لحياة أشبه بسجن مشدد شديدة البرودة والجفاء.
دخلت شهد إلى أمها والدموع تبلل وجنتيها، سألتها بانفعال:
"أنا عايزة أعرف هو بيكرهنا أوي كدا ليه؟ وليه بيعملني كده؟ أنا حاسة إني مش بنته، هو أبويا فعلاً ولا إنتي بتضحكي عليا؟"
لم ترد أمها، بل ظلت تنظر إليها بعجز. فقالت شهد بتشنج وهي تبكي أكثر:
"ساكتة ليه؟ ردي. لو كنتي بتحبينا، كنتي طلقتي منه وخدتينا معاكي، وبعيدنا عن هنا. ليه قبلتي الإهانة؟ ورضيتي لينا بالذل؟ ليه يا ماما؟"
لم تكن تتحمل عتاب ابنتها، فهي تجلد نفسها لسنوات، نادمة على عمر ضاع في المحاولات والآمال الكاذبة.
"عندك حق، كله ده بسببي. حقكم عليا، سامحيني يا شهد. أنا فاضل بيني وبين الموت خطوة."
جلست شهد على حافة الفراش وقالت بغصة مختنقة:
"متقوليش كده. أنا بحبك يا ماما، ومليش في الدنيا غيرك. بس فهميني، إيه اللي يخلي الست تقدم التنازلات دي كلها؟"
قالت كريمة بمرارة:
"الحب."
نظرت لها شهد بعدم فهم.
"إيه؟"
فتابعت والدتها مرارة الكلمات كالعلقم في حلقها:
"ساعات بنتنازل عشان بنحب، وبنسامح في حقنا وبنغفر عشان بنحب. وبنشوف إن الحب أولى وأهم حاجة بينا. بس مع الوقت، بيتحول الحب لعنة، لعنة بتتحول لكره، والكره بيبقى ندم، والندم بيوصل للمرض، والمرض يعني موت. وأنا قربت من الموت."
كانت شهد غير مستوعبة بعض كلمات أمها. فمسكت أمها يدها قائلة بضعف:
"اوعي تقدمي تنازلات، حتى لو بتحبي. اوعي يا شهد."
سحبت شهد يدها وهي تسأل أمها بغصة مريرة:
"ليه بيكرهنا؟ وليه مش بيطقني؟ وطالما مش بيحبك زي ما بتقولي، ليه كمل؟"
قالت والدتها بصعوبة:
"انتي اللي خلتيه يكمل. انتي اللي عجزتيه، وبعدتيه عن الست اللي حبها."
انتفضت شهد بصدمة:
"أنا إزاي يا ماما؟ ومين الست دي؟"
قالت والدتها بعيون دامعة:
"إلهام. واحدة اسمها إلهام. كانت جارتنا زمان، وكانت صاحبتي، كان سري معاها. وكنت بدخلها بيتي أأكلها وأشربها وأساير معاها. كنت بعملها زي أختي الصغيرة."
ثم أخذت نفساً متعباً، متابعة سرد القصة منذ البداية:
"أبوكي من يومه قاسي، لكن عمره ما مد إيده عليا ولا طول لسانه. لكن لما شافها وقرب منها، ووقعته في شبكها، اتغير. اتغير أوي. حصلت مشاكل كتير بسببها. خانة العيش والملح. بعد ما اتأكدت إنه حبها ومستعد ينفذ كل طلباتها، كان أول طلب منها إنه يطلقني ويرميني في الشارع."
ابتسمت بسخرية مريرة، متابعة:
"وأبوكي مقالش لأ. آه، مقالش لأ. أصله حبها. حبها أكتر مني ومن ابنه اللي كان لسه تلات سنين. مصعبتش عليه رغم إني كنت حامل فيكي ساعتها، وعلى وش ولاده."
مسحت دمعة فارّة من عينيها:
"الناس اتدخلت بينا، وأبويا الله يرحمه حاول يصلح بينا. كان راجل كبير ورجله والقبر. كان خايف اتبهدل من بعضه بالعيلين اللي رجعوا له بيهم. ده غير كلام الناس اللي مبيرحمش."
قالت بابتسامة موجوعة:
"أبوكي متهزش، ورمى عليا اليمين. يومها وقعت من طولي. وجت ساعة والده، وجيتي الدنيا. ساعتها الناس كلت وشه: مراتك جابت بنت هترميها في الشارع. لم عرضك وعيالك، وتقي الله. عيالك محتاجينك."
نزلت دموع والدتها، فلم تمسحها، وتابعت بقهر كبير، فقد وقع عليها ظلم كبير ضرب كرامتها وكبرياؤها عرض الحائط.
"قال لهم ساعتها إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها. قالوا له اتجوز، الشرع حلالك أربعة. ومراتك ملهاش دعوة طالما هتعدل ما بينهم."
"قدام بصة أبويا وكلام الرجالة، اتكتمت. كان مغلوب على أمري، ومكنتش عايزة أطلق. خفت عليكم من البهدلة."
تابعت بنفسٍ متحشرج:
"ساعتها راح لها وطلب إيدها. رفضته وطردته من بيتها. وقالت له: أنا مدخلش على ضرة، يا أنا يا هي. ولأنه قد كلمة قصاد الرجالة، مقدرش يرجع فيها. ورجعني تاني على ذمته. وعاش معايا غصب عنه. معاملة وحشة وإهانة وضرب. وكل ما كنت أشتكي لحد من قرايبي، يقولوا لي: عيشي واسكتي عشان خاطر عيالك."
مسحت شهد دموعها وهي تسأل أمه بحسرة:
"وانتي شايفة إنك كده ضحيتي عشانا؟ انتي رميتينا ورميتي نفسك في النار. ده مش حب، ده مرض خبيث. إذاكي وأذانا. ولسه بيكمل علينا."
ثم سألتها بكره:
"وياترى بقى الست دي فين دلوقتي؟ لسه مكملة في خراب بيتنا؟ أكيد لسه بتقويه علينا."
هزت أمها رأسها وقالت:
"إلهام اتجوزت يا شهد. اتجوزت ابن تاجر دهب كبير أوي، وخلفت منه كمان. اللي عارفينها كويس، جم وبلغوني. إلهام خرجت من حياتنا، بس مخرجتش من قلب أبوكي."
زمجرت شهد بكره شديد:
"اللي زي ده معندوش قلب. مش فاهمة، حبيته إزاي؟"
قالت أمها بوهن:
"في حاجات مكتوبة، لازم تحصل. حتى لو ندمنا عليها بعد كده. كان لازم تحصل."
تتردد جملة أمها الأخيرة في أذنيها، تقصف داخلها كالرعد، فتبكي وتنهار، ويزداد وجعها. فتظل تتلوى وكأنها أصيبت بمسٍ لا علاج له.
من يصدق أنها هكذا منذ ثلاثة أيام؟ تغلق الباب على نفسها، تنام كثيراً بغرض الهروب. تذهب للحمام عند الضرورة ثم تعود وتغلق الباب عليها. لم تأكل إلا القليل بإصرار شديد من حمزة وكيان، وأحياناً قمر، والذين لم يتوقفوا عن السؤال بقلق عن الحالة التي وصلت إليها. لكنها لا تجيب. تكره تلك النوبة، التي تنقلب لاكتئاب حاد وانعزال عن العالم بأكمله. تكره الضعف، وتلك النوبة تجعلها هزيلة ضعيفة، تفقدها صبرها وقوتها وأهدافها.
قد أغلقت هاتفها وتركت خلود تفتح المطعم وتباشر العمل مع الفتيات وتهتم بكل شيء. يأتي عاصم للمطعم يومياً ولا يجدها، ويسأل خلود عنها فتخبره أنها متعبة وأخذت فترة راحة، ثم ستعود قريباً. يتصل بها كثيراً، لكن الهاتف دوماً مغلق. قلبه مشغول عليها وعقله ليس على ما يرام، فقد أصبح هو أيضاً مشوشاً من ابتعادها المفاجئ والذي لا يعرف له سبباً. لو كان يملك من الجرأة قدر أكبر من ذلك لآتى لمنزلها وطمأن عليها بنفسه، لكن مع الأسف، هو مقيد، وهي قاسية عليه، تحرق قلبه بنار مستعارة.
في اليوم الرابع صباحاً، في تمام التاسعة، استيقظت من النوم وهي تشعر أنها كرهت هذا الفراش وحيطان غرفتها الباهتة. كرهت الظلام ورائحة الغرفة المكتومة. فاتجهت إلى النافذة وفتحتها، فلفح وجهها الهواء والشمس داعبت عينيها. فسألت نفسها بدهشة: كيف تحملت الحياة دون نسمة هواء وشعاع شمس لمدة ثلاثة أيام؟ كفاها انعزال وبكاء وغضب. يجب أن تعود لعهدها وتلقي كل شيء خلف ظهرها. ستتابع عملها في المطعم وستنهي الوليمة المتفق عليها، والتي تقاضت جزءاً من أجرها. ستنهي كل شيء وستحذف أحداث الشهر السابق والمشاعر الغبية التي كانت تلاحقها وقتذاك. ستنسى وتسير كما تريد، دون الالتفات لأي رجل مهما كان.
خرجت شهد من غرفتها، فوجدت قمر تنظف غرفة الصالون. فقالت شهد بتجهم:
"بتعملي إيه يا قمر؟"
رفعت قمر عينيها بدهشة، فهي لم تسمع صوتها منذ ثلاثة أيام. يبدو أنها أفضل الآن، فقد عاد وجهها للحياة بعد أن كان شاحباً شحوب الأموات، وقد عادت عيناها إلى طبيعتهما بعد أن كانتا حمراوين من شدة البكاء المستمر. لكنها فقدت وزنها بشكل ملحوظ، مما جعلها هزيلة، توجع قلب من يراها.
"انتي مش جاية هنا خدامة. سيبي اللي في إيدك ده."
هزت قمر كتفها متحيرة:
"ليه بتقولي كده؟ آهو أي حاجة بدل قعدتي دي."
قالت شهد بملامح جامدة:
"أنا جعانة أوي. هحضر فطار. تفطري معايا."
ابتسمت قمر قائلة بمزاح:
"سبقتك والله. بس أنا طفسة، ممكن قاعدة معاكي وأفتح نفسك على الأكل."
بادلتها شهد الابتسامة بمكر:
"وأنا استغلالية وهقولك تعالي ساعديني."
"يسلام، انتي تأمري."
لحقت بها قمر بتودد.
عندما وقفا الفتيات معاً في المطبخ، كانت قمر تقطع الطماطم جانباً، بينما شهد تدحرج البيض في المقلاة.
قالت قمر بابتسامة حنونة:
"الحمد لله بقيتي أحسن من الأول."
أومأت شهد بفتور:
"آه، الحمد لله."
تساءلت قمر بفضول:
"بس انتي كان إيه اللي تعبك أوي كده؟"
ردت شهد على مضض:
"مشاكل في الشغل."
اتسعت عينا قمر وقالت مستنكرة:
"شغل إيه اللي يخليكي تعملي في نفسك كده؟ انتي مشوفتيش نفسك ولا إيه؟ دا إخواتك كان هيموتوا من الخوف عليكي."
ثم أضافت بعدم رضا:
"لأ بجد يا شهد انتي غلطانة. بلاش تاخدي كل حاجة على صدرك كده، ده انتي تروحي فيها."
رمشت شهد بعينيها عدة مرات، ثم استدارت لها قائلة:
"الأعمار بيد الله. قطعتي الطماطم؟"
"آآه خدي."
أعطتها قمر الطبق، فتابعت شهد ما تفعله. حتى سألت قمر بعد لحظات:
"إيه رأيك في القعدة معانا؟"
ابتسمت قمر مجيبة بملل:
"كويسة. لكن الصراحة أنا زهقت وعايزة أرجع. وكل ما أكلم خالي يتحجج ويقول لي إنه مش فاضي."
أفرغت شهد محتوى المقلاة في طبق وهي تقول بملاطفة:
"مصيرك هترجعي ياستي، وأديكي قاعدة معانا شوية. وبعدين أنا فوقت لك خالص، يعني هنرغي كتير ونخرج كمان. وفرجك على إسكندرية حتة حتة. ها، إيه رأيك؟"
ازدادت ابتسامة قمر حتى شملت وجهها، ثم صرحت بمحبة:
"تعرفي إني حبيتك من أول ما شفتك."
أدعت شهد الغرور:
"عارفة. مش أول حد يقول لي كده. واضح إني أتحب."
أكدت قمر بود:
"أوي والله. ربنا يحميكي، ويفرح قلبك."
شعرت شهد بالحنين لأمها فقالت:
"فكرتيني بماما. كنت دايماً تدعي لي الدعوتين دول."
ثم حملت صينية الإفطار:
"يلا بينا نفطر."
وضعت شهد صنية الإفطار على السفرة وقالت بمرح:
"أحلى حاجة إن البيت هادي وكله في شغل، وأنا إجازة كمان. يعني هنرغي براحتنا، وهتحكي لي عنك أكتر. يلا، بسم الله."
جلست شهد وكذلك قمر. ثم غمست شهد اللقمة في الجبنة ووضعتها في فمها. وكانت أول لقمة تشعر بمذاقها. ورغم أنها كانت تأكل لقيمات صغيرة بإلحاح من شقيقيها، إلا أنها لم تستطعم مذاقهما أبداً. ربما تأثير الحزن والبقعة السوء التي وقعت بها لثلاثة أيام متتالية.
بعد ثلاث ساعات، قد اغتسلت شهد وغيرت ملابسها ببجامة أنيقة، ثم ربطت شعرها بضفيرة قصيرة ترتاح على ظهرها. جلست مع قمر أمام التلفاز، وهي تمسك هاتفها تفتحه قليلاً، تتفحصه شبكة التواصل الاجتماعي. فوجدت أن هناك عدد كبير من الطلبات التي أتتها ولم تجب عليها. وهناك من حظرها لعدم مصداقيتها وسوء الخدمة. أغلقت الهاتف وألقته جوارها بغضب. فسألتها قمر برفق:
"مالك يا شهد؟ بترزعي التليفون كده ليه؟"
قالت شهد مقتضبة:
"مفهوش حاجة عدلة. كلها حاجات تحرق الدم."
أنارت شاشة الهاتف، فخفق قلبها دون أن تلتقط عيناها اسمه.
مسكت الهاتف وظلت تنظر إليه بحيرة، أم أن تجيب أو تهرب كما فعلت الأيام السابقة. كانت تتابع قمر ما يحدث بحاجب مرفوع. ثم لم تلبث أن قالت:
"هتفضلي تسيبي تليفونك يرن كتير؟ ماتردي."
نظرت لها شهد ثم للهاتف. لذا اقترحت قمر بدهاء:
"تحبي أرد مكانك، وأقول للي بيتصل إنك نايمة؟"
هزت شهد رأسها وهي تنهض من مكانها:
"لأ، أنا هرد. شوية وجاية."
أومات وهي تراها تدلف لغرفتها. فعادت لمتابعة التلفاز متنهدة بملل.
في منتصف الغرفة وقفت مشدودة الأعصاب، وبدون ترهل أكثر، فتحت الخط وهي تسحب نفساً عميقاً:
"الو... سلام عليكم."
"شـهـد."
اللهفة في صوته جعلت قلبها يختلج بين أضلعها. تسمرت مكانها للحظات وتلجمت، غير مدركة من أين تبدأ. فقال عاصم بصوت حنون يبث الدفء والطمأنينة لجسدها المنهار:
"شهد، انتي كويسة؟ قفلة تليفونك ليه؟ ومش بتيجي المطعم ليه؟ خلود بتقول إنك تعبانة. عندك إيه يا شهد؟ طمنيني."
ظلت متسمرة مكانها بقلب يخفق باضطراب، في محاولة منها لإيجاد رداً مناسباً ومقاطعاً:
"شوية برد... أنا كويسة. شكراً على السؤال يا أستاذ عاصم."
"أستاذ..."
رددها بعدم فهم. ثم لم يلبث إلا وأخذ نفساً خشن قائلاً بحزم:
"شهد، أنا عايز أتكلم معاكي. ينفع تنزلي لي؟"
سألته بعينين متسعتين:
"نتكلم في إيه؟ ثواني ثواني، هو يعني إيه تنزلي لي؟"
رد رداً قاطعاً:
"يعني تنزلي لي يا شهد. أنا واقف تحت."
فغرت شفتيها مستنكرة:
"واقف تحت؟! إيه اللي بتعمله ده؟"
نظر أمامه مقطباً بعينين متجهمتين ليقول:
"انتي اللي عملتي مش أنا. عايزاني أعمل إيه وأنا مش عارف أوصلك. وبقالي تلات أيام بلف حوالين نفسي. انتي اختفيتي فجأة، زي ما ظهرتي فجأة."
اشتعل صدرها وهي تقول بتشنج:
"معناه إيه كلامك؟ ساحرة أنا ولا إيه؟ عاصم روح لو سمحت، أنا مش هنزل. حمزة زمانه جاي، مش عايزة مشاكل. وبعدين أنا بنت عمتي قاعدة معايا، أسيبها إزاي وأنا نازلة؟"
هتف عاصم بصلابة:
"اتصرفي يا شهد، لازم أشوفك دلوقتي."
سارت في الغرفة بخطواتهائجة:
"بلاش تحكمات. قولتلك مش هنزل."
"يبقا هطلع لك أنا."
قالها بتهور. فصاحت متأوهة بغضب:
"عاااصم!"
تمتم هو من بين أسنانه:
"يحرق عاااصم! يا أطلع لك يا تنزلي، اختاري."
قالت بانزعاج شديد:
"ده مش كلام ناس عاقلة. إحنا مش صغيرين على الكلام ده."
هتف عاصم هاكماً:
"قولي الكلام ده لنفسك يا اللي بتهربي وبتختفي."
"أنا حرة."
من بين أسنانها المطبقة قالتها بانفعال شديد، مما جعله يقول ساخراً:
"وعشان انتي حرة تعملي فيا كده."
خفق قلبها فجأة، لذا تاوهت باسمه قائلة برجاء:
"عاصم."
لم يتنازل بل أصر بصلابة قائلاً:
"اختاري، يا أطلع لك، يا تنزلي. المهم أشوفك."
ظلا صامتاً لدقائق، كل ما بينهما أنفاس غاضبة وأخرى مضطربة. حتى قالت شهد بانهزام:
"خمس دقايق وهنزل لك."
سحبت شهد سترة بيضاء تصل لفوق الركبة، ارتدتها فوق بجامتها. ثم التقطت مفاتيح الشقة وخرجت من الغرفة. استقبلتها قمر واقفة بتعجب:
"لابسة كده ليه؟ انتي سقعانة ولا إيه؟"
اهتزت حدقتاها ورمشت عدة مرات وهي تخبرها بتلعثم:
"هنزل أجيب لبن من عند البقال."
"بس فيه لبن في التلاجة."
قالتها قمر بحاجب معقود.
تلجلجت شهد قليلاً:
"آه صح. بس في نوع معين حلو أوي، بحب أجيبه."
اقترحت قمر بلطف:
"تحبي أجي معاكي؟"
"لأ، لأ. خليكي، أنا مش هتأخر. دقايق وجاية."
اتجهت شهد سريعاً إلى باب الشقة وأغلقت خلفها. ثم وضعت يدها على صدرها متنفسة الصعداء.
بالأسفل كان يقف عاصم بانتظارها، يقف على غير هدى، متضخم الصدر، بينما النفس في صدره قد تحول إلى آتون مشتعل يغلي. شوقاً إليها وقلقاً عليها، وكأنه قد وقع تحت تأثير تعويذة معقدة لا نجاة منها ولا أمل في فكاك طلاسمها.
بدأ قلبها يخفق بهستيريا كأرنب مذعور وهي تخرج من باب العمارة، لتجده يقف أمام سيارته ينفث من سيجارته بشراهة في انتظارها. وعندما التقت أعينهما ببعضها، سريعاً مرت عيناه على جسدها بنظرة متفحصة، ثم لم تلبث أن تجهمت ملامحه، وهو يلقي السيجارة أرضاً داعساً عليها بحذائه. أمام عيناه المكتسحة، ارتبكت بشدة، واقتربت بوجل. حتى وقفت أمامه محتقنة الوجه وبنظرات عنيفة، ضامة ساعديها أمام صدرها.
"اديني نزلت زي ما انت عايز. خير يا عاصم؟"
راقب العنفوان على ملامحها المستاءة والحزن المحمل بين بؤرة عينيها، وجسدها الهزيل، حتى عينيها فقدت صفاء عسليتها، فأصبحت أشد قتامة وحزناً.
"انتي بتهربي مني ليه يا شهد؟"
تاففت بصوت عالٍ وهي تدير وجهها:
"إيه اللي هيخليني أهرب؟ قولت لك كنت تعبانة."
قال عاصم بحزم:
"وليه قفلتي تليفونك؟"
ردت بضيق أكبر:
"عشان مش قادرة أتكلم."
تافف وهو يستغفر في سره، ثم عاد لعينيها غاضباً:
"أنا مش عايز أتكلم. أنا كنت عايز أطمن عليكي."
قالت بجمود:
"واديك اطمنت، أنا كويسة."
شعر بالحنق من ردها البارد، فقال بأنفاس متهدجة:
"بصي، أنا هسألك سؤال، وتجاوبيني بصراحة."
فكت ساعديها منتظرة السؤال بثبات. فسألها عاصم بعينين تكتسحان كلماته:
"انتي تعرفي مرات عمي؟ اتقابلتوا قبل كده؟"
بلعت ريقها وهي تسأله بوجل:
"ليه بتقول كده؟"
تضخم صدره بمشاعر سوداوية قائلاً بغتامة:
"عشان وشك اصفر أول ما شفتيها وفضلتِ مبرقة شوية، وبعدين خدتي بالك بسرعة ومشيتي. وبعدها قفلتي على نفسك. ومعرفتش أوصلك."
تحولت عينيها إلى كورتين من الجليد العسلي، فقالت بنزق:
"مفيش حاجة بيني وبينها. أنا معرفهاش. أنا صدعت فجأة ومشيت. وبعد كده الصداع قلب بدور برد. دي كل الحكاية."
لم يرد، بل ظل ينظر لعيناها بصمت، والغضب أبى أن يستباح. لذا قالت شهد بصلابة:
"وحبي أطمنك إني هكون موجودة يوم السنوية. الفلوس اللي خدتها هدفعها أجرة للبنات اللي هيجوا معايا."
نظر لها بضيق، وهز رأسه بابتسامة ساخرة مرة:
"وانتي فاكرة إني جاي هنا عشان السنوية والفلوس؟ انتي قلبتي عليا كده ليه؟ فيه إيه؟ أنا مش فاهم."
صاحت شهد تلك المرة بقسوة على قلبها وقلبه:
"لازم تفهم، إن كل اللي بينا شغل، مش أكتر."
أرجع رأسه للخلف جافلاً، بينما السهم السام اخترق صدره. فتبادلا النظرات لبرهة، حتى أبعد عاصم عيناه عنها قائلاً بتجهم:
"تمام. الرسالة وصلت."
"حمزة."
تفوهت بها شهد بعد أن انتبهت لسيارة حمزة التي صفت جانباً وخرج منها، وقد انتبه لوجودها هي وعاصم، مما جعل حمزة يتقدم منهما بحاجب مرفوع ووجه مكفهر سائلاً بعد أن وقف بينهما:
"إيه اللي موقفك كده؟"
ثم نظر لعاصم بعينين مشتعلتين غير متهاونتين:
"خير يا معلم عاصم. في حاجة؟"
نظر عاصم لحمزة ثم لشهد، التي وقع قلبها أرضاً بخوف، شاعرة بالأرض تدور بها بعد هذا الموقف المحرج.
في منتصف صالة المنزل، كان يقف حمزة في مواجهة أخته، بينما تقف قمر بينهما على بعد ثلاثة خطوات تتابع ما يحدث بدهشة. صاح حمزة بغيرة بعسليتين مشتعلتين:
"أنا عايز أفهم، إيه اللي كان موقفك تحت مع عاصم؟ واقفين سوا ليه؟ إيه بينك وبينه؟"
هزت شهد رأسها باستياء ثم عادت إليه قائلة بهدوء:
"هيكون بيني وبينه إيه؟ ممكن تديني فرصة أشرح لك."
وضع يده في خصره يهدأ من أنفاسه المتلاحقة بغضب:
"اتنيلي اشرحي."
مررت قمر عينيها عليه باشمئزاز وتدخلت في الحوار معترضة منه:
"إيه الأسلوب المعفن ده؟ ماتكلم مع أختك عدل."
نظر لها حمزة بقوة وهتف بصرامة:
"اتقلي. اتقلي انتي كمان. دورك جاي."
فغرت قمر شفتيها ذاهلة:
"اسم الله. ليه بقى إن شاء الله؟"
لم يرد عليها، بل عاد لأخته وما زال في حالة اهتياج لا مرد له:
"أنا سامعاك، اتكلمي."
رمشت باهدابها عدة مرات ثم بللت شفتيها وقالت بهدوء، مراقبة لتغيرات ملامحه:
"في بينا شغل. هو كان مكلفني بشغلانة."
مرر حمزة يده على وجهه بنفاد صبر متمتماً:
"آه شغلانة. أنا معرفش عنها حاجة أصلاً. طب كملي، إيه هي الشغلانة؟"
قالت بتلعثم وهي تهرب من عيناه الغاضبة:
"جدته بتعمل سنوية جده كل سنة. بتعمل وليمة وبتعزم فيها الناس الغلابة. وهو كلمني عشان أطبخ في اليوم ده. وروحت قبلت جدته واتفقت معاها، وخدت منها عربون كمان. أجرة البنات اللي هيشتغلوا معايا."
جفل بصدمة وبدأ يعد على أصابعه ما حدث من خلف ظهره بمنتهى الانفعال:
"روحتي بيتهم، واتفقتي معاهم، وخدتي فلوس، وكل ده من ورا ضهري. كنت هتقولي لي إمتى يا شهد؟"
"كنت هقول لك والله في أقرب وقت."
قالتها وهي ترفع سبابتها مبررة. ابتسم حمزة ساخراً بغضب:
"اللي هو إمتى؟ لما تخلصي خالص، مش كده؟"
أدعت شهد الثبات وهي تهز رأسها:
"مانت مكنتش هتوافق يا حمزة، وبصراحة المصلحة دي فيها قرشين حلوين."
رفع حاجبه بشك أكبر:
"آه مصلحة. ومن إمتى شهد بتحسبها كده؟"
أكدت شهد مستنكرة:
"في الشغل بحسبها كده. ولعلمك أنا مينفعش أرجع في كلامي. أنا اديت للست كلمة، وخدت منها فلوس."
برق حمزة بعينيه صارخاً:
"لأ، هترجعي في كلمتك والفلوس هترجع. عشان متعمليش حاجة من ورايا تاني."
دبت شهد بقدميها راجية:
"لأ يا حمزة، ونبي متصغرنيش."
احتد عليها صارخاً:
"مين فينا اللي صغر التاني؟ أنا ولا انتي؟"
كانت ستبكي وهي ترجوه:
"يا حمزة افهمني."
قاطعها بصرامة:
"خلصنا ياشهد، مش هتروحي. ولا هتدخلي بيتهم تاني."
قالت بنبرة مجهدة:
"قولت لك مش هبقى لوحدي، فيه أكتر من خمس بنات هيكونوا معايا. ياحمزة حرام عليك، متقطعش رزقي ورزقهم."
اندهش من الإلحاح المستمر، فعقب متعجباً:
"الله؟ انتي ملهوفة أوي على الشغلانة دي كدا ليه؟"
كانت في أوج الهدوء وهي تجيب بسلاسة:
"لأني خدت مبلغ يعتبر كبير وصرفته أجرة للبنات، ومش معقول هاخده منهم وأرجعهم. حرام عليك."
تافف حمزة وهو يميل بوجهه للناحية الأخرى:
"انتي بتعجزيني يا شهد."
هزت شهد رأسها قائلة بصدق:
"والله ما قصد. بس دي الحقيقة. خلود اتفقت معاهم امبارح، وخدت مني الفلوس وودتها لهم. أنا مش كدابة."
برق حمزة بعينيه غضباً كلما تذكر وقوفها مع هذا العاصم:
"وبتاع إيه يجيلك لحد هنا؟ بتاع إيه؟"
وضعت شهد يدها على رأسها لبرهة بتعب من كثرة الجدال معه، ثم أجابته بعد ذلك باختصار شديد:
"لأني بطلت آجي المطعم، وهو عايز يعرف. هاجي زي ما اتفقت مع جدته ولا غيرت رأيي."
ضيق حمزة عينيه وهو يشعر بشيء مريب:
"أنا شامم ريحة كذب. فيه حاجة غلط."
لم ترد شهد، بل فضلت الصمت، فهي تعبت من كثرة الجدال. فنظر حمزة لقمر الواقفة بينهما عن بعد تتابع بصمت:
"وانتي سبتيها ليه تنزل؟ تكونيش بداري عليها؟"
جفلت قمر بصدمة وهي ترتعد للخلف خطوة. فهدر حمزة بعصبية عليها هي الأخرى:
"ماتردي. ساكتة ليه؟"
فارة الدماء في عروق قمر، فلوحت بيدها إليه متشنجة:
"بتجعّر كده ليه؟ ما براحة."
اتسعت عينا حمزة مردداً الكلمة:
"أنا بجعر؟"
ابتسمت شهد واخفضت وجهها. فنظر لها حمزة بحنق:
"انتي بتضحكي يا شهد."
أومات شهد وهي تنظر لعينا أخيها بمرح:
"عندها حق يا حمزة."
"عندها حق. كسر حوقها."
ثم نظر لقمر بملامح مكفهرة قائلاً بتحذير:
"انتي يابت انتي لمي لسانك عشان أنا على آخري منك."
قربت قمر رأسها منه بحدة:
"إيه بت دي؟ اسمي قمر."
قرب هو أيضاً رأسه منها قائلاً بسماجة:
"أمر بستر يا أختي، مش مبلوعة. اسمك مش نازل من زور. كله نفاق وكذب."
أبعدت رأسها للخلف وهي تدعي الضحك بحنق:
"هاها. خفيف الدم أوي. ضحكتني."
تافف حمزة بندم وهو يضرب يداً بالأخرى:
"والله أنا غلطان. كنت سبتك ليهم، كان زمان صورتك دلوقتي معروضة في صفحة الحوادث."
هتفت قمر بشراسة:
"بعد الشر عليا. إن شاء الله انت..."
لوى حمزة شفتيه ونظر لها بغرور:
"عيب في حقي الدعوة دي، عشان إحنا رجالة أوي. وبعدين أنا بخطف، متخطفش."
كانت تلك المرة تقف شهد بينهما عن بعد خطوة واحدة تتابع ما يحدث بعدم فهم، مما دفعها للسؤال:
"إيه؟ انتوا بتقولوا إيه؟ حوادث إيه وخطف إيه؟"
نظر لاخته ثم عاد لقمر التي احمر وجهها بغضب شديد، بينما تنظر إليه شزراً:
"ده حوار قديم كده بيني وبين قمر أية."
ثم ألقى نظرة أخيرة على قمر وابتعد. فسألته شهد مهتمة:
"رايح فين يا حمزة؟"
رد بوجوم دون النظر إليها:
"هتزفت أعمل قهوة."
اقترحت شهد بحنية:
"استنى أعملهالك."
تابع حمزة خطواته للمطبخ قائلاً بتهكم:
"مش عايز منك حاجة. وقطمي معايا ها؟ عشان تبقي تخبي عليا وتستهيفيني كويس."
نادته شهد بأسى:
"يا حمزة اسمع."
لم يرد عليها، بل دخل المطبخ متجاهلاً. فقال قمر وهي تجلس على الأريكة بضيق:
"سيبك منه، أخوكي ده مجنون ولسانه متبري منه."
أومات شهد برأسها مضيفة بمحبة:
"بس طيب وبيخاف علينا."
في تلك الأوقات، تحت باب الشقة وهلت عليهم بشقاوتها المعتادة:
"ساموو عليكووووو."
لم ترد قمر وشهد، بل ظلت ملامحهما واجمة وأعينهما حانقة. فاقتربت كيان منهما وتوسطت أحد المقاعد متأوهة بتعب وهي تقول:
"كان يوم متعب أوي. شهد طبختي إيه عشان أنا جعانة."
لم ترد عليها شهد، بل مطت شفتيها بضيق. فنظرت كيان لقمر ووجهت الحديث لها:
"طب ردي انتي يا بنت عمتي. فيه أكل ولا هنقضيها معلبات؟"
لم ترد كذلك قمر، بل أشاحت بوجهها متأففة. فصاحت كيان بغضب:
"فيه إيه يا جدعان؟ ليه قاعدت المطلقين دي؟ ماتردوا عليا. هو أبويا هنا؟ وأنا ماخدتش بالي من عربيته؟"
أخبرتها قمر بوجوم:
"حمزة اللي هنا، ولسه شادد مع شهد بالكلام."
توسعت عينا كيان بحسرة:
"ينهار كحلي! يعني هو مضايق؟"
أومات قمر مؤكدة:
"على آخره."
كانت ستبكي وهي تسأل أختها بحسرة:
"عملتي إيه يا شهد؟ حرام عليكي، ده أنا كنت عايزاه في موضوع مهم أوي."
سألتها شهد بضيق:
"موضوع إيه ده؟"
همست كيان لهن:
"أصلي راحة حفلة."
توسعت عينا شهد وتشدقت:
"نعم؟ حفلة إيه؟ إحنا من إمتى بنروح حفلات؟ ده إحنا بنروح أفراح بالعافية."
"اديكي قولتي بنروح أفراح بالعافية. الحفلة دي بقى على شرف المحامي سليم الجندي، اللي شغالة عنده."
ثم تابعت بزهو وعينين تلمعان بحماسية:
"أصلاً كسبنا قضية كبيرة أوي، وراجل صاحب القضية عامل حفلة وعزمني أنا والأستاذ سليم، وأنا هموت وروح."
برمت شهد شفتيها مصرحة:
"اتنيلي تروحي فين؟ ده كان هيبلعني لما لقاني واقفة مع عاصم تحت."
هتفت كيان مبتهجة:
"الله؟ هو عاصم كان هنا؟"
ردت شهد بارتباك:
"كان جاي في شغل."
علقت كيان بغمزة ماكرة:
"من إمتى في بينكم شغل؟ بقيتي بتخبي وتداري ها؟ وكاننا مش أخواتك."
تاففت شهد بتململ:
"بعدين بعدين هبقى أحكيلك. المهم انسي حوار الحفلة ده."
هتفت كيان بأنين متوسلة:
"لأ ونبي أنا لازم أروح. أنا هموت وأشوف الحفلات دي على الطبيعية. أنا طول عمري بشوفهم في المسلسلات يا شهد."
ثم استأنفت حديثها بانتشاء:
"تعالي نتخيل إني روحت الحفلة دي، وقابلت فارس أحلامي، وأول ما شافني قال: هي دي اللي هتحدى العالم عشانها."
استلمت قمر دفة الحديث قائلة باستهانة:
"يتحدى العالم؟ إيه الأوفر ده؟ ما ييجي يتقدم لك ونخلص."
مطت كيان شفتيها بقرف وعقبت:
"اسكتي انتي يا جاهلة. ده عشان مش بتتابعي مسلسلات. معندكيش حس مرهف."
قلبت قمر شفتيها مغمغمة:
"مرهف؟ ربنا يشفيكي."
ثم مالت على شهد ناصحة إياه بتوجس:
"أقسم بالله خايفة على عقلك منهم. حصني نفسك. واحدة عايشة دور السندريلا، والتاني بيتعارك مع دبان وشه."
زفرة كيان متذكرة:
"يا أي! فكرتوني. هجبهاله إزاي؟"
احتلت نظرات شهد عليها:
"تجيبي إيه؟ اتلمي يا كيان، مفيش حفلات ولا زفت."
نهضت كيان وأوشكت على البكاء وهي تقول:
"يوه بقا متكسروش بخاطري. أنا هموت وروح. بس معنديش دريس حلو يليق على المكان اللي هنروحوا."
تطوعت قمر قائلة:
"أنا عندي فستان حلو أوي، ممكن أسلفهولك."
نظرت كيان لجسد قمر بغيرة وقالت بقرف:
"لأ طبعاً. انتي أملى مني، فمش هينفع."
ارتفع حاجبي قمر بصدمة ونظرت لشهد التي كبحت ضحكتها بيدها مطرقة برأسها أرضاً.
ففي الحقيقة أجسادهما تختلف، فقمر طويلة القامة نحيفة الجسد كعارضات الأزياء الفاتنات، أم كيان فهي قصيرة القامة عنها، قدّها مكتنز أكثر منه بقليل.
إشارة قمر على نفسها بعد استيعاب:
"أنا اللي مليانة برضه."
أومات كيان ببرود:
"عندك اعتراض؟"
نهضت قمر من مكانها بترفع، بتلك البجامة الأنيقة التي تبرز نحافة جسدها:
"مش هدخل في نقاش مع واحدة عامية."
هاجت كيان واقفة تنوي العراك:
"مين دي اللي عامية؟ لأ، بقولك إيه، ده أنا شرشوحة."
وقفت شهد وتدخلت بينهما بحزم:
"ماتهدي يا كيان. اسكتي يا قمر. إيه هتمسكوا في بعض؟"
هتفت قمر بضيق شديد:
"انتي مش شايفة ردها ياشهد؟ مع إنها مغلطتش. أنا قولت أساعـدها."
هدرت كيان بغل:
"مستغنية عن خدماتك يا حلوة. يبتاعة البقلاااااوة."
دفعت شهد أختها للخلف قليلاً:
"اعقلي يا كيان."
قالت قمر ببرود:
"أنا هروح أطفح شوية مية أبلع بيهم البوقين الحامضين دول."
برقة عينا كيان غضباً:
"بصي، بتقول على كلامي حمضان إزاي."
حاولت إبعاد أختها عن طريقها وهي تقول بشراسة:
"سيبيني ياشهد، مش هضربها، هجبها من شعرها بس."
"ماتعقلي بقا يا مجنونة. خلاص مشيت."
دفعتها شهد بقوة فوقعت كيان على الأريكة خلفها. تاففت كيان مستغفرة وهي تلحم مجدداً:
"أنا لازم أروح الحفلة. ونبي ياشهد اتصرفي."
"هعمل إيه يعني؟"
"غطي عليا."
صاحت شهد محذرة:
"كياااان."
ألحّت كيان وهي تربت على صدرها برجاء:
"هي ساعة زمن واحدة مش هتأخر والله العظيم. ونبي ياشهد غطي عليا المرة دي بس."
قالت شهد بتردد:
"هتعملي لي مشاكل مع حمزة وابوكي. كفاية حوار النهاردة."
قالت بابتزاز عاطفي متوسلة:
"ونبي... ونبي... ونبي ياشهد غطي عليا المرة دي. ورحمة أمك يا شيخة وغلوتها عندك."
نظرت لها شهد بصمت، ثم قالت بتردد:
"سبيني أفكر."
أومات كيان براسها محاولة استعطاف قلبها:
"فكري بس بالله عليكي ماتكسري بخاطري. أنا عايزة أروح الحفلة دي أوي."
دخلت المطبخ بملامح متهكمة. فرأت حمزة يقف عند الموقد يمسح سطحه بتافف. فاقتربت منه على مهل تسأله:
"فيه إيه؟ وقعت إيه؟"
رد وهو منشغل بتنظيف سطح الموقد:
"القهوة فارت. موتوا بعض ولا لسه؟"
مطت قمر شفتيها قائلة ببراءة:
"هي اللي قرشت ملحتي من أول يوم. زيك بالظبط."
نظر لها حمزة وتشدق بغرور:
"مفيش حد زيي. وبعدين دي غيرة بنات، متخصنيش."
"طب وسع أما أعملك القهوة."
أشارت له قمر بأن يتنحى جانباً. فامتنع حمزة هاكماً:
"مستغني عن خدماتك. أنا هعملها من تاني."
"طب هات ياحمزة، ربنا يهديك."
سحبت منه الركوة بجزع، ثم اتجهت إلى الحوض لتغسلها وتعد القهوة من جديد.
فنظر لها حمزة ساخراً:
"انتي بتتعاملي مع ابن خالك؟ مالك؟"
اتجهت قمر إلى الموقد وقلبت شفتيها ممتعضة:
"مالك انت."
بابتسامة جانبية سألها بخبث:
"انتي اللي مالك بتنكشيني ليه؟ تكوني معجبة."
مالت بوجهها إليه مشدوهة:
"معجبة بيك انت؟ دي أبوخ نكتة سمعتها."
ابتسمت بسماجة. اغتاظ من ردها فقال بسخط:
"الله. ده انتي بتقلي مني بقا."
مطت شفتيها قاصفة:
"مش القصد. بس أنا شايفة إني أخ."
ضحك حمزة وأجابها بصراحة:
"وأنا شايفك واحد صاحبي."
اغتاظت منه بشدة واحمر وجهها فقالت وهي تضع معلقة البن في الركوة:
"ظريف أوي."
ثم سألته باقتضاب:
"سادة. ولا زيادة؟"
شاملها بنظرة ذات مغزى:
"أحبها على الريحة."
أومات برأسها وهي تضع الركوة أخيراً على عين الموقد. ثم وقفت تراقبها، وبين الحين والآخر ثم تنظر لحمزة بحنق مخمر بالقرف.
فسند حمزة على حرف الرخامة وسحب من طبق الفاكهة المجاور ثمرة تفاح. ثم أخذ منها قضمها ومضغها أمام بنيتها الحانقة:
"منورة ياقمراية."
تنهدت بقلة صبر:
"بنورك."
بنظرة مستفزة عزم عليها:
"تاخدي تفاح؟"
عقدت ساعديها بحدة:
"مش عايزة."
مضغ التفاح على مهل:
"مش هديكي أصلاً."
عندما رأته يأكل تذكرت سبب مجيئها إلى هنا، فقالت وهي تتجه إلى المبرد:
"نسيت أشرب."
مالت قليلاً.
فنظر حمزة إليها بطريقة وقحة. وعندما استدارت إليه فجأة، التقطت موضع عيناه، التي عادت إلى بنيتها بنظرة باردة وكأنه لم يفعل شيئاً.
أغلقت قمر باب المبرد بقوة. ثم اتجهت إليه تنظر إليه بعينين متفاجئتين مما رأت:
"إيه ده. بقا..."
هز حمزة حاجباه بعدم فهم:
"إيه بقا؟"
جزت على أسنانها محذرة:
"عينك ياحمزة."
ابتسم بشقاوة غامزاً:
"إيه عجباك."
واجهته بجرأة:
"انت بتبص فين؟"
استنكر وهو يزيد من استفزازها:
"مش واخد بالي بصيت فين."
زفرت بضيق وهي تعود إلى الركوة بوجهاً محمر خجلاً وحنقاً.
فابتسم حمزة متلذذاً باستفزازها. فعدما يراها تنولد داخله رغبة سخيفة لإثارة حنقها. فزاد إحراجها قائلاً وهو يعدل ياقة قميصه بزهو:
"أنا بقول نوسع الهدوم شوية عشان معاكِ رجالة. واخده بالك؟ رجالة اوووي."
ارتبكت أكثر وهي تصب القهوة في الفنجان:
"حط في عينك حصوة ملح واحترم نفسك."
مط حمزة شفتيها ساخراً:
"جملة ملهاش علاقة بالنص خالص. انتي اتوترتي ولا إيه؟ اوعي تكوني بتكسفي زي البنات. ده أنا لسه بقول إنك شبه واحد صاحبي. بجح."
وضعت الفنجان على الرخامة جواره متمتمة بضيق:
"انت مستفز. أنا غلطانة إني بعملك قهوة. طفحتها."
ارتفع حاجبه ذاهلاً:
"إيه طفحتها دي؟ ماتلمي نفسك يازفتة انتي."
قالت بتبرم:
"بن آدم قليل الأدب."
اقترب منها خطوة هاتفاً بغضب عارم:
"تحبي أوريكي قلة الأدب اللي على حق."
اهتزت حدقتاها قليلاً لكنها هتفت بشجاعة:
"هتضربني ولا إيه؟"
بعينين شاخصتين عليها قال بجسارة:
"أنا مبضربش حريم. بس ممكن بنظرة أكرهك في نفسك."
أوشكت على البكاء وهي تسأله بعصبية:
"انت بتكرهني كدا ليه؟ أنا عملت لك إيه؟"
تافف بملل وهو يمد يده لطبق الفاكهة ثم أخذ منه تفاحة ووضعها في يدها قائلاً بفظاظة:
"انتي هتقلبيها دراما. خدي التفاحة دي ومشِ من هنا. سبيني أشرب القهوة على روقان."
اتكات على التفاحة بين قبضتها ثم هتفت بشراسة:
"مش عايزة منك حاجة."
مسك ذراعها قبل أن تبتعد:
"انتي رايحة فين؟"
سحبت ذراعها من بين يديه بعنف:
"هروح أقعد مع شهد في حاجة."
اقترح حمزة بصوت مرح:
"طب ماتخليكي معايا. اهو ندردش مع بعض. هو أنا مش ابن خالك ولا إيه؟"
مطت شفتيها وكأنها تشم رائحة فأر ميت ثم قالت على هذا الوضع:
"الكلام معاك بيقفلني منك أكتر. فبلاش أحسن."
استدارت راحلة وقد نست التفاحة بين يدها. فقال حمزة من خلفها بغلاظة:
"وانا هتحايل عليكي. روحي اقعدي مع اللي يعجبك. تطولي أصلاً تكلمي معايا؟"
ثم تذكر التفاحة فامرها بشكل طفولي:
"هاتي التفاحة بتاعتي. خسارة فيكي."
استدارت إليه وألقت عليه نظرة حانقة ثم رمت التفاحة نحوه بقوة:
"اتهني بيها."
التقط حمزة التفاحة بمهارة قبل أن تضرب وجهه فتمتم بغضب:
"يا جزمة."
ثم مسك فنجان القهوة مغمغماً بضيق:
"ناقص أنا. قال قمر قال. أمر بستر."
كانت صباح اليوم مختلفاً بالنسبة لها. طوال الطريق داخل سيارة (بشير.) تنظر من النافذة بشرود، عقلها يألف قصصاً متنوعة عند الاصطدام الآتي من ملاك السرايا. (إلهام..) (عاصم..) وباقي أفراد العائلة التي لم تتعرف عليهم بعض، قلبها يختلج في صدرها بعنف. كانت تود الانسحاب ورفض طلب المرأة، لكنها تكره الانحناء. الانحناء أمام صورتها في المرآة يكسرها، يسخر منها، ينبذها كما نبذها والدها طوال حياتها. اليوم يجب أن تكون أقوى مما سبق. ستواجه مخاوفها، وتفعل ما طُلب منها دون تقهقر. وفي نهاية هذا عملها، ومهما تصادفنا مع ماضينا، يظل كعملة ولى زمن تعاملها. وحتى الاحتفاظ بها يُعد لا شيء، والماضي لن يعود عهده مهما صادفنا خلسةً.
أوقف بشير السيارة خارج سرايا المماليك كما تشبهها من أول يوم وقعت عينيها عليها. فهذا البيت ليس فقط لأنه ضخم وثمين، بل لأنه عريق الفخامة كتراث المماليك. له كنية، له روح، له صيت. يكفي التحف الموضوعة في كل ركن ولوحات التاريخية المعلقة على الحوائط. من الوهلة الأولى ظنت أنها دخلت معرضاً فنياً قديم التراث، إلى أن اكتشفت أن الجدة (نصرة..) مولعة بالتحف الأثرية والفن الرفيع. ولا تفوت قطعة جديدة من بازار (حكيم). ودائماً عاصم يهديها ما تحب. علمت هذا في خلال الحديث الذي دار بينهما في اليوم المشؤوم. أحبت كثيراً جلستهما، وشعرت بالألفة والدفء، لكن التعاسة تلاحقها أينما ذهبت. فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وتنتهي مشاعرها بلطمة كبرى، جعلتها ترقد على الفراش لمدة ثلاثة أيام تناجي الموت.
ترجلت من السيارة وسارت للداخل متخطية البوابة الحديدية بعد أن سمح لهم الحارس. أتت هي والفتيات اللواتي سيقمن بالطهي معها كمية الطعام الكبرى التي ستحضرها. وكذلك أتى (بشير..) حتى يقوم بإدخال أغراضهما الخاصة بالطهي في مطبخ آل الصاوي. استقبلتهم (نصرة) بابتسامة بشوشة وهي ترتاح على مقعدها المتحرك.
"أهلاً وسهلاً، نورتوا المكان. جاية في معادك مظبوط يا شهد."
اكتفت شهد بابتسامة بسيطة. فقالت السيدة مقترحة بلطف:
"الساعة لسه ستة. أحضر لكم فطار."
امتنعت شهد بابتسامة رقيقة:
"لأ، إحنا مش بنفطر دلوقتي. شوية كده بعد ما نحضر."
ثم وجهت حديثها للبنات من خلفها:
"مش كده يا بنات؟"
أومأت الفتيات بهدوء. فنظرت لها نصرة بعتاب:
"اخص عليكي. سيبيهم يفطروا وبعدين يشوفوا شغلهم. متبقيش بخيلة. مصيري أزورك في مطعمك."
توسعت البسمة حتى ظهر صفاء أسنانها البيضاء. فقالت بشهقة ناعمة:
"يا خبر! تنوريني ياحاجة. بس والله إحنا مش بنفطر دلوقتي. وصدقيني أنا مش شادة عليهم. إحنا كلنا بنفطر في وقت معين. ممكن بس تعرفيني المطبخ فين، عشان نشوف شغلنا؟"
تاففت نصرة مستاءة:
"صعبة أوي ياشهد. ماشي، براحتك. تعالوا ورايا."
تحركت نصرة بمعقدها نحو أحد الزوايا وتحرك خلفها الجميع. أما شهد فتصلبت مكانها بعد أن داهمت عسليتها عينين صقريتين تنظر لها من أعلى السلم الممتد بسطوة. بغضب؟ بعتاب؟ هذا الوسيم شامخ الطول وسيم الملامح من النوع الذي تخشاه بشدة ويجذبك بنظرة. رسمة عيناه كالصقر، مهيباً. والمهيب دوماً يكن المرء حريصاً في غرامة.
أسبلت أهدابها وقلبها جن بين أضلعها. الرحمة حتى رجفة خائنة أصابتها عند رؤيته. لماذا هو مهيباً ومؤثراً عليها بهذا الشكل؟ تكره تلك المشاعر التي تنتمي إليه وحده. بدأت تحرك ساقيها بخطى مستقيمة باتجاه الزاوية التي اتجه إليها الجميع، لكنه أوقفها بعد خطوتين، وقد تسمرت هي مكانها توليه ظهرها:
"شــهــد."
(اشتقت لمناداتك لي بتلك الطريقة.)
اتسعت عينيها بصدمة. همساً داخلياً أصابها في مقتلها. هل اشتاقت فعلاً أم أنه وسواس؟ استدارت إليه تواجه عينين راسختين أمام نظراتها المهتزة قليلاً:
"خير، في حاجة يا أستاذ عاصم؟"
جز على أسنانه بغيظ ووقف أمامها. وهيهات عند القرب، الأمر يزداد تعقيداً. عبق عطرها المسكر داعب أنفه، فأغمض عينيه لثانية رغم الغضب البادي عليه. توترت شهد من تلك الحركة، فرجعت خطوة وارجعت خصلة من غرتها بتوتر خلف أذنها، ثم أعادت السؤال بوجل:
"خير، في حاجة؟"
عاد إليها بملامح صلبة ونظرات راسخة تأسرها عمداً، فتشقها ظلماً:
"يوم ما جيت لك تحت البيت، أخوكي جه و..."
قالت بهدوء:
"محصلش حاجة، الموضوع عدى."
أومأ برأسه وهو يجدها تغلق الأحاديث بينهما، فقال مقتضباً:
"كويس. عرفتي تتصرفي."
أومات براسها:
"أيوا."
جرت عيناه عليها في لحظة خاطفة من أول ثوبها الربيعي المحتشم الطويل، حتى شعرها الأسود الناعم القصير والذي جمعته في كعكة أنيقة مع الغرة المنسابة بدلال تخفي الجبهة البيضاء، وحول أذنيها خصلات ناعمة متناثرة. قد انتبه أخيراً لماذا تجعلهم بهذا الشكل الفوضوي. كي تخفي السماعة الطبية عن الأعين. المه قلبه لأجلها، فسألها تلقائياً وقلبه يحترق في موضعه:
"انتي كويسة؟"
نظرت إليه بحيرة، ومع ذلك ردت بعفوية:
"الحمد لله. وانت كويس؟"
هز رأسه بنفي:
"لأ."
فارتجف قلبها وعيناها الصافية تتفحصه بقلق:
"ليه كده؟"
زفر وهو يرفع رأسه للأعلى:
"وبتسألي كمان. أمرك عجيب."
همسة إليه بصوت ضعيف مفعم بمشاعر جديدة تخصه وحده:
"عاصم."
نظر لها بشوق وقد ذاب قلبه مع همسها، فسألته بنفس البحة المتعبة لأعصابه رغم لذتها:
"عايز إيه بالظبط؟"
نظر لها عاصم قليلاً وكاد أن ينطق بما يجثم صدره، لكن اخترق الهدوء صوت أنثوي كخرير القطط من خلفهما:
"أكيد عايزك تاخدي بالك من شغلك وتخلصي قبل ما الناس يجوا."
سبّة بذيئة خرجت من بين شفتي عاصم، فاتسعت عينا شهد بعدها بصدمة، رغم امتقع وجهها بعد رؤية إلهام وتدخلها في الحديث بمنتهى الوقاحة.
اقتربت إلهام منها ووقفت بينهما قائلة بود زائف:
"نورتي المكان ياشهد. خسارة المرة اللي فاتت ما قدرتش أتعرف عليكي. أصلك مشيتي بسرعة."
لم تبدِ شهد أية مصافحة ودية، بل هزت رأسها قائلة:
"كنت مستعجلة. أهلاً."
اغتاظت إلهام من أسلوبها الفظ معها:
"أهلاً بيكي. نورتي فيلا صابر الصاوي. حمايا وجوزي يزن."
ردت شهد باقتضاب:
"آه منورة بأصحابها."
وزعت إلهام نظراتها الماكرة عليهما وقالت لعاصم:
"هو انت مش عندك شغل يا عاصم ولا إيه؟"
نظر لها عاصم نظرة تعبر عن غضبه ورد ببرود:
"لأ، إجازة. يوم السنوية باخد إجازة، عشان أقف مع الناس اللي هتخدم على الضيوف."
لم تعقب إلهام، بل عادت إلى شهد تأمرها بتغطرس:
"وانتي بقا ياشهد واقفة كده ليه؟ مش وراكي شغل ماتروحي عليه؟"
"الهااااااام."
صاح بها عاصم بقوة، جعل إلهام تجفل وهي ترجع خطوة للخلف بصدمة قائلة بلؤم:
"فيه إيه يا عاصم؟ مش المفروض تخلص شغلها قبل ما الوقت يعدي؟"
أومات شهد قائلة بجمود. عندما ابتعدت شهد عنهم، واجه عاصم إلهام بنظرات حادة وهتف بصرامة محذراً:
"اسمعي. البيت ده مش بتاعك لوحدك. أنا اللي بأمر وأنهي فيه. انتي تدخلي في اللي ليكي فيه، زي ابنك، جوزك اللي هو عمي. أي حاجة تانية في البيت ده تخصني أنا. سااامعه؟"
لم تهتز إلهام، بل لوت شفتيها بتبرم:
"واضح إنها مش مجرد طباخة بنسبالك."
رد عاصم الرد القاطع قبل أن يبتعد:
"كويس إنك فهمتي. وعلى أثاثه، اتعاملي معاها."
عندما ابتعد عاصم خارجاً من باب البيت حيث الورشة، اتجهت إلهام إلى السلم تصعده بخطوات متشنجة، بينما الهاتف على أذنيها. وعندما أجاب المتصل، هاجت عليه صارخة:
"انتي فين يا غبية؟ تجيلي دلوقتي حالاً. تلبسي أحسن حاجة عندك وتيجي. بسرعاااااه."
أغلقت الهاتف بعنف وهي تغمغم بمنتهى الغل:
"انت اللي بتأمر وتنهي فيه. يومك أسود يامسعد، لم أشوفك يوم أسود ياسبع البرمبة. هو اللي بيأمر وبيـنهي. وأنا... أنااااا إيه."
أصبحت الساعة تشير للثانية ظهراً، ثماني ساعات من العمل المتواصل وما زال أمامهم الكثير حتى وقت الانتهاء. كانت الجدة نصرة تشرف عليهم كل ساعة تقريباً، وكل مرة تخرج منبهرة، سواء من انضباط العاملات بفضل شهد الحازمة والحريصة على إخراج ماهو أفضل، أو بطعم ورائحة الطعام الشهي، والذي كان يحمل طعم ورائحة مميزة. حتى المذاق يذوب في الفم كالـشهد من اللذة. الغريب أن (شهد) لا تتبع توابل معينة لتخبر من ينبهر بأكلها أنها لديها الخلطة السرية كما يفعل كل من يشتهر بالطهي. لكن شهد تتبع شغفها، حبها، تسعى دوماً بأن تقدم ما يليق بها وتفخر به أمام نفسها في المرآة. فإن تكن الاحترام والتقدير لذاتك قبل أن تسمعها من الآخرين، فهذا من شيم النجاح. فمن يهتم لآراء الآخرين أولاً يفقد رضاه عن نفسه مع الوقت.
أثناء انشغال (شهد) بالطهي، وبعد أن استأذنت الجدة (نصرة) بأن تستريح قليلاً في غرفتها وتؤدي فريضتها، دخلت إلهام بصحبة أختها تضحك ضحكة مستفزة وهي تقول:
"صدقيني أول ما تشوفيها هتحبيها على طول."
رفعت شهد عينيها على إلهام ومن معها. امرأة يافعة الأنوثة والجمال بشعر كستنائي طويل، أنيقة الثياب رغم جرأتها الواضحة في انتقاء ملابسها. كذلك عيناها زرقاويتان كعينا إلهام. بينهما شبه لا ينكر باستثناء لون الشعر وحجم الجسد. ف يبدو أن تلك المرأة التي تقف جوارها تعمل عارضة أو ممثلة، فهي تهتم بشكل جسدها على نحو صريح. أشارت إلهام على شهد قائلة بنبرة غير مقروءة:
"هي دي بقا يا ستي الطباخة الجديدة. عاصم جايبها بنفسه ومهتم بيها أوي."
اشتعلت عينا رُفيدة وهي تواجه شهد بنظرات عدائية، استقبلتها شهد بهدوء ظاهري، فهي لا تعرف هوايتها بعد. عندما رأت إلهام تبادل النظرات يزداد خطورة، ألقت آخر شرارة نار في حديثها:
"أحب أعرفك ياشهد، دي روفيدة أختي ومرات عاصم الصاوي."
احتاج الأمر لدقيقتين حتى تستوعب الصفة التي تمتلكها تلك المرأة الكستنائية الشعر، مغوية القوام، شبيهة إلهام. زوجة من؟ وكأن إلهام قرأت أفكارها، فانتشلتها من الحيرة مؤكدة:
"مرات عاصم روفيدة. سلمي عليها. واقفة كده ليه؟"
مدت شهد يدها لها قائلة بقوة تحسد عليها وبسمة مغتصبة خرجت من تحت شفتيها متحجرة:
"أهلاً يامدام روفيدة. تحبي أعمل حاجة معينة للضيوف؟"
لم تصافحها رُفيدة، بل تركت كفها معلقة وهي تخبرها ببرود:
"الحاجة الوحيدة اللي أتمناها، إنك تخلصي شغلك بسرعة، عشان تلحقي تروحي."
سحبت شهد يدها، شاعرة بالغضب والحرج في آن واحد. فقد فهمت مغزى حديثها، لكنها لم تعتب عليها. عليها أن تعتب وتصب كامل غضبها على من يسير واثق الخطى نحوها، مولعاً بمقابلتها وملحّاً في التحدث معها عبر الهاتف، وكأنه أعذب لم يسبق له الزواج. جزت على أسنانها وهي تتركهما وتعود لعملها، بينما خلود تنظر لما يحدث بعدم رضا. أما إلهام، فنظرت إلى أختها بمكر، فبادلتها الأخرى بغيرة وهي تنظر نحو شهد بغضب أسود. فمن تلك التي لا تضاهيه جمالاً وفتوناً، ويقع بها عاصم؟ لن يحدث، ولن تسمح له، حتى أن اضطرت لإذلال نفسها إليه من جديد.
وقفت جوار شجرة بقلب الحديقة، وردة على اتصال شقيقها الذي يستشيط غضباً بسبب ذهابها لهذا البيت ومتابعة العمل به رغم رفضه. ظلت تخبره برفق قائلة بهمس:
"يا حبيبي أهدى، اسمعني بس."
قد كان عاصم على وشك الاقتراب منها، لكن عند تلك الجملة توقف عابس الوجه. فشعرت شهد أثناء المكالمة أنها تحت المراقبة، لذا استدارت إليه. وعندما أبصرته اشتعلت عيناها وهي تغلق الهاتف مع أخيها قائلة:
"هكلمك تاني ياحمزة. هكلمك تاني."
لانت ملامح عاصم وتنفس بارتياح دون أن تلاحظ. وضعت شهد الهاتف في جيبها وألقت نظرة باردة عليه وكادت أن ترحل. لكنه أوقفها بذراع ممتد أمامها، جعلها تتراجع خطوتين تنظر إليه بشراسة، تلك الشراسة والتوهج في عسليتها، يذكرها باليوم الذي غضب منه لمجرد أنه نسبها إليه. ماذا فعلت لتنظر إليه بكل هذا الغضب؟
"عايز إيه؟"
صوتها الحاد الفظ أكد أن هناك ما يسوء:
"إيه يا شهد مالك؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وعيناها تشتعلان:
"وبتسأل كمان؟ لأ، ولا حاجة. سلمتك."
"شهد، أنا مبحبش الطريقة دي."
احتدمت نظرات عاصم بشكل مخيف محذراً. ومع ذلك لم تهابه، بل قالت بسخط:
"وأنا مالي؟ تحب ولا تكره. دي حاجة تخص مراتك."
تذوقت الكلمة مشدوهاً:
"مراتي؟!"
أومات براسها وهي ترمقه بعينيها كالسهام الحادة:
"آه روفيدة. معقول مش فاكر إنك متجوز؟"
ضيق عاصم عينيه في خط مستقيم سائلاً:
"مين قال لك إني متجوز روفيدة؟"
بمنتهى البرود أجابت:
"هي قالت لي."
هز رأسه بتساؤل:
"هي جت؟"
قطبت شهد ما بين حاجبيها بعدم فهم. فـقال عاصم موضحاً:
"أنا فعلاً كنت متجوزها بس طلقتها من فترة. من قبل حتى ما أشوفك بشهور."
رمشت بعينيها عدة مرات بعدم استيعاب، ثم سألت باستنكار:
"ولما هو كده، ليه ما قلت لي؟"
رد بوجوم وهو يأسر عينيها:
"انتي مكنتيش مهتمة تسألي عن أي حاجة تخصني. رغم إني اديتك الفرصة."
تاففت بغضب. فقال عاصم بحنان مراضياً إياها:
"ممكن تهدي. قولت لك مش متجوز."
نظرت إليه بوجه ممتقع:
"أنا مش مضايقة."
ابتسم عاصم قائلاً بعبث:
"تحبي تشوفي نفسك في المراية عاملة إزاي؟"
فكت ترابط ساعديها وهي ترجع خصلاتها خلف أذنيها واجمة:
"أنا بس مبحبش حد يكذب عليا."
رد عاصم بثبات:
"بس أنا مكدبتش. انتي اللي مسألتش."
اتسعت عينا شهد بتعجب:
"ودي حاجة تستنى سؤال؟"
نظر لها عاصم بقوة وسألها باستفهام:
"يعني انت عندك مشكلة إني مطلق؟ ولا عندك مشكلة إني ما طلعتش متجوز؟"
"الاتنين. كنت أتمنى أكون أول واحدة في حياتك."
قالتها بعفوية وهي تنظر أمامه بانزعاج. فـتهللت أسارير وجه عاصم. وضحك قائلاً برضا تام:
"الله أكبر. وإيه كمان؟"
احمر وجهها واسبلت أهدابها وهي توبخ نفسها على هذا الرد الغبي. فـبررت بـ:
"انت فهمت غلط. أنا قصدي..."
"قصدك إيه؟ أنا سامع."
عندما توقفت العبارة على لسانها، دفعها عاصم للمتابعة وهو يحاول أن يجاريها في الحديث. فاخيراً تكلمت من أرهق قلبه وعقله طوال الفترة السابقة في بعدها.
نظرت له شهد وتوترت قليلاً لتقول برقة بصوتها الموسيقي الرائع:
"ممكن ما تبصليش كده. ابعد عينك دي."
"حاضر أهوه. قصدك إيه بقا؟"
نظر للجهة الأخرى وهو مصر على أن تتابع حديثها. فعند تلك الحركة، فلتت منها ضحكة تقطر شهداً من ثغرها الوردي. مما جعل عيناه تعود إليها ويضيع في سحر الابتسامة معقباً:
"
رواية الحب اولا الفصل العاشر 10 - بقلم دهب عطية
قطع حمزة المسافات بينهما ووقف امامها يواجهها بعيناه الضارية سائلاً إياها بهدوء ماقبل
العاصفة….. “كنتي فين……”
قالت بغصة مختنقة…….
“في المكتب……كان عندنا شغل كتير و… ”
“وكمان كدابة……..”
صوت الصفعة التي تلقتها على وجنتها اخترقت الصمت من حولهما فتسمرت الفتيات بصدمة متسعين الأعين……حتى هرولت شهد نحو اختها شاهقة بخوف عليها……تخبئها في احضانها خوفاً من
بطش اخيها مجدداً……كذلك اقتربت قمر تقف
جوار كيان تدعمها وهي ترمق حمزة بازدراء…
فمن قال انه لا يضرب النساء…يصفع اخته
بمنتهى القسوة معرضها للمهانة أمامهم………..
صاح حمزة غاضباً وهو يقلب عيناه
بصرامة بين شقيقتيه……
“أختك اللي اتفاقتي معاها تغطي عليكي… لم
اتأخرتي قالت انك روحتي عيد ميلاد واحده صاحبتك………الكلام ده صح….ولا بتداري
عليكي في حاجة تانيه……..”
نظرت كيان لشهد مستفسرة بعينيها فأومات شهد برأسها في الخفاء…. فعادت كيان لعينا اخيها
العاصفة واكدت ويدها مزالت تخفي وجنتها
الملتهبة والتي رسم عليها اصابعه ببراعة……
“أيوا…….”
سالها بضراوة غير متهاون…..
“وليه مقولتليش……..مش مالي عينك…….”
تلجلجت وهي تقول…….
“مكنتش هترضى عشان صاحبتي عملى الحفلة
في فندق…….”
رفع حاجباه بعضبٍ هائل…..
“فقررتي تروحي من ورايا مش كده……”
لم ترد وكذلك فعلت شهد….اما قمر فظلت تتابع
بصمت فكان غضبه مهيباً قد لجمها…..
صاح حمزة مقهوراً من افعالهن المستجدة عليه….
فلم يكونوا متمردين هكذا عليه….لماذا الجام
فلت من بين يداه وأصبحت كل فرسة منهن جامحة متمردة تتحداه دون حديث…..تفعل دون الرجوع
اليه……..وكأنهما احرار ولم يكونوا يوماً الأقرب
لبعضهم…….
“مفيش حد فيكم مقدرني…..اختي الكبيرة العاقلة مشت اللي في دماغها وراحت اشتغلت في بيت عاصم الصاوي….والتانيه رجعالي من حفلة في
فندق….والكبيرة بداري عليها وبتكدب عليا…في اي تاني مخبينوا عني…….انا ***بنسبلكم…..صح…..”
ابعدت شهد اختها عنها برفق واقتربت من اخيها
محاولة تهدأته…….
“حمزة………أهدى….عشان خاطري……احنا غلطنا… بس صدقني للضروره أحكام…….واحنا مش بنعمل حاجة غلط….. اختك راحت عيد ميلاد صاحبتها ورجعت الساعة تمانية……..مفهاش حاجة….. ”
ابتسم هازئاً….
“مفهاش حاجة صح…..”ثم نظر الى كيان بقسوة
واقترب منها بملامح متصلبة ثم قبض على
ذراعها هاتفاً بفحيح مهيباً……..بينما عيناه
تقدح شراراً نحوها……..
” بعد كده الخروج ليكي انتي بذات هيكون بحساب…..وبنسبة لشغلك…..انا اللي هوصلك وهجيبك منه……معنتيش هتخرجي تاني غير معايا….وهترجعي برضو معايا….. سااامعه…..”
لكزها في كتفها بقوة…
حاولت كيان التملص من بين قبضته القوية
وهي تئن متألمة……..
“ساامعه حاضر………ساامعه…….”
القى عليها نظرة مزدية ثم دفعها بعيداً
عنه…..
“غوري في داهية على اوضتك……..مش عايز
اشوف وشك……. ”
بالفعل اتجهت الى غرفتها الخاصة واغلقت الباب عليها متجاهلة مبيت قمر بها….فهي تريدها اليوم
حتى لا ينكشف أمرها امام اختها وتعرف ماذا
حدث في الحفلة……وماذا شربت………
ضربت كيان على وجنتيها وهي تسب نفسها
بأقذع الشتائم……فبسبب غباءها……جعلت
الجميع ينظر لها بازدراء….. ويضعها في
خانة الشك…….قد خيبة امال الجميع
وهي اولهم………
……………………………………………………………
توقفت عن الذهاب للمكتب لمدة أسبوع……مكتفية
بالانعزال في غرفتها…..وعدم التحدث مع حمزة
الذي مزال منزعج منها يتجاهل وجودها….
كانت تصر شهد كل صباح عليها ان تذهب الى المكتب وتباشر عملها…..فهي في السابق سعت
لها بشدة مستغلية معرفتها ببعض الزبائن الأثرياء
حتى تجلب لها منهن وسيطاً يُمكنها من دخول
مكتب (سليم الجندي….) والعمل معه…..
لكن رغم الحاح شهد كانت كيان تتحجج بتعب…….أتصل بها سليم خلال الاسبوع اكثر من مرة….وكل مرة ترد بحجة جديدة هروباً من مواجهته بعد هذايانها المخزي في الحفل….
لا تتذكر بضبط ماقالته لكنها تعرف انها قالت أشياء
تكره التحدث بها بينها حتى وبين نفسها ؟!…
في صباح يوماً جديد قررت الذهاب الى المكتب وحضرت أمس ورقة الاستقالة واخفتها في
حقيبتها…..لم تخبر أحد بهذا القرار……حتى لا تكثر
الشكوك والاسئلة حولها……فمن الغبي الذي يستقيل من مكتب مشهور ، ويفر من محامي ناجح
كسليم الجندي………
لها أسبابها الخاصة……وهي تريد ان تلحق نفسها قبل
ان تنغرس أكثر به……..ويستحوذ هو عليها….. كحالة
مع كل أمرأه تقع عينيها عليه………
أوصلها حمزة بسيارته امام العمارة القابع بها المكتب……ولم يتحدث كلمة واحدة طوال
الطريق….وحتى عندما ترجلت من السيارة
متجهة الى المصعد واستقلت به… انطلق هو
بسيارته بعنف معبرٍ….
بداخل المصعد تجمعة غمامة من الدموع في
مقلتاها محجبة عنها الرؤية فانحنت براسها
منهزمة تجش من البكاء وحلقها يموج بحزنٍ
مرير ، كوردة مائلة……أهمل الجميع وجودها
في موسم الربيع ؟!……
…………………………………………………………..
أطرقت على باب مكتبة فسمح لها بالدخول وهو جالس خلف مكتبة ينتظرها بعينين ثاقبتين متلهفتين لرؤيتها…….فلأول مرة منذ ان توظفة هنا ان تبتعد
عنه بهذا القدر…..فكم أشتاق…….وكم مولع برؤيتها
الآن…..
عندما ابصرها واصبحت تحت سطوة عيناه عقد
حاجباه وهو يراها كم كانت باهتة النظرات….حزينة
الملامح…….بعينين حمراوين……..وجسد هزيل من
الحزن……….
لم يتحرك من مكانه بل انتظر….أنتظرها بصبر السبعة
أيام الماضية دونها…..
اقتربت كيان منه بخطوات مستقيمة…..حتى وقفت
امام المكتب وانحنت تضع امامه تلك الورقة البيضاء المطوية…….
وقد خانتها عيناها عند تلك الانحاءه ونظرت اليه عن قرب…..فرأت عيناه كانت تنتظرها وألف قصائد من العتاب تسايرها……..فبلعت ريقها بتوتر وهي تستقيم
واقفة………
نظر سليم للورقة سائلاً اياها دون ان تحيد عيناه عنها…….
“اي دا ياكيان……..”
قالت بشجاعة…… “استقالتي يا استاذ………”
نظر لها بقوة ورمش بعيناه متسائلاً….
فتمسكت بتلك الجسارة داخلها وهي تواجهه
خزيها بقوة……..
“مينفعش افضل بعد اللي حصل…. أرجوك ياستاذ
اقبل استقالتي…….”
اتقصد العناق ؟!…. هذا العناق الذي لا ينتمي للحميمية بصلة بل كان احتواء…. ظن انها بحاجة
أليه ففعلة في لحظة تهور منه….. لكن بعد ان أرتاح على كتفها علم انه هو الظمأءٍ لهذا الدفء الانثوي
….والاحتواء الفطري التي تتمتع به……
يقسم داخله انه لم يستشعر يوماً في احضان ايتن
بهذه المشاعر النادرة، بل كان كل ملامسة بينهما تنقلب لرغبة اجساد جامحة…….
مسك سليم الورقة ودون ان يفتحها قطعها امام
عينيها الحزينتين التي اتسعت بعد ثواني بذهولاً
هاتفه…….
“اي اللي بتعملوا دا يا استاذ………”
قال وعيناه تكتسحان ككلماته…
“كيان….انا نسيت اللي حصل في الحفلة…ولازم
انتي كمان تنسيه………”
اسبلت اهدابها مذعنة بينما قالت بحرج
شديد…
“اكدب عليك لو قولتلك اني هقدر انسى…وهكون كدابة اكتر لو قولت اني فاكرة كل حاجة حصلت…..”
ثم اخرجت تنهيدة ثقيلة على صدرها
وقالت بحرج……
“بس مينفعش اكمل ياستاذ كده أحسن……”
لانت نظراته قليلاً قائلاً من اعماقة….
“انا محتاجك ياكيان…….”
رفعت وجهها اكثر مشدوهة…..فانتبه هو
لتلك الجملة العفوية و التي تحمل معنى
واحد فقط……فصحح مغمغماً……
“محتاجك في المكتب…….والاستقالة مرفوضة…”
هزت كيان راسها وهي تقول
بوجوم….
“يا استاذ اسمعني……..”
قاطعها سليم بخشونة هاتفاً…..
“أنسي اللي حصل ياكيان…..وخليكي……اتفقنا…..”
رفضت عرضة السخي بصرامة…..
“انا مصممة على الاستقالة….انا اسفة مش هقدر اكمل هنا……..”
زم سليم شفتيه متعجباً بينما قال
بعنجهية…..
“مفيش حد عاقل يرفض يشتغل معايا……”
قالت بجزع…..
“قدرني مجنونة…….واقبل استقالتي…….”
سالها سليم بفظاظة…..
“طالما اعصابك تعبانه اوي كده…..اي اللي جابك…”
إجابة بنظرة باردة…..
“عشان اقدم استقالتي اللي انت قطعتها…..”
“هو ده بس اللي جابك……”سالها ببحة خاصة اوصلت الرجفة لجسدها فتلجلجت سائلة
“تقصد إيه…….”
هز راسه نافراً…… “ولا حاجة…….”ثم مسك احد الملفات وادعى الانشغال بها وهو يقول بحزم….
“اعتبريني موافق على الاستقالة مبدايا…..لحد
ماجيب محامية شاطرة او سكرتيرة تشيل الشغل
مكانك……..”
سالته بتردد… “والموضوع ده هيطول يا استاذ…..”
مط سليم شفتيه بعدم إهتمام…..
“على حسب…ممكن شهر…. اتنين….لحد مالاقي….”
قالت كيان سريعاً….
“مش هينفع يااستاذ….انا اخري الشهر ده وهمشي….”
رفع عيناه عليها بقوة…..
“شكلك شوفتي مكان جديد……”
اومات برأسها مجيبة ببساطه….
“أيوا بصراحة….هشتغل مع نائل زميلي….في مكتب المحامي خليل السواح……….”
نهض عن مقعده وتخطى المسافة بينهما… قائلاً بملامح تنذر بالشر…..
“آآه نائل……..قولتيلي……هو انتوا بتكلموا……”
ترجعت كيان تلقائياً للخلف وهي ترمش بعينيها
عدة مرات متوجسة من هجومة المفاجئ……..
“ودا يخصك في ايه يا استاذ…….”
وقف مكانه بعد ردها وأشار على الباب بنفاذ
صبر…. “على مكتبك ياكيان……..”
قالت بأسلوب استفزه اكثر من السابق….
“تمام بس انا اخري معاك الشهر ده……وهمشي..
فحاول تلحق تجيب حد يشيل الشغل مكاني….”
اشار لها مجدداً بتحذير فهو أصبح على حافة التهور… “على مكتبك ياكيان….على مكتبك…..”
لوحت بيدها بتمرد…. “انت بتزعق كدا ليه……”
قطع المسافة بينهما فواجهها بعينين عاصفتين
بينما صدره تضخم من شدة الغضب والغيرة……
هتف من بين اسنانه المطبق عليها بقوة….
” متستفزنيش كيان……”
نظرت اليه بخوف بينما صدرها كان يرتفع
وينخفض من شدة الانفعال….
“بستفزك بأيه مش فاهمة……..”
مالى عليها براسه صارخاً باسمها بسطوة
مفجعة… “كــيــااااااان……..”
فاغمضت عينيها مرتعبة منه….هامسة بضعف….
“آسفه…..آسفة خلاص……..”
لم يحتاج الأمر منه أكثر من دقيقتين حتى
انسحب ثم اولاها ظهره قائلاً بصوتٍ متحشرج
من شدة الانفعال….. “اخرجي….اخرجي ياكيان…….”
اومات براسها بخوف وهي تركض على الباب المفتوح لتجد نفسها ترتطم بشاب ذات عطر
قوي ….رفعت فيروزيتاها عليه…لتجده
يبتسم لها قائلاً بعبث…..
“خدي بالك ياقطة……..”
استدارت تنظر الى سليم العاصف فوجدته يشير
لها بعيناه ان تخرج….ففعلت متجاهلة الرد على
هذا الزج……
استقبله سليم بملامح
واجمة…..
“خير ياشادي اي اللي جابك……”
دخل شادي المكتب وتخطاه ثم جلس على
الاريكة بصلف قائلاً بسماجة……..
“اي الاستقبال ده… دا انا أول مرة حتى اجي
مكتبك……..”
رد سليم بملل وهو يمسح على وجهه
بكفه….
“جاي لي ياشادي….. أخلص عشان عندي شغل
في المحكمة كمان نص ساعة……..”
ابتسم شادي بعبث قائلاً بلهجة لعوبة…..
“اوكي… روح المحكمة وخلص شغلك وانا هستناك
هنا…. مش السكرتيرة هتفضل برضو هنا…..”
جز سليم على اسنانه والغضب يتفاقم داخله
كمن يحترق على صفيح ساخن……
“شادي…. كيان محامية تحت التدريب وبتروح معايا
المشاوير اللي زي دي……. انت بقا عايزة إيه…..”
رد شادي بابتسامة سميكة……
“انا جايلك في قضية كبيرة تخص والد واحد صاحبي…. وانا بصرحة شكرت فيك وقولت انك الوحيد اللي هطلعه من القضية دي…..”
جلس سليم على المقعد المجاور للاريكة متسائلا ببرود….. “نوعها اي القضية دي……”
رد شادي ببساطه……. “مخدرات……”
أفصح سليم برفضٍ تام……
“انا مبشتغلش في قضايا مشبوهة…..انا محامي وليه اسمي….دور على غيري ياشادي……”
“مفيش مشكلة….القضايا كتير…..وانا لازم انفعك…
مش يمكن اكون السبب في اني اشهر المحاميه
القمر اللي قاعده برا دي……..”كان غليظ بطريقة استفزت سليم اكثر من الازم مما جعله يهدر بنفاذ صبر عليه…
“شادي…..كيان خط أحمر…….”
ضحك شادي بلؤم وهو يقول
ساخراً….
“غريبه……ايتن خط أحمر….. وكيان خط أحمر….
هو انت كل الستات اللي حوليك خط أحمر ولا
إيه….أرحم ياسليم….احنا كمان لينا نفس ندوق…”
اندفع الغضب داخله دفعة واحده فسحبه
من ياقة قميصة وجذبة إليه قائلاً بصوتٍ
أشبه بزئير الأسد…….
“انت عارف لولا انك في مكتبي…..انا كنت عملت فيك إيه………”
اهتزت حدقتي شادي بخوف ولم يقدر على السؤال فتابع سليم بعينين غاضبتين…مستهينتين……
“حظك حلو اني خايف على شكلي وسمعتي قدام
الناس….اخرج برا…….برا……….”
دفعه بقوة بعيداً عنه….فعدل شادي قميصة متوعدا
له…….بينما هدر سليم ينادي عليها بقوة…..
“كيااااان……..”
اتت كيان مهرولة بقلبٍ مزعور…ووقفت امامه
شاحبة الوجه بوجل…….
فاشار لها بان تجلب له أحد كتب القانون من
المكتبه الواقفة جوارها..ففعلت بحاجب معقود
وفم فاغر….كل هذا الصراخ لأجل كتاب !!….
بينما على الناحية الأخرى أشار هو لشادي بصرامة
بأن يخرج……بعد ان ضمن تواجدها امام عيناه…..
……………………………………………………………
كانت تسير في شارع الصاوي في طريقها للمطعم
بعد ان جلبت بعض المنتجات الغذائية التي ستحتاجها أليوم……
واثناء طريقها انتبهت لمشادة كلامية بين سيدة عجوزة بائعة خضار على الرصيف وبين المدعو (مرعي…)
تاففت في سرها مستغفرة الله ثم أسبلت
هدابها متجاهلة الأمر……….
لكن بكاء السيدة أوجاع قلبها واشعل الدماء في عروقها…خصوصاً وسيدة تبكي وتقسم بانها ليس
معها إلا ثمن الخبز لصغارها…..
والمدعو (مرعي..)يهددها بمنتهى الجحود بان يلقى فرشتها خارج الشارع ويمنعها من الدخول لهنا
وكاننا عودنا لزمن النبوت وفتوة الحي…والافتراء
على الغلابة أصبح من شيم القوة والسلطة لديهم……..
جزت على اسنانها وهي تعود ادراجها إليه….ثم
وقفت امامه تسأله بهدوء…..
“في اي بتزعق للست كدا ليه….مابراحة دي قد أمك……”
لوح مرعي لشهد بيده وهو يرمقها شزراً…..
“ماتخليكي في حالك ياست شهد……وبلاش تدخلي نفسك في مشاكل انتي في غنى عنها……”
بكت السيدة العجوز والتي ترتدي عباءة سوداء ووشاح رأس مماثل لها….كانت نحيفة الجسد قصيرة القامة……. التجعيد تملئ وجه شاب من كثرة الهموم والفقر……..
صرخ مرعي فيها قائلاً باسلوب بذيئ…
“ما تبطلي كهن يامرا….ودفعي اللي عليكي ماهي مش تكيه ابوكم…….المكان اللي واقفه فيها يخصني
وانا خليتك تقفي فيه تسترزقي وانا كمان استرزق
هتبوقي وتتكهني….قسما بالله اجبلك الخضار دا
كله على الأرض…….وهتدفعي برضو…. ”
قالت السيدة باكية وهي تمد له يدها
بمبلغ زهيد….
“والله يابني ما جمعت اللي دول…….”
نظر للأوراق المهترية بيدها ثم صاح
بجحود…
“يعمل اي دول….. دا ميجبوش علبة سجاير….”
قالت السيدة بحسرة وهي تنظر لفرشتها….
“وانت شايفني فرشة ووقفه بأيه يابني….دا
خس وجرجير وكزبرة…..ابوس إيدك يتاخد دول
يا تفوت النهاردة وانا والله هجبلك فلوسك
بكرة…….”
“بقا كده؟!…. يبقا انتي بقا اللي جبتيه لنفسك…….”
مالى مرعي على الخضار ينوي طرحه أرضا…..لكن شهد وقفت امامه تمنع الخراب ببسالة وبنظرة
حاسمة…….
“استنى…….انا هديك الفلوس………”
توقف مرعي وهو ينظر اليها بحاجب
مرفوع…
“قد القول….. ولا اي كلام……..”
زفرة شهد بقرف وهي تسأله بحنق
شديد….
“اخلص عايز كام…….”
اخبرها بالمبالغ الذي يريده فاخرجت من محفظتها عدة أوراق مالية واعطاتها له قائلة بازدراء…..
“اتفضل وياريت تبعد عن الست وتسبها تسترزق.. خلي في عينك حصوة ملح ياخي………”
ابتسم من زاوية واحدة قائلاً بجشاعة….
“عنيه ليكي ياست شهد انتي تأمري….بس شكل الآشية بقت معدن….والبلية لعبت معاكي…..”
ارتدت شهد القناع الحازم وهي تقول
بصرامة…….
“ميخصكش………ورينا عرض كتافك……”
“ماشي مصيرنا نتقابل تاني…هنروح من بعض فين……..”قالها وهو يبتعد عن ابصارها بمنتهى
الثقة والغرور…….يمشي مشيت المفتخر
بذنوبة…….
مسحت السيدة دموعها ونظرت لشهد بامتنان..
“كتر خيرك يابنتي…….ان شآء الله لما أبيع
الخضار دا هردهملك………”
“سيبك من دا كله…وقوليلي اي الخضار الأخضر
الحلو ده…..شكله صابح…..”قالتها شهد وهي
تنحني على الخضرة لتاخذ ما تريده…..
قالت السيدة وهي تجلس امام
فرشتها البسيطه…..
“أيوا والله بجيبوا كل يوم صابح…….”
أخذت شهد ما تحتاجة ثم استقامت واقفه
تقول….. “طب انا هاخد دول…حسابهم كام…….”
ضربت السيدة على صدرها شاهقة…..
“ياخبر…..بعد اللي عملتيه…..مش عايزة حاجة دول
عشانك ولو انهم أقل بكتير من اللي دفعتيه……”
قالت شهد بامتناع وهي تخرج من محفظتها
عدة ورقات مالية…….
“لا طبعاً الشغل شغل….خدي دول…….”
اخذتهم منه السيدة باستحياء…..
“بس دول اكتر من تمن الخضار…….”
اهدتها شهد إبتسامة رقيقة…..
“بتمنهم…….صباحك ورد………”
ابتعدت فدعت لها السيدة بمحبة…….
“صباحك فل وياسمين…..ربنا يجبر بخاطرك ربنا يسعدك….وينصرك على مين يعديكي……..”
عندما وصلت المطعم دخلت المطبخ سريعاً ووضعت
الاكياس على الرخامة بعصبية…..
فنظرت لها خلود بتعجب…..
“مالك جايه قلبه بوزك كدا ليه……..في حاجه حصلت……”
رفعت شهد شعرها للأعلى بعنف….
“الزفت اللي اسمه مرعي…مش ناوي يجبها لبر…”
سالتها خلود بتعجب…….
“ماله ومالك….ماهو بياخد اللي هو عاوزه….
عايزة اي تاني…”
تحركت شفتي شهد بشراسة…..
“ماهو عشان بياخد اللي هو عاوزة سايق فيها…”
مطت خلود شفتيها بعدم فهم…. “عملك إيه؟…..”
هزت شهد راسها وهي تسرد الموقف
ممتعضة الشفاة…
“مش انا ياخلود…قعد يرزاي في ست غلبانه فرشة بشوية جرجير في الشارع…راسه والف سيف يرمي حاجتها في الشارع…….قال ايه مدفعتش تمن وقفتها…. “برقة شهد بعينيها بشراسة
مضيفة…….
“وهو مال اهل….. مالك الشارع واحنا منعرفش…..”
سالته خلود بحذر….. “اوعي تكوني ادخلتي……”
اومات شهد برأسها ببسالة……
“طبعاً ادخلت…..الست صعبت عليا…مقدرتش امشي
وسيبها مذلولة لكلب زي ده….خصوصاً اني اقدر اساعدها………”
عقبت خلود بسخرية……
“وطبعاً خدتي البطولة ورحتي دفعتي الفلوس
من جيبك…….”
تعجبت شهد من هذا التعقيب المعاتب في
نفس الوقت……..
“امال عايزاني اعمل اي ياخلود…ست غلبانه هيرمي
فرشتها في الشارع….هو احنا قلبنا بقا حجر كدا ليه……”
قالت خلود بالامبالاة…..
“الحياة بقت صعبة وكله بقا بياكل في كله….”
انحنت شهد بكفها على الرخامة تقول
مفكرة بجدية…….
“مش مبرر…….انا عايزه احكي لعاصم على اللي بيحصل اهو يتصرف هو وكبار الشارع…ويلموا
الواد ده…….حرام اللي بيحصل ده والله..طب
احنا معانا ندفع غيرنا مش معاه يعمل إيه…….”
اجابتها خلود باستهانه…..
“ميعملش حاجة يشوفله مكان تاني يفرش فيه….”
هزت شهد راسها مستهجنة……
“اهو نظام نفسي نفسي ده….هو اللي مخلي واحد
زي ده يتنطط علينا….لو كلنا حطينا ايدينا في ايدينا
بعض هيحرم يبلطج علينا……”
حذرتها خلود قائلة بالهجة خطِرة…….
“شهد احنا مش عايزين مشاكل خافي على اكل عيشك….واياكي تقولي حاجة لعاصم….الدنيا هتولع
في الشارع من تاني…وانتي أول واحده هتتاخدي في رجلين لانك فتنتي عليه……اتقي شر مرعي دا
ابن حرام وملوش عزيز ولا غالي………”
اصرت شهد بعناد…..
“انا برضو مش هرتاح غير لما اجيب مناخيره
الأرض انا مش عجبني اللي بيحصل ده….دا ظلم……”
زفرة خلود مستغفرة ثم اخبرتها بقلة
صبر……..
“مين بيرضى الظلم ياشهد…محدش راضي عن عمايله المهببه…. بس اللي زي دول لو وقفتي قصادهم قولي على روحك يارحمن يارحيم….”
قالت شهد بشجاعة….
“ومين قالك اني خايفه منه…….”
قالت خلود بوجوم……
“بلاش تخافي على نفسك…خافي على اكل عيشك…
عليا وعلى جوزي والبنات الصغيرة اللي شغاله معاكي
خافي على أخوكي……..”
عند تلك النقطة تاففت شهد منزعجة وهي تغلق جفنيها لثانيتين ثم نظرة اليها قائلة بجزع….
“اقفلي على السيرة دي ياخلود…….وخلينا نركز
في شغلنا…….”
تنفسة خلود الصعداء وهي تخبرها بنبرة
عادية……
“عين العقل……… اسمعي بقا … في خمس اوردرات اتصله ورا بعض……. عايزين اي بقا ياستي…….
…………………………………………………………..
كانت تتنقل بين طاولة وأخرى توصل الطلبات
لزبائن المطعم………..
كانت تتحرك بحيوية ترتدي تنورة طويلةٍ سوداء
وكنزة صيفية انيقة وفوقها المريول……….ترفع
شعرها للأعلى بفوضوية محببة للأعين بينما
تتناثر الغرة بنعومة وتغطي جبهتها بدلالٍ…..
كان يذيع الراديو حينها أغنية رائعة تتماشى بشدة
مع نشاط حركاتها المبهجة………
(سألته هل داء الولع كان الجواب صدّه
ساق الدلال ساق الدلع مفاتيح هواه صدّوا
ومشيت أوشوش في الودع ولا جاني ليه ردّه
اللي فتح باب الوجع واجب عليه ردّه…)
( يالا ويا لالا ويا لالا يالا ويالا لِلّي
يالا ويا لالا ويا لالا يالا ويالا لِلّي…)
وضعت شهد الاطباق وهي تلقي ابتسامة مشرقة لزبائنها….فدخل من باب المطعم عاصم..والذي كان
عابس الوجه يستحلف لها بان يقتص منها كل
ما تفعله به………وخصوصاً الحيرة في فهمها….
رفعت عسليتاها عليه وعندما ابصرته خفق قلبها
بشدة وهي تخصه بإبتسامة دافئة مشرقة ملكاً له واحدُ…..سرعان ما تبدل حالة ولان قلبه اليها ولوهلة نسى مالشيء الذي كان يغضبهُ منها منذ لحظات…….
هل تلك الجميلة صاحبة العيون العسلية المتلألأة
تستحق عناء العتاب….يالك من جلف؟!……
دوى صوت المذياع من جديد والعيون متعانقة
بألق عاطفياً…………بينما القلوب تحترق
صَبَابَة…..
(بعيونه بضرب مية مثل أول ما بيطلّوا
دَوقّته من طعم الغَزَل دوقّني من ذلّه
وبحبه أنا مهما حصل طب مين بقي يقول له
ماهو لو حبيبك كان عسل متخلّصوش كلّه….)
ظلت واقفه جانباً بانتظاره حتى قطع المسافات هو بخطى ثابته نحوها….وعندما وقف امامه نظر لها
بضيق……
“اي اللي عملتي امبارح دا ياشهد…….”
تاملت ملامحه العابسة ولحيته الحالكة….
وعيناه المظلم بالدفء ؟!….فبلعت ريقها وهي
تبحث عن صوتها امام هيبة حضوره………
“طب صباح الخير الأول….مالك مضايق كدا ليه….”
رد قاطعاً…….. “منك…..”
رمشت جافلة للحظات……. “انا ؟!…. لي كده…….”
اغمض عيناه زافراً ثم عاد اليها كاظم
الغيظ………
“اي حكاية فلوس الايجار اللي ادتيه للحاجة….هو مش الشغل دا بينا….بدخلي الحاجة نصرة فيه
ليه….”
قالت شهد مختصرة…..
“ببساطه لانك مش راضي تاخد فلوس الإيجار……”
رفع حاجب ضارياً…… “تقومي تدهولها……..”
بملامح ثابته اوضحة وجهة نظرها…..
“الشغل شغل ياعاصم….وطالما انا متحرجتش وخدت حقي بعد ماليوم خلص….انت كمان متتحرجش تاخد مني إيجار المطعم……..”
زمجر عاصم….. “حد قالك اني محتاج…….”
بهت وجهها في لحظة وسالته……
“قصدك اننا اللي محتاجة…عشان كده خدت حقي..”
قال بثبات انفعاليّ…..”انت لسه قايله حقك…….”
ردت بصلابة……”وفلوس الايجار حقك انت كمان…….”
تافف عاصم بحنق شديد…..
“انا تعبت معاكي مبقتش فهمك ياشــهــد……”
خفق قلبها بشدة مع سماع اسمها بايقاع يطرب
مشاعرها……..
ومع ذلك عقدة ساعديها امام صدرها وبدت في
أوج الهدوء وهي تخبره…..
“انا اللي مش فاهمه اي اللي مضايقك……مفهاش حاجة خالص لو اتعملنا في الشغل كده…..ملهاش
علاقة باي حاجة في دماغك…….”
سالها متزمراً……. “واي هو اللي في دماغي…….”
بعفوية إجابة…….. “انا……”
نظر لها بقوة وقد اشتعلت وجنتيها بعد ردها السخيف……لكنه لم يمهل عقلها فرصةٍ للتبرير فأكد بنظرة مهيمنة……..”كويس انك عارفة…….”
رمشت عدت مرات وهي تهرب من عيناه القوية ولكن ازدادت سلطة نظراته عليها فسالته بنبرة مهتزة…..
“بتبصلي كدا ليه…….”
رد بلهجة خطِرة….. “عايز اتكلم معاكي……..”
نظرة للمطعم الذي يعج بالزبائن والتي بدأت تركز معاهما بعد تعابير وجوههما ونظراتهما المعبرة كذلك…..
“ينفع اخر النهار بعد الشغل……”
هز عاصم راسه غير مرحب بالفكرة……
“اخوكي هيكون هنا…ولي عايز اكلمك فيه مش عايز
حد يسمعه غيرنا….على الاقل دلوقتي……”
سيطر الفضول عليها لذا قالت مقترحة…
“تحب نتكلم دلوقتي…….”
رفض قائلاً بخشونة…….
“هعدي عليكي كمان ساعة…..في نفس المكان اللي
بنتقابل فيه…….”
قالت سريعا…… “هسبقك على هناك……….”
اوما لها بالموافقة وهو يتعمق في كهرمان
عينيها……..ثم اخبره بعيون مداعبة…….
“صحيح………صباحك زي الشهد……ياشـهـد…….”
ابتعد مغادراً المكان تارك قلبها يشتعل في حضورة
ويحترق في بعاده…….فأين الخلاص منك ياسيدي..
……………………………………………………………..
جلست على أحد الصخور الحجرية الموجوده على سطح البحر من ناحية اليابسة……..
مدت يدها في الماء وحركتها على مهل وهي شاردة في جمال الكون….وابداع الخالق……..والماء يداعب
يديها ويعانقها على مهل………..
بينما الجلوس امام زُرقة المياء يصفي ذهنها ويريح
بالها قليلاً وكانها في مكانها المناسب……….اغمضت عينيها تاركه احساسها يعلو فوق السحب…..وصورة الوسيم ذات الحضور المهيب والاهتمام الحاني….. ونظراته الدافئة نحوها…. تحرك مشاعرها الى المجهول…….
تستشعر انها تغرق معه….ومع ذلك سعيدة….بل لولا
انها نست كيف تعبر عن سعادتها لكانت فعلت….
انها نست كيف تكون السعادة…..لكنها تشعر بها معه…
وحتى ان فشلت في التعبير عن مايجول بخاطرها
هي تشعر انها تلامس نجمة من السماء معه…..
لكن الماضي….والدها ….إلهام…..الانتكاسات الكبرى التي حصلت من خلفهما…….كيف ستتخطاها….
هي وشقيقيها………
وحالياً….. شقيقة الهام رُفيدة طليقة عاصم……كيف
ستتخطى هذا الأمر…..وقد رأت في عينيها بصورة
صريحة انها لا تنوي خيراً……..
وماذا عن خطط المستقبل…..احلامها…ما تطمع اليه وتود الوصل له…الاستقلال…. البعد عن كنف الرجال من جبروة وجحود وقسوة تظلل قلوبهم………..
اين ذهبت…..المشاعر تأرجح قرارتها يميناً ويساراً
وأصبحت ضائعة……. مشتته………تاركه نفسها
للاحداث تحركها دون ان تبدي قراراً قاطعاً
بها…..
“اتأخرت عليكي…..”
اتى صوت عاصم ليطفئ نيران افكارها….ويشعل نيران مشاعرها…….فنظرة اليه بصمت وعادت تتلبسها
تلك المرأه الكارهة للحياة ، الفظة مع بني آدم….
“خير كنت عايزني في إيه…….”
انعقد حاجبي عاصم سريعاً معقبا
بارتياب…
“سؤال بس…… هو انتي ملبوسة…….”
“إيه……”اتسعت عينا شهد نحوه
بصدمة….فاكد هو بوجوم…..
“انتي مش طبيعيه ياشهد…….مش طبيعية…..”
احتدت نظراتها عليه….. “قصدك اني مجنونة…..”
رد بفظاظة عليها….
“ياريت كانوا جلستين كهربا فوقوكي…..”
“انا ماشية……” تزمرت بمنتهى الانفعال وكادت ان تنهض من مكانها…..لولا يد عاصم التي قبضة على
معصمها تمنع تحركها بينما هو يخبرها بعنف
ونظرات متوهجة………
“قعدي هنا……….اسمعي ياللي لحد دلوقتي مش
فاهم فيكي غير أسمك……كلك كلكيع ومش مفهومه
ومع ذلك عجباني…..إزاي بقا معرفش…تقريباً الواحد قُرب الاربعين مخه بيسيح ………زي مابيقوله كده شاب وخاب…..وانا شِبت وخِبت….وعايز اتجوزك…..
يامجنونة…..”
تسمرت مكانها كتمثال مجسم لا تبدي اية ردة فعل…
فقط حدقتيها تهتز باتساع جفنيها أكثر… تنظر اليه بعينين غير مستوعبتين… غاضبتين…مرتبكتين
وعندما طالت نظراتها الممزوجة بمشاعر عديدة
سألها ببطئ……بينما عيناه تجري على تعابير
وجهها الصريح…….
“بتصيلي كدا ليه…….. موافقة…….”
هزت راسها بسرعة… “لا…….”
لم يبدو عليه الانزعاج من ردها المتسرع وكانه
فهم حالة العِته التي تزورها بين الحين
والآخر…….
“كنت متأكد انك هتقوليها…… قلبك حجر…. لا
ليه ؟!……”
حاولت ان تتجازو حالة الذهول التي تلبستها
تلك……وقد عادت الى رشدها بتدريج…
فاطرقت براسها قائلة……..
“عاصم…….. انا مش مستعده للجواز…….”
رد هو ببساطه…. “ولا أنا………”
رفعت عينيها عليه بصدمة ممزوجة بسوء
الظن…… “يعني إيه……..”
فهم مغزى نظراتها وسؤالها المرتاب فقال
بجدية…….
“اي النظرة دي…. اكيد عايزك في الحلال… بس انا قصدي نعمل فترة خطوبة… ونتعرف فيها اكتر على بعض……. ونقرب المسافات بينا…… ”
سالته جافلة……. “خطوبة؟!…….”
اوما براسه متسائلاً…. “أيوا………. ساكته ليه……..”
نظرة اليه مستفسرة…. “طب والمطعم؟……..”
سالها بحيرة…… “ماله المطعم ؟!!…….”
قالت شهد بجدية شديدة…..
“انا مش هسيب شغلي في المطعم ياعاصم… العقد
لمدة سنة…….”
ضيق عيناه في خطٍ مستقيم….. “يعني إيه……”
قالت بمنتهى العملية……
“يعني دي خطوبة…. فترة تعارف…. احتمال كبير نفشل…. فبلاش توقف اكل عيشي…. انا مصدقت
عملت زبون في المكان…….”
انزعج جداً من تعلقها بهذا الأمر فقال
بوجوم…….
“وشكلي قدام الناس ياشهد…. يرضيكي……”
هزت راسها بغير استيعاب وكانه صفعها على
حين غرة….
“قصدك إيه…… انت مستعر مني ومن شغلي…..”
اكفهر وجه عاصم وقال مستنكراً……
“اي العبط ده… لو مستعر منك هبقا عايز اتجوزك ليه……..اعقليها ياشهد… انا ليا اسمي في سوق والشارع كله… عارف مين هو عاصم الصاوي… ”
عقدت ساعديها امام صدرها…متصلبة الرأي….
“شغلي ميعبكش ياعاصم…. ودا شرط أساسي
قبل ما أرد عليك…….”
ابتسم ساخراً وهو ينظر لها بانفعال
مكبوت….
“ويترى لو ربنا وفقنا…… واتجوزنا….. هتفضلي
برضو شغاله في المطعم…….”
نظرة اليه بطرف عينيها قائلة……
“لم يجي وقتها…….واطمنلك………”
انزعج جداً من ردها فعلق واجماً……
“مش فاهم……. انتي مش حسى بحاجة ناحيتي…”
خفق قلبها بشدة…..فحلت وثاق ذراعيها حول
صدرها…..فوضعت كفيها على ساقيها وبدأت
تفركهم في بعضهما بتوتر بينما وجهها مشعٍ
خجل من نوع آخر……….
“شــهــد………”فنادها عاصم وهو يمسك كفها لأول مرة بطريقة خاصة……فعندما تمكن منه بدأ يحرك أصابعه على ظهر يدها الناعم مداعباً اياها بحركة دائرية حانية….
ارتجف جسدها من تلك المسة الحانية والرجفة
وصلت عبر لمسة يده فابتسم هو…..وهو يحارب
معها حتى يلتقي بكنفة الامن……عينيها……..
حاولت سحب يدها وهي تهمس بضعف استوطن
فؤادها……بلمسة…… وهمسة منه…..
“عـاصـم…….”
فنظرت اليه وقد خضعت لتوهج عيناه النابضة بمشاعر عنيفة جميعها تصب على قلبها فتزداد
الأمور صعوبة معها……..همس عاصم بصوتٍ
أجش بينما يدهُ تلمس ظهر كفها بشكلاً
عاطفي….
“انا دايب ياشهد…..دايب فيكي…. من أول مرة وقعت عيني عليكي وانتي خطفاني…….معقول مش حسى
بحاجة ناحيتي…….”
اين طوق النجاة الان….تقسم انها تحتبر معه أشياء
لم تفكر فيها يوماً طوال سنوات عمرها…….
كيف تسمح لهُ بمسك يدها هكذا…. بل كيف تترك نفسها تسمع اعتراف يُرهق قلبها نبضاً…….يُشغل
عقلها ليلاً……ويُسهر عينيها حتى الصباح………
سحبت يدها بقوة وهي تهرب منها ناهضة
من مكانها….. “عـاصم……..انا اتاخرت… ”
وقفا على الصخور معاً يمنعها عن الرحيل
قائلاً بلهفة…..
“استني ياشهد قولي انك موافقة……….”
ترددت بصدق امام لهفة
عيناه…..
“مش عارفه…. اديني فرصة…….”
اخبرها عاصم بتفهم…..
“فكري في فترة الخطوبة ومديها زي مانتي عايزة..
لحد ماتطمني…..”
تلاقت اعينهما مجدداً فاضاف بحسم….
“هستنا ردك بليل………”
رمشت بعينيها عدت مرات وقالت
بنفي مرتبكة……..
“عاصم الموضيع اللي زي…. مش بتتاخد بالسرعة دي…….”
قال بتململ وهو يرجع خصلات شعره
للخلف….
“عايزة قد ايه عشان تفكري…….”
مطت شفتيها مفكرة…… “شهر مثلاً……..”
رفع حاجباه مصدوماً…..ليرد عليها هازئاً……..
“شهر؟!!….. وليه الاستعجال ده…. ماتردي عليا السنة
الجايه……”
اومات براسها ببرود…… “زي ماتحب…….”
“متستفزنيش ياشـهـد…….”جز على اسنانه بقلة
صبر معها…..لذا قالت هي بتبرم…….
“كمان اسبوعين كده كويس……..”
هز راسه بتزمت وقال بصلابة…….
“لا…….خير الأمور الوسط…… يومين بظبط وهكلمك……. وهعرف ردك النهائية وفي اليومين
دول هبعد عنك خالص… عشان متقوليش اني
بأثر عليكي……. فكري براحتك… وردي عليا برضو براحتك…. بس مش اسبوعين كفاية يومين….. اتفقنا……..”
اومات برأسها…. “اتفقنا………يلا نرجع شغلنا…. ”
“خلينا قعدين شوية….. ربع ساعة كمان…….”أشار لها بان تجلس….فسالته بحيرة
“وليه بقا؟……”
“يمكن لانك هتغيبي عن عيني يومين بحالهم…”
رغم جمال المعنى المتخفي خلف جملته إلا انه
كان عابساً…..متجهم النظرات…….
مما جعلها تطاوعه وتجلس قائلة
بمناغشة…
“تعرف انك شاطر أوي في الكلام…….”
جلس جوارها ورد بوقاحة دون النظر
لعينيها…. “وفي الأفعال كمان……..”
احمرت وجنتيها سريعاً وتغاضيت عن التعليق…
فنظر هو لها بطرف عيناه…..ثم لانت ملامحه
وتغزل بها قائلاً…….
“بتبقي حلوة اوي لما بتكسفي فجأه….ولما
بتضحكي على غافلة…….خليكي كده أحلى
بكتير……. من….”
نظرت اليه مستفسرة…… “من إيه…..”
عاد لجمال عينيها يأسرها قائلاً……
“انتي عارفه…. لما بتسرحي وتقلبي من غير سبب
بترمي كلمتين دبش…… وبتهربي……..”
سالته بلهجة مريرة……
“ومين قالك اني بقلب من غير سبب…….”
رد رداً قاطعاً…..
“بكرة اعرف السبب واعلجه…….”
ابتسمت ساخرة…. “ملوش علاج……….”
اشار على نفسه بغرورٍ……
“عند العبد لله……… كل حاجة موجودة…….”
نظرت امامها للبحر…. بملامح باهته
كروحها…….
“حلوه الثقة دي…….. بس انت هتتعب بسرعة وهتمشي في اقرب وقت……”
رد بثقة أكبر وعيناه لا تفارق جانب
وجهها….
“أكيد يوم ما همشي هتكوني معايا….على كتافي..”
مطت شفتيها يائسة…… “دا انت مصمم بقا……”
رد بصبرٍ أكبر….
“بالي طويل……. ومصمم أوي……..”
قالت بنبرة واهية… “هتتعب……..”
رد بثقة غير منتهية….. “مصيري أتعود…….”
اومات برأسها مضيفة بأسى….. “هتزهق……..”
تغزل في عسليتاها البراقة
قائلاً….
“قدام العيون الحلوة دي…. مظنش…..”
ببسمة لم تصل لعينيها قالت
بحزن….. “مع الايام هتمل مني………”
“مع الأيام هتعلق بيكي أكتر……..”أكد بنظرة صادقة
تعبر لها عن الكثير…..فاطرقت برأسها حينها هاربة
فناداها عاصم كما تحب وكما هو يفضل متكأ على الأحرف الثلاثة وكانما يتذوقهما لأول مرة على لسانه……….
“شـهـد…….”
نظرت اليه بقلبٍ نابض بالوجع…..فسالها هو حائراً
من أمرها……… “انتي خايفه من إيه…….”
(خايفة أحبك………)
لم تقدر على ان تتفوه بها….أكبر مخاوفها ان تقع
في الحب……….وهو يجذبها كالمغناطيس لأكبر مخاوفها……دون اي رأفة بحالها………
عندما طال صمتها……حاول عاصم بث الطمأنينة بقلبها المرتاع……. فقال على مهل…..
“سبيها بظروفها…. انا معاكي للآخر……..”
……………………………………………………………..
كانت تتمايل أمامه باغواء على أوتار شعبية صاخبة
بينما هو يجلس يستريح على الاريكة ويأكل من حبات العنب بين يده بتلذذ بينما عيناه الشهوانية
تلاحق مفاتنها المهتزة بانتشاء……
اما هي فكانت تسعى لاغواءه بكل الطرق….. فربما تمكنة من قلبه ولامست نقاط ضعفة ثم تضمن
بعدها جزءاً من املاكه !…..
هذهِ هي اهدافها في العلاقة….. بعض الضمانات المادية فأذا مل منها يوماً والقاها خارج محيطه
تجد ما يعولها من بعده………
صدح جرس الباب في تلك الأوقات أوقف
لحظاتهما الخاصة……. فحلت مهجة الوشاح من
حول خصرها……قائلة بميوعة…….
“الباب بيخبط ياسيد الرجالة…….”
هتف عثمان وهو يتحسس صدره بحرارة….
“سيبك منه وتعالي…….”
ابتسمت بمراوغة….. قائلة بدلال….
“اجي فين هنا؟!…. على الكنبة……”
“تغيير يابت…. تعالي…….”سحبها لاحضانه ومالى حتى يقبلها لكن الطارق ازداد الحاحاً…. فتركها
عثمان على مضض متاففاً بنزق…..
” وبعدين بقا في وجع الدماغ ده……دي اكيد واحده من الجيران اللي فتحالهم الشقة على البحري…… ”
هزت مهجة راسها مرتعده…..
“لا ونبي ياخويا…. دا انا قاطعتهم كلهم عشان
خاطرك….”
سالها بملامح شيطانية……. “أمال مين……”
“هروح اشوف روق ياسيد الرجالة…. ثواني وجايه……..”قالتها برجاء وهي تبتعد عنه……
وقبل وصولها للباب غمغمت بحنق…..
“منك لله ياللي على الباب… هطفش الراجل
مني…..”
فتحت الباب بتجهم….. ناوية افتعال المشاكل مع هذا
الضيف الغير مرغوب به الآن………
شل لسانها وجفلت متفحصة تلك السيدة الانيقة
التي تقف على اعتاب بيتها…… امرأة شقراء
الشعر….ترتدي طاقم كلاسيكي انيق وتقف امامها باستعلاء…… جميلة الملامح لكن عينيها الزرقاء كالجمر المشتعل تلقي نظرات نارية عدائية عليها
بدون سبب وجيه…..
عندما ذأبت الصدمة من على وجه مهجة……
سألتها باستفهام…..
“خير ياهانم…….عايزة حاجة…….”
بمنتهى العجرفة دفعتها المرأة من امامها ودخلت الشقة بخطوات متشنجة ثم وقفت في الردهة…….تنادي بعزم مافيها هائجة بجنون………
“عثماااان…….عثماااان…….”
اغلقت مهجة الباب بقوة واتجهت اليها صارخة
فيها بغضب……..
“هو اي اصله ده…….هي وكالة من غير بواب….”
زمت المرأة شفتيها مشمئزة……
“اركني على جنب…مبقاش غير الخدامين كمان اللي هتكلم معايا…….”
اتسعت عينا مهجة بغضب وسريعاً فتحت ذراعيها الاثنين شاهقة……..
“خدامين….خدامين مين ياعووووووومر…..دا انا مرات سيدك وسيد الناس كلها….مرات عثمان الدسوقي على سن ورمح……..”
لم يرف لها جفن وكأن هذه الأمور اعتادت
سماعها عنه… فمن يوم ان تركته وهو يلهو في
اجساد النساء حتى ينساها…..وهذا يرضي
غرورها…. قالت بتعالي مهينة إياها……
“مراته ؟!….يااي……ذوقه بقا بلدي أوي……”
“ماتحترمي نفسك ياوليه….هو محدش مالي عينك ولا إيه………”صاحت مهجة بنفاذ صبر وهي على وشك صفعها….
لكن نداء عثمان القوي اوقف تلك المهزلة……
“مهجة………”
لم تنظر اليه المرأه بل انتظرت بفارغ الصبر ان
تتبخر تلك الخرقاء حتى تبدأ بالتحدث معه على انفراد…..
اتجهت اليه مهجة تشتكي…….
“كويس انك جيت ياسي عثمان……الست دي داخله
كده من غير لا إحم ولا دستور…….لا وبتهزقني…”
أمرها عثمان بنظرة مهيبة….
“ادخلي على اوضتك يامهجة….ومتطلعيش منها…….غير بأمر مني…”
تعجبت مهجة من رده فقالت….
“بس ياسي عثمان……….”
بتر جملتها وهو يرمقها
شزراً ….
“مهجة…..مش هعيد الكلمة مرتين…..”
ارتعدت داخلين لذا قالت
مذعنة……
“انت تأمر ياسيد الناس……..اومرك……”
دلفت غرفتها واغلقت الباب عليها….فنظر عثمان
للمرأة من أول رأسها حتى اخمص قدميها…..
تلك المرأة التي اشتهاها قبل سبعة وعشرون عاماً
ومزال يشتهي قربها وكأن المشاعر مزالت وليدة
داخله لم تتلاشى بعد……
تلك المرأة التي اشتهاها بشدة….ترك كل شيءٍ لاجلها
زوجته أولاده….وضع كل شيءٍ تحت اقدامها….لكنها
لم تقدم تنازل واحداً ليكونوا معاً……..
كانت أنانية وحقيرة معه….ولم تكتفي بذلك بل تابعت
حياتها وتزوجت من غيره……..الأكثر سلطه ومالاً….
تلك المرأة التي اشتهاها بشدة… مزال يسعى للوصول اليها انتقاماً وحباً……وها قد اتت
بعد ان القى الطُعم لها !!…….
“متغيرتيش كتير يا إلهام…. لسه زي مانتي….”
نظرت الهام اليه فوجدته ينظر لجسدها بوقاحة
فابتسمت بغرور قائلة ببرود…..
“بس انت بقا عجزت اوي…. لا وكمان ذوقك بقا بلدي…….”
ابتسم عثمان بسماجة……. “غيرانه…….”
رفعت انفها بترفع……
“دا كان زمان…. دلوقتي انا الهانم إلهام…. مراة مسعد الصاوي……..”
ضحك هازئاً……
“آه فكرتيني…. وياترى جوزك عارف انك جيالي شقتي…”
احتدت زُرقة عينيها فقالت بتهكم….
“انا مش جايه للي في دماغك….. انا عيزاك
في موضوع مهم…… موضوع يخص شهد بنتك…
اللي رميتها في سكتي عشان تخطف…. جوز
اختي عاصم الصاوي ابن اخو جوزي ياعثمان..”
اقترح عثمان بهدوء شديد….وكان الخبر
قديم بنسبة له……….
“يبقا نتكلم جوا…….. عشان الحيطان ليها ودان…”
اتجهت إلهام بمنتهى العصبية الى الغرفة الذي أشار عليها…..بينما على الناحية الأخرى لحقت بهم
(مُهجة) ترهف السمع من خلف الباب المغلق
بحرصٍ شديد….
……………………………………………………………
عندما جلست على الاريكة نظرة اليه بعينين تقدحان
شرراً……..وهتفت بصرامة قصوى….
“بنتك تبعد عن عاصم…..سامع……”
لوى شفتيه بابتسامة بذيئة….. “والمقابل……”
احتدت النظرات وهي تهتف بشراسة من بين
أسنانها……..
“ااه دا انتوا طبخنها سوا بقا…….يعني مش صدفة
ان الطباخة تبقا بنتك أنت……..”
تحسس عثمان ركبته قائلاً بثقة….
“مفيش حاجة تفوتني يا إلهام…….وشهد من أول
يوم دخلت فيها الشارع وانا على علم بكل حاجة
بتحصل معاها….”
حركت راسها متشدقة……. “يعني إيه…..”
رد عثمان بابتسامة متشفية……
“يعني انا رميت الطُعم….وابن أخو جوزك كله……
ودا اللي خلاكي تجيلي برجلك… ”
اضطرب جسدها لوهلة وهي تساله بشك….
“انت عايز إيه بظبط…….”
رد رداً قاطعاً بملامح قاتمة…….. “عايزك……”
رجعت براسها للخلف بعينين متفاجئتين من
جرأته….. “انت اتجننت…….انا متجوزه……”
رد عثمان بالامبالاة…..
“ومالوا اطلقي……ونتجوز……..”
اشارة عليه ذاهلة……..”اتجوزك…….”ثم تشدقت ضاحكة بسخرية سوداء………..
“والله دي أحلى نكته سمعتها…….اسيب كله الهيلمان
ده…..واتجوزك….دا انا أبقى واحده مبفهمش
….انسى….. “قالت آخر كلمة بحاجب مرفوع
بتحدي………
فهز عثمان راسه مجيباً ببرود جمدها…..
“ومالوا…….يبقا انا كمان هشاركك في الهيلمان ده…وهفضل ليكي زي اللقمة في الزور انا وبنتي….”
بصيحة متهورة صرحت…….
“يبقا هحكي لعاصم على كل حاجة وهقلب المعبد
على دماغكم……..”
أومأ عثمان براسه بثباتٍ وفي أوج الهدوء
اقترح بفطنةٍ………
“ساعتها لما يسألك عرفتي منين ابقي قوليلوا روحت
شقة حبيبي القديم……وعرفت منه…. اللي بيخطط
ليه هو وبنته……..”
نهضت من مكانها صارخة بجنون… “عثماااااان…..”
قفز من مكانه هو أيضاً يواجهها بجسارة….
“الهاااام……….متلعبيش بنار….وفكري كويس…انا عايزك في الحلال…..وهسامحك على كل حاجة
عملتيها معايا زمان….قولتي إيه…….”
هاجت الهام بعينين عاصفتين……
“انت جرا لمخك حاجة……..بقولك انا متجوزه
ومخلفة منه….يزن….اللى كمان كام سنة هيكون
دكتور قد الدنيا…….يزن وريث عيلة الصاوي……”
رد عثمان ببرود…….
“وعاصم…..جوز بنتي كبير عيلة الصاوي..بعد سبع
البرومبة جوزك……..”
ضحكة بسخرية وتشدقت بلؤم……
“قوام كده خليته جوز بنتك….أفرض بيتسلى بيها……ومش ناوي على جواز…….”
اظلمت عينا عثمان ورغم ذلك رد ببرود…..
“لا من ناحية دي اطمني…….انا عارف كويس بنتي
هتعمل إيه معاه……….”
اشاحت بوجهها للناحية الأخرى
متاففه بجزع….
“واضح ان الكلام معاك….ممنوش فايدة……”
لمعة عينا عثمان بنشوة وهو ينظر لوجهها
الغاضب واقترح بخساسة……
“فكري….باشارة منك……بكلمة واحده هوقف الجوازه…..وممكن بكلمة تانيه….امضي على عقد
جوازهم………”
تلونت شفتيها بإبتسامة حاقدة…..
“لعبتها صح ياعثمان…….”
اوما لها عثمان بزهوٍ…….
“مش كده مين يصدق…ان اللي بعدتنا عن بعض
زمان تقربنا دلوقتي……..”
“بتحلم…..انا لحمي مُر ياعثمان….وبنتك مش هتسلم مني……….”دوى صوتها كالرعد اجفله لبرهة……….
لكنه رد بصوتٍ كالجليد المسنن غير
مبالي…..
“ومالوا……….راحت شهد….تيجي كيان….هو انا مقولتلكيش ان عندي بنت تانيه…..غير شهد…”
نظرة له الهام بعدم تصديق….وكأنها لم تفعلها
مع أختها من قبل !!……
“وكلهم……عملهم طُعم عشان توصل للانت عايزوا..”
رفع عثمان قبضةٍ مضمومة أمامه بشدة قائلاً
بسطوة مرعبة…….
“كلهم…..كلهم تحت ايدي…. احركهم زي مانا عايز….احركهم لصلحي……لصلحي انا يا إلهام…….”
لوهلة خافت منه……فقد تحولت ملامحه الغير مبالية
لملامح شيطانية مرعبة…..تلبسه شيطان يعرف ماذا يريد……وماذا سيفعل مع عبيدُ !…………أولادهُ هم عبيدُ….هكذا أوضح الحديث…….مجرد عبيد يأمرهم
فيطيعوا……..
………………………………………………………………
كان يقف في الشرفة يستند على السور بكفه الصلب بينما باليد الاخرى يمسك السجارة بين أصابعه…
ينفث منها بمنتهى الشراهة وكأنه يتصارع معها….
مزال منزعج غاضب ، يحترق صدره كمرجل
ناري ، اعصابه تلفت…. وأصبح على غير هدى
يشعر ان العالم كله يحاربهُ…والده…. شقيقتيه
…العمل……الحبيبة السابقة…..والتي اتضح
مع الوقت انها كذبة كبيرة عاشها لعامين
وأكثر……..
زفر الدخان الرمادي في الهواء فخرج يتراقص امام
عيناه المظلمة……..
مزال يلوم نفسه على تلك الصفعة الذي القاها على صدغ كيان……للحظة تهيأ اليه انه أصبح نسخة مصغرة من (عثمان الدسوقي….)النسخة الاشد
قسوة وصعوبة…….التي تشربة من كل ماهو
سيء وسوداوي !….
لم يكن هكذآ….. لكن خوفه عليها قادة لتلك الفعلة
وصفعها على حين غرة…. وحينها نزلت الصفعة
على قلبه كسوط حاداً….. فقد رأى في عينيها…… شيءٍ من الذنب….. من الكذب…….من الإعتذار….من الندم….. اختلطت نظراتها نحوه بعد تلك الصفعة بمشاعر عديدة ومع ذلك لم يفهم أياً منهم…….كان كالمغيب وهو يدفعها بعيداً عنه حتى تتقِ شره
الآن….
دخلت قمر الى الشرفة تحمل صنية عليها قدحان
من القهوة……..ثم سعلت فجأه بعدما سحبت الى رئتاها كمية كبيرة من دخان السجار……….
فنظر لها حمزة بانزعاج فلا ينقصه وجودها الآن….
نظرة له قمر بضيق قائلة بتبرم……
“اتقي الله…….وبطل القرف اللي بتشربه ده…
الواحد شم الريحة بس اتخنق……”
رمى السجارة خارج الشرفة متاففاً
بجزع….
“قمر…….انا مش فايقلك……اطلعي من دماغي….”
وضعت الصنية جانباً على السور….وقالت
بوجوم…….
“الله……..مالك كاني بتمسح فيك…..جيبالك
قهوة انا غلطانه……..”
رد حمزة بفظاظة وهو ينظر للجهة
الأخرى…
“ااه غلطانه………خديها ومشي…….”
نظرة له بعدم تصديق…..ثم تقدمت منه بتلك العباءة البيتي الانيقة…..وبشعرها الأسود المتراقص على ظهرها بدلال……….بملامحها الانثوية الرقيقة
والتي تحمل جاذبية ليس لها مثيل…….
وقفت جواره ونظرة للشارع بالاسفل قائلة
بسخرية……
“يخربيتك متربي عشر مرات……مش عارفة
بصراحة اودي الأدب والأخلاق والذوق بتاعك
ده فين….لا بجد تتحسد……لازم ابخرك……”
لوى حمزة شفتيه معقباً…. “اي خفة الدم دي………”
مدت يدها واخذت قدح القهوة ثم قدمتها
إليه بابتسامة صفراء…..
“من بعض ماعندكم……خد القهوة……”
جز حمزة على اسنانه وهو ينظر لوجه القدح البني بين اصابعها البيضاء النحيلة ، والذي ينافس لونه بنيتاها الداكنة والتي تحدق به الان منتظرة…
فارة الدماء في عروقه بشكلاً مبالغ
فيه……
“مش عايز يابنتي…..انتي مابتفهميش……اطلعي
من دماغي عشان انا على أخري……….”
مطت قمر شفتيها بأسى قائلة بمسكنة أنثوية
لها تأثير فعال…….
“انا مده ايدي ياحمزة……..وعملهالك بنفسي…معقول
هتكسر بخاطري………”
رمش بعيناه بعدم تصديق….فقد تغيرت نظرتها
ونبرة صوتها في لحظة للحمل الوديع…مما جعله
ياخذهُ منها على مضض غير قادر على
كسر خاطرها……
“لا وإحنا نقدر نكسر بخاطر قمراية…….”
ابتسمت قمر بسعادة……واشرق صدرها فجأه وهي تشاركه الجلسة….احتست القهوة جواره…..تنظر
للسماء وللمباني الاماميه المحيطه بهم……والهواء يضرب وجهها ممزوج بنكهة البحر المميزة……….
تحب موقع الشقة جداً….فهو قريب من البحر ربما
لا ترى البحر بشكلاً مباشر لكن تشتشعره…..بصوت أمواجه الثائرة ليلاً مع الرياح الشديدة التي تمر عليهم بعد ان تمتزج برائحة البحر…….
بعد لحظتين من الصمت نظرة له قمر وقالت
بصوتٍ هادئ…… “بقولك يا حمزة……”
قاطعها بفظاظته المعتادة أمراً…..
“هشش….انا بحب اشرب القهوة بهدوء…..هترغي..
خدي القهوة بتاعتك ومشي…….”
توسعت عينيها بدهشة وتبدد الهدوء على
ملامحها الى امتعاض….فغمغمت بقرف وهي
تشيح بوجهها بعيداً عنه…..
“استغفر آلله العظيم…..اتكتمنا………أطفح وانت ساكت……..”
نظر لها حمزة بزهول….تلك الفتاة تطاول عليه بشكلاً
يستفزة ومع ذلك أحياناً يتغاضى عن الرد عليها…ولا يعرف لماذا………
هتف بصوتٍ متوعداً بالشر……
“أطفح ؟!…….والمصحف ارميها في وشك متستفزنيش………”
نظرت اليه قمر بنفاذ صبر….
“اعملها كده…… وانا افتح دماغك…….”
زهل حمزة من ردها……. فالوقع هو ليس مهذباً
أبداً….ويجيد الرد بأقذع الكلمات…….بل لديه
قاموس من الشتائم المتعارف عليها والغير متعارف……لكنه سيكبح غضبة ويعض على
لسانه فلا يصح الرد على النساء بأسلوبٍ
مماثل او أشد وطأة……
“اي يابت ده……..”
زمت شفتيها متعجبة…..
“اي عايز تكلم ومحدش يرد عليك…….”
هز راسه زافراً….. “والله انا غلطان…….غلطان………”
لوحت قمر بكفها بملل شديد….
“مش هنخلص بقا من السيرة دي……..”
قال حمزة باستفزاز……..
“دا هيفضل جميل متعلق في رقابتك ليوم الدين…”
قالت قمر بتهكم…….. “مصيري ارده……..”
هز رأسه ساخراً……..”آآه اما نشوف……..”
اخرجت قمر تنهيدة ثقيلة وهي تسأله
بحرصٍ….
“هو انت لسه مكلمتش كيان…….”
ظنت انه سيرد بفظاظة كالعادة…..لكنه اجابها
وهو يحتسي القهوة على مضض……
“لا……..”
عاتبتها قمر برفق……..
“على فكرة مش مستاهله كل اللي انت عملته ده…
فيها اي يعني…..لو راحت عيد ميلاد صاحبتها….ما
هي قالت لشهد وعرفتها………”
فالحقيقة هي من اقترحت على شهد تلك الفكرة
بان تخبرهُ بان كيان في حفلة ميلاد أحد اصدقائها
…فإن كان علم حقيقة الحفل….وذهابها برفقة محاميها في المكتب…لكان منعها من الخروج من البيت مدى الحياة…….وكانت خسرت عملها في هذا المكتب للأبد…..
فالحقيقة هي لا تشكك في أخلاق كيان او نوعية
تلك الحفلة…….لكن الرجال لهم حسابات أخرى
تختلف عنا كنساء……وكثيراً يسيئون الظن…..
بل ويختلقوا قصصٍ عدة……ومن خلفها
يشددواً الحصار على من يخصهم……….
قال حمزة بحنق شديد…….
“فيها انها مقلتليش……إزاي عايزاني اعدي
الموضوع عادي كده…. وكان محصلش حاجة…..”
بررت لها قمر……. “أكيد خافت انك متوفقش…….”
اوما حمزة بمنتهى العصبية قائلاً بحدة…..
“لا كنت هوافق….كنت هوديها وهجبها بنفسي…لكن هي حبت تبقا براحتها………”
أسبلت قمر اهدابها ثم قالت بشفقة
نحوها…
“اهي عرفت غلطها….وبعدين انت برضو…..مديت
ايدك عليها قدمنا…….ودا كان اكبر عقاب ليها….”
لم يرد حمزة بل ظلت ملامحه مظلمة
متحجرة….
فسالته قمر بتردد….. “مش هتصلحها……”
أشاح بوجهه مكفهراً….. “بعدين……بعدين… ”
صمتا معاً وقد انتهى الحديث هنا…..حتى
رغب هو في مناكفتها قليلاً فنظر الى العباءة
التي ترتديها…….بدأت ترتدي أشياءٍ واسعة
بعد ان نبهها للأمر من باب المزاح…..فالحقيقية
كان الأمر مزحة سخيفها للاستفزاز فقط…..فهي
لم تجذبة بأي شكلاً كان………
عادية هي…..ككل من عبروا حياته….من
أول لقاء وهو يراها كالعابرين الذين سبقوها
اليه ورحلوا مع الوقت كما ستفعل هي يوماً…
“حلوة العباية عليكي…..عقبال الحجاب……”
تغضنت زوايا شفتيها مجيبة عليه
بنظرة باردة….
“ربنا يهديني………. ويهديك……”
نظر لها حمزة بمشاكسة….
“وانتي شيفاني متعفرت……..مالك……”
نظرة له باستفسار مقلدة صوته…… “مالي……..”
نظر لها بغرور قائلاً بزهو……
“شكلك معجبه بيه…….قولي متكسفيش… ”
لاحت الدهشة على وجه قمر فقالت
مستنكرة……..
“يسلام……اي الثقة دي……..اي اللي يثبت اني
معجبه بيك…….”
قال غامزاً بوقاحة……
“عنيكي……..هتكليني بيهم…….”
ارتبكت قمر قليلاً…ثم قالت هازئة….
“والله…….بجد صعبان عليا….واخد في نفسك
قلم….”
غمز حمزة مجدداً مضيفاً بعنجهةٍ….
“اخرسي…….دا انا مفيش مني اتنين……”
لم ترد بل مالت بوجهها للناحية الآخرى
تخفي ارتكبها….فمد حمزة يده ومسك
ذقنها يديرها اليه مناغشاً إياها…….
“بصيلي…… بذمتك في زيي….. ”
بنظرة مدققة سارت بنيتاها على قسمات
وجهه……عيناه العسلية القاتمة في لمعانهما
ترى بريق من الاجرام….وآخر من الشقاوة…
بريق يخطف كل شيءٍ في طريقة……ولا يكتفي أبداً !!…ملامحه الرجولية الخشنة……..ولحية السوداء النابته……شعره الاسود الناعم من شدة نعومته تهبط بعض الخصل الرفيعة على جبهته فيزداد وسامة……
ضربة يده بقوة وادعت التجهم…..
“أبعد ايدك دي…….مفيش زيك بس فيه
أحلى منك……”
ابتسم حمزة وكانه حصل على إجابة ترضي
غرورة….
“يعني انا حلو……..اديكي اعترفتي…….”
قالت بغضب زائف….
“مغرور آوي……..هات الفنجان………”
اعطاها القدح قائلاً باقتضاب…..
“خدي……… القهوة كان طعمها وحش أصلا….”
مطت شفتيها هازئة قبل ان
ترحل…..
“عشان كده شربتها كلها…….ياحرام…. ”
عندما تركته ودخلت الصالون…ضحك حمزة وأرجع
خصلات شعره للخف….مستنشق الهواء بعمقاً…وهو
ينظر للشارع بالاسفل………
ليرى آخر شيءٍ يتمنى ان يراه الآن……
رأى نجلاء تستقل سيارة سامح بعد ان فتح لها الباب
بإبتسامة واسعة فبادلته هي بضحكة رنانة……
أغمض حمزة عيناه بقوة وتقلصت ملامحه بشدة
وقد تضخم صدره بمشاعر سوداوية يشوبها
الغضب قبض على يداه بقوة جبرية محاولاً معها
تمالك اعصابة…..حتى رحلت السيارة في تلك
اللحظة التالية….فشعر بان انفاسه تغادر معها…
……………………………………………………………
دلف من باب المنزل عصراً في وقت تناول الغداء…..
وعندما دخل شقة والديه بحث بعيناه عنها…..
تهرب منه منذ أيام……بالنهار تجلس في شقة والديه
كما اتفق معها وفي المساء تنعزل في غرفتها…
أصبح لا يراها إلا صدف……
سحب نفساً حار لرئتاه……. من يوم ان قبلها وضمها الى صدره وهو يشعر بنارٍ مستعارة تشتعل على ذكر اسمها فقط………و أن تلاقى بسوداويتاها الشقيتين
ينقلب حالة رأسٍ على عقب…….
كيف تسللت اليه بتلك السرعة… كانت دوماً في عيناه ابنة العم الصغيرة المدلله والتي في طرفت عين أصبحت امرأته !… امرأة متفجرة بالانوثة والشقاوة…..أمرأه بمذاق آلورد…….شهيه لأبعد حد……
كيف كانت في احضانه ذائبة كالهلام….رائعة في احضانه تعطي دون ان يطلب……
كانت عديمة الخبر نعم…. لكن كان رضاها وتناغمها
معه يفوق الوصف……..كانت ضائعة ضياع مقبول
في احضانه……..
حتى هو ضاع في تفصيلها المغوية…..مذاق شفتيها الفاتنة أثملة……أثملة لدرجة انه أنقض عليها أكثر كالاسد الجائع دون تفكير…. فاوقعها على الفراش ينهم من شفتيها وعنقها بجموح يفوق الوصف………
ومع ذلك كانت هي معه كقطعة السكر الذأبة أمام
نار أفعاله…..
فيزيد جموحة وتنفجر هي رغباتها معه….وفي
غفلة اللذة انتزعت نفسها من احضانه وهربت
بجبن تاركة النار المشتعلة تتغذى عليه وحدة……..
يومها تمدد على الفراش وحيداً ينفث في سجارته بعصبية شديدة ونار الرغبة تكوي جسده….وفي
منتصف الليل حينما فقد الأمل في خروجها من الغرفة نام على الفراش الذي جمعهما سوياً في لحظات حميمية لأول مرة…وللعجب كان الفراش
متشرب من عطرها الوردي………
كان الأمر وقتها بنسبة له مزعج…..لكن بعدما زال غضبه نام على الفراش يشتم عطرها المحبب
وهو يعناق الوسادة والغطاء كمراهق صغير عاد
للتو من موعد غرامي؟!……..
“واقف كدا ليه ياسلطان………”
فاق من شروده ورفع عيناه على أمه التي خرجت للتو من المطبخ وتفاجئت بوجوده…..
لانت ملامحه وتبسم لأمه ابتسامة دافئة
مشاكساً إياها….
“مفيش حمدالله على السلامة ياحنون……انا
واقع من الجوع على فكرة…… ”
ربتت على كتفه بمحبة قائلة……
“الاكل جاهز…….ابوك بس بيصلي العصر جواه….
صليت ولا لا……..”
اوما سلطان برأسه مجيباً…..
“دا سؤال…طبعاً صليت في الجامع……..بصي
جيبلك إيه…….”اخرج العلبة من الكيس الذي
يحمله منذ دخوله…….واخبرها غامزاً……
“كيلو مشاكل من الحلواني اللي بتحبيه…….”
نظرة امه للعلبة بفرحة…ومع ذلك لكزته في
كتفه موبخة اياه بلطف……..
“اي بتحبي دا ياواد ابوك يسمعك…….”
رفع سلطان حاجباه مدعي الدهشة وهو يميل
عليها بمناغشة…
“هو لسه عبدو بيغير عليك برضو ياجميل……”
ضحكت حنان بخجل والحب يشرق صدرها وكانها
شابة في العشرينات من عمرها….فالحقيقة قصة
حبهما اسطورية لأبعد حد…..فكان (عبد القادر) هو
ابن الجيران العابث الذي أوقعها في الهوى من أول يوم فتحت نافذة غرفتها على شرفة بيتهم……
وتتولى الأحداث ويقع في حبها في فترة الدراسة
ثم يتقدم لها بعد التخرج ويتزوجا……..ومن بعدها
ينجبا أربعة أولاد اكبرهم أميرة وسلطان….واصغرهما
ابنتين صغيرتين متزوجات في محافظة بعيدةٍ عنهما والزيارات دوماً تكون متباعدة…..
القريبة منهم هي الابنة الكبرى( أميرة) فهي تزوجت في( الساحة) لذلك هي وأولادها دوماً يتواجدوا هنا كمنزل ثاني لهم وهو كذلك بالفعل…..فحنان أمرأه حنونه تحب وتود جميع أولادها واحفادها…..
خرج والده من الغرفة قائلاً بمزاح……
“عبدو هيفضل يغير علطول……شيل ايدك من
عليها يا واد…………”
رفع سلطان عيناه على والده…..(عبد القادر)هناك
شبه كبير بينهم…….هو من يشبه والده بالجسد الضخم والطول الفارع…….ببعض الملامح الوسيمة لكن ملامحه هو أكثر خشونة وحدة ، ام والده
في على وجهه ترتسم البشاشة مثل طباعة فهو
سلسل المعاملة طيب المعاشرة عكسه تماماً……..
ربما هناك شبه كبير بينهم لكن طباعة هو لا تضاهي
أحد……فهو منفرد بطباعة الغليظة المتسلطه التي
لا تتحملها أنثى ؟!…..
أبعد سلطان يديه مدعي
الخوف….
“لمؤخذة ياحجيج مخدتش…….”
اقترب منه عبدالقادر واجماً…..
“انا عايز افهم حاجة…..هو انت مش اتجوزت….”
اوما سلطان براسه باعين عابسة….. “حصل…..”
تافف عبدالقادر بملل منه….
“طيب بتنطلنا ليه كل شوية…….”
ضحك سلطان بخبث وهو يفهم مقصد
والده….
“طبيعي ياحجيج انا ساكن فوق منك على فكرة…….وبعدين اديني بونسك انا والمدام….ولا انت عايز تستفرد بحنون…. لغيني بس انا ابنك برضو……”
لكزته حنان بحياء……. “بس ياواد عيب……..”
أحاط عبدالقادر بذراعه كتفيها قائلاً بمشاكسة
حلوة……..
“اي اللي عايبه ياحبيبتي…..أيوا انا عايز استفرد
بيكي…..”
ابعدت حنان ذراعه عنها قائلة
بتلعثم….
“جرالك إيه يابوا أميرة…… الواد……”
تجولت عينا سلطان مجدداً في الارجاء
سائلا بلهفة…….
“طب فين مراتي بقا…. عشان انا كمان عايز
استفرد بيها……”
قالت حنان برفق….
“فوق السطح بتاكل البط….. اطلعلها ياحبيبي.. وبالمرة قولها تنزل عشان تتغدوا….. انا هدخل
أسخن الأكل…….”
سالها عبد القادر قبل ان
ترحل…..
“عملتي السلطه ياحنون………”
قبل ان تدخل حنان الى المطبخ اجابته بابتسامة
شغوفة….
“لا تعالى اعملها انت…….. السلطلة من ايدك حاجة تانيه يا ابو أميرة…….”
أبتسم عبدالقادر بزهوٍ وأدار وجهه للناحية الأخرى
ليجد ابنه مزال يقف جواره…….فعندما ابصره
مط شفتيه ممتعضاً ليجد سلطان يقترح عليه
بخبثٍ…….
“مبلاش انت ياحجيج….. وسيبني انا اعملكم السلطه……”
امتنع عبدالقادر بوجوم……
“لا مش عايزين نتعبك وطلع شوف مراتك…وسبلي
انا السلطة……. ” استدار بعدها ذاهباً الى المطبخ خلف زوجته…..
فاوما سلطان براسه حاسداً والديه……
“ماشي ياحجيج……..واكلها ولعة…… ” ثم اتجه الى السلم وتخطى الدرج حتى يصل لامرأته
ومزال ماتبقى في الكيس بين يده…….
……………………………………………………………
عندما صعد أعلى السطح… بحث عنها بعيناه حتى
وجدها جالسه جوار عشة الدجاج الخشبية…….
وحولها بعض البطاط الصغيرات صفراء اللون تاكل
أمامها مصدره صوت بطبطة خفيضة لصغر
حجمها….
كانت داليدا مندمجة معهم جداً… لدرجة انها مسكت
واحده منهم وظلت تتحسس عنقها وظهرها بمداعبة لطيفة…..
لانت ملامح سلطان وهو يرى هذا المشهد فكم بدت لطيفة بريئة صغيرة…….
يذكره هذا المشهد بايام الصبى كانت هي فتاةٍ صغيرة بجديلة قصيرة على جنب….وفستان صغير رقيق……. تاتي لعندهم خلسة من خلف والديها
وتصعد على السطح لتلعب مع البط الصغير
وتظل تركض خلفه لساعات حتى تكسر أرجل الاغلبية منهم……فتصيح امه عليه حتى يصعد
وياتي بها قبل ان تنهي حياة الباقية منهم……
فياخذها عنوة عنها ويحملها على كتفه غصباً
فتبكي وتتحدث وهي فاقدة أول سنتين للبنيتين أماميتين……فتخرج الحروف مشوهة….
(تبني…..تبني ياتلطان……..العب مع البطة….)وكانت
تقصد…..(سبني…..سبني….ياسلطان……)
ضحك سلطان….ضحكة قوية عند تذكر تلك الفترة
في عمرها فكانت معظم الأحرف مشوهة ومضحكة
خصوصاً عندما تكون غاضبة وتتحدث بسرعة……
انتبهت داليدا اليه….فانتشرت الحمرة لوجنتيها وتوردت بشدة عند رؤياه…….
أصبح يربكها وجوده…..ويخيفها…..وتخجل بشدة عندما تتلاقى أعينهما…….فما حدث منذ أيام لا يفارق
عقلها لا ليلاً ولا نهاراً…….
ماحدث بينهما شيءٍ جميل لكن غريب….فهي لم تتوقع يوماً ان يكون بينهما قبلات حارة ولمسات جريئة…. حتى عندما تزوجا لم تتخيل يوماً ان
يحيا معاً كزوجين الأمر أشبه بمزحة……..مزحة ثقيلة……فكيف يحدث هذا مع من كانت تراه اخاها الكبير ؟!…
أخاكِ الكبير ؟!…
بالله عليكِ كيف تجرؤِ على نُطقها…كنتِ مسالمة معه
لدرجة تشيب شعر الرأس…….وكانكم زوجان منذ زمن بعيد كنتِ (كجيلاتين الكولا) يافتاة للينه وسهلت المضغ……
ضمك لاحضانه فانهارت اعصابك… امتزجت أنفاسه
بانفاسك فضاع المتبقي منكِ مع كل قبلة يدلل بها
شفتيكِ السخية ، احببتِ الدلال لدرجة انكِ تركتِ يده تسير باريحية على مفاتنك……وزاد جموحة عليكِ فاوقعك على الفراش وكنتِ في غاية السعادة والرضا منتظرة بحرارة الجولة الاكثر عمق وحميمية من ذلك……
اخاكِ الكبير ؟!….عفواً ولكن كيف كل تلك المشاعر
تكن لاخٍ كبير ؟!…….
سحبت الهواء لرئتيها باضطراب وهي تجلد نفسها مجدداً بعد استسلامها المخزي له منذ أيام….وكانها كانت تتلهف لهذا القرب اكثر منه ؟!….
نهضت من مكانها تنظر إليه وعقلها يفكر في الهروب…..أقترب سلطان منها بعينين
هادئتين…
“بتعملي اي ياداليدا……..”
زاد الاحمرار والتوتر بعد وقوفه امامها لكنها قالت
أخيراً وهي تهرب من النظر لعيناه…..
“بأكل البط…….”
اوما سلطان براسه بارتياح….
“الحمدلله انك بتأكليه مش بتجري وراه……”
عند تلك الذكرى تلونت شفتيها بابتسامة تشع حنين
لأيام الطفولة…. فكانت سفاحة صغيرة تلعب مع البط
بسادية حتى تنتهي حياة البعض منهم والاخر يكمل
المتبقي له أعرج……..
كم تشعر بذنب نحو ضحاياها من البط……حمداً لله
انها كبرت واصبحت تطعمهما بدلاً من ان تعذبهم…..
“دا كان زمان……. دلوقتي انا باكلهم……”
“كويس…… خدي…….”قدم لها الكيس…..
فاخذته منه ونظرة داخله
بفضول…..
“اي ده……شيبسي…… بالجبنة….” عادة لعيناه وقالت
بحرج………
“شكراً ياسلطان…”
عبست ملامحه قائلاً بمكر…. “شكراً حاف كده……”
فغرت شفتيها وخفق قلبها بخوف… “ها……”
راى شحوب وجهها فعقب بنبرة
مطمئنة….
“مالك وشك أصفر كدا ليه…. عايز بوسه هنا…”
اشار على خده…..فاهتزت حدقتاها بتردد
أكبر……
بينما قال سلطان وعيناه تأسرها……
“تيجي ننسى اليوم اللي فات ده وكانه مجاش….”
يكذب لن ينسى هذا اليوم أبداً فهذا أجمل شيءٍ
دافئ عاشه مع أمرأه وهي اخذت دور البطولة
أمامه فكيف ينسى ويتغافل عن البطولة المطلقة
التي خاضتها معه……
“ها اي رأيك…….”
اومات براسها وهي أيضاً تتشبث بالكذبة معه… مدعية نسيان الأمر……
فاشار سلطان على خده مجدداً منتظراً……فابتسمت
داليدا وهي تقفز عليه وتطبع قبلة سريعة على خده الخشن….
فشعر بنفحة من السعادة تضرب قلبه….فأبتسم على اثارها ونظر لعينيها المتلألأة…….
فابتعدت داليدا لأحد الأركان تستفرد بكيس البطاطا الكبير………فاقترب سلطان منها محاول
مشاكستها قائلاً……
“ماتجيبي واحدة يا دودا……”
نظرة له بطرف عينيها ثم هزت راسها
برفضٍ….
“لا هاكله لوحدي…….الكيس صغير أصلاً….”
فغر سلطان شفتيه مشدوهاً…
“صغير…… دا حجم عائلي يامفترية…….”
اومات براسها وهي تدس شريحة
منه بفمها….
“ماشي ماهو يدوبك يكفيني……”
رفع سلطان حاجبه هازئاً……
“يدوبك المرة الجاية هجبلك كرتونه بالحجم العائلي……”
قالت داليدا بإبتسامة
شقية….
“ساعتها انا بقا هديك واحدة……”
ضحك ساخراً……. “والله……”
“آآه…..”اومات برأسها وهي تضع شريحة من
البطاطا بفمها……..فخطف سلطان الكيس
منها في لحظة خاطفة راكضاً به للناحية
الأخرى……
انكمشت ملامح داليدا وكشرت عن انيابها بغضب وهي تركض خلفه……
“هات الكيس ياسلطان…..بتسرق في السن ده
مش عيب……”
قال سلطان بغلاظة…….
“مانا قولتلك هاتي واحده بذوق مش عاجبك…”
ضيقت عينيها وزفرة باهتياج متذكرة مضايقاتُ
القديمة لها…….. “من زمان وانت بتعمل كده……..”
أومأ براسه واستفزها قائلاً……
“كويس انك فكرة…….انك من زمان عينك فارغه…”
هزت راسها ببساطه مؤكدة وهي تحاول
إختطاف الكيس منه……
“اه انا عيني فارغه ملكش دعوة……هات الكيس…”
“لا…..”قالها وهو يدس شرائح البطاطا بفمه وهو ينظر اليها بعناد…..
فجزت على اسنانها وهي تمد يدها تحاول خطف الكيس مجدداً لكنه رفع ذراعه ببساطه لقصر قامة
طولها وقد اولاها ظهره قائلاً باستفزاز……
“انتي هبلة ولا إيه…….هتاخديه من ايدي……”
أحمر وجهها بشدة وهي تجن من حركاته تلك خصوصاً انه يأكل من الكيس غير مبالي بها….
وكانه اشتراه له……
لتكن في لحظة التالية وبدون تفكير يُحسب…تقفز على ظهره العريض محاولة إختطاف الكيس منه مزمجرة بحدة……
“هات الكيس كلته كله…… هات ياسلطان…….”
ضحك سلطان بشدة وهو يحاول التخلص منها
لكنها كانت متشبثه به بقوة تحيط عنقه بذراعها
تكاد تخنقه……
“يامجنونة خنقتيني انزلي…….”
قالت هائجة وهي مصممة على خطف
الكيس منه…..
“هات الكيس……..كلته كله….هات الكيس…..”
“هموت ياهبله……..انزلي…..”حاول سلطان فك
ذراعها من حول عنقه……..فصاحت هي
بتحدي…..
“هات الكيس الأول…….”
“اعوذ بالله خدي…….”اعطاه لها سلطان وهو يضحك
غير مصدق جنونها…….
كلما اغاظها بشيءٍ ولو بسيط تقفز فوقه هكذآ كالببغاء مزمجرة……..
“مينفعش الواحد يهزر معاكي…دانتي لاسعه….”
قلبت داليدا شفتيها بمقتاً….
“دا مش هزار دي رخامة……
” انا رخم ياداليدا……”رفع سلطان حاجباه وتبددت
ملامحه في لحظة….مما جعلها تقترب منه بشريحة
من البطاطا قائلة….
“افتح بؤك…….انا اللي هاكلك……”
“دا اي الحنية دي…. تتحسدي……..”فتح فمه فوضعتها في فمه مبتسمة له بدلال………
نظر سلطان لشفتاها التي تتحركان مع مضغ الشرائح المقرمشة فابعد عيناه عنها وهو يشير لأحد الأركان……….”تعالي نقعد هنا………”
لحقت به داليدا وجلست على أحد المقاعد جواره تأكل من شرائح البطاطا….وهي تنظر الى البطاط الصغيرات ياكلوا ويشربوا في أحد الزوايا القريبة منهما…….فعقبت بإبتسامة تقطر عسلاً………..
“حلو شكل البط أوي……..والفراخ كمان…….انا عرفت
مرات عمي بتحب التربية ليه…….”
نظر لها سلطان لبرهة ثم سالها
بفضول….
“وانتي بقا بتحبي إيه…….”
نظرة له وتفاجئت من سؤاله لكنها ردت بنظرات
حالمة……..
“انا…..انا بحب البحر اوي……..انا نفسي اتغدى في يوم على البحر………”
استغرب من طلبها….. “بس كده…….”
اضافت داليدا بعينين متلألئتين………
“واقضي اليوم كله على البحر…أجري ولعب ونزل المايه كمان…….”
قال سلطان ببساطه……
“نبقى نعملها في يوم انا وانتي….”
سألته بدهشة…… “بجد ياسلطان……”
هز راسه مؤكداً…
“أيوا نخرج سوا…….اي رأيك……”
هزت راسها بسعادة….. فهي اشتاقت للخروجات بشدة………. “موافقة طبعاً……”
“الغدى ياااااسلطان……..داليداااا…..”اتى صوت والدته من الأسفل تنادي عليهما بنفاذ صبر بعد ان تأخرا في النزول…….
ضرب سلطان على جبهته وهو ينهض من
مكانه متذكراً….
“نستيني……..أمي بتحضر الغدى تحت…وقالتلي انديلك……يلا عشان تحضري الأكل معاها…..على
ماطلع انا شقتنا أغير هدومي دي……”
نهضت داليدا بعده سائلة…..
“انت هتنزل تاني الورشة……”
أكد هو متعجباً من سؤالها…….
“آه…….زي كل يوم وهرجع بليل…….بتسألي ليه….”
يبدو ان الشوق غلبها…..فخرج السؤال
عفوي….لذا ارتبكت قليلاً وهي تخبره…..
“عادي….. سؤال عادي….انا هنزل انا بقا…….”
نزلت سريعاً قبل ان يوقفها فنظر هو لأثرها شاعراً
بقلبه يهفو معها أينما ذهبت…….
…………………………………………………………..
بعد عودته من الورشة…. في المساء……..
كان يجلس على الاريكة امام التلفاز يقلب بجهاز التحكم بملل…..حانت منه نظرة على الطاولة
ليجد أربعة اكواب من الشاي فارغة أمامه…
قد شربهم في خلال ساعة ونصف….حمل الاكواب وهو يجز على أسنانه من جديد…..واثناء ذهابة
للمطبخ نظر لغرفتها ليجد خطٍ من الاضاء يتسلل
من عقب الباب……يبدوا انها استيقظت أخيراً…
لماذا نامت اليوم مباكراً…..ام انها تدعي؟!….
وضع الاكواب على رخامة المطبخ ثم عاد وطرق الباب منادياً بخشونة…..
“داليدا…….عايز شاي……..”
مطت جسدها على الفراش للأمام بكسلاً وعلى شفتيها تلونت ابتسامة شقية……وقالت بخبث..
“وبنسبة للكوبيات اللي كانوا هتكسروا من شوية
وانت بتحطهم في المطبخ…….كانوا كوبيات ماية… ”
أكد بوجوم……. “آآه ماية………”
اتجهت داليدا الى باب غرفتها وفتحت إياه…ووقفت أمامه بمنامة قطنية رقيقة وشعر أسود ناعم كثيف منسدل على ظهرها……رمشت بعينيها عدت مرات
وهي تسأله بشك……
“ليه صاحي لحد دلوقتي……..”
نظر لها سلطان نظرة شاملة مدققة ثم سألها
باهتمام مستجد………
“انتي ليه نايمة دلوقتي….مش بتقولي انك بتنامي
سبعة الصبح……….”
هزة كتفيها مجيبه….”من الزهق نمت………”
أشاح بوجهه عنها قائلاً…..
“انا كمان زهقان…..بس مش عارف أنام……”
لمعة عينيها الشقية مقترحة……
“اي رأيك نتفرج على فيلم أجنبيّ…. رعب…..”
ادعى الاهتمام وهو يطوف على وجهها المشع
بعيناه… “تعرفي حاجة كويسة……..”
اومات براسها بحماسية مفرطة…..
“ياااه بالهبل……هخترلك حاجة على ذوقي هتعجبك…..بس هعملك شاي……وهعمل فشار
كمان اي رأيك….. ”
“ماشي……..هستناكي جوا……..”
اتجه الى الداخل بانتظارها…….وبالفعل بعد دقائق
قليلة توسطت الاريكة بجواره متمددة عليها معه
وفي حجرها طبق كبير من الفشار…..
أطفأت أنوار الشقة واكتفت بالاضاءة المنبعثة
من شاشة التلفاز الكبيرة والتي بدأت تعرض
فلماً مرعباً……..وقد ساعد الظلام المحيط
بهم الدخول في الأجواء والاندماج السريع…..
بنسبة لها……ام بنسبة له هو فكان ضائع في مراقبتها
عن قرب……لم يكن من محبي التفاصيل او مراقبة
أحد……لكن الأمر معها مختلف…….
يختلف لدرجة انه يرى التشويق الحقيقي بتلك العينين الشقيتين……..الاثارة في تلك الضحكة
الرنانة والتي اخرجتها الآن على غفلة مع أول
ظهور لصديق البطل الفكاهي……
المتعة هي مراقبتها بهذا الشكل……..هي منجذبة
الى الفيلم واحداثة وهو منجذب اليها والى تفاصيلها…..كلاهما راضياً بهذا القدر !………..
اثناء مشاهدة الفيلم ومراقبته لها…وجدها في أحد
المشاهد الحابسة للانفاس……ترجع ظهرها للخلف
منتفضة بخوف….وعندما ظهر الوحش من خلف
الظلام…….شهقت برعب والقت نفسها في احضانه
استغل سلطان تلك الفرصة فكم اشتاق لجسدها
بين ذراعيه…..ضمها بشدة وهو يهمس برفق….
“اهدي يادليدا……متخفيش……”
أغمضت داليدا عينيها براحة وهي ترتاح على كتفه
شاعره بالدفء يسري في عروقها……. وقلبها يخفق
بجنون……….لتجد سلطان يتحسس ظهرها
بحنان قائلاً بمزاح……..
” طلعتي جبانه وعملالي فيها قلبك جامد……..”
خرجت من احضانه مزمجرة……
“طبعاً قلبي جامد….. بس اتخضيت لم خرج من الضلمة……..”
نظرة داليدا لشاشة واتسعت عينيها برهبة….. “احيه…… دا كلها…….”
قال سلطان بلؤم وهو يفتح ذراعيه
لها في دعوة سخية…..
“تعالي في حضني قبل مايطلع يكلك انتي
كمان…”
ضحكت داليدا ولم تلبي دعوته بل قالت
بتردد……. “سلطان……..”
نظر لها مهتماً…. فقالت هي بحرج شديد…..
“انا آسفه…….”
سالها بعدم فهم…… “على إيه يادليدا…..”
بللت شفتيها امام عيناه ثم قالت بأسى…
“على السلسلة…… صدقني نسيت اشيل الصورة منها………”
“داليدا اتفرجي على الفيلم وانتي ساكته…..”
قاطعها سلطان بنبرة خشنة مهيبة….وقد
تبددت ملامح وجهه في لحظة وتحولت للحجر
الصلب…..ام عيناه فكانت قاسيتين منفعلتين
بشكلاً مبالغ مع ذكر السلسال…الذي ذكره
بالسبب الرئيسي الذي جمعهما كزوجين…..
شعرت داليدا بالاحباط وبغيمة من الحزن تعلو
رؤوسهما بعد اعتذارها السخيف والذي ليس
له اساسٍ من صحة……
هذا هذيان يا داليدا… فمن الغباء ان تذكري هذا
الأمر او حتى تعتذري عنه في ساعة صفاء
بينكم…..
الوضع حساس جداً…. ومزال هناك جدار يعزلكم
عن بعضكما ويبعدكما أكثر……. فكفاكِ تهور…. وتعقلِ…..
ظلا صامتين لنصف ساعة…..كلما نظرة اليه تجده
مثبت عيناه على الشاشة يشاهد بوجهاً مكفهرٍ
وتعابير صلبة غير مقروءة………
اغمضت عينيها تشتم نفسها للمرة المائة فهي تكره انقلابه عليها….. فعندما يغضب او يحزن منها
تشعر بعدم الارتياح وكان الحياة تخاصمها
معه !……
لا تعرف من أين اتتها الجرأة…. لكنها فعلت ماتشعر
انها بحاجة له…..
قد سحبت ذراعه بمنتهى البساطه واحاطت به خصرها من الخلف….. ثم اقتربت منه أكثر ومالت براسها على صدره العريض ترتاح في حضنة
“انا آسفه ياسلطان…… آسفه…..”
في اللحظة التالية من اعتذارها أغمض سلطان
عيناه….وهو يخرج نفساً متحشرج حارٍ…..
لم يبادلها العناق ولم يجد رداً على اعتذارها
الأهوج….
لكن هيهات قلبه وجسده كانوا متجاوبين معها
بكل جوارحهم….
لكنه تمالك اعصابة ولم يكشف عن ضعفه في قربها…..بل ظل صامتاً يتابع الفيلم بنفس الملامح المكفهرة المتحجرة……بينما داخلياً كان يهمس كل دقيقة بعذابٍ وهي ترتاح على صدره……
“الرحمة يا داليدا…….الرحمة يابنت عمي…..”