تحميل رواية «الحب اولا» PDF
بقلم دهب عطية
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ة ومنطقة قريبة من البحر تحمل رائحة البحر المالح ونسيمة العطر المنعش…..وفي قلب منتجع راقي دلفت شابة جميلة من الباب الرئيسي بعد ان سمح لها عمال الأمن بدخول….خطت خطواتها بثبات يلوح منه الأنوثة والرقة…بثوبها الهفّاف والذي يتأرجح حول ساقاها بجمالاًطويل ومحتشم كاخلاقها…..جميل ومرح كروحهايحمل اللون الأزرق كالبحر رفيق عالمها وونيسوحدتها دوماً…..رمشت بعينيها وهي تنظر للشارع على الجهة اليمنىفالتقطت عينيها العسلية الامعة اسم صاحب الفيلا…….تبسمت شفتيها الوردية وهي تعكس الاتجاه يميناًثم خطت بحذاءها الأبيض بن...
رواية الحب اولا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دهب عطية
انعقد لسانها امام عيناه المنتظرة إجابةٍ مقنعة وتبرير واضح على تلك المهزلة التي بغباؤها وضعت نفسها
بها مجددًا وامامه….. لحظة صمت باردة كانت تحوم
مجمدة كلاهما بقلب السيارة….
والصمت كان مريع امام سؤال علم بعد شحوب وجهها وصمتها ان الإجابة لم ترضيه أبدًا…
“ساكته ليه…. فهميني؟….”
تصلبت شفتيها بوهن ونظرت أمامها محاولة التحدث
ان تخبره بأمر السرقة لكنها فشلت فشلا ذريع
ووجدت لسانها شل في محجرة……
“الإجابة صعبة لدرجادي؟!…”
كان حائرًا من صمتها متعجبًا من ملامحها المجفلة
الشاحبة والتي تشي بالكثير…
سحبت نفسًا مضطرب ثم عادت اليه بعينين جامدتين
وكانهما صنعا من زجاج صلب لكن رغم الصلابة
مرئيا وترى الحزن والخوف بوضوح بهما….
“طقم المجوهرات اتسرق…..”
نظر لها عاصم مستفسرًا بعدم فهم…..
“اتسرق إزاي…خرجتي بيه ففي حد سرقة منك..”
“اتسرق من بيتنا….” قالتها مقتضبة وشعور الخزي يموج بحلقها بطعم الصدى….
رفع عاصم حاجبه متوقعًا.. “أخوكي خده…..”
قالت باندفاع وبحمائية
شديدة….
“حمزة ميعملش كده….”
“فهمت…” قالها وهو يومأ براسه بعد ان حصل على الإجابة دون الضغط عليها أكثر…..
رفع عيناه بتحفظ اليها مؤنبًا بالقول..
“وليه محكتيش من الاول…. وايه لازمتها تلبسي
حاجة فلسو وتقليد….بتستغفليني…. شايفني مغفل
ياشهد ؟!….”
بللت شفتيها بحرج وهي تقول
بتردد….
“انا عارفه ان الطقم غالي… بس انا قولت هحاول ارجعه من اللي خده… أو أحاول اسددلك تمنه..”
تشدق بدهشة…. “تسددي تمنه ؟!…”
اكدت شهد وهي تقول باتزان….
“ايوا يعني أفرض محصلش نصيب بينا… أكيد لازم
ارجعلك حاجتك دي الأصول…..”
ازدادت نظراته قتامة بعد حديثها فـعقب
بسخرية لاذعه….
“لو كنتي متربيه على الاصول وعرفاها كويس مكنتيش هتقولي الكلام ده….”
عقدت حاجبيها بعدم فهم… “اي اللي قولته غلط…”
هتف عاصم بحشونة صارمة….
“كل كلامك غلط… قسوة قلبك غلط….انتي مش بتقسي عليا انا… انتي بتقسي على نفسك….اي
لازمة كلامك ده…انتي ليه محسساني اني خطبك
تحت التهديد…او بيكي هوصل لحاجة معينة
في دماغي اي ده ؟!…. ”
وكانه القى عليها دلوٍ بارد…لذا قالت بتحفظ
قدر المستطاع….
“انا قولت افرض محصلش نصيب… أفرض..فين
الغلط هو في حد ضامن عمره…ضامن هيبقا مع
مين بكره ؟!..”
وكانها غرزت نصل حاد في صدره…فقال بعد
لحظتين من الصمت…..
“على الاقل انا عارف انا عايز إيه… وهكمل مع
مين لو ربنا مد في عمري… لكن انتي…”
ارتبكت حدقتاها بعد هذا التلميح ومع ذلك ظلت تتابع الحديث بعينين عنيفتين في كبت الوجع….
فتابع عاصم بوجوم…
“طول الوقت بتلمحي ان اللي بينا هيكون شيء
مؤقت وهينتهي من قبل ما يبدأ….وده علطول
بحسه في كلامك ونظراتك…. ”
اخذت نفسا مرتجف وهي تنهزم امام قوة
مشاعره نحوها…..ليتها قادرة على ان تجاري
الحب….لكنها على علم ان الإستمرارية به
تحتاج اشياء اكثر من مجرد كلمات اكثر
بكثير وهي لا تمتلك ايا منها ؟!…
“اللي مستغربه انتي ليه وافقتي من الأول طالما
في نيتك تبعدي… مش فاهمك…”
قاومة رغبة البكاء والضعف الذي انتابها
فجأه لماذا يضغط عليها بهذا الشكل…
تحدث عاصم بصوتٍ حاسم صلب….
“على العموم يابنت الناس انا لما سألتك في الأول
مش عشان استفسر على حاجة بقت بتاعتك.. طقم
الالماظ من ساعة مادتهولك وهو بقا بتاعك ضاع اتسرق اتباع مش قضيتي دي بقت حاجتك متخصنيش…. اللي يخصني انتي… مش
اي حاجة تانيه…”
خفق قلبها بتأثر وشعرت بمشاعر ترفضها رغم
جمالها !..
لماذا انت رائع….. اخبرني لماذا تسيطر عليا
بروعتك طوال الوقت !!….
تابع عاصم وعلى محياه الغضب والاستياء
من كونها لا تكف عن التلاعب والغباء…..
“ولما سألتك…سألتك لانك غفلتيني وده عيب ومينفعش…وبرضو بترجعي تختاري السكك الصعبة
معايا وبتسلكيها… مع اني قولتلك مفيش احسن من الصراحه معايا…. كان ممكن تحكيلي كل حاجه…. ومش عشان المجوهرات… عشان المفروض لما تحصلك اي حاجة اكون انا أول واحد يعرف… مش اعرف بالطريقة دي ويبقا شكلك قدامي كده….”
رمشت بعيناها وهي تشعر بالاختناق…فاضاف
عاصم بقسوةٍ……
“كسبتي اي دلوقتي ياشهد… غير انك وجعتيني
من تاني…. وطلعتيني قدام نفسي قد كده….”
ازدردت ريقها ولم تجد كلماتٍ مناسبة فعقلها
توقف منذ ان حاصرها بكلماته…..فاسترسل
عاصم بجدية قاطعة….
“اه صحيح حتى لو سبنا بعض ومحصلش
نصيب زي ما بتقولي….اي حاجة جبتها بتاعتك متلزمنيش بما فيهم الخاتم اللي في ايدك…عاصم الصاوي مبيخدش هدايا او شبكة جبها…انتي لسه
متعرفنيش كويس… وده اللي يغفرلك عندي…
انك متعرفنيش…. ”
رفعت عيناها اليه فرفع اصبع التحذير
قائلًا بوجها اربدّ من كثرة الغضب والضغط…
“اياكي ياشهد تستغفليني او تكدبي عليا….انا
مفتاح قلبي الصراحه…خليكي صريحة.. وبلاش
تغيري نظرتي عنك….”
كان كل عصب به نافرًا هائجًا لذا قال
هو بهدوء فولاذي….
“انزلي…. انزلي يا شهـد….”
أخيرًا وجدت صوتها بين طيات الظلام..فقالت
برجاء…
“عاصم… ممكن تسمعني….انا عملت كده عشان متفكرش اني جشعه وبعت الطقم عشان طمعت
في تمنه…”
قال عاصم ببرود…
“ماممكن تكوني عملتي كده فعلا….”
أقسمت بعينين مشدوهتين….
“والله العظيم أبدًا الطقم فعلا اتسرق….”
قال بصوتٍ هادئ لكنه معانيه صلبه
ومؤلمة على روحها….
“مصدقك…..صدقتك لما حكيتي مع انك لبسه نفس التصميم بس فلسو… مع انك كدبتي وخبيتي.. بس صدقتك..وده اللي مش راضي يوصلك.. اني بصدقك وبثق فيكي…ولو شايفك طماعه مكنش زماني مكمل لحد دلوقتي…..”
ثم لوى شفتيه هازئًا…
“مش معقول الواحد يعيد نفسه القصة مرتين
دا يبقا غباء….”
اتسعت عيناها بصدمة جراء تعبيره الصريح
فتشدقت بغضب….”انت بتشبهني بيها….”
تغضنت زاوية عيناه مستنكرًا ليقول
باستخفاف..
“انتي اللي عايزة توصللها بتصرفاتك…وللأسف بتفكريني بيها كانت غبية وماشيه بدماغ غيرها… ”
وكانها تلقت صفعة قوية منه فصاحت
بكبرياء… “انا مسمحلكش….”
نظر لها عاصم كرصاصة طائشة وسالها
بتهكم…..
“مين اللي اقترح عليكي تلبسي حاجة تقليد
وفلسو…. اختك ولا بنت عمتك؟!….”
بلعت ريقها امام نظراته القوية الغاضبة..فقال
هازئا بقسوة….
“مش بقولك بتفكريني بيها…”
قالت شهد بنبرة رغم حدتها مهتزة قليلا
من شدة الانفعال….
“انا مسمحكلش…تشبهني بيها.. باي شكل من الأشكال….سامع.. ”
تافف عاصم بقلة صبر…..
“اسمعي انتي الكلام وانزلي… ”
أصبح النقاش بينهما محتدم…لذا خففت
من حدتها قائلة…..
“هنزل بس لازم تعرف اني حاولت اتصرف.. عشان
مطلعش قدامك بصورة وحشه…”
قال عاصم بغلاظة….
“كان ممكن متلبسهوش خالص وتوفري على
نفسك المجهود ده كله….”
قالت بتبرم وعيناها تلمعان بعنف….
“عندك حق انا فعلا غلطانه..ومفيش حاجه هترضي
جنابك حتى لو اتعملت بحسن نيه…”
صاح عاصم بعنفًا بعد ان عيل صبره
منها…
“انا مش عايز حسن نيه…انا عايز الصراحة… الصراحة وصلت ولا اعيدها تاني….”
قالت باهتياج يماثله عنفًا….
“وانا مش عيزاك تشبهني بطلقتك…وصلت دي
كمان….”
ضحك عاصم ضحكة لا تمت للحياة والمرح
بصلة كانت شديدة القتامة…..
“اللي يسمعك يقول غيرانه..على واحد بتفكري
تديلوا الهدايا بتاعته لو محصلش نصيب…”
صاحت بعد ان فاض الكيل
بها…
“انا قولت أفرض….أفرض..”
نظر لعيناها بقوة وقال بقساوة…
“طب ما تيجي نفرض اني بعد ما اتجوزتك حنيت لطلقتي وحبيت ارجعها وانتي على ذمتي…..”
شحب وجهها فجاه وتسمرت حدقتاها عليه بعدم
تصديق وكانه قتلها برصاصة غدر لم تتوقعها
منه !…..
بينما قال عاصم بسخرية محتقرة بعد تغير وجهها ونظرة الوجع التي اطالت عسليتاها واطفئ بريقهما
فجأه….
“وشك اتقلب ليه..افرضي يعني مش حقيقي..مجرد
افتراض هو حد ضامن مشاعره هتبقا مع مين بكره..”
رمشت بعيناها عدة مرات فسالت دمعتين ساخنتين
على وجنتيها فمستحهما بعنف قبل ان يراهم
لكنه راهم وعقب بعد ان وصل لمبتغاه….
“نفس الوجع ياشهد….نفس الوجع…”
اشاحت شهد بوجهها عنه ثم نظرت الى الخاتم الالماس ووضعت يدها الحرة عليه مفكرة في نزعه وإلقاءه في وجهه والخروج من حياته دون رجعه
لكنه اوقفها بتملك وهو ينزع يدها الحرة
بعيدًا عن الخاتم قائلا بتسلط…..
“اياكي تفكري تقلعيه من إيدك إياكي ياشـهـد…”
قالت من بين اسنانها بغضب… “انت…..”
رغم الغضب المرسوم على محياه قاطعها
بصوتٍ هادئ ….
“انا كل مرة بتاكد ان حبك تكفير ذنوب..انتي
متعبه اوي.. بس انا نفسي طويل وصبري ملوش
حدود…وبذات معاكي انتي…. ”
ارتبكت من هذا الهجوم العاطفي فانتفضت
انتفاضة خفية وهي تنظر اليه بدهشة وعجزت
ان تجاري هذه المشاعر الرائعة مجددًا….
فاضاف عاصم بنظرة ونبرة خاصة وقوية
الوقع عليها….
“وهيجي اليوم ياشـهـد اللي تعترفي بحُبك ليا..
وانتي بين ايدي وفي احضاني…بتحلفي بالله ان الحياة من غيري متساوش في عنيكي حاجة
ساعتها هشفي غليلي منك…وهيكون ردي فوق شفافيك…”
شهقت شهد شهقة خائنة وهي تضع يدها على شفتيها تحميها من مجرد التخيل…فأمرها عاصم بصرامة…..
“انزلي….كلامنا إنتهى لحد هنا….”
ترجلت من السيارة بجسد يرتجف فقد داهمها خطٍ من الصقيع فجأه ربما من برد الليل القارص او من
برد كلماته الجافة والمسننة بعينين تحمل
الوعيد الشديد الى يومًا قريب…
هي معترفه انها وقعت في الهوى لكنها لن تسلم الحصون للحب أبدًا مهما حدث لن تضعف امام مشاعرها….ستلغي هذا القلب مهما خفق فهي
بغنى عن الضعف وقلة القيمة بسبب الحب ؟!..
ليس الحب أولًا ولن يكون في قاموس أمرأه عانت
الويلات منذ الصغر و رأت ان الحب بنسبة للرجال
هو استبداد لحقوق المرأة ويحق للرجل ان ينال اوسمة من ذهب لمجرد انه احتفظ بها في بيته
كقطعة انتيكا اعجبته؟!..
هل هذا هو الهوى الذي تريدني ان أسلم حصوني
له…حصنِ أعلى واصلب ومنيع من ان يقع ، وحتى
ان كنت اهواك هذا ليس دليل على اني أقبل بالعبودية !!…
نظر لها عاصم في ابتعادها وهي توليه ظهرها بكبرياء
ترفع راسها كملِكة لا تقهر وسط الاحزان…..كانثى
لن تسلم للهوى مهما قدم لها من مغريات !!…
لم يصدق ان تقفز في راسه تلك القصيدة التي يحفظها على ظهر قلبه منذ سنوات بعيدة ولم
يتوقع ان يعيش تفاصيلها ويشعر بمرارة الشاعر
وهو يقول بلوعة الحب……
( يا من هواه أعزه وأذلني
كيف السبيل إلى وصالك دلني
وتركتني حيران صبًا هائمًا
أرعى النجوم وأنت في نوم هني
عاهدتني أن لا تميل عن الهوى
وحلفت لي يا غصن أن لا تنثني
هب النسيم ومال غصن مثله
أين الزمان وأين ما عاهدتني
جاد الزمان وأنت ما واصلتني
يا باخلًا بالوصل أنت قتلتني
واصلتني حتى ملكت حشاشتي
ورجعت من بعد الوصال هجرتني
لما ملكت قياد سري بالهوى
وعلمت أني عاشق لك خنتني
ولأقعدن على الطريق فاشتكي
في زي مظلوم وأنت ظلمتني
ولأشكينك عند سلطان الهوى
ليعذبنك مثل ما عذبتني
ولأدعين عليك في جنح الدجى
فعساك تبلى مثل ما أبليتني..)
«للشاعر العماني/ سعيد بن أحمد البوسعيدي..»
…………………………………………………
خفق قلبها كأرنب مزعور…وبدأت يداها ترتجفان وتتعرقان كحال جسدها الذي يضخ عرقا وكانها
تحتضر…..
اقترب منها عادل خطوة واحده وهو يقول
بدهشة….
“بتبعدي ليه عني يادوللي… دا انا كنت فكرك هتاخديني بالاحضان….”
تغضنت زاوية شفتيها بغضب وقالت بضجر
من بين انفاسها العالية وكانها في سباق مع
مشاعرها وخوفها الآن…
“من إمتى كان في بينا حاجة زي دي….”
قال عادل بعينين عاشقتين….
“مكنش فيه بس المفروض يكون فيه بعد اللي حصلنا…. انتي لحد دلوقتي مسالتيش عملت
إيه بعد ما ابن عمك ضربني وسبني غرقان
في دمي؟!…”
تبادلا النظرات النارية بصمت وكلا منهما يلقي اللوم
على الآخر بعد ان احتدم الأمر حولهما واصبح الرجوع مستحيلًا ؟!…..
نظرت فاطمة اليهما وقالت من بين الصمت
المقلق…..”انا هستناكي برا……”
خرجت دون النظر في وجوههما المشتدة بالانفعال
قال عادل بصوت معذب…
“دوللي معقول تكوني نستيني في الكام شهر
دول….معقول حبنا انتسى بساهل كده… ”
هزت راسها وهي تحاول السيطرة على اعصابها…
وهذا الشعور المُر الذي يموج في حلقها….
إحساس صعب ان تقف امام ماضيك من جديد
ومن المفترض ان تشعر بنفس المشاعر الرائعة
التي كنت تستشعرها عندذاك لكن مع الأسف
قد ولى زمنها داخلك ؟!…..
ولى زمن الشعور بها حقًا !….
فهي الان تقف امامه وكل ما يسيطر عليها الغضب
من رؤيته بعد كل هذا الوقت….الغضب في ان تقع
في الذنب مجددًا رغما عن انفها فلا تعرف اي فخ
اعده لها كي ينتقم بعد ان تزوجت غيره….
“انت شايف ان الكلام ده ينفع بعد ما بقيت على ذمت راجل تاني….”
قال عادل وهو يقف امامها مباشرةً….
“فاطمة قالتلي انك متجوزاه غصب عنك… وانا وانتي عارفين هو عمل كده ليه….”
اهتزت حدقتاها قليلا وتسرب شعور الوجل
الى قلبها لكنها قالت بصعوبة….
“ملوش لازمه الكلام دا ياعادل انا في نهاية بقيت مراته ومينفعش كل اللي انت بتعمله ده….. الحكاية خلصت ياعادل… من اليوم اياه… وهي خلصانه….”
تشدق عادل بغضب وعيناه كاللهيب المشتعل….
“اي اللي عملته غلط يومها… ما انتي كنتي موافقة
اكتر مني..وعلى يدك قفلوها في وشنا…ودخلت بيتكم بدل المرة ألف وبرضو مرضوش بيا… كنتي عيزاني اسيبك تضيعي من بين ايدي….”
اندفع صوت داليدا فجأه تصرخ بانفعال
بالغ….
“ياريتك سبتني…انا عشت أسود أيام حياتي… اهلي
قعده مقطعني شهور…. دا غير معاملتهم وكلامهم معايا قبل ما اتجوز سلطان….واتجوزت غصب عني لواحد قرفان يبص في وشي اتجوزني بس عشان يستر عليا….”
نزلت دموعها وانتفض جسدها بوجع مسترسلة
بغصة مسننة…..
“عارف معنى الكلام ده إيه…عارف نظرته ليا وكلامه معايا كانوا بيبقوا عاملين إزاي….وهو شايفني فاجـرة وخاطيه بسببك…”
اشار عادل على نفسه متشدقا بصدمة….
“بسببي؟!.. بتلوميني عشان حبيتك وكنت عايزك تبقي معايا في الحلال….”
هدأت من فرط بكاؤها والوجع الذي ينخر
في صدرها…..وقالت بوهن….
“لما دخلت شقتك مكنش فيه مأذون ولا شهود…ورغم كده كنت واثقه فيك لأخر لحظة
..بس لو مكنش سلطان جه كان حـ….”
قاطعها عادل بنبرة حادة مبررًا….
“المأذون والشهود جم بعد ما مشيتي…انا عمري
ما خدعتك ياداليدا….انتي اكتر واحده مستعد
اضحي بكل حاجة عشانها…..”
قالت داليدا مقتضبة دون النظر
اليه….
“الكلام ده ممنوش فايدة….”
“لا ليه فايدة….تطلقي ياداليدا…..اطلقي منه
وتعالي نرجع تاني….”هتف بها عادل بعنفا وعيناه تلعمان بثقة…
“انت بتقول إيه…..”قالتها وهي تشعر بنغزة حادة مؤلمه في صدرها وكل ما جال في خاطرها الان الكابوس الذي زارها منذ أيام…..
فاسترسل عادل قائلا بزهوٍ….
“انا بحضر للسفر برا مصر في مصلحه حلوه
جتلي وهسافر…..”
سالته داليدا بدهشة….
“تسافر ؟!… هتسيب امك واخواتك هنا لوحدهم؟!.”
رد عليها بجفاء قاسٍ…..
“يتولاهم ربنا….انا مليش مكان في البلد دي…”
نظرت اليه بعينين واسعتين…. وجلتين…وكانها
تراه لأول مرة….وظلت متسمرة مكانها كالصنم
بلا روح أو مشاعر تسمع ما يقال دون ان يرف
لها جفن…..وعند صمتها اعتراه الزهو الشديد
سواء في عيناه او حديثه لذا تابع بثقة…
“برا احسن…فلوس وشغل وحياة جديدة….”
قالت داليدا بفتور تنهي الأمر بكلماتٍ منمقه…..
“ربنا يوفقك ياعادل….في نهاية دي حياتك وانت حر….. ”
انقلبت ملامح عادل فجأه وقال بتعنت
سافر…..
“انا مش بقولك عشان تقوللي ربنا يوفقك ودي حياتك…اطلقي منه وتعالي نهرب سوا…. ”
رفعت حاجبها بارتياع…
“نهرب ؟!….هو انت مسافر شغل ولا هربان من
حاجة…..”
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يخرج سجارة
ويشعلها ثم جلس على درجة من السلم الممتد
أمامها وقال بنبرة حالمة…..
“ههرب من إيه ان صاغ سليم….انا عايز اهرب معاكي
انتي لاخر مكان في الدنيا بس نفضل مع بعض…”
تاففت داليدا بقلة صبر وقالت….
“قولتلك اني بقيت ست متجوزه دلوقتي و….”
قاطعها بعجرفة وهو ينفث الدخام من انفه باستمتاع…
“انتي لسه قايله انك مغصوبة على الجواز
وبيعاملك وحش…..”
فركت داليدا في يداها وهي تقاوم هذا
الضعف…..
“بس علاقتنا بدات تتصلح….وبدأت احس بالامان والراحة معاه…..”
القى عادل السجارة أرضا واقترب منها بنظرة متوعدة…. “معنى كلامك انك حبتيه؟….”
ابتعدت خطوتين للخلف فوجدت نفسها
تستند على الحائط خلفها…لكنها تماسكت
وقالت امام وجهه بصرامة….
“مش مهم الحب…المهم اني مرتاحه في حياتي وراضية بالربنا كتبهولي….وانت كمان ربنا يرضيك
وتلاقي نصك التاني…..”
صاح عادل بعد اندلعت النيران في حدقتاه
وقلبه….
“انتي عارفه معنى الكلام ده إيه…انك خونتيني..
خونتيني معاه…..”
توسعت عيناها جراء حديثه ونظرة الاتهام
بعيناه فقالت بعنف…..
“انت اتجننت…ده جوزي على سنة الله ورسوله…”
اقترب منها اكثر وحجزها بين هذا الجدار اللعين
صائحا بغيرة…..
“وانا حبيبك…..حبيبك ياداليدا…إزاي نسيتي حُبك
ليا ولا كان كله كلام عشان تغيظي ابن عمك بيا..”
تملصت من هذا المكان الضيق باعجوبة وهي توليه ظهرها قائلة بصدمة….”اي الهبل اللي بتقوله ده….”
تحدث عادل بصوتٍ منفعل محتدم المعاني….
“الهبل ده هو الحقيقه…..هو عرف منين مكان الشقه
أكيد انتي اللي ادتيلوا العنوان عشان يشوفنا سوا
وساعتها يقرر يتجوزك عشان يداري على الفضيحة…”
استدارت اليه وقد تصلب جسدها من هول الصدمة واعصابها في حالة تشنج ونفور…بينما بدأت
تتحدث بذهول…..
“انت مجنون….يومها انا مكنتش أعرف أصلا
انك هتكتب الكتاب في حته تانيه غير شقة
اهلك زي ما قولتلي….انت إزاي بتفكر كده.. وازاي
انا اتغشيت فيك اوي كده…. ”
ضحك عادل ضحكة ساخرة قاتمة وهو يقترب
منها قائلا باهانة…..
“دلوقت بقا عادل وحش بعد ما سلطان ملى الفراغ
العاطفي بتاع الهانم….وكل عقلها بكلمتين حلوين..”
جفل وجهها مع إتساع عينيها….فارتدت للخلف
لتجده يتابع بأسلوب أشد وطاة……
“رخيصة…وعمرك ما هتعرفي تحبي… اي واحد هيضحك عليكي بكلمتين حلوين هتوهبي ليه
جسمك وقلبك….زي ما عملتي معايا بظبط….”
كانت الخطوة القادمة منها هي صفعة قوية على صدغه كانت مهينة قاسية ردت جزءا من اهانته
لها…..ثم التقطت انفاسها المتحشرجة بصعوبة
قائلة..
“اخرس ياحيوان انا فعلا رخيصة عشان حبيت
بنادم زبالة زيك…..”
وضع يده على خده للحظة متحسسا اثار الصفعة
ثم اندفع نحوها فجأه ومسك ذراعها بقوة معتصرة
بين يده بوحشية والوعيد يفوح من بين كلماته…
“هتندمي ياداليدا…هدفعك تمن القلم ده غالي…”
حتى تخلص نفسها من بين يداه ضربة وجهه بالحقيبة المتعلقة في كتفيها عدة مرات متتالية
بقوة حتى تركها نهائيا متألمًا من وجهه….
فقالت داليدا بنظرة مشمئزة….
” انا فعلا ندمانه وقرفانه من نفسي…بس تعرف اي أحسن حاجة حصلت وسط كل القرف ده…اني عرفتك على حقيقتك…..”
خرجت من المبنى سريعا تذرف الدموع…وعندما خرجت للشارع لم تجد صديقتها بانتظارها كما
قالت… ضحكة بعدها بسخرية فيبدو انها باعتها
سريعًا بالاتفاق معه….رفعت هاتفها وارسلت
رسالة صوتيه تنشج بالبكاء…
(صحوبيتنا انتهت لحد كده…..مش عاوزة اشوف
وشك تانيه… سااااامعه…)
ثم سارت في الشارع وهي لا ترى أمامها من كثرة
الدموع التي جعلت الطريق كالغمام أمامها….
ومزال حديث الحقير كالرعد يتردد في اذنيها
تشعر بحمم بركانية تفور في صدرها نزولا الى احشاؤها التى تكوى الان بالوجع ومن خلالها
شعرت بالاختناق ورغبة قوية بالتقيؤ الان
الان…
انخفض وجهها فجأة وتقيأت بقوة تفوق الوصف
شعرت وقتها بان روحها تنسحب ببطئ ووجهها
أحمر كالدماء….وانفاسها فارقتها للحظات كانت كالدهر……
وصلت لشقة والديها وهي تجر أذيال الخيبة معها
بعد العودة من خروجة كانت تظن أنها ستهون عليها قليلا برفقة اصدقاؤها المفضلين….
لكنها بدأت بداية لم تفضلها ، ونهاية لم تتوقعها…
خسرت صديقه ، وندمت على ما مضى….ويالها
من خيبات أمل….وعذاب ضمير ، وندم دائم…
“السلام عليكم….”
قالتها وهي تمر من جوار الصالون دون النظر اليهما
فرد صوتٍ مألوفا لها تحفظه على ظهر قلبها….
“عليكم السلام ورحمة الله وبركاته…. ما لسه
بدري يامدام…..”
رفعت عيناها وعندما ابصرته يقف باستقبالها
بطوله الفارع وجسده الضخم وهالة من الرجولة والهمجية كالعادة تحيط به فيزداد بها وسامة
خاصة في قلبها وعيناها…
إبتسمت داليدا من بين عيناها الحمراون وابتهج وجهها الباهت الحزين….وكانها وردة تزدهر من
بين الصخور الصلبة….”سلطان…..امتى جيت….”
اقتربت منه تقطع المسافة بينهما بقلب الصالون الفارغ عدا منهما……
“من شويه كنتي فين….”سالها بصوتٍ خشن
حاد…..
فقالت سريعًا وعيناها تنظر اليه بلهفة….
“كنت مع واحده صاحبتي…على فكرة انا
استأذنتهم…واتصلت بيك والله كتير…بس
انت مكنتش بترد..”
ثم نظرت في الصالون الفارغ من
حولهما… “هو فين بابا وماما….”
ضاقت عيناه وهو يفترسها بالنظرات….
“امك بتعملي حاجة اشربها وابوكي في الجامع..
اي اللي خلاكي تنزلي مع صاحبتك طالما انا مردتش عليكي…. ”
ثم انتبه الى آثار البكاء بوجهها….فلامس
باصبعه دمعة جافة على وجنتها…
“واي اللي في وشك ده…انتي معيطه….”
توترت قليلا وهي تخبره دون النظر لعيناه
المفترستين…..
“انا كويسة ياسلطان….انا بس اتعركت انا وواحده
صاحبتي وشدينا مع بعض بالكلام وبعدين سبتها وروحت……انا ملحقتش تقريبا مكملتش نص ساعة حتى اسأل ماما….”
تحدث بخشونة محتدة..
“كان واجب برضو تقوليلي….”
وعلى عكس طبيعتها قالت بخنوع…
“عندك حق مش هتكرر تاني والله بس متزعلش..”
مما آثار الريبه بداخله…فخفف من حدته
مستفسرا بحنو…
“مالك ياداليدا….. في إيه….”
اغمضت عينيها بضعف والقت راسها على صدره ثم احاطت خصره الصلب بكلتا ذراعيها هامسه بحرارة وشعور بالحميمية يلفهما معًا على سحب وردية..
“احضني ياسلطان…..احضني أوي….”
أذأب قلبه وعيناه معًا بعد ان القت جسدها الصغير
الغض بين ذراعيه القويتين…فازدرد ريقه ببطئ
وهو يغمض عيناه ويدفن انفه في عنقها بعد ان
رفعها من خصرها عن الأرض كالدمية لا تزن
شيءٍ في احضانه……
عبث في حجابها حتى سقط أرضا وداعب شعرها
الناعم باصابعه الغليظة هامسا في جيدها المرمري بصوتٍ متحشرج من شدة المشاعر المشتعلة بينهما…..
“اه ياداليدا…..وحشتيني….وحشتيني أوي….”
بدأ يعتصر جسدها بين يداه بجنون والشوق يشعل
فؤاده…..وهي تحاول ان تسيطر على نفسها كاتمة
اهات الضعف واللذة….والمشاعر الغريبة الساخنة التي تلفهما معًا بلا هوادة….
طال العناق ومزال جسدها يعتصر بين يداه بوحشية تروقها بشدة…..ولا تعرف ماهذا الخلل الذي جعلها
ترى وقاحته دلالاً لجسدها ؟!…
قالت بهمسةٍ ملتاعة بتيه… “انا اسفه…والله آسفه…..”
فصل العناق بينهما على مهل…ثم نظر لعيناها
الحمراون سائلا بقلق….
“جرا إيه لده كله يامجنونه….فهميني…”
قالت بصعوبة مثخنة بالجراح….
“مش عارفه…بس انا ندمانه…ندمانه على كل حاجة
عملتها….انا غلط في حقك وحق أهلي…..بس انا مش رخيصة ياسلطان….والله ما رخيصة……”
اوقفها وهو يشعر بانها تنكأ الجرح مجددًا
بقسوة…..
“هشش اي الكلام العبيط ده..مين قال انك رخيصه
أهدي اهدي وكفاية عياط…..”
دخلت عليهما والدتها تحمل كأس من العصير
وعندما ابصرت ابنتها قالت مبتسمة….
“الله انتي جيتي ياداليدا….بتعيطي ليه بقا
حصل حاجة ولا ايه….”
سالتها امها بقلق وهي تنظر لوجهها الباكي الحزين..
فتولى سلطان الرد عنها وهو يلوي شفتيه
باستهانه…..
“بتقول اتعركت مع صاحبتها….”
رفعت امها حاجبها باندهاش….
“معقولة فاطمة؟!…دانتوا روحكم في بعض..”
“عشان كده مموته نفسها من العياط….”ظهر الارتياح
على محياه معتقدا ان هذا هو فقط السبب….
اكدت سهير وهي تقنعه…..
“هي كده بتاخد دايما الكلام على صدرها…سيبك ياسلطان دول ياما اتشكله سوا…وبيرجعه تاني
ميقدروش يستغنوا عن بعض…دا لمؤخذه كهن
بنات يابني قعد استريح انت جاي من سفر…..”
ثم اشارة لكأس العصير…..
“اشرب العصير لحد ما كمل عمايل الغدى….”
قال سلطان معتذرًا ومزال يقف مكانه…
“لا يامرات عمي مش هينفع….انا جاي من السفر عليكم علطول…هاخد داليدا بقا ونروح….عشان
امي مستنيانا على الغدى….”
إبتسمت سهير بتفهم…..
“زي ما تحب يابني……حقك تشوف أهلك وتطمنهم
عليك بعد الغيبه دي…..”
نظر سلطان الى داليدا وقرص وجنتها بحنانا
ابوي قائلا…. “يلا بينا يادودا…..”
إبتسمت داليدا بعينين هائمتين وقالت بخجل
وهي تنحني لتاخذ وشاح راسها الواقع أرضا
“هعدل بس الطرحة قدام المرايه….”
قال خلفها بعد ان ابتعدت…”خديني معاكي…..”
عندما وصلت الى غرفتها راته خلفها مباشرة يغلق
الباب خلفه….قالت داليدا بوجنتين متوردتين….
“اي اللي بتعمله ده….ماما هتقول عننا اي دلوقتي…”
“هتقول اني بلفلك الطرحة مثلا……”سحبها من خصرها فوقعت على صدره وقالت بخجل..
“بطل قلة ادب ياسلطن…..”
مط سلطان شفتيه وهو يجذب جسدها أكثر
إليه….
“الغريبة ان وحشني الدلع الرخم ده منك…”
لفح وجهها بانفاسه الساخنة الممزوجة برائحته الرجوليه الرائعة فتنهدت داليدا بتوله قائلة
برقة… “واي تاني وحشك….”
سارت شفتيه على عنقها وانفه يشم عطرها
الجوري بنهم وكانه ترياق الحياة بنسبة له….
“وريحتك…..شقاوتك…. وحلاوتك.. ”
“واي تاني…..”همست بتوله وهي تذوب في احضانه على أوتار كلماته الساخنة..
ضمها اليه وهو يقبل وجنتها وحول شفتيها ببطئ وتأني شديد وهو يقول….
“وحضنك…كل حاجة فيكي ياداليدا..وحشاني..”
كلماته ولمساته خدرت جسدها بأكمله وسرى شعور
دافئا من الحميمية بداخلها ، توغل اليهما معًا وكلا منهم يئن في أحضان الآخر……
وعندما وصل لمبتغاه الى شفتيها الشهية كثمرة تفاحة ناضجة افتتن بها فلم يقاوم كثيرًا وقضمها بقوة وهو يطلق قبلها اخر همسة من بين شفتيه…
“داليدا……”
آه من حلاوة إسمها من بين شفتيه واه من
دفء شفتاه حينما عانق شفتيها بقوة يبث
بها شوقا وعشقا ليس لهم مثيل…..
ضمها بقوة وشفتيه تعزف لحنًا صاخبًا على هاتين الشفتين الشهيتين بسخاء… كانت قبلة طويلة قوية تبث الكثير من المشاعر وتشعل الحميمية بينهما أكثر…..
داعبت شعره باصابعها وهي تحاول ان تلتقط انفاسها من بين طوفان العاطفة التي يجذبها اليه بجنون…
ولم تتوقع ان من لا يعرف كيف يلقي كلمات الغزل
والعشق باللسان يجيد تدليل الجسد باللمسات
ويدلل القلب بالقبلات ، وبهمسة من اسمها في اقصى لحظاته الحميمية معها تكفيها عن الف اعتراف بالحب ، ورسائل غرامية !….
لم يتوقف سيل القبلات والاحضان الا عندما سمعت
صوت والدها بالخارج….. وقتها ابتعدت بارتباك كمن
لدغتها حيه ! ، وكانها مسكت للتو في قضية غير أخلاقية !..
“بابا برا ياسلطان……”
مزال يأخذ انفاسه العالية محاولا السيطرة على مشاعره ولو قليل حتى قال لها ساخرا بضيق
“الباب مقفول ياهبلة….وبعدين انا جوزك…”
لم ترد بل ظلت صامته تهدأ من روعها وهي تنظر
لعيناه ببراءة تجعله يشتهيها أكثر وكانه لم يكتفي
ويبدو انه لن يكتفي من الأميرة المدلله مهما نال
من حلواها ؟!…..
“روحي اغسلي وشك…ولفي الطرحة يلا عشان
نمشي..”
قالها سلطان وهو يضرب وجنتها بخفة ثم بدأ
يغلق ازرار القميص التي عبثت به داليدا باصابعها
الشقية وهي تشاركة جنون اللحظة…..
وعند الانتهاء غمز لها بشقاوة فضربته في صدره
وخرجت من الغرفة الى الحمام بوجنتين حمراوان
كدم الغزال…..
……………………………………………………………
وضعت طبق الغداء على السفرة المستديرة وهي تتنهد بسأم فكلما اتى وقت الطعام تفقد شهيتها
بعد ثوان من الجلوس امام طبقها….
وكانها فقدة زهو الحياة فجأه وتعيش على الاطلال
تأكل القليل حتى تتمكن من التحرك وممارسة اعمالها
المنزلية او البحث عن عمل..
ففي الحقيقه من يوم ان عادت لمنزلها وهي تنزل كل يوما للبحث عن عمل جديد لكنها تعود بأذيال الخيبة بعد ان تجد كل الاعمال التي تقف عندها مشغولة بالعمال ولا يحتاجون موظفات….
حتى المكتبة التي كانت تعمل بها وظفة فتاتان بعد
ان غادرتها بحجة اجازة مرضية تحتاجها وتغايبت
لأشهر بعدها…..
والأموال القليلة التي في حوزتها بدأت تنفذ… والغريبة انها تشتهي الآن قطعة حلوى ذائبه
في العسل (لقمة القاضي..)وتبخل على نفسها
حتى لا تهدر المبلغ المتبقي لديها….
إبتسمت بسخرية وهي تقلب في طبقها والذي
كان عبارة عن ارز أبيض معه حساء اخضر
لزج (ملوخية..) وبجواره طبق من المخلل…..
كانت البسمة تحمل من الآسى والسخرية أطنان
بعد ما وصلت إليه في تلك الرحلة الشاقة والتي
لأجلها تركت عملها وتركت كل شيءٍ خلفها وذهبت
ببسالة المحاربين في أرض المعركة ظنا منها انها
تجيد شهر السلاح في وجه العدو…
لكن
لكنها انهزمت امام نجله الأكبر فقد استعمل سلاحا رادعا لها عندما وضع ابنه بقربها دوما كالمرصاد
أولاده الثلاثة كانوا كل ما تحتاج، فهي لم تحظى بالعائلة او الأخوة او حتى الأصدقاء ولم تحب
يومًا كما أحبت ابنه !…
لذلك الخسارة لم تكن ميراثها وعملها فقط بل هي خسرت اغلى ما تملك…… قلبها
وهذا ما تشك في إستردادُ يومًا ؟!..
طرق الباب في تلك الأوقات فنظرت إليه بريبه.. كلما
طرق الباب ينتفض قلبها فجأه برهبة…
لم تعتاد الوحدة بعد فكانت أمها انيسة وحدتها
وشريكتها في الحياة بحلوها ومرها لكن يشاء الله
ان ترحل وتتركها بمفردها تعاني وحشة الوحدة
وشر العالم لذا قررت السفر بعدها حتى تسترد
ميراث امها من خالها وتبدأ بفتح مشروع
يكون مصدر رزق لها ولا تحتاج للعمل عند
الغرباء….ليتها ما فعلت… ليتها ظلت تعافر
مع الحياة…..وتعمل عند الغرباء… ليتها ما
تكبرت على حياتها ورضت بما قسمه
الله لها……
ما كانت هنا تتعذب وحدها وتستعر بنارِ الحب والغيرة دون ان يشعر بها أحد ، دون ان ينظر
لها أحد أو يسألها ما بكِ ، ومن يسأل وهي تختنق
كل ليله بين الحيطان وكانها بداخل تابوت مظلم
خاليًا من الاكسجين يزهق نفسها….
تنهدت وهي تنهض بخطوات شبه ميته الى باب
الشقة وكانت ترتدي منامة بسيطه تبرز قدها
المنحوت كعارضات الأزياء بطولا فارع قليلا
وشعرها الغجري الأسود حرًا طليق يتراقص
بمواجاته الجنونية خلف ظهرها…..
فتحت الباب قليلا تنظر من فتحته لتجده أمامها
ينظر إليها بعسليتاه القاتمة وبريقهما الأخذ يرتدي
طاقم شبابي أنيق بنطال من اللون الاسود وفوقه
قميص يجمع بين الابيض والاسود طاقم يفصل جسده الصلب وجذعه المنحوت… يضع عطرًا
قوي زكم انفها به… بينما يرفع شعره الأسود
الناعم للخلف بجاذبية….
متأنق أليوم… للحق هو دومًا أنيق ونظيف نظافة
شخصية تشهد بها في الأشهر التي عاشتها معه..
لكنه يزداد تانق ووسامة في المناسبات والطلعات
الخاصة والمهمة يزداد بشكلا ملحوظ…
هز حمزة رأسه قائلا بشقاوة….
“اي ياقمراية هتسبيني واقف على الباب كتير… مفيش ازيك حتى؟!…..”
“حمزة !!… مش مصدقه انك هنا…ادخل تعالى.. عامل ايه… اي اخبارك… “قالتها وهي تفسح له المكان وبنيتاها تحدق فيه بدهشة وعدم تصديق…وكانها تحلم احد احلامها السخيفة…..
“الحمدلله…. كنت قريب من هنا فقولت اعدي عليكي….” قالها حمزة وهو يتخطى عتبة الباب مغلق الباب خلفه بقدمه وكان يحمل بين يداه عدة أكياس وعندما انتبهت لهم قمر قالت بضيق….
“اي اللي انت جايبه معاك ده…هو انت غريب..”
وضع الاكياس على الطاولة وعيناه تجول
في أرجأ الشقة البسيطه……
“دي حاجات بسيطه…..الشقة حلوة..تجلها بكام
دي….”
قالت قمر بحزم… “دي مش للبيع… أنسى….”
لوى حمزة شفتيه مستهجنًا…
“على أساس اني هسيب اسكندرية والبحر والهوا
واجي قعد هنا في الحر والزحمة….”
قالت قمر بحيادية…..
“إحنا كمان عندنا بحر…..ولا ماعدتش على
الكرنيش…..والزحمة خفت عن الأول… ”
هتف حمزة بزهوٍ وهو يأسر عيناها….
“ما الكباري كترت…المهم عاملة إيه
أكيد الحياة ملهاش طعم من غيري… ”
ابتسمت وهي تهز راسها
باستياء…
“لا الحياة جميلة من غيرك….أطمن ”
أخرج تنهيدة ثقيلة وهو يسألها….
“يعني هتفضلي قعده لوحدك بين اربع حيطان
كده…انتي ممكن تلسعي اكتر ما انتي لسعة….”
قالت قمر بنظرة جادة….
“لو جاي عشان تاخدني معاك…فأحب أقولك انك
جيت على الفاضي عشان انا مش هرجع….”
قال حمزة بنبرة غريبة….
“لا انا جاي عشان حاجة تانية خالص…”
سالته بنظرة متوجسة…. “اللي هي….”
عقد حاجباه مدعي المرح…..
“متخدنيش على الحامي اتقلي….انتي كنتي بتاكلي ولا إيه ؟….”سالها وهو ينظر للطعام الموجود
على الطاولة……
قالت قمر بجذل وهي تشير على
الطعام…..
“اه تعالى كُل معايا….. حماتك بتحبك…”
اجابها حمزة بأسلوبٍ مبهمًا….
“الله يرحمها بقا ملحقتش أشوفها….”
نظرت له قمر بدهشة وخفقات قلبها تزداد
بقوة….فقال حمزة بهدوء وهو يشير للاكياس
أمامها….
“في في الكياس دي فرخة مشوية طلعيها…هي لسه
ساخنة جايبها من عندكم…يارب تطلع كويسه…”
ذابت الصدمة من عليها بتدريج معقبة
بتبرم…
“اي جايبها من عندنا دي….اللي يسمعك يقول
انك عايش برا مصر وجاي سياحه ؟!…”
رد حمزة بحذقًا…
“طالما طلعت برا محافظتي يبقا انا في الغربة… ”
ثم استرسل بابتزاز…..
“وبما اني ضيف عندك لازم تكرميني…”
بدأت قمر رحلة البحث عن الدجاجة المشوية
بداخل الاكياس وقد تفاجئت أثناء البحث انه
اشترى أشياء كثيرة خارج أطار الزيارة
العادية وبدأت تقول بدهشة وهي تنظر
داخل الاكياس…..
“أكيد…بس اي اللي انت جايبه ده ياضيف…جبنة
ومربى وحلاوة وعيش وفاكهة وعصير….ولقمة القاضي…..”إبتسمت عندما وصلت لحلواها المفضلة
فسال لعابها ولكنها قاومت رغبة ان تفتحها وتأكل
منها أمامه….وتحلت ببعض الاخلاق….
في حين قال حمزة بشك….
“اشمعنا دي اللي وقفتي عندها يعني….”
قالت بسعادة وهي تنظر لشعار العلبة….
“كان نفسي فيها أوي….جايبها من الحلواني اللي عندكم صح….أوه بقيت بتكلم زيك… ”
عضت على شفتيها بحرج…فضحك حمزة
قائلا…
“ومالوا دا عز الطلب عشان نفهم بعض بسرعة..هتأكلينا ولا إيه في يومك ده… ”
قالت قمر وهي تحمل علبة الدجاجة
المشوية…..
“ثواني والاكل يكون قدامك…..استنى…”
“هشرب سجارة طب على ما تخلصي….”قالها وهو يخرج علبة السجاير من جيبه…
عادت ادراجها وهي تقول بحنق بالغ…
“لا طبعا هات دي…. ممنوع تشرب سجاير هنا…”
سحبت العلبة منه فقال باستهجان…
“ليه بقا واقف في مستشفى ولا بنزين….”
قالت بحزم وهي تضع العلبة في جيب
المنامة…. “واقف في بيتي ممنوع..”
عندما ابتعدت أبتسم حمزة إبتسامة كئيبة وهو بجلس على المقعد امام الطاولة بانتظارها…
بدأت تشعر بمذاق الطعام أخيرا برفقته وعادت شهيتها لطبيعتها فقالت بفضول وهي ترفع
المعلقة على فمها….
“لسه مسألتكش انت عرفت عنوان البيت منين…”
اجاب حمزة بغطرسة وتسلط….
“مفيش حاجة صعبة عليا…. قولتلك منين ما أحب
اشوفك هشوفك….”
خفق قلبها وهي تسأله…..
“وكنت جاي لحد هنا عشان تشوفني….”
أومأ براسه دون النظر لعيناها…
“اكيد ياقمراية..”
ابتسمت بحزن وهي تشعر ان رده تحت مسمى
(جبر الخواطر) ليس إلا لذا صمتت فاسترسل
هو بنظرة حانية….
“تعرفي ان البيت ملوش طعم من غيرك…وكانه بقا
نقصة حاجة مهمة….عشان يرجع زي الأول…”
بلعت الطعام بصعوبة وهي تقول بحزن…
“بلاش تحاول ياحمزة…انا مش فرد من العيلة
دي….”
قلب حمزة في طبقه بشهية مفقودة وهو يقول
بتبرير……
“انا عارف انك لسه زعلانه منهم….بس شهد اتصلت
بيكي كذا مرة وانتي اللي مش بترضي تردي عليها..”
هتفت قمر بشفاه مقلوبة ببؤسا….
“هرد أقول إيه…صدقني مفيش حاجه تتقال بعد
اللي حصل…..هي لسه ملقتش المجوهرات
بتاعتها ؟..”
أجابها حمزة وهو يضع قطعة مخلل في فمه
تخفي المرارة التي يستشعرها الان بقربها..
“لسه بس اكيد مع خالك مفيش غيره….”
ثم اخبرها بشبه ابتسامة….
“كيان كمان احتمال تتقرا فاتحتها اخر الاسبوع
ده…..”
تهللت اساريرها فجأة بالفرحة الصادقة وهي
تسأله بعفوية… “بجد الف مبروك….. مين….”
أخبرها بهدوء وهو يمضغ الطعام….
“المحامي اللي شغاله عنده…اسمه سليم….أبوه
كلم خالك وحدده معاد اخر الاسبوع يشوفوا
بعض ولو في قبول يقرأ الفاتحة على الكلام..”
قالت بنفسٍ سمحة….
“ربنا يسعدها….ويفرحكم بيها….”
سالها حمزة بحاجب معقود….
“يعني برضو مش هتيجي في اليوم ده….”
هزت راسها بتصميم….
“لا مش هينفع…..خليها في الفرح….”
لفهما صمتا كئيب فجأه وظل كلا منهما
يحدق في طبقه بشهية مفقودة…
فسالته قمر بفتور وهي تقتل الصمت
بينهما…..
“وهما عاملين إيه كويسين يعني…..”
اجابها دون النظر اليها…. “الحمدلله….”
تأملت جانب وجهه عن قرب وملامحه الرجولية
الجذابة القريبة جدًا من قلبها….فقالت بعد
لحظات…”وانت؟….”
خفق قلبه وارتجف جسده وكانه محموم بعد سؤالا
يحتوي على كلمة واحده لكنها لها مفعول كالسحر
على جسده ومشاعره……
فرد بعد تنهيدة مثقلة بالهموم
والحيرة….
“زي مانا عايش…..الحمدلله… ”
قالت بمناغشة جميلة…
“وياترى بطلت القهوة ولا لسه بتشربها….”
رفع حمزة عيناه اليها يرمقها بنظرة من عسليتاه
الامعة بالعنفوان والجاذبية فعلمت الآن ان إسترداد
قلبها منه امرًا مستحيلًا ؟!..
اجابها حمزة بنبرة مرحه…..
“اعرفي ان في تلات حاجات في حياتي مستحيل
ابطلهم السجاير والقهوة وحب أخواتي…”
“وحب الوطن……” قالتها باستهانه دليلا على حبه
للمكيفات وذكرها قبل شقيقتاه حتى !!….
رد بنظرة توغلت الى قلبها دون سابق إنذار فحفظها بكل جوارحه… “لسه ملقتش الوطن اللي أحبه…..”
اهتزت حدقتاها بارتباك…. “انا أقصد مصر….”
أبتسم وهو يهز رأسه ونظراته الصريحة
تأسرها…
“اه ام الدنيا طبعًا…. بس انا أقصد الوطن التاني
عرفاه ده….”
“لا لسه معرفوش لما اعرفه هقولك…. انا هروح اعملك قهوة كمل أكلك….” حملت طبقها سريعًا
ونهضت من مكانها الى المطبخ…..
فرفع حمزة راسه للسقف وهو يشعر ان الأمر أصعب
مما ظن لكن يجب ان يخبرها وياخذ خطوة حاسمة
معها فلم يأتي الى هنا من فراغ !….
كان يجلس في شرفة منزلها يحتسي القهوة وهو
يطلع على المارة بالاسفل…وهي تجلس في المقعد
المقابل له تنظر اليه بين الحين والآخر بصمت وامامها حلواها الذئبة بالعسل تأكل منها على
مهلا…
فقالت قمر بهدوء…. “اي رايك في القاهرة….”
اجابها بغطرسة وهو يبعد الفنجان عن
فمه….
“مش أول مرة انزلها يعني…كويسة….”
سالته قمر بفضول والهواء الطلق يداعب خصلة
راقصة بجانب وجنتها…. “ليك صحاب هنا….”
كانت عيناه تتحرك مع الخصلة وهو
يقول… “كتير….”
أحمر وجهها بخجلا وهي
تقول….
“اي رأيك في القهوة…..”
قال حمزة بفظاظة وهو يفرد كفه لها…
“هي مش حلوة أوي….بس يلا مضطر اشربها تسلم
إيدك….هاتي علبة السجاير… ”
مطت شفتيها وهي تخرجها من
جيبها…
“عادتك ولا هتشتريها….اتفضل….”
أبتسم حمزة وهو يشعل سجارته امام عيناها
الحانقة…..ثم نفث دخانها وهو يناديها بلسانه
بينما عسليتاه تعرف مجال عيناها….
“قمر….”
لانت ملامحها مع نظراته الحانيه
والجادة كذلك….فتابع حمزة…
“تعرفي انا جيالك لحد هنا عشان إيه….”
زمت قمر شفتيها بحيرة….
“معرفش…انا سالتك وانت توهت….”
قال حمزة بصوتٍ رخيم…
“مكنش ينفع اقولهالك خبط لزق كده…”
هزت راسها بحيرة تسأله بقلبٍ يخفق
بجنون…
“اللي هو اي يعني؟!…..”
ازدرد ريقه وامام بنيتاها المنتظرتين المتحفظتين
قال دفعة واحده…. “انا عايز اتجوزك ياقمر…….”
توقف العالم فجأه من امامها لم تعد تشعر بنسيم الهواء من حولها ولا صوت المارة بالاسفل وكان
كل شيء توقف فجأه احترما لتلك المعجزة
التي تحدث الآن فالحلم تحول لواقع تحياه
بكل جوارحها…..
كان الشيء الحي بها الان هو قلبها وخفقانه
الشديد وكانه يعاني من تصدع عاطفي من
هول المفاجأة…
قالت قمر بعد ان لملمت شتاتها قليلا وسالته
بشفاه فاغرة ومزالت تحت تاثير الصدمة وعدم الاستيعاب بعد…..
“انت بتقول اي ياحمزة….تتجوزني انا….فجأه كده
نطت في دماغك……”
رد حمزة بهدوء جاد…
“مش فجأه ولا حاجة كان في نيه من قبلها وازدت
اكتر لما بعدتي وسبتي البيت….قولتي ايه.. ”
انمكشت ملامحها بدهشة من فتور مشاعره في الاعتراف وكانه حفظ كلمتين ويُلقيهم على
مسامعها كخطابٍ عادي…لذا سالته متعجبة…
“في إيه…انت عايز تاخد الرد مني دلوقتي…طب
إزاي اديني وقت أفكر…..”
سالها بملامح مكفهره ونظرة نافذة….
“تفكري وانتي هنا لوحدك..في شقة طويلة
عريضة… ”
اكدت قمر بصلابة….
“أيوا امال فين…في بيتكم مثلا…”
أكد بنظرة حازمة….. “المفروض….”
لم تهاب نظراته واستهجانه من كونها ستظل هنا حتى بعد ان عرض عليها الزواج للتو….
بل سالته السؤال الأهم بنسبة
لها…
“انت ليه عايز تجوزني ياحمزة……”
كان سؤال يشكك في مصداقية عرضه لها
مما دفعه لان يسالها بصبرٍ….
“اللي بيتجوز واحده بيتجوزها ليه؟….”
قالت بقلب ينزف وجع…. “عشان بيحبها…..”
اوما براسه وهو يضيف بصوتٍ متزن….
“وساعات عشان بتبقا عجباه وبيرتاح معاها…والحب
كده كدا هيجي مع الوقت…”
تكاد تجزم بان قلبها تحطم في محجرة الان….
لم ترد قمر بل اشاحت بوجهها بكسرة نفس بعد ان أخذت الإجابة المتوقعة منه….وعلى اساسها ستبني
معه حلمٍ وردي يشوبه الوهم….الوهم والألم….
“ساكته ليه….”سالها حمزة… فنظرت اليه
بعينين غائمتين في احزانهما….
“لا أبدا بفكر في كلامك….”
مالى حمزة للإمام قليلا وسالها بنبرة
بائسه…..
“قوليلي بصراحه انتي مش موافقة عليا مبدئيا…”
امام نظرته الحزينة والبؤس في سؤاله
اجابته بلهفة وحنية…..
“لا طبعا….يعني انت ابن خالي وانسان شهم
وجدع ويامه وقفت جمبي….يعني انت حد مايترفضش ياحمزة…. ”
القى توقعه بنبرة مزدرية….”يبقا عشان الفلوس….”
امتقع وجهها مع ارتفاع حاجبيها بصدمة ثم
عاتبته بقنوط قائلة…..
“اي اللي بتقوله ده انا مبفكرش كده….انا…”
قاطعها حمزة بنبرة متحده قليلا…ويبدو ان الحديث
فتح الجراح العميقة من جديد….
“اطمني انا معايا اللي يكفيني…هجبلك الشبكة اللي تشوري عليها والشقة هتكون في عمارة من العمارتين بتوعنا…..”
هزت راسها بعدم فهم.. “وخالي وافق كده عادي !.”
ابتسم بسوداوية مريعة وطال عيناه القاتمة
والاحتقار وهو يجيبها بسخرية لاذعه….
“لازم يوافق….. الجوازه اللي فاتت مكنش راضي عنها عشان كده كان بيعاند معايا لكن الجوازه المرادي على
هواه…..”
ازداد الشك داخلها فسالته
بتحفظ….”ليه على هواه؟!…..”
قال حمزة بهدوءٍ كصقيع…..
“عشان انتي بنت اخته…. وعشان يضمن ان مالك مش هيروح لحد غريب….”
اثار حفيظتها فسالته بغضب….
“هو اللي بعتك ياحمزة مش كده….”
لقد غافله السؤال ولم يحسب حسابة !….
فانعقد حاجباه قليلا وبملامح رصينة
وضح لها……
“انتي دماغك راحت لفين ان بوضحلك ليه بيساعدني المرادي وهيديني شقه اتجوزك فيها…عشان الجوازه على هواه مش اكتر !.. ”
لف كلاهما جوٍ من الصقيع فجأه حتى قالت
قمر بعد لحظاتٍ من الصمت المريع…..
“ممكن تديني وقت أفكر….”
اكتفى حمزة بايماءة بسيطة ثم تبادلا النظرات
معاً بصمتٍ غريب وكلا منهما مشغولا في حساباتٍ واهيه……..
…………………………………………………………….
دخل الى الشقة ليلًا بعد ان قضى الساعات المتبقية في اليوم مع بعض الأصدقاء المقربين له في نفس المحافظة…. دلف الى غرفته بتكاسل وأوصد بابها عليه…..
القى سلسلة المفاتيح على المنضدة باهمال ثم بدا
يحل أزرار قميصه وهو شارد الذهن عيناه غائمة
قاتمة المعاني والسؤال الذي يجول بخاطره الان
هو
هل ما فعله كان صائبًا ؟!…
نخزة ضميرية تعكر عليه صفوة وتزيد شعور المقت
بداخله…. لماذا فعل هذا….
لم تكن لديه اي نيه أبدًا في الزواج بعد قصة الحب الفاشلة الذي عاشها لسنوات….بل انه كره الجنس بأكمله بعد ان رأى ان الماديات والمظاهر هما رمزٍ للحب بنسبة لهن…. وهو ليس اهلا لهم بتأكيد !..
لذلك فشل في الوصول لما يريد وترك نفسه للدنيا
تتقامر معه وتراهنه على ما تبقى لديه وهو لها كان مسالما صامتا يتلقى منها الطمات الكبرى تارك
نفسه لها ، تفعل به ما تشاء كجسد ميت يطوف
على سطح البحر والأمواج الثائرة العالية تسحبه
بقوة الى المجهول ؟!….
وهو ذهب الى المجهول ، ولا شك ان الأمواج القت
به الى أقرب نقطٍ سوداء وتركته بها وحيدًا باردًا
القى نفسه على الفراش فصدح هاتفه سريعًا برقم
والده لم يسجل الرقم يومًا على هاتفه بل كان
دومًا مجهول في البيانات ومع ذلك يحفظه
على ظهر قلبٍ يحمل ذكريات المؤلمة
ففي سنوات الصبى كان كلما أحتاج اليه يتصل به من هاتف الجيران وحينها قد حفظ الرقم للامور الطارئة…
وبالفعل لم يتصل به يوما إلا للطوارئ ومع ذلك
كان يعنفه بالكلمات وهو معه على الخط امام الجيران التي تضرب كف بالاخر متحسرة على
حال هذا الصبي المذعور على والدته المريضة
والأب الجاحد الذي يرى ان الأمر تافها ولا يحتاج
مع كل اتصال يجرى بينهم عند حدوث كارثة ينتهي
بردًا بارد وشتائم نابية ثم اغلاق الخط في وجهه
ثم ياتيهما على مضض يلقي القليل من المال
ويرحل لأيام وليالي طويلة مستمتع باللذاتُ،
بينما زوجته تئن بالعذاب على فراش المرض
يحضرها الموت كل دقيقه…..
تحول الرقم مع مرور السنوات الى لعنه
يأبى الاقتراب منها باي شكلا من الأشكال
فعانى وحده من ظلم الحياة منذ الصغر
حتى أصبح كما هو عليه الآن….
يراه الناس رجلا خرج من بين هذه الظروف أسد جامح يقف على قدميه مساندًا داعمًا للشقيقتاه
وبار بوالديه رغم قسوة والده عليهم….
يراه الناس كأرض حرة مزدهرة بالخير لكن ان
أمعنوا النظر ولو قليل قبل الحكم عليها لرأوا
أرض بور مظلمة مرعبة وباردة يسكنها الاشباح
والشر يجول في فلكها متراقصًا ؟!…
فتح الخط ووضعه على اذنه يستمع اليه….
(ها عملت إيه…وافقت ولا لا…..)
أشعل حمزة سجارةٍ وهو يجيبه
“قالتلي اديني وقت أفكر…..”
تحدث والده بصيغة الأمر….
(يعني كلمتها كلمتين حلوين كده…عرفت تميل دماغها…..)
قال حمزة بنبرة غير مقروءة…..
“عملت اللي أقدر عليه…والقرار في ايديها….”
(يعني شايف إيه ممكن ترفض….)
مط حمزة شفتيه غير مبالي…..
“ليه لا… مش يمكن يكون في حد في حياتها…”
صاح والده بقسوة يعنفه…..
(انت غبي…لو في حد في حياتها هقولك ليه روح
اتقدملها…البت مياله ليك…..)
ابتسم حمزة بسخرية محتقرة…..
“الله أعلم…آخر مرة قالتلي انها بتحب ابن عمها…”
تمتم عثمان على الناحية الأخرى متذكرًا…
(ابن عمها ؟!…انا فاكر ان أبوها مكنش ليه أخوات
دا كان مقطوع من شجرة…وجدك الله يرحمة
مكنش موافق عليه وقتها… لكن عمتك وقفت
قصاده وهربت معاه…..)
ضحك حمزة ضحكة هازئة وهو يعقب
“هربت !! ماشاءالله…. وانت كنت فين بقا هو
مش المفروض انك اخوها الكبير ولا إيه ؟!…”
(انت هتحاسبني….اهو موضوع قديم وراح لحالة وفي الآخر اتجوزت بموافقة جدك….)
ثم استرسل بوجوم……
(المهم يعني انت مالي ايدك انها هتوافق….)
اجابه حمزة بنبرة شبه ميته…..
“قولتلك معرفش انا عملت اللي طلبته مني…الباقي
تحدث والده بغطرسة….
(وانا عند كلمتي هديك ورث امك كله بالورقة وبالقلم
هنتحاسب بس بعد ما تجوزها…..)
قاطعه حمزة بنبرة حازمة…
“لا احنا متفقين هاخد نص المبلغ قبل ما أكتب
عليها في نفس اليوم اللي هتجوزها فيه…..”
اغلق حمزة الخط بعد ان أخذ الموافقة منه ثم رفع رأسه للسقف وبدا يفكر وهو ينفث الدخان الرمادي في الهواء بضياع….
وقد شرد عقله فيما حدث منذ أيام عندما طلب والده
رؤيته في شقته الخاصة بعيدًا عن شقيقتيه…..
جلس حمزة على الاريكة امام والده الذي نظر
اليه قليلا ثم قال باسلوب مراوغ…..
(انا قررت اديك ورث امك كله….بالورقة والقلم
هدفع الفلوس اللي خدتها من حسابها في البنك..)
هز حمزة راسه مقطب الحاجبين مستغربًا…
(وفجأه كده ضميرك صحي وهترجعلنا حقنا…ولا
لمعة عينا عثمان بزهوة قائلا بتملق….
(تعرف انت الوحيد من ضمن اخواتك اللي
بحسه شبهي…يمكن لانك البكري…مش عارف..
بس بتفهمني ياحمزة…بتفهم انا عايز إيه كويس
بملامح متبلده عقب حمزة بسخط….
(بلاش الحنية المدلدقه منك دي عشان مش لايقه عليك….عايز مني إيه بظبط…..)
جز عثمان على اسنانه وهو يتحلى بالصبر
ثم مالى نحوه قائلا بفحيح الافاعي….
(قصاد ان اديك ورث امك كله…تجوز قمر…)
جفلت حواسه وجحظت عيناه
مبهوتًا.(واشمعنى بقا قمر….)
احتد صوت عثمان وكانه صاحب الحق
المظلوم في تلك القصة……
(انا عايز تنازل منها عن العمارتين تنازل يجي برضاها…ومش هايجي التنازل ده غير وهي
مراتك ساعتها هتعرف تأثر عليها بحجة انك
عايز تدير مالها بنفسك….فتاخد تنازل منها
نظر حمزة لوجه والده الغاضب والعروق
المشتده به……فلم يلبث إلا وضحك ضحك
بقوة ضحكه مريرة باردة كروحه الجليدية
ثم عندما تلاشت الضحكة المزعومة قال
(حقك ؟!… اي الفيلم الهندي ده..ضحكتني
والله..وانت ليه واثق أوي كده إني هنفذ
كلامك بالحرف الواحد…بر الوالدين مثلا؟!..)
هز عثمان راسه وبابتسامة مستفزة لعب على
نقاط ضعفة بابتزاز دنيء……
(لا ياظريف واثق عشان انت محتاج الفلوس
دي… المبلغ اللي كان في البنك مع أمك كبير ويستاهل انك تقدملي الخدمة دي مقابل انك تاخده…..)
ثم لوى شفتاه بلؤم ولم تغيب ابتسامته
(تاخده ليك بقا…توزع على اخواتك البنات انت
حُر…محدش هيعرف بالاتفاق ده غيرنا قولت
ارجع حمزة ظهره للخلف على المقعد ورفع
راسه بغطرسة قائلا بطمع…
(قولت مايكلش….يعني اخد بس ورث امي..
قصاد نصبايه كبيرة زي دي….شخلل جيبك
ساله عثمان بتهكم….(عايز إيه…..)
اجابه حمزة بنظرة شرسه…(أورثك….)
(انت اتجننت….)انتفضت ملامح عثمان انتفاضة خفية والخوف تسلل الى قلبه…….
املى حمزة طلباته وهو يشعر بلذة الانتصار
(لا اتجننت ولا حاجة…..دا انا حتى قنوع ومش طماع في كتير شقتين بس من عمارة من بتوعك افتحهم على بعض وبفلوسك اوضبهم وفرشهم…اهو انت ابويا برضو ولازم تزق معايا شويه….طالماالجوازة على هواك المرادي…..)
أرتاح وجه عثمان قليلا ظنًا منه ان ابنه
يريدها كأقامة مؤقته…..
(كتير كفاية شقه واحده….انت عارف الشقة تساوي ملايين و…..)
قاطعه حمزة بنبرة حاسمة….
(شقتين وتكتبهم باسمي ويتسجلوا في
الشهر العقاري بأسمي….)
اثار حفيظته أكثر من اللازم بعد هذا التصريح
فصاح عثمان مستهجنًا….
(انت اكيد اتجننت انت كده بتخسرني…)
أقنعه حمزة وهو يقول بهدوء….
(بالعكس انت هتاخد من ورايا مكاسب كتير
اوي…. اهمها ان شريكك في العمارتين بقا في
جيبك واعتبر التنازل وصل.. وشقتين يعني
مش حاجه…..دا العماره لوحدها سبعتاشر
دور وشوف الدور في كام شقة…)
(اعوذ بالله انت جاي تنق عليا….)
ابتسم حمزة باستهانه….
(حاشى لله ياولدي انا بس بفكرك..ان الخير
كتير والخدمة اللي هعملهالك تساوي كتير
كتير اوي…من اللي هاخده منك…)
صمتا قليلا وكلا منهم ينظر للاخر بمشاعر
متبلده باردة….حتى حذره عثمان بنبرة ونظرة
(اتفقنا هكتبلك الشقتين ونص المبلغ من ورث
امك والباقي لما تجبلي امضتها….بس أقسم
بالله ياحمزة لو لعبت بديلك وخلفت الاتفاق
عينك مش هتشوف النور ولا هخليك تتهنى
لا بشقق ولا بالفلوس….قولت إيه….)
رفع حمزة كفيه قائلا دون تعبير
(قولت نقرأ الفاتحة على روح المغفلة اللي
………………………………………………..
اخذت تبعث في القمر المرتاح أسفل نحرها والذي يلمع وسط وحشة الظلام بالغرفة…
جفاها النوم وصارعتها الافكر بجسارة وحيرها
اتى من تتلهف لرؤيته اتى وطلب يدها للزواج فلماذا
لا تشعر بسعادة لماذا تشعر بالريبة من هذا العرض
فعندما كان يلقي عرض الزواج كان فاتر المشاعر كانت نظراته باردة كمن يذبح نفسه بسكين بارد
وهو يقدم على تلك الخطوة…
هل ستوافق عليه بعد هذا الإحساس؟! ، وان كان والده من أرسله لها وضغط عليه كي يقدم على تلك
الخطوة حتى يرأب الصدع بينهما ولا تضطر للوقوف
أمامه في المحاكم مطالبة بحقها…..
هل ستتخلى عنه بعد ان تتزوج حمزة !..
احتدمت الأفكار داخلها أكثر واصبحت فريسة لمخاوفها….فطال الحزن عيناها الحزينتين وقد
عجزت عن أخذ قرارا صارما امام قلبها الهائم
في معذبة……لكن كانت على يقين ان حمزة
لن يؤذيها أبدًا…فهو لن يفعلها سابقًا ولن
انها الثقة التي تنمية بداخلها مع حبها له فأن انكسرت الثقه داخلها مؤكدًا سيتلاشى بريق
والاثر في قصص الحب المنتهية، هو اشبه
بمكانا وردي جميل اندلع به فجأة حريق أكل معه الاخضر واليابس وعندما انطفأت النيران انتهى
الحلم وبقى الأثر الموجع ذكرى غير مستحبه
وهي تخشى ان تعيش هذه التجربة معه فرغم
ثقتها به تدعي الله ان يزرع حبها في قلبه
………………………………………………………..
رحب بهم عثمان بحفاوة فكان دخولهم عليه مختلف
عن الخاطب السابق الذي اتى( لكيان) فكانا يشعا هيبه ووقار ومن ملابسهم الفخمة والهدايا التي احضروها معهم علم انهم لا يقلوا مستوى عما سبق…..
وهذا رضى جزءًا متدني داخله…فبعد سنوات من بذل المجهود والصرف عليهم بدأت تثمر نتائجهم..
والاشقاء الثلاثة أصبحا في ليلة وضحاها
أستثمار مربح سيتم الانتفاع به عما قريب !…
في قلب الصالون البسيط جلس سليم على الاريكة
وجواره والده المستشار مصطفى… وكان بين يدي
سليم باقة بيضاء من الزهور غير الهدايا التي جلبها
كان سليم متأنق بطاقم كلاسيكي شبابي يشع
منه جسده الفتي الجذاب وطوله الفارع…..يصفف
شعره للخلف ويضع عطره المفضل كان وسيم
وجذاب يخطف الأنظار…..وكان والده كذلك
يرتدي حلة رسمية أنيقة…..
جلس حمزة ووالده في المقاعد المجاورة…
“نورتوا وشرفتوا والله…..”
أبتسم سليم معرف عن نفسه بمنتهى
“بنورك ياعمي…انا كلمت حضرتك في التلفون من كام يوم….. انا سليم الجندي عندي مكتب محماه
اللي شغاله فيه الانسة كيان معايا… وده والدي المستشار السابق مصطفى الجندي….”أشار على
فابتسم حمزة وشرد في تلك الصورة المثالية
أمامه دون تحقير او تزيف ، صورة الأب وابنه فيبدو
من نظرات الأب انه حنون وسند لابنه منذ الصغر
فعندما تحدث سليم كان والده في ظهره يربت
على كتفه بتشجيع…..ونظراتهم تدل على الحب
والانتماء والصداقة المتبادلة…..
عاد حمزة يتابع الحديث بنظرة هادئة مسطور
بها الحرمان واليتم بالخطوط العريضة…
رحب بهما عثمان باسلوب متملق…..
“أهلا وسهلا….تشرفنا ياسيادة المستشار… اهلا
ياسليم يابني….. انا عثمان الدسوقي والد كيان
وده حمزة ابني الكبير اخوها…..”
أبتسم سليم ملقي التحية….
“تشرفنا….. ياحمزة….”
اكتفى حمزة بايماءة بسيطه مغتصب
تحدث المستشار بتحفظ….
“احنا بصراحه يا استاذ عثمان جاينلك وقصدين
“انت تأمرني ياسيادة المستشار….”
تنحنح المستشار قبل ان يبدأ بالحديث بمنتهى الجدية المشعة بالوقار الفطري لديه…
“الأمر لله واحده…. بصراحة سليم معجب بكيان
بنتك ولما اتعامل معاها بحكم الشغل بينهم عرف قد إيه هي بنت مؤدبة وعلى خلق…وعشان كده جيت
النهاردة أطلب ايد بنتك الانسة كيان لابني
“وطبعا اللي تأمر بيه احنا تحت أمرك….”
ارجع عثمان ظهره للخلف ووضع ساق فوق الاخرى
“والله انا مش هتكلم غير في الاصوال…اللي لينا
ولي علينا…والاساسيات….ما انت عارف ياسيادة
المستشار الدنيا مبقاش فيها أمان وانا لازم اضمن
“اللي تأمر بيه ياعمي طبعا…..انا هنفذة….”
ابتسم عثمان برضا أكبر..
“تسلم يا ابن الاصوال…يبقى انت كده شاري بنتي
بجد….يبقا نتكلم في المهم…..”
زم حمزة شفتيه وهو يسمع طلبات والده المبالغة
والمبلغ الذي وضعه مهرًا لكيان كما فعل مع شهد سابقا وبطبع هذه الأموال ستكون في حوزته
حصيلة بعد زواجهن ……
يراها صفقه بيع وشراء لكن الذي يصبره على
هذا الاسلوب المتدني هو موافقة شقيقتيه
على الخطاب بل ان كلا منهن تكن حبا
وهذا ما يجعله يخفف من ازعاجه ويتابع ما
يحدث دون تدخل فلن يكون أشد وطأة من
اتفاقهما على فتاة يتيمة من دمهم !…
قال عثمان بابتسامة مرضية….
“على بركة الله نقرأ الفاتحة لما العروسة تدخل بالشربات….”
“بس طبعا ياعمي زي ما اتفقنا…. انا هكتب الكتاب
علطول….. مش هعمل فترة خطوبة…”
اوما عثمان براسه بالموافقة….
“عين العقل طبعا… انا كمان شايف ان كتب
مالى حمزة على والده
قائلا….”بابا عايزك شوية….”
استأذن عثمان منهم وعندما ابتعدا الاثنين عنهم خارج الغرفة…..
قال المستشار بنفسٍ غير سمحة….
“الراجل ده انا مرتحتلوش ياسليم… شكله مش سهل
ومادي….وطماع قوي… شوفت الرقم اللي طلبه
للمهر….دا كانه بيتاجر في بنته مش بيجوزها…”
مالى سليم على والده هامسًا….
“يابابا مانا معرفك كل حاجة قبل ما تيجي وحكيلك
اللي عرفته من كيان عنه….”
هز مصطفى راسه مستهجنًا…..
“ايوا يابني بس مكنتش أعرف انه بالشكل ده..”
قال سليم بعدم اهتمام….
“انا مالي بيه… مسافة ما اتجوزها خلاص ملهوش حاجة عندي.. وبعدين كيان مش زيه ما انت عارفها….”
عبس وجه والده وهو يقول بيقين…
“طبعا ياسليم… يعني لو هي كده اي اللي هيخليني اجي معاك لحد هنا… البنت كويسة ومحترمة وطيبة
ثم صمت قليلا وهو ينظر للباب المفتوح
امامهم……واسترسل متعجبًا.
“اللي مستغربة ان ازاي العصفورة دي تكون بنت الجشع ده…. وازاي يكون عنده بنت زيها ويقسى
عليها… لا حول ولا قوة إلا بالله….”
ابتسم سليم بحزن فهذا نفس السؤال الذي قفز
في عقله عندما اعترفت وهي ثملة بمعاملة
والدها السيئة لها ولشقيقيها…..
والذان لا يقلوا عنها تعاسة فأخيها الأكبر النظر الى
وجهه أكبر دليلا على انهما يعيشوا على الإطلال !..
تحدث المستشار بتأثر……
“تعرف ياسليم ان بعد ما ربنا رزقنا بيك… انا وأمك
كان نفسنا نجبلك اخت لكن ربنا مأرادش…”
ازدادت ابتسامة سليم تلك المرة عمقا وهو يطلب
“اعتبرها بنتك يا بابا…صدقني هي محتاجة لده..”
ابتسم والده وهو يربت على ركبته قائلا
“يامتر… هي محتاجة لده منك انت.. اكتر من
ثم بث الطمأنينة اليه بصوته الحنون
“ومع ذلك أطمن انا لو هختار يكون عندي بنت مش هختار غير كيان…. لما تبقا مراتك هتكون اغلى عندي
منك… وشويه شوية عيالكم هيكونوا برقبتكم انتوا
ضحك سليم ووالده معًا ثم قال سليم
“بدأت تخطط ياسيادة المستشار للاحفاد.. واحنا
لسه هنقرأ الفاتحة…..”
اجابه والده بنبرة مبتهجة…..
“سبني أحلم ياسليم… دا اليوم اللي مستنيه من
زمان…. اني أفرح بيك واشيل عيالك قبل ما
تأتا سليم بشفتيه بعدم رضا قائلا
“اي اللي بتقوله ده يابابا…. بعد الشر عليك
ربنا يخليك ليا ويطول في عمرك…انا ليا
ثم مالى عليه وقبل رأس والده بامتنان حقيقي
…………………………………………………………
مررت الفرشاة على وجنة أختها بخفة وكانت تلك اللمسة الاخيرة وعندما انتهت وضعت الفرشاة
جانبا ومالت بجوار وجه اختها تنظر لصورتهما المعاكسة للمرآة وكانا يتلألأن كنجوم سارقين
نظرت كيان الى وجهها في المرآة وبدات تتحرك
يمينا ويسارًا متفحصة زينتها بدقة…وبعد ان
انبهرت برقة الزينة وجمالها على ملامحها فقالت
“تسلم ايدك ياشهد تجنن…طول عمرك شاطرة…”
قبلة شهد وجنة أختها بعيون تلمع
“مبروك ياقلبي….ربنا يسعدك….باين اوي انه بيحبك.. بذات بعد ما وقف اللي اسمه شادي ده عند حده.. ”
توترت حدقتا كيان امام المرآة وساد الصمت بملامح
عقدت شهد حاجباها قائلة….
“الله مالك قلبتي وشك كده ليه….احنا مش قولنا ننسى اللي فات….ونفكر في الجاي…..”
نهضت كيان عن المقعد ونظرت الى اختها
“مش قادرة….انا لحد دلوقتي بسأل نفسي..هو
انا بجد سمحته بعد اللي شوفته….”
قالت شهد بعقلانية….
“مكنش ليكي حق انك تعاتبي وقتها…حتى لو كنتي حاسه من ناحيته بحاجه…حتى هو من كلامك عنه
باين انه مكنش عارف ياخد قرار صح….”
لم ترد عليها كيان بل ظلت واجمه الملامح و مشهد القبلات المتبادلة مزال يتكرر امامها بصورة مستمرة تعكر صفوها وتكسر الفرحة في قلبها…..
سالتها شهد بهدوء.. “انتي خايفه من اي يا كيان….”
” خايفه اتخم فيه ياشهد….خايفه أامن ليه فيخوني
او يجرحني زي ما عمل معاها….”
“مش معنى انه كان مرتبط قبلك….يبقا يا خاين
يا هيخون….دا كان قبلك…قبلك ياكيان….”
كانت تشعر بضغينة مُرة مما دفعها
“بس هو سابها عشاني…انتي متخيله احساسي..”
سحبت شهد نفسًا طويلا ثم قالت
“يمكن كانت بينهم خلافات قبل حتى ما تظهري
في حياتهم….او يمكن مكنش حاسس معاها بحاجة
وكان بيوهم نفسه وأول ما شافك أتأكد انه
محبهاش…..بلاش تكوني سلبيه معاه… ”
نظرت كيان لاختها قليلا ثم قالت بابتسامة
“احيانا لم بنستلم دور المصلح في حياة غيرنا
بنبقا أهل الحكمة…بس شوفي مين بيتكلم وانتي امبارح قولتيلي انك بتفكري تفركشي خطوبتك..
دا غير انك بتتهربي من مكالماته من ساعتها….”
قالت شهد بتبرم وهي ترفع راسها
“وانتي عيزاني اسامحه بعد الكلام اللي قاله يوم
الفرح وانه بيشبهني بالسفيرة عزيزة اللي كان متجوزها…..وكله بسبب نصحتك الزفت.. ”
لكزت اختها في كتفها فتحسست كيان
“آه وانا مالي…. ايش عرفني انه مدقق وفاهم
فغرت شهد فمها قائلة بتوضيح…..
“مدقق وفاهم ؟!..يابنتي دي شُغلته يعتبر مولود وسطهم….بيقول ان جده كان زيه كده عنده ورشة وبيعمل الحاجات دي بنفسه وهو ورث الحِرفة والورشة من بعده.. عكس ابوه وعمه… مكنوش حابين يكملوا في المهنة دي.. ”
لوت كيان شفتيها ببسمة
“ماشاء الله دا حكيلك قصة حياته….”
“طبيعي يعني مش خطيبته….”قالتها شهد بعفوية وقد خانتها الإبتسامة الخجولة وخرجت على ثغرها الوردي….
“خطيبته !.. ما كنتي هتسبيه من شوية….غيرتي رأيك…”
غيرت شهد مجرى الحديث وهي تتجه الى الباب
بكامل اناقتها هي واختها….
“سيبك مني دلوقتي…ويلا نخرج دول بقالهم ياما مستنين….”
وصل عطر الياسمين الى انفه فرفع عيناه على الباب
فوجدها تدلف بخطى متردد شبه متعثرة تنظر للأرض بخجلا وبيداها تمسك صنية المشروبات
بلع ريقه متوجسًا رغم انبهاره بجمالها…
يجب عليه ان ينبهر ، فعصفورة الكناري الجميلة تتالق اليوم بثوب حريري أنيق سماوي اللون يقارب لون عيناها الفيروزية..ضيق من عند الخصر وينزل باتساع بسيط……وقد ابدعت في وضع زينتها فكانت جميلة رقيقة دون تكلف وعيناها بالكحل ترمز للبهاء والاهداب المظللة كالسحر توقع به…ام شفتيها
مطلية باللون رغم الرقة به القى في نفسه الفتنة
فدفن عيناه بين لذة النظر اليها للحظات…حتى تحركت عيناه وصعدت الى شعرها البندقي اللون الملتف في تسريحة انيقة تلائم وجهها ويزداد
حتى شقيقتها كانت جميلة بجوارها تتألق بثوب
متدرج الالوان مابين الأسود والرمادي الفاتح
يبرز حُسنها برقي يليق بها….وكانت تطلق شعرها
حرًا وترفع الغرة للأعلى بمشبك شعر أنيق….وتضع
أيضًا زينة رقيقه تلائمها…..
قال عثمان بود زائف….
“تعالي ياكيان ياحبيبتي……على مهلك…..”
نظر عثمان للصنية التي تهتز بين يد ابنته بقلق
في ان ترتكب الحماقة وقبل ان يطلب من أحدهما
التدخل كان حمزة ياخذها منها ويقدمها لهما بدلا
فارتخت اعصاب كيان بارتياح وهي ترى حمزة يضايفهما بدلا منها وشهد تقوم بوضع الحلوى
والابتسامة المرحبة تزين ثغرها….
فكل هذا كان كفيلا بان يجعل الدمع يترقرق
بعيناها فكيف ستكون حياتهم عندما يتزوج
كلا منهم ويلهى في حياته الخاصة…
نظرت الى سليم فأشار لها ان تقترب وعيناه تراضيها
دون كلمات….فسرى نوعًا من الدفء الحلو في اعماقها وتلاشى الحزن قليلا وهي تتقدم منهما ترحب بوالده بابتسامة اليتيم….
اليتيم الذي وجد أخيرا عائلة تتكفل به بعد
سنوات مضنية من الحرمان والعذاب….
اجابها المستشار بابتسامة حانية ككلماته
“الحمدلله ياحبيبتي….الف مبروك…احنا اتفقنا مع والدك على كل حاجة…ومفضلش بس غير اننا نقرا
الفاتحة…..مبروك يابنتي حقيقي ياكيان انا لو
هتمنى لسليم زوجة مش هتكون غيرك….”
سقط دمعة من عينيها وهي تسلم عليه بحرارة
ولولا الحرج لتركت نفسها لمشاعرها والقت نفسها
في احضان هذا الرجل الحنون لعلها تكتشف
كيف يكون حضن الأب به !…..
“انا بحبك اوي ياعموو…..”
اهتز قلب سليم بعطف وحزنا عليها فهو يعلم
كم هي بحاجة الى من يشبع حرمانها ويصلح
ما أفسده والدها بها منذ الصغر….
ربت المستشار على وجنتها قائلا بمحبة…
“وانا كمان ياكيان…انا خلاص اعتبرتك بنتي…بقيتي
فرد مهم واساسي في عيلتنا….يعني لو سليم ده فكر بس يزعلك فكر بس …هيكون بايت على سلم العمارة…”
ابتسم سليم الواقف بجوار والده..
“واضح انكم هتتفقوا عليا من دلوقتي….”
ضحكت شهد وهي تنظر الى حمزة الذي بدوره
ابتسم يحمد الله على نعمه…
بينما قال مصطفى بهمسًا لها….
“واضح انه بدأ يغير ….روحي سلمي عليه
علشان شكله بقا وحش…..”
قالت كيان بمشاكسة…
“عشان خاطرك بس ياعموو….”
رفع سليم حاجب مغتاظ…
“يسلام…..حلو جبر الخواطر ده….”
مدت له يدها وهي تبتسم بوجها متوهج بسعادة لا تنكر في عيون الحاضرين وعيناه هو بالأخص …
فبادلها السلام متكأ على يدها وهو
يقول بخفوت….”مبروك يا آنسة كيان…..”
بادلته الابتسامة بصفار….
“الله يبارك فيك يا أستاذ سليم….”
أخذت منه باقة الزهور بحرج….
فأمرها والدها بقلة صبر….
“يلا ياكيان قعدي جمب عريسك خلينا نقرأ الفاتحة…..”
عندما جلست بجواره على الاريكة مالى سليم
“كنت فاكرك هتحميني بالعصير…..”
“كان نفسي بس حمزة نجدك….”
“قلبك أسود.. اهون عليكي..”
اكدت بأسلوب غليظ…
“تهون طبعا….عشان تبطل قلة آدب…”
همس سليم بسفالة….
“بكرة تعجبك قلة الأدب ياعصفورتي….”
مصمصت بشفتيها بدلال وبدأت بقراءة الفاتحة دون النظر اليه فخبط ساقيها بخفة دون ان يراه أحد
فنظرت اليه بضيق محذرة….
فسالها سليم وعيناه تعرف مجال وجهها البهي بتفاصيلة الدقيقة الجميلة….
“هي الفاتحة أولها إيه….”
رفعت حاجبها بصدمة ثم لم تلبث الى وضحكة بعد
ان رأته يغمز بشقاوة وبدأ بالقراءة منبسط الملامح
وعيناه تلمع بالسعادة وهي مثله رغم هواجس عقلها
الفرحة تغمر قلبها دون ان تعي…..
عندما انتهى الجميع من الفاتحة لم تجد كيان من يطلق الزغاريد ويعطي للمناسبة روح متوهجة كما كانت في قراءة فاتحة (شهد) فكانت قمر متغيبه عن هذه المناسبة الخاصة مما جعلها تشعر بسوء نحوها…
لذا قررت فيما بعد ان تقوم بالاعتذار منها…ففي الحقيقه انها اشتاقت لها بشدة وتأبى الاعتراف
مالى سليم عليها هامسًا بتهنئة
“مبروك ياقلب سليم….”
خفق قلبها بشدة ونظرت اليه بفيروزيتان كحيلتان
يتلألأن بالفرح….وفي بؤرتهما يتوارى الحب والخوف…..”الله يبارك فيك….”
ارتفع رنين جرس الباب فأتجهت شهد لتفتح الباب
وقد ظنت انهم احد الجيران اتوا للمباركة…..
فتحت الباب بملامح منبسطه وعلى ثغرها شبه ابتسامة…لكن تلاشى أثرها بتدريج بعد ان رأته
يقف أمامها بقامة طولة المهيبة وحضوره القوي
بلعت ريقها وقد ارتسمت الصدمة على
وجهها وهي تقول….”عاصم…..”
نظر لها عاصم نظرة حانقة ثم سارت حدقتاه عليها
بنظرة مقيمة من أول راسها حتى اخمص قدميها
وكانت متأنقة اناقة توجت عليها كـملكة جمال والحسن امامها منحني بأنهزام…..
نظر لعسليتاها الكحيلة وهما كشمسان متوهجتان
في ليلا عاصف كعاصفة غضبة الان منها…
“آه عاصم اللي منفضاله بقالك كام يوم وبتردي على تلفوناته بالعافية….”
اختلج قلبها بين اضلعها فقالت وهي تتنحى
“كنت مشغولة الفترة اللي فاتت مع كيان.. قولتلك
ان قراءة الفاتحة النهارده… دا حتى عريسها وابوه
جوا…. لسه قرين الفاتحة…..ادخل واقف ليه.. ”
دلف عاصم وأغلق الباب خلفه ثم لم يلبث إلا
وقال بضيق والغيرة تشعل صدره كمرجل
“اي الفستان اللي انتي لبساه ده…”
نظرة شهد الى ثوبها بعدم فهم… “ماله يعني…”
قال متاففًا وهو يتاملها عن كثب….
“مش شايفه انه ضايق ودراعاتك باينه….”
هزت راسها بنفي وعيناها شديدة البرود….
فقال عاصم من بين أسنانه….
“يعني هو لا بنص كم… ولا ضايق… ”
نظرت شهد لذراعيها النصف مكشوف ثم لخصرها
المنحوت البارز من الثوب متدرج الألوان…..
فغيرت مجرى الحديث بترفع
قائلة… “هو بابا عزمك….”
رد ببرود… “حاجه زي كده…”
قالت بتساؤل…”يعني إيه حاجة زي كده…”
“يعني جاي في موضوع يخصنا….”
انكمشت ملامحها بارتياع….
“اوعى تكون جاي تكلم في موضوع طقم الالماظ متحرجنيش لو سمحت…..”
“كبري مخك شوية… مش كده…”
أحمر وجهها غضبًا.. “قصدك إيه…..”
هتف بصوتٍ خشن محتد …..
“اقصد ان مش عاصم الصاوي اللي يروح يشتكي
لحد..انا اقدر احل مشاكلي كويس أوي.. وبذات معاكي انتي….”
اثار حفيظتها فقالت بتهكم…..
“مشاكلك معايا… دا بدل ما تعتذر على الكلام السخيف اللي قولتهولي عن طلقتك…”
ابتسم عاصم دون مرح…..
“آه وده اللي مخليكي متغيره من ناحيتي… يعني
غلطانه وكمان مقموصة….”
قالت بعناد وهي تبتلع ريقها….
“انا مش غلطانه انا اتصرفت بحسن نيه….”
تحدث بحدة امام عنادها….
“وانا قولتلك مش عايز غير الصراحة…”
عقدة ساعديها امام صدرها وهتفت
“تمام فهمنا بعد كده لو في اي حاجه تخصك هقولهالك من غير لف ودوران…”
رمقها بسطوة قائلا بتسلط لعين…
“مش بس تخصني وتخصك انتي كمان…”
جزت على اسنانها وهي تنظر اليه
بانزعاج…. “قد إيه انت حشري…..”
عيل صبره فقال بعنف….
“قد إيه انتي دبش…. وتلج….”
رفعت اصبع التحذير امام
“عاصم الزم حدودك….”
اقترب منها فتراجعت حتى خبطت في الحائط
خلفها فقال عاصم بصوتٍ مهسهسا بالقرب
“وان ملزمتش حدودي هتعملي إيه….”
بدأت الدموع تتجمع بمقلتيها…. “هصوت و….”
“صوتي طيب ساكته ليه…..”قالها ببسالة واصابعه
ترجع خصلة من شعرها خلف اذنها…..
ضربة يده بملامح شديدة القسوة
“ابعد إيدك…واحترم نفسك….”
نظر لوجهها قليلا وتبادلا النظرات لبرهة حتى انهزمت امام قوة مشاعره وسقطت دمعة خائنة
من مقلتها فمسحتها سريعا لكنه رآها وسالها
والحيرة تغزو قلبه بألف سؤالا وسؤال تأبى
هي بعناد الإجابة عليهم…..
فقال عاصم وهو يمسح وجنتها بحنو منهزم
امام قلبها للمرة التي فشل عدها…
“انتي بتعملي فيا كده ليه ياشـهـد… بتهربي ليه
مني.. وليه مصممة تبني الف سور بينا….”
قالت بوهن ودمعتين يجريان على
وجنتها..”انت مش فاهمني ياعاصم….”
تأوه بعذاب والحب أضناه…..
“بحاول افهمك والله بحاول بس انتي اللي مش عايزة تديني فرصة….”
لم ترد بل سالت دمعتين اخرين امام عيناه
فقال برفق وهو يمسح وجنتها….
“كفاية عياط…..انتي اللي غلطانه من الأول مش أنا
وبعدين انا لو شايفك زيها ليه هفضل معاكي ما كنت
قالت بصوت متهدج بالحزن والالم….
“الطقم فعلاً اتسرق مني… انا والله ما بكدب عليك..”
ربت عاصم على كتفها قائلا بصوتٍ حنون….
“انسي ياشهد… بكرة هعوضك بالاحسن منه.. بس
لما تبقي في بيتي…. اتفقنا….”
بللت شفتيها وهي تقول بشجن…..
“انا مش عايزة حاجة.. انا اهم حاجة عندي متفكرش
اني بعمل فيلم عليك واني اتصرفت في المجوهرات
وحطيت فلوسها في جيبي…”
“انا عارف ياشهد…عارف انتي اي كويس….” قالها عاصم وعيناه تأسرها بالحب…
عندما انفتح باب غرفة الصالون ابتعد عاصم عنها
خطوتين للخلف فظهر حمزة من خلف الباب متقدما
“المعلم عاصم…… إزيك عامل إيه….”
صافحه عاصم وهو يجيب….
“الحمدلله ياحمزة انت إيه اخبارك…”
“الحمدلله… جاي في معادك مظبوط….”
“دا يوم ما يتفوتش…..”
ضاقت عينا شهد بعدم فهم بينما فقال حمزة وهو يشير لغرفة الصالون…..
“العريس جوا مش هتدخل تسلم عليه على ما المأذون يجي هو على وصول….”
أومأ عاصم برأسه قائلا بهدوء….
“كويس على مايجي يكونوا الجماعة وصلوا عشان
نفذ الصبر داخلها فقالت مستفسرة….
“مأذون إيه انا مش فاهمه حاجه…. هو سليم
هيكتب على كيان دلوقتي….”
“المأذون اللي هيكتب كتبنا ياشهد…”
جفلة حواسها مع اتساع عيناها بصدمة فقالت بضحكة صغيرة منفعلة……
“انت بتهزر…. كتاب إيه ياعاصم….”
اخبرها عاصم بجدية شديدة….
“هكتب عليكي النهارده انا كملت ابوكي واخوكي
وهما موافقين والفرح هيبقا اخر الشهر ده…”
ابتسمت بعصبية وهي تقول من بين اسنانها
بوجها أحمر من شدة الصدمة والغضب الناتج
“إزاي يعني….انت عملهالي مفاجأه…مش المفروض
نتفق على الحاجات دي الأول….”
وزع حمزة النظرات بينهما وعندما وجد الرفض والغضب بادي على أخته سالها بجدية….
“انتي مش موافقة ياشهد؟….”
نظرت الى اخيها وغافلها السؤال رغم الرفض المرسوم على محياها غافلها ووقعت في هوة
من الصمت وبدأت تبادلهم النظرات بتيه وكانها
وفقدت النطق للحظات كانت كالدهر…..
فقطع عاصم الصمت بنظرة حازمة…..
“ردي على اخوكي…من كلامك افتكر اني بغصبك
على الجواز…. مع اننا مخطوبين ودي الخطوة اللي المفروض تحصل بعد الخطوبه….”
نظرت الى عاصم وقد امتزجت الدهشة والغضب داخلها وتفاقم حنقها نحوه ، انه يرغمها على الأمر بالابتزاز…. ابتزاز سادي بحت فعيناه القاتمة والمنتظره ردها بفارغ الصبر تخبرها ان رفضها
الآن سيكسر كبرياؤه العظيم وعندها لن يسامحها
رواية الحب اولا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دهب عطية
جالسة على الاريكة تشاهد مايحدث بوجها فاتر المعاني فارغة النظرات كمن ينظر لمشهد خارج
أطار حياته…
تألقت في غضون ساعة بفستانا ابيض مزين من عند الصدر بقماش التل وحزام أنيق حول الخصر وينزل
باتساع بسيط..فبدت خلابة بعد ان رفعت شعرها في تسريحة انيقة تاركة غرة جانبية تداعب خدها…ولم
تغير كثيرًا في زينتها فكانت تلائمها وتلائم الثوب الأبيض الذي ابتاعهُ عاصم لها وأتى بعد وصوله مع
المساعدة……
دارت عسليتاها بين الوجوه الحاضرة هذه اللحظة
لحظة عقد القران على عاصم الصاوي الذي يجلس
الان امام والدها يضع يدهُ في يدَه ويردد ما يملى عليه من المأذون الجالس بينهم يضع منديلا ويمسك بقبضتهم معًا……
عادت تشاهد الوجوه من جديد اصدقاؤه الاثنين
حاضرين المناسبة وهم (حكيم ، ومينا…)يبدو عليهم
السعادة لرفيقهم……حضر أيضًا أفراد عائلته عدا الهام التي أعتذر عن غيابها زوجها متحجج بانها مريضة ولم تقدر على الحضور……
اتت عيناها في عينا يزن الواقف جانبًا يتابع ما يحدث وقد التقط نظراتها التي توزعهما على
الجميع بفتور..استغربت جدًا نظراته نحوها
غريب هذا الصبي تشعر بعدم الارتياح معه
ربما لانه أبن إلهام !…
ابعدت عيناها عنه تبحث عن الملاذ فوجدت اخيها ينظر اليها فابتسمت له بخجلا فبادلها الابتسامة
وهو يبث دون كلمات الطمأنينة والراحة لقلبها….
ولم تلبث إلا دقائق قليلة وتمت الإجراءات الرسمية واصبحت زوجة عاصم الصاوي على سنة الله ورسوله وانتلقت حينها الزغاريد من صديقتها (خلود)التي حضرت على عجله بعد ان اخبرتها
في الهاتف…..
بدأت التهنئة من جميع من حولهما فبادلتهم
بابتسامة وسلام فاترًا كمشاعرها الآن في تلك
اللحظة فهي حتى الان لا تستشعر السعادة بعد
تلك الخطوة الهامة في مسار حياتها ؟!…
طبيعتها تجبرها على هذا ان تكون كلوح زجاج
شفاف خالٍ من الألوان والحياة ولا يمتزج
معهن حتى وان طل عليهم !…
(كماءٍ عذب انتِ خالٍ من المذاق والطعم والرائحة لكنه أحد أهم مصادر الحياة ، وانتِ مصدر الحياة بنسبة لقلبي حتى وان كُنتِ باردة فاترة
المشاعر ، ستظلِ ترياق الحياة سيدتي…)
قالها عاصم وهو يراها تقف بين شقيقيها بعد
تهنئة الجميع لها وقفت جوار اخويها تستمد
منهم القوة وربما السعادة التي حتى الان
تفارقها……
قالت كيان بابتسامة واسعة…
“مش مصدقه انك بقيتي حرم عاصم الصاوي…”
مطت شهد شفتيها قائلة..
“ولا انا…..بس انا مضايقه منكم..ليه محدش قالي..”
استلم حمزة دفة الحوار….
“قال انه عملهالك مفاجأه وانكم متفقين ان كتب الكتاب هيبقا قريب بس محددتوش امتى بظبط..”
ثم استرسل بشك….
“انتي ادبستي ولا اي ياشهد ؟!…”
هزت شهد راسها مجيبة ببديهية….
“لا طبعًا انا بس اتفجأت متوقعتش يبقا
بالسرعة دي…بس زي ما عاصم قالك احنا
كنا متفقين على كل حاجه….”
ثم نظرة لاختها وسالتها….
“هو خطيبك ليه مشي علطول…..”
قالت كيان مبتسمة….
“شكله اتحرج فسلم ومشى علطول….”
ثم إضافة بروح مرحة….
“على العموم ابوكي حدد فرحنا هيكون مع
حمزة وقمر….مبروك ياميزو… متوقعتش خالص
انك تجوز قمر…. ”
قالت شهد بجذل….
“انا بقا متوقعه من زمان..وكنت متاكده انك هتاخد الخطوة دي لما قمر تبعد عنك….”
لم يرد حمزة بل أومأ براسه وهو يحك
في شعره كنوع من الحرج…..فقالت كيان
بهدوء….
“على فكرة انا عايز اروحلها…..”
ضيق حمزة عيناه…. “ليه بقا ان شاءالله…..”
قالت كيان بجدية….
“عشان اعتذرلها على اللي حصل وبارك لها دي هتبقا مرات اخويا برضو…..”
رفع حمزة حاجبه وكذلك فعلت شهد التي سالتها بدهشة….. “انتي بتكلمي بجد ولا بتهزري….”
اكتفت بايماءة وتمتمت بحرج….
“بتكلم بجد طبعا انا حاسه اني جيت عليها اوي
ومش عايزاها تكون شايله مني….”ثم كورت
شفتيها قائلة ببراءة…..
“مش عايزة أكون عمتو الحرباية…..”
ابتسمت شهد وضحك حمزة معقبًا…
“جدعه ياحرباية….يومين كده واخدكم ونروحلها..”
ثم نظر لكلتاهما قائلا برجاء….
“وبرضو عايزكم تقنعوها ترجع معانا بدل قعدتها
في الشقة لوحدها….”
نظرا الفتيات لبعضهن بلؤم ثم هتفا بنفسًا
واحد….
“اطمن سيب الموضوع ده علينا…..”
ضحكا ثلاتهم معًا وهم يقفا معًا كمثلث مترابط
بثلاثة أضلع……
تدخل عاصم في تلك الوقفه بنحنحة خشنة..
“معلش لو قطعت عليكم كلامكم بس العروسة
اختفت مرة واحده من جمبي وملحتقش ابارك
لها حتى…”
بلعت شهد ريقها وهي تتبادل النظرات معه
وكم كانت نظراته خطرة وحانقه عليها…لذا
قالت بتبرير…..
“كنت مشغول مع صحابك وأهلك فقولت اسيبك
براحتك معاهم…..”
“يبقا انا اللي غلطان اني مهنتكيش أول
واحد…. متعوضة… ”
اقترب منها عاصم ومالى على رأسها مقبل جبهتها
قبلةٍ طويلة بثت بها مشاعر خطرة شديدة السخونة
فاغمضت عيناها بتاثر وجسدها ينهار بين يداه….
حك حمزة في ذقنه وهو يبعد عيناه عنهما
بحنق….اما كيان فأبتسمت مطرقه برأسها…
فابعد عاصم شفتاه عنها مهنئا إياها وهو ينظر لعيناها التي فتحتهما فورًا عليه كشمسان في المغيب نورهما
ساطع وخلاب…..
“مبروك ياشهد….. مبروك ياحبيبتي….”
اومات براسها تغتصب الابتسامة بقلب مختلج
ومشاعر متضاربة…….فمالى عاصم على وجنتها
يقبلها ويده كالوثاق على خصرها حتى لا تبتعد
همست تحاول ان تمنعه دون ان تسبب
له الحرج امام شقيقيها…. “عاصم……”
طبع قبله صغيرة على وجنتها فغز عطرها الطيب انفه فأسكر حواسه وسرى بين جوانحه بنشوة…إلا انه
همس بغضب مكبوت….
“كل مرة بتثبتي ليا اني مش فارق معاكي…. وانك
مغصوبه عليا…..”
افترت شفتيها بشهقة صغيره لم يسمعها سواه
لقربه الشديد منها…حتى قالت بخفوت…
“انت فاهم غلط…..”
وتلك الشهقه شديدة الانوثة والرقة التي خرجت
للتو من بين شفتيها الفاتنة احد الأسلحة الفتاكه
التي تشهرها في وجهه دون ان تدرك….
فقال على مضض قبل ان يبتعد عنها
مجبرًا…..
“هديكي فرصة تفهميني الصح بس مش هنا….”
أقترب منهم عثمان قائلا بإبتسامة واسعة…
“مبروك ياعاصم…خدت اغلى بنت عندي…”
نظرت شهد لوالدها بمشاعر باردة….وابتسامة مبتذلة
تحمل من السخرية اطنان……وكذلك شقيقيها نظراتهم شديدتا الجفاء….
تنحنح عاصم قائلا بإبتسامة متزنة….
“طبعًا ياعمي….انا محظوظ ان شهد بقت مراتي…”
باغتها بمسك يدها المرتاحه جوارها ثم احتضن اصابعها باصابعه باحتواء فنظرت اليه بدهشة
فقال عاصم مسترسلا بهدوء…..
“انا بستأذنك ياعمي…أخرج مع شهد النهاردة
نحتفل بالمناسبة السعيدة دي….”
وزع عثمان النظرات بينهما قليلا ثم
قال…. “طبعا حقك…..روحوا انبسطوا…..”
ثم ربت على كتف ابنته يبارك لها حتى يحفظ
ماء وجهه امام عاصم….”مبروك ياشهد….”
اكتفت بابتسامة لا تمت للحياة والفرحة بصلة بل كانت ميته من شدة البرودة كمشاعرها نحوه…..
………………………………………………………….
كانت تعبث بخاتمها الالماس وعيناها على الطريق الممتد أمامها تنظر له بشرود ومشاعرها تختلط وتتضارب بجنون…..وهو بجوارها يحتل مقعد
القيادة بصمت وملامح وجهه لا تعبر عن اي
شيء حتى الآن…..
أصبحت زوجته…زوجة رجلًا….حياتها الجديدة ستشارك تفاصيلها مع رجلا.. ستكون ملكا لرجلا…
مسؤولة من رجلا…كيانها وطموحها أصبح بين
قبضة رجلا !….
شعور مضنيًا يستنزفها ويرهق قلبها وكانه
ينخر في عظامها نخرًا…
هل هي بائسه لتلك الدرجة تنغص حياتها بهذه السهولة لما لا تستمتع مثلا بهذه الطلعة الخاصة
وتفكر كالفتيات عن اي مفاجاة اعدها لها
زوجها وما نوع الاحتفال…..
يالهي انها أمور تافهة تكره التفكير بها….
انها بائسه فعليًا وليس مجرد تخمين !…
إبتسمت بسخرية مريرة عن اي أحلام وردية ستداهم
عقلها ، عقلا لم يستقبل إلا ذكريات شديدة البرودة والقسوة…..عن اي دفئ وردي يجب ان تفكر به وكل شعورٍ عاطفيّ بداخلها ناله التعفن !…
“افهم بقا… بتضحكي على إيه…..”
سالها عاصم بنظرة جانبية ثم عاد للطريق…فنظرت
اليه قليلا متأمله وجهه المحبب لقلبها والوسامة التي
اوقعت قلبها في الهوى، والهيبة التي تزلزل ثباتها
متوغلة حتى تصل الى نقطة ضعفٍ تكره ان تصل
اليها معه !…..
بللت شفتيها وهي تنظر أمامها هازئه….
“تفهم اني مبسوطه بالمفاجاه اللي عملتهالي…مع
اننا مكناش متفقين قبلها على الجواز بسرعة دي.. ”
زم شفتيه قائلا ببرود….
“والله انا لما فكرت فيها لقيت ان ده انسب
وقت… اتجوزك فيه….”
جزت على اسنانها بقوة جراء صفاقة
تعبيره وقالت منزعجة….
“ممم.. لا والله…. عندك حق… طب مش كان
واجب عليك تعرفني برضو….”
تحدث بجفاف دون النظر لها….
“ما انا قولتلك اني عملهالك مفاجأه…. وبعدين لو كنتي معترضة اوي كده وافقتي ليه….”
قالت بغضب….
“عشان محرجكش قدامهم…”
رفع حاجبٍ وهو يرمقها بنظرة سوداوية…فقالت
هي بتقهقر…..
“اللي اقصده اني مكنش ينفع أرفض.. بذات بعد
ما دبستني….”
ازداد ارتفاع حاجباه بخطر فعقب مستهجنًا
“دبستك ؟! اسكتي ياشهد… ومتكلميش…. بلاش تبوظي اليوم بكلام يحرق الدم…”
رمشت بعيناها وهي تقول بدفاع عن حق
من حقوقها….
“فين حرقة الدم… انت مش شايف انك باللي عملته
ده لغيت وجودي واتصرفت بمزاجك…”
قال بنظرة نافدة وصوتٍ محتدم….
“انا اتصرفت صح انتي مينفعش معاكي غير كده..”
لمعة عيناها بالغضب….. “قصدك إيه….”
عيل صبر منها فقال بصرامة…
“قصدي انك كنتي بتماطلي الفترة اللي فاتت ومش عيزاني اخد خطوة لقدام معاكي مختصره علاقتنا
بخاتم خطوبة…. وده لا يليق بيا ولا بيكي ولا احنا
مراهقين عشان نعيش المرحلة دي ولا حتى نطول
فيها….”
قالت شهد برجاحة عقلا…..
“الخطوبة اساسا اتعملت عشان الناس تتعرف على بعض اكتر وتطمن وبعدين ياخده الخطوة التانية الجواز بعد ما يتأكدوا ان هما فعلا مناسبين لبعض….”
لوى شفتيه وهو يقول بسخرية تمتزج بوقاحة
الذكور المعروفة….
“وانا متأكد انك مناسبة ليا….وحتة نتعرف اكتر فانا شايف ان احنا نعمل فترة الخطوبة دي في بيتنا اهو
تتعرفي عليا اكتر بس عن قرب وانتي في حضني
على سريري….وده هيكون أحلى تعارف…”
تخضبة وجنتيها وهي تقول بحنق بالغ….
“بلاش تقلب الحوار لكلام خارج انا مبحبش كده..”
ابتسم بسخط….. “بكره تحبي….”
اندفع الغضب في أوردتها فقالت من بين
اسنانها…. “عاصم انت ا…”
اوقفها عاصم بصوتٍ هادئ انساب على
قلبها فاطفأ شعلة غضبها….
“هشش…. اسكتي ممكن تأجلي كلامك الحلو ده
ليوم تاني لاني النهاردة مش عايز حاجة تعكر
مزاجي… عايز انبسط واحتفل معاكي… احتفل
انك بقيتي مراتي ممكن….”
رمشت باهدابها بتقهقر بعد ان أثر عليها
بكلماته ونظراته المشبعة بالعشق….فقالت
بعد لحظات باقتضاب…
“ممكن….. بس احنا رايحين فين…..”
رأت الحب الذي أطل من عيناه وهو
يخبرها بهمسا أجش….
“خليها مفاجأه…..اصلحك بيها….”
أرحم قلبي من روعتك يارجل، أرحمه فكل هذا
الحب والدفء يكاد يصهره في بحر هواك…..
………………………………………………………..
دخلا معا احد الاماكن الخاصة المطلة على البحر مباشرة فظنت انها جلسة خاصة كسابقة على الشاطئ…..
لكنها تفجأت بهذا المكان الرومانسي الذي خصصه ملاك المكان للاحتفاليات الثنائية…
صعدت السلالم الخشبيه برفقته وسارت على جسرٍ
خشبي عالي منصوب في عرض البحر يزين بالزهور الحمراء والشموع المنصهرة من الجانبين وفي نهاية الجسر تجد مقعدان وطاولة يزين سطح الطاولة بالزهور الحمراء وفي الوسط شمعة منصهرة تذوب بشاعريه مع موسيقى البيانو الرائعة التي تصدر من أحد الزاويا…..
وقفت شهد في هذا المكان الساحر الخلاب… والمنظر
الرائع الذي يطل عليه البحر انهما يقف في منتصف البحر على جسرٍ بني متين مزين بالزهور والشموع الحمراء والاضاءة الخافته الرائعه…مكانا يشعرك بأنك تحلق في عالم من الخيال وليس معك سوى من تحب…..
ومع موسيقى البيانو الإيطاليا التي تعزف مقطوعة رائعة تعزف على أوتار قلبها فتغذي جانبًا فنيًا بداخلها تمتزج الموسيقى مع خرير الماء بالاسفل فتعطي رونق اخر مع الهواء الطلق والمظهر البديع
من حولهما….
انها في الجنة، هذا التعبير الاصدق داخلها الآن….
“اي رأيك في المفاجأة…..”
نظرت اليه وكانها انتبهت لوجوده الان !…
انها فُتنة بالمكان فخلب عقلها وقلبها معًا ونسيت
انه هو من حضر لكل هذا من أجلها….
شعورٍ دافئ تسلل اليها فجعل نبضاتها تتسارع بعنفا
وهي تبعد الغرة الجانبية قليلا قائلة بانبهار براق
في عسليتاها التي أضحت في الليل كشهابٍ
ساطع شديد التوهج…..
“المكان يجنن…..مش مصدقه انك عملت ده كله عشاني…انا حاسه اني وقفه في حتة من الجنة
المكان يجنن وكل حاجه فيه جميلة….”
“طب تعالي نقعد العشا وصل…..”
اشار لها عاصم على النادل القادم عليهم من أول الجسر يجر عربة أنيقة عليها عشاء أليوم….
علمت من رائحة الطعام انه عشاء ايطالي بحت فهي
درست المطبخ الإيطالي لأعوام كما حال باقية المطابخ الاكثر شيوعًا والتي يجب ان يطلع عليها
أغلب الطهاة لكسب خبرة أكبر في مجالهم المعتمد على التجديد والتميز….
جلست على المقعد المقابل له ثم بدأ النادل بوضع
الطعام بابتسامة عملية….بعد ان رص الاطباق ووضع المشروب الجانبي انصرف….
فقال عاصم لها بابتسامة مستاءة….
“للأسف بعد ماحجزت في المطعم ده اكتشفت انه المنيو كله ايطالي….فكرت الغي الحجز بس المكان عجبني….”
قالت وهي تشبك اصابعها معًا وتسند بذقنها
عليهم… “أول مرة تاكل اصناف ايطالية….”
هز راسه بنفي سائلا….
“انا معرفش غير الاصناف المصرية وانتي….”
قالت شهد بابتسامة صافية….
“انا شغلي يحتم عليا اجرب كل حاجة واتعلم معظم الاكلات المعروفة وكان من اشهرها المطبخ الإيطالي….”
انعقد حاجبا عاصم….
“دا بجد….واضح انك رسمة على تقيل في شغلك
ده…..”
قالت شهد بصوت متزن….
“دا اسمه طموح….. والحياة من غير هدف متبقاش حياة… وانا اتعلمت من صغري يكون عندي هدف
اعيش عشانه….”
تأمل عاصم وجهها قليلا ثم القى عرضًا
مبهمًا….
“انا ممكن افتحلك المطعم اللي بتحلمي بيه..
ساعتها هتكوني مبسوطه ؟….”
رأت الهزل والرفض على محياه فقالت
بكبرياء….
“مين قال اني عيزاك تفتحلي مطعم… انا يوم ما هعمل ده هعمله بنفسي من غير مساعدة من اي
حد….”
وكانها صفعته بأدب فوضح وجهة نظره بصبرٍ…
“انا مش حد ياشهد ومع ذلك انا رافض فكرت شغلك
ان شايف ان هدفك المفروض يكون نجاح علاقتنا
جوازنا…. ونجاحه أهم مشروع في حياتك…”
حديثه نبش في الجراح القديمة فقالت
بعسليتان نافرتان…..
“سعادتي هو اني أكون شخصية مستقلة ماديًا
ومعنويًا حتى بعد ما أكون مراتك….”
افتر فمه لبرهة بدهشة وهو يحدق بها بملامح صخرية قد جفت الفرحة من فوقها…..
“اللي بتقولي ده عكس الطبيعة البشرية… معروف
ان الست بعد الجواز مسئوله من جوزها… ماديًا
ومعنويًا مش العكس….”
قالت شهد تقارعه بصوتٍ شديدة البرود….
“ممكن بس مش على حساب ان يلغي كيانها بمجرد
انها بقت مراته فـهتبقا تحت رحمته زيها زي الكرسي اللي بيقعد عليه….دا مش عدل….”
سحب عاصم نفسا متهدج بالكثير من المشاعر
مابين إعجاب بقوتها لأحباط من شدة صلابتها
وصعوبة ترويضها…..
فقال عاصم وعيناه تأسرها باحتواء العالم احتواء
يصهر قشرة الثلج داخلها فتصبح عارية امام
سطوة مشاعره……
“مين قال انه بيلغي كيانها لما تكون قعده في بيتها معززه مكرمة زي الملكة اللي بتشاور عليه بيجلها
من قبل ما تطلب حتى…..
انا لو هعمل كده معاكي فا لاني شايفك زي قطعة الماس نادرة وغالية يتخاف عليها من العيون فلازم
احافظ عليكي ولو طولت اخبيكي بين ضلوعي هعملها ياشـهـد…وساعتها ابقي قولي عليا رجعي ومتخلف…”
هل تأثرت كالمرهقات بهذا الكلام العاطفي المبتذل
ان قلبها يختلج بالنبضات ولسانها توقف فجأه بعد
ان داهمها شعور جميل أضعف عزمها……
عندما ساد الصمت ابتسم عاصم بنشوة الانتصار فاشار لها على الطعام قائلا…. “الاكل هيبرد….”
مسك عاصم المنديل الأبيض النظيف وبدا يمسح الشوكة والسكين بحرصٍ شديد قبل ان يأكل بهم
..وعندما لاحظت تلك الحركة قالت بابتسامة مشدوهة….
“انت بتعمل إيه… الشوك والسكاكين باين انهم
نضاف على فكرة…”
قال مقتضبًا….. “زيادة تاكيد…..”
بدأت تاكل وصوت البيانو يشاركهما
الخلوة الرائعة….فقالت بعفوية…
“الفيو من هنا يجنن… المكان كله يجنن…”
قال عاصم بحنان….
“انا معنديش مانع اجيبك كل يوم نتعشا هنا…”
قالت بوجنتين حمراون وعسليتان
خلابتان… “أخاف تزهق مني…”
اخبرها عاصم بتوله…..
“انتي الوحيده ياشـهـد.. اللي مينفعش ازهق منها…”
الرحمة أرجوك ، جميل إسمها على لسانه وكانه
يسقي احرفها الثلاثة بالحب فتتوغل الى قلبها
فورًا وكانه يحدث قلبها سرًا…
راقبته شهد من أسفل رموشها بانه يرغم نفسه
على ان يأكل لقمة او اثنين ويظل يمضغ بهم
لوقتٍ طويل…..
دفعها الفضول فقالت بتساؤل….
“شكل الأكل مش عجبك… ولا موسوس كالعادة…”
قال مقتضبًا.. “الاتنين….”
تركت الشوكة والسكين جانبًا ومسحت فمها
بمنديلا ورقي….ثم سالته بحيرة….
“نفسي افهم طالما ملكش في المطاعم والجو ده..
بتعمل كدا ليه في نفسك….”
اخبرها دون النظر اليها….
“عشانك…. عشان ابسطك….”
انتفض قلبها بين اضلعها وذابت مفاصل اعصابها فسارت نشوة غريبة في كامل جسدها ورغم
ذلك قالت بواقعية…..
“انا أقل حاجة ممكن تبسطني….مش لازم تجهد نفسك وفلوسك في كل ده….”
رفع عيناه عليها قائلا بجفاء…..
“مش دي الجملة اللي مستنيها منك….”
عضت على باطن شفتيها فمدت يدها ترتشف
القليل من الماء ثم اقترحت بتردد وهي تضع
الكأس جانبًا…..
“اي رايك نرقص سوا…. صوت البيانو يجنن….”
كانت تتوقع الرفض منه لكنه نهض عن مقعده مكتفي
بايماءة ووجهه لا يعبر عن ما يجول بخاطره الان…
رقصا بطريقة مختلفه عن السابقة فقد احتوى خصرها النحيل بكلتا يداه مقربها منه وهي وضعت يدها على صدره لفرق الطول بينهما…
شعرت في تلك اللحظة بمضخة قلبه العنيفة
اسفل كفها….في حين تسارعت دقات قلبها
بقوة تضاهيه وهي ترفع عيناها عليه مأخوذة
بهيئته المهلكة عن قرب انه شديد الوسامة
والرجولة وبنيته الجسمانية الضخمة تقشعر
بدنها….
فيزداد ازدرد ريقها وكانها محمومه بين ذراعيه وها
هو الانجذاب يزداد خطورة معه والحميميه تطفو
على مشاعر كلاهما دون سابق إنذار…..
تبادلا النظرات معًا وسُبُل الحب تعرف صبابة
قلوبهما المتوهجة به الان….
ضمها عاصم الى صدره برقة وحنان فأرتاحت
برأسها على صدره النابض بقوة وعند سماع
خفقات قلبه همست بإسمه بتعب دون ان تعي
على نفسها….”عـاصـم….”
“ارتاحي ياحبيبتي…. انا جمبك….”
قالها وهو يميل عليها دافنا وجهه في عنقها ويداه
تضمها بقوة حانية وكانه يعمل فعليا على ان
يخبؤها بين اضلعه لعله يرتاح ويريح قلبها…..
همس بنفسًا ساخن بقرب اذنها وشفتاه تلامس عنقها دون قبلات فزاد هذا من قشعرتها وطغى عليهما بنشوة الحب لذة……
“اه من هواكي ياست الحُسن…. آه ياشـهـد…..”
باخر تأوه خافت له زاد ضمها لصدره ومشاعرهما
معًا تذوب مع أوتار الموسيقى الرائع ، وصوت الأمواج الثائرة يشارك خفقات قلوبهما العنيفة
الان…..
هذا أول أعترف بالحب منه بان هواها اضنى
قلبه ؟!..
وماذا عنها فهي أمام قوة مشاعره تسلم كافة حصونها مستقبله بنهم أول شعور دافئًا يلفها
به…
ان قلبها مصابٍ بالجفاف وكل ما تريده الان منه ان ترتوي من الحب دون مقابل ، وهذا ما يجعلها تظهر امامه بصورة المرأه الانانية باردة المشاعر ، صُنعة
من زجاج صلب ؟!…
اغمضت عيناها في احضانه مسالمة طامعه في الكثير من الحب من المشاعر والراحة…فقد اتضح
ان عناقه هو ملاذها الضائع وأخيرًا وجدها !…
…………………………………………………………..
أنزل سلطان كوب الشاي عن فمه وهو يرمق صديقه
باستنكار قائلا….
“انت بتفكر غلط…ذنبها اي بنت عمتك تدخلها معاك في لعبه زي دي…..”
تحدث حمزة بتجهم….
“ومين قالك انها مش مستفادة….زي مافهمتك انا
بحافظ على مالها وفي نفس الوقت برجع حقي
وحق أخواتي…”
رد سلطان يقارعه….
“واجب تعرفها وليها حق تختار…”
هتفت حمزة مستهجنًا….
“وافرض رفضت وبوظت كل حاجة هكسب إيه
انا…هرجع لنقطة الصفر تاني…..”
هتف سلطان كضمير المتكلم….
“يعني تغشها بطريقه دي…..انت كده بتلعب
بمشاعرها ياجدع….”
برر حمزة باستهانه….
“يابني هو انا قولتلها بحبك…كل الحكاية اني قولتلها انها عجباني وعايز اتجوزها….. ”
ابتسم سلطان بسخرية ثم برجاحة
عقل تحدث….
“يعني لما تجوزها عشان عجباك… غير لما تجوزها
عشان تعرف ترجع حقك من أبوك….وانت شرط
على أبوك وقتها لانك واثق ان مفتاح قلبها في
إيدك ومتأكد انها هتوافق عليك…”
ثم لوى شفتاه بتهكم مضيف…..
” كل ده وملعبتش بمشاعرها… فوق ياصاحبي انت بتوحل نفسك في حكاية كبيرة هتطلع منها صغير اوي قدامها بعد ما تعرف الحقيقه… ”
هز حمزة راسه بتعنت….
“وحتى لو.. مش هتنفع غير كده الفرصة مش بتيجي
للي زيي غير مرة واحده يا استغلها يا اسبها تروح
لصاحب النصيب…..”
ثم استرسل حمزة وصدره يشتعل كمرجل ناري
من مجرد التخيل…..
“بالك يعني عثمان الدسوقي هيغلب معاها…ممكن
يزق عليها اي واحد نصاب….يعلقها بيه وتجوزه وياخد منها التنازل برضو…..”
تافف سلطان بوجوم….
“انا نصحتك وانت حُر بس في الاخر مترجعش
تقول ياريتني….”
اوما حمزة براسه قائلا بصلابة….
“لا من الناحية دي أطمن….اللي بعمله هو عين العقل
دا حقي وحق أخواتي البنات….”
انتاب سلطان القلق على صديقه فساله
بريبه…..
“تفتكر ابوك هيعديها كده بساهل لما بعد كام شهر
من جوازك يكتشف انك نصبت عليه ولا هتديلو تنازل ولا غيره…..”
رد حمزة بجسارة….
“أعلى مافي خيله يركبه…هيعمل اي يعني…”
زم سلطان شفتاه بعدم ارتياح…..
“ربنا يستر …. على اللي كنت بتحكهولي اتوقع
منه اي حاجة…..”
ساد الصمت قليلا وهم يرتشفا المشروبات
الدافئة…..
كانوا جالسين امام ورشة الخشب الخاصة
بسلطان يتابعا حركة الشارع الرتيبة بعينين
شاردتين……
حتى قطع الصمت سلطان الذي
قال بتهنئه…..
“صحيح مبروك لشهد…وكيان…..عقبال الفرحة الكبيرة.. ”
اجابه حمزة وهو يرمقه بعتاب….
“الله يبارك فيك….مجتش ليه بقا انت ومراتك
دا انا حتى عزمتك….”
هتف سلطان معتذرًا…
“رجعت من السفر هلكان نمت ماقمتش غير تاني
يوم العصر……سامحني ياصاحبي متعوضة في
الفرح الكبير ان شاء الله….”
اوما حمزة براسه ناهضا عن مقعده
وهو يقول….
“ان شاء الله…….انا همشي انا عشان أكمل شغلي…”
نهض سلطان معه معترضًا….
“ما انت قاعد ياجدع…مش اتفاقنا نتغدى سوا…”
شكره حمزة وهو يتجه الى سيارته….
“بالف هنا ياصاحبي.. هتغدى مع اخواتي عشان ميبقوش لوحدهم….عايز حاجة….”
لوح له سلطان بيده قائلا بخشونة….
“لا عايز سلامتك…هبقا اكلمك في التلفون أشوف
الأمور وصلت معاك لفين…..”
عندما غادر حمزة بسيارة….عاد سلطان جالسا على مقعده امام الورشة ثم اشعل سجارته ورفع عيناه
على شرفة شقته فمنزل عائلته يقبع امام الورشة
مباشرةً…
أبتسم عندما وجدها تدلف اليها حاملة سلة صغيرة
من الملابس….ترتدي اسدال الصلاة……
زادت البسمة مشاكسة على محياه وهو يرفع
هاتفه على اذنه…فاختفت لثوانٍ وعادت بالهاتف
ترفعه على اذنها وهي تنظر اليه من شق الستائر
المغطي أطار الشرفة بملامح عابسة…..
فسالها سلطان بمناغشة…..
“بتعملي اي يامجنونة….”
رمقته شزرًا ثم اجابت بتبرم….
(بنشر الهدوم…مش شايف يعني….)
قطب حاجباه مستفسرًا….
“وانتي قلبه عليا كده ليه…..”
اندفعت داليدا تخبره دون مواربة….
(انت عارف… عشان مرحتش قراية فاتحة
كيان…..لا سبتني أروح معاك ولا من غيرك…)
هز راسه متاففًا وهو يراها تتابع نشر الملابس
دون النظر اليه…..
“لا حول ولا قوة الا بالله…. بيقولوا الإحساس نعمة
وانتي مفيش رحته…..”
نظرت اليه بدهشة..(والله….دا الكلام دا ليه…)
تراجع عن الحديث محاولا نيل رضا الأميرة
المدلله…..
“مش كنت تعبان انا ياداليدا ورجعت نمت علطول..
وبعدين تروحي إزاي من غيري لازم ابقى معاكي تتخطفي يابت…..”
هتفت بضجر……(انا مش صغيره على فكرة…..)
ابتسم بمناغشة لذيذة….. “انتي نونه….”
ضحكت فورا…بينما قال هو مبتسمًا
“ايوا كده خلي الشمس تنور…. بدل قلبة البوز اللي تسد النفس دي….هعوضهالك يادودا فرحها قريب
يعني مش بعيد….. ”
صمتت قليلا ثم حاولت ان تلطف الجو بينهما
فقالت بدلال شقي يليق بها….
(سلطن…. تحب تأكل اي على الغدى….)
تسارع نبض قلبه وهو يبتسم على هذا
التدليل السخيف لاسمه……
ثم قال لها مشتهيًا…..
“بمبار ومحشي مشكل وبطه… الواحد هفتان
اوي يادودا من بعد سفرية الشغل دي…”
افترت شفتيها بصدمة لبرهة ثم لم تلبث
إلا وقالت برضا تام…..
(خلاص عرفت انا هعمل إيه…مكرونه وبانية….)
رفع حاجباه مشدوهًا ثم تمتم بعدها
بتجهم….
“والله !!….لا اعملي على قدك بقا… عشان انا
كدا كده هاكل عند امي…..”
ضحكت بتشفي وكانها كانت تنتظر هذه الجملة
منه حتى قالت بجذل……
“يازين ما اخترت والله… انا كمان هنزل اتغدى
تحت عند امك …”
لوى شفتاه قائلا…..
(تعرفي انك عنوان للبجاحه…..)
قالت بتهكم….
“متعلماها منك يابتاع الخوخ…..”
ضيق عيناه مهددًا بانتشاء….
(هنرجع للسيرة دي تاني..هطلعلك ياداليدا…وانتي عارفه لو طلعت هعمل إيه….)
احمرت وجنتاها على سيرة هذا التلميح
الوقح……فقالت بتقهقر…..
(خلاص سكتنا….أقفل بقا خليني اكمل نشير…)
أمرها بخشونة قبل ان يغلق
الهاتف….
“شدي الستارة طيب وانجزي…..”
(حاضر… سلام ياسلطن….)قالتها بابتسامة
حلوة التقطها بعيناه وحفظها قلبه…..
وضع الهاتف في جيب بنطاله مغمغمًا
بتعب…..
“سلطن تعب يابنت عمي…..وجاب آخره….”
………………………………………………………….
دخلت من باب المكتب وبين يداها صنية عليها فنجانين من القهوة…..بخطى واثقه ومستقيمة
اقتربت من مكتبه….
وكان جالسًا مع احد الوكلاء….وعندما وقفت
امام عيناه مباشرةً تلعثم قليلا في الحديث
واخطأ عدة مرات وعيناه تذهب اليها…..
“تحب اجبلك حاجة تانيه يا استاذ….”سالته بابتسامة
رزينة لكن ومض عيناها شديد الشقاوة والدلال..
جعله يطيل النظر اليها قليلا ثم
قال….
“لا ياكيان…. شكرًا روحي شوفي شغلك….”
استدارت عائده ادراجها حيثُ مكتبها بالخارج…
وبعد ساعة ونصف خرج العميل وعلى وجهه الرضا
التام بعد تلك المقابلة المثمرة…… القت عليه كيان
التحية ثم دلفت الى المكتب بيدها دفتر صغير
تسجل في اهم مواعيده لليوم….
اطرقت على الباب فدخلت…. فوجدته بانتظارها
فكان يترك كل شيءٍ امامه مرتخي للخلف بظهره على المقعد الدوار الذي يتحرك يمينا ويسارًا
بفعل اهتزازه بسيطه منه….. وعيناه
عيناه تسبح في تفاصيلها تلتهماها دون حياء
فسرت قشعريرة بكامل جسدها وتخضبة وجنتيها بخجلا فأطرقت براسها أرضا وكادت ان تتعثر
في السجادة لولا تمسكها…..
عندما وقفت امامه بعد معاناة قالت وهي تنظر
في دفتر المواعيد…..
“في وكيل هيوصل كمان نص ساعة و…..”
“كيان….”
قاطعها عندما نادى باسمها فاعطته كامل تركيزها…
فالتوى ثغرة في ابتسامة ذكورية مشاكسة قائلا…
“انتي مش ملاحظة اننا من الصبح بنتكلم في
الشغل….”
حكت في عنقها بحرج…..
“طبيعي يعني إحنا في الشغل….يبقا هنتكلم في الشغل…..”
مالى على المكتب قليلا وأشار على
المقعد المقابل له….
“ممكن تنسي الشغل شوية…قعدي يا كيان…”
عندما جلست بلعت ريقها متوجسة بعد
ان اخبرها سليم….
“انا حددت الفرح مع باباكي بعد شهرين بظبط…..”
اومات براسها…. “اه عارفه….”
عقد حاجباه مستفسرًا….
“لحد دلوقتي مسالتنيش هنعيش فين….”
نظرت اليه وحركت اهدابها ببراءة…
“افتكرت انك هتعيش مع عمو مصطفى…..”
انبسطت ملامحه قليلا ثم استفسر
بحيادية….
“انا نفسي طبعا….بس المهم انتي عايزة إيه….”
اسبلت اهدابها مفكرة…فوضح هو بهدوء…
“انا عندي شقة في مكان كويس….ممكن اغير في الديكور بتاعها تعملي حاجة على ذوقك…اي رأيك..”
فهمت دون توضيح أكثر ، انها الشقة الذي كان
مقدر له الزواج بها مع ايتن وان ديكورها صمم
على ذوقها العريق….
رغم شعور الغيرة القاسٍ على روحها اجابة
بثبات……
“مش لازم….انا عايزة اعيش في شقة باباك…يعني
اهو نونسه بدل ما نسيبه لوحده كده….اي رأيك..”
قال سليم بمشاكسة….
“انا كده بدأت اغير من سيادة المستشار….”
ابتسمت كيان مؤكده….
“لازم تغير لانه واخد مكانه خاصة في قلبي…”
سالها بصوتٍ أجش وعيناه تسبح في فلك
عيناها بضياع…
“وانا مخدتش ركن صغير في قلب عصفورتي…”
اجابته بعفوية… “انت واخد قلبي كله يا استاذ….”
فغر شفتاه فلم يتوقع اجابة صريحة
منها… “انا إي ياكيان…..”
ابتسمت بمراوغة وقالت..
“مش بحب اكرر كلامي مرتين…على فكرة انا هخرج
ساعة بدري…..دا بعد اذنك طبعًا…..”
عبست ملامحه فجأة….. “راحه فين بقا….”
قالت بهدوء…. “معزومه عند ناس صحابي….”
سالها بخشونة…. “يطلعوا مين صحابك…..”
ضحكت قائلة…..
“صحابي ياسليم….أطمن كلهم بنات….”
“والعزومة دي فين.؟…”ازدادت سعة التحقيق
معها وكانها متهمة !..
فقالت بصبرٍ…..
“في بيت واحده من صحباتي اي اسئلة تانيه…”
ازدادت علامات الرفض على وجهه….
“من امتى الخروجات دي…وبعدين انا كنت
ناوي اعزمك على الغدى النهارده….”
قالت مؤنبه إياه….
“وتسيب عمو يتغدى لوحده…دا ينفع..”
تبادلا النظرات بصمت فقال سليم
بتجهم…
“يبقا اوصلك بنفسي عشان اطمن….”
قالت كيان برفض…..
“طب والوكيل اللي جاي كمان نص ساعة….خليك
انت وانا أول ما أوصل هرن عليك مش هتخطف
يعني…”
…………………………………………………………
بعد ان انتهى يومًا شاق في العمل….عاد للمنزل
عصرًا في موعد الغداء…..
وعندما أغلق الباب خلفه سمع صوت اغنية شعبية
تصدر من مطبخ والده !….
كان هذا الأمر مريب بنسبة لرجلا لا يسمع إلا اغاني
محددة للست ام كلثوم فقط وهذا لأجل (هالة)
حبيبته التي كانت تعشق صوتها….
قاده الفضول فخطى بخطواتٍ حريصة الى المطبخ
كي يرى سبب تغير والده المفاجئ في ذوقه في الأغاني…..
خصوصا ان الاغنية المذاعة لمطرب شعبي
قديم….وكانت الموسيقى صاخبة قليلا والمغني
يقول…..
(انا قلبي عندك وانت قلبك مش هنا اديني قلبك واللي انت عايزة عندنا…. ااه اديني قلبك وخد
قلبي ااه اديني قلبك وخد قلبي…. خلي المحبه
حبة حبة تجمع شملنا…)
وقف عند باب المطبخ ولم يتوقع ما تراه عيناه…
(كيان) هنا في مطبخهم تطهو مع والده الطعام
وهي تضحك مندمجه هي ووالده مع المغني
الذي استرسل قائلا…..
(طول عمر قلبك دا غالي علينا ويامه روحنا معاه وجينا وشيلنا حبك في رموش عنينا…بس انت ليه مبقتش جمبي تملي ليه تتعبلي قلبي ااااه….)
(اديني قلبك وخد وقلبي…اديني قلبك وخد
قلبي..خلي المحبه حبة حبة تجمع شملنا…)
كتم سليم ضحكاته وهو يراها تقلب في الاناء
على النار… مدندنة مع الاغنية بعفوية دون ان
يغطي صوتها على صوت المغني…..
وكان والده يشرع في وضع الطاجن بالفرن وهو
يردد كلمات الاغنية بروقان ولم يرى والده سعيدا
هكذا من قبل وكانه مع تلك العصفورة عاد به
العمر للخلف لزمنا أشتاق الى عنفوان الحياة
به و الأقبل عليها بروح الصبى !…
أسند سليم كتفه على الجدار وهو يتابع هذا
الاندماج الرائع وهم يطهو معًا اصنافٍ شهية
بروائح متناغمه مع أوتار الموسيقى الصاخبة… صخب رائق وهذا وصف غريب !……
كانا معا كالأب والابنة في هذا المشهد كان هذا
الحلم الذي يسعى سليم بان يحققه لها…
وقد تحقق دون اي تدخل منه….وكأن والده وجد ابنته أخيرًا ، وهو مع والده وجد حب حياته
الضائع…..
انتبهت كيان لوجوده فابتسمت وهي تردد كلمات الأغنية دون ان يغطي صوتها على المغني….
وعيناها اسيرة عيناه السعيدة برؤيتها هنا….
(شغلت بالي شغلت بالي ولا انت داري باللي
جرالي تنام واسهر انا الليالي…)
ضحك سليم دون صوت واعطاها قبلة في الهواء دون ان يلاحظ والده وجوده حتى الآن….
فابتسمت كيان وهي تتابع الاغنية مدندنة
بنعومة….
(رغم العذاب وزعلي منك مقدرش يوم استغنى عنك اه..اديني قلبك وخد قلبي..اديني قلبك
وخد قلبي خلي المحبة حبة حبة تجمع شملنا…)
اشارة له بان يقترب ففعل والابتسامة الجذابة
تزين محياه……
فمدت يدها له بالمعلقة الخشبية….فاشار سليم
على الحلة الانيقة فاشارت له ان ينزع السترة
ففعل وهو يقهقه عاليا وشمر عن ساعدِهِ..وبدا
يقلب في الاناء وهي بجواره تتابع تقطيع
البصل…..
فأستمرت كلمات الأغنية لأخر جزءًا بها وهي
تدندن معها دون ان يعلو صوتها…..
(اديني حبك وخد حناني ريحني جمبك ولو
ثواني ولا انت قلبك في حد تاني؟…..)
هز سليم راسه سريعًا بنفي وأشار عليها ثم
على موضع قلبه حركةٍ تعني…
(انكِ الوحيدة هنا…. وستظلِ للأبد هنا..)
لوت شفتيها بحسرة…فكانت الاغنية تتضامن
معها قائلة…..
(كتير كتير تزعل وصلحك…وكتير كتير عذبني جرحك….)
ضحك سليم بقوة التعبير بكلمات الأغاني أحيانًا
يحملك غرامات اكثر من المستحق…..
لكنه أحب الأغنية الذي يسمعها لأول مرة معها
فكانت تحمل أول ذكرى شقية وجميلة بينهما
“انت جيت ياسليم….”قالها والده الذي اقترب منه مندهشًا فلم يلاحظ وجوده إلا الآن….
مسكت كيان هاتفها واوقفت الأغنية….بينما
رد سليم وهو يغطي الإناء….
“من بدري ياسيادة المستشار…..واضح انك
كنت مندمج اوي مع عبد الباسط….”
اتسعت ابتسامة والده حتى اطالت حدود
عيناه المجعده….
“يااه ياسليم….تعرف انا بقالي قد إيه مسمعتلوش..
البركة في الاستاذة دي رجعتني سنين لورا ايام ما كنت بسمعه على القهوة مع الحبايب…”
نظر لكيان التي ابتسمت بحرج وهي تنظر الى
سليم الذي سألها بعتاب….
“مقولتيش يعني ان العزومة هنا كنا روحنا سوا وبدري….”
عضت على شفتيها وهي تخبره….
“حبيت اعملهالك مفاجأه…خصوصا ان كان قدامك شويه على ما تخلص…..”
ثم استرسلت بمناكفة وهي تنظر لوالده…
“على العموم…دي عزومة عمو ليا..مجتش منك..”
أفصح سليم…. “مانا كنت ناوي اعزمك…..”
هتف والده بتوبيخ….
“اه كان ناوي يستفرد بيكي لوحده….”
ضحك سليم وهو يحك في انفه بحرج….
فأمره والده قائلا…
“خد خطيبتك واستنوني في البلكونة ياسليم على
ما الطاجن اللي في الفرن ده يتحمر…..عشان نتغدى….”
قالت كيان بحرج…. “اساعدك ياعمو…”
رفض والده قائلا بموده….
“مش مستهله ياكيان….مفضلش غير حاجات
بسيطه ارتاحي…انا واخد على كده..”
كانت ستعترض كيان مجددًا لكن سليم تدخل
قائلا بحرارة وهو يمسك يدها…..
“عين العقل تعالي…تعالي ياعصفورة اما اوريكي بلكونة بيتنا هتعجبك اوي…”
كتمت كيان ضحكاتها وهو يجرها خلفه للخارج بسرعة.. “براحه ياسليم هقع……”
……………………………………………………….
انه الحب الحب الذي يجملنا ويسعدنا…
نتشبث بالحب وكانه(الأم) ومهما زاد الصدع بيننا
وكثرة الخلافات سيظل المسكن الأمن لنا ، ان الحب كالوطن نعلق عليه الخيبات ونهاجره لأميال ثم نعود فنجد الوطن مزال بمكانه ينتظرنا بقدر رحابُ..
هل عليها ان تتوخى الحذر في الحب…كيف وهو
بهذه الروعه ، انها بالحب تشعر بانها تحلق عاليا
بين النجوم الامعة تتلألأ معهن ، انها بالحب ترى نفسها أجمل نساء العالم واكثرهن رضا وثقة
بنفس….
ان للحب آثر عميق في نفس المحب يشعرنا بالكمال
يغير نظرتنا للأفضل…..
كانت تقف بجواره في شرفة منزله والذي يطل
على حديقة صغيرة تحيط البنية بالاسفل، ومن
بعد حدود الحديقة السيارات الفارهة المصفوفه
جانبًا….كان الشارع هادئ راقي، الحركة شبه
رتيبة…..
داهم انفها عبق الهواء الطيب يملأه نسيم الطبيعة
المنعش….وصوت زقزقة العصافير ياتي من مكانًا بعيد فابتسمت وهي تغمض عيناها باستمتاع..
وعلى جانب الاخر كان هناك من يراقب ويتأمل بنهم جمالها خفة روحها واقبالها على الحياة بتفاصيلها
الصغيرة……
سالها وسط هذا الجو المفعم بالحب والحياة..
“لسه عند رايك…في اننا نعيش هنا بعد الجواز…”
فتحت عينيها الفيروزية ونظرت اليه مؤكده
بروح حلوة…..
“اكيد…مش كل شوية هتسألني السؤال ده…”
اخبرها سليم بجدية….
“بس مش هنقدر نغير اي حاجة في الديكور هنا..
كل حاجة اتحط هنا بايد ماما…وبابا مستحيل
يغير اي ركن في شقة باستثناء اوضتي….”
سالته دون تعبير مسبق…..
“انت نفسك تغير حاجة في الشقة….”
هز راسه بنفيًا قائلا بنظرة بها لمحة من
الحزن والحنين…..
“لا طبعًا ولا حتى جدران الحيطان ينفع اغير
لونهم دي الذكريات اللي فضلالي منها…”
اومات كيان براسها تخبره بتفهم….
“الشقة أصلا جميلة والديكور مش محتاج تغيير مامتك كان ذوقها حلو اوي….بس أكيد لازم اغير
في اوضتك شوية دا بعد اذنك طبعا…..”
أكد بابتسامة واسعة وكانه نال حلواه
للتو…
“دي هتبقا اوضتك خلاص وليكي الصلاحيات
في ده…..قوليلي انتي عايزة اي فيها يتغير وانا
اعملهولك…”
قالت بحرج….
“ممكن أشوفها….بس لوحدي….”
عقد حاجباه وهو يدعوها
للداخل…
“وليه لوحدك هاكلك انا يعني….تعالي معايا… ”
فتح الباب واضاء الأنوار واشار لها سليم بان تتقدم ففعلت وهي تخطو أول خطوة في غرفة نومهما الخاصة عما قريب……
تأملت المكان من حولها كانت غرفة شاسعة أنيقة
بها طابع رجولي بحت الوانها داكنه والاثاث كذلك
يحتوي على الاساسيات من فراش لمكتب لخزانة
ملابس لتسريحة موجود عليها اغراضه الخاص
وعطره وهيهات من عطره….
الغرفة متشربة من عطره وكانها تهواه سرًا !…
بلع سليم ريقه بقلب يخفق بشدة بين اضلعه ، كم
هي رائعه حين يراها هنا في غرفته في مطبخه
في منزله….حلما يتحقق على أرض الواقع…
وكان الواقع أشد جمالا وروعة من الخيال.. ليته اتخذ هذا القرار منذ زمن ليته لم يعرضها ويعرض نفسه لضلالة الحب !…
ظل مستند على اتار الباب يشاهدها وهي تطلع على
كل زاوية في الغرفة بتأني…حتى رات باب ملحق
بها وقبل ان تساله أخبرها بهدوء…
“دا الحمام تحبي تشوفيه….”
احمرت وجنتيها بحرج انها تتمادى اليوم وكانها طيرٍ
حرًا طليق لو علم شقيقاها بأمر تلك الزيارة لقطعا
من لحمها للطير !…
لكن لا بأس يحق لها ان ترى المنزل والغرفة التي ستعيش بها….وكل ركن بها….
اتجهت الى الحمام وفتحت إياه….. وكانت مساحته رائعة وبه كل ما يحتاج المرء فلن تضطر لاستعمال
الحمام الخارجي أبدًا. فكانت الخصوصيه بهذه
الغرفة اكثر من رائعة…..
تحمست للأمر وارتاح بالها أكثر…..فقالت باعجاب
تبدي رايها في غرفته الخاصة…
“بصراحه الاوضة حلوة اوي…بس محتاجه اظبط
فيها شوية حاجات…هغير الموبيليا والحيطان..”
أومأ سليم براسه دون ان يتحرك من مكانه….
قائلا بنظرة شغوفة بها…
“مفيش مشكلة ننزل المعرض واختاري الاوضة
اللي تعجبك….كمان انا لسه عايز اجبلك شبكتك..
واضح ان الخروجات هتكتر الفترة الجايه…. ”
توترت من نظراته فقالت بتلعثم وهي تتجه
الى المكتب….”اه….هو الاب دا بتاعك….”
اتكأت عليه بعفوية فأنارة الشاشة بصورتها..اتسعت
عيناها وهي تراه يضع صورتها خلفية حاسوبه..
كانت الصورة نفسها التي التُقطت لها سابقًا
على يد (داليدا.)وهي تاكل الدونتس…وحينها
ابدى اعجابه بالايك الأزرق ولم تحبذه أبدًا
وقتها اخبرها انه قيمها من منظوره الخاص….
رفعت كيان حاجبٍ وهي تنظر إليه منتظرة
تفسير فهرش سليم في انفه بحياء ذكوري
لذيذ…..
“الصورة عجبتني فقولت احطها….”
التوت شفتاها بضحكة لئيمة…
“انا فاكره انها مكنتش عجباك وقتها….”
اخرج تنهيدة حارة….
“مع الوقت اكتشفت انها احلى صورة صدفتني..”
ضاقت عيناها بشقاوة….. “متأكد…..”
اوما براسه وعيناه تحكي الكثير
فتخضبة وجنتيها كشعلتين متوهجتين وهي
تنظر للحاسوب سائلة بخفوت….
“ويترى حطتها من امتى على الاب….”
اجابها سليم وهو يتقدم منها….
“من فترة قصيرة…بس انا محتفظ بيها من وقتها..”
لعقت شفتيها قائلة….
“تعرف اني مسحت الصورة من على البروفيل بعدها….ودا بسبب الايك وكلامك…. ”
وقف امامها قائلا بمناورة….
“واضح ان رايي كان اهم من كل الناس اللي عملت
ريأكت لاف…. زي ماقولتي وقتها…”
ابتسمت ببلادة دون ان ترفع راسها
إليه….
“وقتها كان رأيك مهم وبيأثر عليا… بس مكنتش اعرف السبب….”
مد يده يقرص وجنتها بمداعبه..
“وعرفتي يا كيان….”
ضربة يده وهي تقول بشراسة…
“سليم الزم حدودك… وابعد شوية….”
طالت نظرة سليم لعيناها أكثر وكم كانت نظراته شديدة العبث تقطر عشقا يسري في كامل جسدها
فتقشعر مشاعرها بضعف مستشعره الخطر
الوشيك…
انتفضت كيان فجأة تخبره وهي تبتعد عنه
خارجة من الغرفة باكملها…..
“عمو بينادي….عمو بينادي… وسع كده ياسليم
اشوفه عايز إيه….انا جايه ياعموو…. ”
“امتى ده…”قالها سليم بحيرة وهو يلحق بخطاها
ضاحكًا….
” استني ياكيان… نسيت اقولك حاجة مهمة…..”
بعد قليل…
تجمعا على سفرة الطعام وبدا بالاكل والذي كان اكثر
من رائع من يد المستشار الذي شعر بالالفه والراحة بصحبة تلك العصفورة واحس انها عوضا من الله لابنه وعما قريب ستكون زهرة معطرة لهذا البيت
و عصفورٍ لهُ بهجة ينشرها بين ارجاء هذا البيت…
…………………………………………………………..
بعد عدة أيام….
وصل للدور المنشود وكان بصحبة شقيقتيه….
سالته كيان وهي تلتفت حولها…
“هي في الدور الكام ياحمزة….”
“تقريبًا الرابع هي دي الشقة…” اجابها حمزة وهو يشير على باب الشقة…..
وفقوا امام باب الشقة وحمزة اولهم وهم خلفه.. فقالت شهد بحرج….
“كان المفروض نقولها ان احنا جايين….شكلها مش حلو واحنا طبين عليها كلنا كده….”
مطت كيان شفتيها قائلة…
“اي المشكلة يعني ياشهد…عاملين لها سبرايز…”
اتكا حمزة على جرس الباب وهو يهمس لهن..
“زي ما تفقنا ها تفضلوا وراها لحد ماتوافق تروح
معانا ماشي….”
اومات الفتيات بصمت ففتح الباب وظهر امامهم شاب في عمر المراهقة مظهرة مريب يمضغ علكه
في فمه بميوعة وهو ينظر لهما بتمعن…..
نظروا ثلاثتهم لبعضهما بريبة وأول من تحدث
حمزة الذي ساله بشك….
“انت مين يالا…وبتعمل اي هنا…..”
رد الصبي بميوعة….
“انا بشتغل هنا….انتوا مين زباين جداد…”
ثم نظر للفتيات وجمالهن المميز فقعب بضحكة
مائعة…. “شكلكوا سياح…”
مسكه حمزة من ياقة قميصه
بغضب…
“سياح مين يخربيتك قمر فين…”
رد الصبي بتبرم مائع….
“ياخوي كلهم قمرات أهدى… واستنى انديلك
المعلم سرنجة..”
ابتعد الصبي للداخل فوقف ثلاثتهم عند الباب المفتوح يسمعوا اصوت الموسيقى الصاخبة
وضحكات الرقيعة……
قالت كيان بارتياع….
“سـرنجة !…حمزة انت متاكد ان قمر سكنه في العمارة دي….”
اوما براسه متجهمًا… “تقريبًا…”
قالت شهد وهي تلتفت حولها….
“يبقا احنا لغبطنا في الأدوار…اكيد ده مش الدور الرابع…..يلا نمشي…. ”
قبل ان يتحركوا امرهم حمزة
بوجوم…
“استنو اما اشوف العك ده….”
اتى عليهم رجلا عجوز بملامح منفرة للنفس
ونظراته مريعة وقد ازدادت خطرا عندما
أبصر وجوههم الجديدة عليه فسألهم
بابتسامة واسعة…..
“أأمر يابيه… معاك المعلم سرنجة بنفسه….”
اخبره الصبي الواقف خلفه….
“بيقول يامعلم انه عايز واحده قمر…”
تحسس العجوز صدره قائلا بابتسامة أوسع
من المعتاد….
“غالي والطلب رخيص نادي عليهم ياض من
عندك…يختار اللي تعجبه… ”
ثم سال حمزة….. “عايزهم قد إيه….”
هز حمزة راسه قائلا برتياع…
“لا انت فهمتني غلط…..انا شكلي لغبط في
دوار العماره…هو احنا في الدور الكام….”
اخبره وهو يمسد على
صدره….”التالت لمؤخذه….”
هتفت كيان من خلف اخيها
باستنكار…
“ولمؤخذة ليه…ما المؤخذات كلهم جوا عندك….”
ابتسم العجوز وهو ينظر نحو كيان..
“مين بقا الحلوه……”
مسك حمزة ذقنه واداره اليه
قائلا….
“ركز معايا انا…. ياعم حقنة انت….”
اخبره الرجل بحمائية….”اسمي سرنجة يابيه…..”
زم حمزة شفتيه وهو ينظر خلف العجوز حيثُ
النساء الشبه عاريه هناك….
“مفرقتش كتير….هو انتوا بتعملوا إيه هنا بظبط..”
اخبره العجوز بتأثر…..
“بنعمل زار يابيه…بعيد عنك حالة الناس اللي جوا صعبة أوي….”
انطلقت ضحكة انثوية رقيعة من الداخل..فعقب حمزة مهللا…..”الله…الله…ودي مالها بقا….”
اخبره العجوز دون تبسم….
“الاسياد بيزغزغوها…عليها جن شديد حبتين….”
رفع حمزة حاجبه بدهشة….
“والله…… لا ربنا ينتعها بسلامه…..”
اتى عليهم امراتين جميلتان يرتديا قمصان
نوم قصيرة حريري لم تعطي للمخيلة شيء..
اشار العجوز عليهن قائلا….
“وده بقا طلبك يابيه….تحب انهُ قمر فيهم….”
تدخلت شهد بنفاذ صبر….
“مش عايزين حاجه شكرًا احنا اتلغبطنا أصلا
في العنوان….”
قالت احدهن بميوعة وهي تداعب حمزة بالنظرات
الصريحة…
“الله ماتسيبي السُكر يقول رأيه…الله على شعرك المسبسب….ولا عنيك تجنن….”
ابتسم حمزة وغمز لها من باب الذوق….فضحكت
قائلة….”اسمك إيه بقا….”
قبل ان يفتح حمزة فمه اوقفته قائلة
بتغنج….
“استنى متقولش انا هسميك سُكر….”
ابتسم العجوز لهما قائلا لحمزة….
“واضح ان فتون عجبتك….نتكلم في السعر….”
هتفت شهد بضيق وهي تسحب اخيها
للخلف…
“سعر مين ياعم انت… ابعدي يا بتاعه انتي
كمان عن اخويا…..”
انحنى حاجبي المرأه بحزن….فتابعت شهد
بضراوة ….
“قولنالك غلطنا في العنوان…إيه ماصدقتوا…”
ابتسم العجوز ببلادة قائلا….
“شديدة اوي الانسة…..بس حلوة…”
قالت كيان بتبرم….
“ياعم إبرة انت اتلم وخش جوا بقا…”
قال العجوز بحمائية…. “اسمي سرنجة يا انسه….”
لوت كيان شفتيها قائلة باستحقار….
“ياسيدي يعني غلطنا في البخاري….قولنالك غلطنا في العنوان…. يلا ياجماعه قبل ما بوليس الادب يطب عليهم…. ”
ابتعد ثلاثتهم عن باب الشقة…فخرجت المرأه
خلفهم تتعلق في ذراع حمزة قائلة بميوعة….
“بقولك يا سُكر ماتجيب رقمك….”
اتجهت كلتاهما اليها بنفاذ صبر ودفعوها بعيدًا
عن اخيهم لداخل الشقة وهتفت شهد منزعجة…
“رقم مين ياماما ادخلي لحسان تستهوي…ادخلي.
يخربيتك….”
قالت كيان عندما استقلوا المصعد معًا..
“الله يخربيتك ياحمزه….. كنت هتودينا في
داهية…”
قال حمزة وهو يتكأ على ازرار
المصعد….
“كويس ان احنا خبطنا عليهم الأول….”
لوت كيان شفتيها بنزق…
“اه كويس….. عشان تعلق فتون….”
هتف حمزة من بين اسنانه بحدة….والدماء
تغلي في عروقة….
“فتون مين اللي اعلقها….انا بتكلم على الاستاذه اللي
عايشة في عمارة مشبوهة… والله ما هسيبها تنام
فيها ليله واحده لو حكمت…هرجعها معايا بالعافية”
زفرة شهد متدخلة… “اهدى بس واحنا هنكلمها…..”
…………………………………………………………….
اخذت رشفة من كوب الشاي وعيناها متعلقه على شاشة التلفاز تتابع الفيلم بعيناها لكن عقلها في مكانا اخر….مزال يدور في فلك معذبها ، تتأرجح بين القبول والرفض…..
طرق على الباب نشلها من دوامة الأفكار….فنهضت
من مكانها بتكاسل تسأل من خلف الباب….
“مين….”
اتى صوته من خلف الباب
بهدوء….
“افتحي ياقمر….انا حمزة….”
تسارعت نبضات قلبها بقوة…فاتجهت سريعًا الى اقرب مرآة تنظر اليها…وعبر المرآة تأملت وجهها الشاحب والوهن المتمكن منها والحزن الذي
اطال بنيتاها وأطفأ لمعة العنفوان بهم…..
ماذا بها وكانه اخبرها انه سيتزوج غيرها ؟!..
لم كل هذا الاسى المرسوم بخطوط عريضة على
ملامحها الجميلة…انه حمزة….من تحب ومن تريد
ربما الحزن لانه زواج تقليدي بنسبة له…كانت تود
ان يهيم بها عشقًا ، ان يكون مولع بقربها….
لكن هذا البرود يرعبها ، يقتل الامل ويزرع الشكوك
حول تلك الزيجة….تخشى فيما بعد ان يكسر قلبها وان حدث سيكون بموتها !….
اتجهت الى الباب بمنامة بسيطة محتشمة وشعرها
المموج معقود للخلف في كعكة فوضوية.. رغم الفوضى تزيدها جاذبية…..
فتحت الباب ودون النظر اليه قالت
بفتور….”ادخل ياحمزة….”
هتفت كيان بتبرم….
“حمزة بس اللي يدخل واحنا بقا ياست قمر نستنا
على السلم ولا إيه….”
رفعت قمر عينيها بصدمة على اطار الباب لتجد ثلاثتهم ينظروا اليها بإبتسامة شقية اكثرهم
شقاوة هذا المعذب الذي قال بمناغشة…
“مصممين يجوا معايا عشان يشوفوا العروسة…
قولتلهم ومالوا تعالوا….قولولي رايكم برضو…”
خطت شهد خطواتها للداخل وهي تنظر
الى قمر قائلة بوداعه…
“مش محتاج شهادتنا الجواب باين من عنوانه…
ياترى العروسة لسه زعلانه مننا..”
خطت كيان خطواتها للداخل ايضا وهي تقول بتجهم…
“تزعل مننا واحنا جينالها لحد بيتها….دي تبقا قليلة الذوق أوي….”
لكزها حمزة وهو يغلق الباب
خلفه…
“احنا قولنا اي ياكيمو…..”
غمغمت كيان بحسرة….
“ايوا صح…..مش هينفع اكون عمتو الحرباية…”
ثم ربتت على كتف قمر قائلة باعتذار….
“متزعليش مني ياقمر…انا غلط في حقك شوية..”
صححت شهد لها….. “شوية يامه….”
اكفهر وجه كيان مستنكرة….
“لا هما شوية صغيرين..هي اللي عيوطه وقماصة..”
صاح حمزة….. “كيان….”
اغضمت عيناها وهي تقول بنبرة باكية…
“يارب مش عارفه اكون طيبة دقيقتين على
بعض…”
قالت قمر بابتسامة فاتره….
“واضح انك جايه غصب عنك….”
صاحت كيان معترضة بجدية…
“والله العظيم أبدًا..دا انا اللي قايله لحمزة اني
عايزة اشوفك واعتذرلك….”
إبتسمت قمر بنفسا نقية….
“انا مش زعلانه منك ياكيان…حصل خير…”
تهللت اسارير كيان فقالت بحرارة وهي تجذبها لاحضانها…..
“بجد طب تعالي بقا في حضني ياخطيبة اخويا..”
عندما فصل العناق بينهن…نظرت قمر نحو شهد
وترقرق الدمع في عيناها بتاثر وهي تقترب منها
بحنين…”وحشتني اوي ياشهد….”
عانقتها شهد بفطرة حنانها وحبها النقي للجميع
والذي تلقيه في قلوب كل من يعرفها عن قرب…
وقالت وهي تبتسم في احضانها….
“وانتي كمان والله ياقمر…مع اني واخده على خاطري منك انك مش بترضي تردي على مكالماتي….”
فصلت قمر العناق بينهن وهي تجفف دموعها…
“مكنتش عارفه أرد اقولك ايه…اللي حصل زعلني
جامد منك خصوصا انك سكتي وعنيكي اتهمتني
من غير كلام…..”
هزت شهد راسها توضح لها بوجها يشي بصدق
حديثها….
“والله ابدا انتي اللي فهمتي غلط ياقمر…انا من ساعة
ما المجوهرات اختفت وانا دماغي لفت…اقسم بالله
ما كنت شكه فيكي ولا واحد في المية….”
تدخل حمزة قائلا ملاطفة….
“حصل خير ياجماعه…ما محبة إلا بعد عدوه..”
ثم نظر لقمر قائلا بأمر…..
“قمر لمي هدومك ويلا عشان ترجعي معانا…”
عقدت قمر حاجباها وقالت
بتعنت….
“ارجع فين مستحيل طبعا….”
اثارة حفيظته فصاح بغضب….
“المستحيل اني اسيبك في المكان المشبوه ده..”
هتفت قمر ببلاده…..
“فين المشبوه ده….دي شقتي….”
قالت كيان بحذق…
“هو قصده على الشقة اللي تحت منك..صاحبها
إسمه إبره…. فتحها دعارة…..”
هزت قمر كتفها قائلة…
“انا معرفش حاجة دول سكان جداد…وبعدين انا مالي ومالهم….”
توحش الغضب داخله وهو يقول بغيرة….
“مالك ازاي مش جيرانك..افرضي حد احتك بيكي
منهم….هتصرفي معاه إزاي…..”
ازداد عنادها امامه…..
“انا مليش دعوة بحد ومش بتعامل مع الجيران..”
جز على اسنانه وهو يقول بغضب سائد…
“انتي بتفهمي إزاي بقولك فاتحنها زفت دعارة
تحت….والبوليس بكره يشم خبر ويجي يشمع
العمارة باللي فيها وسين وجيم مع الكل…. ”
قالت قمر ببرودة أعصاب…..
“وانا مالي برضو…انا معرفش حد ولو طلبوا شهادتي…مش هتفدهم….”
“لا دي هبلة….”رمقها بنظر مشتعلة….
“اهدى ياحمزة…..”استلمت شهد دفة الحوار
قائلة بهدوء….
“انتي معترضة على اي ياقمر… انتي لسه زعلانه
مننا….”
هزت قمر راسها بنفي مخففه من حدتها…
“مش حتة زعلانه…بس انا مش هسيب شقتي..”
صاح حمزة باهتياج…..
“وبنسبة لجوازنا إيه… ولا انتي مفكراني هاجي
قعد معاكي هنا….”
قالت بكبرياء… “انا لسه موفقتش….”
وقع الخبر على اذانه كالصاعقة مما جعله يجفل
وهو ينظر لها بصدمة….
بينما قالت كيان بحمائية….
“اسم الله وانتي بتفكري ترفضي اخويا…”
“وانتي مالك انتي انا حُره….”لوحت قمر بيدها بتشنج….
فقالت كيان بضيق… “شايفه ياشهد قلة الذوق. ”
ربتت شهد على كتف اختها…”معلش ياكيان…”
ثم نظرت الى قمر وقالت بمهاودة….
“قمر انتي لازم ترجعي معانا على الاقل لحد مالناس المشبوهة دي تمشي من هنا…”
اسبلت قمر اهدابها قائلة بحرج….
“مش هينفع ياشهد… انا ما صدقت لقيت شغل وهنزل من أول بكرة….”
صاح حمزة متشنجًا….
“شغل اي دا بقا ان شاء الله….”
قالت ببرود…. “مصنع ملابس….”
برقة عيناه بالشر فقال بتحذير….
“مفيش شغل ياقمر…. وارجعي عن الهبل اللي في دماغك ده….احسلك.. ”
هتفت كيان من بينهما بلؤم…..
“هو دا الكلام المظبوط…..الست ملهاش غير بيت
جوزها برضو….”
رمقتها قمر بعدائية…..
“انا مش متجوزه يابتاعه انتي….”
عيل صبر كيان فقالت بشراسة….
“انا بتاعه يابلاعة….انا سكتلك كتير ودا
فوق طاقتي……”
قالت قمر بغضب…. “اللي عندك اعمليه….”
اخرجت لها لسانها قائلة باستفزاز….
“عندي كتير…بس انا محترمة وهسكت عشان اخواتي الكبار واقفين….”
“اخرسوا انتوا الإتنين…..”اطلق حمزة صيحة غاضبة… جعلت كلتاهما تلتزم الصمت….
بينما قالت شهد بصبر أكبر….
“الله يهديكي ياقمر ليني دماغك احنا خايفين
عليكي…..”
نظرت لها قمر قليلا بتردد وقبل ان ترد
طرق على باب الشقة اوقفها….
فسالها حمزة بنظرة حانقة….
“الباب بيخبط…..انتي مستنية حد…”هزت راسها
بنفي فأشار لها بصرامة….
“خليكي مكانك انا هفتح….”
عندما فتح حمزة الباب أبصر الطارق وسريعا انكمشت ملامحه بحنق متاففًا فالذي توقع
حدوثه حدث بالفعل…..فكانت نفس المرأه التي
قابلها في الأسفل…لكنها ترتدي الان عباءة
بيتي ضيقه تظهر مفاتنها بوضوح…
رمقته المرأه بنظرات جريئة وهي
تساله بميوعة….
“أهلا بالسُكر…هو انت ساكن معانا في نفس العمارة….ولا إيه… ”
رد حمزة بقرف….
“حاجه زي كده….عايزة إيه….”
قالت بتغنج….. “شوية ملح….عندك ملح….”
مط شفتيه قائلا….. “مش عارف هسألها….”
قالت بضحكة مائعة…. “هي مين المدام….”
اوما براسه….. “تقريبًا…”
ضحكة المرأه بميوعة قائلة بنظرة صريحة…
“والمدام حلوه على كده….اصل الحلو مايخدش
غير الحلو…. ”
نظر لها نظرة ذات مغزى ثم قال دون
تبسم….”اه حلوة…. حلوة أوي….”
اطلقت المرأة ضحكة رقيعة…
“اه منكم هو مفيش واحد فيكم سالك ابدًا..”
اجابها بالمثل…. “مش لما تسلكي انتي الأول….”
لفت خصلة من شعرها حول اصبعها
قائلة…”على رأيك….مقولتليش اسمك إيه.. ”
“انت واقف بتكلم مين….” اتى صوت قمر من خلفه
التي عندما ابصرت المرأه رمقتها بعينين غاضبتين نافرتين….
“نعم…. مين انتي وعايزة ايه….”
قالت المرأه بنعومة الثعابين….
“انا جارتك الجديدة ساكنه في الدور اللي تحت..”
“وعاوزه إيه بقا ياجارتي ياجديده….”تخصرة قمر
بعصبية ووقفت امام حمزة بمواجهة غريمتها…
رفع حمزة حاجباه للأعلى يتابع العرض الجبار
باستمتاع…..
قالت المرأه بدلع…. “شوية ملح… عندك؟….”
هزت قمر راسها بعصبية….
“لا معنديش……اتكلي على الله….”
نظرت المرأه لها ثم لحمزة وقالت بميوعة…
“طب براحه متزقيش كده….مالازم ميبقاش عندك ملح ما السكر كله هنا…هنحتاج الملح في إيه….ولا
اي ياسُكر….”
لوح لها حمزة قائلا ببراءة….
“بطلي معاكسة بقا المدام واقفة….”
جزت قمر على اسنانها قائلة
له بشراسة…..
“والله شفافه انا مش سمعاك كده….”
“طب والله دمه خفيف.. “ثم مالت المرأه على قمر هامسة لها في اذنها قبل ان ترحل…
” نصيحة مني خدي بالك منه اصله شقي اوي..”
اطلقت ضحكة ذات مغزى وهي تبتعد عنهما….
اغلقت قمر الباب بقوة….
سالها حمزة بفضول…”بتقولك إيه في ودنك….”
فاجابته بشرارة الغيرة…
“بتقول انك شقي اوي….عملتلها اي بقا ياشقي..”
اخبرها حمزة بهدوء….
“ماهي دي الشقة اللي خبطنا عليها بالغلط
وطلعت لمؤخذة ….”
سالته بوجوم…. “وليه بقا بتقول عليك شقي….”
اجابها بزهوٍ…. “عشان انا شقي….”
قالت من بين اسنانها….. “مش بهزر ياحمزة….”
هتف هو أيضًا بجدية صارمة…
“ولا انا بهزر…انا مش هسيبك هنا لحظة واحده…
هترجعي معايا يعني هترجعي معايا….”
عقدت ساعديها امام صدرها
بعناد…”وانا قولتلك لا….”
صاح في وجهها بهمجية…
“هتيجي معايا غصب…وفكري قبل ما اعملها…”
حلت وثاق ساعديها بتافف….
“انا مش فاهمه انت بتعمل كدا ليه….”
اخبرها بغيرة وهو يميل عليها برأسه وانفاسه
الساخنة تضرب صفحة وجهها بلا هوادة…
“خايف عليكي افهمي…مش هبقا مطمن وانتي
بعيد عني كده….”
تسمرت مكانها وهي تنظر اليه بدهشة واختلج
قلبها بين اضلعها بشدة….
انه يخاف عليها و ربما يغار هل هذا مؤشر جيد
في علاقتهما القادمة…..
لم يفهم نظرة عيناها له فظن انه الرفض….
لذا احتدم الامر داخله وهو يأمرها للمرة
الأخيرة….
“بلاش البصة دي… هترجعي معايا يعني
هترجعي قولتي إيه… ”
رمشت بعيناها عدة مرات وهي تنظر اليه ببلاهة
ولم يكن لسانها حليفها الان….
فأنقذتها شهد قائلة وهي تقترب منها….
“موافقة ياحمزة… متحرجهاش اكتر من كده…”
“تعالي ياقمر نحضر شنطة الهدوم سوا….”سحبتها شهد من امامه برفق ودخلا معا أحد غرف النوم
أمام عيناه الهائجة….
همست كيان لاخيها بغمزة شقية…..
“يا ميزو….البت دايبه فيك أوي…طول عمرك
قاهر قلوب العذارى…. ”
التوت زاوية شفتيه في إبتسامة بائسة شديدة البرودة خالية من الحياة ، فمن تلك التي تحب
رجلا ميت ؟!….
…………………………………………………………….
“ايوا ياماما…. الحمدلله بخير… انتي اي الاخبار..”
خرجت الى الشرفة ترتدي اسدال الصلاة وعلى اذنها الهاتف تتحدث مع والدتها باهتمام…
وضعت طبق المكسرات على سور الشرفة وبدأت
تاكل منه وهي تطلع على المارة بالاسفل وصوت
سكون الشارع والليل الدامس عدا عدة محلات
لا زالت مفتوحة من ضمنها ورشة (سلطان..)
مطت شفتيها قائلة بنبرة متحسرة…
“يخسارة… بجد كان نفسي فيه… لما اجيلك المرة الجاية تعملهولي…”
ثم استرسلت وهي تنظر للأسفل حيثُ
ورشة سلطان….
“وبابا عامل إيه…. اكيد البيت ملوش حس من غيري……عشان تعرفه اني بهجة البيت..”
انعقد حاجبيها وهي ترى سيارة فارهة تدخل الشارع
وتصف جانبًا ثم تخرج منها امراة جميلة ممتلأت القوام ترتدي عباءة مطرزة ووشاح حريري تضعه
فوق راسها بعشوائية وذراعيها المكتنزة تغطى
بالاساور الذهب…. انها تلمع بالذهب كمن يروج
لماركة حلي معينة……
ازداد اتساع عيناها وهي ترى سلطان يخرج من الورشة مرحبًا بها بحفاوة…. ومشيرا على المقعد
كي تستريح ثم طلب لها عصيرا من المقهى المجاروة وكل هذا امام عيناها المستعرتين بالغضب…..
“هكلمك تاني ياماما سلام….”
اغلقت مع والدتها وهي تميل برأسها اكثر حتى توضح الرؤية أمامها…
انه يضحك معها ويحاورها باسلوب لبق !
هذا الهمجي المتوحش لبق مع نساء العالم وياتي
عندها ويتحول الى جلف لعين….
اتكات باسنانها على المكسرات بوحشية وهي ترى الالفه والتملق متبادل بينهما….
اشتعل صدرها كمرجل ناري وتغضنت زواية عيناها
بغضب سائد…..
انه يشير على المنزل وهو يتحدث معها وكانه يدعوها لتناول الطعام مثلا…
كريم انت يازوجي العزيز ، لِمَ لا نجعلك وجبة العشاء ونوفر أكثر ؟!…
ضيقت عيناها بشرٍ وهي تراه يقهقه عاليًا… فقلدت
صوته بوجها مشمئزًا من العالم أجمع…..
ثم اتكات على اسنانها بغل وهي ترفع الهاتف
وتجري اتصالا به….
من خلف الستائر وجدته يخرج الهاتف من جيب بنطاله وعندما نظر اليه وعلم انها المتصلة اغلقه سريعًا في وجهها ووضعه على الطاولة جانبًا وهو يعود الى المرأه بضحكات والكلمات المتبادلة….
قالت من بين اسنانها بانفعالًا….
“وحيات امك…. بتقلبني انا…..عشان دي…دي
يابو ذوق معفن… ”
لوت شفتيها وهي تغمغم بقهرة…
“وانا مليش في الكلام الحلو… مش بعرف اتعامل
مع الستات قد كده… وطبعي كده….وانا كده…”
حركت شفتيها بوحشة وكانها تسبه…
“اه ياكداب… قاعد بقالك نص ساعة قدامها
عمال تسبلها بعنيك اللي هخزقهملك قريب…
وضحك ومرقعه وقلة آدب…”
عضت على اصبعها وهي تقول بغضب…
“اعمل إيه…انزل اجبها من شعره…وافضحه في الشارع… ولا ابقى ست عاقلة واستناه لحد مايرجع واساله مين دي… ”
هزت راسها بنفي ولم ترجح الفكرة
الأخيرة معقبة بنزق…
“وانا هجيب العقل منين…..”
فتحت الستارة فجاة وظهرت من خلالها بوضوح
ثم نادت عليه بعلو صوتها…
“سلطاااااااااان…..”
رفع سلطان راسه للأعلى وقد جفل للحظة من صدمة
ظهورها وعلو صوتها بهذا القدر…..
نظرت المرأه كذلك لداليدا بتعجب…..فقالت داليدا
له بابتسامة صفرة واسعة…..
“رد على تلفونك ياحبيبي….عايزاك في حاجة
مهمة….رد ضروري… ها ضروري… ”
اوما سلطان براسه بملامح متصلبة وأشار لها
براسه بصرامة ان تدخل وتغلق الشرفة…ففعلت
على مضض وهي تعيد الاتصال به وهي تقف
في صالة الشقة…..
عندما فتح الخط صاحت
باهتياج…
“انت مبتردش عليا ليه….”
اجابها بغضب مكتوم….
(مش شايفه اني قاعد مع ناس وبعدين انتي صوتك
عالي كدا ليه…..انتي اتهبلتي….)
اربد وجهها غضبا وغيرة….
“ايوا اتهبلت لما تكنسل عليا عشانها يبقا اتهبلت..”
رد سلطان بنفاذ صبر…
(شُغلي ياداليدا…اكل عيشي….اي مشكلتك….)
توحش الغضب بداخلها….
“ومن امتى بيجيلك ناس بعربيات لحد عندك افهم…”
تافف بتململ قائلا ببرود….
(رزق وجه هنقوله للرزق لا… ناس ولاد حلال دلوها
عليا…وجتلي عشان اعملها موبيليا لبيتها الجديد…)
(اي اللي مضايقك….)
جاش صدرها بالغيظ….
“اللي مضايقني اسلوبك معاها ضحك وهزار…
ونظرات…اي حكايتك بظبط….”
رد يقارعها بلا مبالاة….
(حكاية إيه يامجنونه…زبونة ولازم تاخد واجبها..)
مطت شفتيها وهي تقول بنعومة
ساخرة….
“وواجبها ده مش هينفع غير بضحك والهزار…
لكن بالادب…هتاخد على خاطرها منك…ياحرام..”
جاشت مراجلهُ فصاح عليها…
(داليدا انا مش فاضي للهبل والدلع بتاعك ده..اقفلي
عشان اروح اشوف شغلي…)
هتفت بغليان…
“شغلك ولا المسخرة وقلة الأدب….”
جز سلطان على اسنانه وهو يتوعد لها
بوحشية….
(انا اللي هاجي اوريكي المسخرة وقلة الأدب لو مالمتيش نفسك واتعدلتي معايا…..)
تخصرة وهي تقف مكانها بجسد ينتفض
بتشنج….
“اه اظهر وبان بقا على حقيقتك…مانا اللي عملت في نفسي كده….تتعامل برا بالادب وبالاحترام..ومعايا تقلب قتال قتله……طب والله العظيم ياسلطان لو
ما مشيت الوليه الحربوءة دي لهـ……”
بتر سلطان جملتها بشراسة….
(والله لو ما قفلتي دلوقتي لطلعلك واطلع عليكي
القرف والزهق اللي جوايا….)
مطت كلماتها باستهزاء…..
“ياحبيبييي دلوقتي بقيت زهقان وقرفان…مانت كنت من شوية الضحكة من الودن دي للودن ديه…”
عندما لم تجد منه ردًا صاحت
بغليان….
“يابصباص يابتاع الستات الكبار….”
رد ببرود دون ذرة مرح…..
(الدهن في العتاقي بقا….مانتي عارفه….)
كانت فريسة للغضب والغيرة وهي تخبره
بانفعال….
“وانت من يومك طفس….خليهم ينفعوك….اقولك
خلص مع الحربوءة دي وروح لخالتي ام دنيا زمانها
جبتلك الخوخ اللي بتحبه….يبتاع الخوخ يبتاع العتاقي….”
عض سلطان على شفتيه وهو يتوعد
لها بضراوة….
(عيله…..اقسم بالله متجوز عيله….لما اطلعلك يامجنونه..)
اغلق الهاتف في وجهها…فالقت الهاتف على
الاريكة مغمغمة بتبرم…..
“جتك القرف…..انت وهما….”
زفرة وهي تدور حول نفسها بجنون لدقائق حتى ان صدرها كان يرتفع وينخفض من شدة الانفعال….
“متغاظه ليه انا مافي داهية…..”
كانت ستذهب الى الشرفة مجددا لكنها توقفت عند اخر لحظة متبرمة…..ثم اتجهت الى ابسط الحلول لتزيل الغضب والتوتر من على جسدها……
سحبت المنشفة واغراضها الخاصة للاستحمام…ثم
ملأت حوض الاستحمام بالماء والغسول المعطر والقت فيه القليل من الورد الأحمر…
ثم نزعت ملابسها وجلست في المغطس وهي تحاول
ان تصفي ذهنها وتطرد هواجسها جانبًا..
ان الغضب يتمكن منها والغيرة تشعل جسدها وقلبها
يتلوى من الوجع….
تغار عليه !…هذه هي الحقيقه الملموسة داخلها
انها تغار عليه بشدة….
انه ملكا لها وحدها ولا يجب ان تراه أمرأه اخرى
وتسايره وتضحك معه…كيف وهو ملكا لها وحدها
عليه ان يفهم انها تغار وبشدة ويراعي مشاعرها
انها تغار يعالم ، والغيرة كأتون متقد بقلبها هبوطًا
لاحشاؤها…
اغمضت عيناها وهي تحاول ان تسترخي في هذا الماء الدافئ فتلك هي حيلتها عندما لا تجد لغضبها منفذ تستكين في المغطس بين الماء الدافئ
ورغاوى الصابون المعطر تجد ملاذها…..
بعد مدة من الوقت سمعت صوت إغلاق باب الشقة
ويبدو انه عاد……
خرجت من الحمام تلف جسدها بالمنشفة وتجفف
شعرها بمنشفة صغيرة وخرجت اليه بتلك الهيئة…
“داليدا….داليدا…..”
صاحت بتبرم وهي تخرج من الحمام الى الصالة
حيثُ يقف سلطان ينتظرها بهيئة مرعبة تنذر
بالخطر…..
“بتزعق كدا ليه متبرخرتش انا يعني..اديني
مرزوعه أهوه……”
سارت عيناه الغاضبة على هيئة جسدها الغض
المغوي بمفاتنه البارزة الشهيه يلتف في منشفة بيضاء تكشف عن نصف ساقيها ومن الأعلى
ذراعيها وكتفها… شعرها مندي يلتصق في
بشرتها بافتتان ووجهها صافي يلمع وشفتيها
شديدة الاحمرار…..
ابتلع ريقه بتأثر وهو يسالها
بضيق….
“بقالي ساعة بنادي كنتي فين….”
قالت ببرود وهي تتابع تجفيف شعرها…
“زي مانت شايف بستحمه….خلصت قعدتك ولا
لسه….”
عيناه الوقحة كانت تسير عليها بنهم
تلتهماها بنظرات….. “قولتلك انه شغل….”
ارتجف جسدها بتأثر حميمي بعد نظراته
المشتعلة نحوها..
“والله…أصلي افتكرته حاجة تانيه….”
تحدث بعصبية وهو يقترب منها…
“انا لسه ماحسبتكيش على الهبل اللي قولتي في التلفون….”
لم تهابه بل رفعت وجهها بتحدٍ….
“بلاش تبدأ علشان انت اللي غلطان من الأول..ولا ناسي كلمتك…الدهن في العتاقي…خليهم ينفعوك”
ضيق عيناه بخبثٍ…
“وانتي اي اللي مزعلك….تكونيش بتغيري.. ”
لم يعلو صوتها عن الطبيعي وهي تأكد..
“اه بغير…..مش انت جوزي وانا مراتك يبقا
لازم أغير…..وسع… ”
تجاوزته وهي تدلف لغرفة النوم….ووقفت امام
المرآة تنظر لصورتها المعاكسة بها والغضب
جلي على محياها..
وجدته يدلف الى الغرفة فقالت بصوتٍ
أجوف…..
“جاي ورايا ليه….انا عايزة البس هدومي….”
أجاب بصوتٍ لا معالم له…..
“وانا عايز اغير هدومي….”
بلعت ريقها وهي تراه ينزع القميص عنه ويقف
عاري الصدر….مستعرضا سمار جسده الامع
وصدره المشدود الصلب بالعضلات القوية….
اسبلت اهدابها وهي تحاول اشغال عقلها باي
شيء لحين خروجه….ففتحت علبة المرطب
المعطرة وبدأت تدهن كتفها ويدها به…
رفعت عيناها للمرآة بعدها لتجد نفسها عرضة
للمراقبة منه…خفق قلبها بشدة وهربت من
مجال عيناه….
سالها سلطان وهو يقترب منها بتلك الهيئة
المهلكة…..
“اي اللي بتحطيه على جسمك ده…”
“لوشن……بيرطب البشرة… “قالتها وهي تبتلع ريقها
بعد ان شعرت بسخونة صدره خلفها….
مسك العلبة من يدها قائلا… “تحبي اساعدك…..”
رفضت بوهن….. “لا شكرًا انا بـ…..”
اوقفها عن المتابعة وهو يضع القليل من الكريم
على يده ثم مرره على بشرة كتفها….
“خليني اجرب….. مش هتخسري حاجة…”
عندما لمس بشرتها اغمضت عيناها بضعف وجسدها
باكمله اقشعر بنشوة تحت يداه……
احتوى سلطان خصرها بذراع واحده حتى ترتاح على صدره ففعلت بنبضات متسارعة ومشاعرها تسبح مع نشوتها…..
بدأت شفتيه تلامس عنقها بقبلات كلمسات
الورد….ويده الحرة تمر على ذراعها وكتفها
ورائحة هذا المرطب العطر يزكم انفهم……
قالت داليدا وهي تئن بضعف…
“سلطان….كفاية… ”
وكانها تطالب بالمزيد فازدادت قبلاته حرارة على
عنقها وكتفها حتى ادارها إليه وسمعت صوته المحموم يخبرها….
“انا بحبك ياداليدا….. بحبك أوي….”
فتحت عيناها بضعف تنظر اليه بدهشة لتجده
يغلق فمها بقبلةٍ قوية مشتعلة بالكثير من المشاعر الذي يجهل التعبير عنها…
كان هجوم عاطفي جعلها تضعف امام طوفان
مشاعره فتستجيب لها رويدا رويدا محاولة
ان تبادلة القبلات بخبرة معدومة….
كانت تسير شفتيه الشهوانية على ملامحها يقبلها بحرارة وعمق هبوطًا الى عنقها يداعب بشرتها باسنانه…. ويداه كانتا تعملا على احتواء جسدها
كان يضمها بقوة تكاد تهشم عظامها بين ذراعيه الصلبتين…
وكلما حاولت الاعتراض بالهمسات كان يلتقط اعتراضها من بين شفتيها….
وقعت المنشفة أرضا ولم تشعر بجسدها إلا وهو يرتفع عن الأرض على ذراعيه القويتين…
وشفتاه تعمل على تدليل شفتيها بالقبلات العميقة الحارة..
وضعها على الفراش وهو يعلوها…فهمست داليدا
وهي ترتجف بخوف…”سلطان….انا….”
مالى على عنقها يقبلها وهو يشم عطرها
الأخذ…..هامسا جوار اذنها بحرارة…
“متخفيش يادودا…..انا مش هأذيكي….في حد
بيأذي حبيبُ….”
اغمضت عيناها بنشوة مستسلمة له وجسدها
باكمله تخدر اسفل يداه الجريئة….
تمتم بصوتٍ محموم ثائر بالعواطف…
“كنتي فين من زمان ياداليدا….كنت فين وسيباني
كده…. ”
ابتسمت بخجلا….فسند جبهته فوق جبهتها يدللها بالحب والقبلات هامسًا بتهدج..
“بـحـبـكـ…”
ذاب جسدها من فرط الحميمية بينهما…واتمزجت
اجسادهما معًا منصهرة في عناقا موحد ،وعندما
وصل معها لنقطة الفاصلة اطلقت هي بدورها
صرخة عالية كتمها هو بفمه…..ومن هنا اخذت علاقتهما منحنى آخر يختلف عما خططا اليه
يومًا…..
………………………………………………………….
عندما سمعت صوت باب الشقة يغلق وتاكدت من مغادرة والدها…..
خرجت من الغرفة في الظلام تنير كشاف هاتفها
كي ترى بوضوح فكان الجميع في هذا الوقت
نائم وكانت تريد ان تنفرد بنفسها في تلك الغرفة
المغلقة ربما وجدت طقم المجوهرات الضائع….
اخرجت المفتاح الصغير من جيب المنامة وبدأت
بفتح الباب وهو تلتفت حولها كالصوص…
ثم دخلت سريعا الى الغرفة واضاءة نور
الابجورة الخافت فأتضحت معالم الغرفة
قليلا…..
وقفت في منتصف الغرفة تتأملها بعينين شديدة
البرود….
لم تتغير كثيرًا مزالت تحتوي على ابشع الذكريات بداخلها.. كانت هنا تحبس وتضرب وتهان…في
نفس الغرفة فقدت اذنها… فقدت روحها وحياتها… وخسفت بكرامتها أرضًا منذ الصغر……
منذ الصغر وهي تعرف معنى المذلة وكيف
تكون وحشية الرجال عند الغضب..
سحبت انفاسها المسلوبه بصعوبة وكانها تختنق بداخل تابوت محكم…..والغرفة فعليًا كانت تابوت
لها منذ سنوات طويلة عاشتها قسرًا وقهرًا
ومزالت مستمرة حتى الان !…..
حاولت ان تكسب وقتًا فبدأت تبحث عن المجوهرات لعلها تجدها في مكانا ما هنا…
وبعد بحثًا دام لبضعة دقائق وجدتها في أحد الادراج
المحكمة والتي تغلق بمفتاح لزيادة الحرص….
لكنها تمكنت من فتحها بالحيلة فقد نزعت الجارور العلوي وتمكنت من رؤية المحتويات الموجودة
في هذا الجارور المغلق…لتجد شيء يلمع كالماس
في الظلام….
التقطت اياه سريعا وعندما ابصرت انه عقد من
ضمن طقم الالماس المفقود ابتسمت بارتياح على
أمل ان تجد المتبقي من الطقم في اي مكانا هنا…
وضعت العقد على سطح المكتب…ثم ارجعت
وعندما استقامت واقفه وقع العقد أرضا فمالت
عليه تتناوله بيدها لتجد حذاء أسود يدعس
يدها أسفل العقد بقسوة….
كتمت تاوهة وهي ترفع عيناها المتألمة على
صاحب الظل الاسود لتجد عينين تشعان
قتامه مخيفه مغلفة بالوحشية….
ولم تكون سوى عيون والدها الذي يدهس يدها
أسفل حذاؤه الان بمنتهى الجبروت سائلا
بصوت يفوح منه الشر والخطر…..
“بتعملي اي عندك….”..
رواية الحب اولا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دهب عطية
كان وصف الرعب والترهيب وصفًا بديهيًا لمن يحكي حكاية لفيلم مخيف حضرة قبل النوم، أو لقصة استوقفته في أحد المنتديات المعروفة عن القصص الأكثر واقعية في العالم.
لكن هل جرب أحد أن يصف شعوره عند حضور الموت عند النظر في عيني عزرائيل في وحشة الظلام الحالك؟
هل جربت الركوع رهبة وعجز أمام الشيطان؟
هي جربت.
جسدها كله الآن يضخ عرقًا، أو موتًا.
ترتجف، ترتجف وكأنها تحتضر.
تشعر بغصة حادة كالعلقم، مريرة ولاذعة كالصدى، تقف في منتصف حلقها يصعب عليها أن تزدرد ريقها في حضور راهبها.
بينما أنفاسها تتلاشى بوجل، وكأنها سجينة في صندوق مظلم بلا منفذ.
جالسة على عقبيها أسفله، يدها تعصر تحت حذائه القوي، تكتم تأوهها وهي تنظر إليه بخوف.
والدموع تتجمع في مقلتاها بغزارة وتهبط واحدة تلو الأخرى بضعف.
ضعفًا بأن يرحمها ويشفق عليها، ولأن يدها تكاد تكسر تحت حذائه.
وهو يتابع عصرها وكأنها عقب سيجارة فرغ منه للتو.
بصوتٍ خفيض سألها وعيناه تنهال منها قسوة وبغض:
"بتعملي إيه هنا؟ انطقي."
نزلت دموعها وهي تقول بصوتٍ متقطع:
"أيدي... سيب إيدي هتكسر."
لم يراف بها، بل اتكأ أكثر، فصرخت مجيبة بصعوبة:
"بدور على طقم الألماظ... ولقيت العقد في الدرج وخدته..."
قاطعها وهو يرفع حذاءه عن يدها ويسحبها من شعرها، يكاد يقتلع جذوره، رافعًا وجهها في مواجهة نظراته البغيضة:
"يعني إنتي اللي سرقة نسخة مفتاح الأوضة من سلسلة المفاتيح؟"
قالت بنبرة تضاهيه بغضًا:
"وإنت اللي سرقة طقم الألماظ."
نفضها عنه بقرف قائلًا بتكبد:
"دي أقل حاجة أخدها بعد المصاريف اللي صرفتها عليكي إنتي وأخواتك."
عقبت مستنكرة:
"مصاريف؟!"
لمعت عينا عثمان بالقسوة، فأضافت هي بنبرةٍ مزدرية:
"أنا فاكرة إن حمزة بدأ يشتغل وهو عنده اتناشر سنة، وده لأنه مكنش عارف يسعف ماما إزاي ويجبلها بقية العلاج اللي إنت استخسرت تمنه فيها وبقيت تجيب نصه تقريبًا بالعند."
التوت زاوية شفتي عثمان بابتسامة باردة، فقالت هي بهدوء الصقيع:
"مع إنك في الوقت ده كان معاك تسعفها وتوديها أحسن المستشفيات، لكنك أهملت فيها. كنت بتعجل بموتها بالبطيء."
في وسط عتمة الغرفة والضوء الخافت الذي يكاد ينير جزءًا من وجوههم، أخبرها بكرهٍ ينبع من عيناه القاسية:
"تعرفي إن فيكي شبه كبير منها."
سألته بفتور:
"عشان كده كرهتني؟"
بدون تردد أجاب بجفاء:
"أنا كرهتك من قبل ما أشوفك."
وكأنه ألقاها برصاصة سامة لم تقتلها، لكنها جعلتها تتجرع مرارة الموت.
تابع عثمان بعينان تشعان قتامة مخيفة:
"كنتي لعنة. وجودك بوظ كل حاجة. عجزني وخلاني أرجع أكمل في علاقة باعها من البداية."
أدبر بظهره بجسد يتشنج بعصبية، فقالت شهد بعينين حمراوين غير مستوعبتان بعد:
"مش مصدقة... حبك ليها يخليك تكره بنتك، يخليك تبيع مراتك وابنك، يخليك تدمرني سبعة وعشرين سنة وتسببلي عاهة مستديمة."
هتفت بغضب مكتوم:
"إزاي أصلًا بتحب وانت جواك الشر والغل ده كله؟"
نظر لها عثمان نظرة من المفترض أن ترعبه، لكن غضبها كان أكبر وعتابها إليه كان أقوى من أن تصمت أمامه:
"طب وأنا ذنبي إيه؟ ذنب أنا وأخواتي إيه؟"
أطرقت برأسها وهي تلعق شفتيها والدموع تنهمر من مقلتاها بغزارة:
"يمكن ماما غلطت إنها كملت في وضع زي ده وكان اختيارها، لكن إحنا أي هو ذنبنا في القصة دي؟ محدش بيختار أهله. وأنا وأخواتي مخترنالكش ولا اخترنا تضحيتك ليك، التضحية اللي بسببها بندفع تمنها لحد دلوقتي."
نظرت إليه بعيونٍ مُندية بالدموع، وبقلبٍ مقهور قالت:
"كنت مجبور تعيش معاها تمام، خونتها مع صاحبتها يبقى أكيد لقيت فيها اللي ملقتهوش في كريمة. كلها حاجات ممكن تحصل وتنتهي بالطلاق، حتى لو أجبروك تكمل معاها. مش ذنبي ولا ذنب أخواتي ولا ذنبها إنها حبيتك، عشان تعمل فينا كل ده."
قالت بنظرة نافرة من قصةٍ متعفنة النوايا:
"مش ذنبنا إن إلهام بصت لمستوى أعلى وسبتك، ولا ذنبنا إنك اكتشفت في الآخر إنك خسران. خسرتها وخسرت نفسك وخسرتنا معاها."
لم يجد عثمان ردًا أمام هجوم كلماتها، فانصاع لها مقتضبًا.
فتابعت شهد بابتسامةٍ متحسرة:
"أنا عارفة إن خسارتنا مش فارقة معاك، ومش مهم خالص نكرهك أو نحبك. أهم حاجة تدوس علينا وتكفرنا."
ثم أسرستلت بحيرة من تلك القسوة:
"بس ليه؟ يعني في الآخر هتوصل لإيه؟ إحنا مش أعدائك، المفروض إننا ولادك."
أشاح عثمان بوجهه.
فقالت شهد بتكبدٍ يشوبه مذلة الحياة:
"جربت مرة تسألنا إحنا محتاجين إيه؟ غير الفلوس اللي كنا بناخدها منك بالإكراه. حمزة ليه كان بيهرب من المدرسة؟ ليه كان بيبات برا البيت بالأيام والشهور؟ وليه كان بيرجع مدروخ بالليل ومش قادر يسند طوله؟ من كتر القرف اللي كان بيشربه."
أسدلت أهدابها متذكرة تلك الأيام البشعة بأحداثها، عندما كان أخيها في سن المراهقة وخضع لتلك الممنوعات مع صحبة السوء، مجربًا أنواعًا كثيرة من السموم.
لا تعرف كيف اقتلع حمزة عنها وابتعد عن أصدقاؤه وعدل عن هذا الطريق.
تتذكر فقط اليوم الذي أتى به ليلاً بملابس مبللة من آثار الأمطار، دلف حينها إلى الحمام بدل ملابسه، توضأ وصلى وسجد لوقتٍ طويل يبكي.
وعندما سألته وقتها أخبرها أنه كان على وشك أن يرتكب ذنبًا كبير، لكنه تراجع ونجاه الله في الوقت المناسب.
أضافت شهد بوجع:
"وجه وقت على كيان مكانتش بتخرج فيه من أوضتها شهور. جربت تفسر نظرتها ليك؟"
زار الاكتئاب كيان أكثر من مرة في فترة المراهقة والجامعة على مراحل متباعدة، وفكرة الانتحار كانت تحوم حولها دومًا، لولا تراقب شهد لها لكانت استسلمت كيان لأحد نوبات الضعف وتركت شيطانها يقودها للجحيم.
تابعت شهد الحديث وكأنها تمضغ الحصى قبل أن تقذفه عليه:
"طب أنا فكرت مرة فيا. كرهك ليا وكلامك الوحش عني ومعايا هز قد إيه ثقتي في نفسي. بقيت كل يوم أقف قدام المراية أبص على نفسي وأقول: هوانا بابا ليه بيكرهني أوي كده؟ بابا ليه بيتمنالي الموت؟"
نزلت دموعها وهي تضيف بوهن:
"من قبل ما ودني اليمين تتصاب، وألبس السماعة، وأنا كنت حاسة إني مش زي أي بنت. حاسة نفسي وحشة ومنبوذة، بس بسبب نظراتك وكلامك ليا."
مسحت دموعها بظهر يدها قائلة:
"بيقولوا دايماً إن البنت حبيبة أبوها، وبيكون أقرب حد ليها أكتر من أمها. في مرة في المدرسة الأستاذة كانت بتوقف الطلاب وبتسألهم إيه هو الأب في حياتكم."
"والإجابات كانت مختلفة من طالب للتاني، في اللي قال سند، وأمان، وحماية. ولما جه الدور عليا لقيتني بقولها بكل عفوية ولصغر سني: كابوس."
اهتزت حدقتا عثمان.
فتابعت شهد تتجرع الألم ببطء:
"الأب في حياتي هو كابوس. لو زارني مرة ما أحبش أشوفه تاني. ولو الكابوس اتكرر في حياتي أكتر من مرة، ده معناه إن الموت بيزورني كل دقيقة وكل ثانية."
بللت شفتيها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة:
"يمكن كلامي وجعك، بس إنت مقدمتش ليا غير الوجع. عمرك في يوم حضنتني يابا؟ طبطبت عليا؟"
قالت بصوتٍ لا معالم له من كثرة الأوجاع:
"سألتني مالك؟ إيه اللي وجعك؟ إيه اللي تعبك؟ إحنا التلاتة كنا محتاجينلك أوي في كل مرحلة من عمرنا. كنا مستنينك تفوق من وهمك وترجع تلمنا حواليك بجد، مش مجرد إنك تعايشنا في شقة وتدينا قرشين."
فهزت رأسها بنزق قائلة بتهدج:
"لكن إنت معملتش كده، ففات أوان إننا نستناك، ومبقاش فارق معانا أصلًا. إنت بنيت سور بينا، وإحنا ساعدناك بعد كده إنك تعليه."
عندما توقفت عن الحديث بدأت تنهت وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ مضطربة، والوجع ينخر في جوف الفؤاد.
بينما قال عثمان بصوتٍ خالٍ من الرحمة:
"مرفعة حلوة عجبتني، بس مدخلتش ذمتي بنكلة."
اقترب منها وفرد كفه أمامها بسطوة، أمرًا بترهيب:
"هاتي العقد والمفتاح، وأنا هكون رحيم بيكي وهعديلك كل اللي سمعته ولي عملتيه."
رفضت وهي تضع قبضة يدها خلف ظهرها:
"أنا مش هديلك العقد، أنا هاخد العقد وبقية الطقم."
كبلها عثمان بيداه بقوة قائلًا بغضب:
"يبقى عايزة تموتي؟ وحشك الضرب وقلة القيمة، زيك زي اللي جابتك مكانتش بتمشي غير بكده."
كانت تحاول الفرار من بين يديه وهي تقول بعنفًا:
"دي حاجاتي وملكيش أي حق إنك تسرقها مني."
هتف عثمان ببغض:
"ولا وبقا ليكي حق يا بنت كريمة! لا وجاية تحاسبيني وتسرقيني كمان! هاتي العقد يا بنت ****."
سحب العقد من بين قبضتها بصعوبة، ثم ألقاها خارج الغرفة بعد عدة دفعات:
"الأوضة دي متتدخليهاش تاني، اخرجي برا، برا يا بنت الكلب."
أغلق الباب في وجهها.
فشعرت في تلك اللحظة وكأنها جثة مجمدة ملقاه في أحد الخزائن تنتظر تصريح الدفن.
فعلمت أنها لم تُنبذ مرة واحدة لسوء توقيتها لنزولها الدنيا بين والدين أوشكا على الطلاق، فربطت هي العلاقة بوجودها غير المرحب به، فكانت لعنة كما أخبرها الآن، لعنة تستحق النبذ طوال عمرها.
لم يحرك حديثها مشاعره، بل لم يرى وجعها المثخن بجراح الماضي، وكأنها كانت ضبابية بأوجاعها ودموعها كانت ضبابية أمام عيناه الكارهة.
***
حانت منه نظرة عليها فوجدها تنام بجواره، تلف جسدها العاري بالغطاء، غارقة في نومٍ عميق بعد ليلة أمس العاصفة بالحب والحميمية المتبادلة بينهما.
لانت شفتاه في ابتسامة صافية رائقة وهو ينظر لسقف الغرفة، مفكرًا في أحداث ليلة أمس بتفاصيلها.
كانت كقطعة هُلام ذائبة تحت حرارة أفعاله، تلين مع قبلة تذوب مع همسة، تئن باسمه بين الحين والآخر حتى لا يتركها لضعفها.
جسدها كان مغويًا، همسها كان متغنج، تأوهاتها كانت تطرب جسده المحموم في حضرتها.
اشتعل بأفعالها، جن بقربها، فكان ينسى أحيانًا أنها المرة الأولى لها.
كان همجيًا في قبلاته، شرسًا في لمساته، وقحًا في همساته.
ورغم ذلك كان يروقها، كان واضحًا أنها تحبه في كل حالاته وتتقبلها بترحاب.
ذاب في قطعة من الجنة بين ذراعيها.
كانت جميلة فاتنة، قدّها الأنثوي شديد النعومة غض، معطرة بالورد، إنها امرأة معجونة بالورد هكذا يراها.
لم يتوقع أن تنتهي الليلة وهي ترتاح في أحضانه عارية بعد جولة طويلة منهكة من ممارسة الحب بينهما لأول مرة.
أين كانت تلك الصغيرة أمام عينيه؟ منذ عامين فقط كان يظن أنه سيسلمها لزوجها بنفسه.
كان غبيًا حينها، فمن سيحظى بالمدللة سواه؟
هي امرأته وابنته وحبيبته.
هي النصف الذي كان يبحث عنه في بيوت الأغراب ونسي أن يفتش في بيت عمه عنه.
لكنه وجدها الآن وأصبحت في أحضانه، فعليه البدء من جديد، وقبلها يمزق تلك الصفحة التي تنغص حياتهما معًا.
سمع تأوهًا بجواره وتقلبها على جانبها، واضعة كفها على صدره العاري.
فخفق قلبه وازدرد ريقه والرغبة تلح من جديد.
لم تكتفِ، بل بدأت تتحسس صدره وهي تئن بتعب:
"سلطان بس..."
ابتسم سلطان وهو يمسك يدها بين قبضتيه بامتلاك:
"أنا جيت جمبك، إنتي اللي جايبة إيدك عندي."
فتحت داليدا عينيها الناعستين تنظر إليه بألقٍ حميمي لم ينطفئ منذ ليلة أمس.
عضت على شفتها وهي تنظر إلى صدره العاري ثم لجسدها أسفل الغطاء.
فشهقت وهي تختبئ تحت الغطاء، محاولة إلا تتذكر جنونهما ليلة أمس.
ففعل مثلها وهو يضحك، ثم ضمها إلى صدره هامسًا بجوار أذنها:
"صباحية مباركة يا عروستي."
قبل عنقها ثم وجنتيها الاثنين، ثم سحق شفتيها في قبلة طويلة وعميقة، جعلتها تغمض عينيها مستجيبة له بضعف وجسدها يعرف سلطانه، يسلم الرايا دون ذرة مقاومة.
أحاطت عنقه بيدها مداعبة شعره بأصابعها بدلال، وهو يلتهمها بأسنانِه وشفتيه.
ضحكة داليدا وهي تحاول أن تتخلص من هذا الإعصار الجارف الذي يسحبها إليه دون إرادة منها.
ضحكتها وتملصها منه لم يدوم إلا ثواني، ووجدته يشرف عليها بجسده الرجولي الضخم هامسًا بشقاوة:
"ما تيجي نلعب عريس وعروسة تاني، أنا حبيت اللعبة أوي."
عضت على شفتيها وفلتت ضحكة رنانة من بينهما.
ففقد صبره أمام أنوثتها الباذخة وافتتن أمام نظرة عيناها الضاحكة، فمال عليها يرتشف من حمرة شفتيها رشفة تلو الأخرى حتى ثمل منتشيًا في أحضانها.
***
كانت ترتدي قميصًا حريريًا طويلًا يزين بالريش الناعم من عند الكتف وشريطٍ يحيط خصرها النحيل.
تطلق شعرها المندي قليلًا خلف ظهرها بانسيابية.
كانت شهية هذا الصباح، متوردة بروحٍ متوهجة بالحب.
تقف هكذا تعد الفطور وعلى ثغرها ابتسامة رائعة تعبر عن روعة مشاعرها بعد ما حدث بينهما.
الأمر أشبه بحلم وردي جميل تتمنى ألا تستيقظ منه أبدًا.
حانت منها نظرة على باب المطبخ فوجدته يدلف إليها وهو يرتدي طاقمًا رياضيًا أنيقًا ويضع المنشفة حول عنقه بإهمال، وخصلات شعره تقطر ماءً.
اقتربت منه داليدا بعفوية، ووقفت على أطراف أصابعها، ثم سحبت المنشفة وجففت بها شعره وهي تقول بعفوية:
"كده هتبرد على فكرة."
سحبها من خصرها والصقها في جسده قائلًا بمزاح:
"طب نشفي كويس لحسن أنا مناعتي ضعيفة."
ضحكت وهي تنظر إلى جسده الضخم بشك.
وكأنه قرأ ما سطّر في عينيها، فقال ببراءة:
"المناعة ملهاش دعوة بحجم الجسم."
قالت بوجنتين متوردتين:
"بس إنت مناعتك كويسة."
بنظرةٍ عابثة أخبرها وهو يميل على وجهها:
"مين قالك؟ ده مناعتي ضعيفة أوي بالذات قصاد الحاجة الحلوة."
دفعته في صدره وهي تبتعد عنه بخجل:
"بطل بقا، وتعالى اعمل معايا الفطار."
"ومالوا؟ عروسة ولازم تدلع."
أتى رده سريعًا وهو يرفعها بخفة بين يديه واضعًا إياها على رخامة المطبخ.
شهقة داليدا بصدمة:
"بتعمل إيه ياسلطان؟"
"هعملك الفطار، خليكي هنا."
قالها وهو يطبع قبلة سطحية على شفتيها، ثم أخذ ثمرة خيار ووضعها في يدها قائلًا:
"وخدي دي اتسلي فيها لحد ما أخلص."
ضحكت وهي تقضم من الخيارة سائلة بشك:
"متأكد إنك هتعرف تعملنا فطار؟"
قال سلطان وهو يقوم بفتح الخبز ووضع الجبنة بداخله:
"مش هغلب يعني، رغفين سايحين في جبنة تركي وكوبايتين شاي. عايزة حاجة تانية؟"
هزت رأسها بابتسامة شهية:
"لا كده تمام أوي."
ركز فيما يفعله، فبدأت هي تمضغ الخيار وهي تتابعه بعينيها.
ثم بعد لحظات نادته بدلال:
"سلطن..."
كان رده همهمات خشنة.
فتابعت داليدا:
"إنت إجازة النهاردة مش كده؟"
نظر لها بعد أن وضع الخبز بالجبنة في الميكرويف:
"المفروض أنزل كمان ساعة."
مطت شفتيها قائلة:
"لا خد إجازة النهاردة، وخرجني بالله عليك."
اقترب سلطان منها ووقف أمامها قائلًا وهو يلف خصلة من شعرها المندي حول إصبعه:
"أنا افتكرت عاوزاني آخد إجازة عشان نقعد مع بعض أكتر."
"ما إحنا برضو لما نخرج هنبقى مع بعض. سلطن أنا زهقانة وعايزة أخرج."
قالتها وهي تئن بدلال.
سألها سلطان:
"وعايزة تخرجي فين بقا يادودا؟"
هتفت بابتسامة متوهجة وعينين براقتين:
"مركب في البحر، نقضي فيها اليوم، إيه رأيك؟"
"موافق، بس نفطر الأول."
قالها وهو يتجه إلى الميكرويف، ثم أخرج طبق الخبز بالجبن ووضعه أمامها.
"إيه حكاية الريش ده؟"
ضحكت داليدا وهي تعبث بريشات الناعمة على كتفها، قائلة بعفوية شهية:
"إيه رأيك؟ كنت هموت وألبسه في قمصان نوم كتير أوي عجبتني ومكنتش عارفة هلبسها إمتى."
لمعت عيناه بألق النشوة، فقال بوقاحة:
"اديكي هتلبسيهم، عايز أتفرج عليهم كلهم. ما تيجي نعمل بروفة، وأهو أقولك مين فيهم أحلى من التاني."
قالت داليدا بحرج:
"لما نرجع من الخروجة الأول."
"طب يلا بينا."
"خلصت."
"أسهل وأسرع فطار."
أشار على الطبق بجوارها.
فمسكت لقمة من الخبز وأكلتها فقالت هي تمضغها بصعوبة وعلى عجلة:
"مم... سخنة أوي بس طعمها حلو، تجرب؟"
نظر إلى جانب ثغرها الملطخ بنقطة جبنة صفراء ذائبة شهية للجائع.
لم يقاوم كثيرًا، فباغتها مائلًا عليها في لحظة، وامتصها بلسانه وشفتيه بشهوانية جعلت داليدا تجفل وتتوقف عن المضغ.
رفع سلطان عيناه إليها مدعي البراءة وهو يتلذذ في طعم الجبنة على لسانه:
"مم... الجبنة سايحة أوي."
عضت على شفتيها وهي تبتلع اللقمة بصعوبة وقلبها يخفق بجنون.
***
كان يبحر بهما المركب في زُرقة المياه، كان المنظر خلاب سلبها من الوهلة الأولى.
وضعت يدها في الماء وحركتها بسعادة وهي تنظر إلى سلطان الجالس بجوارها يتأملها تارة، وتارة أخرى يتأمل المكان من حوله، والابتسامة تزين محياه.
ابتسمت داليدا بسعادة وهي تتمتع بالنظر إلى الطبيعة كذلك، حيث امتداد البحر من حولهما وبعض المراكب مصفوفة في نقطة بعيدة.
الهواء المنعش الممزوج برائحة البحر المالح، زرقة السماء الصافية المنعكسة على البحر، جو مبهج جعلها تقف مبهورة أمام إبداع الخالق.
"مبسوطة يادودا؟"
سألها سلطان وهو ينظر لها، فكانت متأنقة بثوبٍ ربيعي جميل والحجاب ملتف حول وجهها بجمال زادها نضجًا وبهاءً.
اتسعت ابتسامة داليدا حتى شملت وجهها وهي تقول بعفوية:
"أوي أوي ياسلطان. مش أول مرة نركب مركب سوا، فاكر لما كنت بقعد أزن عليك في الأعياد عشان أركبها؟"
أومأ برأسه وهو يمُط شفتيه مستهجنًا:
"فاكر وفاكر إنك في مرة روحتِ من ورايا وركبتيها مع بنات أصحابك."
ضحكة بلؤم قائلة:
"قلبك أسود لسه فاكر. الكلام ده كان من تلات سنين."
لم تلن ملامحه عندما قال:
"ولو بعد عشر سنين هفضل فاكر. يومها رجعتي هدومك كلها ماية."
قالت داليدا بتذكر وهي تعقد حاجبيها بأسى:
"اختل التوازن بتاعنا على المركب، تلاتة من صحابي واقفة مرة واحدة عشان يغيروا مكانهم، هوب... لقينا نفسنا كلنا في الماية."
زم شفتيه معقبًا:
"من عملكم سلط عليكم."
أضافت عيناها بشقاوة قائلة:
"ده عشان روحت من وراك بس. واضح إنك كنت بتدعي عليا."
"طول عمرك عنيدة وتعباني."
خبط سلطان على ركبته بخفة وهو ينظر للمركب الذي يوليهم ظهره.
فقالت داليدا بجدية:
"لا بس الكلام ده كان من تلات سنين ياسلطن. أنا دلوقتي عقلت وبقيت أسمع الكلام."
عقب بنبرةٍ واهية:
"بكرة نشوف. المواقف هي اللي بتبين، وبالذات معاكي إنتي."
هتفت داليدا بثرثرة لذيذة:
"ما هو إنت برضو غريب. ليه مرة واحدة كده قولتلي مفيش ركوب مركب ومفيش روحة للبحر؟ كان لازم تفهمني عشان أعذرك وأسمع كلامك."
لكزها في كتفها قائلًا بتسلط:
"تسمعي الكلام غصب عنك، مش هبررلك أنا كل حاجة."
ضحكت داليدا مصرة:
"لا بجد، ليه مرة واحدة قولتلي مفيش روحة للبحر تاني؟"
لوى شفته مستهجنًا:
"عشان المشاكل اللي بعملها بسبب حضرتك. ولا ناسيه إن أي عركة كانت بتحصلي بسبب معاليكي."
قالت بابتسامة عذبة:
"مش ناسيه، بس إنت كنت بتضربهم من أول بصة."
هتف باستنكار:
"لا استنى لما يبحلق فيكي."
هزت رأسها بنفي موضحة:
"مش القصد بس ممكن تكون نظرة بريئة."
عقب بسخرية لاذعة:
"مفيش راجل بيبص لواحدة نظرة بريئة، إلا لو كانت الست الوالدة هتفرق."
ضحكت بعذوبة وهي تنظر للبحر الممتد أمامهم:
"مش مصدقة إن بعد دا كله اتجوزنا."
"ولا أنا."
رد بحيرة ناظرًا لأبعد نقطة تبصرها عيناه.
نظرت إليه بتساؤل:
"أوعى تكون ندمان."
نظر لعيناها التي تلمع كالحجر الأسود تحت شمس المغيب:
"أخاف إنتي اللي تكوني ندمانة بعد اللي حصل بينا امبارح."
تخضبت وجنتيها فقالت بإنكار:
"أكيد مش باين عليا الندم، بدليل إني طلبت نخرج النهاردة ونغير جو."
عقب بدهاء:
"لو مش ندمانة، تبقي مبسوطة."
"إنت ليه مصمم تحرجني ياسلطان؟"
ازداد احمرار وجنتيها، فشاحت بوجهها بعيدًا عن محور عيناه.
فمسك كفها قائلًا بجدية وعيناه تجوبان على ملامحها وعيناها بتأنٍ:
"عايز أعرف إنتي عايزاني زي ما أنا عايزك ولا لأ."
رمشت بعينيها جافلة:
"عندك شك في ده؟"
هز رأسه بصلابة:
"مفيش حاجة عملتيها تثبت ليا العكس."
غامت عيناها بالحزن وهي تنظر إليه بدهشة تشعر بأنها تعود معه لنقطة الصفر من جديد.
فقال سلطان بعد لحظة بصرامة:
"بلاش البصة دي ياداليدا، أنا عايز نحط نقطة ونبدأ من أول السطر. قولتي إيه؟"
"قولت ياما إنت غبي يا إما بتتغابى."
نداها بحزم:
"داليدا..."
فقالت بتبرمٍ خافت وهي ترمقه شزرًا:
"إزاي مش فاهم يعني كل ده؟ معقول هسلم لك من غير ما أكون واثقة ومُتأكدة إني هكمل معاك للآخر؟ أنا كمان عايزة أبدأ معاك من جديد وننسى اللي فات."
سألها بشك:
"متأكدة؟"
أومأت برأسها بعنفوان:
"مُتأكدة مية في المية إني عايزة أفضل معاك العمر كله. عايزة أفضل معاك لحد ما أشيب."
ابتسم سلطان فقالت هي بدلال:
"قولي صحيح لما أبقى عجوزة، هتفضل تحبني؟"
برم سلطان شفتيه مستنكرًا:
"مش عارف بصراحة، بس أكيد أنا هبقى قفة في شوال فرق خمسطاشر سنة برضو."
انكمشت ملامحها بضجر:
"إيه التشاؤم ده؟"
ضحك سلطان وهو يلف ذراعه حول عنقها بقوة ويضمها إليه هكذا:
"خلاص افردي وشك ده، هفضل أحبك حتى لو بقيتي مركبة طقم سنان. حلو كده؟"
سعلت داليدا وهي تحاول أن تتخلص من ذراعه:
"هتخنقني ياسلطان."
حل سلطان وثاقه عن عنقها قائلًا بجزع:
"إنتي بسكوتة كده ليه؟ انشفي كده، هتتخنقِ من حضن؟"
برمت داليدا شفتيها ممتعضة:
"إنت بتسمي ده حضن؟ ده أنا نفسي راح."
ابتسم سلطان بسخرية وهو يشد الوشاح ليغطي بشرة عنقها الظاهرة:
"عدلي الطرحة دي، مش بطوليها ليه؟"
عدلت حجابها قائلة بعفوية:
"هي الموضة كده."
رمقها سلطان بامتعاض قائلًا:
"يبقى اسمي موضة بقا مش حجاب. فكري تلبسي الخمار أحسن، أو النقاب هيبقي أحلى."
رمشت بعينيها بعدم تصديق:
"النقاب؟! إنت بتتغير ولا إيه؟"
أومأ برأسه وعيناه تبث شعورًا حميميًا في نفسها:
"مش عايز حد يشوفك غيري."
ابتسمت بخلاء متدَللة:
"محدش بيشوفني غيرك، ومش بخرج غير معاك."
هربت من عيناه وهي تثرثر بجذل:
"قولي ياسلطان لما أبقى عجوزة، هتخرجني كده وهتجبلي الأكل اللي بحبه؟"
تبسم سلطان قائلًا بعينان تفيضان عشقًا:
"هعملك اللي إنتي عايزاه من دلوقتي، مش لازم لما تعجزي. المهم تفضلي في حضني."
تسارع نبض قلبها فوضعت يدها على صدره النابض بقوة في حضرتها، وقالت بتغنج:
"وأنا عايزة أفضل في حضنك العمر كله. إيه رأيك؟"
سحبها لاحتضانه برفق وضمها إلى صدره بضعف هامسًا بعاطفة جياشة بالقرب من أذنها:
"رأيي إني بحبك... بحبك أوي يا دودا."
أغمضت عينيها وجسدها ينصهر بين ذراعيه القويتين وقلبها يتجاوب مع خفقات قلبه العالية أسفل أذنيها.
والبحر والنسيم وشمس المغيب جميعهم يشاركا قلبها لحظة موثقة بروعة الحب.
إنها التكامل التي كانت تبحث عنه سابقًا وأخيرًا حظت به مع شخصٍ لم يمر على المخيلة يومًا ولو بالخطأ.
إنها طلاسم الحياة، واختيارات القدر، فلم يكن يومًا على الحب سلطان، وليس كذلك على النسيان حاكم.
إنها الحياة وطلاسمها المعقدة.
***
تطلعت إلى يدها بعينين باردتين، فقد ربطت كفها بضمادة طبية تساعد في تخفيف الكدمة الزرقاء التي نتجت عنها أمس بعد أن دعست أسفل حذاء والدها بتجبر دون ذرة رحمة منه.
اتكأت على موضع الألم وهي تغمض عينيها بقوة.
هذا الوجع لا يضاهي وجع قلبها وروحها الملتاعة بالأحزان.
كم هو مؤلم البوح لمن خلى قلبه من الإنسانية، لمن مات شعور الأبوة بداخله، لمن ظن أنه لن يدفع فاتورة ظلمه وتجبره يومًا.
لو كانت تشكو لجماد لكان رحمها بصمته وقدم المواساة بنفس الصمت.
أحيانًا يكون في الصمت رحمة، في الصمت غاية.
نجد في الصمت أنفسنا، نعترف بالأخطاء ونكتشف الحلول، إذ طال الصمت، في الصمت مؤازرة لا يدركها إلا من اعتنق الصمت بصبر.
شعرت بيدٍ حانية تلامس ضمادة يدها وتعانقها بحنان.
ففتحت عينيها الباردتين وعطره كشف عنه، وخفق قلبها قبل أن تبصره بنظراتها.
"عاصم..."
همست باسمه وهي ترمش عدة مرات وكأنها تُنعش جزءًا بداخلها قد مات ليلة أمس.
"مالك ياشـهـد... ومال إيدك؟"
وكأن صوته بلسمٌ يداوي جراحها.
تركت يدها بين راحته، وكأنهما يجلسان بقلب المطعم على أحد الطاولات الشاغرة والمنعزلة قليلًا، ولأنهما كانا صباحًا، فكان عدد الزبائن أقل.
قالت وهي تهرب من محور عينيه:
"وقعت عليها امبارح بليل."
سألها بحاجبٍ معقود:
"إزاي؟"
عضت على باطن شفتيها وهي تخبره:
"صُحيت أشرب الفجر واتكعبلت، فوقعت عليها."
قلب في كفها برفق:
"وحصلها حاجة؟"
أجابت بفتور:
"كدمة بسيطة."
أسرع عيناه بنظرة ثاقبة:
"مُتأكدة إن هو ده بس اللي حصل؟ عنيكي بتقول غير كده."
تدرك كم هو صعب أن أحكي لك عن أسراري، ممن أشكو لك يا عاصم؟
من والدي، ماذا أخبرك عنه أكثر مما أخبرتك به؟ يكفي أن أخبرك بأن أبي طامع في مالك، فهل يجب أن أخبرك أيضًا بسنوات شقائي معه؟ هل عليَّ أن أبوح لك بحرماني من أقل الحقوق كابنة؟ هل أفصح عن أمر إصابة أذني اليمنى وأخبرك عن تفاصيل الحادث وأن السبب هي زوجة عمك، عمتي أساسًا هي عشيقة والدي سرًا، وقد خانت أمي وغدرت بها يومًا تحت مسمى الصداقة؟ أم أخبرك أنني رغم حبي لك أحاول أن أصل لها عن طريقك لأنتقم؟
قالت بهدوءٍ ميت:
"حصلت مشكلة بيني وبين بابا... وشدينا مع بعض شوية."
انكمشت ملامحه عابسًا:
"بسبب..."
قالت مقتضبة:
"طقم الألماظ."
تافف عاصم قائلًا بضيق:
"ما خلصنا من القصة دي ياشهد. قولتلك إني هعوضك بس لما نتجوز. أي لازمتها تفتحي الموضوع ده تاني معاه؟"
لمعت عيناها الباردة:
"لأني لقيت العقد في أوضته."
هز رأسه مستفسرًا:
"وبعدين؟"
لوت شفتيها مستهجنة:
"زعق معايا وطردني من أوضته."
سألها بتعجب:
"لدرجادي؟"
أومات برأسها بأسى ويدها المصابة مازالت بين راحتيه:
"علاقتنا من زمان كده... عمرها ما كانت عادية... على طول في بين حروب مش بتنتهي."
مسد على يدها بحنان قائلًا:
"بكرة ينتهي كل ده لما نتجوز، وهعوضك عن كل حاجة."
سألته بشك:
"تفتكر؟"
ابتسم ابتسامة عميقة جذابة وهو يخبره بعطف:
"مش هتكلم كتير عن نفسي. بكرة لما نتجوز هتعرفي. إحنا هنكون عوض لبعض ياشهد."
وكأنه عانق روحها الباردة بعدة كلمات، فشعرت بدفء الحب يتسلل إليها عبر تلك العيون النافذة بحب وحنان العالم.
فأضاف عاصم ويداه تمسد على كفها المصاب، وعيناه تبث عدة مشاعر هي كل ما تحتاج إليه الآن:
"أنا شايف فيكي أهلي وحياتي ياشـهـد. إنتي دنيا جديدة عايز أعيشها. وإنتي كمان لازم تشوفيني حبيبك وسندك وأخوكي وأبوكي وكل حاجة ليكي في الدنيا. ولا إيه ياست الحُسن؟"
جميل هذا الشعور، لكنه مخيف.
سحبت يدها وهي تقول بحياء:
"أكيد. تحب تفطر معايا؟"
أومأ برأسه بهدوء:
"ومالوا؟ نفطر ونروح مشوارنا."
لاحت علامات الاستفهام على محياها:
"مشوار إيه ده؟"
أخبرها ببساطة وعيناه لا تحيد عنها:
"شقتك. مش المفروض تشوفي شقتك وتقولي رأيك فيها؟ عشان مهندس الديكور يبدأ يشتغل ويشوف حبا تعملي إيه فيها."
فغرّت شفتيها قائلة بتعجب:
"شقتي؟! أنا كنت فاكرة إنك هتعيش في بيت العيلة."
وضح عاصم بهدوء:
"بيت العيلة هيفضل مفتوح هنروح ونيجي عليه طبعًا. بس الشقة لينا هتكون خصوصية أكتر عشان نبقى براحتنا من غير إزعاج. ولا إيه؟"
احمرت وجنتيها وعضت على شفتيها جراء هذا التلميح العابث، فغمغمت بحرج:
"مم... واشتريتها إمتى الشقة؟"
رأته ينظر لشفتيها الحمراوين للحظات بجرأة لم تعهدها عليه من قبل، ثم أجابها:
"من فترة قصيرة. المهم هتيجي معايا تشوفيها ولا لأ؟"
نظرت لسطح الطاولة بتردد:
"هقول لحمزة عشان يجي معايا."
بنظرةٍ جادة أخبرها بخشونة:
"واضح إنك ناسيه إننا كتبنا الكتاب من كام يوم."
اهتزت حدقتاها بتردد:
"مش ناسيه بـ..."
قاطعه وهو يلتهماها بنظراتٍ مبهمة:
"لا ناسيه، بس أنا هفكرك متقلقيش."
رمشت عدة مرات بوجل:
"مش فاهمة الجملة دي. تقصد إيه؟"
أسدل أهدابه وهو يقول بهدوء:
"أقصد إني جعان. هتفطريني ولا نفطر برا؟"
لوت شفتيها باستياء:
"على أساس إنك بتاكل برا، هقوم أحضرلك الفطار بنفسي."
عندما نهضت مبتعدة عنه، زفر زفرة الظَمأ، وما أصعب الظَمأ إلى الهوى.
***
أدار المفتاح في الباب ومن ثم فتحه مشيرًا لها بابتسامة رائعة:
"سمي ياست الحُسن، وادخلي برجلك اليمين شقتك."
أومات برأسها مبتسمة ومن ثم خطت بقدمها اليمنى باسم الله.
تطلعت في زوايا الشقة الفارغة، فكان موقعها رائعًا، قريبًا من البحر، تراه من شرفة منزلها على بعد مساحة.
شاسعة الشقة ومساحتها منظمة بشكلٍ رائع وفخم، تؤهل لعمل ديكور عصري كما تشاء.
بدأ عاصم يعرفها على كل ركنٍ بالشقة والغرف الموجودة بها، وكانت معه مأخوذة بانبهار، فتلك كانت شقة أحلامها بمساحتها وموقعها القريب من البحر.
رسمت معها الأحلام في كل ركنٍ بها.
وجودها هنا وتلك الأحلام التي تطرقت إلى عقلها جعلتها تنسى ليلة أمس بأحداثها المريرة.
"إيه رأيك؟ عجبتك الشقة؟"
أخبرته بابتسامة جميلة:
"عجبتني أوي ياعاصم... حلوة أوي... مفهاش غلطة."
"لا فيها غلطة..."
أخبرها على مضض وهو يطلع على الحوائط البيضاء حولهم.
نظرت إليه فاسترسل:
"هتاخد وقت على ما تجهز... ممكن أربع شهور على الأقل."
قالت شهد بلا مبالاة:
"وإيه المشكلة؟ نستنى."
هز عاصم رأسه بنظرة حازمة:
"لا أنا مش بقولك كده عشان تقوليلي نستنى. إحنا هنتجوز آخر الشهر ده، وده كلام مفهوش نقاش."
سألته متخصرة:
"وهنعيش فين بقا؟"
أجاب بجذل:
"هنعيش في الشارع."
عقدت حاجباها، فضحك عاصم مضيفًا بعبث:
"ما إنتي اللي سؤالك غريب. كده كده قدامنا إجازة طويلة بعد الجواز."
"قصدك شهر العسل."
رمشت بعينيها بحياء لذيذ في عيناه.
فأكد وهو يقترب منها محيطًا إياها بذراعيه:
"إنتي ونصيبك بقا... شهر اتنين تلاته... نفضل في إجازة لحد ما الشقة تخلص. أهم حاجة نتجوز آخر الشهر ده، ومفيش تأخير ولا يوم واحد. ولا يوم واحد تاني هتبعدي عن حضني."
انهارت أعصابها أمام تلك الكلمات، بينما يديه تحتوي خصرها بشوق.
قالت شهد وهي تحاول الفرار منه ومن مشاعرها:
"عاصم أبعد شوية."
قربها عاصم منه أكثر، فبقت أجسادهما ملتصقة في بعضها بحميمية مفرطة:
"أبعد إزاي؟ أنا حالف أفكّرك إننا اتجوزنا، لحسن شكلك ناسيه."
قالت وهي تزدرد ريقها:
"مش ناسيه... أنا فاكرة."
مالى عليها يشم عبيرها الطيب، وجوار عنقها، ثم أجابها:
"فاكرة إيه بالظبط؟"
"إنك بقيت جوزي."
زادت وتيرة أنفاسها وتحرك صدرها علوًا وهبوطًا باضطراب أمام عيناه المشتهية.
"وأي كمان؟"
سارت يداه على ظهرها، فارتجفت بين ذراعيه، وكم كانت رجفتها العذراء تثير مشاعره الرجولية نحوها أكثر من ذي قبل.
جلجل صوتها وسط طيات الضعف:
"عاصم احترم نفسك... وابعد شوية."
قربها أكثر منه وضمها بقوة، وعندما مالى على شفتيها، أبعدت وجهها وهي تقول بزعر:
"عـاصـ..."
اختفى آخر حرفٍ من اسمه بين ثنايا شفتيها بعد أن عانقها بشوق.
عناق دافئ لزج غريب، يبث شيئًا في الروح وكأنه يُنعشها.
هذه أول قبلة تتلقاها في حياتها، كم كانت رائعة، شديد السخونة، مزيج بين الحب والحنان، قبلة من رجلٍ سخي المشاعر، حنون، محب بالفطرة.
سارت شفتيه على وجنتيها يقبلها ويتكئ عليها بشفتيه، مداعبًا بحنان.
فابتسمت وقلبها يخفق على أوتار الهوى.
مد يده وسحب رباط شعرها وتخلل نعومته بأصابعه، مخبرها وهو يشم عطر شعرها الزكي:
"بحب شعرك أوي ياشـهـد."
مالى يشم عنقها رائحتها الطيبة التي تسكر حواسه.
كان عطرها مزيجًا من رائحة البحر وعطر الزهور، طيب زكي خفيف على الأنف، لكن أثره كالوشم يطبع في الذهن ولا يُنسى.
قبل ثغرها قبلة سطحية، ثم بدأ يتحسس وجنتيها الناعمتين بأصابعه برقة كلمات الورد، قائلًا وهو ينظر لعسليتها البراقة المذعنة إليه بكل جوارحها:
"إنتي أجمل واحدة شفتها عيني، والست الوحيدة اللي أتمناها قلبي. إنتي يا ست الحُسن والجمال، إنتي اللي أتمناها قلبي. وأخيرًا وصلك وبقيتي حلالي... مراتي."
ضاعت في الغزل الصريح، فأغمضت عينيها ويداه تحتوي وجهها الجميل.
وعطره الرجولي وأنفاسه الساخنة تتخلل لرئتيها، فتخلق فوضى العشق، وما أجمل منها فوضى.
فوضى تحتاج لأن تفعلها فترتاح وتشعر بلذة الحب وثمل الهوى.
ثملة هي الآن بين يديه، مشاعرها وقلبها في حالة سُكر، كل ذرة بها تطالب بالدفء، بالحب، بدلال.
تطالب بعاصم، بملامح متشبعة بالعشق.
أخبرها وعيناه تطوف على وجهها المشع جمالًا خجلًا:
"خطفتيني من أول يوم شفتك فيه، من أول يوم وقعت عيني في عيونك، وأنا اتشقلب حالي. عملتي إيه فيا ياشـهـد؟ إيه سرك؟"
"لو عرفته مش هيكون سر."
قالتها وهي بين يديه، تحلق في عالم غير العالم، عالم هادئ جميل وردي بمذاق الشهد.
همس ساحقًا شفتيها بمشاعر ثائرة:
"مصيري أعرف كل حاجة، ومن بين شفايفك دوله تحكيلي."
أعطاها قبلة كانت تتوق لها منذ بداية الحديث، وكأنها اشتاقت لهذا الدفء من جديد، دفء يبث بها الحياة، وكم هي بحاجة لمن يشعرها بالحياة والذات بها.
عانقته عنقه بكفها الصغير الرقيق، فطوق هو خصره بها، رافعًا إياها لمستواه حتى يتعمق أكثر في قبلاتها الشهية، مذاقها كالشهد، حلوة وشهية وطرية الملمس.
بعد لحظات أطلق سراح شفتيها بصعوبة بعد أن طلبت القليل من الهواء.
لمست كاحلها الأرض، فوقت تأخذ أنفاسها المسلوبة، لاهثة بقوة بين ذراعيه، بوجنتين حمراوين كشعلتين متوهجتين، وعينين خلابتين كنجمتين متلألتين.
"عـاصـم..."
نادته بشفتين حمراوين ومتورمتين قليلًا من طوفان قبلاته عليهما.
نظر إليها لاهثة ببطء، ويداه تحسس خصرها بتولة، فقالت وهي تشعر بخطٍ من الصقيع يتخلل عمودها الفقري:
"احضنيني ياعاصم... احضنيني..."
وقف مشدوهًا لثوانٍ أمام هذا الطلب.
نعم استجابت للقبلات واستكانت بين يديه، لكنه هو من بادَر بهذا، وأخذت وقتها حتى استجابت معه.
لذلك طلبها أسمر قليلًا وصوتها الراجي أجفله لوهلة، فهذا الحلم الذي لم يتطرق إليه أبدًا.
أن تتوق (شهد) لعناقه، يصبح الواقع حلمًا يجب اقتناصه.
لذا كان الرد هو عناق حانٍ يحتويها بمعنى الكلمة، يدفئها، يطمئنها، ويريحها من معمعة الحياة، كما كان يعانقها عندما كانا يرقصا على أوتار البيانو.
وهي أدمنت هذا القرب ووجدت ملاذها بين ذراعيه، فلم لا تأخذ القليل من تلك المشاعر التي تتوق إليها منذ زمن بعيد.
عندما ضمها إلى أحضانه وربت على كتفها بحنان أبوي تلقائي، بدأت تترقرق الدموع في عينيها، ولم تمنع شهقة بكاء تسللت من بين شفتيها الحمراء.
وكأنها لم تكن تحتاج إلا لهذا كي تنفجر دون توقف.
كان رائعًا متفهمًا، لم يخرجها من أحضانه ويبدأ وصلة الأسئلة، بل تركها.
تركها تفرغ أوجاعها ودموعها على قميصه في أحضانه، وكان هذا أقصى طموحه معها، أن تكشف هذا الجانب الموجوع الضعيف داخلها إليه، وتبوح له.
تركها لدقائق تفرغ أوجاعها ودموعها، بينما صدره تضخم بمشاعر سوداوية هائجة بالغضب، شاجنة بعد رؤيتها منفطرة القلب حزنًا بهذا الشكل المأساوي.
ربت على ظهرها وهو يهدئها:
"اهدي ياحبيبتي... مفيش حاجة تستاهل الدموع دي كلها. اهدي وخلينا نتكلم."
رفعت وجهها إلى عيناه وهي تمسح دموعها بضعف، لم تحبذ وجوده هنا أمام عيني عاصم.
سألها وهو يرفع كفها المصاب أمام أعينهما:
"هو اللي عمل كده في إيدك ياشـهـد، صح؟"
غافلها بالسؤال، فوقفت متسمرة للحظات تنظر إليه بوجل، وكأنها طفلة تخشى أن تفشي أسرار بيتها للأغراب.
سألها وهو يلامس وجنتها بحنان:
"خايفة من إيه ياشهد؟ أنا جوزك ياحبيبتي، أقرب حد ليكي. لو محكتيش ليا أنا هتحكي لمين بس؟"
وكأنه يحاكي طفلة يجاريها في الحديث حتى تفصح عن مبتغاه، ليست ساذجة، لماذا يعاملها كساذجة؟ إن أرادت البوح ستبوح، وإن لم ترد لن تفعل، وحتى لو استعمل معها القوة.
لكن لِم العناد؟ هي تضعف الآن أمام نظراته وكلماته، فبدأت تحكي بالفعل أحداث ليلة أمس، حديث والدها، قسوته عليها دون أن تتطرق لقصة إلهام.
أيضًا أفصحت، لم يكرهها والدها، لأنها ربطت علاقة زواج منتهية الصلاحية، ربطتها مدى الحياة، فكانت النتيجة أذنيها وعمرها وشقاء ثلاثتهم عمرًا بأكمله، لم تحكي له عن تفاصيل إصابة أذنيها، بل لم تطرق للموضوع أصلًا.
حكت فقط أشياء بسيطة واحتفظت بالباقية في صندوقها المظلم.
أوغر صدره غضبًا وغيظًا، وهو يسألها:
"وبعد كل اللي بتحكيه ده بتماطلي في معاد الفرح؟"
نظرت إليه بصمت، فتابع بضراوة:
"إزاي عايزاني أسيبك معاه بعد اللي حكتهولي؟ ده ممكن يأذيكي."
رمشت شهد بعينيها عدة مرات، ثم قالت بهدوء يتوارى خلفه القهر:
"مش لدرجادي، وبعدين أنا عشت معاه سبعة وعشرين سنة، مش هتيجي على شهر كمان."
تحدث عاصم بتسرع:
"إحنا ممكن نتجوز خلال اليومين دول، ونشتري شقة جاهزة، ونخلي دي لحد ما تفرشيها على ذوقك."
ابتسمت بذهول قائلة:
"عـاصـم... إنت كده هتندم إني قوللتلك."
بنظرة نافذة جادة أفصح:
"إنتي محكتيش كل حاجة ياشهد. أنا متأكد إن في حاجات تانية أكتر من اللي حكيتيه."
أسدلت أهدابها هاربة من عيناه، فأومأ برأسه متفهمًا بصبر:
"بس أنا مش هضغط عليكي. هتحكيلي برضو وبمزاجك."
لوت شفتيها بتبرم:
"الثقة الزايدة دي بتضيع صاحبها."
أخبرها بثقة:
"معاكي إنتي في محلها."
نظرت لعيناه قليلًا، فسألها هو بجدية:
"قولتي إيه؟"
هزت رأسها بجدية تضاهيه، حاسمة الأمر برفضٍ قاطع:
"قولت لا طبعًا. آخر الشهر مش بعيد. مش مستاهلة كل الخوف ده، أنا كويسة. وبعدين في الآخر ده أبوي، مش عزرائيل."
كاذبة. كيف تبثِ الطمأنينة إليه وقلبك يعتنق الخوف كل دقيقة وكل ثانية في كنف عثمان الدسوقي؟
سبعة وعشرون عامًا من المذلة والمهانة والوجع، وتدعي أنكِ بخير؟ كاذبة. كاذبة.
أسدلت أهدابها وهي تمسح دموعها الجافة على خدها قائلة بمرحٍ زائف:
"كفاية نكد بقا، أنا تعبت. مش المفروض أقولك عايزة أعمل إيه في شقتنا."
مسكته من يده وسحبته إلى أحد الزوايا، مشيرة إلى الجدران والأشياء التي تود فعلها هنا وهناك.
ظل ينظر إليها بصمتٍ مبهم، عازم النية على إيقاف تلك المهزلة، فلم تعد حرة الآن، أصبحت زوجته، عرضٌ وكرامته، وعلى والدها أن يتعامل من الآن وصاعدًا على هذا النحو.
***
خطى بخطواتٍ مستقيمة تشع رجولة وهيبة صالة الشقة، وعيناه الصقريتان تطلع في زوايا تلك الشقة الفخمة والمكان المرموق القابعة به.
عكس الشقة التي تمكث بها شهد مع شقيقيها، كانت أقل في المستوى بمراحل.
سؤال يطرح نفسه الآن، هل والدهما بهذا القدر من الدونية؟
ما الذي يدفع الأب أن يحرم أولاده من حياةٍ مُرفهة بإمكانه أن يوفرها لهم بسهولة؟
بخيل مثلًا؟
ديكور الشقة، وفرشها، وموقعها، وملابسه الفخمة، وسيارته الفارهة، جميعها أشياء تكشف بأنه رجلٌ سخي على نفسه.
لكن ماذا عن أبنائه؟ لماذا ينبذهم بهذا الشكل؟
"اتفضل يامعلم عاصم، سي عثمان مستنيك جوا."
قالتهَا مُهجة وهي تشير على أحد غرف الجلوس.
أومأ عاصم برأسه بملامحٍ متصلبة وهو يدلف إلى الغرفة بخطواتٍ مستقيمة.
عندما أبصره عثمان، نهض مرحبًا به بحرارة، مشيرًا على المقعد بجواره قائلًا:
"أهلاً أهلاً يامعلم عاصم، نورتنا يا راجل. قعد واقف ليه."
ثم سأله عثمان بحفاوة زائفة:
"تشرب إيه؟ أجيبلك قهوة ولا عصير؟"
رد عاصم وهو يحل زر سترته:
"قهوة كويس."
أمر عثمان بصوتٍ جهوري:
"القهوة يامُهجة."
أعطاه كامل تركيزه وهو يضيق عيناه بشك:
"خير؟ طلبت تشوفني، تكونش شهد زعلتك، فجاي تشتكيلي منها؟"
لاح على وجه عاصم تعبير غريب وهو يحدجه به.
فأضاف عثمان بجفاء:
"أنا عارفها نكدية زي اللي جابتها. أمها برضه فضلت ورايا لحد ما كرهتني في صنف الحريم."
دون ذرة مرح عقب عاصم:
"مش باين إنك كرهته، بدليل إنك متجوز."
أكد عثمان بابتسامة بذيئة المعاني:
"ماهو ده اللي إنت هتعمله بعد سنة واحدة من الجواز. هتجوز مرة واتنين وتلاتة، ماهو واحدة بس مش كفاية، بالذات لو نكدية وزنانة."
جاش الغضب في صدره، لكنه تحلى بالصبر، قائلًا بتحفظ:
"شهد ست الستات، هي عندي بستات الدنيا دي كلها."
وكان الإجابة لم ترضِ والده، فقال بتبرم:
"والله؟ طيب بما إنكم زي سمنة على عسل أوي كده، إيه سبب زيارتك ليا؟"
سحب عاصم نفسًا طويلًا، ثم نظر إليه بجدية قائلًا بحزم:
"اسمع ياحمايا. بنتك دلوقتي مبقتش بنتك، بس بقت مراتي كمان. كرامتها من كرامتي. ولو حد داس لها على طرف وزعلها، كأنه زعلني أنا وبالجامد كمان."
جفل عثمان وجحظت عيناه قائلًا بدهشة:
"وإنت جاي تسمعني الكلام ده ليـ..."
قاطعه عاصم بحزمٍ شديد الخطورة:
"إنت عارف أنا جاي أسمعك الكلام ده ليه."
زاد اتساع عينا عثمان جراء هذا الهجوم، فتابع عاصم قائلًا بمروءة:
"اللي عملته فيها امبارح وصلني، وهي لا كانت غلطانة وقتها ولا تستحق تضرب. أصلًا مش من الرجولة إنك تستقوى على حد ضعيف، بالذات لو واحدة ست، حتى لو الست دي تبقى بنتك، هي برضو مأجرمتش عشان تعمل اللي عملته."
أهانه عثمان وهو يرمقه شزرًا:
"وإنت بقا اللي جاي تعلمني الرجولة؟"
حل الصمت لثوانٍ، وعاصم ينظر إليه بصدمة تمتزج بالخطر، خطر مما تفوه به، وربما يدفع ثمن تهوره غاليًا.
"لا حول ولا قوة إلا بالله. لولا إنك أبوها واحترام سنك، مكنتش استنيتك لما كملت الكلمة."
ازدرد عثمان ريقه بتخوف.
فقال عاصم بوجهٍ هارب غضبًا، رغم أن صوته لم يعلو عن الطبيعي:
"عيب تقلل من نفسك كده. عيب الجملة اللي قولتها دي، لو عملنا قعدة عرفي هتدفع عمرك قصادها. عيب، إنت مش قاعد مع عيل صغير، إنت قاعد مع عاصم الصاوي. عاصم الصاوي اللي قعد مع ناس لو تعرف أساميهم شعرك يشيب. مكنش في حد فيهم يستجرأ يرفضلي طلب."
شعر عثمان بالاختناق وسط هذا التهديد الصريح، فاسترسل عاصم وهو يقول بنبرةٍ صارمة واعدة:
"بنتك ضيفة عندك الكام يوم اللي فاضلين، تعاملها بما يرضي الله، أو متعملهاش خالص، المهم تبعد عنها وإيدك متترفعش عليها. ومتفكرش إنها لو حصلت تاني هاجي آخد وادي معاك كده في الكلام. لا ساعتها هتصرف... تصرف مش هيعجبك، وهخسرك كتير أوي. تمام ياحمايا... ولا إيه؟"
هاج الغضب في حدقتي عثمان فجأة، فهَدده قائلًا:
"إنت مفكر إن كتب الكتاب ده خلاك تملكها؟ أنا ممكن أطلقها منك دلوقتي. أنا ميتلويش دراعي."
"صدقني ولا أنا. جرب كده تبعدها عني، وساعتها..."
ثم جاشت مراجلة بالوعيد وهو يسترسل بصلابة:
"خلي الكلام مفتوح لحد هنا. أصل اللي بيتكلم عمره ما بيعمل. وأنا طول عمري بعمل من غير كلام كتير."
انتصب عاصم واقفًا أمامه بطوله الشامخ المهيب، قائلًا بترفعٍ صلب:
"ياريت تحفظ الكلمتين اللي لسه قايلهم لك."
نظر له عثمان بغيظ.
فأضاف عاصم بخشونة:
"كرامة بنتك من كرامتي. ولو مستها، يبقى إنت كده بتعاديني. وأنا اللي بيعاديني مش بيشوف النور."
خرج من الغرفة بعد أن ألقى آخر تهديدٍ صريح في وجهه، وكأن عينيه الصقريتين مستعرتان بالوعيد.
وعيد أن استهون به خصمه، سيبدأ في عد الخسائر القادمة، الأضرار الجسيمة.
***
كانت منعزلة في مكانها الخاص (الشرفة...) جالسة على المقعد، تضع السماعة في أذنيها وتسند بمرفقيها على السور، وعيناها غائرتين شاردتين في مكانٍ بعيد، تستمع للحنٍ مميز الإيقاع، معبرًا عن الحب والغرور.
هذا الغرور الذي ينتابنا عندما نظن أننا امتلكنا الحب وأصحابه، ومع أول اصطدام تقتلنا الحقيقة، تذبحنا الأقاويل، فنقف أمام المرآة بوجه المهرج الذي أبدع في إضحاك الناس عليه، وليس معه.
شاردة هي في عالمها، ضائعة في دهاليز الأفكار، تختنق في صندوق الحكايات الوردية.
عاشت حياتها بأكملها تتنقل بين الكتب على أمل أن تجد فارسها في واحدٍ منهم.
كانت من الموهومات في البحث عن البطل المثالي بين الصفحات، للأسف لم تجد فارسها بينهم، ولم تقع في حبهم لمجرد أنهم يحملون كل سيمات الوسامة المطلقة، ولم تفضل أن تكون القسوة دليل الحب لديهم.
لماذا في الروايات تكون القسوة دليل الحب والكمال هو المظهر الخارجي؟
لماذا لا نهتم بتجميل الجوهر الداخلي، فهو الذي يستحق إظهاره للقراء؟
إنها متناقضة حد اللعنة.
ماذا عن قصتها هي؟ أول انجذاب لها كان في عيناه الهمجيتين الساخرتين، ثم لرجولته الفتية، إلى وسامة تقسم أنها رأتها يومًا بين سطور الروايات.
أم دليل الحب في قصتها فهو مفقود، فإن قصتها فاترة.
فاترة جدًا، فتور يؤلم قلبها على تلك المشاعر التي تكنها له وحده.
لماذا هو فاتر معها؟ لماذا لا يحبها؟ ولماذا يريد الزواج منها لمجرد أنها عروس مناسبة؟
تكره الزيجات المعتمدة على نظريات ثاقبة.
تعشق فطرة الحب المؤلفة بين قلوب الأحبة.
إنها تعشق الجنون، رغم أنها لم تعتنقه يومًا، إلا أن قصة والديها كانت مولعة بالحب المتبادل بينهما.
عاشا معًا على هدف واحد وهو تقديس علاقتهما والحفاظ على هذا الحب.
كانت ترى والدتها في عين والدها كلما سمع أغنية قديمة أو ديوان شعرٍ لأحد الأدباء الكبار.
كانت عيناه تتلألأ كالالعاب النارية عندما يراها تضحك، تتحدث، تتناقش، تغني.
وإن بكت دمعت عيناه معها، وإن غضبت منه، تنقلب الدنيا في عيناه ولا يهدأ إلا عندما يراضيها ويطيب خاطرها.
لذلك كان ما بينهما أقوى من أن ينتهي بالموت، فرحلت أمها حزنًا على فراق والدها بعد سنوات من المثابرة بدونه، رحلت.
فلماذا لا تتمنى رجلاً كوالدها يدللها حبًا ويهيم بها عشقًا؟
من ارتوت بالحب منذ الصغر لن تقبل بقطرة منه، هذا ليس عدلًا؟
سحبت السماعات من أذنيها وألقتها جانبًا وهي تأخذ أنفاسها بضجر، فقد ثقل صدرها وازداد صداع رأسها من كثرة التفكير.
من يوم أن عادت معهم وهي في دوامة من الأفكار المتلاحقة، مازالت لم تعطي قرارها النهائي في طلب الزواج.
ويبدو أنها حتى الآن عاجزة عن فعله.
تنحنح رجولي أوقف سيل الأفكار داخلها.
اقتحم خلوتها ببساطة، وحمل مقعدًا ووضعه جوار مقعدها، جالسًا بجوارها بصمتٍ دون أن ينطق بحرفٍ واحد.
جيد... هذا جيد.
لم ينقصها إلا وجوده.
فيؤثر عليها عاطفيًا من مجرد نظرة من عسليتاه الضاريتين.
خطيرة عيناه ووسيم هو بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عابث، وهي تكره العبث، لكن منه يشبه قصيدة من الغزل.
أغمضت عينيها بقوة، هل يجب أن تلعن قلبها الآن أم الحب الذي استوطنه قسرًا؟
من منا قادر على أن يحزم مشاعره ويمضي دون تأثر بالحب؟
لماذا يكبلنا الحب إلى هذا الحد ولا قدرة لنا على المواجهة؟
وكأنه انزعج من ضجيج أفكارها فسألها عابسًا:
"بتفكري في إيه ياقمراية؟"
حانت منها ابتسامة صغيرة منكسرة المعاني.
سألها حمزة وهو ينظر لجانب وجهها:
"من ساعة ما رجعنا وإنتي متغيرة معايا. هو موضوع الجواز ده هيبعدنا عن بعض ولا إيه؟"
ازدادت الابتسامة وجعًا:
"وإحنا من إمتى كنا قريبين ياحمزة؟"
ها هو يتجرأ كالعادة ويمد يده ماسكًا ذقنه، ليدير وجهها إليه:
"مالك ياقمر؟ إيه اللي عملته مضايقك أوي كده؟"
اهتزت حدقتاها وهي تنظر إلى يده الدافئة، هل بشرتها؟
فقال حمزة وهو يمرر إبهامه على ذقنها بعفوية:
"إنتي مش موافقة عليا. لو مش موافقة قولي عادي مش هزعل. مش هتجوزك جبر خواطر يعني."
أبعدت يده عنها برفق وهي تقول بتبرم:
"قول الكلام ده لنفسك."
"يعني إيه؟ مش فاهم."
لاح التعجب على محياه.
فقالت بضجرٍ من بين أسنانها:
"يعني ليه عايز تجوزني؟"
أخبرها حمزة وهو ينظر لبنيتها:
"قولتلك إنك عجبتني، ومناسبة ليا، وكفاية إنك بنت خالتي."
تاففت بجزع:
"مش ده اللي عايزة أسمعه منك."
برم شفتيه بعدم فهم:
"أمال عايزة تسمعي إيه؟"
دبت الغيرة في قلبها فقالت بلوعة:
"إنت لسه بتحب خطيبتك صح؟ وأكيد عايز تجوزني عشان تغيظها."
أومأ حمزة برأسه ضاحكًا بهزل:
"إنتي بتقولي فيها دي هتتغاظ أوي، بالذات لما تشوف القمر اللي أنا اخترته."
صاحت بعنف:
"أنا مش بهزر ياحمزة."
بصوتٍ باردٍ أجاب:
"أنا بقا بهزر عشان ده مش كلام ناس عاقلة."
لم تعقب، بل عقدت ساعديها أمام صدرها.
فأضاف حمزة بهدوء:
"إيه المشكلة يعني إن كنت خاطب قبلك؟ كنت بخونك معاها مثلًا؟ دي حاجة حصلت قبل ما أعرفك، مالكيش حق تحاسبني عليها."
أومات برأسها بصمتٍ كئيب.
فقال حمزة بمناغشة:
"زي ما أنا محسبتكيش على أشيف كده... ياترى هتعزميه على فرحنا؟ ما هو ابن عمك برضو."
قالت قمر بتمرد:
"أنا معنديش عمام. بابا وحيد وملوش إخوات."
أومأ برأسه بفتور سائلًا:
"وإيه حكاية أشرف ده؟"
زفرت قائلة بضيق:
"كنت بشتغل... ارتاحت."
هز رأسه مجددًا بزهو:
"أحلى راحة. يعني إنتي عمرك ما حبيتي قبلي؟"
ارتجف قلبها وكأنه أصابه بماس كهربائي جعلها تجفل للحظات وهي تنظر لعسليتاه المغرورتان:
"قبلك؟! يعني ده كلام معناه إني بحبك."
قالته بزمجرة:
"أكيد، ماهو أنا أتحب برضو... ولا إيه؟"
زمجرت قمر بنفي:
"مش ولا... أنا كمان لو هوافق عليك ده لأنك ابن خالي محترم ومؤدب و..."
أوقفه حمزة هازئًا:
"هش!
رواية الحب اولا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دهب عطية
وقف عاصم أمام رجلٍ كبير يدعى الحاج يونس. إنه العم الأكبر لمسعد، وفي مقام الجد الأكبر لعاصم. وقبل كل هذا، هو كبير عائلة الصاوي، لذا كانت هيئته تزداد هيبة باللحية البيضاء والشعر المماثل، واتقاءً بإيمانه، وسبحة زرقاء تتحرك بين أصابعه بترتيب متكرر هادئ. أما الجلسة والنظرة الجادة والهدوء البادي عليه، فهي شكيمة تشع تعظمًا وشموخ الرجال.
"خير يا جدي؟ طلبت تشوفني..." قالها عاصم وهو يجلس أمامه بهدوء بعينين منتظرتين.
تنحنح الحاج يونس ثم قال بخشونة: "أكيد بلغك الخبر اللي عمال يتنقل بين التجار في شارع الصاوي وبرا حدوده..."
هز عاصم رأسه مستفهمًا: "خبر إيه بالظبط يا جدي؟ كلام الناس مش بينتهي، وكل يوم كذبة جديدة وتأليف..."
ضرب الحاج يونس عصاه الغليظة أرضًا، ينهيه عن المناورة في الكلام، فهذا لا يليق بسنه ومكانته في عيون العائلة الكبرى.
"بس الحكاية اللي بتتنقل الأسبوعين اللي فاتوا دول لا كذبة ولا تأليف... حقيقة حصلت وأنت كنت شاهد عليها."
التزم عاصم الصمت باحترام، بينما الغضب كان متأججًا في صدره.
أضاف الحاج يونس بتقريع: "زي إن خطبتك مثلًا اتمسكت في مطعمها بتهمة التسمم، وإنها باتت ليلة كاملة في الحجز، ده غير المطعم اللي اتشمع وفضحيتنا وسط الناس... شمّت أعدائنا فينا يا ابن الحاج عبد الرحمن اللي كان طول عمره راجل يشهد الناس بأخلاقه وأدبه... وأمك كانت ست كاملة واختيار أبوك ليها، ست من عيلة محترمة، عاشت طول عمرها مع أبوك عمرنا ما سمعنا عنها حاجة وحشة."
أوغر صدر عاصم بالغيظ والغضب، إلا أنه حافظ على رباطة جأشه متحدثًا: "معنى إيه كلامك يا حاج يونس؟ أنا عمري ما خرجت عن طوعك، وكنت مثال للابن البار ليك وللعيلة كلها. من يوم ما فتحت عيني على الدنيا وأنا ماسك في طرف عباية جدي، شربت منه الصنعة وتعلمتها، وديرة أملاكه من غير ما أطلب مساعدة من حد، وكبرت اسمه أكتر من الأول واسمكم معاه... كبرت بيكم ومعاكم."
تبرم الحاج يونس موضحًا: "أنا مش بذم في أخلاقك يا عاصم، أنا عارف كويس إنك امتداد لاسمنا، انت واحفادي بإذن الله، بس البنت اللي خطبتها..."
"اسمها شهد، وهي مراتي مش خطيبتي." قاطعه عاصم، ولم يعل صوته عن الطبيعي.
تافف الحاج يونس وهو يقول برجاحة عقل: "لا حول ولا قوة إلا بالله... المثل بيقول: حاسب قبل ما تناسب. والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وصانا لما قال (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس)... أنت قبل ما بتختار زوجة ليك بتختار أم لأولادك، عيلة تانية بتدمجها بعيلتك."
ثم استرد بعدم رضا: "والبنت دي لا مناسبة ليك ولا مناسبة لعيلتك... وبعد اللي حصل اتضح إنها مستحيل تكون زوجة وأم صالحة... اللي تبيع ضميرها بالشكل ده تتوقع منها أي حاجة."
فارت الدماء في عروق عاصم، فأوقفه بصوتٍ محتد: "حاسب على كلامك يا حاج يونس، دي مراتي... مرات عاصم الصاوي... شرفي وعرضي... وإن بعض الظن إثم... مراتي بريئة وفي حد لفّق لها القضية دي."
التوى ثغر الرجل بعدم اقتناع: "حتى بعد ما الحكومة فتشت المطعم وأثبتت إنها مذنبـة؟"
عقد عاصم حاجبيه جافلاً لوهلة.
فاسترسل الحاج يونس: "مستغرب ليه؟ فكرك هاجي أكلم معاك كده من غير ما أتأكد من الموضوع بنفسي؟ تفتكر أنا عايز أرميها بالباطل وخلاص؟ أنا بتكلم على حسب اللي وصلني وعرفته."
صاح عاصم بصدرٍ يحترق: "كل ده كذب! أقسم لك بالله شهد بريئة!"
رمقه الحاج يونس مستنكرًا، فالزيجة بأكملها تشيب بالفشل الذريع الذي سيقع على عاتقه للمرة الثانية.
فأفصح عن شكوكه بأسلوب جلي: "يا عاصم، أهلها مش من مستوانا... أخوها شغال سواق على ميكروباص في موقف (...). وأبوها لا ليه شغله ولا مشغله، كل شوية يتجوز ويطلق، وآخر واحدة اتجوزها كانت..."
استغفر الحاج يونس تاففًا بضيق بالغ: "أنا مش فاهم أي اللي عجبك فيها... إذا كانت جميلة ففي أجمل منها... وبنات عائلات يتمنوا نسبنا... اشمعنى دي يا عاصم؟"
اندفع بعاطفية يخبره دون حرج: "بحبها... بحبها وعايز أكمل الباقي من عمري معاها... دا مش سبب كافي؟"
نظر له الحاج يونس لبرهة ثم أضاف بجزع: "نفس عناد مسعد لما وقف قدام أبوه زمان وصمم يتجوز إلهام."
فابتسم الرجل ساخرًا مضيفًا: "على الأقل إلهام قدرت تتأقلم معانا ومسمعناش عنها غير كل خير، لكن خطبتك في فترة قصيرة خلت سيرتنا على كل لسان... وشمّتت الكل فينا."
سحب عاصم نفسًا طويلًا كاد أن يقتلع أزرار قميصه، وهو ينهي الجدال بـ: "حادثة بسيطة وربنا سترها... وأنا متأكد إنها ملهاش دخل فيها... وبريئة من كل التهم دي."
رمقه الحاج يونس بغضب: "معنى كلامك إنك هتكمل في الجوازة دي وهتكسر كلامي... وهتقف قصاد مصلحة العيلة."
اربد وجه عاصم فقارعه بالحديث: "وأي مصلحة العيلة في إنّي أسيب مراتي؟ يعني هو ده اللي اتربينا عليه يا حاج يونس؟ أول ما تتعرض لأزمة زي دي أقولها مع السلامة، متلزمنيش؟ مصلحة العيلة فوق كل شيء."
نظر له الرجل بغضب كسى وجهه المجعد.
فاضاف عاصم بتقهقر احترام للسن والمكانة التي يمتلكها الحاج يونس أمامه وأمام عائلة الصاوي الكبرى: "أنا مقدرش أكسر كلامك يا حاج يونس، لكن دي حياتي... وأنا اخترتها وهكمل معاها للآخر... وأوعدك اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، لأن شهد خلاص قفلت حوار الشغل بضبة والمفتاح وانتهى لحد كده."
ازدرد الحاج يونس ريقه وهو يخفف من حدته، مستفسرًا بشك: "متأكد إنها مظلومة وبريئة من التهمة دي؟"
أقسم عاصم وهو ينظر إليه برجاء: "ورحمة أبويا وأمي بريئة... وكل ده اتلفق لها ظلم."
سأله بحيرة وتعجب: "ومين اللي ليه مصلحة يلفق لها تهمة بالشكل ده؟"
نظر عاصم في اللاشيء بملامح صخرية مغمغمًا: "مصيري أعرفه وساعتها مش هرحمه."
***
وقفت أمام أحد الجدران التي تم طلاؤها قريبًا باللون الأسود الفحمي، تأملت بعسليتها بدقة تلك الوردة البيضاء البراقة التي رُسمت في منتصف حائط شديد السواد، وأوراقها الجميلة تسقط أرضًا بانكسار حزين، وكأنها صورة مقتطفة من حلمٍ يتيم فارقها قسرًا!
بلعت ريقها وهي تقاوم غصة البكاء القاسية، لن تستسلم لمثل تلك المشاعر، سترضى بمشيئة الرحمن وتقبل بتلك النهاية، فيبدو أنه ما كتب عليها لا مفر منه. لكن ثأرها لن تتركه طالما في صدرها نفس يتردد، تلك المرأة لن تفلت من بين يديها، ستعرف سرها وستكشفها أمام الجميع.
"إيه رأيك في الشغل؟ البشاير بدأت تبان مش كده..." أتى صوت المهندسة آلاء بتودد.
فنظرت لها شهد بملامح فاترة، ثم سألتها وهي تشير للحائط الأسود: "مين طلب منك الرسمة دي يا آلاء؟"
قالت آلاء بهدوء متريث: "المعلم عاصم شافها فعجبته... ده هيكون الركن الخاص بيه فحبيت استشيره بديكور اللي يحب يعمله... واختار الديكور ده... عجب حضرتك؟"
"عجبني أوي بس كئيب... معقول هو اللي اختاره؟ مش دي شخصيته..." قالتها شهد وهي تتطلع على الحائط بعينين منكسرتين.
قالت آلاء بابتسامة متزنة: "أحيانًا اختياراتنا بتبقى مرتبطة بذكرى معينة... مش شرط يكون نابع من شخصنا."
أومأت شهد برأسها بتفهم: "يمكن... ممكن أتكلم معاكي شوية يا آلاء؟"
أكدت آلاء بحبور: "أيوه طبعًا، أنتِ تأمري."
وقفا معًا في شرفة الشقة التي يتم تجهيزها الآن على نطاق واسع.
قالت آلاء بعملية: "مفيش أي ملاحظات عند حضرتك على الشغل اللي اتعمل؟ لو في أي حاجة حابة تضفيها أو تغيريها أنا تحت أمرك."
سحبت شهد أكبر قدر من الهواء البارد ثم قالت بتريث: "مش هو ده اللي جايالك عشانه، أنا جايه في موضوع تاني خالص."
قالت آلاء: "أؤمري."
فتحت شهد سحابة حقيبتها وأخرجت منها رزمة مالية: "الأمر لله وحده... خدي دول يا آلاء."
نظرت آلاء للأموال بعلامة استفهام: "إيه دول يا آنسة شهد؟ أنا لسه واخده دفعة كبيرة تحت الحساب من الأستاذ عاصم."
قالت شهد بنبرة حاسمة: "ده ملوش علاقة بالشغل، ده ليه علاقة باتفاق هتفق معاكي."
قالت الفتاة بتوجس: "مش فاهمة اتفاق إيه؟"
بللت شهد شفتيها وهي تقول بنظرة حازمة: "أنا عايزك تاخدي وقتك أنتِ والعمال في تجهيز الشقة، هو المفروض فاضل قد إيه من المهلة المحددة؟"
قالت آلاء: "أقل من شهرين."
قالت شهد بأمر: "خليهم سبع شهور."
انعقد حاجبا آلاء: "مش فاهمة."
قالت شهد بعد أن سحبت نفسًا مضطربًا: "يعني خدي وقتك في توضيب الشقة، ولو عاصم سألك قوليلوا إنّي طلبت منك تعديل في كذا حاجة وغيرت في الديكور أكتر من مرة وده عجزك وخلاكِ ما تخلصيش في الوقت اللي اتفقتوا عليه."
قالت آلاء بعفوية: "طب وحضرتك ليه عايزة تعملي كده؟"
توترت حدقتا آلاء فور نظرة شهد المحذرة.
فقالت بتلعثم: "مش قصدي أدخل بـ..."
قالت شهد ببرودة أعصاب: "مسألة شخصية... أتمنى تلتزمي بالاتفاق، والفلوس دي اعتبريها عربون، وأكيد هيبقى فيه زيهم لو استمريتي في اللي طلبته مني."
نظرت آلاء للأوراق النقدية بين يدي شهد ثم لعينا شهد الجادة المنتظرة.
فمدت آلاء يدها مستسلمة.
بعد لحظات من الصمت قالت بتردد: "اللي تشوفيه طالما مسألة شخصية ومش هضره لحد. اتفقنا."
فوضعت شهد يدها في كف آلاء دون تردد أو تراجع عن الأمر. فمن الآن وصاعدًا ستواجه دون خوف أو حذر!
***
وقفت فوق الصخور وأمام البحر الهائج بأمواجه الثائرة، عاقدة ساعديها تشاهد بعقل شارد وقلبٍ عالق في دهاليز الماضي وظلامه.
عندما داهم أنفها عطره، أغمضت عيناها بتأثر، وهي تعد من واحد لعشرة لترتب أفكارها للمرة المائة. شعرت بدفء يسري في كامل جسدها كسائل وردي دافئ براق، عندما أهداها قبلة حانية على وجنتها الشاحبة، هامسًا بتحية الصباح المعتادة التي أدمنت عليها.
"صباحك شهد... يا ست الحسن."
اكتفت بإيماءة وهي تنظر لعينيه بشوق أخفته تحت قناع البرود.
"صباح النور... كويس إنك جيت زي ما قلت لي."
ضيّق عيناه وهو يقف أمامها، والبحر جوارهما يثور ويتناثر على الصخور بالأسفل، بينما يقفا هما على الصخور العلوية.
"وأي اللي هيخليني أتأخر عليكي وما يجيش؟"
زمّت شفتيها بعتاب: "ده السؤال اللي المفروض تجاوبني عليه."
وضع يداه في جيب بنطاله: "اللي هوه..."
رمشت بأهدابها عدة مرات بانفعال، وأذنيها ووجهها يغطيهما حمرة الغضب.
"فات قد إيه على معاد فرحنا يا عاصم؟"
خفق قلبه متجوبًا معها بحب: "أسبوعين... وعشر ساعات."
نظرت إليه مصعوقة من تلك الدقة، وعندما بادلها النظر بقوة تتوغل لقلبها الملتاع، انتابها انتفاضة خفية، وهي تجلي صوتها باتزان: "أنت غيرت رأيك يا عاصم؟ قولي بصراحة، أنا مش هضايق، بس بلاش تفضل معلقني كده."
"واضح إنك ناسيه إنك مراتي." أخرج زفرة مستاءة. مابال الجميع اليوم معه؟ الكل يختبر صبره وقوة تحمله؟ الصبر والرحمة يا الله!
قالت شهد بصلابة: "مش ناسيه، أنت اللي ناسي إنه كتب كتاب وإننا في حكم المخطوبين."
سألها ببرود: "يعني إيه؟"
رفعت شهد وجهها الأبيض تواجه ظلام عينيه المستعارة بالغضب: "المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، معناه إيه؟ إنك تستنى كل ده بعد ما طبعنا كروت الفرح وحجزنا القاعة؟"
نظر عاصم للبحر مجيبًا: "أنا أجلت الموضوع شوية بعد اللي حصل لك."
قالت بانفعال مكتوم: "أجلته عشاني ولا عشان أهلك رافضين؟"
أدار وجهه إليها بملامح عابسة، فقالتبقسوة: "على العموم أنا هوفّر عليك اللف والدوران، طلقني يا عاصم وكل واحد يروح لحاله."
تبادلا النظرات لبرهة، وكانت ملحمة عنيفة تلفهما في درب محتدم، حتى قطع عاصم الأمر بجملة باترة: "تمام... يلا بينا."
تسمّرت مكانها مبهوتة، تشعر بـ سهام سامة تخترق صدرها.
"إيه... على فين؟"
هز عاصم كتفه ببرود: "هعملك اللي انتي عايزاه."
سألته جافلة: "هتطلقني؟"
أومأ برأسه بعينين صقريتين: "زي ما تحبي... غيرتي رأيك."
هزت رأسها بنفي وهي تنظر أرضًا، مقاومة غصة البكاء الحادة: "أكيد لا... بس أنت وافقت بسرعة دي... معقولة؟"
قلدها في آخر كلمتين بتشنج: "زي ما انتي بتطلبيها بالسرعة دي... معقولة برضه."
ازدردت ريقها بحرج: "أنا بتكلم على حسب اللي شايفاه قدامي."
هتف عاصم بتهكم: "وأنا رديت على حسب كلامك... يلا أنفذ لك اللي انتي عايزاه. دي تاني مرة تطلبيها وأنا مش هستنى التالتة."
شعرت بنغزة مؤلمة في قلبها، فقالت بتكتف: "واضح إنك حابب ترجع لمراتك الأولى."
صاح في وجهها بعصبية مفرطة: "قصدك طلقـ... طلقـ... طلقـ...!"
تماسكت أمام غضبه السائد: "مش هتفرق كتير، كده كده أنت عايز ترجع لها."
هتف عاصم بسخرية سوداء محدثًا نفسه بصوتٍ واضح: "غيرانة الهانم، مع إن طلقني على لسانها زي البانة."
رفعت شهد إصبع التحذير: "اتكلم بطريقة أحسن من كده... أنا مش بحب التجريح."
أنزل إصبعها من أمام وجهه بنفاذ صبرٍ زائرًا: "لكن أنتِ تجرحي عادي مش كده؟"
قالت بصوتٍ متهدج بالمشاعر العنيفة: "أنا بتكلم على حسب اللي شفته منك الأسبوعين اللي فاتوا... ده غير إنك قللت مكالمتنا وأنا النهاردة اللي طلبت أشوفك."
تافف عاصم وهو ينظر للبحر بنفسٍ مليئة بالهموم: "عشان أنا في مشاكل... في مشاكل من ساعة آخر مرة كنت معاكي فيها، مشاكل فوق راسي من كل ناحية وبحاول أحلها."
ألمها قلبها لأجله، فقالت بترفق: "أكيد مشاكل بسبب اللي حصلي... بلاش تقاطع أهلك عشاني يا عاصم... خلينا ننفصل بهدوء."
زمجر عاصم من بين أسنانه بنفاذ صبر: "دي تالت مرة تنطقيها يا شهد."
"ده لمصلحتك صدقني." قالتها بثبات تحسد عليه.
فعيل صبره بسأم: "عليكي برودة أعصاب هتشلني."
تحاشت النظر إليه موضحة: "دي مش برودة أعصاب، ده المنطق."
تضخم صدره بمشاعر سوداوية، فنظر لها بانفعالٍ متجهم: "والمنطق بيقول إننا نطلق ونسيب بعض مع أول اختبار حقيقي لينا... إزاي بتتخلي عني بسهولة دي وأنا ماسك فيكي ومتمسك؟"
لمعت عيناها بدموع وهي تنظر إليه بضعف: "عشان مترجعش تقول ياريتني... ياريتني سبتكم من الأول."
انعقد حاجباه بعدم فهم: "وليه هقول كده؟ إيه اللي هيخليني أندم يا شهد؟"
اعتصر قلبها قبضة جليدية، فقالت: "معرفش... محدش عارف بكرة مخبي إيه."
أعشقك يا عاصم، أقسم لك إنني أصل معك لقمة العشق، لكني أخدعك، أستغلك عن قصد، لكن لي أسبابي التي ربما إن عرفتها تترفق بي أو لا!
سألها عاصم بعد لحظات من الصمت: "أنتِ عايزة تطلقي؟"
انعقد لسانها وطالت النظرات بينهما، كـ لحن حزين يقطع نياط القلوب.
"واضح إن السكوت علامة الرضا... اركبي العربية." قالها عاصم بجمود وهو يشير على السيارة خلفهم.
لم تتحرك شهد، بل سألته مصعوقة: "على فين؟"
رد بنظرة جامدة وكأنه يضعها تحت الاختبار: "على المأذون... يلا ننفصل من غير شوشرة."
خفق قلبها بقوة مؤلمة وبهت وجهها بشدة، والأحرف تتعرقل على لسانها: "نـ... ننفصل... ما ا... أنا لازم أبلغ أهلي."
هز عاصم رأسه بجدية شديدة: "لا، بعد ما نخلص نبلغهم عشان ميضغطوش عليكي."
هل سيتركها فعلًا بهذه السهولة؟ تراجعت للخلف خطوة وهي تلملم شتاتها، ففلتت من بين شفتيها شهقة هلع.
"آه..."
مسكها من خصرها بقوة قبل أن تنزلق قدمها أرضًا: "حاسبي."
أغمضت شهد عيناها لثوانٍ، وعندما شعرت بذراعيه القويتين تحتوي خصرها وتدعمها، حتى فتحت عيناها تنظر إليه.
تأمل عاصم عسليتها في تلك الميلة البسيطة، فكانا كشمسان يضويان في ساعة المغيب فوق زرقة المياه. سألها وعيناه تتشرب من جمال حسنها: "أنتِ كويسة يا شهد؟"
همست بضياع خارج حدود النص: "أنت هتطلقني... هتطلقني بجد يا عاصم؟"
عدّلها بحركة بسيطة ثم تكلم بحيرة من فهم تلك المخلوقة غريبة الأطوار: "حيرتيني معاكي، وكأن أنا اللي طلبت مش أنتِ... أنتِ عايزة إيه بالظبط؟"
همست باعياء وهي ترجع خصلاته للخلف: "مش عارفه... مش عارفه."
نظر عاصم لها طويلًا ثم قال دون ابتسام: "بس أنا بقا عارف."
***
كانت طوال تلك الرحلة القصيرة بسيارته صامتة، واجمة الملامح، باهتة النظرات، وكأنه يقودها للجحيم! عضت على باطن شفتيها وعقلها يتأرجح بين الندم والغضب. هل سينتهي الأمر بهذه السرعة؟ وكأنه كان ينتظر قرارها حتى يلوذ بالفرار.
رمشت بأهدابها عدة مرات بعصبية، وأذنيها تزداد احمرارًا ووجنتاها تلتهبان غضبًا وقهرًا. يحترق صدرها بأتون حارق من الغيرة، فهي بغباء ستفرط بحقها به وتتركه لغيرها؟ إنها تعذب نفسها وتقحم قلبها في قصة حب بائسة، فلو كان متمسكًا بها ولو قليلًا ما كان ابتعد عنها سابقًا لأسبوعين كاملين متحججًا بمشاكله، وهو في الواقع يحاول التأقلم على بعدها!
وكأنه انزعج من ضجيج أفكارها، فقرر سؤالها: "بتفكري في إيه؟"
لم تنظر إليه، بل قالت باقتضاب: "ولا حاجة... هو لسه بدري على مكتب المأذون."
"قربنا... ياترى بعد ما نـ..." جز على أسنانه وهو يركز على الطريق، سائلًا بفضول وتسلية: "بعد ما نسيب بعض هتعملي إيه؟"
نظرت ليدها التي تضغط عليها بحنق: "هعمل إيه؟ هرجع لحياتي من أول وجديد."
سألها بهدوء: "إزاي بعد اللي حصل لك؟"
لوت شفتيها مجيبة بقلة حيلة: "بسيطة، هبدأ من الصفر تاني، هعمل اسم مستعار وهبدأ أشتغل بيه على النت."
نظر لها بدهشة مزمجرًا بعدم رضا: "مفيش فايدة فيكي... بعد كل اللي حصل لك ولسه بتفكري في الشغل."
قالت بوجوم وهي تنظر إليه بعينان تقدحان شرارًا وغيرة: "والله معرفش شغل غيره... المهم أنت بقا هتعمل إيه لو ننفصل؟"
ادعى التأثر وهو يطرق على عجلة القيادة بحزن: "هعمل إيه؟ هرجع تاني أعيش حياة العزوبية وحيد بين أربع حيطان، شوية في الورشة وشوية في الصاغة."
ازدردت ريقها بتساؤل: "يعني مش هتجوز تاني؟"
نظر لها بطرف عيناه بخبث ثم نظر للطريق وهو يمط شفتيه مفكرًا: "أكيد هتجوز تاني... الواحد برضه لازم يكون في حياته ست حلوة تدلعه وتاخد بالها من طلباته."
غلت الدماء في رأسها، فقالت باندفاع فظ: "مش شايف إنك كبرت على الدلع... وقلة الأدب."
ضحك عاصم باستمتاع مجيبًا بشقاوة: "بالعكس، ده سنها ووقتها، وبتفرق أوي معايا الحاجات دي... ولا أنتِ إيه رأيك يا ست الحسن؟"
نظرت أمامها مقتضبة: "أنا مليش دعوة."
قلدها عاصم بغلاظة: "أنا ملييييش دعووووه."
نظرت له بغضب يتطاير من حدقتاها.
فقال عاصم ببرود وهو يصف السيارة جانبًا: "وصلنا ياهانم."
أشاحت شهد بعينيها عنه إلى النافذة المجاورة، لتجد نفسها في شارع راقٍ ونظيف، وكأنه مقتطف من قطعة فنية منمقة، وأمام عينيها رأت دار أزياء لفساتين العرائس، راقيًا شكلاً ومرموق الهيئة، والواجهة الزجاجية تعرض أفضل وأروع التصاميم العصرية.
خفق قلبها بتوله وهي تنظر لعاصم بشك: "إيه ده؟ المأذون هنا؟ أنت بتهزر؟"
رد عاصم بجدية وهو ينزع حزام الأمان منه: "بيكتب كتاب عرسان جوه... يلا بينا لحسن اتأخرنا عليه."
وكأنه لطمها بقوة، فتسمّرت للحظات وقد قتل الأمل داخلها.
فسألته بتبرم وهي تترجل من السيارة: "مستعجل أوي؟"
"فوق ما تتصوري."
مسك يدها واتكأ عليها بتملك، دغدغ أوصالها، ومن ثم دلفت معه لدار الأزياء يدًا بيد، مشهد لا يوحي أبدًا بزوجين على وشك الانفصال! بدأت تطلع على كل ركن بهذا (الأتيلييه) الفخم، والذي يوجد به أحدث تصاميم لفساتين العرائس بجميع أشكالها وألوانها بأذواق مختلفة.
استقبلتهما إحدى العاملات بحفاوة وتهذيب، ومن ثم أشارت لهما على أحد الغرف الشاسعة، والتي كانت باللون أبيض ناصع يلائم رقي المكان، والموسيقى الكلاسيكية المنبعثة منه. في منتصف أرضية الغرفة يوجد جزء علوي رخامي مصقول على شكل دائرة كبيرة كمسرح استعراضي، وعلى اليمين واليسار مرآتين كبيرتين لترى العروس ثوبها وتقيمه هي ومن يرافقها.
تركتهما العاملة لبضعة دقائق حتى تختار العروس ثوب الزفاف وتبدأ في مساعدتها في ارتدائه.
عندما انفرد بها، تحدث وهو يضع يداه في جيبه، ناظرًا لها بتسلية: "إحنا حجزنا القاعة وطبعنا الكروت، بس نسينا الفستان والبدلة."
قالت شهد بتردد: "معنى كلامك إننا جينا هنا نختار الفستان."
أكد بنظرة جادة مسيطرة: "أكيد... يا ست الحسن... ولا أنتِ ليكي رأي تاني؟"
أشاحت بوجهها وهي تنظر لأحد الأثواب المعروضة على تماثيل مجسمة: "أنا عجبني ده أوي... إيه رأيك؟" أشارت لأحد الأثواب بعشوائية من شدة التوتر.
فنظر عاصم للتماثيل المجسمة المعروض عليها أفخم أثواب الزفاف، فأشار إلى تصميم جذاب من الوهلة الأولى، فتقدم منه: "ده أحلى... هتبقي زي الملكات فيه."
اقتربت من التمثال قائلة بحيرة وقد أعجبها الثوب كذلك وبشدة: "إيه حكايتك؟ مرة ست الحسن ومرة ملكة؟ أنت شايفني مين فيهم؟"
أجاب وهو ينظر لعسليتها البراقة: "الإثنين يا شـهـد."
سألته: "إزاي يعني؟"
سحبها من خصرها فجأة! قشة ووضعت كلتا يداها على صدره تمنعه من التهور، فإنهما في مكان عام ولا يصح هذا. تخلل عطرها الطيب أنفه، عطر أنثوي جامع بين نسيم البحر وعبير الزهور. تلاقت عيناهما في لحنٍ مميز ما بين الحب والكبرياء.
فاضاف عاصم بتأنٍ وعينيها مأسورتين بعينيه القوية: "أوقات بحس إنك ملكة من عصر قديم، عصر فنى ومبقاش موجود غير في كتب التاريخ. ملكة شديدة وقاسية في الحكم على نفسها قبل اللي حواليها، لكنها جميلة لدرجة تحير... روحها الحلوة بطل من عينيها. إذا قربت منها وسرقت مفتاح قلبها مع الوقت هتكتشف إنها أضعف وأحن ست ممكن تقابلها... وإن كل حاجة وحشة عملتها كان قناع بتحمي نفسها وراه."
تخلل الصقيع جسدها وهي تقف أمامه، تشعر بالعراء مع نظرة عينيه الثاقبة المشعة بثقة وتحدٍ، إن أنكرت حديثه الذي رسخ في رأسها الآن كسيف حاد. تراجعت خطوتين للوراء بخوف، وكأنها تحمي نفسها من شعورٍ ما، أغرب من الحب التي تكنه له؟
مسك عاصم طرف ثوب الزفاف الحريري الذي أعجبه وأشار لها: "أنا شايف إن ده أحلى، إيه رأيك؟"
قالت بسرعة وهي تهرب من عينيه: "هجربه."
سحبت ثوبًا مماثلًا له من على علاقة الملابس واتجهت سريعًا إلى إحدى الزوايا حيث حجرة القياس.
نظر عاصم إلى المرآة بوجه صخري وعينين تضويان بالحب و... التحدي. لن يلين قلبك إلا لي، ولن تئنِ حبًا وضعفًا إلا في أحضاني، وسرك سأعرفه يومًا منكِ، ستروي لي التفاصيل بنفسٍ راضية وقلبٍ مطمئن.. أعدكِ بهذا.
بعد لحظات خرجت من حجرة القياسات، بثوب أبيض يلمع بقماشه الحريري الذي يلتف حول قدّها بجمالٍ يسحر القلوب قبل العيون، ينزل باتساع بسيط يصل طوله لآخر كاحلها، ويتدلى جزء منه خلفها كالعروس الملكية. صدق حينما رآها ملكة، ملكة متوجة على قلبه الولهان. كان رائع التصميم الملكي عليها، مميز وعصري، رقيق الطلة، رفيع شكلاً ومضمونًا، وكأنه يثبت أنه أفضل دون أن يمتزج بقماش التل البورد أو لمعة تشغله وتفسد جماله.
وقفت على الأرضية المصقولة العلوية، تستدير يمينًا ويسارًا وهي تنظر عبر المرآتين، تقيم الثوب بتأنٍ. أما هو فوقف كالمسحور يتأمل حسنها بقلبٍ يخر أسفل قدميها عشقًا. عيناه تبرق كالالعاب النارية، ولعابه يسيل في فمه مشتهيًا رشفة من حسنها الغلاب. غلاب ياسيدتي هواكِ، وأنا المغلوب على أمري معك. ماهو سرك ياجميلة ولماذا تبتعدي بأحزانك عني آلاف الأميال؟ أريد أن أعالجك وأعالج قلبي بشفائك، فمتى يحين الوقت وترفعي راية السلام.
بوجنتين حمراوين وعينين خلابتين سألته: "إيه رأيك... حلو؟"
وضع يداه بجيبه وهو على بعد مسافة منها، وعيناه مثبتة عليها: "أنتِ شايفه إيه؟"
استدارت يمينًا ويسارًا بتأنٍ: "بصراحة عاجبني أوي... وكأنه اتعمل عشاني."
أومأ عاصم برأسه مبتسمًا: "أنا كمان شايف كده... حلو أوي عليكي. بس لو حبيتِ تجربـ... تجربي حاجة تـ..."
رفضت بهدوء وهي تتشبث بأطراف الثوب بسعادة طفلة تشع من عسليتها: "لا، أنا هاخده خلاص، أنا مقتنعة بيه."
همست سرًا بروح متوهجة: (يجنن... إزاي قدرت تقنعني بذوقك!)
قالت العاملة بحبور، والتي ساعدتها على ارتداء الثوب: "بجد هو جميل أوي عليكي، ماشاء الله... ذوق حضرتك هايل."
وجهت الحديث لعاصم، فابتسم وعيناه تأسر الكهرمان بحب وهي تبادله النظرة بكبرياء يليق بها.
***
في صباح يومٍ جديد، دلف إلى مكتبه الخاص بكامل أناقته، يرتدي حلة رسمية أنيقة، مصفف شعرها للخلف، ويضع عطره القوي المميز. انعقد حاجباه بحيرة عندما لم يراها على مكتبها ككل صباح.
فأتجه إلى مكتبه وهو يجري اتصالًا بها. عندما فتح الخط سألها بلهفة: "أنتِ فين ياعصفورتي؟"
ضحكة برقة وهي تثرثر كالعادة، ثرثرة تشبه زقزقة العصافير، مزعجة لكنها مقبولة لجمال مغردها. (أنا في السكة... تصور عزيزة بايظة... الكاوتش مريح حبتين... عايزة منفاخ... روحت اشتري منفاخ، قعدت نص ساعة أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفــ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفــ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ... أفـ...
رواية الحب اولا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دهب عطية
بدأت تأخذ انفاسها وهي تلهث بسرعة قصوى…. وكانها عادت للتو من سباق، جبينها يضخ بقطرات العرق وجسدها العاري اسفل الغطاء متخدرًا من
شدة الذات….
كانت في حالة مزاجية جيدة لممارسة الحب عندما عادت للبيت فورًا تبادلا القبل والاحضان بلوعة واشتياق جعل كلاهما يكملا الباقي من الليلة على الفراش بأجساد ملتحمة منصهرة وقلوب ثملة بمشاعرٍ منتشية ويبدو ان مشهد رقص العرسان الشاعري دفعهما لتجربة الحب على طريقتهما الخاصة !….
لكم هو ممتع هذا الشعور ان تكون بين يدي من تحب يمارس الحب القوة والسيطرة عليك…أحاسيس غريبة جميلة متعبة تستشعرها بين يداه ومع ذلك التناغم بينهما يفوق الوصف وكانهما زوجين منذ
زمن بعيد…
تنهدت وهي تبتسم لترفع راسها وتضعها على صدره العاري تداعب باصابعها النحيلة الشعرات السوداء الصغيرة في صدره العريض…بينما يعانقها هو بذراعه وباصابعه يلامس كتفها العاري وبشرتها الناعمة ناظرا لسقف الغرفة شاردًا ينظم أنفاسه العالية بتدريج…
تسيل لعابه تلك المدلله من نظرة واحده تغوية ماذا ان بادلته العناق والقبلات بشوقًا وشراسة تضاهيه كاليوم مثلا…شهية المذاق هي بطعم (الخوخ..)حلوٍ ولاذع بجسد انثوي فاتن ناعم كالحرير….
“سلطن…..”
عند نداؤها ابتسم وكان رده همهمات خشنة
وعيناه معلقة على السقف…..
مطت شفتيها بدلال وهي تمسك ذقنه وتسحب وجهه
لعندها فنظر لها عاقدًا الحاجبين فقالت….
“انت ليه لحد دلوقتي مسألتنيش اذا كنت بحبك ولا لا…”
اجاب بثقة وهو يغمز لها….
“مش محتاج اسأل الجواب باين من عنوانه…”
رفعت حاجبها مستنكرة….
“ازاي بقا….”
اخبرها بثقة دون النظر لعيناها…..
“قولتي قبل كده ان مينفعش المسك إلا لو كنتي
بتحبيني….وأكيد اللي حصل الأيام اللي فاتت
بينا والنهاردة بذات أكد انك بتموتي فيا….”
ضحكت ضحكة خجولة وهي ترفع راسها عن صدره سانده على كفها المرفوع….ناظرة اليه بشقاوة….
“وليه النهاردة بذات اتأكدت…..”
“كان باين عليكي اني وحشك أوي…”سحبها من عنقها بكفه قاضمًا شفتيها بشراسة…فضحكت داليدا وهي تبعده عنها…
“مش حقيقي مكنتش وحشني….”
نظر لها بوقاحة قائلا ببال رائق….
“كدابة كل حته فيكي وقتها كانت بتنادي عليا….تبقي بتموتي فيا ولا لا…..”
تنهدت معترفة وهي تميل عليه وتطبع قبلة سطحية
على شفتيه الغليظة…
“بموت فيك اوي….ياسلطان…..”
ارجع شعرها الناعم خلف اذنها وعيناه تاسرها
بالحب سائلا بلهفة… “واي تاني يادودا…..”
طبعت قبلة أخرى قائلة بلوعة….
“بحبك ياحبيبي….بحبك أوي ياسلـطـ……”
ماتت حروف اسمه على شفتيها بعدما طل عليها بهيئته الرجولية يشبعها قبلات وهمسات جعلها تئن بين يداه بضعف مطالبة بالمزيد ، وكل جزءًا بجسدها يذوب معترف بالهوى بالانتماء لهذا الحبيب يسلم حصونه من لمسة واحدة…..
يرتوي من سقاء الحب ، فزهرة الحب تحتاج للروي باستمرار !..
دخلت بعد لحظات تسير بتغنج حافية القدمين بقميصها الأزرق القصير وبين يداها طبق زجاجي كبير به معلقتين…..جلست على حافة الفراش لتجده جالسا على الفراش عاري الصدر ببنطال قطني ينفث من سجارته بشراهة….
سحبت منه السجارة والقتها في المرمدة قائلة
بضيق بالغ..
“امتى تخف السجاير دي…. بتخنقني….”
ابتسم لعيناها الحانقة ثم مد يده وتحسس وجنتها
بحنو قائلا بصوتٍ أجش…
“طالما بتخنقك مش هشربها قدامك….”
زمت شفتيها الشهية مستهجنة…
“ولا من ورايا….عشان صحتك ياحبيبي….”
خفق قلبه بشدة جراء هذا اللحن المتناغم المنساب
من كلمة واحده (حبيبي)!….لذا عقب بمرح
غامزا…..
“حبيبي؟!…انا كده قلبي هيدخل الانعاش…انتي
ناويه على إيه ياداليدا….”
قالت بتنغج وهي تعانق كفه بيدها….
“ولا حاجة بدلعك وبحب فيك مش انت حبيبي وجوزي… وبلاش انعاش والكلام ده بعد الشر عليك….ربنا يخليك ليا…..”
“ويخليكي ليا يادودا…..اي اللي جيباه ده.. “سالها
مشيرًا بعيناه على الطبق التي وضعته جانبًا….
تناولته بين يداها قائلة بابتسامه
حلوة….
“سلطة فواكه….عملتهالك بايدي…..”
سالها وهو ينظر في الطبق….. “فيها خوخ….”
اومات براسها ضاحكة…فاسترسل هو
بلؤم…. “طب ماتجيبي حته ولا انتي بخيلة….”
ابتسمت وهي تاخذ الطبق وتبدأ باطعامه بالمعلقة بيدها قائلة بحماس…..
“انا عملاه عشانك… قولي اي رايك….”
عندما أكل ما في المعلقة تضاربة الاطعمة في
فمه و بين الحلو ولاذع أخبرها بعبث…
“حلوة اوي بس نقصها حاجة مهمة…..”
ابتسمت داليدا عندما قبلها فجأة ثم عاد يمضغ الطعام…مبتعدًا عنها مضيفا بتلذذ….
“كده بقا أحلى….”
ضحكت وهي تتشارك معه من نفس الطبق
وتسامره قائلة…
“سلطان انت نفسك في ولد ولا بنت….”
“انتي نفسك في إيه….”سالها وهو ياكل باستمتاع…
فبرقت عينا داليدا كالنجوم وقالت بحماسية…
“نفسي اجيب توأم بنتين…. وتوأم ولدين… وتوأم تاني ولد وبنت…..”
فغر شفتاه معقبا باستنكار….
“انتي دخله جمعيه بروحين أهدي مالك…..”
ضحكت داليدا قائلة بحرارة….
“مش عارفه هو انا نفسي اجيب توائم ورا بعض…”
لوى شفتيه بتهكم قائلا بسخرية….
“فكرتيني بواحده جارتنا ربنا كرمها بتوأم من هنا…راحت
العباسية من هنا…..”
انعقد حاجبا داليدا بفضول…
“ليه يعني هما كانوا اشقيه….”
اخبرها سلطان بطرافة….
“هما ملحقوش يبقوا اشقيه….قلة النوم جننتها ياولداه..”
قالت داليدا باستهانة وهي تنظر إليه…
“عادي على فكرة انا بحب السهر وبعدين مانت هتساعدني ياسلطن انا واحد وانت واحد…..”
نظر اليها قليلا ثم استبعد الفكرة قائلا
بتملك….
“بس انا مش عايز عيال دلوقتي انا لسه
مشبعتش منك..”
قالت داليدا بانتشاء وعيناها تضوي
بلهفة…
“انا نفسي اجيبهم شبهك كلهم…حلوين كده
واقوية..”
ابتسم وهو يرسم معها الاحلام…..
“والبنات تطلع حلوة زيك وصغننة…..”
قالت بتورد…. “يعني انت شايفني حلوة….”
وضعت داليدا طبق الفواكه جانبا بعض ان انتهيا منه…
فاخبرها سلطان بعيون تلمع بالحب….
“امتى شوفتك وحشة يادودا…طول عمرك حلوة من أول يوم شلتك فيه على ايدي……وانا متنبأ انك هتبقي عفريته صغيرة وهتتعبي الكل معاكي…بس مكنتش اعرف اني من ضمن اللي هيتعبوا معاكي…”
انحنى حاجبيها بحزن قائلة باندفاع….
“تعرف أوقات بتمنى لو كنت حبيتك من زمان
ساعتها مكنتش هتردد لحظة واحده اطلب ايدك
من أبوك..”
عبس وجه سلطان فقال بتجهم….
“إزاي تطالبي ايدي من أبويا ؟!….انا في ناس
متكلمه عليا…. ”
لكزته داليدا قائلة بتبرم…..
“بتكلم بجد ياسلطان….يارتنا كنا مع بعض من
الأول.. ”
سالها باستفهام وهو ينظر لعيناها السوداء المموجة
بالكثير من المشاعر…..
“ليه بتفتحي في القديم ياداليدا مش المهم النتيجة وان احنا في الاخر بقينا مع بعض….”
تاففت بنزق قائلة بغيرة شديدة……
“بصراحه انا غيرة اوي لما شوفت شهد وعريسها في الفرح مش غيرانه منها طبعا بس يعني اتمنيت اوي لو كنا في فرحنا كده….انا فكرة اوي انا احنا مكناش طايقين بعض وقتها…..”
أكد وهو يضرب على ركبته مستعيد الذكريات
الغير مرحب بها هنا والان !…..
“حصل انا كان نفسي اطبق في ذمارة رقبتك….”
هتفت داليدا بشراسة وهي ترفع قبضتاها الاثنين
امامها…..
“وانا كان نفسي اطلع مصارينك بسناني….”
جفل سلطان وأرجع راسه للخلف
هازئا…
“ياسلام على الرقه والحب…..”
فور جملته جزت على اسنانها قائلة بتذمر…
“مش بقولك غيرانه…كان نفسي نحب في بعض
كده ونرقص سوا على اغنية حلوة…”
اقترح سلطان بلؤم…..
“انا مستعد اتجوزك من تاني واعملك فرح محصلش….بس انا مش مسئول عن الكلام اللي هيتقال علينا… ”
قالت داليدا بلا مبالاة….
“هيقولوا اي يعني….مجانين مثلا…..”
ابتسم بسخرية معقبًا…..
“انتي بنسبالك طبعا دي مش شتيمه دا أسلوب حياة….”
هتفت مستهجنة وهي تلكزة في
صدره….
“اي الرخامة دي انت شايفني مجنونه….”
رفع احد حاجباه ثم رد غامزًا بخبث….
“دا انتي ست العاقلين…سيبك من الفرح اللي عدى
عدى احنا نعمل دخله جديده وعوضك عن الأولى.”
عندما اقترب منها حاولت ابعاده قائلة
بخجلا…. “بس بقا…..”
اصر وهو يميل عليها اكثر مسيطرا عليها يمنعها
من الفرار…. “والله ابدا لازم اعوضك…..”
مالى عليها وبد يدغدغ عنقها باسنانه واصابعه
من عند الخصر واسفل ذراعيها حتى بدأت تضحك بهيسترية وهي تحاول ان توقفه…لكن دون جدوى فظلت تضحك بقوة وهو معها يشاركها الصخب والمرح بقلب يهوى ويذوب عشقا في الأميرة المدللة…..
…………………………………………………………….
بد المطبخ وكانه مهجور دون رفيقته ينقصه شيء
مهم ، فلو كانت الحوائط تنطق لقامت بالنداء عليها
(شـهـد..)
اين هي؟!.. مقلاتها المفضلة بانتظارها معلقتها الخشبية تنتظر مسكت يدها…كل ركنا هنا يفتقد سيدته الطاهية البارعة…..
ليس المطبخ فقط من يفتقد روحها العطرة وبارعتها
في الطاهي بل هناك أشخاص لم يعتادُ بعض على هذا الهجر…
فهي لم تبتعد يومًا…. كما ابتعدت الآن
مسحت كيان دمعه فارة من عيناها وهي تقطع الخيار
على القطاعه لاعداد السلطه بينما قمر تطهو الطعام
على الموقد…..
يقفا الإثنين صامتين محدقين فيما يفعلوا لكن عقولهن شاردة في مكانا اخر وكلتاهما يحملا نفس
الإحساس…
الفقد ؟!..
أشتاقا لها جدًا رغم انه لم يمر على زواجها إلا ليله
واحده، لكنهما اعتادا وجودها ان يروها صباحًا هنا
في المطبخ تعد الفطور مبتسمة بصفاء روحٍ و برقة
وحنان تحتويهم جميعًا…..
أُمًا هي رغم صغر سنها ، رقيقة هي وحانية رغم قسوة الحياة عليها….تأسر الجميع بحبها من عدة كلمات متبادلة ماذا عن اخوة عاشا حياتهما معًا ومرا بظروف عدة اغلبها صعبةٍ ولا تحتمل…..
العائلة مثل تروس الساعة لكلا منهم اهمية في
بقاءه مع الأخرى وان اختلى ترسٍ واحد تتوقف الباقية عن المتابعة ؟!…..
فلتة شهقة بكاء من بين شفتي كيان.. فنظرت لها
قمر بهلع واقتربت منها سريعًا بعطف تسالها…
“مالك ياحبيبتي…. السكينة عورتك….”
مسحت كيان دموعها وهي تترك السكين جانبا قائلة
بصوتٍ باكٍ…..
“انا عايزه اكلم شهد…..شهد وحشتني اوي… انا خايفه
تسافر من غير ما أشوفها….”
ربتت قمر على كتفها قائلة بهدوء….
“اهدي ياكيان…. زمانها دلوقتي نايمه…احنا كدا كده
هنروح لها على المطار عشان نسلم عليها… كلها ساعتين اصبري…..”
قالت بنشيج متهدج….
“انا مش عارفه ليه اتجوزت ماكانت فضلت قاعده
معانا….”
ابتسمت قمر وهي تضيق عينيها بلؤم…
“ياسلام ما انتي كمان كلها كام شهر وتجوزي…وكنتي
هتسبيها برضو لوحدها….”
اسبلت كيان اهدابها ولم ترد…فمسكت قمر
كتفها قائلة بحنو….
“دي سنة الحياة ياكيان مفيش حد بيختار يسيب أهله…. وبعدين هي مش مهاجره.. هتقضي شهر عسل
مع جوزها وهترجع تاني على اسكندريه ابقي روحي
زوريها في شقتها لم ترجع بالسلامة….”
قالت كيان بشجن…
“انا مش متعوده اصحى من النوم ملقهاش…”
لم تزول ابتسامة قمر بل قرصة وجنة كيان
قائلة بمودة….
“انا كمان اتعودت على وجودها أوي… بس هنعمل إيه
ادعيلها ان ربنا يسعدها ويهدي سرها مع جوزها…
ويعوضها خير…. هي شافت كتير وتستحق تعيش
زي اي بنت في سنها تحب وتجوز وتجيب ولاد
حلوين يقولولك ياخالتو….”
ابتسمت كيان عند تلك الخاطرة فقالت
بمرح طفيف….
“انا مبحبش خالتو دي.. هخليهم يقولولي ياكوكي..”
سالتها قمر بمناغشة…
“هتبقي خالة فرفوشة يعني….”
أكدت كيان بغمزة شقية…
“وهبقا عمة فرفوشة برضو….”
احمرت وجنتا قمر بخجلا إلا انها قالت
بمحبة….
“هتبقي أحلى خالة وعمة ولا تزعلي….”
بللت كيان شفتيها وهي تسالها بتردد…
“قمر انتي لسه شايله مني من ساعة طقم
الالماظ…”
نظرت لها قمر بقنوط….
“بلاش تفتحي السيرة دي احنا خلاص قفلناها…”
سحبت كيان نفسًا طويلًا تشجع نفسها على تلك الخطوة ثم قالت معتذرة….
“سامحيني ياقمر انا ظنيت فيكي ظن وحش… بس
انا مكنتش قربت منك اوي زي دلوقتي… انا لما عرفتك اكتر حبيتك وبقيتي عندي من غلاوة شهد
وحمزة…فبلاش تزعلي وسمحيني على الموقف البايخ ده انا كنت رخمه اوي وقتها….”
هزت قمر راسها قائلة بصفاء…
“حصل خير والله انا مش زعلانه…. انتي برضو
اختي الصغيرة…..”
ابتسمت كيان وهي تفتح ذراعيها لتعانقها فبدلتها
قمر العناق بمحبة وهي تربت على ظهرها بحنو فرفعت عيناها عند باب المطبخ لتراه يقف عنده
يتابع ما يحدث منذ البداية بابتسامة رغم نقاءها
حزينة جدًا……
هو ايضًا اشتاق لتؤامه،تعلم دون ان يعبر عن هذا
ولو بنظرة…تعلم فهي على دراية بان علاقته باخته تخطت الأخوة والصداقة بل هي شيءٍ اخر اكثر
عمقًا وصلابة ترابط امتن وأكبر من صلة الدم…
انهما كالحياة لبعضهما !…
“هنقضيها اعتذرات واحضان…فين الغدا انا
جعان….”
قالها حمزة وهو يمط شفتيه بملل…ففصل الفتاتان
العناق وقالت قمر وهي تمسح عيناها….
“هغرف الأكل خلاص…حضري السفرة ياكيان…”
اومات كيان براسها وهي تحضر الاطباق….
بعد لحظات قليلة تجمع ثلاثتهم على السفرة
ومقعد شهد فارغ والذي يجاور حمزة…
بدا حمزة في الاكل والجميع بصمت..وعندما اعجبه
مذاق الصنف الذي ياكله قال وهو شارد في الاكل…
“شهد بتحب الاكل دي اوي…. ابقوا شلولها منها…”
توقفا الفتاتان عن الأكل لبرهة وهم ينظروا اليه
فتوقف عن الاكل وهو ينظر اليهن وقد انتبه
للتو بما نطق به….لذا كان رده ابتسامة بسيطه
قائلا…..
“واضح اني مخدتش كفيتي في النوم…بقالنا
اسبوع بنام متاخر ونصحى بدري….”
جارته كيان في الحديث في سهوةٍ….
“بس كانت ليلتها حلوة…والقاعة جميلة…سليم
قرر يعمل الفرح فيها…”
اوما حمزة براسه وهو ياكل….
“ومالوا عرفيه اني هدفع معاه بالنص طالما ليلتنا
هتبقا سوا….”
قالت كيان بتردد….
“وهتجيب الفلوس منين ياحمزة….دا مبلغ برضو..”
لوى شفتيه بسخرية….
“البركة في ابوكي…..هيساعدني….”
نغزها قلبها بعد حديثه الذي يقطر مرارة…فانكمشت
تحني راسها وهي تتابع مضغ الطعام بصعوبة وكانها
تمضغ حصى….
لكم هو مؤلم ان تدعي العمى رغم انك بصيرًا؟!…
علقت كيان متعجبة….. “معقولة…”
اكد حمزة دون دخول في التفاصيل….
“معقولة اوي…..امال انتي كنتي عايزة خطيبك
يجبي عليا ولا إيه….”
رمشت كيان باهدابها
بحرج…
“مش قصدي بس….”
قاطعها حمزة بصرامة…..
“مفيش بس.. يوم مايجي يحجز هبقا معاه…وهدفع
زي زيه…..اتفقنا.. ”
هزت كيان كتفها بانصياع…. “زي ما تحب…..”
اوما حمزة براسه ناهضًا وهو يقول
بفتور…
“انا شبعت تسلم ايديكم….”
بعد ان غسل يداه اتجه الى الشرفة يشعل سجارته
وهو ينظر الى المارة بالاسفل وتتخلل رئتاه عبير
البحر المنعش البارد…..
مع عبير البحر ابتسم وعقله تنشط بذكرةٍ بعيدة
في طفولته مع الغالية رفيقة دربه في الأوجاع
فبل الأفراح…….
ضحكت بصخب عالٍ وهي تركض على الشاطئ
وهو خلفها وكانت حينها في عمر الثالثة عشر
وهو يكبرها بعامين فقط…..
(تعالي ياشهد بقولك والله ما اسيبك….)
صاح بها حمزة بغضب وهو يركض خلفها بسرعة قصوى……
ادارة وجهها لها واخرجت لسانها بعناد…لتجد نفسها
فجاه تتعرقل وتقع على وجهها…..
صرخة من كاحلها قائلة بوجع….
(آآآآي رجلي…رجلي…..)
انحنى حمزة بخوفًا جوارها يسالها بلهفة وهو يتفحص كاحلها…..
(مالها رجلك…وريني…)
راها تنزف دم ويبدو انها داست على شيءٍ حاد…
جففه لها بمنديلا ورقي على عجله قائلا…
(خلينا نروح نعالج رجلك في البيت….هي تعويره
بسيطه عايزة مطهر وشاش تتلف بيه…..تقدري تدوسي عليها؟..)
اومات براسها وهي تتحمل لكنها صرخة عندما حاولت وضعها على الرمال الباردة…..
أولاها حمزة ظهره قائلا باستياء…
“أمري لله اطلعي ياسنجابه ياصغيرة خلينا نوصل
البيت قبل مالدنيا تليل…..”
ضحكت شهد وهي تقفز على ظهره برشاقة لتعناق
عنقه من الخلف بكلتا يداها وساقيها على خصره
يدعمهما هو بيداه….
سار بها على الشاطئ وقد بدا المغيب يسدل
ستائره الذهبيه على سطح المياة في مشهد
رائع… قالت شهد بدلال…..
(حمزة غنيلي….)
زمجر حمزة بحنق شديد….
(كمان انتي خدتي عليا اوي يابت انتي….)
قرصته شهد من وجنته قائلة….
(غني بقا ياحمزة….بالله عليك…حاجة لمنير…)
صمت قليلا يبحث عن اغنية يحبا سماعها
معا لهذا المغني المفضل عند اخته…
يغني بصوتٍ خشن قليلا لكنه مرهف
الإحساس….
(ساعات احب حاجات مايحبهاش غيري…)
تابعت شهد مبتسمة….
(في الريحة والجاية… بغني مع طيري…)
تابع حمزة وهو يتابع السير وهي على
كاهله….
(طمني اطمن…. في القلب راح أسكن… وطول
هواكي معايا ادفى واطمن…..)
قالت شهد بتزمر…..
(الاغنية حلوة من الاول قولها من الأول….)
قال بغلاظة…..(انا بحب الحته دي بس….)
شدته من اذنه قائلة بتحكم…..
(اسمع الكلام بقا لحسان اعضك….تعالي نغني
سوا….)
اوما براسه بنفاذ صبر وبدأت اصواتهما تمتزج مع
كلمات الاغنية……
(ياما في زمانا قلوب راسماها أعمارنا زي النجوم حواديت على ضل شباكنا..دي مركبة فضة وفرحي لو قضى حبيبتي تبقى معايا من غيرها مش هرضى….)
سكتت شهد تبتلع ريقها فتابع بحمزة مستمرًا
بنفسًا طويل…..
(ساعات أتوه مرات ألقى القمر هدى يسقي النسيم شربات في ليل طويل عدى…لصعب راح ولا الحب
ده أحلى لو وقفت الساعات صوتي أكيد أعلى…)
هتفت شهد تغني معه بلهفة…..
(والحلم ويايا والذكرى جوايا من بين كتير حكايات حكايتنا دي حكاية…)
ضحكا سويا وهما يتابعا طريقهما على الشاطئ
يرددُ كلمات الاغنية من جديد بروح طفولية
متوهجة بالحياة بالحب بالأمل رغم كل شيءٍ
يتعرضا اليه من تعنيف وترهيب وقسوة…
“عملتلك شاي بدل القهوة…شاي بالقرنفل هيعجبك…”
قالتها قمر بهدوء والتي اقتحمت خلوته دون سابق
إنذار…..
اخذه حمزة منها قائلا
بفتور….”تسلم ايدك….”
وقفت قمر جواره تساله
باهتمام….
“انت كويس ياحمزة….”
نظر لبنيتاها قائلا….. “انتي شايفه إيه…..”
اشاحت بوجهها وهي تقول
بحرج…
“حاسه انك مش مبسوط…..”
أكد وهو يشيح وجهه للامام كذلك…..
“مش متعود ملقهاش في البيت….مش متعود تبعد
عني أصلا….شهد بنسبالي بنتي مش بس اختي….”
ترقرق الدمع في عينا قمر فابتسمت وهي تنظر
إليه….
“عارفه بس دي سنة الحياة وكان مسيرها
تجوز وتبعد….”
لكم يأسرها حبه لشقيقتاه وانتماؤه لهن…..
هز راسه وهو يقول بصوتٍ اجوف….
“عارف ربنا يسعدها….أكيد هتعود…بس كل حاجه
في وقتها بتبقى صعبه….”
ثم استرسل وهو ينظر إليها….
“صحيح بكرة باذن الله هنروح نشوف شقتنا…حضري
نفسك زي النهاردة كده هنبقا هناك….عايزك تشوفيها
قبل مالصنايعيه يشتغلوا فيها….”
هذا الفتور يقتلني…..يقلع الامل من الجدور….يالهي
أشفق علي رجاءا….هذا الفتور يقتلني….
اومات براسها منسحبة… “ان شاء الله….”
مسك يدها قبل ان تبتعد…
“راحه فين خليكي معايا شوية….خدي.. ”
راتجف قلبها بين اضلعها وهي تنظر للكوب الذي
يقدمه لها فـبتلقائية سألته..”إيه مش عجبك….”
اخبرها بابتسامة جذابة غامزًا….
“لا عجبني طبعا…بس اشربي معايا اهو نخمس
فيه سوا…..ولا انتي بتقرفي….”
هزت راسها بنفي وهي تاخذ منه الكوب على استحياء…. “لا عادي…..”
وقفا معا عند سور الشرفة يتبادلا اطراف الحديث
وهم يتشارك معًا نفس كوب الشاي……
……………………………………………………..
كيف للانسان ان يحيا في الجنة قبل الموت !…
ان يتلذذ في النعيم الأبدي دون حساب مسبق !…
أيهما اقرب للقلب نعيم أبدي ام لذة مؤقته ؟!…
لم تكن لذة مؤقته كل ماحدث بينهما أمس يؤكد انه
النعيم الأبدي ، الجنة التي رزقه الله بها في الدنيا
لكم هو رائع هذا الشعور الذي يتوغل للاعماقه الآن
مذيج دافئا حلو بألوان براقة ، انهُ امتلكها أصبحت
(سيدة الحُسن والجمال..)بين يداه دون حواجز
او قيود بين ذراعيه مسالمة مرحبة بالعاطفة
الجارفة التي اغرقها بها أمس…
وكانها كانت ترتوي بقدر ظمأها لتلك المشاعر الدافئه
والاحتواء منه…..
كانت خجولة ترتجف بين يداه عذراء في شدة حياؤها تئن بتعب من شدة اللذة والوجع…سالها
اكثر من مرة وهو يلهث مقبلا وجنتاها وصولا الى شفتيها الحمراوان المنفرجتان بالآهات…..
“تحبي ابعد……لو تعبتي خلاص….”
وقتها أخفت وجهها الأحمر في عنقه النافر بالعروق
والمتعرق كذلك وهي تئن برفضٍ….غير قادرة على قولها صريحة لكن تشبثها به كان دلالة صريحة بانها تستمتع أيضًا معه رغم الوجع……
حاول كثيرًا ان يكون اكثر تعقلا معها في تلك اللحظة لكن احيانا يذوب من شدة اللذة متنعما في اللحظة اكثر من المستطاع بجموح ، فتئن هي متوجعه فتجد المقابل قبلات حانية على حنايا وجهها وهمسات معتذرة تداعب اذنها…
حينها تبتسم محاولة ان تستجمع أكبر قدر من
تحملها وصبرها معه….حتى يرضا وتروي هي
ظمىء مشاعرها معه !…
وعندما إنتهى الأمر وقتها كانت انفاسه العالية المتحشرجة وتأوها الخافت هما العزف المأسور في تلك اللحظة….وقتها سحبها الى احضانه مقبل وجهها الأحمر بنهم معتذرًا و معترفًا بعشقه لها للمرة المائة…
فهو لم يتوقف عن قولها في لحظاتهما الخاصة ابدًا….وكانه كان يسيطر على خوفها ورجفتها العذراء بهذا الاعتراف الذي بمثابة معزوفة متناغمة مقتبسة من لحنًا جميل لن يشبه في جماله أحد…..
حينها ساعدها في الاغتسال وتبديل ملابسها بل وتناولا معًا وجبة العشاء كذلك ثم استلقى الاثنين على الفراش متعانقا متحدثا عن احداث حفل الزفاف وبعض الاقارب الذين حضروا الحفل… وترتيبات التي كانت قبل هذا اليوم حتى تسلل شعاع الشمس عبر ستائر الشرفة وقتها قد غطا في نومًا عميق بعد ليلة حافلة بالكثير من الأحداث والمشاعر المستجدة بينهما……
ركز عيناه العاشقة على وجهها الجميل الملائكي وهي ترتاح على الوسادة وشعرها الناعم جوارها منسدل بانسيابية ويداها تضعهما على بطنها اسفل الغطاء في نومه مهذبة راقية كانت في تلك اللحظة تحديدًا تشبه الأميرة النائمة التي تنتظر قبلة الامير حتى تستيقظ من غفوتها التي طالت عن حدها ، ونفذ صبره في انتظارها ؟!…
فهو منذ ساعة ونصف يجلس هكذا منتظر استيقاظها تارة يشرد في ليلة أمس ومشاعرهما الحميمية وقتها.. وتارة يتأمل سيدة الحُسن في نومتها العميقة فكم كانت جميلة شهيه في نومها وكانها لوحة أثرية خلقت لتأمل تفاصيلها وخطوطها العريقة الفنية……
مالى عاصم عليها يداعب وجنتها باصابعه بحنان…انكمشت ملامح شهد في نومها وابدت ازعاجها وهي تميل براسها للناحية الأخرى دون ان تحرك جسدها…..فابتسم عاصم بوسامة وهو يميل عليها طابع القبل على شفتيها واحده تلو الاخرى…
ظنها ستزمجر وتبعده حانقها….لكن كان ردها جميلًا شجعه على اخذ قبلة عميقة من بين شفتيها الشهية….
فقط عندما ابتسمت دون ان تفتح عينيها اغرقها
في قبلة عميقة مليئة بالمشاعر جياشة…..
عندما ابتعد عنها فتحت عيناها اليه وها هي شمسه تشرق أخيرًا تضوي بالكهرمان الناصع…قالت بهمسًا رقيق…
“صباح الخير…..”
طبع قبل على جبينها ثم ظهر كفها قائلا بحب…
“صباح الشهد….والورود والياسمين…..على احلى
عروسة في الدنيا…..”
تلك القصيدة تختلف عن كل ما سبق فنظرت عيناه صريحة تضوي بشيء جديد هل هي السعادة….
هي أيضًا سعيدة جدًا ولم تتوقع ان تلامس النجوم بيداها ويزورها الفرح والحب بعد كل تلك السنوات المؤلمة من حياتها….والتي قضتها بين الضرب والاهانة والكره الى العمل والاجتهاد والسعي خلف الحلم…..
لم تتوقع ان تعيش تلك المشاعر الدافئة في احضان رجلا تكن له حبًا تعجز عن التعبير عنه حتى بينها وبين نفسها وكانه احد المعضلات الصعبة التي كانت ترسب بها في الصغر لعدم استيعابها رغم ان الحل بسيط !….
والان أيضًا الامر بسيط في التعبير عن ما يعتمل صدرها من مشاعر تخص رجلا واحد اجتاح حياتها ومشاعرها في فترة قصيرة وأصبح يمثل لها شيءٍ كبير…..الأمر يحتاج فقط الى عفوية الحب وستنطلق الكلمات عابرة سجنها المشدد المظلم……
لكن هيهات عاجزة عن فعلها…وترى ان الوقت مزال مبكرًا على قولها…
لكن عاصم لم ينتظر كثيرًا بل كان اكثر كرما وروعة منها كعادته امطرها بالحب قولًا وفعلًا حتى ظنت
انه حلمًا جميل سيفارقها عندما تستيقظ في اليوم الثاني….
والان استيقظت صباحًا والحلم واقع ملموس ينام بجوارها الان يجتاح شفتيها بقبلة صباحية عميقة ملقي بعدها تحية الصباح المعتادة وعيناه تحتويها بقصائد غرامية…
لم يكن حلمًا ياشهد….انه الواقع…الواقع الأجمل على الإطلاق…..
ليت الواقع كله يمتثل في صباحًا غرامي مزدهر بالقبل همسات حانية من الغزل…
“روحتي فين ياست الحُسن….”
توردت وجنتيها وهي تنظر لعيناه الحبيبتان لقلبها فظلام عيناه ينير عتمة قلبها !…..
“ولا حاجة…..انت صاحي من امتى…..”
اخبرها وهو مزال يميل عليها واصابعه تداعب خصلاتها الناعمة…. “يعني من ساعة ونص كده….”
سالته بنبضات متسرعة…
“وليه مصحتنيش وقتها…..”
زم شفتاه وهو ينظر لعيناها….
“قولت يمكن تصحي لوحدك…بس فقدت الامل في ده فصحيتك….”
عضت على شفتيها السفلى قائلة بتورد…
“عشان بس نمنا متأخر….المفروض ان احنا هنسافر
النهاردة؟….”
أومأ براسه مؤكدًا…..
“كمان ساعتين….انا اتصلت بيهم تحت يطلعولنا الفطار زمانهم طالعين…..”
حرر شفتها السفلى من تحت اسنانها باصبع
الإبهام وهو يسالها بحنو… “انتي كويسة ولا لسه تعبانه….”
ازازد خجلها فقالت بتلعثم هاربة من محور
عيناه…..
“الحمدلله أحسن….تعرف اني جعانه اوي… ”
لمعة عينا عاصم ببريق أخذ وهو ينظر لشفتيها ومفاتنها من خلال هذا القميص الحريري….
“انا كمان جعان أوي….متاكدة انك كويسة… ”
اومات براسها بحياءٍ وهي تعلم أبعاد هذا
السؤال….فاقترب من شفتيها على بعد شعرة
سائلاً……”يعني ممكن ا……”
قطع اللحظة رنين جرس باب الجناح واتى صوت العامل من خلفه بعملية وتهذيب يعرف عن حالة وبوصول وجبة الإفطار الذي أمر بها عاصم…
ابتعد عاصم عنها متاففا وقال
بضيق..
“كان المفروض أأخر الفطار شوية….”
القى نظرة أخيرة عليها ثم ابتعد عنها على مضض…فنهضت شهد فورًا متجهة الى الحمام كي تغتسل وعلى محياها اجمل إبتسامة صباحية مشرقة……
………………………………
بعد ساعة تقريبًا جلست امام مقعد الزينة تضع اللمسات الاخيرة على وجهها الناضر دون اي إضافة ومع ذلك وضعت زينة بسيطه تليق بها كعروس ذاهبه خارج البلاد لقضاء شهر عسل مع زوجها….
كانت تتأنق بطاقم كلاسيكي انيق من ضمن الاشياء التي اتباعتها في اشياؤها كاي عروس….رفعت شعرها على شكل ذيل حصان يتناثر منه بعض الخصل قاصدة إخفاء سماعة اذنيها بقدر المستطاع….
قد اعتادت ان تخفي اعاقتها حتى امام نفسها في المرآة.. تعرف ان ثقتها مهزوزه في تلك النقطة تحديدًا لكن الاوجاع الناتجة خلف هذا الحادث
كانت اشد بشاعة من تحملها….
حانت منها نظرة على العلبة القطيفة المتواجدة جوارها…فمدت يدها لتاخذها وتفتحها من جديد..
طاقم من الالماس الحُر مصمم بريشة فنان به من الدقة والبراعة ما يجعل المرء يقف امامه مبهورًا متأملًا كل جزءًا به بتأني واعجاب…..
انه يشبه الطقم الذي سرقه والدها منها لكنه عدل في تصميمه قليلا مضيفًا بعض التفاصيل الرائعة التي اعطات لكل قطعة ماسية رونق اخر يختلف…..قدمه لها أمس حتى ترتديه على ثوب الزفاف الملكي وكان يلائمها بشدة لرقة التصميم والفخامة المتحدثة عنه..
تتذكر ان بعض المدعوات في الحفل انبهارا بطاقم وتصميم وبداوا يتسائلون عن المصمم المبدع الذي صممه لها…وعندما علموا انه(عاصم) بدأت تاوهات الدهشة والغيرة تتناثر من حولها مسببه صدع
مؤلم داخلها…..
لانه يفعل المستحيل حتى ينال رضاها ويسعدها بكل الطرق الممكنة وماذا تقدم هي له ؟!….في الحقيقة
لا شيء…عتمة قلبها شديدة السواد والظلم تخشى
ان تؤذيه في غمرة الانتقام…ويكن انتقامها أداة حادة تذبح بها نفسها قبله !…
انه لا يستحق انه شخصٍ رائع ويستحق كل ماهو
رائع…..
“اي حكايتك كل شوية تسافري بعيد…بتروحي
فين وانا هنا…..”
هذا كان صوته الحنون بسؤالاً عفوي يشع عتابا وغيرة فلو كان بيده لاخترق هذا الحاجز الصلب وعلم بكل شيءٍ تخفيه عنه بعناد……
ابتسمت وهي تنظر اليه عبر المرآة فقد تأنق بحلة انيق دون ربطة عنق حتى يكون أقل رسمية….
وسيمًا هو وسامة تخطف انفاسها بطوله الفارع وجسده الصلب الرجولي وملامحه الخشنة الجذابة لحيته السوداء الدالة على الشكيمة.. وشعره الاسود الناعم الذي يصففه للخلف بجاذبية مهلكة….
انه الوسامة المهلكة لاية أمرأه تقع عيناها عليه ماذا عن زوجة كل هذا ملكا لها وحدها ؟!….
توردت وجنتاها وهي تنهض من مكانها بكامل اناقتها
كذلك لتضع علبة المجوهرات في حقيبة السفر حتى
لا تنساها ثم اقتربت منه وكاي زوجة اصيلة حنونة
بدأت تهندم سترة الحلة عليه وعيناها مركزة على
عيناه……
“انتي حطى حاجة تفتح وشك….”
هزت راسها بنفي وظللت عيناها البراءة….فاضاف
بلؤم….
“عشان كده بيقوله الجواز بينور الوش….عشان تعرفي بس….”
زمت شفتيها وهي تسحب يدها بعيدًا
عنه… “مش متأكده اوي….”
أخبرها بشقاوة بعد ان اولته ظهرها….
“بكرة أأكدلك احنا قدمنا شهر عسل طويل…والايام بينا ياست الحُسن…..”
عقد حاجباه عندما رآها ترفع الهاتف على
اذنها فسألها… “بتعملي إيه….”
استدارت اليه قائلة بهدوء…
“بتصل بكيان عشان اقولهم يسبقونا على المطار….عايزه اسلم عليهم قبل مانسافر….”
“اصبري شوية نبقا نكلمهم واحنا نزلين…تعالي.. ”
اشار لها بان تتقدم منه بعد ان جلس على حافة
الفراش….ففعلت وجلست بجواره….فرفع عاصم
الورقة امام مرأى عيناها….
سالته وهي تاخذها منه…. “اي ده……”
اخذ نفسًا عميق ثم اخبرها بجدية شديدة…
“دا مهرك ياشـهـد…..الشقة بتاعتنا كتبتها بأسمك…..”
قطبة جبينها وهي تنزل الورقة الى حجرها
ناظرة إليه باستنكار….
“وليه عملت كده…وبعدين انت دفعت مهري لبابا…
وكان مبلغ كبير و…..”
قاطعها عاصم قائلا بحزم….
“اللي ادفع لابوكي حاجة ومهرك اللي بتاخديه ده حاجة تانيه….”
خفق قلبها بوجع فقالت بوهن….
“بس ده كتير ياعاصم…… كتير اوي…..”
مسك يدها وقبض عليها بكفه بتملك قائلا
بصدق العالم….
“مفيش حاجه كتيرة عليكي ياشهد انتي مراتي…”
رفعت عيناها الحزينة إليه مستفسرة
بحيرة…..
“ليه اختارت الشقة بتاعتنا تكون مهري….”
نظر لعيناها قليلا ثم اجاب بصيغة
العاشق….
“عشان ده اللي انتي محتجاه شقة باسمك…تبقا بتاعتك و لو حصل اي خلاف بينا لا قدر الله مضطرتيش تسيبي البيت وتفضلي فيه وانا
اللي أخرج…..”
انها في قصة خيالية فان كان هذا ليس حلما فانه خيالا فمن سيحبها بهذا القدر ويقدم لها كل هذا
إلا اذا كان خيالًا !…..
اتكأت على يده التي تمسك يدها بتملك محاولة التأكد انهُ ليس حلمًا….فترقرق الدمع في عيناها
عندما تاكدت بانه حقيقة ملموسة واقع تحياه
الآن فازداد الصدع داخلها وجعًا…..
هذا كثير….والله كثير……
قطع صراعها الداخلي صوت عاصم الحاني
وهو يعطيها القلم….
“امضي ياشهد عشان الاورق دي تروح للمحامي ويسجلها رسمي في شهر العقاري……”
رفضت وهي تنظر للقلم ثم لعيناه
المنتظرة…
“مش هقدر اقبل حاجة زي دي….مش هينفع…”
انكمشت ملامح عاصم بعدم رضا….
“بس دا مهرك حقك عليا…ولازم تاخديه….”
رفضت شهد بكبرياء والدموع تتجع في مقلتاها
تحرقها كقلبها الان…..
“مش عايزة انا مسامحه فيه…أرجوك بلاش نبدأها كده…..انا قبلت اخد طقم الالماظ إمبارح عشان متضايقش في يوم زي ده…..بس صدقني الحاجات
دي كلها مش في دماغي ولا بسعى اخدها عن طريقك….”
عقب على جملتها مستهجنًا…
“لو ماخدتهاش عن طريقي انا هتاخديها عن
طريق مين ؟!….. ”
هزت راسها متنهدة بأسى….
“انت مش فاهمني ياعاصم انـ…..”
قاطعها وهو يجيبها بمنتهى الثبات وعيناه كانت
مهيمنة على عسليتاها الغارقة في الدموع…
“فاهمك…اطمني انتي مش بتفرضي نفسك عليا ولا دي حاجات فوق طاقتي…الطقم هدية فرحنا.. والشقة مهرك اللي من حقك تاخديه مني وكل ده في استطاعتي اعمله وفي النهاية انتي مراتي وبقيتي مسئوله مني فملهاش لازمه خالص الحساسية الزيادة دي….”
رمشت باهدابها المبللة بدموع وقد ماتت الكلمات
على شفتيها بعد حديثه….
مد عاصم يده ومسح دموعها بيده ثم قبل وجنتها
قائلاً بترفق…..
“ليه الدموع دي ياست الحُسن….دا كل اللي بعمله عشان اشوف ضحكتك الحلوة مش دموعك….”
نظرت اليه وعقلها يصرخ
بجنون….
(انت ازاي كده….إزاي….)
قرص وجنتها بخفة وهو يحتوي كتفيها بكلتا
يداه قائلا بصبرٍ…..
“يا حبيبتي يانور عيني دا حقك… وانا بدهولك وانا في كامل قوايه العقلية…. فبلاش تأزميها وامضي على الورق خلينا نلاحق الطيارة وتلحقي تسلمي
على اخواتك في المطار…”
مسكت القلم ومضت على الورق وهي تجفف دموعها
وبعد ان انتهت اخذ منها الورق مقبلا جبينها بحنان اذاب مفاصلها من جمال مشاعره ونقاءها.. ابتعد عنها قليلا ناظرًا لعسليتاها للحظات…ثم نهضا معًا فاخبرها وهو يحتوي خصرها بذراعه….
“يلا بينا عشان نلحق الطيارة….”
اومات براسها برقة ثم أتجها معًا للخارج تاركين الحقائب يأتوا خلفهما مع المخصصين لهذا العمل
في الفندق….
بعد ان جلسا معا في المقعد الخلفي بقلب السيارة التي ستوصلهما للمطار…..انزلت شهد الهاتف قائلة وهي تنظر إليه….
“بيقولوا انهم مستنينا في المطار…..”
“كلها عشر دقايق ونوصل…..”قالها عاصم وهو يسحبها لاحضانه لترتاح براسها على صدره وذراعه تلفها باحتواء هامسا بتوله…
” ازاي بتوحشيني وانتي جمبي كده…اي سرك؟…”
ردت ردها المعتاد مبتسمة وهي تضع يدها على صدره النابض بقوة في قربها….
“لو عرفته مش هيبقا سر….”
ظلا متعانقا طوال تلك الرحلة القصيرة مستمتعين برعونة مشاعرهما والحب الذي يضوي في اعينهما..
…………………………………………………………..
كانت تسير في قلب المطار وجوارها عاصم الذي يدفع عربة الحقائب للأمام وهما يبحثا باعينهما
عن شقيقيها…
وعندما ابصرتهما شهد من بعيد اشارت اليه فأخبرها عاصم وهو يتقدم لأحد الزوايا عند سير الحقائب لفحصها….
“روحي طيب سلمي عليهم وانا هحط الشنط
وهاجي وراكي…لسه قدامنا وقت…..”
اومات براسها مبتسمة وهي تتقدم منهما بخطوت سريعة متلهفة وكانها غابت عنهما لسنوات وليس ليوم واحد !..
أول واحده تقدمت منها كانت كيان التي القت نفسها في احضانها وهي تئن بشوقًا….
“شهد وحشتيني…..”
“وكانها غايبه بقالها سنة بطلي أفورة يأوفر…”قالها حمزة بجمود وهو ينظر اليهن محاولا إلا يتأثر ببكاء كيان….
زمت كيان شفتيها وهي في أحضان أختها….
“على اساس انك مش متأثر يعني…بيقاوح كالعادة….”
خرجت من احضان شهد قائلة بتبرم…
“النهاردة على الغدا واحنا بناكل كنا عملين سمك
صياديه ورز تعرفي قال إيه…شيلوا لشهد منه دي
بتحب الاكلة دي أوي…..”
تافف حمزة بوجوم وهو ينظر لها…
“اه بدانا بقا وصلت الأخبار….اي حاجة هتحصل هتجري تقوليها مش كده….”
أكدت كيان بنظرة شرسة….
“طبعا انت مفكر انها عشان اتجوزت مش هتعرف حاجة عننا دا انا هبلغها بكل جديد…..”
امتقع وجه حمزة بسأم.. “ماشي يافتانة……”
ثم نظر الى شهد قائلا بابتسامة واسعة
مشاكسة…
“المهم العروسه عامله إيه عيني عليكي باردة
بدر منور….”
تدخلت قمر قائلة بقنوط….
“قول بسم الله ماشاء….هتحسدها….”ثم ابتسمت لشهد بمحبة قائلة….
” عاملة إيه ياشهد وحشتيني اكتر منهم كلهم…. ”
بادلتها شهد البسمة بصفاء…
“انتي كمان ياقمر… عقبالك…..”
سألتها كيام باهتمام…. “هتغيبي كتير ياشهد….”
قالت بوجنتي متوردة…. “عاصم بيقول شهر……”
امتقع وجه حمزة متبرمًا….
“شوية المفروض شهرين تلاته عشان توحشينا حتى..”
ضاقت عسليتاها وهي تنظر اليه
بتشكيك…
“مانا وحشاك من أول يوم يابكاش…”
اتى عليهم عاصم قائلا
بحبور…..
“ازيكم ياجماعة…..”
رحب به حمزة بحفاوة وهو يمد يده
مصافحًا… “مبروك ياعريس….”
بادله عاصم المصافحة بتودد….
“الله يبارك فيك ياحمزة عقبالك…عقبالكم كلكم
مش فرحكم سوا…..”
اكتفى الفتيات بالتبسم ورد حمزة مؤكدًا
بفتور…. “آه…. ان شاء الله…..”ثم اضاف بنحنحة
خشنة…..”عاصم ثواني عايزك….”
اوما عاصم براسه وتنحى جانبا هو وحمزة وظل الفتيات مكانهن يتحدثون…..
نظر حمزة الى عاصم قليلا ثم وصاه
بحنان أخوي…
“عايزك تاخد بالك من شهد…..حطها في عينك…..”
وضع عاصم يده على كتف حمزة قائلا
بتفهم….
“بلاش الرسميات دي ياحمزة…شهد مراتي وهي كل حاجة ليا دلوقتي…وكل اللي هقدر اطمنك بيه اني هراعي ربنا فيها…. أختك في عنيا أطمن…..”
ابتسم حمزة قائلا بلين….
“دا العشم ياعاصم….وده اللي مستنيه منك….شهد جدعة وبنت حلال ومش هتلاقي اطيب من قلبها… ”
شرد عاصم قليلا وهو ينظر اليها وهي على بعد
خطواتٍ منه مندمجة بعيدًا عنه وابتسامتها
السعيدة تزين وجهها المتورد….
“عارف ودا اللي خلاني أحبها شوفت في عنيها حاجة مقدرتش اشوفها في عين اي واحده قبلتها…عشان كده اتشديتلها من أول يوم
وتقدمتلها علطول…. ”
تنهد حمزة بارتياح بعد هذا الحديث المرهف وتلك
النظرة المعبرة عن الكثير والذي يفهم معناها جيدًا
كرجلا مثله وقع في الحب سابقًا…
“ربنا يسعدكم…..ويعوضكم ببعض…..”
“عقبالك يابو نسب……”ربت على كتفه ثم
ابتعد عنه متقدم من شهد قائلا بهدوء….
“مش يلا بينا بقا ياشهد كده هنتأخر على الطيارة…”
اومات شهد براسها مبتعدة عن احضان قمر وهي تجفف دموعها….
فزم عاصم شفتيه بقنوط مؤنبًا…
“والله ماخطفك هرجعك ليهم تاني.. اطمني….”
ضحكت وهي تمسح دموعها بالمنديل… فحانت منها نظرة على اخيها قبل ان ترحل وبعد ان ودعت شقيقتها وابنة عمتها…..
وقفت أمام هذا الشقي الذي يدعي اللامبالة ببراعة
وحتى الان لم يقترب منها او يعانقها وكانه لم يشتاق
لها ؟!…..
نظرت لعيناه وعاصم خلفها ينتظرها…فقالت لاخيها بعينين تلمع بدموع…..
“هتوحشني ياميزو…..”
ابتسم حمزة بغلاظة….
“انتي بقا مش هتوحشيني خالص…..”
لكزته في صدره… ” ياغلس….. “ثم القت نفسها في احضانه….فبادلها حمزة العناق بقوة معبرًا عن مدى افتقاده لها بعد يومًا واحد من زواجها…..
قبل قمة راسها قائلا بمداعبة اخوية….
“كبرتي ياسنجابة…. واتجوزتي وبعدتي عني…”
قالت بقنوط وهي بين احضانه تأبى
الإبتعاد…
“مانت كمان بكرة تجوز وتنساني…..”
ابعدها عنه وهو يقرصها من انفها…
“مقدرش في حد ينسى توأمه انتي توأمي ياشوشه..”
قالت بلوعة وهي تنظر اليهم….
“هتوحشوني اوي…ابقوا اتصلوا بيا بلاش ندالة…”
اكتفى حمزة بايماءة بسيطة وهو يوصيها
بمحبة….
“انبسطي ياحبيبتي….على قد ماتقدري افرحي وعوضي اللي فاتك..وخدي بالك من جوزك
واسمعي الكلام ….”
هزت راسها بخجلا وهي تلوح لهما بيدها
مبتعدة…..
فصاحت كيان من خلفها بلهفة….
“هكلمك على النت اول ماتوصلي…..”
ابتعدت شهد عنهما برفقة عاصم الذي أحاط كتفها بذراعه متجهين الى الطائرة التي على وشك الاقلاع….
…………………………………………..
اغمضت عيناها بقوة وهي جالسة على المقعد بجواره
بقلب الطائرة التي بدأت بالاقلاع وعند تحركها شعرت بان جسدها يرتفع معها رغم ثبوتها في مقعدها….
مسك عاصم يدها يطمئنها دون كلاما…ففتحت
عيناها ونظرت لعيناه قائلة بحرج….
“أول مرة أركب طيارة….”
“خايفه…”سالها وهو يستشف الاجابة منها فقالت بوجهٍ شاحب قليلا….”شوية….وانت….”
رد بهدوء وهو يأسر عيناها…..
“انا متعود سفرت اكتر من مرة بيها عشان الشغل.. ”
عند صمتها استرسل بحنو…..
“غمضي عينك ونسي كل حاجة…وافتكري بس
ان احنا كمان كام ساعة هنبقا مع بعض…بعيد
عن الناس كلها….”
ابتسمت فطبع قبلة على وجنتها
قائلا بشغف… “بحبك ياشـهـد…….”
اغمضت عيناها وهي ترتاح على كتفه بنعومة
متنهدة بارتياح….
بعد ساعات كانا يجلسا معًا في المقعد الخلفي في
سيارة أجرة تتولى وصولهما الى حيثُ المنزل الذي
استأجرة عاصم لقضاء شهر العسل به….
كانت بلد اوربية رائعة تتميز بالجبال الشامخة التي
تكسوها خضرة الطبيعة الرائعة…..ظلت تتأمل المدينة
من خلال نافذة السيارة بانبهار…..
تعرف تلك البلد جيدًا ودرست مطبخها العريق واكلاتها المميزة وكان من ضمن خطط الأحلام المستقبلية في فترة المراهقة ان تسافر اليها في زيارة سياحية….
وقد فعلت اليوم بعد ان تناست هذا الحلم المرفه
لطالما كان لديها احلامًا كثيرة وردية مرفهة الى
ان سقطة واحدة تلو الأخرى في كل سنة ومرحلة
صعبة وجادة تمر من عمرها….
حتى تمسكت بحلمًا واحد كان اكثرهم واقعية ونسبة
نجاحه مضمونة لكن في لحظة ثقة خذلها وهوى من بين يداها على أرض الواقع الصلبة القاسية منكسرًا..
فمن غباؤها نست بانه يظل حلمًا يلوح في الافاق !….
توقفت السيارة وترجلا منها معًا…مسكت بيد عاصم
وهي تطلع الى هذا المكان الخرافي…وكانه مقتبسًا
من حكاية خيالية تروى قبل النوم….
للوهلة الأول وهم بسيارة ظنت انهما سيذهبا الى فندق او الى شقة في قلب المدينة لم تتوقع أبدًا
ان تاتي الى هنا….
في كوخ خشبي عصري الشكل ورغم البساطه الظاهره به يبدو عليه الفخامة ….
كان موقع الكوخ في أرضٍ ساحرة حيثُ الريف الأوربيّ الرائع… والطبيعة الخلابة بحيرة بعيدة
نسيبًا متوسطة الحجم اعلاها شلال صغير
تخرج من بين ثناياه المياة باللون الزمرد البراق
ينساب جاريا صادرًا صوت خرير المياة المنعش كسبائك فضية عند الهبوط تتجمع في تلك البحيرة العذبة بلونها الزمردي المميز…..
يحيط هذا المكان الرائع الجبال ولاشجار العالية الخضراء والحشائش التي تغطي الأرض وكذلك الشلال الصغير وكانها قطعًا من الجنة….
“سبحان الله…..ولا حول ولا قوة إلا بالله….”
قالتها شهد بتلقائية وهي تتأمل المكان بعينين
مبهورتين…..سعيدتين……
إبتسم عاصم بظفر عندما راى سعادتها تطل من عيناها فقال وهو يحيط كتفها متأملا روعة المكان الواقفين فيه والخاص جدًا كما أمر مؤجره….
“اي رأيك عجبك المكان…..”
قالت بعفوية قريبة من القلب
“مينفعش تسأل السؤال ده المكان يجنن…معقول
هنقضي هنا شهر…. ”
غمز لها قائلا بنشوة…..
“لو تحبي نفضل هنا العمر كله.. انا معنديش اعتراض…..”
ضحكت بحرج وهي تتأمل المكان بعينين
عاشقة لكل ماينتمي للطبيعة…
“مش لدرجادي بس بجد المكان حلو اوي…تفتكر
هزهق منه….حتى لو قعدت فيه العمر كله…”
“تعالي نشوف الكوخ من جوه…هيعجبك أوي…”
دلفا معًا يدٍ بيد الى داخل الكوخ الذي لا يقل روعة
عن موقعه المميز كان رائع وعصري مصمم ومنسق
بريشة فنان…. كل شيء موجود لا ينقصه شيء
إلا عاشقان يقضيان به وقتا خاص ومميز بعيدًا
عن البشر والزحام….
وكم هي بحاجة لهذا معه جدًا…
احتوى عاصم خصرها عندما وصلا لغرفة النوم
والتي بدور العلوي وتطل نافذتها على هذا المنظر
الساحري حيثُ البحيرة والشلال الزمردي
وطبيعة الخلابة…..
ابتسمت شهد وهي تنظر لعيناه بظفرٍ
جميلا….
“مش مصدقة انك عملت ده كل عشاني…”
صحح المعلومة وهو يقربها منه أكثر….
“عشانا.. عشان نبقا مع بعض…ومتعرفيش
تهربي مني ابدًا….”
سالته ببراءة….. “امتى هربت منك….”
اخبرها وهو يداعب انفها بانفه بعد ان التصقت
بجسده…..
“من يوم ماعرفتك وانتي بتهربي….بس خلاص
فات وقت الهروب…..”
تسارع نبض قلبها وهي تنظر اليه بضعف متأثره بهذا القرب الحميمي وحديثه المتملك…فتابع بجرأة..
“الجاي كله بتاعي ياست الحُسن….وكله اللي عملتيه
هيطلع عليكي من دلوقتي….”
حملها على ذراعيه فجأه فشهقة بخجلا وهي
تخبره بتمنع ..
“عاصم احنا لسه راجعين من سفر…..انا لسه متفرجتش على الكوخ كويس….”
لم يعقب على حديثها بل وضعها على الفراش وانضم إليها ثم مالى عليها يسحب السماعة من اذنها برفق ثم نزع السترة عنها وبدا يعبث في ازرار بلوزتها فقالت شهد بوجنتين متوردتين…
“عـ…..عـاصـم….”
“هشش ساعديني بسوكات…..”
امرها بانفاسٍ متحشرجة وعيناه على شفتيها الشهية بينما اصابعه تشير على ازرار قميصه المغلق..فمدت شهد يدها بخجلا تساعده في التخلص منه كم أمرها….
وعند تلك النقطة لم يقاوم اكثر فمالى عليها يأخذ شفتيها في قبلة عميقة مشتعلة بالمشاعر المتقدة
بينهما……
فلفتهما عاصفة الحميمية وسلما الحصون للهوى
مستمتعين بهذا الاجتياح العاطفي الناتج عنه لذة
ليس لها مثيل…..
……………………………………………………….
زمت شفتيها بحنق وهي تحاول ربط الصمولة الحديديّة بالمفك لكن دون جدوى…
آتى عليها البواب واضعًا صندوق العدة قائلا…
“العدة اهي ياستاذة كيان فيها كل المفاتيح اللي هتحتاجيها…تحبي اساعد سيادتك… ”
رفضت كيان وعيناها مركزة على ما تفعله…
“لا.. لا خليك ياعم عوض كتر خيرك انا متعوده
على كده…..”
زم الرجل شفتاه معقبًا باستهجان وهو يراها منحنية قليلاً في جلستها على المقعد تحاول إصلاح جزءا
معين في دراجتها الهوائية…
“انا من رايي تبيعي العجلة دي يا أستاذة…وتجبليك
موتسيكل اشيك…..”
رمقته كيان بعدائية مجيبة….
“بلاش تفتح السيرة دي تاني عشان منخسرش بعض ياعم عوض…”
تراجع عوض عن حديثه موضحًا بتململ..
“انا مش قصدي حاجة والله انا بس شايفك شقيانه
وتعبانه بيها وكل شوية تصليح وهات العدة ياعوض وودي العدة ياعوض…وخد بالك من عزيزة ياعوض
يعني كده كتير والله يا أستاذة امال لو كانت موديل
السنة كنتي عملتي إيه….”
رفعت كيان حاجبها واشارت له باصبع التحذير…
“فرمل مكانك انت زودتها أوي….الا عزيزة…مالها
مش عجباك بصلها كويس شايف إيه…”
رد الرجلا ببلادة…… “عجلة….”
برقة بعيناها تشير على الدراجة مجددًا
مُصرة….. “لا…. بص كويس…..”
أكد الرجل جافلًا وهو ينظر الى الدراجة
بقوة… “والله العظيم عجلة يا أستاذة…..”
مطت كيان شفتيها بتبرمًا قائلة…
” غلط دي مرسيدس أحدث موديل تعرف ليه انا شيفاها مرسيدس ياعم عوض….”
نظر لها الرجل بارتياع كمن ينظر الى مختلة
عقليًا….. “ليه….”
اضافت كيان بابتسامة واسعة وهي تنظر الى
دراجتها الحبيبة بفخر….
“عشان انا ببص على الجوهر الداخلي… وعزيزة اللي مش عجباك دي تلف العالم في نص ساعة…”
عقب الرجل ببلادة وهو ينظر اليها…
“ماشاءالله يأستاذة.. دي على كده اسرع من الكوتكوت.. ”
رددت كيان الكلمة باستفهام..
“كوتكوت ؟!….دا نزل امتى دا كمان…..”
إتساعت حدقتا عوض متفاجئا وهو ينظر
خلفها….قائلا بحفاوة….
“اهاه الأستاذ سليم وصل…أهلا ياستاذنا….”
صف سليم سيارته الفارهة امامهما وترجل منها
بكامل اناقته المعتادة بحلة رسمية أنيقة مصفف شعره الغزير للخلف..يظلل عيناه بنظارة سوداء
فخمة…واخيرا يضع عطره الرائع القوي الذي زكم
انفها فور اقتربه منهما مردد التحية للبواب امرًا…
“ازيك ياعوض….. طلع الشنطة دي فوق وافتح
المكتب…..”
“من عنيا يا أستاذنا… “اخذ منه عوض حقيبة العمل وهرول الى الداخل….
بينما نظر سليم لعيناها الفيروزية قائلا بتحية
صباحية فاترة…..
“صباح الخير…اي اللي موقفك كده.. مطلعتيش ليه…
عندنا اجتماع مهم النهاردة….”
“صباح النور الأول…..”قالتها كيان بابتسامة
صافية ثم اشارة على الدرجة…..
“عزيزة تقيلة حبتين في المشي…فكنت بربط الصوميل….وبشحمها… ”
رمق سليم ما تقوم به بعدم رضا….فقالت
هي بهدوء….
“اطلع انت وانا خمس دقايق وهاجي وراك…. ”
امتقع وجه سليم معترضًا بقنوط….
“مينفعش ياكيان سبيها ونبقا نوديها عند اي حد
يصلحها…”
رفضت بتعنت كالعادة….
“لا طبعًا هي فاضل فيها حاجات بسيطه وهخلصها اطلع انت…..”
عندما ابتعدت عنه جلست مكانها على المقعد الخشبي وامامها الدراجة تقف أرضا منقلبة على رأسها..
عند مراقبته لها بدأت له وكانها تعافر لربط الصمولة الحديدية بالمفك الصلب بيداها الصغيرة….
نظر سليم للسماء بنفاذ صبر ثم تنهد بضيق
وهو يتجه إليها…..قائلا بغلاظة…
“اي رأيك تبيعي عزيزة بتاعتك دي…واجبلك
عربية هدية مكانها….”
اشرف عليها بطوله الفارع واقفا جوارها مما جعلها ترفع عيناها الى مستوى عيناه الحانقة منها…لتقول
بعدها بالامبالاة….
“والله دي هدية محدش يرفضها…بس انا ليه ابيع
عزيزة…”
أوغر صدره بالغيظ فقال بهيجان مكتوم….
“عشان اخلص من الفرشة اللي انتي فرشاهالي كل
يومين تحت المكتب…ماهو ده مش منظر محامية
مثقفة ودماغها توزن بلد…لا وبتشتغل معايا في المكتب كمان….”
رفعت كيان راسها بكبرياء…
“اي اللي يقلل مني يامتر لما أصلح عجلتي بأيدي..”
رفعت يداها اليه بفخرٍ ليرى يداها المتسخة
بالشحم الأسود اثار التصليح لذا لوى شفتيه
ممعتضًا مشيح بعيناه عنها ففعلت المثل وهي
تغلق كفيها بضجر….
خلع سليم السترة عنه بحنق شديد ووضعها في نافذة السيارة المفتوحة ثم عكف كم ساعديه
قائلا…
“فاضل ايه في تصلحيها يافيلسوفه هانم..”
ردت باقتضاب… “الصمولة بس وزيت الجنزير….”
نظر للسماء بجزع…..”الصبر…..”ثم اقترب منها
واخذ المفك من بين يدها وقام هو باكمال تلك
المهمة بسهولة….
نظرت له كيان بطرف عيناها….
“انت مضايق اوي كدا ليه….اي اللي حصل لده كله..”
اخبرها بوجه محتقن بالغضب وهو يتابع التصليح دون توقف…
“ولا حاجة… ولا اي حاجة عندنا اجتماع بس مهم وفي اي لحظة ممكن يوصلوا الوكلا وانا وانتي سايبين المكتب وبنزيت جنزير عزيزة تحت المكتب…..هو في حاجة هتحصل اكتر من كدة…”
زفرت كيان منزعجة….
“على فكرة بقا انا قولتلك اطلع وانا جايه وراك…”
زأر كالاسد وهو ينظر لعيناها بسطوة خطرة…..
“واسيبك في الشارع بالمنظر ده تبقي فرجه للرايح والجاي…ااه منك ياكيان….اااه…..”
قالت كيان بتململا…
“يووو بقا اللي حصل..كنت هزيت الجنزير واطلع علطول..”
رمقها سليم بطرف عيناه بسخط وهو يمسح جبينه بظهر يده مزيح قطرة العرق التي تجمعة فوقة…..
فلتة ضحكة من بين شفتي كيان كتمتها سريعًا بعد
ان نظر لها سليم بقوة مستفسرًا….
“بتضحكي على إيه….”
بللت شفتيها وهي تشير على
جبهته بتردد… “وشك عليه شحم….”
عض على شفتيه بغضب وهو ينظر اليها شزرًا….فازدردت كيان ريقها بخوف….
“عادي بيطلع بالمايه والصابون مالك…ما انا ايدي
زيك…وبعدين انت اللي عرضت المساعدة…مترجعش
تبص وتكلم….”
سالها سليم بتجهم….
“انتي ليه متمسكة بالعجل دي اوي كده….”
لمعة عيناها فجأة وهي تخبره بظفر…
“دي اول حاجة اشترتها من مرتبي….فعشان كده
غالية عليا بينا ذكريات حلوة….اصلي من النوع اللي بيقدس وبيحترم كل حاجه حلوه في حياته…حتى
لو كانت عجلة….”
أشاح سليم بوجهه عنها قائلا بفظاظة…
“سامحيني حاولت اتأثر بس مش عارف….لسه عند وعدي بعيها واجبلك مكانها عربية هدية مني ليكي…”
انكمشت ملامحها بضجر…
“طول مانت بتحسبها كده…عمرك ما هتحب
عزيزة….”
اجابها سليم بوجوم…
“كفاية انتي بتحبيها ومطلعه عيني معاكي
عشانها….”
“اي دا بقا…مش وقته خالص… “اتى صوت كيان مصعوقًا خارج حدود النص….
مما جعله ينظر اليها بعدم فهم….
“في إيه…..”سالها سليم وهو ينظر الى السيارة الفارهة التي وقفت امام باب البنية وقد ترجل
منها الوكلاء المهمين الذين اتخذوا معاد منذ أيام قليلة للحضور واقامة اجتماع مهم معهم يحدد
مسار القضية الكبيرة التي يترافع عنها….
جز سليم على اسنانه وهو ينظر لها بغضب من مظهره الآن فكانت يداه ملطخة بالشحم وكذلك جبهته وجالسًا امام دراجة هوائية مقلوبة وبيده مفكا
حديدي….مظهرٍ لا يوحي أبدًا بانه (سليم الجندي.)
رجل القانون والمحامي المعروف في مجالة والذي
لديه وكلاء اثرياء من كافة المجالات المهمة ولا
يثقوا إلا به….
هذا الموقف الآن كارثي بكل المقاييس وكل هذا
من خلف راسها هي وتلك الدرجة العجيبة…سحبها سليم سريعًا وفي لحظة خاطفة خلف سيارته حتى
لا يراهما رجال الأعمال بهذا الشكل المخزي…فيكملا طريقهما الى المكتب للأعلى وهما يلحقا بهما دون ان يتعرضا لموقف سخيف يقلل من شأنهما…
قالت كيان بضيق وهي تخفي رأسها خلف
السيارة….
“اي اللي بتعمله ده….يقول علينا إيه…عيال…”
زمجر سليم من بين اسنانه دون النظر
إليها….
“احسن ما يقوله متسولين…اسكتي لحد ما
يطلعوا….”
قالت كيان باستخفاف….
“انا مش عارفه انت مكبر الموضوع ليه..مفهاش
حاجة تحرج على فكره…..اكيد لم عربيتهم بتعطل
في نص الطريق بيضطره يصلحوها…. ”
اخبرها بتشنج مكتوم…
“بس دي مش عربية دي عجلة….”
رفعت حاجباها باستنكار…..
“ومالك بتقولها بقرف كده ليه ما تشبهش يعني
عربيتكم….”
أكد ببرود… “لا والله… ماتشبهش…..”
قالت بتحذلق وانفها يعلو في السماء….
“دا عشان مش بتبص للجوهر الداخلي…”
“إتنيلي ووطي صوتك….”تافف سليم وهو يتأكد من دخولهما الى البنية المنشودة…..
بينما قالت كيان بترفع…..
“لا عندك مش دي الطريقه خالص اللي تسكتني
بيها….”
نظر لها سليم ثم أبتسم بعصبية
قائلا…
“ممكن تسكتي يانسة كيان….”
اومات براسها بغرور…. “اذا كان كده ماشي…”
فخرجا معًا من خلف السيارة متجهين الى الداخل
بمظهرٍ مزري….
“استاذ سليم…..”
توقف سليم مكانه وهو يعلم صاحب الصوت جيدًا
انه السكرتير الخاص لأحد الوكلاء الذين سبقوهما
للأعلى….
يجب ان يستدير فلن يقلل من نفسه مرتين
يكفي هذا….
ادار وجهه الى الرجل مدعي الدهشة وهو
يبتسم بترحيب….
“اهلا ازي حضرتك يافريد بيه….”
لم يمد الرجل يده بعد ان راى يد سليم الملطخة
بالشحم ومظهره الغير مهندم اطلاقًا وهذه أول
مرة يراهُ هكذا…
“هو حضرتك مش في المكتب ليه دا البهوات
لسه طالعين لحضرتك…”
ابتسم سليم بحرج معتذرًا….
“اه اصلي لسه جاي والعربية كانت عطلانه فكنت
بشوفها….”
اوما الرجل براسه بتفهم وبدأت بوادر الارتياح
تظهر على محياه…..
“اه…..تمام طب يلا بينا….لان انت عارف وقت البهوات ضيق وعندهم اجتماع في الشركة كمان ساعة..”
اخبره سليم بنفس الإبتسامة الدبلوماسية…
“تمام اتفضل هجيب چاكت البدلة واطالع وراك… ”
عندما ابتعد الرجل عنهما أخبرها سليم
بجدية…..
“اعملي حسابك الاجتماع ده انتي هتحضريه معايا وهتقدمي المُذكرة اللي بقالك اكتر من شهر بتكتبيها…وهتشرحي كل حاجة فوق بتفاصيل… ”
خفق قلب كيان بتخوف…
“ما بلاش المرادي ياسليم….انا مش جاهزة….”
نظر لها بجدية وهم يستقلا المصعد معًا..
“دي فرصتك…أمال الشهادة اللي خدتيها لزمتها
إيه….وشغلك معايا أكتر من سنة بحالها فين ثمارة
يااستاذة…”
صمتت بتردد وهي تنظر الى الأرقام المضيئة امامها…فوجدته يمسك كفها بين يده قائلا
بنظرة ونبرة مشجعة….
“انا واثق فيكي ياكيان….وعارف انك قدها….”
……………..
تنوعها خطير وكانه يقف امام عدة شخصيات نسائية الشيء الوحيد الذي يجمع بينهن اسمٍ مشترك (كـيـان…)
احيانا يراها شابة جميلة رقيقة مفعمة بالحب والحياة شقية مرحة….واحيانا يراها في بعض الأوقات شابة شرسة حادة مزاجها متعكر طوال الوقت تمقت على جميع من حولها دون سبب مقنع….واحيانا ايضًا يراها طفلة بائسة مسكينة تحتاج بعد التدليل والعطف حتى ترضى….
ومن بين كل التناقضات اليوم يراها أمرأه قوية تقف
على ارضًا صلب وامام كبار رجال الأعمال تتحدث
ببلاغة وثقة جذبت الانظار اليها….
كان يراقبها من خلف مكتبه يسمع كل شيءٍ تقوم
بشرحة من ملابسات القضية وكيفية تقديم مرافعة
ودلائل قوية تخضع لها النيابة والقضاء……
بد الجميع مرتاح بعد هذا الاجتماع والنتائج المثمرة
من خلفه…..
فقال أحد رجال الأعمال معبرًا عن امتنانه لمجهودهما الجبار في تلك القضية الكبيرة…..
“انا مش عارف اشكرك ازاي يامتر…بس بعد الاجتماع ده انا بقيت ضامن اني هكسب القضية….خصوصًا ان الاستاذة عملت مجهود جبار عشان توصل لحلول قانونية مدهشة…”
ثم استرسل وهو يصافح كيان
بحرارة….
“حقيقي انا ممتن لحضرِتك…..”
بادلته كيان المصافحة بابتسامة عملية….
“انا معملتش غير شغلي ان شاء الله نتقابل في المحكمة ونسمع اخبار حلوة….”
اكد الرجل بحبور….. “باذن الله يأستاذة….”
اخبره سليم بتذكر…..
“بس بلاش تنسى الاوراق اللي اتفقنا عليها دي هتفيدنا اوي في المرفعة…..”
اوما الرجل وهو يشير الى السكرتير الخاص بتلك
الشؤون….
“طبعا يامتر….فريد هيتواصل معاكم وكل اللي تطلبوه هو هينفذة….وان شاء الله نتقابل في المحكمة..وزي ما الاستاذة قالت نسمع الاخبار
الحلوة هناك…”
“باذن الله شرفتونا…..”
اصطحبهما سليم للخارج تارك كيان خلفه تقفز بسعادة طفولية بعد ان قدمت مرافعة قوية
أمامهم…
عندما عاد سليم اليها نظر لها مبتسمًا معقبا
بحنان…
“برافو ياعصفورة….واضح ان التلميذة اتفوقت
على أستاذها….”
قالت كيان بابتسامة واسعة….
“طبعًا مقدرش هتفضل انت الاستاذ ورئيس
القسم كمان…”
اوما براسه مستأنف بحزم…
“عايزين نشتغل كويس اوي على القضية دي….”
قالت كيان بتفاني….
“انا معاك شوف انت عايز إيه…وانا اعمله….”
نظر لشفتيها الشهية قليلا معقبًا
بنبرة وقحة…
“ياريت هترضي ياعصفورة….”
تخضبة وجنتيها فقالت بحزم….
“بلاش تخرج عن النص احنا بنتكلم في الشغل….”
“طب هاتي الكرسي بتاعك ويلا عشان نبدأ نشتغل….”
اومات براسها وهي تجلب مقعدها لتضعه بجواره
فسحبها سليم فجأه لتقع جالسة على ساقيه ثم قيدها بذراعيه قائلا بوقاحة…
“فيها اي لو نختصر المسافات وتقعدي هنا….”
حاولت التملص منه بعنفًا وهي تصيح بتشنج…
“فيها سفالة وقلة آدب ابعد ايدك ياسليم لو سمحت….”
حل سليم ذراعيه عنها سريعًا عندما وجدها تعافر بين
يداه بتلك القوة الجادة…
“هو انتي ليه مش قادره تنسي…..”
“انت اللي بتتعمد تفكرني بحركاتك دي….”كانت صريحة جدًا في اجابتها فقد نطقت بها بعصبية
وهي تنهض من على ساقيه….
صرح سليم بعصبية…..
“كيان انا زهقت……انا هكلم والدك نقدم معاد فراحنا….”
رفضت بعناد وهي تنظر اليه…
“لا طبعا…. احنا اتفقنا ان فرحي هيبقا مع أخويا…..”
احتدم الأمر اكثر بينهما عندما قال بوجه
مكفهر…..
“إتفاق جاي على هواكي مش كده…. ”
امتنعت عن الرد وهي تشيح بعيناها عنه….فأمرها بقوة جبارة……
“ارجعي على مكتبك….. سبيني لوحدي….”
نظرت اليه بدهشة وعندما امتنع عن النظر اليها وبدأت بوادر الغضب والجدية الشديدة تظهر بخطوط عريضة على وجهه انسحبت فورًا
بخطوات متسرعة بعصبية وكبرياء…
وهي عاجزة عن فهم تلك العلاقة ومدى تأثيرها على مشاعرها وافكارها….
……………………………………………………………..
سحبت نفسًا مضطرب الى صدرها الذي يموج الان
بمشاعر عديدة مابين قمة السعادة و…الرهبة من الانزلاق من اعلاها…
وقفت امام باب شقتها (العش الزوجي..)المقدر الإقامة بها بعد الزواج…..
كانت بصحبة حمزة حينما وضع المفتاح في الباب
ودفعه للدخول….
ارتجف قلبها بين اضلعها وهي تأنب نفسها للمرة المائة على الذهاب الى هنا بمفردهما…كان من المفترض ان ترافقهما (كيان)لكنها اعتذرت
بسبب العمل المتراكم عليها….
“ادخلي ياقمراية وقفه كدا ليه….”
اوقف سيل الأفكار وصخب المشاعر صوته العابث
بعدما دلف الى الشقة قبلها منتظرها على عتبة
الباب من الداخل…..
نظرت اليه قليلًا بتردد….فغمز هو لها قائلًا بشقاوة..
“اوعي تكوني خايفه مني…انا مش بعض…انا باكل
علطول….”
مزحة سخيفة جعلتها تبرم شفتيها بتقزز…. فضحك
هو مشيرًا لها بان تدخل بقلة صبر…..
بلعت ريقها وهي تسمي الله متخطيه عتبة الباب بقدمها اليمنى….. قائلة بعد ذلك بهدوء….
“بلاش تقفل الباب.. سيبه مفتوح….”
اوما حمزة براسه بانصياع وعندما خطت خطوتين للداخل وجدت الباب يغلق من خلفها بصوتٍ عالٍ
مما جعلها تنتفض في وقفتها ناظرة اليه بغضب
رفع حاجباه ببراءة قائلا…
“الهوا قفله….”
زمت شفتيها وهي تدور بحدقتاها حول زوايا الشقة
التي كانت عبارة عن جدران بيضاء….
تقدم حمزة منها وسار جوارها قائلا…
“اي رايك في الشقة واسعة وحلو….وبطل على البحر…”
قالها وهو يتجه لأحد النوافذ وفتحها امام عيناها لتجد البحر أمامها مباشرةٍ في منظر ساحري افتنها
فتلونت شفتيها في ابتسامة حلوة كجمال بنيتاها
الان…..
اقتربت من النافذة وتأملت الشارع الرئيسي والسيارات السريعة التي تمر من عليه يليه البحر
مباشرةٍ وزرقة المياة الصافية والنسيم البارد
المعطر بالمياة المالحة…..
“المكان حلو أوي..كفاية انها بطل على البحر فعلاً.. ”
اخبرها بغرورٍ ذكوري لعين….
“قوام كده وقعتي في غرام بحرنا… انا فاكر انك عندك حساسية من البحر أصلا….”
قالت بجدية ووجهها يشع براءةٍ….
“ولسه عندي حساسية…. بشرتي حساسة على
فكرة وبتتاثر من اقل حاجة…انت مش مصدقني..”
شملها بنظرة وقحة معقبًا بلؤم…..
“مش محتاج اصدقك او اكدبك….بكرة أتأكد
بنفسي….”
توهجة وجنتاها كشعلتين صغيريتين من اللهب فور
التعبير الصريح في عسليتاه الوقحة….
مما جعلها تشير بعشوائية مضطربة الى جدار ساقط
نصفه ارضًا تتناثر منه اجزاء صغيرة من الحجار…
“هي الحيطه دي وقعه ليه….”
اجابها بهدوء وهو يقترب من الجدار الواقع
نصفه…..
“ماهم دول شقتين مفتوحين على بعض….”
وكانه لطمها بقوة على وجهها فوقفت للحظات متسمرة مكانها مبهوتة تسمعه وهو يتابع بفتورٍ
“ان شاء الله العمال هيبداو يشتغلوا فيها من اول
بكرة… عشان كده جبتك النهارده تشوفيها عشان
لو في اي حاجة عايزة تغيريها..دي شقتك
برضو قبل ما تكون شقتي….و…. ”
كانت تراقبه بصمتٍ واهتمام لكن عقلها كان بعيدًا
اذنيها كانت تسمع صوتٍ آخر صوت شهد عندما
كانا يتبادلا أطراف الحديث حول علاقته بــ(نجلاء)
اخبرتها شهد يومها ان الشرط الذي عجز حمزة
عن اتمام الزواج قبل ان تخونه مع المدعو سامح
زوجها الحالي… ان امها طلبت شقتين من عمارة
ابيه يضمهم حمزة الى بعض ويتم تسجيلهم بأسم
ابنتها….
فعلمت ايضًا ان ابيه لم يوافق حتى على استئجار شقة واحده من أحد العمارتين بل امتنع ووقف امامه بالمرصاد فخسر الفتاة واختارت هي بدورها من يدفع اكثر ويوفر لها احتياجاتها هي وامها…..
لماذا كل شيءٍ موجع ومتعب في هذه العلاقة وكانها
المرأة الوحيدة التي ترتبط برجلًا سبق له الارتباط
الرسمي بغيرها ؟!..
لماذا تتعرقل في سيرها كلما اقتربت منه خطوة تجد
نفسها تقع بقسوة على ارضًا صلبة ذو اسلاك شائكة !…
اشار لها حمزة بان تتبعه من خلال فتحت هذا الجدار
الواقع حتى ترى الجزء الاخر من الشقة…..
فأومات براسها بمنتهى الصلابة دون ان تكشف
عن الحرب الشعواء التي تقام داخلها الآن…بينما
الأسئلة تقفز في عقلها كالناقوس بالحاح مزمن…
(لماذا…..لماذا تحقق هذا الشرط الآن رغم انكم انفصلتما ولم يعد هناك شيءٍ يجمعكما؟….ماذا تريد
ان تثبت؟…..وماذا عني انا؟!….انا لا افهم شيءٍ ؟….)
تعرقلت في أحد الأحجار الصغير وهي تتخطى
هذا الجدار وكادت ان تسقط على وجهها لولا
ذراع حمزة التي امتدت امامها تمنع سقوطها
ومنه لامس صدرها الذي ارتطم في ذراعه.
تشبثت في سور الجدار بيدها وهي تنظر اليه
بصدمة فسحب هو ذراعه بحرج قائلا
بغلاظة…
“حاسبي…مش عارفه تقعي ولا إيه….”
لم تبتسم بل مزالت تحت تاثير الصدمتين الأولى مفاجأة الشقتين المفتوحين على بعضهما والثانية
تعرقلها وذراعه على……
اغضمت عيناها بحرج شديد بينما سرى في جسد
حمزة نشوة غريبة فور ملامسة هذا الجزء الانثوي
الطري جدًا…..
ارجعت قمر خصلة من شعرها خلف اذنيها
قائلة….
“مخدتش بالي…..”
اخبرها حمزة بنظرة عابثة…..
“ولا يهمك انا موجود….اقعي انتي بس وملكيش دعوة بالباقي….”
اختلج قلبها فرمشت بعيناها عدة مرات وهي تتخطاه داخله الى الشقة الثانية والتي كانت ايضًا تحتاج الى الكثير من العمل حتى تجهز كشقة عريس…..
أشار لها حمزة على أحد الغرف قائلا….
“دي بقى هتبقا اوضة أطفال…اي رايك مساحتها كويسة…”
رق قلبها وعيناها وهي تدلف الى تلك الغرفة ذات
الحوائط البيضاء….قالت وهي تطلع على كل ركنا
بها…..
“تعرف ان دي هتكون أحلى اوضة في الشقة
كلها…. ”
سالها حمزة بحاجب معقود وهو يقف
خلفها…”واشمعنا بقا…..”
قالت بصوتٍ دافئ وهي تتأملها ببنيتان لامعة….
“إحساسي بيقول كده….انا بحب الاطفال أوي..وطول
عمري نفسي لما أتجوز اجيب اكتر من طفل عشان
ميبقاش وحيد زيي….”
نظرت لعيناه مصرحة….
“تعرف اني اتخيلت شكلهم وصوتهم وملامحهم…”
سالها حمزة وهو يستند على الجدار خلفه ناظرا
اليها باستمتاع…..
“دا عشان احنا اتخطبنا ولا الكلام ده من قبل ما تشوفيني أصلا……”
قالت بتورد ممزوج بالحياء… “الإتنين بصراحة….”
“هما أهلك كان عندهم مشكلة في الخلفة بعد ما جبوكي…..”
سالها حمزة وهو يتأمل تفاصيلها المليحة من أول
شعرها الغجري المتأرجح خلف ظهرها بدلال حتى
ثوبها الصيفي الطويل بألوانُ الداكنة…
شردت قمر في تلك الذكرى الجميلة والمؤلمة
لكونها باتت مجرد ذكرى تحفظها على ظهر
قلبها المشتاق…..
فقالت بحنين وهي تنظر للبعيد مستعيدة
الذكريات….
“من قبل كمان ما اجي الدنيا….كانت ماما عندها مشكلة في الخلفة ومع ذلك بابا فضل معاها ومسبهاش ورضي بقضاء ربنا…فجيت الدنيا في لحظة يأس زي ما بابا كان بيقولي دايما…..جيتي
في لحظة يأس ياقمري نورتي حياتنا…عشان
كده سمناكي قمر…. ”
ردد حمزة الكلمة وهو يمط زواية شفتيه
الجانبية…. “قمري ؟!….”
لسعة الدموع عينيها وهي تتبسم قائلة
بصوتٍ متحشرج…..
“بابا مكنش بيناديلي غير بيها….”
“واضح انكم كنتوا قريبين اوي من بعض..”سألها حمزة بصعوبة وكانه يمضغ حصى قاسٍ ..
فاي شيءٍ له علاقة بمشاعر الابوة يهتز معها قلبه
رغمًا عنه وكانه مزال صغيرٍ ينتظر عطفٍ او نظرة
اهتمام من أبيه ؟!…
انسابت دمعة حزينة على وجنتاها وهي
تخبره بحرارة….
“جدًا….كنا صحاب اوي كانت ماما احيانا بتغير
مني على بابا……مع ان علاقتهم مع بعض كانت
جميلة أوي…كنت تشوفهم كده نفسك تتفتح
على الجواز والحب….كان حبهم احلى من
اي رواية حب قراتها……كنت بشوف كل واحد
في عين التاني…..بنظرة حب عمري ما شوفتها
في عيون حد بعضهم…..”
أبتسم حمزة بسخرية وهو يقارن هذا بطفولته
المأساوية وعلاقة والديه الكارثية المليئة
بالكره والبغض……والاهانة والضرب…
فقالت قمر بنبرة حزينة وعينين مليئتان
بالدموع….
“من كتر ماهم متعلقين ببعض ماتوا ورا بعض ماما
قعدت سنين عايشة على الذكريات وبعد كده سبتني
ومشت بعيد……”
إضافة قمر وهي تنظر اليه….
“عشان كده نفسي اوي اجيب اكتر من طفل عشان يبقوا مع بعض سند وضهر….زيك انت واخواتك
كده…..”
لم يعقب حمزة فقالت قمر بحرج….
“مش بحسد طبعًا بس انا بحب اشوفكم مع بعض
بحس بدف العيلة واللمه اللي اتحرمت منها
سنين….”
ابتعد حمزة عن الجدار متقدمًا منها…
“بتكلمي كده على أساس إنك مش فرد مهم في العيلة دي….”
سالته بتيه…… “تفتكر ياحمزة…”
رق قلبه لها فمسك يدها قائلا بعطف…
“ولسه بتسألي انتي بنت عمتنا ياهبلة…وقريب
قوي هتبقي مراتي…..مراتي ياقمراية…..”
تبادلا النظر قليلًا فمد حمزة يده يمسح الدموع من على وجنتاها وهو يأسر بُنيتاها بنظرات….
تخللت انفاسه الرجولية المنكهة بالقهوة المُرة رئتاها لقربه الشديد منها فاغمضت عيناها لثانية ضائعة في جمال اللحظة تاركة كل شيءٍ خلف ظهرها يصرخ بان تتوخى الحذر فتلك العلاقة سامة بكل المقاييس..
تأمل قسمات وجهها المليحة بيده وكانه يرسم تفاصيلها بابهامة…..وعندما وصل كفه لشفتيها وفي غمرة النشوة طبعت هي قبلة حانية بداخل كفه….
من خلالها اهتز قلبه معها من رقة التعبير عن حبها
له….حب عاجز ان يبادلها إياه…حبٍ بحث عنه داخل قلبه ولم يجده فهو ممحى مع أخرى اتت قبلها مدمرة
كل شيءٍ حلوٍ متبقي داخله وتركت خلفها ركام رجلًا يحيا على الهامش ؟!…
وكانه أصأب بماس كهربائيّ نزع يده عنها فجأة محاولًا ان يفيق من تلك الحالة الغريبة….
رجعت قمر خطوة للخلف بحرج وهي ترجع خصلة
زغبية من شعرها خلف اذنها….فاخذ حمزة نفسًا متهدج اثار حرارة المشاعر المتقدة بينهما الآن….
“يلا بينا ياقمر….لو قعدنا اكتر من كده سوا
متلومنيش على اللي هيحصلك….”
قالها بنبرة شقية مصرحًا عن ضعفة امام جمالها لكن في قرارة نفسه هو يهرب من الحب…وهي صورة متكاملة للحب النقي الذي اتى بعد فوات الأوان….
اخبرها والدها انها اتت الى الدنيا في أكثر لحظاتهما يئسٍ وأنارة الدنيا بوجودها…..وها هي الان تاتي
اليه بالحب بعد ان مات قلبه من شدة اليأس !…
فكيف لكِ ان تنعشي قلبًا مات من قسوة الحيآة ؟!..
……………………………………………………
صعدا على السلالم معًا في رحلة قصيرة الى الدور
السابع فقد اخبرهما البواب بان المصعد في الصيانة
اثناء صعودهما معًا كانت تمسك قمر علبة ورقية
تحتوي على ثمار اشبه بالطمام بحجم حبة العنب من اللون البرتقالي تقبع داخل قشرة ورقية جافة يسهل
إزالتها….فاكهة استوائيّة تدعى (حرنكش..)…
تلذذت في طعمه الاذع القوي وهي تنظر الى
حمزة قائلة….
“برضو مش عايز تاخد واحده…..”
مط حمزة شفتيه وهو ينظر الى الحبة البرتقالية
بين اصابعها بامتناع…..”قولتلك مش عايز…..”
مضغتها بتلذذ قائلة…. “على فكرة طعمها حلو…..”
رفض حمزة مجددًا…. “مززه مش عايز….”
مطت قمر شفتيها بسخرية….
“بتكلم على المزازة وانت مدمن قهوة سادة…”
اخبرها بصلف…. “على الريحة مش سادة….”
قالت بجدال….
“رشت السكر اللي بتحطها دي ولا بتعمل اي
حاجة…”
رد بغلاظة وهو ينظر الى الحبات البرتقالية…
“بنسبالي انا بتعمل كتير….وخليكي في الحرنكش بتاعك….”
بعد ان تخطى معًا ثلاثة طوابق كاملين قالت قمر بتافف وهي تبدي ازعجها من الأمر….
“انا مش عارف اي حكاية الاسانسير اللي كل شوية
يعطل ده…على اساس ان احنا ساكنين في دور الاول
يعني….”
نظر لها حمزة بوقاحة قائلا…
“لو تعبتي انا ممكن اشيلك ”
امتقع وجه قمر فقالت بحزم…. “احترم نفسك….”
رفع حاجبٍ بريء….. “انا غرضي شريف….”
رمقته بطرف عيناها قائلة….
“اوي بصراحة باين عليك….”
“اي ده…..”قالها حمزة وهو يتوقف عند أحد الأدوار
مشدوهًا بعد ان رأى امرأة واقعه أرضا في منتصف
الطريق ويبدو انها في حالة اغماء…..
اقتربت منها قمر مهرولة بهلع وكذلك حمزة وبعد ان جثى على ركبته اتضح ان تلك المرأه هي….نجلاء
نهضت قمر من مكانها بصدمة وهي تنظر اليها ثم
الى علامات الضرب على وجهها والى حمزة الان
الذي مزال مكانه لم يبتعد مثلها بل كان يحاول افاقته بتعابير وجه غير مقروءة..
اهو شعور انسانيًا يخص به اي شخصًا في هذا الموقف ام انه شعورٍ خاص يحمله لكونها
الحبيبة السابقة له ؟!….
تخبطت بين السؤالين بقسوة وكانها اللطمة الثانية
لها على التوالي…..
نظر لها حمزة قائلا بخشونة….
“مش بتفوق…..بس في نبض….انا هطلعها شقتها
مش هينفع نسبها كده….”
وقبل ان ينتظر ردها حمل نجلاء على ذراعيه بخفة
وكانها لا تزن شيءٍ ثم أكمل طريقة وهو يأمرها
بخشونة….”تعالي ورايا…..”
مكانها مصعوقة من هذا المشهد وقلبها يئن
وجعًا وكانه يعتصر بين يداه الآن وهي تراه حاملا
على ذراعيه أخرى يتخطى بها الدرج بينما يأمرها
بان تلحق به بمنتهى التجبر….
تركت العلبة الورقية تقع ارضًا وتناثرت الحبات البرتقالية في كل مكان حول حذاؤها وهي تراه
بعيناها الجاحظة يتابع طريقه للأعلى دون
الالتفات إليها ولو بنظرة عابرة !….
فلسعة الدموع عيناها بقسوة وهي تأخذ اللطمة الثالثة بروح مهشمة……
عندما فتح الباب نظرت والدة نجلاء الى ابنتها المحمولة على ذراع حمزة فاقدة الوعي صرخت
فورًا وهي تصيح بولولة….
“يالهوي يالهوووي بنتي….عملت اي في بنتي…”
صاح حمزة مزمجر بوجهًا محتقن…
“وسعي ياولية خلينا احطهالك في اي حته دراع
امي اتخلع…..”
ابتعدت المرأة عن الطريق وهي تتابع بولولة…
“عملت اي في بنتي ياحمزة مالك ومالها..احنا مش فضناها سيره وكل واحد راح لحاله وبنتي اتجوزت وانت خطبة غيرها مالك ومالها…..”
وضع حمزة نجلاء على اقرب اريكة قابلته فأستقام
واقفًا وهو يدلك ذراعيه فقد صعد بها ثلاثة ادوار
كاملة……
بينما صرخة والدة نجلاء بعد ان رأت وجه ابنتها مليء بكدمات ارجوانية اللون وكان من عنفها
بتلك القسوة يتدرب على وجهها كـكيس ملاكمة..
مما جعل والدتها تشهق عدة مرات وهي تضرب
على صدرها بقوة…..
“ياضنايا يابنتي….مين اللي عمل فيكي كده…”
فرفعت عيناها سريعًا الى حمزة وانقضت
عليه تمسكه من ياقة قميصة صائحة باتهام…
“انت مديت ايدك عليها….دا انا هوديك في ستين داهيه….انت اتهبلت ياواد..”
نزع حمزة يداها عنه بقرف وهو يزم شفتيه
بازدراء….
“انتوا هترموا بلاويكم عليا بقا ولا إيه…بنتك اهيه فوقيها واساليها اذا كنت انا اللي ضربتها ولا النطع اللي متجوزاه….”
“سامح ميعملهاش…..” قالتها وهي تذهب الى غرفتها
في لحظة ثم عادت وبين يداها زجاجة عطر فتحتها ورشت القليل على يدها وقربته من انف ابنتها….
بينما يقف حمزة يتابع الأمر ببرود وتشفي واضعًا يداه في جيب بنطالة بملامح جافية….
انتفضت نجلاء وهي تفتح عيناها بصعوبة وأول
شيءٍ راته كانتا عينا حمزة المتوهجة بنيران
الضيق والمقت…..
بلعت ريقها وهي تنظر الى امها بعدم فهم… فقالت
امها بغضب….
“اكلمي يانجلاء ياحبيبتي متخفيش… هو اللي مد
ايده عليكي كده.. صح وجاي وعملي فيها شهم وشايلك على دراعه…”قالت اخر جملة وهي ترمقه
باحتقار….
انفجرت نجلاء في البكاء وهي تهز راسها
بنفي…
“حمزة معملش حاجة ياماما…انا وقعت من
طولي وانا طلعالك….”
قالت امها بصدمة وهي تنظر الى كدمة
وجهها…
“امال مين اللي عمل في وشك كده….”
ازداد بكاؤها حرقة مما جعل حمزة يمط شفتيه
بملل قائلا ببرود….
“اسيبكم انا بقا تحلو اموركم العائلية…طالما اتاكدتي
ان مش انا اللي ضربتها….”
“ماهو كتر خيري فعلا بس بعيد عنكم….”
أغلق الباب خلفه بقوة وغضب وهو يتمتم عدة
سبات بذيئة نافضًا قميصة بيده وكانه يتخلص
من اي آثر لها بعد ان حملها بين ذراعيه ثلاثة
طوابق كاملة….
فتوقف بصدمة وهو ينظر الى الفراغ أمامه…اين
هي….لماذا لم تصعد خلفه كما أمرها….
ضرب على مقدمة رأسه بكف يده متافف بجزع
فهذا الأمر لن يمر مرور الكرام بينهما ؟!…
رواية الحب اولا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دهب عطية
تحسست بيدها الفراغ بجوارها على الفراش، فتحت عينيها بصعوبة لترى نفسها تستلقي على الفراش وحدها. استدارت ونظرت للسقف عدة مرات محاولة الاستيقاظ من أحلامها الوردية. كل ليلة تمر هنا هو بمثابة حلم جميل تحياه معه. أربعة أيام مروا على تواجدهما في هذا الكوخ الرائع وسط الطبيعة الخلابة والتي تراها مقتبسة من الجنة لشدة جمالها البديع. كل يوم تنام بين ذراعيه يغمرها بالحب بالحنان بالكلمات والأفعال تغرق في بحر الغرام. سخي هو في حبه عطاء لدرجة تجعلها تتراجع عن أشياء كثيرة خططت لها سابقاً. أربعة أيام سعادتها فيهما تخطت نسبة السعادة الضئيلة التي عاشتها خلال فترة عمرها السبعة والعشرين. معترفة هي بهذا ولا تنكر سعادتها وحبها، لكنها كالعادة الخوف يجعلها فريسة سهلة للصيد. فدومًا البدايات رائعة، لكن ماذا بعد البدايات؟
نهضت عن الفراش ببطء وهي تحاول أن تطرد أفكارها السوداء وتستعد لصباح يوم جديد بالحب والحياة. خطت على الأرض الخشبية حافية بقميصها الوردي الناعم القصير إلى حيث النافذة المطلة على المنظر الساحر. سحبت لرئتيها أكبر قدر من العبير المنعش والمختلف عن أرضها. لكل وطن رائحة زكية يتميز بها، والغريب فقط عن وطنه من يعرف الفرق. ورغم أنها أحبت جدًا البلد السياحية والمكان المتواجدين به، إلا أن عبير الوطن في الخاطر مهما رأت من مغريات. الوطن يظل وطنًا بالعيوب قبل المميزات، هو الموطن.
ابتسمت بحب بعد أن رأته بعسليتيها يجلس قرب حافة البحيرة يمسك بين يده صنارة الصيد، جالسًا بمنتهى الهدوء والصبر يستمتع بتلك الجلسة بمزاج رايق بعد ليلة حميمية رائعة على الشموع. تورّدت وجنتاها بخجل كلما استعاد عقلها ذكرى ليلة أمس. حينها خرجت متألقة ليلًا في ثوب سهرة أنيق يلائم رقيها الملكي وجمالها المميز. جامعة شعرها في تسريحة جميلة وتضع لمسات من الزينة التي زادتها توهجًا وحلاوة في عين عاشقها الذي ظل واقفًا مكانه بانتظارها بحرارة الأشواق.
عندما رأته أبصرت الاختلاف الذي أضحى في المكان من حوله، أنوارًا خافتة وشموع ساهرة وبلونات حمراء وبيضاء تملأ الأرض وجزءًا من البحيرة. وأميرها يقف أمامها متأنقًا بطاقم كلاسيكي عبارة عن بنطال وقميص أنيقًا متناسقًا، عليه كان وسيمًا لدرجة مهلكة وكأنه يتنافس مع روعة المفاجأة التي أعدها لها. تقدمت منه بخجل وهي تشعر بأن العالم يدور من حولها، فكل شيء يحدث الآن لم يطرق على مخيلتها يومًا، فكيف لها أن تستوعب سريعًا أن كل هذا لأجلها وملكا لها وحدها. وضعت يدها في يده عندما اقتربت وأصبحت أمامه، لم تجد كلمة تعبر عن سعادتها أو امتنانها لكل ما يفعله لأجلها، لم تجد إلا ابتسامة خاصة تحمل أكثر من تعبير وعينين تلمعان بدموع فرح تأبى تركها وكأنها جزءًا من زينتها اليوم.
رفع عاصم كفها إلى فمه وطبع قبلة حانية طويلة عليه، ومن ثم رفع عيناه إليه قائلاً بوسامة:
"جاهزة يا ست الحُسن؟"
عقدت حاجبيها وهي لا تفهم شيئًا، حتى رأته يشير إلى هذا الفرس الأسود الواقف جانبًا والتي لم تلاحظه إلا الآن. اتسعت عيناها جراء هذا وقالت بتخوف:
"أنا بخاف من الخيل يا عاصم."
"مش وأنا معاكي. تعالي." قالها بمنتهى الثقة والهدوء وهو يمسك يدها متجهًا بها إلى الفرس الشامخ أمامهما والذي يلمع جلدها الأسود تحت الإضاءة بشكل ساحر.
صعد هو أولًا على ظهر الخيل بمنتهى الشموخ والثبات، ومن ثم مد يده لها. ترددت كثيرًا في الصعود إليه، فتلك أول تجربة لها في ركوب الخيل! لكنها بعد ثوانٍ حسمت الأمر ووضعت يدها في يده، ثم رفعت قدمها اليسرى على سير ركاب السرج واندفع جسدها للأعلى وكأنها تحلق، ثم استقلت أخيرًا خلفه على جانبها بسبب الثوب الذي قيد حركتها قليلاً. فتشبثت بخصره الصلب بكلتا يديها بتلقائية وهي تغمض عينيها بخوف وتأخذ أنفاسها بصعوبة، ناظرة كل ثانية للأسفل.
"بصي قدمك. كده هدوخي." قالها عاصم ضاحكًا وهو يمسك باللجام بكلتا يديه، متحركًا بالفرس بخطوات هادئة مراعيًا تجربتها الأولى في ركوب الخيل.
في البداية كان الأمر صعبًا، لكن بعض لحظات بدأت تعتاد على الجو مع نسيم الهواء وصوت خرير المياه الآتي من بحيرة الشلال. وسط الأرض الخضراء والأشجار الشامخة وعبير الطبيعة المنعش الممزوج بعطره الرجولي. تسلل الأمان والدفء إلى قلبها رويدًا رويدًا، فاقتربت أكثر منه وتشبثت أكثر في خصره الصلب مرتاحة برأسها على ظهره. سائلة بصوتها الموسيقي بعد لحظات:
"إمتى يا عاصم اتعلمت ركوب الخيل؟"
رد عاصم بصوت أجش:
"من زمان. أكتر حاجتين بحبهم الخيل والصيد."
ابتسمت ولم تجب، بل ظلت على وضعها تضمه من الخلف برقة ونعومة، يذوب هو معها وتزيد مضخة قلبه قوة أسفل كفها، غافلة هي عن مدى تأثرها القوي عليه. سألها وهو ما زال يقودها بالفرس للمجهول:
"إنتي بقا ليه بتخافي منهم؟"
زَمّت شفتيها قائلة وهي ترفع رأسها:
"وقعت زمان وأنا صغيرة من على الحصان، ورجلي اتكسرت. فبقيت بخاف منهم."
تحدث عاصم وهو ينظر أمامه:
"أكيد كنت راكبة غلط أو مش ماسكة في اللجام كويس. بس إيه رأيك دلوقتي لسه خايفة منهم؟"
قالت بنبرة مرتاحة:
"لو معاك ماشي. لو لوحدي لأ."
رفع حاجبه وهو ينظر إليها:
"أنا كده هتغر."
قالت بنبرة شهية وهي تضحك برقة:
"إنت مغرور من يومك مش محتاج."
ذاب قلبه وعيناه فتمتم وهو ينظر للأمام مستقبلًا أكبر قدر من هواء الليل البارد.
"آه يا ست الحُسن عايزة تتكلي أكل."
ضحكت فبدأ يسرع قليلاً بالفرس، فأصبحت المتعة مكثفة داخلها، فبدأ الهواء يطير خصلات شعرها حول وجهها. تشبثت فيه بقوة صارخة:
"عاصم هانقع."
أمرها مبتسمًا:
"هشش غمضي عينك."
فعلت وهي تكاد تمزق قميصه بأظافرها المعلقة به. فوقف فجأة الفرس وتوقف كل شيء جميل. رغم الخوف الضئيل داخلها، إلا أن كل شيء كان ممتعًا وتجربة ركوب الخيل كانت مبهجة ورائعة لقلبها.
فتحت عينيها فرأته يمد لها اللجام كي تمسكه، وعندما فعلت نزل عن الفرس برشاقة، ثم احتوى خصرها بكلتا يديه برقة، منزلها على الأرض، وكل شيء حدث في غضون ثوانٍ. فوجدت نفسها تقف أمام شجرة كبيرة مزينة بفروع من الأنوار الصغيرة المضيئة بشكل ساحر، أسفل ظل الشجرة المنير تقبع طاولة مستديرة حولها مقعدان مقابلين لبعضهما، يقبع فوقهما طعام العشاء، يتوسطهما شمعة على شكل قلب تنصهر ببطء.
ابتسمت شهد ولمعت عيناها بالفرح وهي تنظر إليه بدهشة، فوجدت عيناه تتلاقى بعينيها بحب، ثم تقدم منها وطبع قبلة على وجنتها قائلاً:
"إيه رأيك عجبك المكان؟"
نظرت إلى عيناه وقالت بحيرة وهي تنظر حولها:
"السؤال ده اتكرر أكتر من مرة، وكل مرة مش بلاقي رد يوفي اللي بتعمله عشاني. عاصم، إنت بجد بتحبني لدرجة دي؟"
لم تزول الابتسامة عن محياه، لكن انعقد حاجباه قائلاً:
"سؤالك ملوش مكان هنا. مينفعش تشكي في ده يا شهد."
بللت شفتيها قائلة بحرج:
"مش شك بس مش مستوعبة إن ممكن حد يحبني الحب ده كله؟ ويسعى السعي ده كله عشان يسعدني."
تلونت نظرة عيناه بشقاوة فغمز لها:
"طب ما إنتي لماحة أهو، أمّال إيه بقى؟"
"قولي إزاي ممكن أسعدك؟" انطلق هذا السؤال دون تخطيط مسبق، مما جعلها تجفل وهي تنظر إليه. لمعت عيناه أكثر، وكان رده عليها رغم البساطة معبرًا عن مشاعره الخاصة لها وحدها.
"مش محتاج السؤال ده. أنا لو مش مبسوط معاكي ليه هكمل؟ أنا بقيت أسعد راجل في دنيا يا شهد بعد ما بقيتي مراتي. إنتي اللي قلبي اختارها وعايز أكمل عمري كله معاها."
احتوى وجهها بيديه وقربها منه طابع قبلة حنونة على جبينها، مضيفًا وهو يأسر عينيها وقلبها:
"سعادتي معاكي إنتي يا حبيبتي. إنتي يا ست الحُسن."
مزيج من الضعف والحب والاشتياق والخوف، مزيج مؤلم افتترس قلبها الهش، فجعلها تطلب بلوعة:
"احضني يا عاصم."
قالتها باستحياء وعيناها تلمع بدموع، فهز رأسه بنفي وهو يضم جسدها إليه، قاضم شفتيها بتأنٍ وتريث حتى ذابت بين ذراعه كالهلام، وهي تتأوه بتعب ومذاق قبلاته المطعمة بأنفاسه الرجولية الدافئة تتخلل رئتيها، فتفقد معها المتبقي من صوابها. بينما صدره العريض يضغط عليها بقوة، تكاد تشعر بمضخة قلبه القوية تضرب صدرها، فتشعر بالهيمنة الذكورية عليها.
بعد لحظات من مزيج من الدفء والجموح، أطلق سراح شفتيها وهو يلهث وهي معه مسلوبة الأنفاس، تلهث بشفتين منفردتين شديدتي الاحمرار. مسح عاصم على شفتيها بإبهامه ببطء وتروٍ، هامسًا وهو ينهال من مرأى عسليتيها:
"بحبك يا شهد."
ثم طبع قبلة على وجنتها مكررًا بخفوت:
"بحبك."
أخيرًا ضمها إلى صدره، فتعلقت به متنهدة بلوعة وضعف وهي تستمد منه كل ما هو جميل ورائع مثله. لا تعرف كم مر من الوقت، كل ما تعرفه أنها هي من ابتعدت بعد وقت طويل، ونظرت لعيناه قليلاً، ثم رفعت جسدها إلى مستواه وطبعت قبلة على خده معبرة عن الكثير من الشكر والامتنان لوجوده في حياتها، ثم اكتفت.
وبعد لحظات كانا يتشاركان وجبة العشاء على الشموع الساهرة، يتبادلان أطراف الحديث عن أشياء عدة، يضحكان يتحدثان. يداعبها بالكلمات والنظرات، تبادلهما باستحياء لذيذ، ورجفتها ما زالت تفعل به العجب. وبعد ليلة رائعة، عادا معًا إلى الكوخ على ظهر الفرس الأسود بسرعة قصوى، وقد تلاشى حينها خوفها وبقي فقط الاستمتاع بلحظة معه.
عندما وصلا إلى غرفة نومهما، لم تجد كلمات من عاصم إلا عن الحب والدلال فقط. دللها لدرجة تفوق الوصف، فكانت في أحضانه تنصهر بضعف، وجسدها يستجيب لمدللها، فتئن تارة بوجع وتارة أخرى منادية باسمه. وكل مرة يلتقط تاوّهها من بين شفتيها المنفرجة بنهم، مستمتعًا بتلك الحالة التي تخلق بينهما مشاعر متأججة بالحميمية المشتعلة. كانت ليلة مختلفة جميلة على شموع الحب، انصهرت أجسادهما ببعضها، وأنين المتعة كان سيمفونية ليلتهما الخاصة.
لفح وجهها نسيم الهواء المنكه بالطبيعة الخلابة، فعادت من ذكرى ليلة أمس وما زالت واقفة مكانها أمام نافذة الغرفة تنظر إلى عاصم الذي يوليها ظهره، ممسكًا بصنارة الصيد التي اشتدت بين يداه في لحظة، فبدأ يسحب الصنارة للأمام بقوة. وقد انتبهت كل حواسها لهذا المشهد، لتجده بعد لحظات يرفع صنارة الصيد بسمكة كبيرة نسبيًا، وعلى هذا أطلقت شهد صفيرة عالية مشجعة بين شفتيها التي ضمتهما بأصابعها.
التفت عاصم ناظرًا إلى نافذة الغرفة مباشرةً بملامح جافلة، فوجدها تقف هناك تبتسم برقة وتلوح له بيدها بسعادة مطلقة. صفيرة أخرى أمام عينيه، لحنها صاخب يختلف عن رقتها التي يذوب بها كل ليلة. أشار لها بأن تتقدم، فاشارت على قميص نومها الوردي التي ترتديه، ومن ثم رفعت كلتا يديها كعلامة على:
"انتظرني عشر دقائق فقط."
جلس عاصم مجددًا أمام البحيرة بانتظارها على أحر من الجمر، وهو يضع الصنارة من جديد، متأملاً المكان بعينين حانيتين ومزاج رايق. لم يتوقع يومًا أن يعيش كل تلك السعادة عن طريق امرأة يشتهي قربها دائمًا ويستلذ صحبتها والحديث معها، فتغني قلبه وقناعته بابتسامة بلمسة بكلمة. إنها سيدة الحُسن التي اختارها قلبه وأسماها.
بعد بضعة دقائق خرجت إليه بثوب ربيعي جميل بأحمالات رفيعة عند الكتف ويصل طوله فوق الركبة، مطلقة شعرها حرًا طليقًا، وغرتها الناعمة تداعب جبهتها. ممسكة في يدها سلة التنزه بها الفطور الذي أعدته له. عندما اقتربت منه قالت برقة:
"صباح الخير."
رد بتحية الصباح الخاصة بهما:
"صباحك زي الشهد. اتأخرتي عليا."
"كنت بحضر الفطار." قالتها وهي تفرش البساط الصغير، ومن ثم أفرغت محتويات السلة بترتيب، سائلة:
"أوعى تقول إنك فطرت."
أجاب بنبرة معبرة ونظرة مداعبة:
"أكيد مستنيكي. هفطر من غيرك دي تيجي برضو."
ثم طرح سؤال وهو يحك في ذقنه:
"إيه اللي عملتيه وإنتي واقفة في الشباك ده؟"
توهجت وجنتاها وضحكت مع النظر إلى عينيه المنتظرة توضيحًا:
"الصفارة وحشة، كنت بشجعك."
سألها مجددًا بفضول:
"مش وحشة، بس اتعلمتيها منين؟"
قالت مبتسمة وهي تدعوه للأكل:
"من حمزة. كنا بنتنافس وإحنا صغيرين عن مين أحسن واحد بيصفر، وصفارة بتاعته أعلى."
سأله وهو يمضغ الطعام:
"ومين كان بيكسب؟"
قالت بتوهج، متلذذة في الطعام أو ربما الحديث، لا تعرف:
"أكيد حمزة. إنت ملعبتش اللعبة دي قبل كده."
غمز عاصم قائلاً بوقاحة:
"إحنا لعبنا حاجات تانية أظرف من كده."
سألته وهي تضع شريحة من الخيار بفمها:
"كنت بتتحدى صحابك بإيه؟"
"ما بلاش." ضاقت عيناه بلؤم، فدفعها الفضول تسأله:
"لأ احكي عادي، دي طفولة بريئة."
"هي مكنتش بريئة خالص." فلتت ضحكة مشاغبة منه، مما جعلها تسأله بفضول أكبر:
"إزاي يعني؟ قولي."
اندمج في الحديث وهو يتناول طعام الفطور باستمتاع:
"يعني كنا أشقياء شوية وإحنا صغيرين، فكنا لما نحط حد في دماغنا ربنا يتولى برحمته. صواريخ تحت رجله، تعابين في البنطلون."
سألته شهد بفضول أنثوي:
"وإيه أكتر حاجة كنتوا بتتحدوا بعض بيها؟"
رد مختصرًا:
"البنات."
ألقت عليه نظرة نارية، فقال عاصم بتراجع وهو يضحك:
"دي طفولة بريئة يا شهد."
مطت شفتيها ممتعضة:
"غلس."
فتابع هو بحرارة وهو يستعيد معها ذكريات الصبا الكارثية:
"يعني أي بنت كانت بتعجبنا كنا بنكلمها سوا من على نفس التليفون، تقعد يا عيني تلف حوالين نفسها، مش عارفة إحنا اتنين ولا أكتر، بنجنن أمها."
غيرت شهد مجرى الحديث سائلة:
"عمرك عملت مقلب في حد؟"
لمعت عيناه بمشاغبة وهو يخبرها بتذكر:
"مرة في مدرس الفيزيا. كان معايا واحد صاحبي ابن لذينة بيعرف يقلد حلو أوي، المهم كلم المدرس ده على أساس إني واحدة معجبة بيه وكده، ومكالمة ورا مكالمة الموضوع كبر مننا، والمدرس طلق مراته وطلب إيده في التليفون، وبقت مسخرة."
انفجرت الضحكات من أفوههم بصدمة، معقبة شهد بذهول:
"إنت كنت شقي أوي كده وإنت صغير؟"
رد عاصم بمراوغة:
"كنت لسه صغير بقا وبتسلى. بس دلوقتي كبرت وبقيت الشقاوة على تقيل، ولا إنتي شايفه إيه؟"
قالت شهد بحزم كناظرة مدرسة شديدة التعامل مع المشاغبين أمثاله:
"شايفة تسيب وانحلال أخلاقي."
أكد عاصم بهزة بسيطة من رأسه:
"ومالوا، كملي الانحلال وهاتي بوسة يا حلوة."
"عاصم." همست بتمنع.
فلم يرضَ برفضها بسحبها من ذراعها حتى اقتربت منه والتهم شفتيها في قبلة ملتهبة بالمشاعر. ثم أطلق سراح شفتيها قائلاً بتلذذ وهو ينهال من مرأى عينيها:
"كده وجبة الفطار كملت. تسلم إيدك يا ست الحُسن. امسكي."
أعطاها الصنارة تمسكها، ففعلت وهي تنظر إليه بعدم فهم، لتجده يضع رأسه في حجرها وجسده يمتد مستلقيًا على البساط المفروش أسفلهم، قائلاً وهو ينظر لعيناها:
"احكيلي بقا إنتي مصايبك وإنتي صغيرة."
ضحكت بخجل وهي تنظر للبحيرة بلونها الزمردي الرائع، مفكرة قليلاً قبل أن تقول:
"مكنش فيه مصايب للدرجة، عادي كنت بس دايمًا بعمل مشاكل مع البنات اللي بتقرب من حمزة. كنت بغير عليه أوي وأنا صغيرة، عايزاه ليا لوحدي، فكنت بضربهم وبيضربوني. وفي مرة اتخانقت مع بنت تخينة بس مش بسبب حمزة بصراحة، بسبب إنها خدت مني سندوتشاتي. فضربتها بالقلم. ولك أن تتخيل عملت إيه فيا."
قال عاصم متأففًا بشفقة:
"أوف، ضربتك جامد."
تاوّهت شهد قائلة وهي تضحك على ذكريات كانت تظنها أسوأ ما قد يمر في حياتها:
"ضربتني دي قعدت عليا. دا أنا كانت روحي بتروح. الكلام ده كان في ابتدائي. وقتها الوحيد اللي شاله من عليا ولد معايا في نفس الصف كان إسمه طارق. طارق ده كان ولد جميل أوي، حنين وطيب، كنا صحاب أوي في فترة ابتدائي. وبعد إعدادي اختفى، وعرفت من مامته إنه سافر لأني كنت باخد دروس مع والده الأستاذ عياد."
اظلمت عينا عاصم وانطفأت ملامحه فجأة، سائلاً على نحو مفاجئ:
"ويُ ترى لسه بتسألي عليه؟"
هزت رأسها بنفي قائلة بفتور:
"لأ بصراحة الدنيا خدتني و بعدها اتلهيت في دراستي وحياتي ومشاكلي مع بابا. أنا حتى نسيت العنوان."
قال بنبرة غريبة وصدر يشتعل على نحو غريب:
"بس منسيتيش اسمه يا شهد."
انعقد حاجباه وبدا عليها الإزعاج من تعقيبه على هذا الأمر التافه:
"عادي على فكرة، في حاجات بتفضل معانا غصب عننا بنفضل فاكرينها. ليه قبلت كده يا عاصم؟ أنا معلقتش زيك كده وقلبتها نكد. إنت بتغير؟"
مط شفتيه قائلاً بتهكم:
"سؤال في منتهى الغباء. لو مغرتش عليكي إنتي هغير على مين؟"
ضحكت على تصريحه قائلة بظفر مغوٍ:
"بتغير من طفل! دا آخر مرة شفته كان عنده حداشر سنة. إنت بتهزر!"
تلقت نظرة قوية من عينيه الصقريتين جعلتها تبتلع الباقي من حديثها قائلة بتقهقر ومزاح:
"خلاص خلاص، إحنا نقفل الكلام في الموضوع ده وكفاية كلام في طفولتنا البريئة."
رد بوجوم:
"يبقى أحسن."
قالت فجأة والصنارة تنسحب منها:
"إيه ده؟ الصنارة غمزت. شد معايا."
رفع عاصم رأسه عن حجرها مساعدًا على سحب الصنارة، وعندما فعلت خرجت الصنارة فارغة. فلاح الإحباط على وجهها قائلة:
"إيه ده بقا؟ دي كلت الطعم وهربت. يا خسارة."
رد عاصم برجاحة عقل وهو يعود مرتاحًا برأسه فوق حجرها:
"الصيد عبارة عن صبر. لو ركزتي في المكسب الجاي يبقى عمرك ما هتصبري."
قالت بشفاه مقلوبة:
"ولو خسرت زي دلوقتي؟"
رد بحكمة وهو يغمض عيناه:
"حاولي تاني، السمك كتير. مش يمكن الصيدة اللي خسرتيها مش مكتوبالك من الأول."
قالت بمناغشة:
"بتقول حكم يا معلم عاصم."
رد بأسلوب مماثل:
"يارب تكون وصلت بس يا معلمة شهد."
ضحكت قائلة بصبر:
"ومالوا أحاول تاني."
ألقت الصنارة متنهدة وهي تنظر للبحيرة، مستعيدة ذكريات الطفولة بشرود، بينما هو يرتاح برأسه فوق حجرها، واسم صديق الطفولة التي تذكرته على حين غرة يعكر صفوه. من هو (طارق عياد؟!)
***
دَلفت إلى المكتب بخطى ثابتة، مرتدية طاقمًا كلاسيكيًا أنيقًا من اللون الكحلي، تترك شعرها البندقي حرًا طليقًا خلف كتفها، تضع القليل من الزينة التي لا تخفي جمال ملامحها الرقيقة. دارت حول المكتب ووضعت أحد ملفات القضايا المهمة التي يعملان عليها، ناظرة لعيناه وهي تقول بعملية:
"دي الملفات اللي طلبتها يا أستاذ سليم."
قال بوجه متجهم دون أن ينظر لعيناها:
"تمام. روحي على مكتبك."
سألته بحيرة وهي تنظر إلى جانب وجهه الجاف:
"إحنا مش قولنا إننا هنشتغل على القضايا دي سوا؟"
أجابها سليم بجفاء:
"محتاج أدرسها الأول لوحدي. اتفضلي على مكتبك يا آنسة."
رددت الكلمة بذهول وهي ترفع حاجبًا مستنكرًا:
"آنسة؟ إنت زعلان بجد بقا؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ يعني ياما اتساهل معاك وترضى عني، ياما تتقمص زي العيال."
جفل من جملتها، فرمقها بنظرة نارية:
"اتقمص زي العيال؟"
لوت شفتيها قائلة بتهكم:
"دا اللي أنا شايفاه بصراحة."
صاح سليم بنفاد صبر:
"على مكتبك يا كيان."
صاحت بقوة جبارة مثله:
"مش هروح على مكتبي غير لما أفهم إيه الغلط في اللي عملته. اللي يخليك تخصمني المدة دي كلها."
احتدت عيناه القاتمة:
"إنتي بجد مش عارفة؟"
خفق قلبها بخوف، لكنها ردت باستنكار:
"أنا بسألك."
رد مثلها وعيناه تبتلعها في ظلامها:
"وأنا كمان بسألك. ليه وافقتي على ارتباطنا؟"
قالت وهي مأسورة بعيناه:
"بسيطة يا متر. لإن بحبك."
اهتزت حدقتاه بتأثر، لكن سريعًا لوى شفتيه كمًا زمجر بها:
"اللي بيحب حد بيبقى واثق فيه، مش خايف منه ومستني غدره في أي لحظة. وأنا مش بتكلم غير عن اعتراضك على إني أقدم معاد الفرح قبل أخوكي. اللي لسه قدامه أكتر من خمس شهور على ما يجهز شقته."
قالت كيان بجدية حاسمة:
"اتفقنا كان على أساس كده، مدينا المدة شوية عشان نعرف بعض أكتر."
صمت سليم قليلاً ناظرًا لعيناها بقوة قبل أن يقول بحزم:
"أنا مش عايزك تعرفيني قد ما عايزك تثقي فيا وتصدقي إن بحبك. وإني مش شايف حد غيرك، وإن أي حاجة حصلت قبلك ملكيش إنك تعترضي عليها أو تفكريني بيها كل شوية لمجرد إني قربت منك؟"
قالت بصوت متهدج مختنق:
"وأنا مش عايزك تقرب مني بالطريقة دي، لأن مفيش حاجة بينا شرعي حاليًا."
كمه اعتراضها، وكانها تنفر منه بصورة أو بأخرى، لذا كان جادًا وهو يخبرها بصرامة وكبرياء:
"تمام، وأنا مش هقربلك تاني يا كيان. ولا بأي شكل من الأشكال لو ده اللي هيرضيكي وهيّشيل الوساوس من دماغك. اتفضلي على مكتبك."
وجدته يتجاهلها عمدًا، مثبتًا عيناه بين الأوراق. زمت شفتيها بغضب وهي تتجه إلى الخارج بخطوات عصبية وقلب يرجف بغضب ولوعة. ألقت جسدها على المقعد وهي تفتح الملفات أمامها بعينين مليئتين بالدموع. ماذا يحدث لها؟ من منذ متى وهي حساسة وغبية و متهورة هكذا؟ إن الحب يدفعها للجنون، والغيرة تفترسها كلما فكرت بعلاقته السابقة مع خطيبته ومشهد القبلات التي رأته حينها، يقتلها الشعور وتفترسها الغيرة والظنون. وتسأل نفسها إلى أي مدى وصلت علاقتهما؟ هل كانت مختصرة على القبلات أم أنها أعمق مما تتوقع؟
اعتصر الألم قلبها بقبضة جليدية قوية، فأغمضت عينيها زافرة وهي تنحني برأسها سانده على يدها، فوجدت صوتًا مألوفًا لها يقول بقلق:
"مساء الخير. موكا، إنتي كويسة؟"
رفعت رأسها فوجدت نائل يقف أمامها بكامل أناقته وبنظرة مهذبة كأُسلوبه الرقيق. نهضت بدهشة عن مقعدها لتمد يدها مرحبة:
"نائل. مساء النور. إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
بادله نائل المصافحة ثم جلسا معًا حول المكتب. فبدأ نائل يسألها بتعجب:
"كنت قريب من هنا فقولت أعدي عليكي. عاملة إيه في الشغل؟ إيه السبب اللي خلاكي ترجعي تاني لمكتب سليم الجندي؟ وليه سبتي خليل الصواح؟ أنا فاكر إنك هنا مؤقتًا."
نَكَست كيان رأسها عاجزة عن الرد عليه، فحتى الآن لم تعلن خطبتها على سليم الجندي إليهما خوفًا من أن تجرح شعور نائل، فقررت الابتعاد دون إخبارهما عن السبب.
"يعني لقيت إن الشغل هنا أحسن من مكتب خليل الصواح. فاستقريت هنا."
رد نائل بابتسامة صافية:
"طبعًا المكان اللي يريحك. المهم تكوني مبسوطة."
أشرق وجهها سريعًا، فنائل دومًا مريح في الحديث ويحترم خصوصية الغير.
"طبعًا مبسوطة. وانبسطت أكتر لما شوفتك. قولي بقا عامل إيه وإيه أخبار الشغل؟ بس قبل ده كله تشرب إيه؟"
لمعت عينا نائل وهو يرفض بلباقة:
"ولا حاجة يا موكا. أنا كنت عايز أفتحك في موضوع مهم."
هزت كيان رأسها برصانة دون أن تمحي ابتسامتها:
"خير. قول أنا سامعاك."
تعرق جبين نائل قليلاً وهو يزدرد ريقه قائلاً دفعة واحدة:
"أنا قررت أتجوز."
خفق قلبها بخوف، لكنها ادعت اللامبالاة مستفسرة:
"بجد؟ ألف مبروك. حد أعرفه؟"
رمش نائل عدة مرات قبل أن يقول بخفوت:
"مش هلف ودور عليكي. أنا برتب للكلام ده بقالي فترة واخيراً اتشجعت وقررت أبلغك بيه. أنا بحبك يا كيان من أيام الجامعة. عيني وقلبي مش شايفين حد غيرك. أنا عايز أتزوجك."
اتسعت عينا كيان، رغم توقعها بحدوث هذا، إلا أن الأمر على أرض الواقع مربك. جعلها تجفل للحظات معقودة اللسان أمام عينا نائل المنتظرة جوابها.
"وياترى السكوت علامة الرضا؟ ولا الهانم بتفكر تقبل؟"
اخترق الصمت صوت رجولي خشن يقف عند باب المكتب المفتوح بطوله الشامخ وجسده العضلي وحلته اللامعة ككل شيء به. هادئًا باردًا، لكن عيناه القاتمة المسيطرة على مشاعرها أوضحت الكثير مما يشعر به الآن في هذا الموقف الذي لا تحسد عليه.
نهضت كيان عن مقعدها بوجه شاحب وهي تنظر لسليم بصدمة. وفعل نائل، وقف احترامًا له قائلاً بحرج يعافيها هي عن مواجهة رب عملها:
"أنا آسف جداً يا أستاذ سليم، واضح إن اختارت المكان الغلط اللي أفتح فيه مسألة شخصية زي دي."
اقترب سليم منه وعيناه القاتمة لا تحيد عن وجهها الشاحب وعينيها المذعورتين. وضع يده على كتف نائل قائلاً بخشونة:
"لأ، إنت اخترت المكان الصح. ولازم الآنسة كيان تديك الرد على طلبك."
رمقه شزرًا قائلاً بوعيد:
"ما تردي. ولا تحبي أرد أنا مكانك؟"
بللت كيان شفتيها وهي تقول بتخوف متلعثم:
"آآه.. أصـ.. أصل أنا يانائل مخطوبة.. وخطيبيهو.."
أشارت على سليم بإصبع السبابة وهي تبلع ريقها بوجل.
احمر وجه نائل بحرج وهو ينظر إلى وجه سليم الحجري ونظراته غير المتهاونة معه. تعرق جبين نائل أكثر من ذي قبل وهو يقول بتلعثم:
"أنا آسف، مكنتش أعرف."
سأله سليم بنظرة نمر شرس:
"ليه هي مقلتلكش قبل كده إنها مخطوبة؟"
هز نائل رأسه بنفي قائلاً بصدق:
"والله أبدًا. أنا لسه عارف من حضرتك. لو أعرف ليه هاخد الخطوة دي وأحرج نفسي."
وضعت كيان يدها على خدها متمتمة سرًا وهي ترمق نائل شزرًا:
(الله يخرب بيتك يا نائل بتسلمني تسليم أهالي)
ربت سليم على كتف الشاب بقوة وهو يحاول تمالك أعصابه قائلاً بفظاظة وقلبه يشتعل بنيران الغيرة:
"على العموم، اديك خدت الرد على طلبك. شرفتنا."
أوما نائل برأسه بوجوم وهو يغادر دون أن يلقي نظرة وداع عليها. فعلمت وقتها أن صداقتهما انتهت هنا ولن تعود. غامت عيناها بالحزن والشفقة وهي تنظر إلى رحيله بقلب مكسور. ثم رفعت عيناها إلى سليم الذي أمرها بنظرة سوداوية:
"ورايا على المكتب."
وقفت في مواجهة عاصفة الغضب التي ستندلع الآن بعد لحظات من الصمت المهيب. كان يقف أمامها في منتصف المكتب ينظر إليها بغضب، وصدره يتضخم بمشاعر سوداوية عنيفة. في تلك اللحظة تحديدًا، كلما فكر في عرض زواجه من هذا الأحمق واعترافه بالحب لها، وعدم قدرتها على الرد، بل وامتناعها عن إخباره بأمر الخطبة، يجن جنونه وتنتابه رغبة شيطانية في تمزيقها إربًا.
ظل يلاحق ملامحها بنظرات كالسهام الحادة لبضعة ثوانٍ، إلى أن قال أخيرًا بصوت غريب:
"أنا عايز أفهم إيه السبب اللي خلاكي متعرفيهوش إنك مخطوبة."
قالت بخفوت تحت سطوة عيناه الحادة:
"مجيش مناسبة."
قطب حاجبيه هاتفًا بعنف:
"مش هو ده الرد اللي مستنيه؟ قولتي قبل كده إنه بيحبك وإنتي عارفة ده. ليه مقلتلهوش؟ تكونيش خايفة تجرحي مشاعره؟"
همست بملامح مرتابة:
"بالظبط."
جاشت مراجله فصاح زائرًا كالنمر الجريح:
"ومشاعري أنا وكرامتي؟ وأنا شايفه بيصرحك بحبه وبيطلب إيدك للجواز؟ مفكرتيش فيها؟"
قالت كيان بتردد وهي ترجع خطوة للخلف:
"وأنا كنت أعرف منين إنه هيعمل كده؟"
هتف سليم بصوت قاسٍ مزدري وهو يبتسم بعصبية:
"ليه كان هيفضل يحبك في السر كتير؟ ما مصيره يقولك على كل حاجة. لو الهانم بس فكرت ولو شوية هتعرف إن خبر الخطوبة هيقطع لسانه وهيبعده عنها. ولا تكونش الهانم جاية على هواها اللي بيحصل؟"
ألقى اتهامًا صريحًا، فوقفت أمامه بالمرصاد تخرسه:
"إنت آخر واحد تتهمني اتهام زي ده."
صرخ سليم في وجهها مؤنبًا إياها:
"دا مش اتهام دي حقيقة. لو كنتي واخدة علاقتنا على محمل الجد كنتي عرفتيه إنك مخطوبة. لكن واضح إنك بتتسلّي."
رفعت رأسها بكبرياء تواجهه بنظرة محتقرة:
"زي ما إنت كنت بتتسلّى بيها. وبيا."
أرجع رأسه للخلف جافلاً عن قدرتها الجبارة في تدوير الأحاديث وإلقاء التهم. قال سليم بعد لحظة صمت كئيبة:
"وطالما أنا وحش أوي كده في عينك. وافقتي ليه من الأول؟"
عضت على باطن شفتيها، تشعر بالعراء أمامه:
"اللي حصل."
سألها بنظرة مشتعلة:
"يعني إيه؟"
على تنفسها بعصبية، فقالت بهجوم بالغ عما يعتريها نحوه وغير قادرة على البوح به لحساسية الموقف:
"يعني أنا شايفة نسخة منه. زي ما سبتها عشان يهديها عشان غيري."
أغمض سليم عينيه وأولاها ظهره محاولًا تمالك أعصابه وهو يأخذ أنفاسه بتشنج، قائلاً دون أن ينظر لعيناها المتألمة:
"لحد إمتى؟ لحد إمتى هيفضل تفكيرك كده؟ قولتلك قبل كده إني اكتشفت إننا مش مناسبين لبعض، مش شبه بعض."
بنظرة نافرة قالت بتهكم:
"وده اكتشفته قبل فرحكم بكام يوم."
استدار لها سليم صارخًا في وجهها بعنف:
"عايزاني اكتشفه إمتى؟ لما نتجوز ونجيب عيال؟ إنتي بتفكري إزاي؟ ليه بتعذبيني وبتكويني بنفس النار اللي كويتها بيها؟ ليه يا كيان ليه؟"
التوى ثغرها بتهكم وقالت باستهجان:
"يا حنين وكمان صعبانة عليك. طب ما تروحلها. روح لها واقف ليه صلح غلطتك واتجوزها وطلعني من القصة دي كلها."
"إنتي عايزة إيه؟ عايزة إيه افهميني؟" اندفع نحوها بجسد متشنج، فرجعت للخلف بخوف حتى اصطدم ظهرها بالحائط خلفها، وعندما لم تجد مفرًا بعد أن حاصرها هنا، قالت بعذاب وهي تواجه نظراته المتجهمة:
"عايزة أعرف اللي بينكم وصل لحد فين."
علت ملامحه الصدمة وهو يسمعها تتابع بلوعة:
"كام مرة لمستها وخدتها في حضنك؟ كام مرة بوستها وقولتلها بحبك؟ كام مرة؟ وحبتها إزاي؟ وياترى اللي بتحسه معايا نفس الإحساس اللي كنت بتحسه معاها؟"
تبادلا النظرات قليلاً بصدمة، يقف هو مبهوتاً متصلباً مكانه، وتقف هي ترتجف باكية بضعف. قال سليم بعد لحظات وهو يبتعد عنها للخلف خطوتين، واضعًا يده في خصره رافعًا وجهه للأعلى محاولًا كبت غضبه وعصبيته بعيدًا عنها قدر المستطاع:
"مفيش حد ملوش تجارب في الحب. بذات لو راجل زيي. ومفيش حد بيعمل اللي إنتي بتعمليه."
بصوت خفيض متعب أردف:
"علشان كل اللي حصل ده كان قبل ما أشوفك. وحتى بعد ما ظهرتي في حياتي كنتي مجرد محامية تحت التدريب ومساعدة خاصة ليا. وأول ما مشاعري اتحركت ناحيتك سبتها. يمكن متأخر، ويمكن بدري، بس في الآخر سبتها. أنا مش عارف إيه الجريمة اللي عملتها تخليني أستحق كل الكره ده منك."
ثم واجه عينيها بالنظرات قائلاً باتزان:
"ومش عارف ليه شيفاني نسخة منه. أنا مش خاين يا كيان. الحكاية كلها إني انسحبت من علاقة فاشلة وحبيت أبدأ من جديد مع حد مرتاحليه أكتر وشايف نفسي معاه."
مسحت دموعها بظهر يدها، فقال سليم وهو يقسو على نفسه قبلها:
"أنا مش ندمان إن سبتها يا كيان. بس أنا بدأت أندم إني فكرت أرتبط بيكي."
هوى قلبها أرضًا منكسر، تكاد تسمع صوت حطامه، فتصلب جسدها في مكانه يابسًا، وقد علا تعبير الدهشة وجهها. فأضاف سليم باترًا:
"خدي أجازة يا كيان وابعدي. وهستنى قرارك الأخير. يا نكمل يا نبعد خالص. أنا مش هقدر أكمل بالطريقة دي حتى لو كانت روحي فيكي."
خفق قلبها المحطم بوجع، ورغم ذلك قالت بكبرياء وهي تمنع دموعها من الهبوط أمامه:
"أنا خدت قراري خلاص وشايفة إننا مش هننفع نكمل سوا."
بنظرة نافذة توغلت لأوصالها، عقب بصلابة:
"أنا مش هاخد قرار في علاقتنا غير لما تهدي."
صاحت بانفعال ومعه هبطت دموعها على خدها:
"شايفني بشد في شعري. قولتلَك خلاص مش عايزة."
حاولت الهروب من هذا المكتب اللعين، لكنها شعرت بقبضة يده تعجزها عن الهرب، فواجهت عيناه الحانية رغم ظلامها القاسي، فقالت بتشنج:
"سبني يا سليم. سبني."
فلتت شهقات بكاؤها بضعف عندما ضمها إلى صدره، محتويًا جسدها وقلبها في أحضانه، مربتًا على كتفها بحنان وهو يهمس باختناق:
"أهدي يا حبيبتي. هعمل اللي يريحك حتى لو كان اللي هيريحك ده إننا نسيب بعض."
ازداد نحيبها حدة وهي تستقبل العناق دون أن تبادله إياه، فهي تخشى أن تظهر له مدى احتياجها لعناقه، مدى احتياجها له. مدى عذابها ولوعتها أن يتركها بعد أن أخبرها منذ دقائق أنه ندم على هذا الارتباط.
***
دلف إلى البيت عصرًا، فوجدهن يجلسن على الأريكة يشاهدن التلفاز، وكل واحدة منهن شاردة في عالمها. شعر بنغزة قوية في صدره لعدم وجود شهد بينهن، كما اعتاد عند دخوله. البيت ينقصه روحها الطيبة، صوتها الموسيقي الناعم، رقيها الملكي المشع عند نظرة من عينيها.
عندما رأته قمر، امتقع وجهها بقرف وتكتفت ذراعيها بصرامة، مشيحة بوجهها وعيناها بعيدًا عنه، بينما قلبها ملتهب بالشوق. انتبه حمزة إلى حركاتها الطفولية، ما زالت مصممة على موقفها في خصامه حتى بعد كل هذه المدة. أسبوعين كاملين ترفض التحدث إليه، مصممة على الخصام، كلما حاول الحديث تصده وتتركه وتعتكف غرفتها التي كانت غرفة شهد سابقًا. تجلس بها معظم الأوقات، أحيانًا وحدها، وأحيانًا مع كيان التي لم تجد رفيقًا بعد شهد سواها. تقارب الفتاتان من بعضهن كثيرًا في تلك الفترة القصيرة، لم ينكر أنهن ما زلن ناقر ونقير مع بعضهن، لكنه المزيج المميز في صداقتهن حديثة العهد.
وضع حمزة علبة الحلويات أمامهن على الطاولة وانضم إلى تلك الجلسة الكئيبة وهو يستريح على مقعده، سائلاً وهو يوزع النظرات عليهن بتدقيق:
"مالكم شايلين طاجن سِتكم كدا ليه؟"
زَمّت قمر شفتيها وهي ترمقه بطرف عينيها دون أن تعيره ردًا أو حتى ذرة اهتمام كما اعتاد منها. فأحمر وجه حمزة بحرج وغضب، فهو لم يعتد هذا البعد والخصام، خصوصًا منها. يحترق صدره كبركان ثائر، يشعر برغبة غبية بصفعها بقوة، ثم تقبيلها بشدة، ساحقًا تلك الشفاه الحمراء المستفزة بأسنانه، متلذذًا بتأوهها في أحضانه.
ازدرد ريقه متأثرًا وأظلمت عيناه بالرغبة، بينما قلبها اختلج بين أضلاعه بضطرم من مجرد التخيل. منذ متى يفكر بها بتلك الطريقة الـ... الغير بريئة أبدًا؟ إن مشاعره تتحرك نحوها بسرعة تفوق الوصف، كقطار سريع متهور يسير إلى اللا نهاية، فأقدم كابح التحكم والسيطرة.
تنحنح حمزة بحرج وهو ينظر إلى وجه أخته الباهت وعلامات الأسى المرسومة على وجهها بالخط العريض:
"مالك يا كيمو... شايلة طاجن سِتِك ليه؟ إنتي زعلانة مع خطيبك؟"
خمن حمزة وهو يضيق حدقتاه، فأومأت برأسها وهي تبتسم بسخرية. فلمعت عينا حمزة سائلاً أخته بحمائية:
"غلط فيكي؟ رفع إيده عليكي كدا ولا كده؟"
هزت كيان رأسها بنفي هاربة من عيناه البراقتين بخجل خوفًا من أن يقرأ المسطور في عينيها عن هذا العناق الذي جمعها بسليم لثوانٍ قليلة قبل أن تدفعه خارجة من المكتب، بل ومن البنية بأكملها بعينين مليئتين بالدموع وقلب مكسور. قالت بصوت متهدج:
"ميقدرش. أنا مش بسكت وإنت عارف كده كويس. مشاكل بايخة. لو في حاجة كبيرة هقولك. بس هي مشكلة تافهة."
رمق حمزة أخته بشك سائلاً:
"وياترى المشكلة التافهة دي مين فيكم اللي غلطان فيها؟"
بللت شفتيها وهي تحني رأسها بتيه:
"تقريبًا أنا. أنا اللي بدأت."
أوما حمزة برأسه ناصحًا إياها بحكمة:
"يبقى تراجعي حساباتك، ولو فعلاً إنتي اللي غلطانة، يبقى لازم تعتذري." ثم نظر نحو قمر قائلاً بسأم:
"على الله بس مطلعش زعله وحش زي ناس."
رمقته قمر بطرف عينيها بقرف وظلت مكتفة الذراعين، تأبى الرد عليه ولو بكلمة واحدة، فهي تعلم أنه يستفزها حتى تنفجر في وجهه. نظرت كيان إليهما بحيرة وسألتهما بشك وفضول:
"إنتوا شكلكم زعلانين سوا؟ بقالكم كام يوم متغيرين مع بعض ومش بشوفكم قاعدين مع بعض زي الأول. هو إنتوا زعلانين فعلاً؟"
أرجع حمزة ظهره للخلف قائلاً وهو ينظر نحو قمر بشقاوة:
"ولا أي حاجة. دا أنا وقمرآية زي السمنة على العسل. دا أنا حتى جايبالها لقمة القاضي. وعامل حسابكم معاها."
امتعنت كيان وهي تتنهد عن الأريكة قائلة بكآبة:
"لأ أنا مليش نفس. أنا هدخل أريح في أوضتي شوية. زهقت من القعدة هنا."
بعد أن أغلقت كيان باب غرفتها عليها، اتجه حمزة إلى قمر جالسًا بجوارها على الأريكة. رمقته قمر بتحذير، لكنه ابتسم بسماجة وهو يرفع ذراعه واضعًا إياها على حافة ظهر الأريكة خلف رأسها مباشرةً. لوهلة ظنت قمر أنه سيمد يده على جسدها بوقاحة، لذا انكمشت بخوف وارتجف قلبها في لحظة بوجل.
فابتسم حمزة باستمتاع سادي وهو ينظر لعيناها قائلاً بابتسامة سمجة:
"مساؤؤ عناب. يا قمراية."
(مساء الزفت على دماغك) كانت تتمنى أن تنطق بها، لكن للأسف أخلاقها منعتها في اللحظة الأخيرة. فعضت على باطن شفتيها بغضب دون رد.
"أنا جايبلك لقمة القاضي."
قالت قمر بنظرات محتقنة بالغضب:
"شكرًا. بطلت آكلها. أصلي عاملة ريجيم. والسكريات غلط عليا."
"على كده أنا لازم أبعد. مانا من ضمن السكريات برضو." ضحك حمزة بقوة مدعي المرح. فرمقته قمر رافعة شفتيها بتقزز كمن تنظر لفأر ميت. فتوقف حمزة عن الضحك تدريجيًا، متنحنحًا بحرج:
"وحشة صح؟ مكانتش عجباني أصلاً."
عضت على باطن شفتيها حتى لا تبتسم. فما حدث لا يُغتفر مهما حاول هو التلطيف، فالأمر أصعب من أن يمر مرور الكرام هكذا دون حاكم أو رابط. قال حمزة بضيق وهو يرمق جسدها بنظرة شاملة مدققة بوقاحة قبل أن يقول:
"وبعدين إنتي بتعملي ريجيم ليه؟ إنتي عجبتني كده. وبعدين أنا بقا عايزك بطة. يا ريت تزيدي عن كده. هو كله لمصلحتك."
انتهى بغمزة وقحة مشاكسة. فزمت شفتيها، فكل هذا حجة حتى تمتنع عن أكل حلواته. لكنه يفتح مجالاً للحديث بعد خصام دام لأسبوعين دون تبادل كلمة واحدة بينهما.
أظلمت عينا قمر وهي تعصر ذاكرتها، متذكرة جسد نجلاء. رغم قصر قامتها التي تتخطاها هي بعدة سنتيمتر، إلى أن جسد نجلاء كان ممتلئًا عنها نوعًا ما، خصوصًا في أماكن مفترقة من أنوثتها البارزة. جزت على أسنانها وهي تنهض بغضب قائلة بعصبية بالغة:
"وأنا مش فارق معايا إنت بتكره إيه وبتحب إيه، لأني هفضل أعمل ريجيم لحد ما أبقى شبه خلة السنان. وبقى دور بقى على البطة اللي تملى عينيك يا بوعين فارغة يا طفس."
قالت آخر كلمة باتهام صريح قبل أن تتحرك بسرعة من أمامه، داخلة الغرفة كثور هائج. فغر حمزة شفتيه مصعوقًا مكانه لبرهة، وعندما ذابت الصدمة على محياه، أرجع خصلاته الناعمة المتساقطة على جبينه للخلف، متمتمًا ببلادة:
"هو أنا عكيت الدنيا تاني ولا إيه؟"
عندما أتى الليل، بدأت تتمايل في نومتها على الفراش بعدم ارتياح، وقلبها يشتعل كأتون حارق كلما تذكرت حديثه عن ذوقه اللعين. أمسكت الدمية الناعمة التي على شكل بقرة، والتي كانت أول هدية يهديها لها. أمسكت الدمية وعضتها بأسنانها بشراسة وهي تنفث عن غضبها داخلها بصرخة مجنونة مكتومة. ثم بعد أن انتهت من وصلة الجنون تلك، ألقت الدمية عرض الحائط بسادية، وهي تقلد صوته بعصبية مفرطة:
"عايزك بطة. عايزك بطاية. اهو كله لمصلحتك."
على صوت تنفسها، ومعه بدأ صدرها يعلو ويهبط بتشنج، قائلة بتكبد:
"عديم الذوق والإحساس. آه يا ني منك نفسياً، آكلك بأسناني. ليه نفس يتكلم ويهزر بعد اللي عمله؟ بجح. بجح آآآه."
صرخت صرخة مكتومة وهي تنهض عن الفراش متجهة إلى الحمام بخطوات عصبية. وبعد لحظات خرجت من الحمام متجهة إلى الغرفة، فانتبهت إلى الشرفة المفتوحة أبوابها، وهو واقفًا عندها ينفث عن غضبه بتدخين وشرب القهوة المرة. وجدت ساقاها تقودانها إليه. انتبه حمزة لوجودها بجواره، فالتزم الصمت بملامح متصلبة قاسية. ظنت قمر للوهلة الأولى أنه غاضب منها، لكنها بعد لحظات انتبهت أنه يمسك هاتفه بين يديه ويتابع إحدى مباربات كرة القدم لفريقه المفضل. ويبدو من قسمات وجهه المشدودة وعروق عنقه النافرة بعصبية أن فريقه يغرق في الخسائر كالعادة.
أغلق حمزة الهاتف بعد ربع ساعة تقريبًا قضتها بجواره واقفة صامتة خانعة أمام غضبه. رمقه حمزة بطرف عينيه متأملاً وجودها بجواره بعد كل هذه الأيام بدونها، تحرمه لذة صحبتها واهتمامها به. كأم تعطف على صغيرها. نظر أمامه زافرًا بصدر مثقل بالهموم والحزن، إنها أتت في أشد لحظاته غضبًا وتأزمًا. وحتى الحديث الآن سيخرج على هيئة رشاش ناري يصيب وجهها الجميل، فهو غاضب غاضب بشدة، فريقه المفضل خسر. ما هذا الحظ السيئ! انتبه إلى ما ترتديه في معصمها، هذا السوار الأحمر اللعين بخرزه البراق المستفز.
"أنا مش فاهم إنتي لابسة الزفت ده ليه."
نظرت إلى السوار ثم لعيناه الحانقة، فابتسمت باستفزاز قائلة بإيجاز:
"بتجيب الحظ."
بلع ريقه بتجهم قائلاً بوجه مكفهر:
"قصدك بتجيب النحس. اللون ده مستفز وإنتي بتتعمدي تظهري بيه قدامي. المفروض الحاجة اللي مبحبهاش متعملهاش."
لوت ثغرها هازئة:
"وياترى إنت بتعمل كده معايا؟"
هتف حمزة بعينين تقدحان شررًا:
"واضح إنك جاية عشان تستفزيني وتكملي عليا."
رفعت قمر حاجبها ببلادة:
"إنت مضايق أوي كدا ليه؟ هما لو كسبوا يعنيهيدوك الكاس؟"
اقترب حمزة منها خطوة خطرة وعيناه تبرقان بالإجرام، فخفق قلبها بخوف، فيبدو أنها تلعب في عداد عمرها حيال ما نطقت به.
"تعرفي إيه عن الكورة؟"
قالت بتلعثم وهي تهرب من جحيم عينيه المتقدة:
"قولتلَك إني مليش في الكورة. ولو ليا في الكورة هطلع أهلاوية زي بابا."
جز على أسنانه وتطاير الشرر والوعيد على وجهه:
"الأحسن إن ما يبقاش ليكي في الكورة خالص عشان منحسرش بعض."
زفرة وهي ترجع خطوة للخلف تأخذ أنفاسها المسلوبة بعصبية، هاتفه بقلق:
"أنا كدا كدا مليش في تعب الأعصاب ووجع القلب. دا إنت متعصب أوي، أعصابك أهدى. هطق."
ضرب حمزة على سور الشرفة بيده بتشنج، فحديثها يزيده اشتعالاً أكثر من الخسارة الفادحة التي تلقاها فريقه اليوم.
"وإنتي مالك يابنتي متعصب ولا متنيل على دماغي. قمر إنتي جيالي في وقت الشياطين كلها بتتنطط في وشي."
عقدت ذراعيها أمام صدرها مشيحة بعينيها عنه:
"مين قالك إني جايلك؟ أنا واقفة أشم شوية هوا. ولا ناسي إننا متخاصمين؟"
نفخ حمزة بعصبية بالغة وهو يقول بصفاقة:
"مش ناسي. أقولك اشبعي بالبلكونة، أنا داخل أوضتي."
غادر من أمامها بمنتهى العصبية، مما جعلها تجفل متسمرة مكانها بصدمة، ولم تقوِ على الاستدارة إليه، بل ظلت تنظر للشارع المظلم والمباني الشاهقة أمامها بعينين غائرتين بالدموع وقلب متجمد في قبضة جليدية فتاكة، يئن داخلها بالاستسلام والتعب. فلتت شهقة من بين شفتيها المرتجفتين عندما شعرت بيده الحانية تضع على كتفها شالاً من الصوف الناعم، ثم لفه حول منكبيها بحزم قائلاً بوجوم من خلفها:
"خلي الشال ده عليكي عشان متبرديش. ومطوليش عن كده. شوية وادخلي نامي. تصبحي على خير."
ثم ابتعد ومعه هاجر قلبها إليه، يقبله آلاف القبل ويركله بعدها بغضب، فهذه المشاعر المتناقضة باتت عدوى أصابتها من بعد معاشرتها له.
***
بعد مرور أسبوع وتحديدًا ليلاً، كانت تجلس على الأريكة أمام التلفاز تقضم في أظافرها، وهي بانتظاره قد تخطى منتصف الليل ولم يعد حتى الآن. زفرت بتعب وهي تنظر للسقف، اشتاقت إليه بجنون، إلى حديثه، لسانه السليط، مزاحه الثقيل، إلى نظرة عينيه الشقية وابتسامته الساخرة. اشتاقت لكل شيء به. اشتاقت لنفسها معه. أضناني العشق أضناني يا معذبي، فأشفق على قلبي ولو قليل.
سمعت رنة المفاتيح في الباب ومن ثم دخوله إليها بهالة مشعة مجنونة، رجلاً مجرمًا بمعنى الكلمة. إجرامًا بريئًا منه، لكن هالته الفجة تدينه بالإجرام والشر والعبث. وكأنه أهلًا لكل ما هو سيء وخطير، رغم صفحته البيضاء. خفق قلبها بلوعة وهي تنهض من مكانها متسمرة بثوب داكن يلتف حول جسدها المنحوت بدلال، تاركة شعرها الغجري ذو الخصلات المتراقصة حرًا طليقًا حتى آخر ظهرها. والبنيتان الكحيلة تبرق بالحب كنجمتين لامعتين في سماء قاتمة. بللت شفتيها وهي تسأل نفسها للمرة المائة: هل بالغت في ارتداء هذا الثوب؟ خصوصًا أنه توقف مكانه يشملها بنظرة قوية مدققة، غير بريئة أبدًا من عسليتاه الوقحة.
"ليه صاحية لحد دلوقتي؟"
برمت شفتيها وهي ترفع كوب النسكافيه من على الطاولة إلى فمها مباشرة قائلة ببرود:
"كنت بشرب النسكافيه وداخلة أنام."
قال ببرود وهو ينظر إليها بشك:
"اللي بيشرب نسكافيه بيبقى مربوط على سهر، مش بيشربه وبيدخل ينام؟"
أنزلت الكوب عن فمها وهي تبتلع ما بفمها بصعوبة، فقد برد المشروب بعد أن تناست وجوده غارقة في قلقها على السيد المبجل الذي عاد إلى البيت للتو. وعوضًا عن سؤاله: أين كان كل هذا الوقت؟ يبدأ هو بثرثرة مستفزة عن ما يصح شربه ليلاً وما لا.
قالت قمر بضيق بالغ:
"إنت كنت فين؟"
كان سيرد ردًا مستفزًا كالعادة، لكنه لم يفعل، فكان متعبًا ومرهقًا بشدة.
"العربية عطلت فكنت بصلحها."
أشفق قلبها عليها فقالت بتهكم:
"وطالما هي بايظة أوي كده وكل يومين عند الميكانيكي، ما تبيعها وريح نفسك."
"إن شاء الله قريب." رد ردًا مختصرًا هادئًا، جعلها تجعد جبينها بحيرة وهي تطلع إليه من أول رأسه حتى أخمص قدميه. هناك شيء متغير به. أحيانًا تشعر بأنه يهرب من عيناها بحرج، وكأنه يخفي شيئًا يسعى أن لا تعرف عنه الآن على الأقل. لكن ما هو؟
نظر لعيناها كطفل مشتت بائس، ثم قال بعد لحظات:
"أنا جعان يا قمر. ينفع تسخنيلي الأكل؟"
أومأت برأسها سريعًا بحنان، متناسية لوهلة خصامهما الذي دام لثلاثة أسابيع.
"غير هدومك على ما أسخن الأكل."
أومأ برأسه وهو يبتعد إلى غرفته. وبعد فترة بدأت تلملم الأطباق التي تناول ما بها. قد افترس الطعام وكأنه لم يأكل منذ أشهر. قد جلست معه على الطاولة، لكنها لم تأكل، وكان حُجتها حينذاك أنها تتبع أحد الحميات الغذائية. فقلب شفتيه وقتها ممتعضًا وهو يتابع الأكل بنهم. حينها سألته متعجبة بعد أن قارب على الشبع:
"إنت كنت جعان أوي كده؟"
توقف عن الأكل وهو ينظر لبنيتيها بشوق:
"بقالك تلات أسابيع حرماني آكل معاكي وكأنك بتعاقبيني."
بدا في تلك اللحظة كصغير يعاتب أمه على خصامها له وامتناعها عن فعل أشياء اعتادها معها. وقتها بلعت غصة مختنقة وهي تحاول التحدث بهدوء:
"إنت اللي بترجع وقت الغدا متأخر. بنبقى اتغدينا أنا وكيان. وبعدين في أيام كنا بنفطر فيها سوا."
صرح بصدقًا وعيناه تفيضان شيئًا من الاحتياج لها:
"بس كنتي بتبقي قلبه وشك اللقمة مكنتش بتبلع."
خفق قلبها متجاوبًا مع حديث طفله بلوعة. هذا الرجل أتى من رحم قلبها ولا مجال لتغيير هذا الشعور داخلها، إنه الشعور الاستثنائي الذي تكنه له من يوم أن وقعت في حبه.
"عايز تقول إنك مهتم."
أكد حمزة دون مراوغة:
"لو مش مهتم ليه هقول كده؟ تعرفي إيه أكتر حاجة وحشاني؟"
خفق قلبها باشتياق حار. فهزت رأسها بكبرياء، فتابع هو بابتسامة جذابة:
"فنجان قهوة على الريحة. من إيديكي الحلوين."
زَمّت شفتيها بضجر، فتلك لم تكن الإجابة المنتظرة مع خفقات قلبها الحافلة. لكنها حافظت على ابتسامته الرصينة قائلة ببرود:
"ومالوا يا بن خالي هعملك فنجان القهوة اللي وحشك."
انتهت من غسيل الأطباق وبدأت في إعداد فنجان القهوة له قبل أن تدلف إلى غرفتها لتكمل ليلة حافلة بوجع القلب على سريرها. شعرت به يدلف إلى المطبخ جالسًا على المقعد أمام الطاولة المستديرة القابعة في منتصف المطبخ. استدارت له بعد أن وضعت الركوة على النار، فشار إليها بعينيه أن تتقدم منه، ففعلت وجلست بالقرب منه واضعة كفها على سطح الطاولة مثله.
مسك حمزة كفها مغطيها بكفه الكبير، ملامسًا أصابعها الطويلة النحيلة البيضاء واحدة تلو الأخرى، وكأنه يرسمهما بلمساته. إصبع الجنية التي تفتنه.
"أنا آسف. أنا عارف اللي عملته ضايقك."
سحبت يدها من بين قبضته الحانية:
"اللي عملته وجعني. وجعني أوي يا حمزة."
قالتها وهي تنهض من أمامه، تخفي ضعفها وغيرتها الواضحة وضوح الشمس لعيناه:
"قمراية بصيلي."
قالها حمزة بعد أن اندفع خلفها وأدارها إليه بمسكة من يده، فتابع بجدية وهو يأسر بنيتيها:
"أي حد. أي حد في مكانها كنت هعمل معاه كده. أقسم بالله ما بكذب عليكي."
أومأت قمر برأسها وهي تبلع غصة بكاء تهدد بالافصاح عنها:
"في دي عندك حق. أي حد مكانها كنت هتعمل معاه كده. بس الخوف اللي شوفته في عينيك ولهفتك عليها بيقوله عكس كده."
انفعل حمزة في لحظة بتجهم:
"إنتي بتقولي إيه؟ مفيش حاجة من دي. أنا نسيتها. كل اللي جوايا ناحيتها وجع. وجع وبس."
امتقع وجهها والتوى ثغرها بوهن قائلة أمام عيناه:
"لو نسيتها بجد مش هيبقى جواك ناحيتها أي حاجة، حتى لو وجع يا حمزة. حتى لو وجع."
جاب حمزة على ملامحها بنظرة قاتمة قبل أن يلفظ بصوت غريب:
"إنتي متعرفيش حاجة."
قالت بنبرة صقيعية هادئة:
"لأ عارفة. شهد حكتلي على كل حاجة عنك وعنها."
جفلت حواسه للحظات وهو يتمعن بالنظر إلى الأسى والقهر في حدقتاها اللامعة بالدموع، فاسترسلت قمر بلوعة:
"عارفة إنك كنت بتحبها أوي، وإنها شرطت عليك تكتبلها شقة من شقق أبوك ولما أبوك رفض، سابتك وارتبطت بغيرك."
أتى صوته ساخرًا متناقضًا مع مشاعره الآن:
"لأ، وإنتي الصادقة ارتبطت بغيري وهي لسه لابسة دبلتي. أنا كنت *…* في الحكاية كلها وعرفت تديني الضربة اللي توقعني متقومنيش."
صرح حمزة بضعف استثنائي وهو ينهت بتعب، بينما قلبه يعتصر بقسوة بين أضلعه:
"أنا موجوع يا قمر. الوجع اللي جوايا صعب أوصفهولك."
رمشت بعينيها متنازلة عن عبارات حارقة سقطت من حدقتاها باستسلام، فتابع حمزة بقهر الرجال:
"وجع راجل اتخان من أكتر إنسانة حبها. ووعدتني كتير إنها هتفضل جمبه وإن الفلوس والمنظرة آخر حاجة تفكر فيها معاه، وإني وجودي أهم من أي حاجة في الدنيا. وإني عمر قلبها ما هيحب حد ولا هيشوف غيري."
ابتسم هازئًا وعيناه تتلون بالحزن والخذلان:
"ووعدتني كتير يا قمر. وكان كل ده كذب. فجأة صحيت لقيتها بتعاني مع أول محطة نزلت وسبتني أكمل لوحدي، لا عارف رايح فين ولا هعمل إيه من غيرها."
أضاف بغصة مختنقة:
"أنا بطلت أحبها. يمكن الحب قلب كره وقرف من نفسي ومن قلبي اللي استرخص ونقى أقل حاجة ومسك فيها بأيده وسنانه."
رآها حمزة تتعذب حرفيًا أمام عيناه كلما تحدث عن أخرى أمامها، وكأنه يجلدها بالكلمات. فصل الخطوة الوحيدة بينهما وعانق وجهها بين يديه، ثم مسح دموعها برفق قائلاً باعتذار حانٍ بصوت يحمل حنان العالم بأسره:
"والله ما أقصد أوجعك. أنا بحكيلك على اللي جوايا. لازم تفهمي اللي عملته ده ملوش علاقة بيها هي. والله أي حد مكانها كنت هعمل معاه كده."
حاولت قمر نزع نفسها من بين يديه:
"ممكن تسيبني عايزة أروح أوضتي. سيبني يا حمزة."
ترك حمزة وجهها واحتوى خصرها بين يديه، مقربًا إياها من جسده حتى التصقت به، فقال بضعف بعد أن تخللت أنفاسها الطيبة رئتيه خلسة:
"بالله عليكي لأ. كفاية خصام وبعد. أنا استويت. بلاش تبعدي عني يا قمر. حقك عليا والله ما أصدق أجرحك أو أوجعك بكلامي."
نظرت لعسليتاه القريبة جدًا منها وانفاسه التي تتوغل إلى رئتيها بانسيابية ساحرة:
"حمزة." همست بها وهي تغمض عينيها بتأثر.
بعد أن تحسس خصرها المنحوت اللين بوقاحة، هامسًا وهو يميل على أذنها بضعف أجش:
"عايز المسك يا قمري. عايز آخدك في حضني."
ذابت مفاصل أعصابها ولم تقوِ إلا على ندائه بصوتها المحموم:
"حـمـزة."
رواية الحب اولا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دهب عطية
في صباح اليوم الثاني شعر بقطرات باردة من الماء
تسقط على وجهه فمسح على ملامحه متافف فازدادت القطرات حده ففتح عيناه بصعوبة
ينظر إليها وهي تتأنق بعبائة خروج جميلة وتلف
حجابها حول وجهها فتزداد بهاءًا وحشمة… ولم
تضع نقطة من الزينة فمزالت زينة أمس تترك
آثر…
أمس؟!…. ماذا حدث أمس…
قفز في عقله نومه على الفراش مكانه وهو يشاهدها
ترقص بحلة الرقص البيضاء… خفق قلبه وازدرد
ريقه مالذي دهاه أمس كانت فتنة متحركة امامه تغوي قديس !…
لماذا نام وتركها…يعلم عندما يتعب ويريد النوم مهما قدم له من لذات يظل النوم اللذة الأبدية التي يريد
الوصول إليها…
ربما غاضبة الان…. فمن العاقلة التي لا تغضب بعد
هذا التجاهل المتعمد من زوجها…. وان كانت مجنونه مثلها فسيكون شعورها الان تخطى ذروة الغضب..
راها تضع كوب الماء جانبًا قائلة بوجه مكفهر
معبر عن غيظها ومقتها…. “أبوك عايزك تحت….”
سالها سلطان وهو يمسح
عيناه…
“ليه في حاجة ولا إيه…..”
قالت ببرود…. “انزل شوف بنفسك معرفش….”
سالها سلطان وهو يطلع على
هيئتها…
“وانتي راحه فين بلبس ده….”
قالت بنظرة نارية…
“هنزل أقعد تحت….اي عندك مشكلة.. ”
ضاقت عيناه بعدم فهم….
“وانتي من امتى بتنزلي عند امي بعباية خروج
زي دي…انتي راحه خارجة مع أميرة ؟!!… ”
قالت متجهمة بنفاذ صبر وهي تبتعد خارجة من الغرفة….
“لا نازله اقعد تحت…وخلص عشان أبوك مستنيك..”
“داليدا…. داليدا…”ناداها سلطان ولكنها تجاهلته عن عمد خارجة من الشقة بأكملها….فقال وهو ينظر الى ساعة الحائط متافف بنزق….
“دي قلبه قلبا سوده..وابويا عايز اي دلوقتي…الساعة لسه عاشرة… هو الواحد ميعرفش يرتاح ولا ينام زي البنادمين…. ”
بعد ساعة ونصف كان يقف امام والده قد اغتسل مرتدي طاقم رياضي أنيق وصفف شعره للخلف
مضيف عطره القوي كان وسيم بجسد يضخ
رجولة مهلكة…
عضت على شفتيها بغيظٍ منه وهي تبعد عن مخيلتها وسامته الفجة متركزة أمامها على شاشة الهاتف التي تمسكه جنة وتشير لها على أحد المنشورات الخاصة
بالتسوق……
وقف امام والده باحترام وهو يرى بلبلة غريبة
في صالة البيت….
“خير ياحاج كنت عايزني في إيه…..”
نظر عبد القادر لزوجته التي خرجت من المطبخ
للتو…..ووجه لها الحديث
“أهم حاجة عملتي السلطة وحطيتي المخلل…”
أكدت حنان بابتسامة ونظرة دافئة تخص
زوجها الغالي…
“طبعًا ياعبدو هو انا اقدر انسى السلطة والمخلل
وكمان عملتلك عصير المانجة اللي بتحبه….”
مسك عبد القادر يدها وقبلها على مرآى عينا
الجميع قائلًا بحنو… “تسلم ايدك ياحنون….”
نظر سلطان نحو داليدا بحرج والتي القت عليه
نظرة جمدت سائر حواسه للحظة وهو يرى والديه عصفوران الحب يتغازلا في بعضهما بهيام امام
الاحفاد… بينما هو نام ليلة أمس تارك زوجته
تتمايل بخصرها للأشباح…
“خير ياحاج عايزني في إيه….”
نظر والده اليه ويبدو انه نساه للحظة ثم عاد
قائلًا بنصح……
“يابني أفرد وشك شويه… دا احنا لسه على الصبح
حتى….. هو ماله ياداليدا….”
رفعت داليدا عيناها للأعلى متشدقة…
“هو علطول كده ياعمي شايل طاجن سته…”
هتف سلطان محذرًا….. “داليدا…..”
لكزه والده في صدره بخشونة…
“اي ولد هتبرق لبنت أخويا قدامي… طب والله عندها حق دي خلقة تطفش بلد….”
كتمت داليدا ضحكتها بشماته بينما احنى سلطان
راسه بأدب…..
“كتر خيرك ياحاج…. كنت عايزني في ايه بقا…”
“ياجدو…. ياجدو… احنا خدنا الكورة معانا…”
كان على وشك اخباره لكنه توقف عند حفيداه
الذين اصبحوا على مشارف المراهقة أسامة
ويحيى التوأمان المشاغبان…..
ابتسم لهم عبد القادر قائلًا بحزم حاني….
“خدوها ومالوا عشان تلعبوا بيها ومتزهقوش…بس خدوا في بالكم احنا خارجين نشم شوية هوا مش عايزين تلفونات تتفتح في الخروجة وصداع….”
اتى صوت أميرة التي خرجت من الغرفة بطاقم
محتشم وحجاب يماثله حشمه واناقة…
“ايوا يابابا ونبي قولهم لحسان دول تعبني
ومغلبني في المذكرة…..”
نظر لهم الجد بضيق….
“مش بتسعموا كلام امكم ليه ياعفاريت….”
هتف يحيى بوجه مكفهر كخاله تمامًا…
“مش انا ياجدو دا أسامة…. اللي بيقعد يلعب على التلفون زي العيال….لكن انا بذاكر… ”
نظر له أسامة بغضب هذا الصبي الحالم
اللطيف…فالقى عليه اللوم كذلك….
“كداب ياجدو انا بذاكر هو اللي بيفضل واقف في البلكونه وبيعاكس البنات….”
تحدث يحيى بخشونة ومقت…
“انا مش بحب البنات أصلا… دول كائنات مايعة ولزجه….”
اتسعت عينا داليدا وجنة معًا فتلك اهانة كبيرة
لهن من هذا الفظ كخالة…..
فقال أسامة بابتسامة رقيقة….
“دول كائنات سُكر شربات مورد… ياعديم المفهوميه…”
ابتسمت داليدا وجنة معًا وهن يعطون أسامة
قُبل في الهواء فاتبسم هذا الصبي اللطيف لهن
بحرج شديد….استغل يحيى الأمر صائحًا…
“عرفت ياجدو هو اللي بيقف في البلكونه ياعاكس البنات اقولهم على نورا…”
نظر له أسامة بغيظ….
“مانا ممكن اقولهم على آسيا وافضحك…”
قال يحيى بجرج….
“دي بنت صغيره وكنت بساعدها…”
تبرم اسامة ساخرًا…. “يعني مش لازجه ومايعه….”
تافف يحيى بمقت مشير على أخته الكبرى….
“كلهم مايعين وميطقوش.. وعندك جنة أقرب
مثال لده….”
شهقت جنة معقبة بعينان تنفثان نارًا….
“والله وكبرت يا أستاذ يحيى دا انا من سنتين بس كنت بغيرلك البامبرز…. ومكنتش بتسبني متعلق برقبتي ليل ونهار….”
رمقها الصبي بطرف عيناه فشاطت غضبًا وهي تنهض من مكانها على وشك الهجوم عليه…
“انا تبصلي البصة دي…تعالى هنا يبتاع كائنات
مايعه عملي فيها الغامض بسلامته…”
ركض يحيى ضاحكًا عليها وهي خلفه….فصاح الجد
بوجوم…..
“خلاص انتوا الاتنين….خلينا نشوف اللي ناقص..”
تدخل سلطان بملل واضح…
“هو انتوا رايحين فين بظبط….”
اجابته الأم بمحبة…..
“خارجين للجنينة ياحبيبي النهاردة شم النسيم فقولنا فرصة نشم شوية هوا نضيف برا….يلا دور عربيتك عشان توصلنا….”
رفع حاجباه بصدمة….. “اوصلكم….”
قالت الأم بترفق وهي تنظر له ثم لزوجته…
“ايوا انت جاي معانا انت ومراتك اهو تفكوا عن نفسكم شوية معانا… ولو حابب تخرجها في مكان
تاني لوحدكم براحتكم…”
نهضت داليدا معترضة وهي تنظر اليه
بعتاب….
“لا يامرات عمي انا عايزه اجي معاكم….”
قالت أميرة بحبور وهي تتقدم منها…..
“ومالوا ياديدا هننبسط كلنا والله… يلا ياسلطان
دور العربية….عمتك وجيدة وبنتها هيحصلونا على هناك…” قالت اميرة اخر جملة وهي تتأوه بحسرة
ناظرة الى داليدا التي ضحكت تلقائيًا فالعمة وجيدة في طلعة عائلية هذه من عجائب الدنيا السبعة….
بعد مدة…..
افترشا البساط ورصا الاطعمة الشهية المالحة بمذاقها الفريد والمميز في تلك المناسبات بدأت
داليدا تفتح اكياس البطاطس المقرمشة وجنة
تفتح العلب مع أمها….
والجميع يجلس منتظرًا عدا التوأمان الذين استغلا
الفرصة وذهبا يمرحا على الحشائش الخضراء بين
الاشجار المرتفعة والمساحة الشاسعة…..
نادت أميرة عليهم….
“يلا يا يحيى انت واخوك تعالوا افطروا الأول وبعدين العبوا زي مانتوا عايزين….”
بدا الجميع بالاكل وداليدا وسلطان يجلسا بجوار بعضهما…..فشم سلطان رائحة عفنة بجواره فنظر
الى داليدا بريبة قائلًا….
“اوعي يكون اللي في بالي…”
قالت بابتسامة شيطانية… “هوه…فسيخ بالبصل….”
برم شفتيه بقرف كمن ينظر الى حيوان ميت
عفن……
“سيبي البتاع ده وكلي اي حاجة تانيه متقرفناش..”
قالت داليدا بوجه مكفهر حانق….
“خليك في حالك انت هتشاركني في اللقمة كمان
دا اي ده…كل واحد ياكل اللي على مزاجة… ”
على وجهه التقزز….. “الريحة قرفتني….”
رفعت شفتها بتمرد…..”متقعدش جمبي….”
تدخلت وجيدة بحقد….
“بطل رغي ياسلطان وكل هي مراتك هطير..اش
حال علطول جمبك….”
همست داليدا سرًا بارتياع….
“قل أعوذ برب الفلق….ماهو قرك ده اللي
بوظ الليله….”
قالت وجيدة بابتسامة واسعة…
“خدي ياواد ياسلطان مني دي….”قدمت له بيدها لقمة صغيرة فقال سلطان بحرج….
“مانا باكل اهو ياعمتي….”
قطبة وجيدة جبينها مصرة…
“لا ونبي لا تاخدها مني….تعدمني لو مخدتهاش.. ”
همست داليدا اليه بلؤم…. “ماتخُدهاش احسن…”
“هاتي ياعمتي تسلم إيدك….”نظر لها بعناد ووضع
اللقمة في فمه امام عيناها الحانقة….ثم لم يلبث
إلا ونظر للعمة وجيدة سائلا وهو يمضغ اللقمة
“دا اي دا ياعمتي بيلسع سردين دا ولا رنجة…”
قالت وجيدة بجزع….
“اي ياواد ياسلطان حد ميعرفش طعم الفسيخ…”
اتسعت عيناه ناهضًا من مكانه….. “إيه….”
انفجر الجميع ضاحكًا عليه واكثرهم صخب داليدا التي كركرة بصوتٍ عالٍ تلك الضحكة الرقيعة التي انتبه لها فورًا بعض العائلات المجاورة من حولهم…
بينما همس سلطان بغضب بعد ان تمضمض
بالماء…..”صوتك يامؤدبة…..”
زمت داليدا شفتيها وهي تتابع الأكل دون ان تعيره
ذرة إهتمام…..
نهض اسامة قائلًا بحماسًا….
“انا هروح اغسل ايدي والعب بالكورة…يلا بينا يا يحيى…..”
قفز يحيى برشاقة وهو ينظر
لسلطان…
“يلا بينا… تعال العب معانا ياخالو….”
أومأ سلطان براسه وهو يبتعد معهم الى المساحة
الخضراء يشاركهما اللعب بالكرة ويلهو معهم كما
يفضلا التوأم…..
قالت وجيدة بنتهيدة متحسرة….
“ربنا يحمي لشبابه حنين اوي سلطان ربنا يباركلك فيه ياحنان…..”
ردت حنان الابتسامة بصدقًا أكبر…..
“تعيشي ياوجيدة عقبال ما تفرحي ببنتك وتشيلي
عوضها…..”
رفعت وجيدة عيناها للسماء بحرارة…
“يسمع من بؤك ربنا…ادعيلها ونبي ياحنان…بذات في صلاة الفجر…الدعوة مستجابة…..”ثم استرسلت
وهي ترمق داليدا….
“الله صحيح ياداليدا مفيش حاجة جايه في السكة….”
كانت داليدا مزالت تأكل باستمتاع لا تبالي بالحديث القائم حولها ولكن عند سؤال العمة وجيدة وقف الطعام في حلقها فاخذت رشفة من الماء بعد ان تخضب وجهها بحمرة الفزع……
“لا لسه ياعمتي….”قالتها داليدا بعد ان وجدت صوتها بين طيات الصدمة بعد ان طرح هذا السؤال الخاص والحساس جدًا……
قالت وجيدة بلؤم ومكر…..
“طولتي اوي ياداليدا دا انتوا بقالكوا اكتر من
سنة متجوزين….لا لازم تكشفي وتطمني على
نفسك لحسان يكون في حاجة مانعه….”
تدخلت أميرة مدافعة…..
“اي ياعمتي الكلام ده….داليدا واخويا صاغ سليم لسه بدري على الكلام ده مش أقل من سنتين…..”
شهقة وجيدة ناظرة الى زوجة
اخيها….
“سنتين وانتي هتستني ياحنان سنتين….”
قالت حنان بنظرة معاتبة…..
“ومالوا ياوجيدة ياختي ربنا يرزقهم يارب النهارده
قبل بكرة ويسعدهم…يعني دي حاجة بأيد ربنا واحنا ملناش دخل بيها…..”
نظرت لها وجيدة بطرف عيناها وهي تضع
اللقمة في فمها….
“شكل حملك عزيز…زي امك طولت برضو على ماخلفت….وابوكي كان ملهوف على العيال وانا كنت
اقعد اقوله أصبر عليها دي غلبانه وبتحبك…اهو مطمرش في امك في الأخر بس انا برضو بعمل
الخير وارمي للبحر…..”
غمغمت داليدا بنزق…
“ياريت متعمليش خير تاني بقا…”
رفعت وجيدة حاجبها…. “بتقولي اي يابت…..”
ابتسمت داليدا بصفار قائلة بصعوبة…
“ربنا يكتر من خيرك ياعمتي طول عمرك قلبك كبير
وبتحبي امي أوي أوي….اوي.. ”
أكدت وجيدة….
“امال يابت دا امك دي عشرت عمر….طب هحكيلك
على حاجه تثبتلك قد إيه انا جدعة مع امك وبحبها…”
ظلت الابتسامة على محياها وهي تستمع بصعوبة
للعمة وجيدة…..التي إضافة بضغينة….
“في مرة ابوكي وامك كانوا متعاركين سوا…وكان
على اخره منها.. وبصراحة امك ست نكديه وما تتعاشرش……”
احتدت نظرات داليدا بتحذير…. “عمتي….”
قالت وجيدة بابتسامة لئيمه وهي تتابع
سرد الموقف….
“يابت مش بقل منها دا انا بوصفها…اي الظلم ده….المهم فانا جيت بقا اهدي الأمور بينهم
قولت كلمتين كده شعللوا أمك…فطلعت أمك تطلب
من ابوكي الطلاق…..ابوكي مرضاش يطلقها روحت
انا مدخله قولتله فين كرامتك يناصف ياخويا…سخن هو كمان ورمى اليمين عليها…..”
اتسعت عينا داليدا بصدمة وخفق قلبها بخوف اما الباقية فكانوا يكتمون ضحكاتهما…..
فإضافة وجيدة بطيبة قلب…
“بس انا مسكتش فضلت وراه لحد ما ردها
لعصمته…وياريت امك قدرت…يلا زي بعضه..
مش مستنيه شكرًا من حد…. ”
ثم لمعة عيناها فقالت بثرثرة….
“تيجي احكيلك على خروجة المصيف اللي خرجتها
مع ابوكي وامك في أول جوازهم…”
رفضت داليدا ممتنعه فمازلات تحت تأثير
الصدمة الأولى…. “لا ياعمتي شكرًا….”
قالت وجيدة بحرارة…..
“يابت هحكيلك دا انا عملت جمايل في أمك لا تعد
ولا تحصد….لازم أحكيلك لازم…..”
تدخلت حنان بنبرة لطيفة….
“خلاص ياوجيدة ياحبيبتي…البت مصدقة دا انتي
عمتها اللي بتتمني الخير للكل….”
ترقرق الدمع في عينا وجيده فبدأت تنبد
حظها المتعثر قائلة….
“أيوا والله ياحنان…بس مفيش حد بيتمنالي
الخير….آه في الأيام اللي زي دي كان المرحوم ابو
هدى معايا كتف في كتف…الله يرحمك ياغالي كان
راجل صعيدي وجدع……وفرفوش ويموت في الفرح….حسدوني عليه لحد ماراح في غمضة
عين اه ياني على حظي المنيل… ”
تاففت أميرة قائلة بحنق…..
“خلاص بقا ياعمتي بلاش نكد…دا احنا خرجين نتفسح وننبسط….”
اتسعت عينا وجيدة بالشر….
“قصدك اي يا اميرة اني نكدية…شايف بنتك ياعبد
القادر….”
عقب عبد القادر بملاطفة وهو ينظر الى
ابنته البكرية بعتاب….
“متقصدش ياختي هي عامله عليكي عايزاكي
تفرحي وتنبسطي وتنسي اللي فات..”
مصمصت وجيدة بشفتيها بحسرة….
“ومنين يجي الفرح دا كان ابو هدى بــ….”
نهضت جنة هاربة من تلك الجلسة
الكئيبة….
“ماما انا هروح اتمشى شوية…..”وضعت السماعات
في اذنيها فمسكت يدها داليدا قائلة برجاء….
“خديني معاكي ياجنة….”
هربت أيضًا اميرة قائلة بحجة مقنعة…
“وانا كمان هروح ابص على حاجة في صف
المحلات اللي في الوش ده…..”
عندما أبتعد الجميع وبقا فقط العجائز على البساط
لكزة وجيده ابنتها بقسوة….
“وانتي هتفضلي قعده جمبي كده انطلقي شوية يمكن النحس يتفك….”
اطرقت هدى براسها بتخاذل قائلة وهي
تنهض… “هروح اتمشى شوية عن اذنكم….”
قالت حنان بعتاب….
“ياوجيدة خفي على البت شوية مش كده…”
لوت وجيدة شفتيها بقهر متمتمة…
“ياختي هي في حاجة مقصرة فيها مش شايفه البنات حوليها…. الناس كلت وشي ياحنان ياختي واهل أبوها في الصعيد كل شوية يسألوني عنها
وعن نحسها اللي مش عايز يتفك…حسرة عليكي
يابنتي وعلى حظك المنيل…”
هزت حنان راسها بسأم فوجيدة ستظل وجيدة
ولن تتغير ابدًا….لذا فضلت هي وزوجها الصمت
مستمعين الى عويلها عن الموت والحظ العاثر
المرافق خطاها…..
عيناه بدأت تفتشان عنها بلهفة فبعد ان رأى جنة
تسير بمفردها تضع السماعات في اذنيها ولا تبالي
بمن حولها سالها عن داليدا… فاخبرته انها أرادت
ان تنفرد بنفسها قليلًا في السير……
وبعد بحث دام لدقائق رآها تجلس تحت ظل شجرة
جالسة بهدوء شاردة في البعيد….
اقترب منها وجلس بجوارها بصمتٍ فزمت شفتيها
بتمرد طفولي قائلة….
“ممكن تبعد عني انا زعلانه منك…”
احتضن يدها المرتاحة على العشب بكف يده
هامسًا بخفوت معتذرًا…
“كنت تعبان وعايز انام يادودا غصب عني والله..”
خفق قلبها لكنها تماسكت وهي تزم شفتيها
بنزق… “عديم الاحساس و الرومانسيه….”
عقد حاجباه مؤنبًا إياها بخشونة….
“في ست محترمة تقول لجوزها كده….”
ادارة وجهها اليه بنظرة كرصاصة طائشة
هاتفه بقهر يتوارى خلف الغضب…
“ايوا اقلب الطربيزة عليا كالعادة وطلعني غلطانه..
بعد كل اللي عملته تنام وتسبني اقلع البدله
لوحدي….”
تاوه سلطان بحسرة….
“ياخسارة دي كانت اهم مرحلة بنسبالي…”
لكزت كتفه بانزعاج….
“ياكداب…. يامنافق…. يانكدي….”
ضحك سلطان وهو يمسك يدها قائلًا بعبث…
“بلاش ظلم يادودا.. دانا فرفوش اوي واعجبك..
طب جربي المرادي….”
رفعت راسها برفضًا قاطع…
“لا مستحيل.. خلاص قفلتني….”
اصر سلطان بغمزة شقية….
“البسيها تاني وتعالي نعيد من الأول…”
“لا مفيش…انا مخصماك.. “نهضت من مكانها مبتعده
عنه في لمح البصر….
فنهض خلفها سلطان قائلًا
بلهفة….
“داليدا…… ياداليدا….”
توقف مكانه عندما عرقل طريقه أمرأه تقترب منه
قائلة بدلال…..
“اي ده سي سلطان هنا… وانا اقول الجو قلب ربيع
كدا ليه… اتاري سي سلطان هنا… طب ما كنتوا
تقولوا انكم رايحن تقضوا اليوم في الجنينة كنت
جيت معاكم اصلي جايه مع اختي وجوزها قولت
اشم شوية هوا انا وبنتي دنيا…”
“كل سنة وانتي طيبة يام دنيا….” تنحنح سلطان بحرج وهو يرى داليدا تتقدم منه بشراسة بعد
رؤيتها لامال…
ردت أمال بفحيح ناعم وهي تقف وقفة مائلة
مائعة…
“وانت طيب ياغالي….”
جزت داليدا على اسنانها بنفاذ
صبر…
“اهلا بخالتي ام دنيا….”
تصنعت امال الود قائلة….
“اهلا ياحبيبتي…. مالك شكلك زعلانه…”
وقبل ان ترد داليدا نظرة امال لسلطان قائلة
بقلة حياء تقتحم خصوصية الغير…
“انت مزعلها ولا إيه ياسي سلطان….معقول ولا تكونش هي اللي مزعلاك…احكيلي احنا ستر
وغطا على بعض…. ”
عيل صبر داليدا فزمجرت بعنفًا شديد
اجفل كلاهما…..
“ماتتلمي ياولية يأم صورم انتي…..”
نظر لها سلطان جافلا متسع الأعين..فمسك
ذراعها سريعً يكبح جنونها قائلًا…..
“داليدا…. انت اتهبلتي اي اللي بتقولي ده….”
هتفت أمال بغضب وهي ترمق داليدا
بازدراء…..
“اخص عليكي وعلى اللي رباكي..دا كلام يطلع
من واحده عاقلة ومحترمة…..”
حاولت داليدا الهجوم عليها حتى تمزق وجهها
الحقير باظافرها لكن سلطان قيد خصرها سريعًا لتجد نفسها مكبله بقوة في الهواء مما جعلها تطيل لسانها قائلة بشراسة..
“انا محترمة و متربية غصب عن عينك…الدور والباقي عليكي انتي عينك بتزوغ على حاجة
غيرك. ”
“داليدا اخرسي….”صاح بها سلطان من خلفها فقد
بدا ينتبه لهم بعض العائلات القريبة من مكانهم…
لاحت الغرابة والحيرة على وجه امال الغاضب
وجهة الحديث لسلطان بتقريع….
“حقيقي انا مستغربة ياسلطان انت إزاي وافقت تربط نفسك و تجوز عيله صغيره تقل منك بشكل
ده قدام الناس…اخص بجد….”
رمقها سلطان بنظرة جمدتها في مكانها ولم يلبث
إلا وامرها بحدة ونفاذ صبر….
“ام دنيا كفاية كده…..روحي لحال سبيلك…”
ازداد غضبها وحقدها على داليدا التي تحاول الوصول اليها لولا ذراع سلطان المحكمة على
خصرها بالقيد….
“كده ماشي ياسلطان….لينا كلام تاني لما تهدي
الشعنونه بتاعتك…..”
صرخة داليدا بسوقية وهي تراها تبتعد عنهما
دون ان تاخذ نصيبها من الضرب…
“مين دي اللي شعنونه يام اربعة واربعين..ياخطافة
الرجالة….”
تركها سلطان وصاح بخشونة مهيبة
لعيناها….
“اهدي اهدي بقا….. الناس بتبص علينا…”
توقفت داليدا وهي تاخذ انفاسها المتهدجة بصعوبة ومزالت بعض العيون من حولهما تراقبهما بفضول
فزمجر سلطان من بين اسنانه بقسوة معاتبًا…
“انتي إيه مجنونة مفيش مخ خالص…في حد
يقول اللي قولتي ده ….”
نظرت داليدا له بغضب وهي تعدل حجابها بعصبية
تخفي خصلاتها اسفله…..
“عايزني اعمل إيه وانا شيفاها بتتمسح فيك بطريقة
دي…اسكت لها ليه ماسكه عليا ذلة ولا مليش لسان
أرد بيه…..”
اعتصر سلطان عيناه لثانيه ثم فتح عيناه واجما
قائلًا بحشرجة انفاسٍ غاضبة…..
“مفيش واحده عاقلة بتتصرف كده وعلى الملء..دي
مش قوة دي قلة عقل…وجنانك هيخلي الكل يغلطك
وهي اللي يبقا معاها الحق…..”
اقتربت منه وشدته من ياقة السترة الرياضة بتملك هاتفه وهي تأسره بنظرة عاشقة مجنونة…..
“انا اللي معايا كل الحق…انت جوزي حبيبي انا…وهي
ملهاش حق انها حتى تبصلك…مش تكلم معاك وتدلع
عليك….”
نظر سلطان حوله بحرج وهو ينزع
يداها عنه…
“وطي صوتك كفاية فضايح…..”
انعقد حاجبيها وبنظرة جريحة
معلقة….
“فضايح ؟!…شايف حبي ليك فضايح….”
هتف سلطان بخشونة….
“انا محبش حبك ليا يكون على الملء…”
تراجعت للخلف بتشنج….. “اي التفكير ده….”
تحدث سلطان بصرامة….
“دا الصح انا كده وده طبعي..حاولي تطبعي بطبعي وتفهميني….اعملي مابدالك واحنا مع بعض بس قدام الناس اتصرفي زي اي ست عاقلة ومسئولة….”
قالت بتمرد امام عيناه المفترسة….
“انا معرفش اكون زي مانت عايز انا كده وانت حبتني كده….”
اكد سلطان وهو ياخذ خطوة نحوها..
“ولسه بحبك ياداليدا…..بس تهورك غلط اكبر غلط…..”
ترقرق الدمع في عيناها فقالت بانكسار…
“انت مش حاسس بيا…..انت واقف قصادي بتعاتبني
عشان واحده زي دي….وكمان مضايق اني وقفتها
عند حدها……”
ابتعدت داليدا عنه بخطى سريعة فوقف مكانه عاجزًا عن الحاق بها…..
لماذا لا تفهم انه يحبها بكل حالتها لكنه يريدها أكثر
نضجًا وتعقلًا….
سارت بعيدة عنه وهي تمسح دموعها المنهمرة على خدها والغيظ والغيرة نيران تحرق صدرها…وقفت
مكانها فجأه بعينين متسعتين وجلتين…..
لم تتوقع أبدًا ان ترى ما راته الان ولا حتى في احلامها…..
من بعيد رأت هُدى برفقة شاب تقف معه خلف أحد الأشجار البعيدة عن الأنظار تضحك وتسايره بحرارة ونظرات عينيها البراقة تشي بالكثير بان هذا الشاب استحوذ على عقلها وقلبها ببساطه !…
الذي ارعبها بشدة وجعلها تتراجع برهبة كمن اصابها
ماس كهربائي عندما استدار الشاب لها ناظرًا اليها مباشرةٍ وعلى محياه ابتسامة ماكرة خصها بها وكانه رآها قبل ان تدرك حقيقة وجوده ؟!….انه هو
هو دون إنكار….عادل….. عاد لحياتها من جديد
لكن بصورة أخرى بصورة ارعبتها بشدة….
عادل برفقة ابنة عمتها؟! متى حدث هذا !..
وكيف حدث !…
……………………………………………………………..
دلفت الى قاعة المكتبة الكبيرة تجول بعيناها
الفيروزية الامعة بالحزن المكان من حولها حيث
خزائن الكُتب الشامخة جانبًا والمكتزة بالكثير من أنواع الكُتب التي صُنفة بعناية مختلفة الاشكال والمواضيع تجمع كل ذوقًا منفرد بصاحبه في هذا المكان الرائع….
عليها ان تعترف ان عبق الكُتب أفضل من ألف
عطرًا يستدل عليه ، وان الكُتب تظل مجهولة
بعناوين ملثمة الى ان ياتي المغامر الذي يصل
للنهاية فاكك طلاسمها مبحر في عالمها !…
رأته من بعيد على أحد الطاولات الخشبية جالسًا
يضع نظارة الطبية مشغول بقراءة أحد الكتب هو
من دعاها لهذا المكان الراقي الهادئ والذي جمع
بين الفكر والاخلاق والثقافة التي باتت طراز قديم غير مستحب للكثير من الجيل الحالي التي هي واحده منهم !….
كانت متأنقة بطاقم كلاسيكي عبارة عن بنطال
واسع الساقين ومحكوم عند الخصر تعلوه سترة مناسبة عليها رافعه شعرها للخلف وتسقط على
غرتها جانبًا خصلة بندقية ناعمة تلامس فكها
بدلال….
جلست بجواره وهي تبتسم برقة قائلة
بمحبة..”مساء الخير ياعمو….”
انتبه المستشار الى وجودها فنزع نظارة القراءة
ببطئ ناظرًا اليها بابتسامة بشوشة…
“مساء الخير ياحبيبة عمو…متاخرة عشر دقايق
بحالهم….فين الانضباط يا استاذة يامحامية…”
عضت على باطن شفتيها
قائلة…
“اصل الطريق كان زحمة و…..”
قاطعها المستشار بحزم حاني….
“قديمة اوي الحجة دي….فين الابتكار و التجديد…”
زمت كيان شفتيها معترفة بحرج…
“بصراحه كنت بكوي البليزر وده اللي اخرني عليك….”
نظر المستشار الى أطراف السترة بدقة
ثم قال….
“مم….مش مكوي كويس….شكلك كنتي
مستعجلة كده انا اقتنعت….”
ضحكت كيان بحياء قائلة…
“هو حضرتك جايبني هنا ليه….”
ضاقت عينا المستشار مجاوبًا…
“عشان تمتعي عينك ومخك…مش عاجبك المكان
ولا انتي من جيل الترندات الهبطه….”
قالت كيان معترفة بحرج….
“بصراحه…مش أوي عادي …يعني على حسب
لو في كتاب عجبني بدوس فيه بقلب….”
اوما المستشار براسه وهو يعطيها الكتاب الذي
كان يقراه للتو…..
“يبقا لازم تبدأي خدي الكتاب ده عن التنمية
البشرية وتطوير الذات…اغلبية الكتب او اكترها
بتتعمق في نفس الإنسان علميًا وعمليًا…هتلاقي
هنا نفسك ويمكن تلاقي حلول لحاجات محيراكي..”
نظرت كيان للكتاب ثم لعينا المستشار ولم تلبث الا وقالت بحرج… “هو سليم قالك حاجة ياعمو….”
بصوتٍ متزن اجابها المستشار باختصار….
“سليم مقالش لكن باين انكم زعلانين..وانا مش حابب أرهق نفسي في مشاكل بين إتنين لسه في مرحلة التعارف لان دي مش مشاكل ده دلع سواء منك او منه….”
قالت كيان باندفاع…
“هو طبعا مش انا…..انا جد جدًا…”
“أهلا يابابا…..طلبت تشوفني هنا خير….”اتى صوت
سليم من خلفها والذي وصل للتو وكأن متانق كالعادة
بحلة رسمية زاد بها وسامة وكانها خصصت له..
خصه المستشار بابتسامة دافئة حانية…
“اهلا ياسليم في معادك مظبوط……اقعد واقف
ليه…”
جلس سليم على الجانب الآخر من والده…فقال
المستشار بلؤم وهو ينظر نحو كيان….
“هو مش من الذوق يامتر لما تلاقي آنسه جميلة قعده جمبي تسلم عليها ولو بكلمة ترحيب بسيطه. ”
تجهم سليم وهو ينظر اليها بطرف
عيناه…
“انا مش فاهم يابابا انت جايبني هنا ليه….”
قالت كيان بحده تبرأ نفسها….
“ولا انا ياعمو…هو كل ده عشان تديني كتاب
أقرأه…”
رد المستشار ببرود وهو يرتدي نظارته
الطبية….
“لا طبعا في سبب ورا اني اجمعكم هنا..من غير ما
اعرفكم….وده لأني عايزكم تحلوا مشاكلكم وتتراضوا في المكان اللطيف الهادي ده لحد ما أخلص قراءة الكتاب مفضلش فيه كتير….”
تشنج فك سليم وهو يرمق والده بصدمة….
“انت بتقول اي يابابا….هنحل مشاكلنا ونتراضى هنا….”
“بظبط وبمنتهى التحضر ومن غير ما صوتكم يعلى
لحسان يطردوكم برا المكان….”أكد المستشار بنظرة خبيثة خص بها ابنه الذي فهم اخيرًا مقصد والده….
قالت كيان بحنق بالغ….. “عمو…انا اعترض….”
تململ سليم رغم قراءة المعنى الخفي خلف
حضورهما لهنا….
“على أساس ان انا اللي موافق…”
اتسعت عينا كيان وكانه ضرب كبرياؤها…هتف
المستشار بملل…..
“كفاية صداع…مش عارف اقرأ….خد خطبتك ياسليم دور انت وهي على كتاب على ذوقكم.. ”
بانين متوسل اعترضت….. “بس ياعمو…..”
نهض سليم ووقف بالقرب من مقعدها
قائلا…. “تعالي معايا…”
سارت معه بين خزائن الكتب بوجهًا مكفهر تنظر للكتب تاره ثم لوجهه العابس تارةٍ أخرى…
فسحب سليم أحد الكتب بعشوائية وبدا يتفحصها محاولًا فتح حديث معها وهو يقول ..
“حلو الكتاب ده….بيحكي عن عصر الملوك والجواري….اي رأيك….”
ازداد تجهم وجهها وراى في عيناها المعنى الخفي بعد كلمة (جوراي)…فترك الكتاب واخذ واحدًا اخر بعشوائية وغباء قائلًا….
“ودا بيحكي عن تعدد الزوجات…”
اشتعلت حدقتاها أكثر وكانها تنفثان اللهب…فقال سليم وهو يضع الكتاب باستياء…
“بلاش كتب أحسن تعالي نقعد…”
سارا معًا الى احد الطاولات للجلوس…واثناء السير
خبط سليم في كتف شابة جميلة تمر بجواره..
وقع كتابها فانحنى امام عينا كيان يجلبه لها بالباقة
فابتسمت الشابة بحرج فقال سليم بذوق….
“انا اسف مخدتش بالي…”
قالت الشابة برقة. “لا ولا يهمك….شكرًا…..”
ثم ابتعدت فعادت عينا سليم تلقائيًا لكيان التي
قلدت صوت الفتاة قائلة بشراسة…..
“شكرًا ولا يهمك…. عجباك… لو عجباك قول اندهالك…..”
نظر سليم للسقف بقلة صبر لثانية ثم عادت عيناه المشتاقة والغاضبة بشدة اليها قائلًا بجزع..
“تعالي نقعد ياعصفورة ربنا يهديكي……”
عندما جلسا ، على صوت سليم قليلًا هاتفًا
باندفاع….
“اي حكايتك بظبط….انتي عيزاني ولا مش عيزاني”
“هششش…اي يا أستاذ مش عارف اقرأ الصوت شوية مش كده…” اتى هذا الصوت من خلفهما لرجلا عجوز يستمتع بقراءة أحد الكتب في صمت وهدوء فاتوا
ليعكروا صفوه…
“آسف مخدتش بالي…..”اغتصب سليم الابتسامة معتذرًا بينما كانت كيان تعقد ساعديها بتبرم….
من بين اسنانه كرر السؤال وهو يبتلعها بنظراته الغاضبة…. “ردي عيزاني ولا لا…..”
بنفس عقدة الساعدين قالت مستهجنة…
“والله المفروض تكون عارف اجابة السؤال ده..”
صاح فيها بجزع….. “انا مبقتش عارف حاجة….”
قالت بغلاظة يتوراى خلفها قلبا
هشًا في حبه…
“طالما كده يبقا متسألش….”
التفت لهما العجوز بنفاذ صبر مزمجرًا….
“يا اساتذة كفاية صداع وتوتر….اطلعوا حلوا مشاكلكم برا…جاين تحلوها في المكتبة دا اي قلة العقل دي…..”
شعر سليم بالحرج اكثر فقام من مكانه
قائلًا وهو ينظر اليها….
“عنده حق قومي بينا نروح مكان تاني نتكلم
فيه براحتنا…”
نهضت كيان قائلة بتردد….
“طب وباباك…..هيزعل أكيد…”
هز سليم راسه بنفي كاشف عن خطة أبيه
منذ البداية…..
“مش هيزعل…هو هدفه من البداية انه يجمعنا
وساب الباقي لينا….”
………………………………
اثناء تلك الرحلة القصيرة في سيارته التزمت الصمت
بنفس الوجه المكفهر والشفاه المقلوبة وكانها تضغط
على نفسها لتكن معه بمفردهما…
لكم يحرقه حيًا هذا الشعور…المرأه الوحيدة القادرة
على لطم كبرياؤه بأقل نظرة تصدر منها هي…هي
فقط التي في ابتعادها ينهار كليًا ويخر قلبه تحت اقدامها ذليلا بأسم الهوى ، وان لانت معه ورضت ينشرح صدرهُ بالسعادة والسرور ويقيم قلبه الافراح حتى الدهور ؟!…
هي العصفورة التي ألقت عليه السحر وحلقت بعيدًا حُرة في سماء الهوى أحيانًا تقترب وأحيانًا كثيرة تلوذ بالفرار ومعها يظل في حيرة من أمره اهي بين قبضة يده ام يُهيأ له هذا !!…
نظرت كيان بطرف عيناها إليه….تتعمد بكبرياء ان تظهر حنقها بالقرب منه مع ان حصونها تنهار الان
لمجرد انهُ معها في نفس المكان يتشاركا نفس الهواء
وحتى ان كان الصمت بينهما قاتل يكفي انه معها
بعد أيام طويلة من الخصام ؟!…
تسأل نفسها باستمرار لماذا تقتل الحب بافعالها… لماذا
لا تؤمن بالحب بعد ان اعترفت به ؟!..
من لا يؤمن بالحب لا يعترف به أبدًا، لكنها كالعادة
مختلة في حبها و ردود افعالها تخالف المألوف والمتوقع…
كيف توفق بين حبها الشديد له وعقدة الطفولة التي
لم تتخطاها حتى الآن ومزالت تقف عندها عاجزة
عن التحرك للأمام….
أهو نسخة من عثمان الدسوقي ام انها كالعادة تطلق الأحكام لمجرد ان البداية لم تكن معها هي؟!!…
وما العيب هنا اين كانت عندما بدأ الحب، تدرس
وتلهو مع الرفقة واخر اليوم تكن في معمعة من الخلافات والاشتباكات اللا نهائية بين والدها وشقيقيها….
لماذا تقتلي الحب ياكيان…الن تنسي وتريحي قلبك
وحياتك في أحضان هذا الرجل ام ان الأسود سيظل
دوما ملازمك ولن تري اطياف الحب ياتعيسة الحظ
إبتسمت بحزن أحيانًا صوت النفس أكثر واقعية
وحكمة وتمرد على كل مفاهيمنا الخاطئة ؟!….
توقفت السيارة امام البحر في مكانًا هادئ بعيدًا
عن الناس والزحام…..
نظرت من خلال نافذة السيارة لثانية ثم عادت
إليه فتلاقت بعيناه المنتظرة نظرتها بلهفة منذ
ان استقلّت بجواره السيارة…..
رغم ملامحه الصخرية الحانقة إلا ان نظرة اللهفة
في عيناه لا تمحى مهما حدث بينهما….
“اي اللي جبنا هنا؟!!….”
“هنتكلم شوية….”
لم يخرج من السيارة بل فضل التواجد بها ثم فتح
نوافذ السيارة الى اخرها فهب النسيم المعطر بالبحر
المالح ضارب وجهيهما….
فظلا على صمتهما بعناد وكانهما يتحدى بعضهما في الخفاء…..لفت نظرها تلك الميدالية المعلقة في أطار
السيارة امامها والتي على شكل عصفورة صغيره
صفراء…..
مسكتها بفضول بين اصابعها لترى الاسم المحفور
عليها (كيان..)
لانت شفتيها وملامحها في ابتسامة رقيقة امام
عيناه المتفحصة لأقل حركة تصدر منها…فعقب
بخشونة…..”عجبتك….”
زينة البسمة محياها برقة…..
“حلوة اوي ورقيقه…عملتها امتى دي…..”
رد سليم بتذكر…… “تقريبًا من شهرين….”
قالت متعجبة… “ازاي ماخدتش بالي منها….”
التوى ثغر سليم في بسمة متهكمة…..
“انتي بتاخذي بالك بس من الحاجات اللي انتي عايزه تشوفيها….”
ابعدت اصابعها تاركة الميدالية تتأرجح امام
عيناها الحزينة…..
فسحب سليم نفسًا عميقًا كاد ان يقلع ازرار
قميصه وهو يسألها….
“كيان انتي فكرتي الايام اللي فاتت دي..ولا لا….”
ضمت شفتيها بقوة تحاول منع تهورها بالرد
المتوقع…تافف سليم بخشونة مكرر سؤاله…
“هتفضلي ساكته طب خليني اسألك للمرة الأخيرة
انتي عيزاني في حياتك ولا لا…..”
رمشت باهدابها قائلة بكبرياء
مجروح….
“انا مقولتش اني ندمانه زي مانت قولت….”
عيل صبره فقال بغضب مكتوم…..
“متغيريش الموضوع وردي عليا…..انا مش قادر استحمل نظرة عينك دي…قوليلي ازاي الإنسان
يقدر يكمل مع حد شاكك فيه طول الوقت ومستني
غدرة…..إزاي دي تبقا حياة وهو شايفه مسخ من حد
أذاها زمان…..ازاي ياكيان… ”
هتفت بشراسة وعيناها تلمع بدموع…
“وكمان انت قولي إزاي هكمل وانا قلبي ودمي بيتحرقوا كل يوم كل ما بتخيل اللي كان بينكم
اللي شوفته في المكتب ومكالماتك ليها…حبكم وحبك انت بذات ليها…. ”
هز راسه زافرًا بوجه ممتقع….
“انا مش فاهم انتي بتلوميني على إيه….انتي لسه قايله اللي كان بينا…وليه تتخيلي أصلا الموضوع انتهى ماضي وعدى…ليه تعذبيني وتعذبي نفسك….ليه بتلوميني اي السبب….”
انهارت كليًا فنزلت دموعها وهي تعترف
بضعف هاربة من عيناه…..
“عشان بحبك هو ده السبب…”
خفق قلبه وود لو ضمها الى صدره لربما محى كل
هذه التراهات من عقلها اليابس…لكنه تراجع في اللحظة الاخيرة عالمًا بردة فعلها المهاجمة ان
حاول لمسها ولو عن طريق الخطأ !…
إرجع سليم راسه للخلف ساندًا على ظهر المقعد
وهو ينظر امامه قائلًا بابتسامة باهته معترف
لنفسه قبلها….
“اه ياكيان… انتي اللي يتقال عليها شوكة في الضهر….لا قادر استغنى عنك ولا قادر اتحمل
وجعك..”
عقبت بانهزام…
“يبقا الحل اننا نسيب بعض عشان كل واحد
يرتاح….”
برقة عيناه بالغضب متمسك بها….
“وليه ميبقاش الحل اننا ننسى ونبدا من تاني…”
قالت بسلبية….. “يبقا هنفشل تاني….”
حاول معها سليم بقدر الحب الذي يحمله
لها…..
“ومالوا نحاول تاني وتالت….انتي مش بتحبيني…
اللي بيحب حد مش بيتنازل عنه بسهوله دي…”
خفق قلبها بوجع عالمة بانه محق فأسبلت
عيناها قائلة باعتذار….
“اسفه على الكلام اللي قولته…انا… ”
قاطعها سليم مسيطرًا على اعصابه وهو يحاول
نزعها من تلك الدائرة السوداء…..
“انسي اللي فات…وتعالي نبدا من الأول بصفحة جديدة بيضة مفهاش ولا نقطة من الحبر القديم..
قولتي إيه…”
رفعت عيناها اليه بدهشة برية…
“متاكد ياسليم ؟!…..”
مط شفتيه بجزع قائلًا بعاطفه جياشة ضمة
قلبها المرتاع من الحب وناسه…..
“ولسه بتسألي.. كيان انا مستحيل اتخيل حياتي
مع حد غيرك…انا مش عايز منك بس غير وعد
اننا هنرجع احسن من الاول وهنصلح من نفسنا عشان يعيش الحب اللي بينا ومنقتلوش بتصرفتنا
وخوفنا…..اوعديني ياعصفورتي… ”
بللت كيان شفتيها هاربه من عيناه لفترة حتى شق الصمت الذي طال بينهما صوتها المرتجف والذي انهزم امام الحب ونظرات الحبيب الراجية…
“هحاول أوعدك هحاول….لاني مش عايزة اخسرك ولا اخسر الحب اللي بينا….أوعدك ياسليم….”
أسر عيناها الفيروزية قائلا بصوتٍ أجش…..
“ووعد على وعدك ياعصفورتي هتفضلي في قلبي
وعنيا لأخر يوم في عمري…..”
شهقة بخوف قائلة وهي تمسك كفه بتلقائية
فتلقاه هو بشوق……
“بعد الشر عليك…..متقولش كده.. ”
تلألأت عيناه كالالعاب النارية غامزًا بانتشاء….
“انا في حلم ولا في علم…..كيان خايفه عليا…
وماسكه أيدي كمان….”
سحبت يدها بحياء وتخضبة وجنتاها بحمرة
الخجل…فقال سليم وهو يدير محرك السيارة
بمشاعر وليدة اللحظة …
“في حاجة عايز اورهالك… واخد رأيك فيها…”
سالته بفضول وهو تنظر اليه بحب
العالم… “حاجة إيه؟!….”
قال سليم بنظرة شقية ازداد بها وسامة
في عيناها المشتاقة إليه…..
“لما نوصل هقولك…”
وقفت بقلب هذا المكتب الأنيق تدور حدقتاها
في زوايا المكان متأملة بدقة كل شبر به ثم لم
تلبث إلا ونظرت الى سليم بعدم فهم….
“دا مكتب مين دا ياسليم؟…”
اقترب منها وابعد تلك الخصلة الناعمة الملامسة
فكها قائلًا بابتسامة مرحة…
“دا مكتبنا…. ان شاء الله هيكون المكتب الجديد
اللي ناوي انقل فيه….”
فغرت شفتيها وهي تستدير تطلع على المكان
من جديد بانبهار وحيرة أكبر….
“ناوي تنقل عن مكتبك إزاي طب وليه….”
تحدث سليم بجدية….
“أولا المكتب هنا في مكان احسن وافضل…وواسع
ومنظم وهحتاج لده الفترة الجايه مع الموظفين
الجداد…..”
انعقد حاجباها وهي ترمقه باستفهام…
“موظفين ؟!..”
وضح سليم مستأنف…..
“سكرتير يتولى شغلك ومحامي تاني هيدير
معايا المكتب باذن الله…”
على وجهها علامات الإزعاج
وهي تسأله…”طب وانا ياسليم….”
وضع يد واحده في جيبه قائلًا بجاذبية
مهلكة…..
“انتي مكانك هنا جمبي… مكتبك هيبقا جمب مكتبي
وهنشتغل سوا… تصوري بعد الجواز هشوفك في البيت والشغل…. تفتكري هزهق؟!….”
رفرف قلبها بسعادة لكنها قالت
بغلاظة…
“أكيد طبعًا….. انا كمان هزهق…..”
زم شفتاه وهو يرفع عيناه
للسقف..مغمغمًا
“دبش من يومك ياحياتي….”
قالت بابتسامة سمجة…
“دا اقل حاجه عندي ياسولي….”
نظر لعيناها قليلًا ثم جلى صوته بخشونة
حانية…..
“خلينا في المهم ياستاذة….زي مانتي شايفه المكتب
جاهز مش محتاج بس غير الفرش والاثاث وده هننزل نختاروا سوا قدري نفسك بتشتري فرش
شقتنا… مش حرمك من حاجة…”
ضحكت وهي ترفع كفها في تحية
عسكرية…
“علم وينفذ يامتر…… بس انا لحد دلوقتي برضو
مفهمتش ليه هتسيب مكتبك القديم….”
لم تمحو البسمة وهو يخبرها بحب….
“مش قولتلك اني عايز أبدا معاكي صفحة جديدة.. ودي هتكون أول خطوة مكتب جديد بينا…”
“تفتكر الموضوع بالاماكن….” تلاشت ضحكتها ولم يبق إلا الأثر لبسمة صغيرة..
اجابها سليم بصبرٍ……
“اكيد ليها تأثير والتجديد حلو…. ها قوليلي لما نجيب المكتبة هنحطها فين والمكتب الجديد
في الزاوية دي أحسن ولا دي….”
“لا طبعًا دي كده افضل خصوصا انه هـ….
تركها تتحدث وهي تحرك كفيها بعشوائية هنا
وهناك بعنفوان وعيناه العاشقة تتبع حركاتها بهيام
تأبى تركها كما يأبى قلبه نزعها مهما اساءة في حقه
يظل التعلق بها مرضي….
مرضًا يقع على كاهل كل عاشق وهو ان الحب
أولًا والباقية تاتي مع الوقت و الصبر !…
………………………………………………………….
في المساء…
ضحكت شهد بقوة وهي تضع يدها على بطنها
ناظرة اليهن وهي تقول….
“دا الطبيعي ناقر ونقير… مش هتعقلوا ابدا….”
ضحكت قمر كذلك وهي تقرص وجنة كيان
قائلة باستفزاز….
“ومالوا اختي الصغيرة لازم استحملها….”
ضربت كيان يد قمر قائلة ببرود…
“صغيرة في سن اه لكن كبيرة في المقام….بلاش تنسي اني في مقام حماتك….”
كتمت شهد ضحكتها تشاهد العرض الجبار
باستمتاع بينما قالت قمر باستنكار…..
“حماتي؟!… حماتي الله يرحمها….”
قالت كيان بتسلط وهي تضيق حاجبيها بعقدة
مزعجة…
“وانا مكانها ياماما… ولا خيالك صورلك انك هتاخدي اخويا ليكي لوحدك لا انسي انا قعدالك على قلبك…”
قالت شهد بلؤم….
“طب وبنسبة لسليم انتوا مش فرحكم هيبقا سوا…”
أكدت قمر وهي ترمق كيان بازدراء…
“اه والله…. المفروض كل واحد يركز في حياته.. ونبطل صفار شوية…..”
أحمر وجه كيان غضبًا مع اتساع عيناها
بالحنق….
“مين دي اللي صفرة…. لا هتلبخي هلبخ….انـ….”
اوقفتهن شهد متبرمة…
“بس انتوا الإتنين انا جايه اقعد معاكم شوية هتقلبوها عراك وصداع…..”
صمتا الفتاتان وهم يرمقا بعضهن بعدائية مؤقته
ثم اقتربت كيان من اختها على نفس الاريكة المتجمعين عليها…..
“صحيح اي اخبار الجواز ياشوشو… حلو….”
تخضب وجه شهد بحمرة الحياء فاجابت
باستحياء… “اه الحمدلله….”
لمعة عينا كيان بوقاحة…
“واي اللي حصل بقا…. احكيلي…..”
رمقتها شهد بحزم….
“ماقولتلك الحمدلله… مش لازم تفاصيل يعني..”
قالت كيان بتبرير والبريق يزداد نشوةٍ…
“انا اختك على فكرة وبعدين انا مخطوبة المفروض
تنصحيني…..”
قطبة شهد جبينها عابسة….
“يعني إيه اختي ومخطوبة… رخصة دي عشان نتكلم
في الحاجات دي… ”
لكزتها كيان مصممة بغمزة
شقية…
“يعني شوية نصايح كده…..”
ابتسمت شهد وهي تهز راسها باستياء…قائلة بجذل
مازال يتوغل اليها كلما تذكرت مشهد الصلاة الذي
جمعها بين زوجها….
“النصيحة اللي لازم تعمليها أول ماتبقوا سوا انكم
تصلوا ركعتين شكر بنية ان ربنا يصلح حالكم ويبارك
في حياتكم الجاية…. الموضوع بيفرق اوي ياكيان
حتة انه يقيم بيكي الصلاة وتسمعي القرآن بصوته
راحه نفسية حقيقي…..”
اتسعت بسمة الفتاتان معًا فقالت كيان
بفضول… “وعاصم عمل كده….”
أكدت شهد بحياء…
“أكيد دي الحاجه اللي خلتني ارتاح أكتر واطمن
في اليوم ده…”
قالت قمر بحبور….
“ربنا يسعدك ياشهد ويخليكم لبعض….”
بينما قالت كيان بفصولا….
“اقوليلي صحيح اي اخبار سفرية سويسرا… كانت
حلوة…..”
قالت شهد وهي تبحث عن الهاتف في حقيبتها…
“حلوة اوي انبسطنا بجد….. وصورنا كذا صورة هناك وعملت فيديو في المكان اللي كنا فيه…خدي شوفيها على التلفون….”
اخذت كيان منها الهاتف وبدات تتفحصه وقمر معها
تشاهد بصمت….
بينما سالت شهد باشتياق…
“صحيح حمزة فين هو لسه نايم…دا وحشني اوي.. ”
تسارعت نبضات قلب قمر وارتجف جسدها بلذة
الإشتياق كلما تذكرت ما حدث بينهما منذ أيام
وهي تتوتر على نحوٍ ملحوظ…
كيف ضمها الى صدره بقوة وطبع قبلات متفرقة على
عنقها ووجنتاها كيف لامس خصلات شعرها وهام
بها عشقًا رغم عدم اعترافه بهذا لكنها استشعرت هذا
العشق من مضخة قلبه القوية فوق صدرها والحاحه على سماع اعترافها وهو ينصهر في احضانها من فرط العشق واحساسه….
ردت كيان وعيناها معلقة على شاشة الهاتف…
“حمزة برا زمانه جاي انا اتصلت بيه قولتله ان انتي
جايه النهاردة وهتقضي اليوم معانا وهتمشي اخر
النهار…..”
ابتسمت شهد وهي تنظر نحو قمر موجها لها
الحديث….
“وعامل اي حمزة معاكي ياقمر…. اموركم تمام…”
اشتعلت وجنتاها بغباء قائلة بحياء
أكبر…..
“اه الحمدلله…. بخير….”
ربتت شهد على كتف قمر قائلة بمحبة…
“ربنا يهدي سركم… لو في اي حاجة حصلت لا قدر
الله بينكم فيما بعد.. اوعي تترددي تيجي تحكيلي.. احنا اخوات وأكيد انا مرضاش ليكي حاجة وحشة
…اتفقنا…”
اومات قمر براسها بابتسامة صافية…بينما قالت
كيان بغيرة مستفزة…..
“ومتجيش تحكيلي انا ليه بقا… هو انا مش في
مقام حماتها….”
ضحكت شهد قائلة بلؤم…
“ما معروف انتي هدفعي عن مين حتى لو غلطان..”
قالت كيان بجدية مفرطة….
“لا على فكرة انا حقنيا اوي… بس طبعا معروفه
ميزو مش بيغلط….”
ابتسمت قمر بسخرية….
“خالص….خالص دا ملاك بجناحين طالع لك
ياحبيبتي….”
هتفت كيان بضجر….
“شايفه ياشهد اهي علطول كده بتجر شكلي..”
نظرت شهد لقمر بضيق زائف…
“متجريش شكل اختي ياقمر الله….هي فعلا
ملاك بجناحين دول دخلوا في عيني عموني..”
ضحكت قمر بقوة وكذلك شهد وضربوا كفوفهم ببعضها…. فزمت كيان شفتيها بحزن..
“كده ياشهد….”
تبدلت ملامح شهد الى الحمل وديع وهي تاخذ
اختها في احضانها تدللها كما كانت تفعل معها
وهي صغيره…
“بنهزر معاكي ياحلوة ياقطة ياملونه انتي…”
ابتعدت عنها كيان ضاحكة
بحرج…
“بس يارخمة سبيني….”
ثم عادت تنظر الى الصور قائلة
بمناغشة…
“بس باين ان عاصم بيحبك ورومانسي اوي…”
تنهدت شهد بهيام لم تقدر على اخفائه…
“اوي اوي أوي….وكاني متجوزه شاعر مرهف الإحساس…..”
سألت كيان بتعجب….
“معقول اللي يشوفه ميقولش كده…”
بصوتٍ ناعم شاعري اجابتها شهد وعيناها تحلق
في سماء الحب…
“هو مش بشكل الانسان لما بيحب بجد بيدي انطباعات حلوة لشريك حياته بيحببه فيه اكتر
وبيحب الدنيا معاه أكتر وأكتر….”
هللت كيان بمناغشة حلوة….
“الله ياست يافنانه…وبقيتي بتقولي حكم واشعار
واضح ان ابو نسب عمل مجهود جبار عشان يحولك
التحويله دي….”
ضحكت شهد بخفة…… “عقبالك ياكوكي…”
لانت شفتي كيان بابتسامة خاصة…
“يمكن مفيش حاجه مستحيلة في الحب….”
سمعا بعد دقائق رنة مفاتيح حمزة يليها دخوله
بعدها من باب الشقة….
اختلج قلب قمر بين اضلعها بجنون وهي تنظر إليه
من أسفل اهدابها الكثيفة…آه من هذا الشعور الغير قابل للترويض داخلها انه الشوق التي تعجز عن اخفائه…..
ارتجف جسدها بضعف وعقلها يذكرها بالعناق والقبلات وهمسها
ارتجف جسدها بضعف وعقلها يذكرها بالعناق والقبلات وهمسها المعترف بالحب بين ذراعي
حبيبها…
كيف اتتها الشجاعة بان تعترف بهذا قبل ان يفعل
هو….ولماذا لم يبادلها حينها انه ايضًا يحمل لها
نفس المشاعر وأكثر…..
كما تظن وكما يخبرها قلبها…..
حاولت عصر مخها كي تتذكر ماقاله حينها لكنها تفشل في تذكر رده…هو رد بشيءٍ اشبه بغمغمة
غير مفهومة… لم تتعرف عليها فكانت تتأرجح مشاعرها بين الحب والضعف….
نهضت شهد من مكانها فور رؤية اخيها وخطت باتجاه تلقي نفسها في احضانه هاتفه بحرارة.
“وحشتني… وحشتني اوي ياميزو..”
ضمها حمزة الى احضانه وهو يقبل كتفها قائلا
بمحبة….
” وانتي اكتر ياسنجابة ياصغننه…..عاملة إيه….”
ابعدها عنه وهو ينظر لوجهها المتورد ولمعة عيناها
البراقة فضاقت عسليتاه بخبث…
“اي الحلاوة دي ياشوشو….دا احنا احلوينا أوي
بعد الجواز….”
زادت ابتسامتها خجلًا..
“انا طول عمري حلوة يابابا…تعالى اقعد….”
جلسا بجوار بعضهما هي على الاريكة وهو في المقعد المجاور لها وعلى الجانب الاخر من الاريكة قمر وكيان المنشغله في هاتف اختها….
“اي أخبارك…. واي اخبار الشغل….”
رد عليها حمزة وعيناه تسرق النظر الى صاحبة
الشعر الغجري والتي تنظر الى الهاتف مع
اخته..
“الحمدلله قريب اوي هفتح مشروع مع سلطان..”
رفعت قمر عيناها اليه متفاجئة بالأمر فالتقط هو نظرتها بقوة وبعينين شاخصة مربكة اجفلها
فاسبلت اهدابها بحرج وقلبها يخفق بجنون……
ابتسمت شهد بدهشة…
“بجد مشروع إيه…احكيلي….”
اخبرها حمزة وهو يعطيها كامل
تركيزة…
“مصنع صغير… خشب اثاث موبيليا…..”
سالته كيان دون ان تنظر اليه….
“يعني هترجع تشتغل تاني في الموبيليا ياميزو….”
أكد حمزة بهدوء…
“ان شاءالله….بس على تقيل….”
سالته شهد باستفهام…
“بس المشروع ده هيكلف اكيد…جبت الفلوس
منين….”
رد حمزة بسلاسة….
“قرض…بضمان المشروع كده يعني….”
لانت ملامح شهد وقالت بابتسامة صافية
محبة….
“ربنا يوفقك ياحبيبي.. انت شاطر اوي في الصنعة دي وايدك تتلف بالحرير مش عارفه ليه بطلت تشتغل
فيها واتجهت للسواقة….بس كويس انك رجعت تاني وبدأت تفكر في مصلحتك…وانا واثقه انها هتكون فتحت خير ليك…”
ثم نظرت الى قمر بطرف عيناها مناغشة
إياها…..
“واضح ان العروسة ليها تأثير كبير في خطوة
مهمة زي دي….”
نظرت قمر الى حمزة بعتاب فبادلها النظرة
بعينين شاخصة مبهمة المعاني بومضٍ
اجرامي أخذ ، يدفعها الى هوة الحب !..
خفق قلبها اكثر فوجزة عيناها منسحبة من حرب النظرات القوية تلك ممتنعة عن الرد….
قال حمزة على نحوٍ مفاجئ….
“العروسة مزعلاني وانا عايز اشتكيلك منها…”
رفعت قمر بنيتاها اليه مصعوقة..فضحك بشقاوة
فقالت شهد تدعي الحزم…..
“عملتلك إيه بظبط…..احكيلي.. ”
قال بوداعة طفلاً بريء…… كاذب
“مش بترضا تعملي القهوة اللي بحبها…”
شهقة شهد برقة تجاريه في
كذبته…
“اخص عليكي ياقمر….كده ينفع….”
ازداد اتساع عينا قمر…”والله….ما حصل ياشهد.. ”
كتمت شهد ضحكتها وهي تنظر الى اخيها الذي
برق عيناه بصدمة هاتفا بخشونة….
“يعني انا كداب…..إزاي تكدبي جوزك…..”
غمغمة بارتباك وقلبها يضرب صدرها بقوة
مؤلمة… “جوزي ؟!….”
أكد حمزة بنظرة مرحة ونبرة لعوبة….
“اه جوزك….مش هبقا جوزك انا وابوا العيال…وبكرة
تبقي انتي الجماعة…..واقولك تعالي يابابا و روحي يابابا… ”
انعقد حاجبا قمر بغباء..”بابا ؟!..”
ضحكت شهد قائلة برفق….
“دا مسمى عاطفي بين اي اتنين متجوزين….”
سالتها قمر بتعجب….
“هو عاصم بيقولك كده….”
“لا الحمدلله لسه موصلناش للمرحلة دي…بس
اكيد هنوصل… “قالتها شهد وهي تنهض غامزة
لاخيها….
“انا من رأيي اقوم اعمل انا القهوة وانتوا حله مشاكلكم…..تعالي معايا ياكيان…”
نهضت كيان قائلة بتذمر….
“انا كده كدا قايمة عشان التلزيق ده خطر
على صحتي…..”
عندما ابتعدا شقيقتاه عنهما…اقترب منها جالسًا
على الاريكة جوارها….المها خفقان قلبها المتسرع في حضور الحبيب ورغم هذا سيطرت على مشاعرها
مكتفه ذراعيها امام صدرها بضيق قائلة….
“ليه مقولتليش عن موضوع المشروع ده…لازم
اكون اخر من يعلم…..”
ابتسم حمزة وعيناه تاسرها…
“وليه بقا بتحسبيها كده….”
ازداد تكتفها قائلة بغيرة…
“والله ده اللي ظاهر قدامي….”
نظر لها حمزة قليلًا والى انكماش ملامحها العابسة
ثم لم يلبث إلا وبدا يتحدث بسلاسة….
“عمتا المشروع ده لسه قدامه يامه على مانبدا فيه
مجرد ربط كلام مع سلطان صاحبي ولسه هنجيب مهندس يعملنا جدوى للمشروع عشان ندرسه اكتر
من كده…ونفهم هنعمل إيه الفترة الجاية…..”
ثم خبط كتفه بكتفها قائلًا بمشاكسة…
“وبعدين انتي اللي بقالك يومين بتهربي مني..لولا شهد انا كنت واثق اني هرجع الاقيكي في اوضتك قفله بابك عليكي…وكاني بعبع….”
حلت عقدت ذراعيها قائلة بوجه محمر…
“انا بحاول اتجنبك عشان منقعش في الغلط
تاني..وجودنا في نفس البيت أكبر غلط…. ”
اقترح حمزة وهو ينظر الى جانب وجهها
المتخضب….
“تحبي اسيب البيت الكام شهر اللي فضلين
قبل جوزنا….”
فغرت قمر شفتيها ناظرة اليه بصدمة وعندما راته
جاد في اقتراحه رفضت بقلب ولهان….
“لا طبعا انا مقدرش يعدي يوم عليا من غير ما أشوفك…..”
انتفض قلبه من موضعه متجاوبًا بكل ذرة به مع
تلك الجنية المغوية….مسك كفها ورفعه لشفتاه
طابع قبلة عميقة دافئة عليه ثم أعترف بصوتٍ
أجش…..
“ولا انا ياقمراية…اليومين اللي سبتيني فيهم دول
كانوا هيجننوني…..”
سالته بضعف….. “بجد ياحمزة….”
طبع قبلة أخرى على ظهر كفها
مؤكدًا…
“بجد ياقمري….وحشتيني يابت.. ”
سحبت يدها عنه قائلة
بضيق…
“متقوليش يا بت…..”
ابتسم بمراوغة… “امال انتي واد….مانتي بت… ”
رمقته بتحذير…. “حمزة….”
مالى عليها قائلا بوقاحة وهو يقفد السيطرة
امام تلك العيون البنية التي تسيل لعابه كقهوة
يشتهي تذوقها….
“عيون حمزة وقلب حمزة…مفيش حاجة تحت الحساب لحد مانكتب الكتاب ونعلي الجواب… ”
“احترم نفسك بقا احنا قولنا إيه….”ضربته في صدره فرجع مكانه متذمرًا….
ولم تمر ثانيتين إلا ومسك خصلة طويلة من شعرها المموج وقربها من أنفه شامم عبيرها المميز…الذي
أدمنه منذ ان تعانقا بقوة والتصقت اجسادهما
ببعضها بجنون حينها كانت رائحة جسدها الطري زكية تثير رغباتُ بجموح….
“يخربيت شعرك….مجنني….”
سحبت قمر الخصلة الطويلة من بين يده
قائلة بفتور…. “تعرف اني بفكر اقصه….”
احتدت نظرات حمزة وهو يأمرها
بسطوة…
“لو المقص قرب منه هزعلك جامد….”
تمردت عليه…. “وانت مالك أصلا….”
تأتأ حمزة بشفتاه مجيبًا بتملك غليظ….
“هو اي الي انا مالي..دا مالي واملاكي…دا انا بحلم باليوم اللي يتفرد فيه على مخدتي وفي حضني..
ولا انتي شايفه إيه…. ”
ارتبكت بشكلًا ملحوظ قائلة بحنق
بالغ…
“انا شايفه انك كل مادى بتزيد جرعة السفالة
عندك…”
اوما حمزة براسه بحذق….
“دي حاجة حلوة على فكرة….كل مازد شريك حياتك
سفالة كل مابقت حياتك احلى..”
سالته قمر بشك… “ودي نظرية مين بقا ؟….”
اشار على نفسه بغرور…
“العبد لله لسه مألفها دلوقتي…..”
هزت راسها ضاحكة…. “مفيش فايدة فيك….”
ثم نظرت اليه وكأنها تذكرت للتو سبب جلوسهما
بمفردهما هكذا..
“صحيح إزاي تقول لشهد اني مزعلاك….”
سلب عقلها وقلبها بنظرة من عسليتاه وهو
يجيبها بشقاوة….
“لقيتك مش عايزة تبصي ناحيتي وتقلانه فقولت
انكشك شوية….يمكن تحني علينا ببصه ولا بكلمة..”
فابتسم بجاذبية قاتلة مضيفًا…
“وبعدين شوشو عارفه اني بهزر….عشان كده خدت
بعضها وسابتنا لوحدنا….”
نفضت قمر هذا التأثر العاطفي القوي بينهما وقالت
بجدية وهي تنهض من مكانها….
“انا هقوم اشوفها وانت قوم غير هدومك عشان نتغدى سوا شهد قالت انها هتقضي اليوم معانا
وهتروح بليل..”
أومأ حمزة براسه لتبتعد هي عنه بخطوات سريعة
شبه هاربه….وعندما اختفت عن دائرة عيناه ارجع
شعره الناعم باصابعه للخلف قائلا بضعف ومضخة
قلبه تزداد جنونًا يومًا بعد يوم بقرب هذه الجنية
الفاتنة….
“والله ووقعت تاني ياحمزة ولا حد سمى عليك….”
جفلته رسالة جديدة من هاتفه على نفس الرقم
الذي يرفض حظره رغم معرفته بهواية صاحبة
من أول رسالة تلقاها منه…..
فتح الرسالة ونظر اليها بملامح متبلدة…
(حمزة….أرجوك اديني فرصة انا لسه بحبك….)
اغلق الهاتف بقرف وهو يرجع راسه للخلف معلق عسليتاه على السقف…مغمغم سرًا بعينين
باردتين….قاسيتين…..
“راجعه بعد اي يانجلاء….بعد إيه…..”
…………………………………………………………..
توقفت السيارة امام سرايا الملوك كما تدعوها
فنظرت الى اخيها مكرره بالحاح….
“برضو مش عايز تدخل تعالى طيب اشربك
حاجة…. وترتاح من السكة… ”
لوى حمزة شفتاه قائلًا بفظاظة…
“ارتاح من اي بس… إحنا جايين على جمل…
يلا روحي على بيتك بقا… انا زهقت منك… ”
لكزة شهد كتفه وهي تزم فمها كـفم
بطه بائسه….
“اخص عليك…. انا يتزهق مني برضو…”
اكد بغلاظة…. “أيوا عادي….”
ضحكت شهد وهي تلكزة بمناغشة….
“بطل رخامة…. اليوم كان حلو اوي… كنت
وحشني بشكل….”
نظر حمزة لها بحزم أمرًا….
“كل يومين تيجي بلاش الغيبة تطول…لحسان
اجي اجيبك من بيتك غصب….انتي عرفاني
مجنون…..”
ابتسمت شهد مؤكدة….
“اه طبعًا عرفاك أطمن هاجي وهزهقك اكتر…..”
قرص حمزة وجنتها قائلًا بملاطفة….
“انا ازهق من الدنيا كلها إلا انتي ياسنجابتي…”
نظرت شهد الى عينا اخيها قليلًا ثم
قالت….
“حاسة انك مخبي عليا حاجة….”
انعقد حاجباه بمناكفة…
“ساحرة انتي بقا ولا إيه..هخبي اي يعني ما
كله تمام..”
قالت شهد بريبة….
“ماعشان كله تمام متاكده انك مخبي عليا حاجة..”
سالها وهو يهرب من عيناها…”حاجة زي إيه….”
قالت شهد بجدية شديد وبعينين شاخصتين
عليه…..
“زي الشقتين اللي خدتهم من عمارة أبوك… وكتبتهم
بأسمك…. زي المشروع اللي عايز تفتحه واللي هتموله
عن طريق أبوك…..ولا تكنش فاكرني صدقت حوار القرض…..”
نظر حمزة لها بدهشة احيانا يعجز عن فهم تلك المخلوقة الماثلة أمامه بهيئتها الوديعة ورقة
الملِكات…..أخطر الأشخاص من وجهة نظره من يدعونا السذاجة وهم ليسوا اهلًا لها !….
هز راسه زافرًا بسخرية….
“ساعات بحس اني معرفكيش ياشهد… انا صدقت
فعلا انك صدقتي حوار القرض…..”
اجابته بفتور….
“عملت نفسي مصدقاه عشان قمر…”
ادعى الغباء…. “ومالها قمر بالموضوع ده…”
انعقد حاجبا شهد مستنكرة كذبة…..
“المفروض ان انا اللي اسأل السؤال ده… أبوك عمل
كده عشان ورث قمر مش كده..”
هرب من عيناها القوية وهو يخرج علبة سجائرة وياخذ واحده ليدخن..
“اي اللي بتقولي ده لا طبعا….وحتى لو دا حقيقي
إزاي تصدقي اني ممكن اخدعها بطريقه دي…”
هزت شهد راسها قائلة بحيرة….
“مش عارفه اكيد مش بنجم ومعرفش تفاصيل بس متاكده ان ابوك مش هيساعدك بقرش واحد غير لما
يكون واثق انه هياخد قصاده الف….”
مسكت يده والدخان يتراقص امام اعينهما التي
ورثا لونها المميز عن والدتهما…..
“احكيلي ياحمزة اي اللي مخبي عليا… دا انا
أختك توأمك واقرب حد ليك….”
تبادل النظرات قليلًا ولم يجد مفر من الكذب
عليها فقال…..
“هحكيلك بس بعدين عشان دا لا وقته ولا مكانه….”
ابتسمت شهد وهي تربت على كفه قائلة
بحنو….
“مش هضغط عليك… بس اكيد هنتكلم تاني ومش هسيبك غير لما اعرف كل حاجة….”
اجابها مبتسمًا… “ان شاء الله… تصبحي على خير….”
“برضو مش هتدخل….”نظرت اليه برجاء فهز
راسه برفضًا قاطع….فزفرت متنهده وهي تضع
يدها على مقبض الباب…..
“براحتك…. وانت من اهل الخير… هتوحشني
ياميزو لحد ما اشوفك تاني…”
أخبرها قبل ان تغلق الباب
خلفها…
“هكلمك الصبح ارغي معاكي شوية…”
أكدت بتحية عسكرية رقيقة….
“وانا هستنا مكلمتك…. في حفظ الله ياحبيبي…”
عندما دخلت من بوابة السراية… اتجهت الى نافورة
المياة المتواجدة في الحديقة والتي يحيطها الزهور
الجميلة بالوانها المختلفة… جلست على الحافة بتعب وعقلها يدور في زوبعات من الأفكار وعيناها شاردة في شلالات المياة المتدفقة من النافورة….
الخبر التي سمعته صباحًا لم تتوقع حدوثه بتلك
السرعة فقد نزل على مسامعها كالصاعقة أسعد
قلبها بشدة…ومن ناحيةٍ أخرى هزم عقلها شر هزيمة ؟!..
خبر كسر شوكة الانتقام داخلها !…
فاقت من شرودها على صوت خطوات أقدام من بعيد يليها همهمات خشنة خافضة تاتي من خلف
أحد الأشجار…..
نهضت شهد بفضول تتبع الصوت ووقفت بالقرب
من تلك الشجرة لتسترق السمع….
“جيهان ياحبيبتي مش هنتكلم في الموضوع ده تاني
انتي عارفه ظروفي….”
توقف هذا الشخص عن التحدث ثم تابع بصوت
ارق من اللازم…
“ياحبيبتي يانور عيني… عارف ومقدر كل اللي بتعمليه عشاني… بس انا زي ما قولتلك مش عايز
أعرفها دلوقتي بموضوع جوزنا….”
صمت قليلا يستمع للطرف الاخر ثم فجرها في
عقل شهد قائلًا بمهاودة……
“ايوا انتي مراتي وهي كمان مراتي… بس انا
لازم امهد الموضوع ليها الأول….”
اتسعت عسليتاها بصدمة وهي تضع يدها على فمها
مصعوقة مما اكتشفت للتو….فتابع الشخص برفق
وكانه يحاكي طفلًا ويراضيه….
“مش خايف منها بس بلاش تنسي ان إحنا بينا عشرة طويلة دا كفاية ابني يزن…اخاف تقويه عليا بعد
ما تعرف بجوازي منك….”
احنى راسه يستمع للطرف الاخر بقلة صبر وعندما
انتهت أوضح برجاء عاطفي…..
“عارف انتي مين وبنت مين…انتي چيهان الكيلاني
بنت الحسب والنسب….مش ناسي ياچيچي وعمري
ما هانسى… وده مش تقليل منك ياقلبي.. بس انا بفكر معاكي بالعقل مش هنحط النار جمب البنزين ونقول هو اللي ولع لوحده… استحمليني شوية ياچيچي…. إحنا مبقلناش شهرين متجوزين….”
ثم استرسل مسعد بحرارة……
“خلاص ياحبيبتي مسافة السكة وهكون عندك..
اديني خلعت منها قولتلها اني عندي شغل برا وهتعشه مع رجال أعمال مهمين هيكون بينا بزنس قريب….وطبعًا ما صدقت طالما الموضوع وراه
فلوس ومكسب أكتر….اسمعي عايزك تلبسـ.. ”
ابتعد مسعد وهو يتابع التحدث عبر الهاتف بابتسامة
عريضة وبال رائق…..
بينما مزالت شهد تقف خلف الشجرة بعينين متسعتين كاتمه شهقة الصدمة بيدها متسمرة
بجسد متصلب…
مسعد تزوج على إلهام هل عليها ان تزف الخبر لها
بشماته ام تتحل بالصبر وتشاهد القادم بصمت فما من أمرأه لا تشعر بهذا التغيير في حياتها إلا ان
كانت مغيبة منذ البداية !….
شعرت بمن يضع يده على كتفها فجأه فصرخة منتفضة وهي تستدير إليه….
قابلها يزن بضحكة سمجة قائلًا….
“دا انتي طلع قلبك ضعيف أوي…. اي مالك وكانك شوفتي عفريت….”
رمشت بعيناها بعصبية قائلة
بخشونة…
“ازاي تحط ايدك عليا كده….”
رد يزن ببراءة…
“عادي… كنت بلفت انتباهك بس…”
قالت شهد بحزم…. “كان ممكن تنادي اسهلك….”
سالها يزن وهو يسير معها بالقرب من باب الدخول
للبيت…..
“هو انتي ليه واخده مني موقف جامد اوي كده…
من أول يوم شوفتك فيه….وانا حاسس انك مش طيقاني… ”
برمت شفتاها بعدائية…
“ورغم احساسك بتحاول تضايقني…”
توقف يزن عن السير وهو ينظر اليها
بحزن…
“يعني حقيقي انتي مش طيقاني؟!!…”
توقفت شهد فور هذا السؤال ثم حانت منها نظرة اليه ولم يطاوعها قلبها لرد الأذى والكره في نفس هذا الشاب وحتى ان كانت تحمل نحوه مشاعر سلبية !..فبررت الأمر…
“لا طبعًا… الموضوع وما فيه اني لسه مش واخده
عليك….”
اوما يزن براسه بتهكم سائلا وهو ينظر الى
الشجرة خلفه….
“هو انتي ليه كنتي واقفه ورا الشجرة كده…”
انكمشت ملامحها بانزعاج….
“ابدا كنت بعمل مكالمة…اي اسئلة تانيه.. ”
بلل يزن شفتاه بحرج…
“دا مش تطفل مجرد سؤال بطمن عليكي…”
اغتصبت الإبتسامة بصعوبة….
“شكرًا على المشاعر النبيلة يادكتور يزن…”
ابتسم يزن ببشاشة…
“يسمع من بؤك ربنا ادعيلي اتخرج على خير…”
“ربنا يوفقك….”قالتها وهي تتحرك مبتعده….
“راحه فين….” كاد ان يمسك يدها لكنه توقف فورًا
بعد ان نظرت اليه بحزم…..فسحب يده بحرج….
فقالت من بين اسنانها…
“ابدا….. هطلع اوضتي فيه مشكلة…”
حك في شعره الاشقر وهو يقترح عليها…
“لا يعني… هتلاقي عاصم نام دلوقتي…فلو تحبي نقعد سوا في الجنينة ندردش شوية هـ..”
تابعت شهد سيرها وهي تقول بتبلد…
“خليها مرة تانيه لاني جايه تعبانه من برا ومحتاجة انام….. تصبح على خير… ”
كلما زادت بعدًا عنه يزداد هو تعلقًا بها..أهو سحر القى من عسليتاها الجميلة ام ان الشيطان يغوي عيناه الهائمة بها….
كيف وقع في حبها…انها زوجة ابن عمه….والده
الثاني…..كيف يتخلص من هذا الشعور ويتوقف
عن العبث انه يقود نفسه الى الجحيم…
وربما لن يذهب وحده سيأخذها معه ؟!…
إرجع يزن خصلاته للخلف متاففًا بارق…
………………………………………………………
دلفت من باب غرفتها واغلقت الباب خلفها وهي تنزع
السترة وحذاؤها باحثه بعيناها عنه في أرجاء الغرفة
وعندما سمعت خرير الماء الاتي من الحمام ابتسمت
وهي تدلف الى غرفة الملابسه الصغيرة… لتبدل ملابسها حتى ينتهي من الاستحمام…
في خلال هذا الشهر اقتربت منه أكثر وحفظت بعض العادات الخاصة به…. كنظافة بشكلًا دائم ومبالغ فيه
تبديل ثيابه أكثر من مرة في اليوم عدم قدرته
على رؤية فوضى من حوله ولو كانت علبة
مقلوبة على جانبها !..
يحب كل شيء مرتب بدقة وعناية والاهتمام بتفاصيل الاشياء من حوله والتي هي اهم أسباب نجاحه وصبره في العمل من حيثُ رسم الحلي او
تصنيعها….
بدلت ملابسها الى قميص نوم قصير حريري من اللون الأزرق الفاتح….ثم مسكت الفرشاة وبدأت تمشط شعرها الذي يتدلى على كتفها بنعومة
وجدت ذراع قوية تحيط خصرها اللين من الخلف
مائلا عليها طابع قبل مبعثرة على جيدها وكتفها
العاري وقطرات من الماء البارد تسقط من شعره
على بشرتها الدافئة والرائحة المنعشة من غسولة الرجالي تتخلل الى رئتاها بقوة فتنهار اعصابها
وينصهر قلبها مضطرم بالعواطف….
“وحشتيني ياست الحُسن..ليه اتاخرتي عليا كل ده….”
همس بتلك الكلمات بحرارة وشفتاه تعزف على جيدها اللحن المميز الذي لا يعرف ايقاع إلا على جسدها الذائب بين يداه….
ادارها إليه فرفعت عسليتاها البراقة اليه بألق الحب
الذي تأبى الاعتراف به حتى الان….
سارت عيناه عليها بشوق حار وكأنها غابت لأيام
وليس لساعات فقال وهو يأسر عيناها الجميلة….
“وحشتيني ياحبيبتي….”
ثرثرت شهد بعتاب والبسمة الرقيقة تزين
ثغرها…
“وانت كمان وحشتني الوقت خدني مع أخواتي شوية كانوا وحشني أوي…..وبعدين انا رنيت عليك العصر قفلت معايا علطول…..مين كان معاك في الصاغة…”
رد عاصم باختصار….
“واحده حلوة اوي….كنت خايف تطير مني..”
زمت شفتيها ولم تنساق خلف تلك
الترهات… “شكلك قلعت الدبلة….”
رفع كف يده حتى ترى الحلقة الفضية البراقة
في بنصرة… “حاولت بس لازقة بغرة…”
ضحكت وهي تشبك يدها بيده
باستياء…
“انا بتكلم بجد ليه قفلة بسرعة….”
رد بجدية مختصرًا…
“كنت قاعد مع تجار بنتكلم في شغل مهم…”
ضاقت عينيها بجزع…
“يعني مش واحده حلوة….”
غمز لها عاصم قائلا بشقاوة…
“حلو اي بس والشهد كله معايا وفي حضني…”
رفرف قلبها بفرشات الحب فقالت بضحكة
خجولة…..
“لا كنسل النكد بقا…. المعلم عاصم بيقول كلام
حلو وبيثبتني كالعادة….”
اجاب عاصم بعذوبة….
“دا مش كلام حلو دا اللي خارج من قلبي ياشهد.. ”
قالت بعفوية….. “يسلملي قلبك ياحبيبي….”
رفع حاجب مشدوهًا سائلًا… “يعني انا حبيبك…”
خطى خطوة نحوها فحاصر جسدها خلف أحد الاركان الضيقة في تلك الحجرة الصغيرة….
فقالت بحياء….
“اكيد مش انت جوزي تبقا حبيبي……”
مد عاصم يده ولامس وجنتها الناعمة وخطوط شفتيها الشهية بابهامه ملح بعدها بصوتٍ أجش…
“قوليها تاني ياشـهـد…..”
نظرت لعيناه المتوهجة بالحب لبرهة ثم قالت
بقلب يرجف بين ضلوعها….. “حـبـيـبـي…..”
“روح قلب حبـيـبـك……”
اغمضت عينيها وهي تجد فمه الدافئ يعانق شفتيها بقوة ولسانه العابث يفعل العجب في فمها حاولت ان تبادله القبلة بحياء وهي تغرز اصابعها في شعره
الاسود الغزير والمبلل…..
اما هو فيده العابثة كانتا تجريا على مفاتنها من أعلى قميصها الحريري وشفتاه المتسلطه حانية تسير على حنايا وجهها هبوطًا الى جيدها وصدرها صعودًا الى شفتيها الشهية كقطعة ثمر ناضجة حلوة كالشهد الذائب….
بعد دقيقتين حملها بين ذراعيه ووضعها على
الفراش منضم اليها بعد ان خلع مئزر الاستحمام عنه…..
اكتسحها بالقبلات واللمسات الجريئة والهمسات الحارة حتى أصبح جسدها بين يداه كالهلام
الذائب…..
وباتت مشاعرهما واجسادهما معًا تطفو فوق
سطح نهرٍ دافئ عذب….
بعد لحظات…
بدأ يلهثا بسرعة وهما يتشابكا في عناق حميمي
طويل ظل وقتها عاصم يطبع القبل على وجنتها
وشفتيها برقة ويضم جسدها بحنان يغمره
في عاطفة جياشة هي كل ما تحتاج اليه الآن….
“بـحـبكـ ياشهد…بحبكـ… ”
ابتسمت بحياء وهي تبادله القبل بمشاعر مضطرمة
بالعواطف….بينما عقلها ضاع مجددًا في زوبعات من الأفكار ولم تجد مفر من اخباره بما يعتمل صدرها
منذ ان علمت صباح اليوم بهذا الامر الذي لم تتوقع
ان يحدث بتلك السرعة……فهمست بعد لحظات بارتجاف…
“عاصم……انا…..انا حامل…..”
توقف عن تقبيلها وهو يرفع عيناه عليها بصدمة
وعندما وجد الجدية مرتسمة على محياها…
تراجع جالسًا على الفراش وساعدها هي ايضًا
على الجلوس باعتدال فاخفت نهديها أسفل الغطاء بحياء وهي تبعد خصلات شعرها الملتصقة في جبينها المتعرق…
نظر لها عاصم بعدم تصديق سائلا مجددًا
وهو يبتسم بدهشة….
“انتي بتهزري ياشـهـد صح….”
قالت شهد بوجنتين حمراوان بتوتر…
“انا كمان لحد دلوقتي مش مصدقة…الموضوع جه بسرعة اوي و…..”
قاطعها عاصم وهو يعطيها كامل تركيزه مشدوه النظرات…”عرفتي إزاي….وامتى….”
بللت شهد شفتيها أمام عيناه المراقبة ثم اخبرته
بصوتٍ خافض…
“الصبح قبل ما روح عند أخواتي…روحت كشفت عند دكتورة أمراض نسا لان البريود اتأخرت عن معادها بقالها حوالي أسبوعين….فالدكتورة طلبت تحاليل وقالت احتمال تكون دي بداية أعراض الحمل وعملت التحاليل وفعلا وتاكدت اني حامل
في الاسابيع الأولى….”
سألها عاصم بذهول وعيناه تلمع
بالسعادة…
“يعني دا بجد مش هزار…. انتي حامل؟!!…”
قالت بضحكة مندهشة….
“هكدب عليك ليه ياعاصم…التحاليل بتقول
اني حامل… وانا متاكده اني حامل..”
وضعت يدها على بطنها وعيناها تترقرق بالدموع قائلة بتوهج….
“تصور ياعاصم ان في حته منك جوايا هنا…”
مسكت يده ووضعتها على بطنها وعيناها معلقه
بعيناه التي لم تستوعب بعد الخبر….قالت بعد
ان سالت دمعتين حارتين على وجنتيها…
“ساكت ليه اوعى تكون مش مبسـ….”
عجزت عن المتابعة بعد ان هاجم شفتيها بقبلة
قوية اطاحت بكل شيءٍ عرض الحائط ولم يبقا
إلا لذة الشعور بقبلاته المتناثرة على وجهها
وشفتيها بلهفة وسعادة تعبر عن مايعتمل
بصدره الان…
قالت بدلال حتى توقف سيل القبلات الحارة
التي يغمرها بها…..
“عاصم….عاصم…براحة كده هتأذي البيبي….”
توقف عاصم فجأه وهو ينظر لعيناها قائلًا بغضب
على نحوٍ مفاجئ…
“ليه مقولتيش أول ما دخلتي على الاقل كنت
خدت بالي اكتر من كده…..ممكن أكون أذتكم…”
القى على جسدها نظرة متفحصة تشع
خوفًا واهتمام….
صفة الجمع تلك جعلت قلبها ينبض بجنون…
فابتسمت بحب وهي تحيط عنقه بيداها برقة
أذأبت غضبه في لحظة وعلق عيناه العاشقة
عليها….فقالت هي تطمئنه بحب….
“انا كويسة ياحبيبي….وبعدين انا سألت الدكتورة
في الموضوع ده….قالت ان مفيش مشكلة طالما
الحمل في بدايته طبيعي ومش مقصر عليا…”
“مش مصدق انك حامل…معقول عبد الرحمن جاي في السكة…”ابتسم عاصم بمحبة وهو يرفع جسدها بخفة ويجلسها فوق ساقيه ثم احاط خصرها
بذراعه برفق….فقالت بتغنج وهي ترتاح على صدره
العاري سامعه خفقاته القوية….
“مش عارفه بصراحه ممكن تكون بنت…”
داعب شعرها بمحبة…..
“ومالوا هتبقا شهد الصغيرة….اللي اسمها هيفضل
متعلق باسمي لاخر يوم في عمري….”
تمرغت بوجهها في صدره ضاحكة برقة…
“اه من رومانسياتك…..تعبت قلبي يامعلم عاصم..”
ضمها اليه بقوة وهو يطبع قبلة فوق قمة
رأسها….هامسًا بصوتٍ عذب متأثر….
“مبروك ياحبيبتي….مبروك….الحمدلله…دا فضل
ونعمة كبيرة من عند ربنا….ربنا يعدي شهور الحمل دي على خير وتقومي بالسلامة انتي وعبدو
الصغير…”
ابتسمت شهد مرددة باشتياق…
“يارب ياحبيبي…يعدوا التسع شهور دول
على خير ونفرح كلنا….”
اغمضت عيناها على صدره وظل عاصم يداعب شعرها متحدثا معها وهي ترد عليه بصوتٍ ناعس حتى غفت في احضانه وهو من بعدها…والمشاعر
تتوحد بينهما في حلمًا جميل يخص هذا الضيف الصغير المتطفل والذي اتى أسرع مما توقعا….
في صباح اليوم الثاني….
رفع يده متحسسًا الفارغ بجواره ففتح عيناه بانزعاج
وهو ينظر الى باب الحمام المفتوح المظلم….
نهض عن الفراش وهو يفرك في عيناه مناديًا عليها
وهو يتجه الى جحرة تبديل الملابس….
“شـهـد……شـهـد…..”
لم يجدها هناك فزم شفتيه وهو يتوعد لها بحنق
ارتدى ملابسه على عجلة وهو ينظر نظرة أخيرة
من خلال شرفة غرفتهما….
فازداد انزعاجه وكما توقع راها تقف من بعيد بثوبٍ ربيعي انيق محتشم تسقي الاشجار والزهور كعادتها
منذ ان عادا الى البيت الكبير،. معظم اوقاتها الصباحية تكون هنا في حديقة البيت التي تزدهر يومًا بعد يوم بمجهودها الملحوظ هي والجنايني العجوز الذي يعمل هنا منذ زمن….
تشبع الزهور حبًا واهتمامًا بدلًا منه !….صك على أسنانه وهو لا يصدق كيف انساق تفكيره بمشاعر
غريبة تتأجج بالغيرة نحو اهتمامها بالزهور عنه ؟!..
سارت عيناه بتأني على جسدها الانثوي الناعم هذا
الجسد الرقيق يحمل بذرة منه سيرعاها مع مرور
الايام والاشهر حتى تترعرع وتكبر داخله ثم يحصدها بعد تسعة أشهر بطفلا جميل ورائع كأمه
يربط بينهما للأبد…..
لانت شفتيه في ابتسامة حانية دافئة تعبر عن مدى عشقه لتلك المرأة وسعادته لكونها ستكون أم
لأولاده….
انه الحلم الذي تمناه منذ ان وقع في حبها…كيف يوصف شعوره الان انه يشعر بغمرة من الفرح
تجتاح قلبه العاشق….
اتجه الى الداخل وتناول الهاتف بيده ثم رفعه
على اذنه وانتظر قليلًا وعندما فتح الخط أمر
بخشونة….
“عايزك تدبح عجلين وتوزعهم بمعرفتك للي محتاج
ومتنساش الناس الغلابة اللي في شارع الصاوي…”
صمت قليلًا ثم أجاب المتصل….
“مفيش مناسبة…..اهي حاجة كنت نذرها
وجه وقتها….”
اغلق الهاتف وهو يتجه الى الحمام لياخذ حماما دافئ ثم يلحق بزوجته النشيطه والتي يجب
ان تلازم فراشها في تلك الأشهر الأولى بدلًا
من ان تقضي اوقاتها تتنقل بين الزهور بحيوية مفرطه….
………………………………………………………….
دلفت شهد الى الداخل وهي تحمل باقة من الزهور
التي جمعتها من الحديقة بعناية…
مالت عليها تستنشق عبيرها للمرة المائة وهي تبتسم
بسعادة لصباح يومًا جديد مشرق بضيف صغير ينمو
داخل احشاؤها…..
بدأت توزع الزهور في المزهريات المذهبة وهي تدندن بأحد الالحان القديمة….
“صباح الخير يازهرة سرايا الملوك…”
زمت شفتيها وانكمشت ملامحها بضجر… فهذا الصباح الرائق سيفسد بسبب هذا الشاب المتطفل
الذي يربكها بنظراته الغريبة….
“صباح النور….”
قالتها بهدوء دون ان تستدير اليه منشغله في وضع الزهور بتأني ودقة حتى تبرز الألوان الزاهيه بكل واحده منهم…
اقترب منها يزن ووقف جوارها ومسك زهرة
حمراء رقيقة من على سطح الطاولة الواقفين
أمامها….رفع يزن الزهرة الى أنفه يستنشقها
وعيناه معلقه على جانب وجه شهد المركزة
عيناها على الأزهار متجنبه الحديث معه…
حرك أورق الزهرة الناعمة على جانب وجهها المتورد ملامسًا النعومة فيهما فرمشت شهد بعيناها هامسة بخجلا..
(اي اللي بتعمله ده….)
ابتسم يزن هائم العينين بتلك الجميلة الساحرة
وبدا يحرك الزهرة الناعمة بأوراقها الرقيقة على خطوط شفتيها الحمراء الشهية…
فاق يزن من هذا الحلم المحرم على وخزة قوية في اصبع يده سببت له جرح صغير نزف فورًا بدم أحمر
ينافس لون الزهرة التي شاركت خياله لثواني !…
أخرج تأوه خافت فرفعت شهد عيناها اليه عاقدة
حاجبيها وقد انتبهت للتو بانه مزال موجود
هنا ولم يغادر بعد تحية الصباح !!…..
“خير مالك في حاجه….”
فرك في اصبعه قائلا بضيق….
“لا الورده بس عورت أيدي…مكنتش أعرف ان
الورد فيه شوك….. ”
ابتسمت شهد بفتور وهي تنظر الى اصبعه…
“دا شيء طبيعي معظم النبات كده..عشان
تقدر تحمي نفسها…”
سالها يزن بتعجب…. “من إيه…..”
قالت بأختصار…. “من اي حد بيحاول يضرها….”
قالت شهد بوعي وهي تبتعد عنه….
“خد بالك بعد كده….مش عشان شكلها حلو ورقيق تبقا مش مؤذية…..استنى هجبلك لزق طبي…”
نظر يزن الى الزاوية التي اختفت داخلها ثم عاد ينظر الى الوخزة الصغيرة التي مزالت تنزف….
(بتحمي نفسها…. من اي حد بيحاول يضرها !….)
اتت شهد بعد لحظات ووقفت امامه قائلة
باهتمام فطري….
“هات ايدك يادكتور يزن…..”
ابتسم يزن وهو يمد يده لها فبدات تضع اللاصقة الطبية حول اصبعه واثناء ذلك كان هو شاردًا في تلك المخلوقة الجميلة المتجهمة دومًا عند رؤيته
ولا يعرف سببًا مقنع خلف هذا الهجوم !…
بينما من أعلى السلم كانت تنزل إلهام متأنقة بشكلًا
ملحوظ وتطلق شعرها الاشقر للخلف بعنجهية
مبالغة بوضع كل ماهو فخم وثمين عليها لتظهر
امام صديقات النادي بأفضل صورة لها….
توقفت فجاه وكانها ضربتها صاعقة قوية وهي ترى شهد بالقرب من ابنها تضع حول اصبعه شيءٍ وابنها هائم العينين بها وكانها اخر نساء العالم !…
جزت على اسنانها بغضب وهي تنادي بصوتٍ
جهوري وكانها مسكت بهما بالجرم المشهود….
“يــزن…..”
انتفض يزن بخوف وهو ينظر الى امه..بينما بقت شهد مكانها حتى إنتهت من وضع اللاصقة حول اصبعه ثم رفعت عسليتاها الهادئة عليها فتبادلا النظرات بقوة كانت الهام مشتعلة غاضبة وعيناها تشع بالضغنية بينما شهد متبلدة الملامح نظراتها فاترة مجردة من اي انفعال….قالت شهد ببرود
“صباح الخير يا إلهام…..”
اتسعت عينا الهام بغضب بعد ان نطقت شهد اسمها
مجردًا….ثم لم تلبث إلا واغتصبت الابتسامة
الصفراء امام ابنها الذي يراقبها بفضول محاول
فك الشفرات المبهمة في نظراتها….
“صباح النور ياشهد… اي اخبار شغلك مع الجنايني
بصراحه مجهود عظيم في الكام يوم اللي قعدتيهم
هنا…. الجنينة بقت حاجة تانيه….”
ابتسمت شهد قائلة بلؤم…
“دا عشان حطيت ايدي فيها بس.. ماهي اقدام بقا…”
احتقن وجه إلهام بالغضب فتابعت نزولها على
السلم بخيلاء وهي تسأل ابنها بوجوم….
“انت رايح فين كده يايزن….”
اجابها يزن ببعضًا من الارتباك….
“الكلية عندي محاضرات…. انتي راحه النادي…”
اجابة إلهام مبتسمة بصلف…..
“ايوا عندي بارتي هناك…..چيهان الكيلاني صاحبتي.. مانت عارفها عيد ميلادها النهاردة….”
وقع الإسم كسياط على مسامع شهد فظلت تحدق
في الهام دون تعبير مقروء….
أومأ يزن براسه ثم استئذن مغادرًا حتى يلحق بالمحاضرة… اما إلهام فوقفت امام مرآة كبيرة جوار باب الخروج وظلت تهندم من مظهرها الباهظ…
وكانت صورة شهد منعكسة خلفها وهي متسمرة
مكانها تنظر اليها بعينين تحولت فجأه لجذوتين من
اللهب…وهي تلقي القنبلة فوق راسها قبل ان تحمل المتبقي من الزهور وتغادر بها صاعدة درجات
السلم…
“على كده لازم تفكري جوزك بعيد ميلادها…عشان
يلحق يجبلها هدية لحسان تزعل…..ولا يكونش
سبقك وجبهالها في سهرة امبارح…..”
توقف جسد إلهام فجأه عن الحركة وكانها تلقت
فوق رأسها دلوٍ من الماء البارد فوقفت للحظات
مبهوتة الملامح جاحظة العينين وعندما ذابت الصدمة قليلا من عليها ادارة وجهها الى شهد
التي كانت قد تبخرت من أمامها…..
بعد ان تلقت منها الضربة القاضية ؟!….
………………………………………………………….
طرقت على الباب برفق ثم انتظرت بأدب ان تسمح لها السيدة بالدخول….
“أدخل….”
دلفت بعد تلك الكلمة وبين يداها باقة من الزهور قالت شهد بابتسامة مشرقة..”صباح الخير ياماما….”
خفق قلب نصرة وذابت عيناها بالمحبة كلما نادتها زوجة حفيدها بـ(ماما) بنبرة صادقة ونظرة تؤكد مكانتها في قلبها….
اغلقت نصرة المصحف وهي تشير لها بان تتقدم وتغلق الباب خلفها قائلة بحفاوة…
“صباح النور ياحبيبتي…. رجعتي امتى من
بيت أهلك..”
مالت شهد على الجدة نصرة وقبلة يدها وهي ترفع
عيناها الى الجدة حيث عبائتها البيضاء الناصعة ورائحة المسك الطيبة التي تفوح منها ثم للحجاب المماثل الملتف حول وجهها المبتسم واخيرًا السبحة بين اصابعها تحركها بتأني وهي ترتاح على مقعدها
المتحرك…. قالت شهد وهي تجلس جوارها
على المقعد…
“امبارح بليل… كنت ناويه اعدي عليكي بس لقيت نور اوضتك مطفي فقولت انك اكيد نمتي…”
أكدت الجدة بابتسامة نقية…
“انتي عارفه اني بنام بدري عشان الحق صلاة الفجر… تعرفي ان البيت كان وحش اوي من غيرك إمبارح…بقيتي فرد مهم بينا….والسفرة إمبارح كانت نقصاكي انتي وعاصم…. ”
انعقد حاجبا شهد بتساؤل…
“هو متغداش معاكم إمبارح….”
“مجاش قال انه عنده شغل كتير في صاغه…”ثم
استرسلت الجدة بمودة….
“قوليلي قضيتي يوم حلو معاهم….وانبسطي…”
اكدت شهد بنبرة متوهجة….
“طبعًا ياماما نصرة…دول كانوا وحشني اوي…أول مرة نبعد عن بعض كده….”
قالت الجدة بنبرة معطرة بالمسك…
“ربنا يخليكم لبعض ياحبيبتي ويديم لمتكم….”
رفعت شهد الازهار بين يداها قائلة….
“يارب….جبت الورد ده احطه في اوضتك…اي
رايك شكله وريحته تجنن….”
قالت الجدة وهي تشم عبيرة….
“رحته الحلوة وصلتني أول ما دخلتي حطيه عندك…”
نهضت شهد تضعه في المزهرية المزخرفة بشكلا أثري ككل شيء في تلك الغرفة الشاسعة المقتبسة من جناح ملكي محافظ على رونقه على مر العصور
الغرفة الوحيدة التي تثبت انها من عصر الملوك
هي وردهة البيت والصالون ام باقي أجزاء البيت
فهي تمتزج مابين الذوق الملكي الرفيع والعصرية
الحديثة…
“عندي خبر حلو…..ان شاء الله يفرحك….”
قالت نصرة بضحكة خبيثة….
“اهم حاجة تكوني قولتي لعاصم….”
استدارت اليها شهد بعد ان انتهت من وضع
الأزهار…..
“أيوا…انتي عارفه ولا إيه….هو قالك حاجة….”
ضحكة الجدة ببشاشة قائلة….
“لا لسه بس انا شوفت رؤية النهاردة الفجر..وفيها
البشارة….”
اتسعت عينا شهد وخفق قلبها بسعادة ليس
لها مثيل….
“اللهم صلي على النبي…طب ما تحكيلي ياماما نصرة…”
لمعة عينا الجدة نصرة بالفرح قائلة
بصوتٍ خافت….
“عليه أفضل الصلاة والسلام…. خير اللهم اجعله خير شوفتك جايه عليا من بعيد وشك مبتسم وبين إيدك ولدين زي القمر خدتهم منك وحطتهم في حجري…كانوا حلوين اوي وبيلعبوا وبيضحكوا سوا…فقولتلك هتسميهم إيه….وقبل ما سمع ردك صحيت على اذان الفجر…. ”
وضعت شهد يدها على بطنها بتلقائية…
“بسم الله ماشاء الله…يعني ممكن اكون حامل
في توأم ياماما…..”
قالت الجدة بابتسامة متزنة…
“العلم عند الله دي البشارة واللي كتبه ربنا هيكون…المهم ان الرؤية اتحققت وانك
حامل فعلًا…”
أكدت شهد وهي تندفع لاحضانها باكية
بسعادة… “ايوا ياماما نصرة…..انا حامل…..”
ربتت نصرة على كتف شهد قائلة بجذل…
“الف مبروك ياحبيبتي ربنا يكملك على خير
ويجعله من الذرية الصالحة باذن الله……”
ثم تنهدت الجدة قائلة…..
“واخيرًا هشوف ولاد عاصم قبل ما قابل وجه كريم..”
فتح الباب وطل منه عاصم قائلا بوجه
عابس…..
“اي الكلام دا ياحاجة….كده هتزعليني منك….”
تهلل وجه الجدة اكثر وهي تدعوه للدخول
قائلة بمحبة….
“مبروك ياحبيبي…. ربنا يكمل فرحتكم على خير…ويجي بسلامة يتربى في عزك وفي خيرك….”
خرجت شهد من احضانها تجفف دموعها….
بينما اتجه عاصم الى الجدة وقبل جبينها
قائلا… “يارب ياحبيبتي نفرح بيه كلنا… ”
جلسا الزوجين جوار بعضهما على حافة الفراش
بينما ظلت الجدة في مقعدها سائلة إياهم
“عرفتوا حد…..”
تولت شهد الرد قائلة بتورد…
“لا لسه..انا لسه قايله لعاصم امبارح بليل وحضرتك النهاردة النهاردة الصبح… انا حتى لسه معرفتش اخواتي…..”
قالت نصرة برفق موضحة تلك العادات التي تربى
عليها…..
“عرفيهم ياحبيبتي وفرحيهم دول اخواتك….بس بلاش يعني تقولي للي في البيت….لحد ما تعدي شهورك الأولى والحمل يثبت… انتي عارفه الحسد مذكور في القرآن…..”
اومات شهد براسها بانصياع…..فصدح هاتف الجدة
فقالت قبل ان تتجه به الى الشرفة بمقعدها المتحرك….
“دي علا أختك هرد عليها….مش هقولها حاجه انتي وعاصم ابقوا بلغوها بطريقتكم عشان متزعلش لو عرفت مني…”
أومأ الزوجين براسهما بالموافقة…وعندما ابتعدت
الجدة قال عاصم بحمائية….
“اي اللي خلاكي تطلعي من الاوضة وان نايم….”
اجابته شهد بحاجب مرفوع…
“اي المشكلة حبيت اشم شوية هوا في الجنينة..واقطف كام وردة احطهم في الفازات…”
لوى شفتيه بغيرة مصرحًا…..
“اهتمامك بالورد زاد عن اهتمامك بصحتك وبيا…”
هزت شهد راسها بصدمة…
“أول مرة اشوف حد بيغير على مراته من الورد !…”
“انا بغير عليكي من الهوا…..”اجابها دون تردد
ثم أحاط كتفها بذراعه بهيمنة وتملك هز
معه كيانها كله….متشدق بأمر…
“أوعي تتكرر تاني بذات الفترة الجاية….الراحة ثم الراحة اتفقنا….مش عايز اهمال يا شهد صحتك وسلامتك عندي فوق كل شيء اتفقنا…… ”
اهدته أجمل ابتسامة لديها قائلة
برقة… “اتفقنا ياحبيبي….”
“قلب حبيبك ياست الحُسن…..”سحبها عاصم لاحضانه ومسد على شعرها الناعم بيده بحنو فهمست شهد وهي على صدره بحرج…
“عاصم….”
اسكتها عاصم بهمسًا عذب…..
“هشش…..انا حاسس اني طاير من الفرحة….لحد دلوقتي مش مصدق انك حامل…..”
قالت بمناغشة….. “وامتى بقا هتصدق…..”
رسم الصورة في خيالة وهو يخبرها
بجذل…..
“لما الاقي بطنك قدام منك ساعتها هصدق…..”
ضحكت شهد وهو ترسم صور متباعده للمرحلة
المقبلة عليها….
“شكلي هيبقا مسخرة وانا ماشيه مشيت الحوامل وعماله اتوجع…..”
سالها عاصم بخبث وهو يشبك يده
بيدها…..
“يترى هتتوحمي على إيه ياشهد….”
قالت بحياء صارخ معترفة….. “عليك….”
ازدادت الابتسامة عمقًا وهو يحترم صراحتها
مؤكدًا…..
“دا خدت بالي منه إمبارح بليل واضح ان هرمونات الحمل في صالحي وهتخليكي متجاوبة معايا اكتر من كده…”
خرجت من احضانه بوجنتين مشتعلتين
بالحرج… “وطي صوتك….وبطل قلة آدب….”
غمز لها بوقاحة…
“مش دي الحقيقه….بكدب يعني….”
عضت على باطن شفتيها وهي تئن
بحياء…
“خلاص بقا بلاش تحرجني….”
اوقف الرد عليها ظهور الجدة نصرة
التي قالت بود…
“بتسلم عليكم ياولاد وشوية كده وهترن عليكم…”
ثم اضافة بتذكر وهي تنظر اليهما….
“صحيح ياشهد….انا كلمت مسعد امبارح وطلبت
منه انه يعزم ابوكي واخواتك عندنا بكرة يتغدوا معانا ونتعرف اكتر على بعد….وبالمرة يشوفوا البيت اللي قاعده فيه يطمنه اكتر عليكي اي رأيك ياعاصم في الكلام ده….”
قابل عاصم الأمر برحابة صدر رغم غضبه المتأجج وكرهه لوالدها…
“اللي تشوفي ياحاجة….ينوره طبعًا وانا هأجز بكرة وهستناهم……”
هزت نصرة راسها برضا….
“ان شاء الله… هبقا اكلم مسعد بعد الفطار واشوفه اتصل بيهم عزمهم ولا لسه….”ثم أكدت على شهد
مجددًا…..
“زي ماتفقنا ياشهد…بلاش حد في البيت يعرف بموضوع الحمل لحد ما تعدي الشهور الأولى
على خير….”
اومات شهد براسها بالموافقة وهي تنظر الى عاصم الذي بادلها نفس النظرة الدافئة المشعة بعشقًا
يغمرها به كلما سنحت الفرصة…
رواية الحب اولا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دهب عطية
بعد تلك النزهة العائلية الرائعه عاد الجميع الى بيته
ليلًا…..
دخلت داليدا الى الحمام فور وصولها وظلت بداخله
لساعات بدل سلطان ملابسه وتمدد على الفراش بانتظارها….
خرجت داليدا تلف جسدها بمئزر الحمام الوردي
وتجفف شعرها بمنشفة صغيرة عندما ابصرته
جالسًا على الفراش يحدق بها بصمت بدأت تغمغم بكلمات عصبية غاضبة…ميز القليل منها بانها
تلعن الزواج والحب بالمجمل !…
يالها من ليلة طويلة مع المجنونة الثائرة…
نظر سلطان الى صورتها المنعكسة في المرآة بعد
ان وقفت أمامها تمشط شعرها رأى احمرار عيناها
السوداء وانفها من كثرة البكاء….
انكمشت ملامحه بحنق متمتمًا في جلسته
الممددة..
“انتي كمان اللي زعلانه وبتعيطي بعد الفضيحه
اللي عملتيها واحنا في الجنينة…”
جزت داليدا على اسنانها وهي تفتح كريم الترطيب
برائحة الورد المميزة وبدأت تدهن منه بهدوء ثم اجابت باقتضاب وهي ترمقه شزرًا..
“معلش واضح اني جرحت شعور ام اربعه وأربعين
بتاعتك….روح راضيها زمانها خدت على خاطرها جامد… ”
تشدق سلطان بجزع….
“انتي عارفه ان الكلام اللي قولتي مينفعش يتقال
حتى لو صح… ”
رفعت حاجبها للأعلى مدمدة بغضب….
“يعني انت عارف انها بترسم عليك…ومع ذلك سايبها
عجباك حركاتها الرخيصه…”
اعتدل سلطان جالسًا على حافة الفراش ثم استأنف بمنتهى العنجهة الذكورية…
“عارف وواخد بالي ومن زمان أوي….ولو كانت عجباني كنت اتجوزتها ياداليدا…..قبلك او حتى بعدك…”
نهضت داليدا من مكانها بنظرة شرسة صاحت
بتهكم مهاجمة…..
“بعدي !!!….اه انت بتحلم تكونش فاكر اني عشان
بحبك هبقا مكسورة الجناح بقا وهقبل باي وضع تختاره معاليك لا فوق انا زي الفريك يابابا مليش شريك ولو فكرت بس تجبلي ضرة هقتلك وهقتل نفسي بعدك..سامع ياخاين يابتاع الخوخ انت….”
“اعصابك يادودا… اعصابك….”مسك يدها يسحبها لعنده بعد ان وصلت اليه بخطوات عصبية مهددة
اثناء حديثها…
“ملكش دعوة باعصابي سبني…أنا تقول عليا شعنونه….أنا… وقال إيه وقعت نفسك ليه الوقعة
دي تجوز عيلة….انا عيلة يام صورم….”
ابتعدت عنه وسحبت منامة من الدولاب امام عيناه المراقبة لها ثم في منتصف الغرفة نزعت مئزر الاستحمام وبدأت ترتدي ملابسها دون حياء او تردد….
ام انها اعتادت ان يراها هكذا عارية تمام ام ان
غضبها الان عماها عن تلك النقطة…لا يعرف لكنه أحب الوضع جدًا وظل يحدق في تفاصيلها الانثوية بتأني واعجاب…
ورغم انها تمتلك جسد نحيف كعارضات الازياء الا
ان مفاتنها بارزة بصورة مغوية فاتنة…منتفخة
بصورة طبيعية تزيد من ابتلاع ريقه كل ثانية بتعب
وحرارة جسده ترتفع وهو يراقب انحناءها واهتزازها وهي تتابع بعصبية أكبر….
“هتموت وتبقا زيي..غيرانه مني….تعرفي تبقي
ضوفري حتى ياصفرة…..”
تاوه سلطان بعد ان انتهت داليدا من ارتداء اخر قطعة على جسدها….فور هذا التأوه اقتربت منه
بقلق…..
“مالك ياسلطان……انت تعبان…..”
نظر لها سلطان وشذايا عطر الورد الجوري تغزو
أنفه بقوة مهلكة فؤاده..اما عينيها السوداء فهي
الأفق الواسعة التي يجوب داخلها دون كلل
او ملل……
عندما طال صمته وضعت يدها على جبينه
بتلقائية وقلق أكبر…
“انت سُخن…..شكلك بردت ولا إيه….”
مسك سلطان يدها فجأه قائلا بحرارة..
“انا سُخن فعلا ماتيجي ننسى اللي فات ونفكر
في اليلادي….”
سحبت يدها بغضب بعد ان فهمت مقصده..فقالت
بهيجان متبرمة….
“دا بعدك….انت فاكرني هعديلك عملتك السوده
دي…دا انت خوفت عليها مني ومسكتني عشان مضربهاش….اااه ياناري لو كنت مسكتها كنت كلتها
باسناني قدامك…”
تافف سلطان وهو يشير على الفراش
بغلاظة….
“ماخلاص بقا ياداليدا مش هنفضل نتكلم في الموضوع ده طول اليل…..تعالي ننام انا حيلي
اتهدى النهاردة…. ”
قالت بضيق وهي توليه ظهرها…
“نام انت انا دمي محروق…. هروح أطفح…”
اتسعت عيناه وهو يوقفها سائلًا…
“وهو اللي دمه محروق بيروح يطفح…”
زفرت وهو ترد بتهكم…
“انا…..إيه هتعد عليا اللقمة كمان……”
تحدث سلطان بخشونة محذرًا بنفاذ صبر…
“اتظبطي ياداليدا واتكلمي عدل…وعدي يومك..انا عديت صوتك العالي والجنان اللي عملتيه برا بالعافية فبلاش تختبري صبري اكتر من كده عشان
انا على اخري منك….”
كان ردها مختصر وباهت….
“انا هنام في أوضة الأطفال تصبح على خير..”
خرجت من الغرفة وهي تتنفس بعصبية واعصابها مشدودة منتفضة بغضب…يتحدث بمنتهى الغطرسة والتملك وكان الحق معه…غليظ وجلف ومزعج…لم يعتذر بكلمة ولم يراضيها بنظرة كان قاسٍ كالحجر الصلب…..
كانت على وشك الدخول الى المطبخ لكنها توقفت
بعد ان صدح رنين الهاتف المنزلي اتجهت اليه ورفعت السماعة على اذنها بهدوء ثم قالت
بتلقائية…”الو…..”
وقع قلبها في قدمها وهي تستمع لانفاسٍ خشنة
غاضبة أنفاس علمت بهواية صاحبها فور سماعها..
نحن لا ننسى تفاصيل الحب الأول مهما صادفنا
من بعده، تظل التفاصيل التي اوقعت بنا هي بداية تكوين كل شيءٍ ناضج بداخلنا مهما انكرنا أو ازداد شعورنا نفورًا تظل أول ندبة غليظة تتلقاها قلوبنا ذكرى لا تنسى كما لا تغتفر ؟!…
ظلت واقفه مكانها متسمرة كتمثال رخامي بارد ومشاعرها هائجة بالغضب والنفور فصورته مع ابنة
عمتها تثير قرفها عما وصل تفكيره الحقير بالعبث والهو بقلب( هدى) البائسة المضغوطة من مجتمع يقهر الفتاة ويحملها الذنب لمجرد انها
تخطت الثلاثون دون زواج أو أولاد…
ومن ناحية أخرى امها كنفها الامن هي في الحقيقه مصدر شقاؤها وانطوائها بعيدًا عن جميع بنات العائلة بسبب حقدها على الجميع الحقد التي تحقن به ابنتها بمنتهى القسوة…..فجعلت منها مسخ ربما هي أطيب من ان تكون(وجيدة) الثانية لكنها تدفعها لتكن نسخة مصغره منها !..
طأطأت داليدا براسها تنتظر بملامح ممتقعه وعينين
باردتين…..فاتى صوته مهددًا بحقارة…
(خليكي عارفه ان تمن القلم اللي خدته منك هيدفع غالي أوي….وقريب اوي كمان هتجيلي مذلوله تحت
رجلي….)
ادارة داليدا راسها لغرفة النوم المغلقة حيث يقبع زوجها خلف بابها ثم عادت عينيها للأمام واحتدت نظراتها وهي تهسهس بشراسة….
“ابعد عن هدى ياعادل احسلك…..انـ”
اوقفها عادل بصوتٍ بذيء…
(هتعملي إيه…..بنت عمتك بقت زي الخاتم في صباعي اللي بقولها عليه بتعمله وهي مغمضة..)
انتفضت بقوة تساله بهلع….
“تقصد إيه….اللي بينكم وصل لفين بظبط….”
ضحك باستمتاع معقبًا….
(ياه…. مكنتش اعرف انك لسه بتغيري عليا…)
زمت شفتيها بقرف وكره شديد وهي تعيد
السؤال من بين اسنانها….
“انسى الهبل اللي في دماغك ده….ورد عليا…
تقصد إيه…..”
ابتسم بتسلية وهو يمط الكلمات باهانة…
(افهمي انتي بقا….واضح ان بنات عيلتكم ناقصين
ربايه….بتخافوا تقوله لا لحسان تتسابوا…)
صاحت بغضب مكتوم…. “اخرس….”
(اعصابك يادواللي مش كده….تعرفي اي الفرق اللي بينك وبين هدى..)صمت قليلًا يلاعبها بالكلمات
ثم أردف بصفاقة وهو يضحك بسادية….
(بصراحه مفيش فرق انتوا الاتنين أرخص من
بعض….)
أغلقت الهاتف في وجهه بعصبية وهي تذرف الدمع
وقلبها ينتفض بخوف وكره….
ماذا تفعل اتخبر سلطان بكل شيء وتفضح هدى امام الجميع… ام تتحدث مع هدى أولًا وتفهم منها ماذا حدث بينهما والى اي مدى وصلت تلك العلاقة وعلى
اساسها ستبدأ بالتحرك…..
علقت عيناها على الباب المغلق مجددًا بعجز وحسرة علاقتها مع زوجها متوترة دون اي شيء إضافي
يعكرها أكثر…وان علم سلطان بهذا الأمر ستكون العواقب وخيمة….
ماذا تفعل…وما الخطوة القادمة مع هذا الحقير…
وبين الماضي والحاضر أحاصر في عنق زجاجة
ضيق ومحكم الغلق !….
……………………………………………………..
في الصباح رفعت الهاتف على اذنها منتظرة بقلب مضطرب الخفقات وعينين متورمة حمراء من قلة
النوم فقد ظلت طوال الليل تتقلب على صفيح ساخن بعد تلك المكالمة المريعة والتي هشمت سلامها النفسي بعدة كلمات بذيئة من لسان من
كانت تهيم به عشقًا ، مستعدة للموت لأجله !…
تتغير مشاعرنا تغير جذريًا حينما نرى الصورة واضحة
نسخر من تصرفاتنا وافكارًا حيال ذاك بصورة تثير
السخرية والحرج كشعورين ملتصقين ببعضهما….
زفرت وهي تدب بالارض بقدمها بحنق شديد..
فهذا الاتصال الثاني الذي يذهب هباءا دون رد
من زوجها المبجل…..
هل هو منشغل بين ألواح الخشب ام منشغل بين
أحداهن اللواتي يترددنا دومًا عليه بحجة ساق
طاولة مكسور او درفة دولاب مخلوع او نافذة
غرفة يصعب غلقها ؟!….
هل هو معهن الان…ام ان غيرتها تقودها للجنون
اغمضت عيناها بضيق زافرة بقوة حين ذاك فتح
سلطان الخط وسمع نفخها فاتى صوته المتاففًا
قبل السلام…
(اصطبحنا وصبح الملك لله…بتنفخي ليه على
الصبح خير…..)
تجزم داخلها انه لا يجرؤ على هذا الرد الغليظ مع الزبائن المحترمات أصحاب العباءات السوداء الضيقة والأساور الذهبية المغطية أذرعهن ببهرجة.. والوشاح الحريري الساقط على رؤوسهن بعشوائية وكانه وقع دون دراية منهن ؟!….
ومن بين دهاليز غضبها وافكارها السامة لروحها
نطقت بصعوبة….
“مبتردش على تلفونك ليه…دي تالت مرة أرن
عليك…. ”
رد بفتورٍ زاد مقتها عليه….
(كنت بقطع الخشب ومش سامع….في حاجة…)
عضت على باطن شفتيها للحظة محاولة التخلص
من هذا الثقل على صدرها…فقالت على نحوٍ
مفاجئ…
“أيوا….كنت عايزة اروح عند عمتك وجيدة….”
اتى الرد المتعجب على الفور…
(اشمعنا يعني….ومن امتى بتطلبي تزوري عمتك
وجيدة وبنتها ؟!…)على الناحية الاخرى رفع سلطان حاجبٍ للاعلى بوجهٍ يعلو علامات الاستفهام من هذا الطلب الغريب..
وكان السؤال الذي ألقى به الان متوقع منه وقد
رتبت داليدا الرد عشرات المرات قبل الإتصال به..
فالطلب بنسبة لسلطان من عجائب الدنيا السبعة فعلاقتها مع العمة وابنتها مختصرة على الكلمات
المجاملة الباردة والابتسامات الفاترة فهم ليسوا
على وفاق ، والقبول والمحبة هبة من الرحمن
وللأسف ليست بينهن ولا باي شكل من الأشكال…
قالت داليدا بعد لحظات بثبات عظيم…
“عادي يعني اصلي حاسة انها زعلت مني إمبارح
لما بدات تتكلم عن ماما وتحكيلي عنها وانا صدتها
بالكلام وقمت من جمبها…فـ…فضميري انبني بعدها وقولت أروح لها النهاردة…واخدلها حاجة حلوة معايا…من عمايل ايديا…..”
كان سيعقب على شيء لكنه توقف جافلا وهو
يسالها بارتياع….
(حاجة من عمايل ايدك؟!…. عملتلها اي بظبط ياداليدا…. اوعي تكون بسبوسة….)
طيف ابتسامة زار شفتيها الحزينة فقالت
ببراءة…..
“لا كيكة بالبرتقان….. لسه مخلصاها دلوقتي…شلتلك
منابك لما ترجع من الشغل هدوقها وتقولي رأيك
اتفقنا….”
لانت ملامحه بحنان لكنه عاد يقول
بريبة مرجح…..
(وليه التعب دا كله ماتخليها ونجبلها اي حاجة
من برا…..)
قالت بصوتٍ مصقلا بالغرور…
“لا طبعا لازم تعرف اني بقيت استاذة في المطبخ..”
اتى صوته مستاءًا ناصحًا….
(استاذة !….براحتك مترجعيش تعيطي لما تديكي كلمتين في جنابك انتي عارفه عمتك…مش بيعجبها
العجب…..)عندما لم يسمع ردها زفر بكأبة قائلًا…
(البسي واجهزي كده… وانزلي كمان ساعة بظبط
اكون خلصت اللي في ايدي…عشان اجي اوصلك…)
(تمام….)اغلقت الهاتف واتجهت فورًا للداخل لتبدل ملابسها باخرى عبارة عن فستان انيق محتشم
ومعه حجاب يماثلة اناقة ورقة…..
بعد ساعة تقريبًا…
كانت جالسة بجواره بقلب سيارة النصف نقل التي يمتلكها والتي يعتمد عليها في نقل الاخشاب واثاث الموبيليا بصورة دائمة ويسافر بها كذلك…
لفهما جوٍ من الصمت البارد فكانت تشيح بوجهها
وعينيها السوداء الحزينة الى نافذة السيارة تشاهد
الطريق الراكض امامها بروح باهته…
كان سلطان ينظر اليها كل ثانية تقريبًا شاعرًا بشيءٍ
غريب بها لكنه يعجز عن معرفته….وكأنها تبتعد عنه
اميالًا بعقلها وقلبها مجددًا…..
هل هذا الخلاف التافه سيسبب حاجز منيع بينهما
وهل سيتركها لهواها تمتنع عنه وتقيم في غرفة اخرى مجددًا…..
قال سلطان بمناكفة وهو يرمقه بطرف
عيناه….
“إمبارح الواحد نام براحته في هدوء….وبرطع
في السرير من غير رفس ولا شخير…..”
ضاقت عينا داليدا مدمدة بشراسة…
“قصدك ايه…انا لا برفس ولا بشخر….”
لوى شفتيه باستفزاز وعيناه مركزة على
الطريق…..
“معذورة….مفيش حد بيحس بنفسه وهو نايم…”
على الانزعاج وجهها أكثر فقالت بتجهم بالغ…
“الكلام ده مفهوش هزار ياسلطان….انا مش بشخر
وانا نايمه… وبعدين من امتى وانت مش واخد راحتك في سريرك…. دانا بنام في حته قد كده… وانت اللي مستولي على المكان…. بجسمك ده….”
اشارة على جسده الضخم العضلي الصلب مقارنة بجسدها النحيف الانثوي اللين كالهلام…..
فزم سلطان شفتاه باستفزاز أكبر….
“دا واضح انك شايلة ومعبيه…..واي كمان يادودا..
اشجيني….”
عقدت ذراعيها امام صدرها متذمرة بعد ان وجدت نفسها تتحدث اليه بمنتهى السذاجة ناسية الأمس
وقبل أمس….
“ممكن تسكت ومتكلمش معايا تاني…واشبع بالسرير
بتاعك وبرطع فيه براحتك….كده كدا سيبهولك..”
توهجت عينا سلطان بتملك ذكوري لعين…
“معناه ايه الكلام ده…لو مفكرة اني عشان سبتك امبارح تباتي في أوضة تانيه يبقا كل يوم هيبقا
على مزاجك….مفيش الكلام ده انسي….”
قالت بضجر….. “يعني ايه….”
تحدث بتملك اجفل قلبها الملتاع بحبه…
“يعني هترجعي اوضتنا تاني وهتنامي جمبي..جمبي
إيه…في حضني من اليلادي….”
توهجت وجنتيها وتسارعت خفقات قلبها
بحماقة فقالت بتلعثم…. “مش بمزاجك هو….”
اتكأ سلطان على اسنانه بتجهم هاتفًا بقلة
صبر….
“امال بمزاج مين يامدام…اتعدلي ياداليدا..وبلاش
العوجة دي انتي عرفاني لما بقلب…”
صاحت ثائرة وهي ترمقه بقرف….
“انت عايزني ابات في نفس الأوضة ليه..مش انا بشخر وبرفس…”
اكد بهزة من راسه يليها ردًا غليظ….
“حصل… ومضطرة استحملك…مفيش قدامي حل تاني….”
قالت ممتعضة بانفاس متهدجة….
“لا فيه كل واحد يبات في اوضة وبلاش نقرف
بعض….”
رفض سلطان بحدة….
“لا هنقرف بعض بمزاجك أو غصب عنك…”
تمتمت تجلي صوتها بين ركام غضبها منه الأيام السابقة….. “استغفر الله العظيم….انت… انت.. ”
قاطعها سلطان بأسلوب همجي رديء….
“انا إيه…..كلمة كمان وهرجع امسمرك في السرير
عشان اوريكي القرف اللي بحق وحقيقي…”
رفعت داليدا حاجباها مصعوقة ثم تشدقت
بنزق…..
“تمسمرني ؟!….انت مفكر نفسك كده رومانسي…”
هز راسه بعدم اهتمام قائلًا بأمر خشن….
“والله كل واحد ومصطلحاته…بليل إرجع القيكي مستنياني في اوضتنا ولو لقيتك في حته تانيه غير السرير قولي على نفسك يارحمن يارحيم.. ”
رفعت شفتها العلوية بتمرد….
“بلاش تهددني عشان انا مش بخاف ولا بكش…”
التوى فمه بسخرية…
“تموتي لو قولتي حاضر ونعم….”
مد يده نحو حجرها فتجمد جسدها جافلًا وبعينين
واسعتين واجلتين نظرت له لتجده يفتح العلبة الموضوعة على حجرها والتي تحوي على كعكة البرتقال التي غزت رائحتها الشهية انفه فور دخولها السيارة…
اخذ منها قطعة وتذوقها وبدا بمضغها بجوع..فحتى الان لم يضع لقمة في معدته الفارغة عدا السجائر والشاي.. كالعادة المدللة تنام حتى الظهر ولا تكلف نفسها عناء الاستيقاظ حتى تعد الإفطار له فنادرًا ما تستيقظ قبله لتعد الفطور….
وهذا يحدث عندما تكون الأميرة في مزاج رائق يسمح بفعل شيءٍ رفاهي بنسبة لها ؟!..
أعجبه مذاق الكعك جدًا وشك في فكرة ان تكون
من تحت يدي داليدا التي لا تعرف في الطهي
إلا المكرونة…عنصر مبهر وشهي في عينيها فقط
اما عنه فهو يراها وجبة للأطفال مشبعة لكن
غير مغذيه…..
“متاكده انك انتي اللي عملاها….”
هزت داليدا راسها في الفور بنعم مصرحة…
“ايوا طبعًا… انا بقالي شهر بتدرب عليها….وكل مرة
بكتشف غلطه جديدة بتعلم منها لحد ما اتظبطت معايا ودي النتيجة….مالها هي وحشة….”
“ما لو وحشة مش هسألك السؤال ده….تسلم
إيدك…..”قالها وهو يمد يده وياخذ قطعة أخرى
ويضعها في فمه في قضمة واحده…
ابتسمت داليدا بحب وشعورٍ دافئًا عانق قلبها المتيم وهي تراه ياكل من صنع يدها بل وينشد بمنتهى الصراحة والعفوية بانها اعجبته الى الحد الذي
جعله ياخد القطعة الخامسة على التوالي !….
جفلت داليدا وهي تنظر الى العلبة التي لم يبقى
بها إلا ثلاث قطع من الكيك فقط لا غير…
“سلطان…..”
نظر اليها ببلادة وهو ياخذ القطعة السادسة وياكلها
غير مبالي باتساع حدقتاها بالذعر….
“انت كلت الكيكة اللي جيباها لـعمتك….”
رد غير مبالي يلقي اللوم عليها…
“كنت جعان….ماهو لو بفطر في بيتي زي الناس
مش هبقا جعان بالشكل ده….”
نظرت للعلبة الفارغة عدا من قطعتين فقالت
بحرج….
“دا مش مبرر يخليك تاكل الكيكة على فكرة
هروح للناس بالعلبة فاضيه…”
سحب العلبة من فوق حجرها واضعها امامه
قائلًا بايجاز….
“لا هتسبيها في العربية اتسلى انا في الوحدتين
دول لحد ما نوصل…وجمب عمتك في حلواني
نبقا نشترلها اي حاجة تدخلي بيها….”
سالته داليدا بهدوء…
“هو انت مش هتطلع معايا ولا إيه….”
هز راسه بنفي قائلا….
“لا عندي شغل قريب منك….قرب ما تخلصي قعدتك
رني عليا اطلع اخدك واسلم عليها….”
ثم استرسل بنظرة ثاقبة عليها…
“لحد دلوقتي مش فاهم اي سر الزيارة المفاجاة
دي….”
ازدردت داليدا ريقها وهي تقول بخفوت..
“ما قولتلك في التلفون…انت مش مصدقني.. ”
هز راسه بنفي قائلا بمنتهى الصراحة..
“بصراحة لا… بس انا مش همنعك اهي برضو
عمتك وصلة الرحم واجب علينا احنا الإتنين..”
……………………………………………………….
بدأت تتبادل النظرات بينهن بتوجس فالعمة وابنتها
غير مصدقين مجيئها اليهن في زيارة ودودة حاملة
قالب حلوى اليهن….
ضيقت وجيدة عينيها وهي تنظر الى ابنتها واشارت
اليها بحركة مدروسة بان تتركها مع ابنة اخيها وحدها قليلًا… ففعلت هدى على عجلة قائلة بود…
“هروح اجبلك حاجه تشربيها ياداليدا نورتينا..”
“لا مش عايزة خلـ…..”وقفت داليدا فجأه محاولة الحاق بابنة عمتها لكن وجيدة لم تعطيها الفرصة
فقد سحبتها من يدها بقوة لتقع جانبها على الاريكة
بلعت داليدا ريقها بخوف وهي تنظر لعمتها كمن ينظر
لقاتل متسلسل بعدة جرائم شنيعة….ابتسمت بصعوبة
قائلة بحرارة الخوف لا الشوق…
“وحشاني والله ياعمتي….”
رفعت العمة حاجبٍ واحد متغطرس قائلة
بشك أكبر..
“وحشتك إزاي…مانا لسه سيباكي إمبارح في الجنينة..”
ضحكت داليدا قائلة بمرح….
“ها… اه…مانتي علطول وحشاني ياجوجو….”
توسعت عينا وجيدة كمن قرصتها
حيه…
“جوجو ؟!…اي قلة الأدب دي يابت….”
بلعت داليدا ريقها بارتياع… “بدلعك ياعمتي….”
هتفت وجيدة بعدائية وهي ترمقها شزرًا…
“ليه احنا صحاب….تكونيش من سني عشان تاخدي
عليا اوي كده….انا اخت ابوكي اكبر منك مقام وسن
قال جوجو قال…دا انا جوزي مقالهالش ليا…تقوليها
انتي يامقصوفة الرقبة…. ”
بدأت داليدا وصلة النفاق بكلام منمق
مدروس..
“خلاص ياعمتي غلطة ومش هتكرر….مع ان الدلع لايق عليكي اوي على فكرة… واللي يشوفك ميقولش
خالص انك متجوزه ومعاكي عروسة على وش جواز..دا اللي يشوفك يقول انك اصغر واحده فينا
لا بجد عيني عليكي باردة….احلى جوجو في الدنيا…”
“برضو هتقول جوجو….”لكزتها وجيدة فتحسست
داليدا ذراعها متأوهه لتبدأ وجيدة برفع راسها قائلة
بغرور…..
“بس تعرفي انتي صح…. انا طول عمري حلوة بالك انا لو سبت شعري ودهنته جاز بالخروع… وحطيت
مسك البنجر على وشي هيورد كد ويفتح وبقا عسل… بس انا اللي مش بهتم…بعد المرحوم الدنيا اتقفلت في وشي….. مبقاش ليا نفس لاي حاجة…”
توهج صوت داليدا بالمكر قائلة…
“لا انا مش عجبني كلامك ده خالص ياعمتي ليه الحزن دا كله هو الحزن بيرجع اللي راح يعني…فين جوجو القمر بتاعتنا…. دا انتي كان عليكي حتة ضحكة تبهج الدنيا وناسها…”
ضحكت وجيدة وغز الخجل وجنتاها كفتاة في السابعة عشر من عمرها….
“اه مانا عارفه ابو هدى كان علطول بيقولي كده..”
ضحكت داليدا بارتياح قائلة…
“طب والله راجل عسل وبيفهم….”
ضحكا معًا بخجلا ومرح طفيف حتى تلاشت ضحكة وجيدة فجأة وضربت ركبة داليدا صائحة بتهكم..
“اخرسي يابت ماتخدنيش في دوكه… اي اللي جابك
الزيارة دي وراها حاجة ادخلي في الموضوع وبلاش
تلفي ودوري عليا… دا انا وجيدة برضو وافهمها وهي طايرة…. انا عارفه انتي جايه هنا ليه….”
تراجعت داليدا في مقعدها جراء قول
العمة فقالت بتخوف..
“عارفه ؟!.. عارفه إيه بظبط ياعمتي..”
سارت عينا وجيدة على ملامح الفتاة المرتابة
وبعد لحظات قاتلة من الصمت والتراقب..
قالت بدهاء..
“السبب اللي جابك لحد هنا…زعلانه انتي وجوزك
وجايه تغضبي عندي بدل ماتروحي لأمك اللي هتسمعك من المنقي خيار….وهترجعك ليه
غصب عنك.. ”
كان واقع وضع لذلك لم تطلب التأكيد…لذا ظلت داليدا مبهوته الملامح لبرهة حتى قالت بصوتٍ متحشرج وهي تقرأ المعوذتين سرًا…..
“غضبانه؟!…. لا ياعمتي مفيش حاجة من دي…
احنا كويسين اوي…الحمدلله.. ”
على وجه وجيدة الاحباط فقالت بنزق…
“كويسين….. امال جايه ليه طالما مش غضبانه..”
لكزتها داليدا بمرح….
“جايه اقعد معاكي شوية…. ونتساير وحشتني
قعدتك الحلوة ياجوجو….”
لم تتبسم وجيدة بل نظرت الى عبلة الحلوى مشيرة بهلع…. “اي اللي في العلبة دا يابت….”
نظرت داليدا الى العلبة ثم لها… مجيبة بفتور
“دا جاتوه ياعمتي…”
ارجعت وجيده راسها للخلف قائلة بفطنة…
“اه….. المرادي امك رشه العمل في الجاتوه.. عشان
ابلعه انا وبنتي وتبقا الشيله واحده…مش كده.. ”
قالت داليدا بعينين غير مستوعبتين….
“عمل ايه اللي في الجاتوه… وبعدين حرام تظلمي
امي…. ماما مش بتاعت اعمال ومتعرفش اني
جيالك اصلا..”
ثم اضافة بقنوط بعد صمت العمة المشككه
في الامر برمته….
“انا جايه اتكلم مع هدى شوية في موضوع….”
لمعة عيناه العمة فجاة بنشوة… “جيبالها عريس….”
هزت داليدا رأسها….”لا جيبالها شغل….”
ارتسم على وجه العمة القنوط والقسوة فقالت
باقتضاب..
“اتنيلي ماهي راحت خمستالاف شغلانه قبل كده وفي الاخر بترجع بايدها فاضية… لا عريس ولا
مرتب عدل..”
ظهرت هدى فور كلمات امها المقتضبة…فقالت داليدا
سريعًا تشهدها….
“احضرينا ياهدى….. عمتي بتضيع من ايدك شغلانه
حلوه اوي…. وفي شركة كبيرة كمان محتاجة موظفين بنفس الشهادة اللي معاكي قوللها حاجة…”
وضعت هدى صنية المشروبات ثم استقامت
متنهدة بأسى…
“ياريت والله ياداليدا… انا زهقت من قعدت البيت
ونفسي اطلع من اللي انا فيه…”
عقبت العمة بقسوة…..
“اللي هيطلعك من اللي انتي فيه الجواز اتشمللي
شوية….”
اسبلت هدى جفنيها في وقفتها الخانعة للقسوة
الموجهه لها دومًا مع حديث امها المحقن بالسموم….
نهضت داليدا قائلة وهي تسحب هدى من ذراعها
الى غرفتها بسرعة قصوى….
“هدى تعالي نتكلم في اوضتك… واحكيلك أكتر..
بعد اذنك ياعمتي…”
عندما دخلت الغرفة اغلقت داليدا الباب جيدًا..
فراقبت هدى تصرفها متعجبة سائلة….
“في اي ياداليدا…. بتشديني كدا ليه….”
دخلت داليدا في صلب الموضوع قائلة…
“بصراحه بقا انا لا جايه عشان شغل ولا نيلة انا
جايه عشان اسألك على حاجة مهمة…”
“اسألي قلقتيني في إيه.. “قالتها هدى وهي تجلس
على حافة الفراش ترمقها بتراقب وانتظار…..
اخذت داليدا نفسا متهدج ثم جلست على اقرب
مقعد مقابل لهدى وقالت بمقدمة لا بأس بها….
“احنا مش صحاب ياهدى ولا عمرنا كنا قريبين من بعض مش عشان فرق السن بالعكس أميرة اكبر منك
ومني ومع ذلك انا وهي صحاب أوي ومش بنخبي حاجة على بعض…..احنا مش قريبين عشان انتي اللي عايزة كده… وانا عذراكي لانك مضغوطة من زمان بسبب الجواز والسن والكلام العبيط ده…اللي
دفنا نفسك جواه لحد دلوقتي… ”
ظهر الازعاج على ملامح هدى فقالت
بتململ…
“انا مش فاهمه حاجة ادخلي في الموضوع
علطول…”
نظرت داليدا للبساط أسفل اقدامهن لثانيتين ترتب أعلاه الافكار والكلمات قبل النطق بها ثم عادت
الى هدى قائلة بنبرة حادة بعض الشيء….
“إمبارح واحنا في الجنينة شوفتك واقفه مع شاب
الشاب ده انا عرفاه…يعني كان بينه وبين صاحبتي
علاقة حب….بس هو طلع ندل وكان عايز يتجوزها
من ورا أهلها….وهي رفضت وسابوا بعض بعد
كده….اسمه عادل وساكن في الساحة في شارع
تسعة صح ولا انا غلطانه….”
ردت هدى بهدوء وبملامح متبلدة….
“صح…..بس عادل مستحيل يعمل كده…وبعدين
عادل ملوش علاقات نسائية….هو حكالي بصراحه
ان مشكلته انه بيشرب بس هو بطل من فترة قصيرة
لما قبلني وحبني…”
نفس الحديث الذي ألقاه على مسامعها يومًا انقلبت
معدتها وشعرت برغبة فالتقيؤ…فقالت بصعوبة
تفكر بصوتٍ عالٍ أمامها….
“حبك ازاي….وفرق السن اللي بينكم دا انتي اكبر منه بحاولي سبع سنين مش شايفه انه مينفعش… ”
بهتت ملامح هدى وبنظرة بائسه رمقتها…فعضت
داليدا على شفتيها شاتمه نفسها فالعفوية بالتحدث
في أدق الأمور حساسية من شيم الغباء وعدم المسؤولية……
“انا مش قصدي حاجة والله…انا بس بحاول اوضحلك ان لو العلاقة دي استمرت كلام الناس
هـ…”
قالت هدى بنبرة مهمومة يائسه…
“كلام الناس مش بيخلص ياداليدا…يقوله اتجوزت
واحد أصغر منها أحسن مايقوله عانس ومش لاقيه حد يبص في وشها….”
علت الصدمة ملامح داليدا التي عقبت
بدهشة…
“انتي سامعه نفسك ياهدى…انتي مش بتحبيه…انتي
عايزة تتجوزي وخلاص اي حد وده ممكن تدفعي تمنه غالي أوي….”
زمت هدى شفتيها قانطة….
“الكلام سهل…بس انتي لو مكاني هتقبلي باي وضع
واي حد عشان تخلصي من نظرات الناس وكلامهم وتخلصي من كلام أمك وتلقحها عليكي في الراحة
والجايه…قدام الغريب قبل القريب… ”
ثم اضافة هدى بعينين تلمع بدموع الحسرة…
“تعرفي ليه احنا مش قريبين من بعض ياداليدا
عشان انا بحقد عليكي وبغير منك عشان اتجوزتي قبل حتى من قبل ما تتمي العشرين…..تعرفي الكلام
اللي سمعته من امي الشهر اللي قبل فرحك ويوم فرحك..لسه حفظاه من وقتها.. كلمة كلمة وحرف حرف…”
اشاحت داليدا بوجهها شاعرة بقبضة جليدية فوق قلبها وعقلها يردد المعوذتين بخوف….
بينما تابعت هدى بوهن والوجع يشتبك بين
الاحراف بعذاب…..
” تحبي تعرفي قالتلي ايه ووجعتني إزاي…حتى لو عرفتي هتحسي بيا مثلا..ابدا اللي برا الدايرة عمره ما هيحس باي بنت بتعيش اللي بعيشه….بروح افراح
صحابي وبحضر سبوع ولادهم…وكل اللي يشوفني
يسمعني نفس الكلمة…عقبالك ياهدى…هنفرح بيكي
امتى ياهدى….”
“في اللي بيقولها شماته وفيه اللي بيقولها شفقة
وفي اللي بيقولها علشان مفيش غيرها يقولهالي..”
سقطت دمعتين من عينيها مضيفة بابتسامة باردة كروحها التي تجري في حلقة مغلقة….
“صحابي كلهم اتجوزوا ومع ذلك كل واحده فيهم
كانت بتبلغني بفرحها قبلها بيومين خوف من
الحسد…..وكنت بروح والبس حلو واتذوق زي
ما امي بتطلب مني…على امل أوقع واحد في
شباكي واتجوزه واخلصها من همي التقيل….”
“بس للاسف مكنتش بلفت الانتباه…كنت عادية
عادية لدرجة اني مش بتشاف وسط البنات الحلوة…”
حاولت داليدا المواساة بشفقة قائلة…
“انتي مش وحشة ياهدى…انتي جميلة وروحك حلوة
وطيبة وتستاهلي احسن حاجه في الدنيا… ومش معنى ان نصيبك اتأخر يبقا مش جاي….بس صدقيني
اكبر غلط انك ترتبطي بواحد زي ده…مش كويس
وبتاع بنات وبيشرب…. وحاجه اخر قرف… حرام تدفني نفسك بالطريقة دي…ابعدي عنه… ”
عليها ان تضحك الان ساخرة فقد اتى اليوم
التي تنصح فيه فتاة غيرها بألا تقع في الإثم
باسم الحب……فالثمن غالي وعظيم !!….
بينما قالت هدى بعدم تصديق…
“ابعد عنه ؟!… دا الانسان الوحيد اللي حسسني
اني مرغوب فيا…اني حلوة واستاهل اتحب….دا
اللي اداني قمتي…..”
قالت داليدا برجاحة عقل….
“قمتك مش في عيون الناس ياهدى…قمتك في عنيكي انتي…البنت اللي تحترم نفسها وتحافظ
على شرفها وتصون قلبها هي اللي قمتها فيها..
مش العكس…..”
بلعت مذاق كالصدى بحلقها وهي تضيف
بقلق…..
“هدى….الشخص ده مش كويس…صدقيني
بيتسلى بيكي….بلاش تغلطي غلطتي انا كنت
عامية ومشفتش الصورة كاملة فوقعت وربنا
برحمته وفضلة أراد ينجدني وينور بصرتي….”
انعقد حاجبي هدى مستفسرة….
“انا مش فاهمه حاجة….تقصدي إيه بكلامك
ده…”
قالت داليدا بوهن…..
“مش لازم تستفسري….اسمعي الكلام ياهدى…
انا خايفه عليكي… ”
نهضت هدى قائلة بتعنت…
“وانا ادرى بمصلحتي شكرًا على النصيحة يابنت خالي…..واطمني مش هجيب سيرة لعادل عن الكلام
اللي قولتيه عن صاحبتك…كاني مسمعتش حاجة..”
نهضت داليدا ايضا تمنعها قائلة…
“ياهدى افهـ…..”
قاطعتها وجيدة من الخارج قائلة بتذمر…
“بت ياداليدا….تعالي هنا كفياكي رغي من امتى الحب دا كله…..كل ده بتكلموا في الشغل…اطلعي
يابت منك ليها مش هفضل قعده مع نفسي…”
زفرة داليدا وهي تنظر الى هدى التي سبقتها
للخارج هاربة من الغرفة مغلقة خلفها الحوار نهائيًا
تاركها قلب داليدا يحترق بالخوف من القادم…
………………………………………………………..
عندما اتى المساء ظلت تتقلب على الفراش بعدم ارتياح الساعة تشير لمنتصف الليل حان معاد
وصول زوجها..
وبمنتهى العناد وتحدي اعتكفت في الغرفة الثانية تاركه غرفتهما الكبرى تسكنها اشباح الوحدة حتى ياتي سلطان ويقيم بها كحال أمس… وحده عقابًا له على دفاعة عن امرأه أخرى امامها… بل ويكبلها
خوفًا على العقربة من بطشها….. بطش تستحقه اضعاف مضاعفة منه….
مزال حديث هدى يتردد في اذانها بقسوة… مزال صدرها يحترق خوفًا من القادم فهي على دراية بان عادل اتخذ هدى وسيلة للانتقام منها ومعاقبتها على صفعة تلقاها منها يومًا…..
كيف تخبر الغبية البائسة انها بين يدي شاب مخادع.. يريد اغتيال قلبها وشرفها واسم عائلتها ليحقق اهدافه الدنيئة بضربها هي……
وكيف ستجرأ على أخبار سلطان بالأمر.. ستفضح هدى وتكسرها امام الجميع.. ماهو الحل الانسب للخروج من هذا المأزق وكسر شوكة هذا الحقير للأبد…
وكيف تشهر السلاح للأمام والحرب تأتي من الخلف بطرق غير شريفة ، ومنذ متى كانت الحروب تقام على الشرف !..
سمعت باب الشقة يفتح ومن ثم يغلق…فاغمضت عينيها بقوة وهي تسمع زر الاضاءة بالخارج ومن
ثم اغلاقه بعد لحظات من الصمت….
مطت شفتيها شاتمه سرًا..رغم عنادها وتكبرها امامه إلا انها اشتاقت بشدة اليه الى احضانه الدافئة وقبلاته المولعه بحبها وهمساته الوقحة المداعبة لانوثتها بين يداه….مفاتن تذوب له وحده
تعرفه قبل ان تدرك هي تأثيره عليها ؟!…
سمعت صوت باب الغرفة المجاورة تغلق فزفرت بضيق وهي تفتح عينيها في الظلام..قائلة بتذمر
“مجاش صحاني ليه زي ما قال…..هو مش قال همسمرك في السرير….رجع في كلامه ولا إيه…..”
عضت على شفتيها بقنوط وهي تضع الوسادة فوق راسها محاولة النوم…..لتمر الدقائق وتشعر بمن يتدثر خلفها مشاركها الفراش الصغير وهو يضم جسدها اللين بكلتا ذراعيه الصلبة….
اغمضت عينيها بدلال وحب فاقدة النطق او حتى الامتناع مما شجعه على تحريك يداه على جسدها يرسمه بصورة وقحة…حتى فلت تاوهها بضعف فوق ذراعه فزفر سلطان وهو يديرها اليه بنفاذ صبر هامسًا بصوتٍ عميق بث طوفان من الرغبة والشوق داخلها….”وحشتيني يادودا…..”
استنشقت انفاسه الساخنة المعطرة برائحته الرجولية
المميزة فـفغرت شفتيها وهي تعترف بضعف…
“وانت كمان وحشتني اوي ياسلطان….”
قربت شفتيها منه وهي تحيط عنقه بكلتا يداها مداعبة شعره بحب وعيناها تتلألأ في الظلام…
ذابت الكلمات على الشفاه بينما الانفاس والاجساد
ملتحمة في عناق حار شديد مشبع بالنشوة
والحب….
الأمر يبدأ بشجار حاد وخصام لأيام وربما أشهر
ثم ينتهي بأربع كلمات أولها(أشتقت إليكِ) واخرها(وانا أيضًا…)ومع أول عناق بعد ليالي
البُعد تمحى الكلمات ويبقى آثر الحب خفقاتٍ
تمجدهُ….
……………………………………………………..
دلف عاصم بكامل اناقته الى صالون البيت يبحث
بعيناه عنها بلهفة فقد استيقظ اليوم ظهرًا على غير
العادة ولم يجدها جواره رغم تنبهاته الصرامة عليها بالأ تتعب نفسها خلال تلك الفترة وتلتزم فراشها
في الشهور الأولى على الأقل….
لم يرى سوى الجدة نصرة في الصالون تمسح أحد
الفازات المذهبة بالزخرف برفق مركزة عيناها باهتمام
شديد عليها…..
تقدم منها عاصم ملقي تحية الصباح
ببشاشة…
“صباح الخير ياست الكل..” طبع قبلة على
جبينها…..فردت الجدة مبتسمة بمحبة..
“صباح النور ياحبيبي…أول مرة تقوم متأخر…”
حك في لحيته قائلا بلهفة…
“يمكن عشان مأجز النهارده…. هي شهد فين..”
قالت الجدة….”في المطبخ من الصبح……”
انعقد حاجباه متعجبًا… “في المطبخ بتعمل إيه….”
قالت الجدة بعد تنهيدة….
“مصممة تطبخ النهاردة بنفسها… لما عرفت ان اهلها
جايين…..”
ازداد وجوم ملامحه فقال بتجهم…
“دا كلام من الصبح في المطبخ… وازاي تسبيها ياحاجة….”
قالت الجدة برفق….
“حاولت والله ياعاصم بس مفيش فايدة فيها.. دماغها ناشفة بس اطمن ياحبيبي الخادمين معاها
وبيساعدوها وانا منبها عليها متقفش كتير…”
انتصب واقفًا وهو يزمجر بخشونة…
“منبها عليها… ودي هيفرق معاها تنبيه….”
“رايح فين ياعاصم….عاصم….” نادت عليه الجدة
لكنه قد اختفى عن مرمى ابصارها متجه الى المطبخ
بغضب ممزوج بالقلق على زوجته….
مما جعل نصرة تضحك وهي تحرك السبحة بين اصابعها داعيه بمحبة لهما…..
“ربنا يسعدكم ياولاد…ويكملك على خير ياشهد..”
عندما وصل للمطبخ داهم انفه عدة اصناف منوعة
جميعها تميز الطاهية التي اتقنت وابدعت فيهما
لتصنع من عدة مكونات اكلات شهية تسيل لعاب ممتلئي البطون من مجرد رائحة البهار الذيذة
فماذا عن الشكل والمذاق…..
ماهو سرك ياسيدة الحُسن؟!…
لطالما تساءل بينه وبين نفسه مررًا وتكررًا
عن سر تلك المرأه، التي استحوذت عليه سابقًا
بنظرة واحدة من عسليتاها ومالى للهوى بعد
كلمتين معها ، بل واغرم بما تصنعه يداها ويجيد
تمييز اطباقها الفريدة مذاقًا وشكلًا من بين
آلاف الطهاة…..
ويبقى السؤال واحدًا ماهو سرك ؟!..
ابصرها تقف امام الموقد الكهربائي تقلب في القِدر
وترش القليل من البهار في المقلاة المجاورة والتي
تحمر بها شيءٍ ذي رائحة شهية، ربما لحم لكنه يختلف عن رائحة اللحم التي عرفها طوال
عمره…..
كل شيءٍ من صنع يدها مختلف ومميز وكانها
تتحدى نفسها بموهبة فريدة تمتلكها….
موهبة كان يظن انها عادية كغيرها حتى تذوق طعامها حينها ظن ان الطعام رش عليه السحر
ليكن الأروع والالذ في فمه ويدمنه مع الوقت
كما أدمن سيدة الحُسن والجمال !…
أبصر الخدمتان يساعداها بجد مستمرين في العمل معها على قدم وساق كما امرتهما بل ومستمتعين بصحبتها جدًا حيثُ كانت تتحدث معهن بين الحين والاخر عن الطهي وبعض الوصفات الشهية التي يمكن اعددها بأقل التكاليف لعائلتهن الصغيرة
وايضًا بعض الاشياء التي تثير اهتمام النساء
عن كيفية تخزين الخضروات والفواكه بطرق
صحيحة وصحية…..
كانت ثرثارة بشكلا راقي ولطيف كحالها دومًا ملكة
تضوي في عيناه تمتلك من الرقي والتواضع
والخلق ما يسلب قلبه فيكن كالهلام في عشقها
ذائب في الشهد…..
توقف مكانه يتابع هذا المشهد البسيط العفوي
ويربط بينه وبين مشهد بعيد (لرُفيدة) عندما كانت
تقرف من مجرد المرور على المطبخ عن طريق
الصدفة بل وتصرخ على الخدم بتذمر وغرور
لمجرد ان احدهن تاخرت في جلب القهوة الصباحية لها….
أشياء لم تثير اشمئزازه يومًا بل لم يفكر بها ابدًا
لكن اليوم يسخر من نفسه للمثابرة على علاقة
لم تكن موفقة منذ البداية !…
سارت عيناه بشوق عليها ومضخة قلبه تزداد قوة
بين اضلعه….كانت ترتدي بنطال جينز ثلجي تعلوه
كنزة صيفية صفراء فوقها مريول المطبخ تلف شعرها
في ربطة راسخة للخلف وتترك الغرة متناثرة تخفي الجبهة وسماعة اذنها عمدًا…غرة يعشقها كعيناها العسلية البراقة وككل شيءٍ جميل ومميز بها….
هذا الجسد النحيف الانثوي يحمل طفله متى تظهر
علامات الحمل عليها ويرى بذرتهما تكبر يومًا بعد
يوم في تلك البطن المسطحة الناعمة…..
ازدرد ريقه وهو يتذكر ليلة أمس عندما ضمها الى احضانه بشدة وغمرها بالقبل الحارة في كل جزء بجسدها الغض خصوصًا بطنها المسطحة انهمر
عليها بالقبلات الحارة…يقبلها ويقبل طفلًا تمناه
يومًا بشدة ولم يتوقع ان يعوضه الله به سريعًا
من رحم أمرأه يعشقها بجنون…
أشار للخدمتان بيده بان ينصرفا من المطبخ فلبى
الطلب برؤوس منحنية بأحترام له….تاركين إياه مع زوجته التي لم تلاحظ وجوده حتى الآن فمزالت منشغلة على الموقد بين الاناء والمقلاة….
“هنية هاتي الملح….”قالتها شهد وهي تحرك المقلاة
عدة مرات منهمكة فيما بين يداها…
أبتسم عاصم وهو يبحث بعيناه عن الملح حتى وجد
علبة كبيرة بيضاء اعطاها لها دون تردد….
اخذتها شهد منه وقبل ان تفتحها عقدة
حاجبيها قائلة….
“جيبالي الدقيق؟!…بقولك الملح….”
زم عاصم شفتيه يبحث بعيناه مجددًا حتى رأى
علبة صغيرة بيضاء اعطاها لها….فزفرت شهد
بضجر بعد ان اخذتها….
“دا توم بودر….انتي اي حكايتك ياهنية بظبـ…”
بلعت الكلمة فور رؤيتها له يقف امامها بكامل اناقته
والهالة النظيفة الامعة التي تحيط به فقد ارتدى طاقم رياضي انيق يبرز جسده الرجولي الصلب
بقامة طول شديدة الهيبة ، كما صفف شعره
الأسود الغزير للخلف وشذب اللحية السوداء الامعة بشعيرات فضية بسيطه ترى عن قرب ويزداد
بها وسامة مهلكة لعيناها العاشقة……
كان يضع يده في جيبه وكما تنظر له بتراقب وعن
كثب ينظر لها كذلك…..وعندما فاقت من سحر طلته
المهلكة…..بللت شفتيها متلعثمة بحرج….
“مرضتش اصحيك قولت اسيبك نايم….”
لم تلين ملامح عاصم الصخرية بل انه عقب
بعتاب حاد….
“والله؟!…واحنا قولنا إيه إمبارح بليل ياهانم…”
تخضبة وجنتيها بغباء مع احمرار بسيط في اذنيها
وانفها….احمرار فطري يحدث عند الغضب والحرج.
ماحدث أمس لا يمت للكلمات بصلة..انهما كانا يعزفا
على أوتار الحب بلمسات الجريئة والقبلات الحارة
تطلق قلوبهما المشتعلة بالعواطف ترنيمة عن الهوى
وجمال الشعور به في أحضان بعضهما…..
لماذا يذكرها بليلة أمس وهي مزالت غارقة في تفاصيلها حتى الان….قالت بلا تفكير…
“هو احنا اتكلمنا إمبارح بليل أصلًا….”
لانت شفتيه في ابتسامة صغيرة او انها تتوهم
فقد اختفت سريعًا عن محياه وبقى الصمت
والجمود…..
“بتعملي اي بظبط….احنا مش اتفقنا ترتاحي
الفترة دي…ليه مش بتسمعي الكلام ياشهد….”
قالت شهد بتذمر وهي تتقدم منه وعيناه مأسورتين في نهر عسليتاها……
“ببساطه لاني مش متعودة على الراحة…يكفي اني
قعده في البيت اربعة وعشرين ساعة…كمان هلزق
في السرير كده كتير ياعاصم…..”
خفق قلبه متجاوب معها لكنه سيطر
على مشاعره بقوة مستنكرًا بخشونة….
“أول مرة اسمع حد بيقول مش بحب الراحة…”
قالت بهدوء وهي امامه وجهًا بوجه…
“انا مش بحبها ابدًا…..وبعدين ياعاصم انا حبيت ادخل النهارده المطبخ أعمل الغدى بنفسي بما انك اجازة واهلي جايين يزرونا أول مرة بعد الجواز…”
أحاط كتفها بكلتا يداه يهزها بخفه قائلًا
بقلق..
“ياشهد انا خايف عليكي…الموضوع لسه في
الأول….و…..”
ضاقت عيناها بتشكيك لئيم…
“قول بصراحه خايف عليا ولا على اللي في
بطني….”
انحنى حاجبه مندهشًا من تفسيرها للأمر…
“اي السؤال الغريب ده هو انا حبيته ليه مش
علشان ابننا احنا الإتنين….”
مدت يدها بنعومة تلامس ياقة السترة….
“السؤال مش غريب بس لهفتك عليه واضحة
أوي….”
ابعد غرتها عن عيناها قليلًا ثم تنهد امام وجهها الجميل قائلا بصدق….اختلج معه قلبها المتيم
به…..
“انا زي زي اي راجل ياشـهـد بتمنى يبقا ليا ولاد
عيلة وعزوه يشيله اسمي واسم أبويا ويبقوا سندي
لما أكبر….دا ربنا سبحانه وتعالى قال المال والبنون
زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات….”
قالت بابتسامة جميلة…
“صدق الله العظيم….يعني هو ده اللي انت
بتتمناه…”
هز راسه بنفي مصححًا وعيناه تلتهم تفاصيل
حُسنها بعواطف مشتعلة بشوقًا لا ينضب داخله
مهما ارتشف من رحيق الشهد…
“انا خدت اللي اتمنيته من ربنا.. والباقي كرم
كبير من عنده…لازم تعرفي اني بحبك اكتر
من اي حاجة في الدنيا دي …وحابب نفسي
معاكي وحابب يكون ليا ولاد منك انتي….انتي
وبس ياشـهـد…”
اغمضت عيناها بانسيابية الحب بعدما بدأ يقبل
حنايا وجهها بعاطفة جياشة….فهمست بعد
لحظتين تئن بالضعف…..
“عاصم….احنا في المطبخ….”
رفع راسه ناظرًا لعيناها مقترحًا بحرارة…
“تعالي نطلع الاوضة احنا مكملناش كلمنا إمبارح..”
ابتعدت هي عنه الى طاولة مستديرة فاخرة
الشكل تقبع في منتصف المطبخ الذي لا يقل
فخامة وعصرية كذلك…
“لا تعالى انت لف ورق العنب معايا….”
انكمشت ملامحه عابسًا وهو يراها تتخذ مقعد
امام الطاولة وتبدأ بلف (ورق العنب)….
فامتنع عاصم بتكبر….
“ورق عنب…..عاصم الصاوي يلف ورق عنب..انتي
بتفكري إزاي….عايزة تضيعي الهيبة ولا إيه…..”
ضحكت شهد بمرح قائلة بايجاز….
“الهيبة ملهاش علاقة بورق العنب اقعد وهعلمك..”
زمجر قائلا بحرارة…
“شـهـد….سيبي كل حاجة وتعالي معايا…”
رفعت حاجب التحدي قائلة بتعنت…..
“أسفة ورايا طواجن مستعجلة…وكلها ساعتين واخواتي يجوا ولازم استقبلهم بنفسي..وقبلها
اكون غيرت هدومي دي من ريحة الطبيخ…”
أمعن عاصم النظر الى هيئتها النظيفة المرتبة
غير مصدق انها تطهو منذ الصباح بنفس الهيئة
الصباحية المنعشة…..
فعقب بصدقًا منشد باعجاب..
“ريحة الطبيخ ؟!… لازم أعترف انك الست الوحيدة اللي شوفتها بتطبخ والمكان من حوليها نضيف وشكلها حلو وكانها لسه رجعه من خروجة حلوة وملحقتش تغير هدومها…..”
ابتسمت بظفر انثوي قائلة….
“دا انا على كده خارقة للطبيعة….بس انا ليا طقوس
كده قبل ما بطبخ….”
لمعة عيناه كشهاب خاطف قائلا بخبث….
“يمكن هو دا السر….واي هي طقوسك بقا
ياست الحُسن…..”
قالت بتلاعب…. “اقعد عشان احكيلك….”
جلس أمامها…. فقالت وهي تضع ورقة خضراء أمامه… “تعرف تلفه….”
اردف عاصم بشقاوة….
“أحاول….ادينا بنكسب خبرات جديدة….”
ضحكت بخفة فـتنة قلبه بها….ثم قالت بهدوء
“اقلب الورقه على الناحية الخشنة وخلي الناعمة برا
حط الحشوة حبات بسيطة… لف كده….”
فعل كما امرت مقلدها بمنتهى الدقة والخفة
وبعد ان إنتهى اخذت منه لفة (ورق العنب)
وهي تنشد باعجاب.. “طب مانت شاطر اهوه….”
سالها عاصم وهو يلف ورقة
أخرى…..
“مقولتيش برضو اي سرك…”
هزت رأسها باستياء وهي منشغلة في اللف على سطح الطاولة بخفة وسرعة عكسه تمامًا….
قالت بتململ طريف….
“نفس السؤال ونفس الإجابة….مش بتزهق يامعلم عاصم…”
رفع عيناه الصقريتين عليها مجيبًا دون
تقهقر..
“ابدًا ياشـهـد وراكي لحد ما أعرفه….”
اكتفت شهد بتبسم دون النظر اليه….وعندما لاحظت
انه نهض عن مقعده رفعت عينيها سائلة…
“رايح فين…..”
“هجيب الشغالين يساعدوكي…واروح انا أكمل شغلي
في الورشة….لحد ما الجماعة يجوا…”ثم لف حول
الطاولة واقفًا خلفها ومالى عليها طابع قبلة طويلة وبطيئة وحارة جدًا على وجنتها قائلا برفق….
“شوية واطلعي على اوضتك ارتاحي.. كفاية كده
ياشـهـد….”
اومات براسها بانصياع قائلة بصوتها
الموسيقي… “حاضر ياحبيبي…انت تؤمر.. ”
“قلب حبيبك ياست الحُسن….”مالى مجددًا
يمتص الرحيق من بين شفتيها الناعمة الحلوة…
“عـاصـم.. “همست بها شهد بخوف وعيناها
معلقة على باب المطبخ محاولة التملص منه لكنه
لم يعطي لها فرصة الهروب إلا حين أراد ذلك…
آه من الهوى ياحبيبي ، وآهات من هواك…
……………………………………………………….
ترجل الجميع من السيارة الفارهة السوداء التي يمتلكها (عثمان الدسوقي)والتي لأول مرة يستقلوا
بها….
خفق قلب قمر باضطراب وهي تنظر الى البيت الكبير
الفخم والحديقة الرائعة التي تحيط به والسيارات
خفق قلب قمر باضطراب وهي تنظر الى البيت الكبير
الفخم والحديقة الرائعة التي تحيط به والسيارات الفارهة المصفوفه خلف بعضها في المرأب…
وكانها في تلك اللحظة تحديدًا وقعت في صفحة من رواية كانت تقرأها منذ زمن عن البطل الثري البشع والقصر الفخم المظلم الذي لا ينير العتمة به إلا
أميرة جميلة اتت هنا عن طريق الخطأ….
ارجع حمزة شعره للخلف وهو ينظر للمكان بفتور
دون انبهار او تعليق بينما قالت كيان بعفوية
والتي تأنقت في ثوب نهاري رائع تاركه شعرها البندقي حرًا طليق على ظهرها…..
“واوو….شهد قعده هنا….دا شبه قصر شوفت زيه
في مسلسل السهرة إمبارح….بصراحه يجنن… ”
احتقن وجه عثمان وهو ينظر للبيت من الخارج بنظرة سوداوية حاقدة ثم لم يلبث إلا وأمر
الجميع بغلاظة….
“يلا منك ليها هتفضلوا واقفين ولا إيه…..”
جز حمزة على أسنانه وهو يسير خلف والده بجزع بينما الفتيات خلفه تشاهد الحديقة الخضراء والزهور
المتفتحة والنافورة الرخامية الرائعة والتي تهبط عليها الطيور مغردة بجمالًا….
عند رؤية الطيور ابتسمت كيان وهي تبعث رسالة
لسليم قائلة بشقاوة….(بوقو شيبويو…)
اتت الرسالة مع وجهًا مكفهر…
(اللهم ان كان سحرًا فابطله…نفسي في مرة نتكلم
زي الناس…معناها إيه الكلمة المكلكعة دي….)
ضحكت كيان وهي تكتب
بسرعة…
(معناها انك وحشتني….)
بعث وجه متهكم مرسلا….
(وكنتي هتخسري حاجة لو كنتي بعتيها كده… وصلتي ياعصفورة….)
ارسلت بحرارة….
(آه هندخل أهوه….مش كنت جيت معانا..)
بعث الرسالة بوجهًا متزمر….
(مش معزوم للأسف….انا لو عليا هستغل الفرصة
طالما هشوفك بعد ما صممتي سيادتك على الإجازة….)
ارسلت كيان وجهًا باكٍ معبر….
(كنت محتاجاها أوي…انت بقيت صعب أوي ياسليم
بذات لو عايزة اجازة منك… امال لو مش مخطوبين
هتعمل إيه….)
لم تتلقى منه رد فلم يرى الرسالة بعد…فارسلت
سريعًا قبل ان تغلق الهاتف….
(عمتا لازم اقفل الباب اتفتح وبدأت وصلة السلامات
باي…. هكلمك لما إرجع….)
وضعت الهاتف سريعًا في حقيبتها وهي تبتسم للخادمة التي فتحت الباب ليدلف الجميع للداخل ويكن في استقبالهم جميع أفراد العائلة الواقفين باحترام ورقي يرحبا بهم بحفاوة….
عدا تلك المرأة الشقراء الجميلة التي بدأت توزع
النظرات عليهم بتكبر وضغينة….
مما جعل كيان تمط شفتيها وهي تميل على قمر
قائلة بهمسًا حانق….
“مالها الولية دي عامله نفسها لمونه في بلد قرفانه
كدا ليه..”
القت قمر نظرة متمعنه على المرأة بطرف عينيها
ثم عادت الى كيان هامسة بخفوت…..
“سيبك منها انا ملحظة انها كده علطول من أيام
قراية الفاتحة فاكرة…”
لوت كيان شفتيها مستهجنة والقت اللوم
عليها قائلة….
“ماكله منك قعدتي تزغرطي وتهللي يومها لحد ما
افتكرتنا ناس بلدي….ودون المستوى.. ”
توسعت عينا قمر بصدمة بعد هذا الهجوم… فاشارت على نفسها وهي تسألها من بين اسنانها….
“يعني انا اللي غلطانه ياعقربة…..”
أكدت كيان بشيطنة….
“ايوا ياحرباية انتي اللي غلطانه ….”
اتكات قمر على اسنانها أكثر من اللازم قائلة
بنفاذ صبر…..
“طب احترمي نفسك عشان مقلش منك قدامها.. وتشوف دون المستوى على حق…”
غمغمت كيان بقرف…”بيئة…”
رفعت قمر شفتها العلوية مرددة…. “صفرة…”
تدخل حمزة الواقف جوارهن منذ البداية ويسمع
الهمهمات الحادة المنتقلة بينهن بسرعة البرق…
وبأسلوب فظ سوقي هتف بصوت خفيض…
“في إيه انتوا الاتنين وطوا صوت امكم شوية احنا عند الناس… ماحبكش ناقر ونقير هنا كمان…”
قالت كيان بمسكنة….. “هي اللي….”
اوقفها حمزة بنظرة ثاقبة….
“هششش… كيمو اتعدل عشان معدلكش بطرقتي..”
بلعت لسانها مطرقة براسها بضيق بينما مالى
حمزة على قمر محدثها بنفس الأسلوب حتى
يكون عادلًا بين الضرتان !…
“وانتي ياقمر زمانك….نقطيني بسكاتك شوية..”
عضت قمر على باطن شفتيها ملتزمة الصمت على
مضض…..
اتت شهد عليهم مرحبة بثلاثتهم بحفاوة وهي
تعانق كل واحد منهم باشتياق….
“وحشتني ياميزو… وانتي كمان ياقمر… عاملة اي
ياكوكي….”
ردت كيان بمحبة وهي تخرج من أحضان
اختها…
“الحمدلله ياشوشو… اي الحلاوة دي…”
ابتسمت شهد بحياء وهي تنظر الى ثوبها الربيعي
الرائع بعد ان اغتسلت وبدلت ملابسها متأنقة
حتى تستقبلهم كما يقول الكتاب….
آتى الدور على والدها في الترحيب فاقتربت
منه بابتسامة فاترة وامام الجميع قالت…
“عامل اي يابابا….”
اكتفى عثمان بهزة بسيطة باردة من راسه قائلًا
بصوتٍ مجرد من المشاعر….
“بقيت أحسن لما شوفتك…”
ابتسم حمزة بسخرية فوالده فاشل حتى في اتقان دور الأب الحنون على أولاده امام الناس اما عن
باقي الأدوار فهو بصراحة يبدع فيها دون مجهود..
اظلمت عينا عاصم وهو يرحب بحماه على
مضض….
“نورت المكان يا…. ياعمي….”
اكتفى عثمان بابتسامة صغيرة بينما ضاقت عينا
الهام وهي تتابع مايحدث بفضول…
تحدثت الجدة نصرة قائلة…
“نورتوا المكان ياجماعة دا احنا زارنا النبي…”
فأكد مسعد بابتسامة مرحبة وهو يشير على غرفة
الجلوس المفتوحة امامهم والتي تبرق بفرشها المذهب والتحف والانتيكات التي تزينها…
“والله عندك حق يا امي… اتفضلوا ياجماعة
واقفين كدا ليه…..نورتونا.. ”
امتلات غرفة الجلوس بهم جميعًا… جلسا الفتاتان
وحمزة على أريكة واحدة وشهد يجاورها عاصم
ثم يزن على أريكة أخرى اما الكبار فجلسا على
مقاعد وثيرة مجاورة…
دخلت الخادمة حاملة صنية عليها كؤوس من
الكريستال الفخم التي تحوي على عصير طازج
قدم لهم جميعًا..
بدا الجميع يرتشف العصير بصمت فتحدثت الجدة
نصرة تقتل الصمت بالقول الطيب….
“حقيقي كان نفسي اتعرف عليك أكتر يابو حمزة…بعد ماعرفت شهد وشوفت جمالها واخلاقها كان عندي فضول اشوفك واشوف أمها….اللي عرفت انها اتوفت من وهما صغيرين وده زاد احترامي ليك…انك قدرت تحتويهم بعد موت امهم….”
كبح حمزة ضحكة مقهورة واثناء كتمها سعل بشدة
مما جعل قمر تمسح على ظهره بعفوية هامسة بقلق وهي تمد له كوب من الماء الموضوع امامهم..
“بسم الله الرحمن الرحيم….خد اشرب ماية..”
نظر لبنيتاها الكحيلة وهو ياخذ منها الكوب ثم الى يدها التي تسير على ظهره ترسل موجات كهربائية
غير قابلة للترويض…..
بحسها الانثوي قرأت المعنى الخفي في عيناه.. فرفعت يدها كمن تم لدغها للتو….مشيحه بوجهها
عنه بحرج شديد…..
فرفع هو الكوب على فمه مرتشف منه القليل..
بينما قالت شهد بقلق….
“انت كويس ياحمزة….”
نظر لعينا اخته والتي فهمت سريعًا ما حل به فكانت
هي ايضًا تعلو ملامحها السخرية الممزوجة بالقهر بعد
كلمات السيدة الطيبة التي تتحدث بعفوية صافية كقلبها وثيابها البيضاء…..
“الحمدلله…. شرقه بسيطه…”
حافظ عثمان على ماء وجهه قائلًا بتأثر..
“انا طول عمري كنت ليهم الاب والام ياهانم…حتى
لما عرفتني شهد انها هتفتح مطعم في شارع الصاوي وهتشتغل فيه..رفضت ووقفت قصادها لاننا مش محتاجين احنا عندنا اللي يكفينا وزيادة ليه المرمطة ووجع القلب ده… لكن مع اصرارها وافقت مقدرتش اقف قصاد رغبتها…. انا معاهم كلهم كده…..”
كان مشهد ساخر….كما يُقال كوميديا سوداء فقد
التزم الجميع المشاهدة بصمت مريع تاركين
الممثل ياخذ فرصة اتقان الدور…
قالت الجدة نصرة باعجاب صريح….
“الشغل مش عيب وهي ماشاء الله عليها موهوبة
بجد…..ونفسها في الأكل لا يعلى عليه…”
تحدث عثمان ضاحكًا بفخر زائف…..
“طالعه لأمها…وجدها ابو أمها…كان طباخ شاطر وكان
فاتح مطعم كبير في اسكندرية اسمه (…..)…”
لمعة عينا الجدة بدهشة قائلة….
“دا بجد….انا كلت في المطعم ده زمان مع جدك ياعاصم…..”
ابتسم عاصم معقبًا بمحبة وهو ينظر
الى شهد..
“اي الصدف الحلوة دي…..”
شردت الجدة متذكرة تفاصيل صغيرة جميلة
جمعت بينها وبين زوجها الراحل في هذا المكان…
“المطعم كان حلو اوي وانا فاكرة وقتها ان مكنش بيدخلوه غير المقتدرين…والاكل كان حاجة تانية
وصاحب المطعم كان راجل محترم و ذوق….مش تقولي انه جدك ياشهد….”
ابتسمت شهد بحرج بعد هذا الاطراء….
“مجتش فرصة ياماما….ومكنتش اعرف انك تعرفيه……”
ازداد عمق الإبتسامة على محياها قائلة…
“لينا ذكريات حلوة انا وصابر في المطعم ده..هبقا
احكيلك بعدين….”
قال يزن بنبرة خاصة….
“يعني دي مش بس موهبة دي وراثه….”
ردت شهد بفتور وهي تنظر الى عاصم وحده
وكانها تخصه هو فقط بالحديث….
“مش عارفه بصراحة انا موعتش عليه لكن ماما حكتلي كتير عنه…”
غمغم عثمان بلؤم وهو ينظر نحو إلهام يخصها بالحديث على نحوٍ فاجئ البعض….
“الدنيا ضيقة والله ياهانم…..تفوت الأيام والسنين
في الاخر بنتقابل صدفه….ولا اي رايك يام يزن..”
تحدثت إلهام بنفور وهي ترمقه بكرهٍ أسود
هو وابناؤه……
“مش كل الصدف حلوة… في صدف بتبقى نهايتها
خراب على دماغ الكل….”
اكد عثمان بابتسامه بشعة….
“عندك حق بذات لو لسه مصفوش حسابتهم
القديمة….”
انعقد حاجب عاصم وهو يوزع النظرات بينهما بشك
كما فعل مسعد شاعرًا بشيءٍ مريب بين هذا الرجل وزوجته وكأنه يعرفها منذ زمن وبينهما سرًا يابى
كشفه امام الجميع فـيبقى الكلام مبطن لدرجة
تثير الريبة والشك نحوهما….
“السفرة جاهزة ياهانم…..”
اتت الخادمة تقطع الجلسة المريبة….وتنقذ إلهام
من العيون المتربصة عليها…
قالت الجدة بحفاوة….
“طب يلا ياجماعة نتغدى وبعد كده كملوا كلام
براحتكم… اتفضلوا… ”
……………………………………………
كانت السفرة مستطيلة وكبيرة تحتوي على كل مالذ وطاب من اكلات مصرية دسمة وشهية..اعدتها شهد
جميعها والخدم قاموا بتساوية الطعام كما امرتهم..
ترأس معقد السفرة مسعد وجواره على الناحية اليمنى والدته ثم زوجته وجوارها ابنها يزن ثم
حمزة وعلى الناحية اليسرى يجلس عاصم تجاوره
شهد ثم الفتاتان واخيرًا عثمان…..
شرع الجميع في الأكل بصمت وبعد لحظات قالت
الجدة نصرة باعجاب شديد…
“تسلم إيدك ياشهد….الواحد حاسس انا أول مرة يستطعم الأكل من سنين…..”
ردت شهد ببسمة صافية..
“بالف هنا ياماما نصرة…..”
تحدث حمزة بمناغشة قائلًا….
“شهد طول عمرها نفسها في الأكل لا يعلى عليه…الواحد اتشرد من بعدها….”
ابتسم البعض بينما قالت شهد وهي تنظر
بطرف عيناها الى قمر الجالسة جوارها….
“امسك لسانك ياميزو….كده الجو هيزعل منك.”
هتفت قمر بعفوية….
“بياكل وبينكر على فكرة….والله ياشهد بعملهم
أحلى أكل…هو وكيان ياكلوا ياكلوا وفي الاخر يقولولي بس مكنش قد كده..”
أبتسم حمزة وهو ينظر الى شفتيها الشهية المضمومة للأمام باستياء…..فأسبل عسليتاه وهو يتابع الأكل
بصمت…..
قالت شهد بمحبة….
“لا دا العادي بتاعهم…كانوا بيعملوا معايا نفس الكلام
وده معناه ان الاكل عاجبهم اوي بس بيغلسوا عليكي مش اكتر…..”
تنهدت قمر بجذل…
“طيب كويس طمنتيني…”
همست كيان بغيظًا شديد لقمر الجالسة
بجوارها…
“هو ده وقته ياهبلة…تحكيلها على اللي بيحصل في البيت على الملأ وقدام الولية الحيزبونه دي…”
قالت قمر ببلادة…
“طب مانتي بتحكيلها كل حاجة بتحصل…جت
عليا…”
هتفت كيان بضجر…
“مش بحكي قدام حد…بيني وبينها…دا انتي نيلة خالص ربنا يقوي أخويا عليكي….”
عيل صبر قمر فقالت بحدة تخرسها….
“اخوكي اللي فتح الكلام أصلا…بطلي غِل وصفار
شوية….”
مسحت الهام فمها بالمنديل بغرور قائلة
بضغينة…
“والله انا شايفه ان الأكل مش قد كده….عادي
يعني…. دي هنية بتطبخ احسن من كده…”
توقف الجميع عن الأكل ونظروا الى الهام
عدا حمزة الذي رماها بتعليق لاذع….
“واضح…. عشان كده خلصتي طبقك بسرعة….”
ضحكت الفتاتان بقوة بينما ضاق صدر الهام
وامتقع وجهها بالحرج الشديد جراء تعليق هذا السخيف شبيه أبيه عدا العيون التي ورثها
عن امه !…
مسك عاصم يد شهد وعلى مراى من الجميع
قبل كفها قائلا بصوتٍ حاني عميق…
“تسلم إيدك ياحبيبتي…الأكل طعمه حلو اوي
مفهوش غلطه…”
ابتسم بعض الجالسين برضا تام وهم ينظروا
لهما بمحبة….
بينما قالت قمر بمودة…..
“تسلم إيدك ياشوشو الأكل فعلاً يجنن..”
بادلتها شهد الإبتسامة…. “بالف هنا ياقمر….”
“قمر ؟!…أسمك قمر…حلو اوي أسمك…..”هتف بها يزن الصامت منذ بداية الجلسة يتابع الحوار بصمت حتى اخترق هذا الاسم المميز اذنه فعبر عنه بهذه المجاملة اللطيفة…
كان رد قمر عليه ابتسامة فاترة مجاملة…رآها حمزة الجالس جوار يزن والذي شعر بان هناك قرون
تنبت فوق راسه جراء هذه الملاطفات المتبادلة
بينهما….
بدفعة واحدة بسيطة من يده أوقع طبق يزن
على ساقه مما جعل يزن ينظر اليه بضيق
ناهضًا عن مقعده….
“اي ده….مش تحاسب…”
“مش لما تحاسب انت الأول….”قالها حمزة وهو
ينظر الى قمر بتملك…..
خفق قلب قمر بشدة وهي تسبل اهدابها بعيدًا
عن سطوة عيناه القوية…..
قالت الجدة برفق لحفيدها…
“حصل خير ياولاد….أطلع غير هدومك يايزن..
وأرجع عشان تكمل أكلك.. ”
“لا انا شبعت…عن اذنكم….”قالها يزن بتجهم
وهو يبتعد خارجًا من الغرفة…..
نهضت الهام بملامح مظلمة….
“انا كمان شبعت عن اذنكم….”ثم نادت على
الخادمة وهي تقرع الارض المصقولة بكعب حذاءها….
“هنية هتيلي الكوفي بتاعي على الجنينة….”
نهض عثمان على نحوٍ مفاجئ
قائلا… “سفرة دايمه ياهانم…..”
نظرت اليه الجدة مبتسمة بينما كان عاصم على وشك النهوض حتى يصطحبه لغرفة الصالون
لكن عثمان اوقفه قائلًا بابتسامة مدروسة…
“خليك ياعاصم انا مش غريب…انا هستناكم في الجنينة….”
اظلمت عينا مسعد وهو يتابع انصرافهما خلف بعضهما بملامح صخرية….
خرج عثمان الى حديقة البيت فوجدها تجلس على
المقعد امام طاولة مستديرة ومن حولها الطبيعة الخضراء والازهار المتفتحة متانقة بطاقم كلاسيكي فخم تطلق شعرها الاشقر للخلف وتخفي زُرقة عيناها بالنظارة الشمسية….
جلس عثمان على المقعد المقابل لها متنهدًا بخشونة وهو ينظر لنفسه من خلال انعكاس عدسات
نظارتها السوداء..
“والله زمان يا الهام…..”
مطت إلهام شفتيها وهي تلهي عيناها عنه في صفحات المجلة التي بين يداها….
نظر حوله ثم اليها مغمغمًا بازدراء لئيم….
“زمان مكنش يهدالك بالك غير واحنا مقضين
أليوم كله مع بعض….دلوقتي بتتهربي مني….
عجايب…هي الفلوس بتغير اوي كده…”
ضحكت الهام بسخرية وهي ترفع النظارة على
راسها لتواجه عيناه المحترقة في حبها….
“انت اللي بتكلم عن الفلوس !…دا انت مجوز بنتك
لعاصم الصاوي عشان تزودهم….”
ابتسم بخبث مضيفًا باستفزاز….
“مش بس كده وعشان اقهرك كمان…واجبلك اللي يشاركك في الهيلمان دا كله….ماهو اللي بياكل
لوحده بيزور يالومي…فاكرة الدلع ده…”
اتسعت إبتسامة عثمان بسماجة امام عيناها
الزرقاء المشتعلتان بالكراهية…فقالت ببرود
تخفي انفعالاتها….
“شايب وعايب بصحيح….انت بتفكر إزاي…تفتكر انا
ممكن احن لأيام زمان…للفقر وللقرف….دا انت غلبان
اوي ومفكر انا جوازة بنتك من عاصم هتهز شعره مني..لا فوق ياحبيبي…. انا برضو لسه هانم ومرات مسعد كبير العيلة وعم جوز بنتك وجايبه منه الواد
اللي هيكون بعد عمرًا طويل يعني مكان أبوه
في كل حاجه…..”
اخرجت نفسًا متهدج مسترسلة بتعالٍ…
“جوازة بنتك مسألة وقت وهتنتهي ياعثمان وعلى أيدي انا… وبكرة عاصم يرجع لرفيدة اختي ويطلق
بنتك بتلاته…..”
ضحك عثمان منتشيًا فالغضب التي تحاول اخفائه يظهر بوضوح بين ثنايا كلماتها…أردف بعد ان خفف
من ضحكاته العالية…
“مظنش يا لومي….شكله واقع لشوشته اوي..البت
برضو طالعة لابوها….من نظرة واحده جبته لحد عندها زي مانا جبتك زمان…. ولا ناسية…”
احتقن وجه الهام فمالت للأمام هامسة بحذر…
“وطي صوتك…. واقفل الحوار ده….الكلام ده فات
أوانه…. دا من عمر بنتك….”
استأنف وهو ينظر لها بوقاحة وكانها عارية
في عيناه…
“ما ده اللي مجنني…تفوت السنين وانتي زي ما
انتي يالومي….”
رن جرس الانذار في اذنيها وهي ترى مسعد ياتي
عليهما من الخلف…فجزت على اسنانها متصنعة
التبسم…..
“أخرس ياعثمان…واحترم نفسك وسنك… والمكان اللي واقف فيه….”
عندما وصل اليهما مسعد قال ببشاشة وهو
يتخذ مقعدًا بجوار زوجته….
“نورتنا والله ياعثمان بيه…..”
رد الاخر يتصنع الود وهو يرمق الهام بلؤم…
“بنورك يامسعد بيه…. اتفضل.. اتفضل… كنت لسه
مع الهانم في سيرتك….”
شحب وجه الهام بخوف بينما سال مسعد
بفتور…”خير ان شاء الله….”
بسادية نظر عثمان لوجهها الشاحب والهلع الساكن
في زُرقة عيناها فقال بخفوت شديد….
“خير طبعًا بشكر فيك…. حقيقي محظوظة بيك
الهانم ولايقين اوي على بعض….”
أحاط مسعد كتفها بذراع واحده قائلًا بسطوة
وهو ينظر الى عثمان….
“الهام دي حب عمري…. ربنا يخليها ليا….”
زفرت الهام بارتياح وهي تنظر الى
زوجها….”ويخليك ليا ياحبيبي….”
أشاح عثمان وجهه عنهما بإزدراء واضح…
…………………………………………………………..
جلست شهد بصحبة ثلاثتهم أسفل ظل شجرة
ضخمة كانا يتشاركا الجلسة ببال رائق بعد ان
اعدت شهد لهم نوعين من الحلوى المفضلة لديهم الأول نوعًا من الحلوى الفرنسية اكلير محشو
بالكريمة مغطى بصوص الشوكلاته…..والثانيه
(مهلبية..)اعدتها بطريقتها الخاصة التي تفضلها
كيان عن اي نوع حلوى أخرى….
أخذ حمزة واحدة من الاكلير ووضعه في فمه
معلقًا بهمهمات….
“بس البتاع ده جامد….قبل كده كنت عملاه بطريقة
تانيه….”
قالت شهد وهي تضع واحده في فمها…
“المرة اللي قبل كده كان حادق محشي جبنة…”
راقبت قمر استمتاع حمزة بهذا الطبق الحلو
فقالت لـشهد على نحو مفاجئ…
“ابقي علميني الطريقة ياشـهـد…اصله عاجبني
أوي….”
قالت شهد بابتسامة صافية…
“من عنيا ياقمر….لم اجلكم المرة الجايه هبقا اعمله
قدامك… “ثم نظرت الى اختها المنشغلة في طبق
(المهلبية)الكبير تاكل منه بنهم وبشكلًا مضحك
فسالتها وهي تضحك…
“عجبتك المهلبية ياكوكي….”
اكدت كيان وهي تضع الطبق جانبًا بعد ان انهت
نصفه…..
“دا سؤال الجواب باين من عنوانه.. انتي استاذة
في المهلبية ياشوشو عليكي إضافات كده بتوديها
في حته تانية….بتعليها… ”
بنظرة حنونة قالت لهما…. “بالف هنا ياحبايبي…”
ثم قالت بوجنتين حمراوان محاولة اخبارهما
بالخبر بطريقة مبسطه ولطيفة….
“بقولكم إيه…ماتيجوا نلعب لعبة الأفلام….”
لمعة عينا حمزة بخبث وهو ينظر الى
قمر…
“طب والله فكرة وقمر اللي فيها…”
هزت قمر راسها برفضًا تام…
“اي ده لا طبعا…..انا مش هعرف امثل…”
اصر حمزة بسماجة…. “لا حاولي ملناش دعوة….”
هزت قمر راسها بحرج فهي فاشلة في تلك
اللعبة….
“لا مفيش حاجة في دماغي…العبي انتي ياكيان مكاني….”
اومات كيان براسها ببساطه…
“ماشي امري لله…..”
حركت كيان يدها على شكل عجلة الافلام
السينمائية….فقال الجميع….
“فيلم…..”
هزت كيان راسها بتأكيد…ثم رفعت اصبعين
من يدها…فقال الجميع معًا…..
“من كلمتين…”
هزت كتفيها بدلال…فقال حمزة بغمزة
شقية…. “رقاصة…”
ضحكت كيان وهي تطبل بيدها في
الهواء…فقالت الفتاتان بعدم فهم…..
“بطبل…”
هزت كيان راسها بنفي فصاح حمزة بضحكة
منتصرة….
“الراقصة والطبال…”
ضحكت كيان قائلة وهي تصافح اخيها باسلوب
صبياني…
“لماح ياميزو….مع اني كان نفسي العبها على حاجة
كوري بس احترمت جهلكم….”
صفعها حمزة بخفة على مؤخرة عنقها فضحكت
كيان متأوهه متحسسه الضربة….
ثم استرسل حمزة…. “يلا انا هلعب….ركزوا ها….”
حرك يده على شكل عجلة الافلام
السينمائية….فقال الجميع….
“فيلم….”
أومأ براسه مؤكدا ثم رفع اصبعين من يده
فقال الجميع معًا..
“من كلمتين…..”
رفع ابهامه….فقالت كيان بتفكير…..
“تمام….”
هز راسه بنفي…فقالت شهد مفكرة بدقة…
“معلش…..”
زم شفتيه باستياء فتحدث قائلًا
بصبر….
“خلينا في التانيه….وركزوا….”
قبل كف يده من الناحيتين بنظرة راضية…
فقالت قمر سريعًا….
“الرضا….”
هز راسه بتأكيد…فاضافة بابتسامة واسعة….
“كده رضا….”
“جدعة ياقمراية….في امل منك…..”أكد حمزة وهو يضرب يده بكفها كما فعل مع كيان فضحكت قمر بسعادة وانتصار….
قالت شهد بحياء….”الدور عليا انا بقى….”
ركز معها الجميع….فحركت يدها بعشوائية…قال
حمزة باستفهام…
“فيلم يعني….”
هزت راسها بنفي… فقالت قمر بتفكير…”مسلسل….”
هزت راسها بنفي….فسالها حمزة بحيرة…
“أمال إيه…”
قالت شهد بابتسامة مهتزة…
“خبر….خبر حلو ركزوا….”
رفعت أصبعين….. فقال الجميع معًا…
“خبر….. من كلمتين….”
اشارت شهد على نفسها فقال الجميع بنفسًا
واحد بخفوت… “انتي….”
اشارت على بطنها مع رسم ارتفاع اعلى من مستواها…. فقالوا معًا بصدمة….”حااااامل……”
اكدت بابتسامة خجولة….
فتسمر ثلاثتهم بملامح مصدومة ينظروا اليها بأعين
شاخصة….وأول من تحدث كان حمزة الذي سالها
بابتسامة مشدوهة….
“انتي حامل ياشهد ؟!….”
اكدت بوجه متخضب باستحياء….
“ايوا ياحمزة حامل….هتبقا احلى خال في الدنيا..”
ضمها حمزة الى صدره مبارك لها…بينما قالت
قمر وهي تعانقها بعد اخيها….
“مش مصدقة ياشهد…..الف مبروك ياحبيبتي ربنا
يكملك على خير…”
بادلتها شهد العناق قائلة بمحبة
صادقة…
“الله يبارك فيكي ياقمر….عقبال فرحكم…”
قالت كيان بصخب السعادة وهي تعانق اختها
كذلك بحرارة…..
“يعني انا هبقا خالة قريب…دا اي الأخبار الحلوة
دي مبروك ياشوشو…..مبروك ياحلى شهد في الدنيا..”
عانقتها شهد بقوة وهي تشاكسها قائلة…
“الله يبارك فيكي ياكوكي….الخالة إللي هتفسد
أخلاق النونه بدلعها….”
خرجت كيان من احضانها مؤكدة بجذل…
“يجي بس وانا وهو هنخربها….دا هيبقا أول فرحتنا.. الله على الأخبار الحلوة مش مصدقة انك هتبقي
ام ياشوشو .. ”
اسبلت شهد عيناها قائلة بحرج….
“ولا انا ولا حتى عاصم…. بس الحمدلله سعادتنا بالخبر ده متتوصفش….”
قالت كيان بحماسية محببة للقلب….
“طبعًا ياشوشو…ربنا يكملك على خير ويشرف الأستاذ او الأستاذة وينوره البيت….”
ثم القت شروط الخالة الصغرى عن أول مولود
في العائلة….
“بس انا بقا ياشـهـد عايز اسميه في شوية
اسامي كوري انما ايه جامدين…..اي رايك لو بنت
تبقا يون دا معناه الموسيقى الناعمة…او اماي
وده معناه الحب…او هيسو وده معناه الجمال
او اونـ….”
قاطعتها شهد بابتسامة معتذرة….
“كيان مش هتنفع خالص الأسامي دي مع عاصم..
دا عايز يسمي عبد الرحمن على اسم ابوه..ولو
بنت هيسميها شهد على اسمي…..”
زمت كيان شفتيها بعدم رضا…فقالت شهد بعدم
اقتناع…..
“مش معقول هروح أقوله يون…واماي…و اسمها
ايه التانية….”
هتفت كيان بسرعة تحاول اقنعها….
“هيسو…وفيه اونمي وده معناه السرور..”
استلم حمزة دفة الحوار قائلًا بتهكم ساخر…
“والله دي اسامي تجيب اكتئاب مش سرور…الواحد
هيقعد ساعة على مايفتكر الإسم وفي الاخر لما
يجيب آخره خالص هيقولها تعالي يابت وروحي يابت….”
قالت قمر بلؤم وهي تكتم ضحكاتها….
“تصور تتوه منك في الشارع… وتيجي تسال عليها
الناس… هيسو… مشوفتوش هيسو…. تعالوا هيصو
معانا…..”
انفجر حمزة وشهد ضاحكين بقوة بينما كيان ترمق
قمر بعدائية فان تركت نفسها لشيطانها لمزقتها إربًا
الان…..
عقب حمزة وهو يمسح عيناه من الدموع
من شدة الضحك…. “جامدة ياقمراية…..”
قلدته كيان بفم معوج ناظرة لهما بقرف
شديد….”كااامدة ياقميااية…”
ثم اضافة لاخيها بتجهم شرس….
“خليك في حالك انت… اما نشوف هتسمي بنتك إيه..”
رفع حمزة كفه بكبرياء قائلًا…
“لا حاسبي انا متفق مع قمراية… هنسمي بنتنا
ان شاء الله نبوية…”
ضحكت الشقيقتان معًا….فقالت قمر بحنق
شديد…..
“اي اللي بتقوله دا ياحمزة…..احنا اتفقنا هنسمي البنت نجمة….”
عقبت كيان بسخرية لاذعة…..
“نجمة وقمر… يامحاسن الصدف ونعمة الاختيارات
المنيلة…..”
مطت قمر شفتيها باستفزاز….
“خليكي في حالك يابتاعت هيصو….”
قالت كيان بجمود…. “اسمها هيسو…. ياجاهلة….”
كانت شهد مستمرة بالضحك عليهم ويدها على بطنها وحين المتها معدتها من كثرة الضحك قالت بانين
متوسل…..
“خلاص بقا مش قادرة همووت….”
اسكتهم حمزة بتعليق فكاهي….
“اخرسه بقا… هتولدوها قبل معادها….”
ازدادت ضحكات شهد صخب فاصابت الجميع
بالعدوى وضحكوا معها فقالت وهي تنهض من جوارهم…..
“احيه بجد انا قايمة اشوف عاصم بالطريقة دي
البيبي هيفطس من الضحك….”
ابتعدت عنهما شهد وهي تضع يدها على بطنها بتلقائية والابتسامه تشمل وجهها المنير فرحًا
راتها إلهام هكذا من بعيد فغلت الدماء في عروقها
بحقد ودفعها الفضول لتاخذ الخطوة الثانية رفعت الهاتف على اذنها طالبة أقرب شخص بامكانه ان يغذي فضولها وتعرف عن طريقة مالذي تخفيه
تلك الحية….
“ايوا ياخلود…”
…………………………………………………………….
وضعت شهد صنية الحلوى وكاس من العصير امام
صديقتها بقلب شرفة غرفتها المكان الانسب لهن بعيدًا عن الجميع حتى يدردشا كما كانا يفعلا سابقًا..
“وحشاني والله ياخوخه… عامله إيه وبشير وولادك
اي اخبارهم….”
ردت خلود وهي ترتشف من كاس العصير
بتلذذ….
“الحمدلله ماشي الحال… انتي اي أخبارك في
الجواز مبسوطه….”
قالت شهد بتورد….
“اه الحمدلله كله تمام… سمعت انك فتحتي محل ملابس… مبروك….”
هتفت خلود بمسكنة وهي تضع الكوب بعد
انهاءها…..
“إيجار والله ياشهد قاطم وسطي وحياتك… الرزق مش قد كده ومعظم اللي بياخدوا مني هدوم بيشككو… وانتي عارفه الشكك بقا….”
هزت شهد راسها بتفهم مسترسلة بحنو…
“عارفه… معلش واحده.. واحده كل حاجة في أولها
بتبقا صعبة….وحشاني والله ياخوخه… وحشتيني
ووحشتني ايام وقفتنا في المطبخ ومطعم شارع الصاوي… كانت أيام حلوة… ”
وضعت خوخة قطعة من الشوكلاته في فمها
ومضعتها بحسرة….
“برغم انها كانت متعبه بس ايام زي العسل مش هتتكرر….يلا كل واحد بياخد نصيبة واهوه ربنا عوضك هتاخدي من الشغل إيه… ”
غامت عينا شهد بتيه وهي تنظر من خلال سور
الشرفة الى الساحة الخضراء المزدهرة…
“مش عارفه ياخلود… ان جيتي للحق انا هنا
مرتاحة اربعة وعشرين قيراط….بتعامل زي الهوانم
بس برضو حاسه اني فاضية من جوه…”
برمت خلود شفتيها بحقد دون ان تراها
شهد وعندما نظرت اليها شهد ارتدت خلود
الوجه الملائكي المتفهم للتقلبات النفسية التي
تعاني منها صديقة عمرها….
فتابعت شهد موضحة….
“مش بعمل اي حاجة غير اني اكل واشرب اتنقل
من الاوضة دي للجنينة للصالون…. مش بعمل حاجة
مهمة…. حاسه اني مليش لازمه….”
زجرتها خلود بغلاظة…..
“هو في اهم من انك تكوني مرات عاصم الصاوي..
انتي فقرية اوي بجد… مش عارفه انتي عايزة إيه..”
وكانها لم تسمعها شهد فاضافت…
“عايزه اعمل حاجة مفيدة غير قعدت البيت
اللي تجيب أمراض الدنيا دي.. ”
قالت خلود بتبرم….
“والله الشارع بيجيب الامراض الخبيثة… دا انتي كده مرتاحة بلا شغل وقرف وقلة قيمة…”
ثم لمعة عينا خلود فجأه بطمع فقالت
مقترحة…
“بس ممكن تسلي نفسك ونفكر انا وانتي نعمل مشروع صغير سوا انا بالفكرة وبالشغل وانتي براس المال والبركة في عاصم الصاوي….. اي رأيك….”
نظرت لها شهد قليلا ولم تكن ساذجة لدرجة ان
يقوم اي شخص باستغلالها هكذا دون موافقة
مسبقة منها ؟!….
تدعي السذاجة لكنها ليست بسذاجة فمن عرفها
عن قرب وصفها بالئيمة ولا يعرفوا ان اللؤم احيانًا
ينجي من سخافة متصنع الذكاء !….
قالت شهد بهدوء….
“بعدين نبقا نشوف الموضوع ده… الفترة الجايه
صعب اني اتنطط من مكان للتاني بحجة الشغل
عاصم مش هيرضا….”
ضاقت عينا خلود بشك…
“واشمعنى بقا الفترة الجاية في حاجة ولا إيه…”
إبتسمت شهد قائلة بفرحة عارمة….
“انتي مش غريبة ياخوخه.. انتي زي اختي.. اصلي
عرفت اني حامل من كام يوم….”
اتسعت عينا خلود بدهشة ممزوجة بالفرحة فهذا
الخبر حصري ….
“بجاااااد… لا لا… الف مبروك ياشوشو… فرحتلك
اوي… تعالي في حضني تعالي….”
نهضت من مكانها تعانق شهد بقوة والتي استقبلت
المباركة بحرارة……هتفت خلود في غمرة
الفرح الزائف…..
“يالف نهار أبيض مبروك…. مبروك ياحبيبتي…”
بعد ساعتين تقريبًا كانا يخرجا من الشرفة متجهين
الى باب الغرفة قالت شهد بحزن….
“برضو مصممة تمشي ملحقناش نقعد…”
ربتت على كتفها خلود قائلة بتملق….
“الجايات اكتر من الريحات ياشوشو واديني عرفت البيت هبقا اعدي عليكي علطول….”
“دا بيتك ياخلود…استني…” ابتعدت شهد قليلًا الى
طاولة الزينة فتحت الجارور واخرجت عدة أوراق
مالية ثم تقدمت من خلود وهي تمد المال لها قائلة
برفق….
“خدي دول ياخلود….”
ابعدت خلود الأموال ممتنعة وعيناها تكاد تخرج
من محجرها خلفهم….
“اي دا ياشهد انتي بتشتميني… ونعمة مانا واخده
حاجة….”
قالت شهد وهي تضع المال في يدها غصبًا…
“دول مش ليكي دول للكتاكيت الصغيرين جبلهم
حاجة حلوة وانتي مروحه….”
وضعتهم خلود في حقيبتها قائلة بحرج
زائف…..
“كتر خيرك ياشهد… مانتحرمش منك….”
صدح هاتف شهد فنظرت اليه ثم الى خلود
قائلة….
“دا عاصم استني أرد عليه… وانزل اوصلك….”
قالت خلود بسرعة وهي تتجه الى الباب…
“لا والله كلميه وانا هنزل لوحدي هو انا هتوه يعني
سلام عليكم….”
لم تعطي فرصة لشهد للرد بل خرجت سريعًا هابطة
درجات السلم وهي تلتفت حولها….
وعندما وصلت لردهة البيت الفخم رأت الهام تنتظرها
في الصالون المغلق…..
اتجهت اليها سريعًا…. وعندما راتها الهام سالتها
بعجلة وهي تقترب منها بسرعة…
“ها عرفتي حاجة…..”
فردت خلود كفها بدهاء.. “حلوتي فين الأول….”
صاحت الهام بنفاذ صبر فهي تجلس على
شوك منذ ساعتين كاملين…..
“اخلصي ياخلود… على حسب الخبر اللي هسمعه
منك…”
قالت خلود بنظرة منتصرة… “شهد حامل……”
وقع الخبر كسياط على وجه الهام التي وقعت
على المقعد جالسة عليه بصدمة…
“إيه…..انتي متأكده ؟!..”
أكدت خلود بنفس البسمة الماكرة…
“طبعا دا هي اللي قيلالي كده بعضمة لسانها…”
نظرت لها الهام بعجز شاعره بان الأرض تدور
بها في حلقة سوداء….
“بسرعة دي دي مبقالهاش شهرين….”
قالت خلود بحذقًا…
“عادي ياهانم في ناس بتحمل من ليلة الدخلة….”
سالتها الهام بتيه…. “وليه مقلتش لحد….”
قالت خلود بنظرة ماكرة…
“كله عارف… معاد انتي…. اصلها مقلقه منك حبتين
بتقول انها مش مرتحالك….”
ضاقت حاجبي الهام بتساؤل.. “وهي قالتلك كده….”
هزت الاخرى راسها بتكهن…
“مش بظبط…. يعني كلامها بيقول كده…”
انفعلت الهام قليلًا من هول الخبر التي
سمعته لتوها….
“يعني إيه مش بظبط هو انتوا مش صحاب… مش المفروض تحكيلك….”
ارجعت خلود راسها للخلف قائلة…
“لا يبقا انتي متعرفيش شهد… شهد بتقول اللي عايزه تقوله…لو اي بالذي حاصل معاها متقولش
غير بمزاجها حتى لو في ايديكي نجاتها متقولش..”
احتدت نظرات الهام بالكره فتلك الصفة من طباع
عثمان الدسوقي !…بينما تابعت خلود بحذق…
“وبعدين شهد طول عمرها حويطه على حياتها واسرارها بير غويط ملوش قرار…”
نهضت إلهام بعصبية…
“وطالما هي كده هزيتي طولك وجيتي ليه من الاول…”
رفعت خلود حاجبها بتجهم…
“الله…قولت اعمل محاولة..واديها نفعت اهيه
وجبتلك خبر حملها…اللي لسه عرفاه مبقلهاش
يومين…غلط انا….”
هتفت الهام بقرف…
“شكرا طريقك اخضر يلا من غير مطرود…”
صاحت خلود بشراسة….
“لا ياهانم بلاش معاملة مرات الاب دي…انا مش همشي بلوشي…..انا سيبه حالي ومالي وجيت
هنا عشان خاطرك فـ……”
قاطعتها الهام وهي تلقي حزمة من الأموال في وجهها بمنتهى الإهانة وقالت بازدراء…..
“خلاص انتي هتردحيلي….خودي مش عايزة اشوف
وشك هنا تاني….”
انحنت خلود تجلب الاموال من الأرض وهي تسب الهام سرًا التي كانت تقف خلفها تغمغم باستهجان..
“واضح ان وجودك زي عدمه…وكارتك اتحرق من
بعد المطعم اللي اتشمع…..”
بعد ان لملمت خلود الأوراق تبقى ورقتين فقط مدت
يدها لتاخذهم لتجد حذاء أسود يضغط عليهم قبل
ان تطلهم يداها….
رفعت عيناها الى صاحبة الحذاء لتجد عينين عسليتين مشتعلتان بصدمة والغضب…واخيرًا
النفور…..
وقفت خلود سريعًا في مواجهة صديقتها بينما جلست الهام على مقعدها تتابع المشهد الجبار
بعينين شامته…..
رفعت شهد الهاتف امام أعينهن قائلة بهدوء..
“نسيتي تلفونك…. ولما سالت هنية قالت انك
هنا….”
أخذت خلود منها الهاتف وهي تزدرد ريقها بخوف
فنظرات شهد القوية الشاخصة ترعبها…. والاموال التي تركتها تسقط مجددا أسفل اقدامهن صنعت مشهد خسيس بعنوان الصديقة الخائنة……
“شهد انا….”
لم تتوقع ان تنالها منها لكنها تستحقها بجدارة..
صفعة قوية قاسية كانت اشبه بسيف حاد اخترق صدرها فجعلها تشهق باكية منحنية الرأس كمن
يدفن رأسه في الوحل من شدة الخزي والعار……
إبتسمت الهام بتشفي وهي ترى المشهد يزداد
متعة في عيناها…
تلاقت عينا خلود بعينين صديقتها المشتعلة بالغضب
والاحتقار….والتي قالت بوهن
“مش مصدقة انك السبب ورا تشميع المطعم
وسجني يوم بليله في التخشيبة…وضياع تعب السنين….. ”
نزلت دموع خلود بغزارة فلم تلجأ الا للبكاء
في هذا الموقف المريع….فسالتها شهد بحرقة
قلب….
“ليه عملتي كده ياخلود…عشان قرشين زيادة..”
مسحت خلود عينيها قائلة
بصعوبة… “الحوجه وحشة و…”
صاحت شهد وهي توقفها بغضب سائد….
“بس.. بس بلاش الأسطوانة المشروخة اللي بنسمعها
في الافلام الهابطه….انتي لا كنتي محتاجة ولا كنتي في حوجة….ببساطه طماعة وخسيسة…ومطمرش
فيكي العيش والملح ولا الصحوبية اللي كانت
بينا…”
لم تجد شهد رد منها إلا دموع منهمرة على وجنتاها بخزي لم تهزها ابدًا بل كانت تشكك في مصدقيتها فربما هي نادمة على انكشافها لسبب واحد انها
لن تستفيد مجددًا من خلفها..وليس لأنها نادمة على الأذى التي تسببت به لها سابقًا والان !……
مسكت شهد ذراعها قائلة بانفعال….
“اطلعي برا ياخلود…مش عايزة اشوف وشك هنا
تاني….”
كانت سترحل خلود لكن شهد لم تحل وثاقها
بل اضافة بعنفًا قاسٍ….
“بس قبل ماتمشي وطي خدي الفلوس اللي بعتيني عشانها وطي جبيهم زي ماوطيتي راسك قدامها عشان تجيبي فلوس رمتها في وشك….”
هزت خلود راسها ترفض دون كلمة…فقالت
شهد بنظرة مزدرية…..
“بلاش تمثلي ان عندك الكرامة قدامي..وطي
جبيهم….”
بالفعل امتثلت خلود لامرها وانحنت تجلب الاوراق النقدية المتناثره أرضًا امام عينا شهد الشاخصة التي
وقفت جانبًا بساعدين معقودين امام صدرها شاعرة بالمهانة والذل اكثر منها…
وكيف لا ينتابها هذا الشعور المشترك وهم اصدقاء منذ سنوات طويلة وكانوا الأقرب دومًا لبعضهن..
اغمضت شهد عيناها وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها وغصة البكاء التي تهدد بالافصاح عنها
نهضت خلود ونظرت الى شهد نظرة أخيرة
قبل ان ترحل فبادلتها شهد النظرة بعينين
جامدتين ككرتين من الجليد ثم قالت بهدوء
الصقيع…
“ياخسارة ياخلود…. ياخسارة….”
غادرت خلود بعينين تذرفان الدمع تجر خلفها اذيال
الخيبة والحقارة على ما جنى طمعها، خسارة فادحة
صديقة لن تعوضها الأيام ولا السنين….
فكم بقى من العمر لنصنع أصدقاء أوفياء جدد
نختبرهم على مر سنوات طويلة لا نضمن ان
نعيشها كاملة !….
نظرت شهد الى رحيلها بقلب ملتاع بالحزن والفقد
فكل من عرفتهم سبلهم متشابهة اما الهجر او الغدر بها ؟!…
“عرض جبار…”
انتبهت الى هذا التعليق الساخر من فم أمرأه تود
تمزيقها باسنانها…او ربما احرقها في قبو مظلم حتى
لا تلطخ البساط الغالي….
اقتربت منها الهام ترمقها بتشفي متابعة..
“مشهد عن غدر الصحاب…. صعب برضو غدر الصحاب ده قلبي عندك….”
رمقتها شهد بملامح صخرية شديدة البرودة وببراعة اخفت كل مايعمتل في صدرها…
بينما الهام تتابع باسلوب حقير كياد…..
“بس بصراحه تستاهل مش عشان غدرت بيكي
عشان طماعه خدت مبلغ كبير ميستحقش الخبر
اللي سمعته… بس انا قولت اهو نقطة النونه..”
“مبروك ياشهد….”اقتربت منها لكي تعانقها
ابتعدت شهد خطوتين للخلف بنفور واضح
وبنظرة حادة اوقفتها….
فمطت الهام شفتيها باستمتاع لئيم…
“تؤ تؤ تؤ…كده أزعل دا انا عايزه ابركلك… اصلي فرحانه اوي بالخبر ده….”
بلعت شهد غصة حادة تشعر انها تشطر حلقها
لنصفين الان ثم تماسكت قائلة بجمود….
“الفرحة باينه في عينكي يالهام مش محتاجة
تقوليها بلسانك…”
عبس وجه الهام بضيق…فتلونت نظرة شهد
بالخبث قائلة بصوتٍ مبهمًا….
“بس المفروض انا اللي ابركلك… وعشان المشهد يكمل في عينك ويحلو لازم تعرفي آخر الاخبار
اللي انتي بعتي خلود تعرفها مني…. مع انك
لو كنتي سألتيني كنت قولتلك ووفرت عليكي
اللفه دي كلها…”
بلعت الهام ريقها بخوف…..فاقتربت منها شهد الخطوتين الفاصلتين بينهن وقالت بفحيح
مفجع في نفس إلهام….
“جيهان الكيلاني….”
تبادلا النظرات العدائية قليلًا حتى سالتها إلهام
بعدم فهم…. “مالها ؟!.. وانتي تعرفيها منين…”
“انا معرفهاش معرفة شخصية بس عرفت خبر
حصري يخصك أوي….” توقفت شهد عن الحديث
تلاعبها بمنتهى السادية ثم تشدقت بنظرة
متشفية…..
“جيهان دي تبقا ضرتك…. متجوزها جوزك عليكي من
شهرين فاتوا… وانتي ولا هنا مستغفلينك هما الاتنين وملبسينك العمة…
اتسعت عينا الهام بصدمة وجفلت حواسها
مصعوقة… وبدأت تاخذ انفسها بصعوبة…
وهي تسمع شهد تتابع بتبرم مستفز….
“اخيه على غدر الصحاب… هي مش دي برضو نفس جيهان اللي كنتي حضره البارتي بتاعها من كام يوم….وجيبالها هدية… ”
شحب وجه إلهام بشدة وارتجفت شفتيها بانفعال
واضح…فمطت شهد شفتيها باسى..
“تؤ تؤ تؤ…..وجعتك….ياترى الوجع دا كله حب في جوزك ولا حب في ماله اللي هتشاركك فيه واحده
تانيه….”
كادت ان تجلط الهام في وقفتها المتصلبة كتمثال
بلا روح او حياة يرمز لحالة الإنسان عندما يقع
فوق راسه مصيبة كبرى بلا حول منه ولا قوة…..
فاسترسلت شهد ببسمة واسعة ثائرة بالغضب
المكتوم…
“ولا تكونيش خايفه تجيب منه اخ ولا اتنين لابنك
اهو يونسه اخوهم ويشاركوا في الهيلمان معاه..
اي رأيك…انا من ناحية وجيهان من ناحية دي العيلة
هتكبر وتحلو….”
ضحكت شهد بقوة لاغاظتها فجزت الهام على
اسنانها وهي ترمقها بحقد اسود…..فقالت شهد بأسلوب كياد…
“اي ده انتي وشك أصفر وعنيكي احمرت كدا ليه…. تكونش دي أعراض السكتة القلبية….لا حول ولا قوة إلا بالله اسيبك انا بقا تكملي المشهد مع أحزانك…”
استدارت شهد مبتعدة بخطى هادئة ثابته..فانفجر
غضب الهام خلفها بصرخة مكذبة….
“كداااابه….انتي كدااابة…مسعد مستحيل يتجوز
عليا….”
توقفت شهد مكانها ودون ان تلتفت اليها قالت
ببرود….
“مش هتخسري حاجه لو اتأكدتي وطلعتيني
كدابة فعلا…
ولا انتي خايفه تتاكدي واطلع صدقه….”
ابتعدت شهد عنها في لمح البصر تاركه اياها تقف
في منتصف الغرفة بعينين جاحظة ووجه شاحب
قارب على اللون الرمادي من مجرد التخيل بانها
تذق اليوم من نفس الكأس التي تذوقت منه
كريمة سابقًا….كريمة صديقتها….
والتي كان كل ذنبها في الحياة انها وثقت بها وسلمتها مفاتيح كل شيء بمنتهى السذاجة
من أول بيتها حتى قلب زوجها !..
لكنها ليست ساذجة كـكريمة ولن تترك زوجها
لاخرى حتى لو اضطرّت ان تحاربه هو شخصيًا
لن تتردد في فعلها….
دفعت شهد باب الحمام الملحق بغرفتها… ومالت
سريعًا على حوض الاغتسال تتقيأ بقوة بانفاسًا مسلوبة وعينين شديدتا الاحمرار من شدة
الكتمان والضغط…..
بعد ان انتهت فتحت صنبور المياة وبدأت تلطم
وجهها بقوة بقطراتُ الباردة وهي تبكي وتشهق بهيسترية بين خرير الماء العالٍ….
لم تشعر باضعاف هذا القهر كله عندما شمع المطعم وسقط حلمها امام عينيها….
هذا القهر شديد الوطأة ، ببساطه لانها من الاشخاص
الذين يقدسوا الصداقة أكثر من أي شيء آخر لذلك
كانت خسارة خلود فادحة موجعة ومعذبة…
والاصعب من ذاك وذلك انها لن تقدر على العفو أبدًا مهما دارة الأيام…..لن تقدر على العفو !….
………………
بعد مرور( أربعة أشهر) على تلك الأحداث…
رواية الحب اولا الفصل الثلاثون 30 - بقلم دهب عطية
كانت تقف في المطبخ بصحبة أميرة وحماتها حنان
التي قالت بفرح وهي تقلب في الإناء….
“الف مبروك يا أميرة…عقبال الشهادة الكبيرة….”
تنهدت أميرة بارتياح والسعادة تشع من عينيها فها هي ابنتها الكبرى تنهي الثانوية العامة ملتحقه بالجامعة… قالت بجذل…
“الحمدلله ياماما… كانت أيام صعبة اوي كنت خايفة
متجبش المجموع اللي بتحلم بيه… الحمدلله كده
تقدر تدخل الجامعة اللي هي عيزاها…الف حمد وشكر
ليك يارب…”
ابتسمت داليدا كذلك وهي تمسح دموعها من اثار تقشير البصل…
“الف مبروك ياميرو عقبال التخرج….تبقى الشهادة في ايدها الشمال والعريس في الايد اليمين….”
ثم استدارت داليدا تتابع ما تفعله فاليوم الجمعة
وقد تجمع أفراد العائلة لقضاء يومًا عائلي معًا….
مسحت داليدا دموعها بعد ان انتهت من تقطيع البصل وخرجت قليلًا لردهة البيت تشم بعض الهواء فرائحة الطعام تقلب معدتها فتشعر بالغثيان كلما استطال وقوفها بالقرب منه…
جلست على أقرب أريكة قابلتها وهي تشعر بالدوار فور جلوسها….ثم فلت تاوه صادم من بين شفتيها بعض ان اصطدمت راسها بشيء صلب كالحجر….
أقترب منها أسامة على عجل قائلًا باعتذار…
“انا آسف ياداليدا مخدتش بالي…. انتي كويسه…”
نظرت داليدا الى الكرة الواقعة ارضًا ثم لعينا
الصبي الوسيم….فقالت وهي تحك جبهتها
“احمرت صح؟…”
اكتفى الصبي بايماءة صادقة فمسكته من ياقة قميصة بغضب مكتوم…..
“اعمل اي فيك… مية مرة اقولك ياتلعب فوق السطح
يافي مدخل البيت… احنا لسه مروقين يا أسامة…”
رد أسامة وهو ينزع يدها عنه…
“تيته مش بترضى تخليني اطلع فوق السطح عشان
عشش البط والفراخ… ومدخل البيت ضيق… خلاص بقا المسامح كريم…”
برمت شفتيها غافرة…..
“عفوت عنك.. فين توامك يحيى… حمبوزو لوي بوزو…”
جلس جوارها قائلًا بهمسًا….
“نايم….داليدا كنت عايز احكيلك سر….”
رفعت راسها للأعلى بملل لعلها تتخلص من
شعور الدوار…..
“بتحب بنت جديدة…سجى ولا نوران….”
قال الصبي بابتسامة واسعة… “اسمها جميلة….”
زمت شفتيها بملل أكبر…. “هممم وبعدين…..”
هتف أسامة بحرارة…
“حلوة اوي ياداليدا…دي بتنور في الضلمة…”
نظرت اليه بطرف عيناها مستفسرة…
“انت عندك كام سنة ياوس اوس.”
رد الصبي بعد ان نفخ صدره
بفخر…
“هكمل الاربعتاشر كمان شهرين…..”
تاففت داليدا متحسرة وهي تخبره…
“اربعتاشر ؟! وكل يومين بتحب واحده جديدة
وبرضو حلوة وبتنور في الضلمة….هي لمض بيتكم بايظة وعايز بديل ولا اي حكايتك…دا احنا مكناش عيال بقااا…”
ثم استرسلت بعد ان انكمشت ملامح
الصبي بعبس…
“تعرف انا كنت بكرش على مين وانا قدك يا
أسامة…على يوچين…ومزال فتى أحلامي
يوچين….”
“فتى أحلامك مين يامدام….”
قصف صوتٍ خشن من أحد الزوايا بهذا السؤال
البارد…
فنظرت داليدا اليه بارتياع بينما ضحك اسامة
بتشفي….
“البس عشان تتريقي عليا حلوو… ”
عندما أقترب سلطان منها بقامة طوله الشامخة
وجسده الضخم العضلي ارتدت للخلف في جلستها
قائلة بدفاع….
“دا دا…..دا كرتون….بطل في فيلم كرتون والله….”
جلس سلطان جوارها بعد ان نهض أسامة…
فقال سريعًا بعد ان لاحظ الكدمة الحمراء في جبينها… “اي اللي في وشك ده….”
“أسامة خبطني بالكورة….”اشارة على اسامة كطفلة تشكو لوالدها….فنظر سلطان للصبي شزرًا….
بينما اتسعت عينا أسامة مبررًا بسرعة…
“اي ده….في إيه يامرات خالي اكيد مش قاصد غصب عني والله….”
انحنى سلطان يجلب الكرة والقاها في وجه
اسامة بخشونة….
“اخر مرة تلعب في الصالة خد كورتك وامشي….”
التقط أسامة الكرة بمهارة قبل ان تصطدم
في وجهه….ثم مالى على خاله قائلا بخبث…
“ماشي…أوعى تنسى تحاسبها على يوچين ده لحسان انا سامع كلام مش كويس عنه بيقولوا
والله اعلم مسجل خطر… فخد بالك بقا منها….”
بعد ان غادر أسامة امام أعينهما ألتفت لها سلطان
قائلا بغيرة….”مين دا بقا فتى أحلامك….”
لوحت داليدا براسها تخفي حماقتها….
“ماقولنا كرتون بطل على ورق….عادي يعني دا الكلام
ده وانا صغيرة انا دلوقتي عقلت وبقيت بحب ناس حقيقيه…”
ضاقت عينا سلطان اكثر…فقالت برهبة….
“برضو ممثلين وميعرفوش اني اتخلقت أصلا….”
ثم تلونت نظراتها بلمعة مغرية مضيفة ببطئ شديد وهي تاسره بشقاوة….
“انت برضو اللي في القلب ياسلطن..هحب مين قدك انت…”
ابتسم سلطان مشيح بعيناه
عنها…
“وبقينا بنثبت كمان….”
قالت بدلال…. “من بعض ما عندكم….”
عاد لعينيها فاصطدم بالكدمة مجددًا فلمسها بيده
قائلا باهتمام….
“احمرت اوي…. خبطك جامد ولا إيه….”
قالت بهدوء…
“عشان الكورة ناشفة شويه علمت….”
“استني اجبلك حتة تلج تحطيها….”ابتعد امام
عيناها ثم عاد بمكعب ثلج…..وضعه على الكدمة
باهتمام يسلب به قلبها وعيناها معه….نظر سلطان
لوجهها مستفسرًا بقلق أكبر……
“بقالك كام يوم مش عجباني….مالك يادودا….”
خفق قلبها مع السؤال فانحنت عيناها بارق
قائلة….
“مش عارفه والله ياسلطان تعبانه اوي…حاسه ان رصيد الصحة بقا زيرو… والنفسية بقت تحت الصفر…”
اقترح عليها….
“تحبي نخرج شوية نتمشى على البحر….”
هزت راسها بنفي قائلة بكآبة…
“لو في يوم تاني هقولك يلا بينا بس حقيقي
مليش نفس لاي حاجة…..”
تافف سلطان قائلا بقلق…
“يبقا نروح نكشف ونطمن ونشوف اي اللي وجعك…”
رفضت داليدا قائلة بتذكر…
“بكرة مش هينفع هروح مع جنة اشتري فستان لفرح
كيان….خلاص مفضلش غير كام يوم عايزة أجهز عشان اروح أقف معاها….”
اوما سلطان براسه قائلا….
“حمزة كمان هيتجوز معاها في نفس اليوم…..وقفنا شغل في المصنع لحد مايرجع……”
سالته باهتمام زوجة….. “فاضل كتير في المصنع…”
رد عليها بفتور….
“فاضل المكن وهنبدا شغل بإذن الله….”
سالت داليدا…
“يعني خلاص خلصتوا الأوراق وجبتوا التصريحات….”
أكد سلطان بتنهيدة متعبة….
“اه الحمدلله كل حاجة بقت قانوني وهنبدا الشغل قريب بعد الفرح باذن الله…..”
وضعت يدها على كتف سلطان قائلة
بمحبة….
“ربنا يوفقكم ياحبيبي… انتوا تستاهلوا كل خير ..”
مسك يدها وقبلها قائلا بارتياح…
“ادعيلنا يادودا نحط رجلينا على أول الطريق وربنا
يكرمنا…انا مبسوط ان حمزة خد الخطوة دي…
وبدا يفكر في مستقبلة وحياته….”
قالت داليدا بابتسامة متزنة….
“واضح انه بيحب خطيبته دي أوي… عشان كده عايز
يبدا حياته صح…. ربنا يسعده….”
هتف سلطان مؤكدًا بشفقة….
“التلات اخوات يستاهلوا كل خير ياما تعبوا وقسو…ربنا يهدي ابوهم……”
رفعت داليدا عيناها للأمام لترى (امال)تدلف الى
ردهة البيت برفقة اسامة وابنتها دنيا في يدها
والتي تتخطى الست سنوات….
قالت بعدائية….
“اي اللي جاب الوليه دي هنا….”
انتبه سلطان لوجود امال فنهض فورًا قائلًا
بحزم…
“داليدا اهدي…الست مش جيالك دي جايه لامي واميرة تبركلهم على نجاح جنة…. مفهاش حاجة يعني….”
تعلقت بيده قائلة بغيرة….
“انت رايح فين….. وسيبني….”
نزع سلطان ذراعه بصعوبة عنها قائلا من
بين أسنانه….
“هضايف الست على ما أسامة ينادي امه…”
عندما اقترب سلطان منهن امام عيناها المشدوهة
اتجهت الصغيرة دنيا اليه قائلة بسعادة….
“بابا سلطان عامل إيه…..”
جحظت عينا داليدا بصدمة
مرددة بذهول… “بابا سلطان إزاي ؟!…”
“اهلا يادنيا ياحبيبتي…..”حملها سلطان وقبلها
بحنان فتعلقت الصغيرة في عنقه فرحب
سلطان بامها قائلا من باب الذوق…
“أهلا يام دنيا إتفضلي…..”
رمقته أمال بعتاب قائلة….
“لولا معزتي للحاجة انا مكنتش دخلت البيت ده تاني..” ثم مسحت عيناها من دموع لم تذرفها…
“انا واخده على خاطري منك اوي ياسي سلطان… دا انت حتى مفكرتش تراضيني بعد اللي عملته مراتك فيا…”
انزل سلطان ابنتها ارضًا معتذًرا….
“حقك عليا…. داليدا كانت اعصابها تعبانه شوية…
تعالي ياداليدا….”
اشار لداليدا بان تتقدم فاقتربت منهما بتلك المشية
المائعة ونظرة الباردة حتى وقفت جوار زوجها الضخم الذي كبلها من كتفها خوفًا من ان تتهور
في اي لحظة…
“تصوري… ام دنيا لسه واخده على خاطرها منك..
مش مصدقة انك مكنتيش تقصديها.. وانك كنتي مضايقه شوية وطلعتي عصبيتك عليها غصب
عنك يعني…. ”
لفهما الصمت قليلًا كانت داليدا ترمق المرأه من أول راسها حتى اخمص قدميها بتعالٍ فقالت بعدها بصفاقة…..
“بصراحة انا كنت قصدة….”
عصر سلطان لحم كتفها بين قبضة يده..
فتأوهت داليدا بتمرد….
“الله براحة…. مانا جيالها في الكلام اهوه…”
اغتصب سلطان الإبتسامة لامال التي لوت شفتيها بعدم رضا…
بينما قالت داليدا بإبتسامة انكمشت معها
ملامحها كمن يمضغ ليمون لاذع…
“بس مش انتي طبعًا ياخالتي ام دنيا…دي واحده حربوءة..بتحاول تخرب عليا اما انتي….انتي اكيد بتتمني ليا الخير باين على وشك السمح….”
اكدت أمال باسلوب مائع مستفز….
“اه طبعًا ياحبيبتي حصل خير…. المسامح كريم
وانا قلبي كبير…..”
نظرت داليدا لجسد أمال الممتلئ ومفاتنها
المكتنزة بصورة مستفزة….فغمغمت بحقد
“مش قلبك بس…. دا كل حاجة كبيرة ماشاء الله….”
ثم نظرت داليدا الى صدرها متبرمة سرٍ..
“انا شكلي هحتاج فتامينات الفترة الجاية….”
خرجت أميرة من المطبخ مهللة
بحفاوة…
“اهلا اهلا باموله عامله إيه….”
سلمت عليها امال بحرارة….
“الف مبروك ياميرو لجنة عقبال الشهادة الكبيرة….”
قالت اميرة بمودة وهي تبتعد عنها…
“تسلمي ياحبيبتي…عقبال ما تفرحي بدنيا…تعالي
تعالي ادخلي نورتينا….”
دخلا معًا الى غرفة الجلوس بينما سحبت داليدا
سلطان من ذراعه هاتفه بغيرة….
“سلطان تعالى هنا عيزاك….”
سار معها الى ان دخلا احد الغرف الفارغة
ثم اغلقت الباب بعصبية فسالها سلطان….
“في اي ياداليدا جيبانا هنا ليه…..مالك…”
سالته على نحوٍ مفاجئ…
“انت اي رايك في الست الكيرفي…..”
انعقد حاجباه باستفهام…. “اللي هي….”
قالت بجنون وبانفاسا عالية….
“اللي هي مليانه وكلها امكانيات في اي ركز….”
اجاب سلطان ببديهية… “اه حلوة دي أوي….”
اشتعلت عينا داليدا فجاة فقال مصححًا الخطأ
“ورفيعة جامدة برضو….كل نعم ربنا حلوة..
بس اي سر الاسئلة الهبلة دي..”
دفعته داليدا في صدره بغيرة مجنونة….
“كل نعم ربنا حلوة ؟!…اي الايمان والتقوى دي..انت بتلغوش على الحوار…..انت بتحب مين اكتر….”
رد وهو يكتم الضحكة…”السمبتيك طبعًا…..”
تشدقت بحرقة….
“كداب… انت كنت بتبص عليها من تحت لتحت….”
تشدق بصدمة… “اي الظلم ده محصلش….”
دبت الأرض بقدمها مصممة…”حصل….”
ضحك سلطان ولف عنقها بذراع واحده مقربها
منه وهو يقول برومانسيه….
“انتي هبلة ابص لمين يابت وانتي جمبي….دا
انتي مغطيه عليها…”
زمجرت بتعنت…. “كداب….”
اتكا على عنقها بخشونة فسعلت وهي تحاول نزع ذراعه القوية بينما يقول سلطان بعذوبة…
“اسمعي يام مخ قد كده….انا بحبك واللي بيحب
بجد لو مين بالذي واقف قصادة.. عينه وقلبه مش هيشوفوا غير حبيبه….وانت حبيبي…..”
حل وثاقها بسهولة..فبدأ قلبها يخفق بسرعة
جراء الكلمات والنظرات في عيناه….فسحبها
سلطان من خصرها قائلا بوقاحة…
“بما انك شدتيني من ايدي ودخلتيني الاوضة وقفلتي الباب علينا….يبقا أكيد بتفكري في
اللي بفكر فيه…”
“سلطان….حد يشوفنا…..”
حاولت التملص منه بدلال لكنه لم يعطيها الفرصة
بل مالى على شفتيها كي يقبلها بقوة ويثبت لها
انها المرأه الوحيدة القادرة على اثارة مشاعره
واشعال جسده بنظرة واحدة…..
انكمشت ملامح داليدا فجأه واضعه يدها على فمها
تمنعه من الاقتراب فشعور الغثيان داهمها مجددًا
بعد ان تخلل عطره رئتيها….
خرجت سريعًا راكضة ويدها على فمها….
“داليدا….داليدا……”
لحق بها سلطان والقلق يفتك به فهذا الأمر تكرر
على مدار أسبوع كامل ومزالت ترفض الذهاب
للطبيب متحججة باي شيءٍ تافه…
وجدها تنحني برأسها بتعب على الحوض بعد
ان إنتهت اقترب منها فقالت داليدا بحرج…
“أخرج ياسلطان بالله عليك….”
“انتي هبلة هقرف منك يعني تعالي…”قالها وهو يدعمها لتستند عليه ثم بدا يغسل وجهها وفمها
وهو يأمرها بصرامة….
“احنا هنروح للدكتورة النهادرة….”
هتفت بخوف… “بس…..”
هتف سلطان بجدية صارمة….
“والله لو اعترضتي زي كل مرة هتدخلي العيادة
متشاله على كتفي…”
اسبلت عينيها خانعة….فقال هو بحنو
“خليكي هنا على ما اخلي أميرة تجبلك عباية تلبسيها…”
…………………………………………….
سائل لزج كالهلام سار على بطنها المكشوفة وهي تستريح بظهرها على سرير الكشف بينما سلطان
يقف خلف الطبيبة التي تجلس على مقعد امام
شاشة سوداء….
بدأت تحرك الجهاز على بطن داليدا برفق وهي
تسالها بعملية…
“اخر مرة جتلك الدورة الشهرية كانت امتى
ياداليدا…..”
قالت داليدا بعد تفكير…. “تقريبًا…من شهرين….”
انعقد حاجب الطبيبة…
“شهرين بحالهم ؟!….اي اللي اخرك عن الكشف
كل ده….”
بللت داليدا شفتيها بحرج مجيبة…
“هي أوقات مش بتبقى مظبوطه ساعات بتتأخر..
عشان كده مشكتش في حاجة هو انا عندي اي يادكتورة….”
قالت الطبيبة بمرح طفيف….
“عندك نونه….زعلان ان مامته لحد دلوقتي مش واخده بالها انه بيكبر جواها ومحتاج رعاية
واهتمام اكتر من كده….”
جفلت ملامحهما معًا وهم ينظرا لبعضهما بغباء
منقطع النظير…فنظر سلطان للطبيبة بعدم
فهم… “يعني إيه الكلام ده يادكتورة…”
قالت الطبيبة بابتسامة مدروسة….
“يعني مبروك مراتك حامل في شهرين كمان…كان
المفروض تبدأ متابعة بدري عن كده…بس مفيش
مشكلة هبقا اكتبلها دلوقتي على علاج وحقن
تخفف الترجيع والدوخة شوية… ”
اقترب سلطان من داليدا وانحنى على ركبته ارضًا يمسك يدها سائلا بعينين تشتعل فجاة كالعاب نارية في سماء قاتمة….”يعني داليدا حامل فعلا….”
اكدت الطبيبة وهي تحرك الجهاز على بطن
داليدا….مشيرة برفق…
“هكدب عليك ليه…دا الجنين أهوه النقطة
الصغيرة دي ..وده نبضه عشان تتاكدوا أكتر.. ”
دوى صوت نبضات صغيرة جدًا ومتسارعة كمن يدب
على الأرض بقدمه بتذمر !..
انهمرت العبارات على وجه داليدا حتى غطت وجهها
وهي تطلق شهقة مصدومة ممزوجة بفرحة عارمة والحنين يضوي في عيناها الباكية لهذا الصغير التي لم تعرف بوجوده إلا الان….
نظرت داليدا الى سلطان و رأت في عيناه نظرة
جديدة عنيفة المشاعر دافئة المعاني ممتلئة
بالعشق لها وللصغير القادم…..
“مبروك ياداليدا…. ربنا يكملك على خير….”قالتها الطبيبة وهي تبتعد الى مكتبها….
ساعدها سلطان على النهوض وعندما وقفت امامه
وتقابلت اعينهما لم تمنع نفسها من البكاء في
احضانه….
راتهما الطبيبة هكذا فانسحبت لبضعة دقائق بصمت
مغلقة الباب خلفها….
ضمها سلطان لاحضانه بقوة هامسًا بصوتٍ متحشرج
في غمرة السعادة والحب…..
” مش مصدق ياداليدا….. انتي حامل… اللي سمعناه
ده نبض قلبه…. حامل في شهرين واحنا…. ”
وبخها وهو يبعدها عن احضانه
قليلًا….
“وإزاي مش واخده بالك كل ده…”
مسحت عيناها وانفها بظهر يدها كطفلة
مذنبة….
“ايش عرفني ان دي أعراض الحمل…”
لانت ملامح سلطان مع نظرة عيناها
البريئة وهي تقول….
“نبضه حلو اوي ياسلطان…سمعته…”
هز راسه بتأكيد وعلى محياه ابتسامة رائعة…
تغضنت زوايتي عيناها بارتياع متابعة ….
“انا هبقا مامي..طب إزاي…انا مش هعرف ابقى
مامي ياسلطان…”
طمئنها سلطان بعطف وتفهم….
“بكرة تتعلمي وتبقي أحلى واحن مامي في
الدنيا كلها… مبروك يادودا….”
ضحكة وهي تدفن راسها في صدره بدلال…
“الله يبارك فيك….خدني في حضنك ياسلطان
انا بردانه أوي من ساعة ماسمعت الخبر…”
ازدادت الإبتسامة عمق على محياه فضمها لصدره
يبث بها الحب والطمأنينة…ولسانه يتمم الحمد
والشكر لله…
……………………………………………………………
ابعدت الغطاء عن جسدها ببطئ وهي تنظر الى
ذراع زوجها الذي يكبلها من خصرها وهو نائم.
وكأنها ستهرب منه….
ابتسمت شهد بقنوط وهي تنزع ذراعه ببطئ…عنها ناهضة عن الفراش….
ارتدت مئزرها الحريري الطويل على المنامة المماثلة
له….ثم خرجت من الغرفة تسير على اطراف اصابعها
كالصوص…..
سحبت مقبض الباب خلفها واغلقت إياه بحرصٍ شديد…..تنفسة الصعداء وهي تضع يدها على صدرها
كمن يفعل جريمة شنيعة……
هبطت على السلالم بنفس الحرص حتى لا تصنع
بلبلة في المكان فالجميع نائم والساعة تشير لمنتصف
الليل…..
اثناء ذلك وضعت يدها على بطنها هامسة الى
طفلها المشاغب الذي يدفعها لاختراق القوانين…
“عجبك كده يا أستاذ….أبوك لو صحي دلوقتي
وملقنيش جمبه هيقول علينا إيه بس….”
دلفت الى المطبخ وهي تتحدث اليه دون ملل
او كلل تشاركه الحديث والجريمة كذلك….
“وبعدين….اي الوحم ده…مش فاهمة فين الشوكلاته
والفاكهة اللي المفروض تتوحم عليهم….”
اخذت العلب وبدأت ترصها على الطاولة مغمغمة
بحسرة….
“بتتوحم على مخلل…..مخلل ؟!…”
اخذت طبق ووضعت فيه انواع المخلل التي
وجدتها واكثر نوعين كانت تشتهي تذوقهم الخيار
والجزر….
بدأت تاكل بنهم وكأنها لم تاكل منذ الدهر…كانت
تاكل بشكلا مريع متلذذه بطعم الخضروات المنقوعة بالملح مذاقها شهي ورائحتها ذكية تروقها بشدة…
لم تكن من محبي الاكلات المالحة ولا المخللات
بانواعها لكن منذ ان بدأ الوحم وهي تشتهي كل
ماهو ممزوج بالملح بشكلا مبالغ وخطر… احيانا
ايضًا تزيد في وجباتها العادية الملح حتى تتمكن
من الأكل…..
هذا الأمر أصبح خطر عليها ونصحتها الطبيبة بالابتعاد عن تلك الوجبات المالحة…وحذرها
عاصم خوفًا عليها وعلى الجنين..
وها هي تخترق القوانين بعد يومين من الامتناع
وتعود للمخلات اللذيذة مالحة المذاق التي تلمع
في مائها ذائبة وكانها تذوب في العسل….
رفعت خيارة مخللة على فمها وقضمتها باشتهاء
وهي تئن باستمتاع فمذاقها شهي لدرجة تجعلها
مهما أكلت لا تكتفي وتطالب بالمزيد….
ان علم عاصم سيغضب منها بشدة….
وضعت يدها على بطنها تتحسسها برفق قائلة
بدافع الامومة….
“كله يهون ياقلبي المهم ننبسط انا وانت….”
سمعت صوت خطوات بالخارج تتقدم من
المطبخ فاتسعت عيناها بخوف وهي تحمل طبق المخلل وتجلس أسفل الطاولة تختبئ وفي فمها تتعلق قطعة من جزر المخلل….
بدأت تقضمها ببطئ وعسليتاها متعلقة على باب
المطبخ بارتياب….
دلف عاصم وهو يبحث عنها بعينين ناعستين فانتبه
لعلب المخلل المفتوحة على سطح الطاولة…
تركت خلفها آثر… اين هي ياترى….
اغمضت شهد عينيها بخوف وهي تعض أصابع الندم
ما كان عليها الخروج من الغرفة ماذا ستفعل الان ستكون امامه كطفلة مشاغبة لا تسمع الكلمة !..
راها عاصم أسفل الطاولة تجلس مربعة الساقين تضع امامها طبق المخلل وتاكل منه وهي شاردة العينين تفكر في الخروج من تلك الورطة…
رفع عاصم راسه للاعلى مبتسما فمنذ ان بدا الوحم
وهو يعاني معها بصورة مضحكة….
أنقلبت بشدة هرموناتها في الأربعة أشهر الماضية أصبحت شديدة التذمر سريعة الخصام… وليس البكاء بل الخصام دون حتى ان يفهم مالذي
ازعجها تتركه وتنام وتضع الوسادة بينهما
كحاجز مانع عنه…..
ولكنه في كل مرة يخترق حاجزها وعقلها الصلب ويشبع خديها وشفتيها بالقبل حتى تلين في احضانه مسيطرًا هو على تقلباتها السخيفة التي تخلقها من اللاشي…
حتى انها أصبحت اكثر حرارة في علاقتهما الحميمية
اكثر تجاوبًا واشتياقًا له عن السابق….وكان للوحم تأثير قوي عليها فقد فجر انوثتها المتطلبه للكثير
من الحميمية والتدلل منه….
وهذا كان يرضيه بشدة كرجلا يعشقها بجنون…
اما عن وحم الطعام فهي تشتهي كل ماهو ممزوج
او منقوع بالملح تاكله دون ذرة تردد واحده…
وقد أخذت اكثر من إنذار منه ومن الطبيبة ان المبالغة في الاكل المالح بهذا الشكل خطر على صحتها هي والجنين…..
لكن يبدو انها لا تبالي وكسرت القوانين من جديد
دون مراعية لاي أحد….
هل الوحم يلغي عقلها ويفقدها صوابها لهذا
الحد؟!…
مالى أسفل الطاولة ببساطه وسحب طبق المخلل
من أمامها كمن يعاقب قطة مشاكسة كي تخرج من حجرها وتعتذر…..
“اخرجي من عندك…..”
جملة واحده صارمة جعلتها تجفل في مكانها فانحنت
بخنوع تسير على ركبتها حتى خرجت امامه واقفة
كالمذنبون….
“احنا قولنا اي على المخلل ؟!!….”
قالت وعيناها مثبته ارضًا….
“كنت جعانه…. ولقيتوا قدامي…”
نهض عاصم ووقف امامها قائلًا بعتاب
حاني…..
“مفيش حد بياكل مخلل بطريقة دي.. والتلاجه
مش فاضية وانتي عارفة كده كويس….”
نظرت لعيناه بمسكنة قائلة بحزن…
“ياعاصم انا مش قادرة ابعد عنه… مينفعش يعدي
عليا يوم من غير ما اكل حاجة مالحة… بالله
عليك….”
زمجر عاصم بصرامة…
“بالله عليكي انتي اسمعي الكلام..الدكتورة قالت
كتره غلط….”
قالت شهد بدفاع….
“اديك قولت كتره غلط انا مكترتش انا كلت
وحدتين بس…..”
نظر عاصم للعلب المفتوحة على سطح الطاولة ثم للطبق الممتلئ نصفه بعد ان انهت النصف الآخر
“كل ده وحدتين وكمان كدابة….”
“خلاص بقا هاكل اللي في الطبق ومش هاكل
تاني خالص….”انحنت تاخذ الطبق لكنه ابعده
عنها رافضًا بحزم…..
“لا كتير…. كفاية عليكي دي….”
اعطاها عاصم شريحة من الخيار المخلل…فاخذتها
شهد وقلبتها بين يدها بعدم رضا….
“دي مش هتعمل حاجة ….”
حرك عاصم حاجباه بذهول….
“يعني اي مش هتعمل حاجة ياشهد…انتي ليه
محسساني اني بديكي ممنوعات….”
قالت شهد باشتهاء….
“دي احلى من الممنوعات هات واحده كمان
خليك جدع بقا ياعصوم….”
نظر لها بارتياب….
“عصوم ؟!….”ثم زم شفتيه وهو يعطيها قطعة
اخرى بعطف…..
“اتنين اهم مرضية كده….”
أكدت شهد وهي تمضغ بلذة
كبيرة..
“اه طعمه حلو أوي هات زتونة بقا…..”
رفض عاصم بحزم…. “ولا الهوا تعالي….”
وجدت نفسها ترتفع عن الأرض بين ذراعيه
القويتين…فقالت بخجلا وهي تنظر حولها
“عاصم بتعمل إيه حد يشوفنا….”
سار بها لخارج المطبخ صاعدًا درجات السلم…
واجابها بلا مبالاة….
“مايشوفونا هو انا خطفك… دا انتي مراتي…”
ابتسمت وهي تتعلق في عنقه بسعادة فمالى
هو عليها في لحظة خاطفة متشرب من رحيق
شفتيها الامعة اثار الأكل…
ابتعد عنها معلق وهو يداعب انفها بانفه
بحب….
“طعمها بقا مالح كده ليه…. فين الشهد ياشهد…”
قالت بابتسامة جميلة… “مش عجباك ولا إيه….”
قال بمراوغة جميلة أمام عيناها…
“وهي مسكرة طعم….وهي مالحة طعم تاني
مسكر برضو….”
مالى يقطف قبلة اخرى أشد حرارة من السابقة
وهو يدلف بها الى غرفتهما….
وضعها على الفراش وسحبها لاحضانه وشفتاه
مزالت ترتشف من عسلها المالح…..
ثم بعد لحظات اطلق سراح شفتيها لياخذا انفاسهما المسلوبة معًا همست شهد بضعف وهي تغرز اصابعها في شعره الغزير بمداعبه لطيفة…..
“عاصم…..”
قربها منه اكثر وهو يزمجر بتملك….
“أول واخر مرة تقومي من جمبي ياست الحُسن..
خضتيني عليكي….”
قالت بحرج وهي تدفن جسدها الصغير بين ذراعيه
وصدره العريض…..
“غصب عني ابنك صحاني من احلاها نومه.. ونفسي
راحت على المخلل….”
سالها وهو يأسر عيناها بالحب….
“وافرضي ملقتيش مخلل كنتي هتعملي إيه…”
قالت بعفوية وهي تنظم انفاسها بعد
هجومه العاطفي….
“كنت هاخد اي حاجة تقابلني ازودها بالملح واكلها..”
فلته منه ضحكة صغيرة يائسه فانحنى حاجبي
شهد بحزن…..
“ياعاصم اعمل إيه… غصب عني الوحم جاي
كده…. مش ذنبي والله….”
اوما براسه وهو يتحسس وجنتها بابهامه بتفهم
حاني….
“عارف والله.. وانا غصب عني برضو اني احرمك من حاجة عيزاها بس خلينا نسمع كلام الدكتورة ونخف شوية حوادق هي قالت كلي بس في المعقول….”
قالت بشفاه مقلوبة….. “هحاول….”
سارت يداه على مفاتنها بوقاحة
قائلًا…
“بما اننا صحينا سوا… تعالي احكيلك حدوته…”
حركت اهدابها بخجلا….. “حدوته قليلة الادب؟!….”
اكد وهو يطبع قبلة على انفها
الأحمر…
“بظبط…. تحبي تسمعيها….”
هزت راسها بحرارة قائلة
بجرأه… “احب أوي قول…..”
طالت نظراته العاشقة على عيناها العسلية اسفل الاضاءة الخافته فكانا يشعان بجملًا كشهب
ذهبية…..همس بصوتٍ عذب….
“بحبك اوي ياست الحُسن….”
اختلج قلبها بين اضلعها بعاطفة جياشة..
فقالت بابتسامة مشاغبة….
“دي حدوته رومانسية كده….”
هتف بخبث….
“ما قلة الادب جايه أصبري….”
تخضبة وجنتيها سريعًا فقال هو بضحكة
صغيرة جذابة…
“بموت فيكي وانتي بتحمري كده بتبقي شبه الطماطم الحمرة… عايزة تتكلي أكل…”
رمشت شهد باهدابها للحظة شاردة لبرهة عنه
ثم عادت اليه قائلة….
“تعرف نفسي اكل طماطم عليها ملح ورشة بهارات
بس هنحط ملح كتير عشان تتاكل وتبقا طـ….”
اسكتها عاصم بملامح واجمه….
“شهد ركزي معايا وسيبك من الملح اللي نقعه مخك
فيه من ساعة مالوحم اشتغل….”
انكمشت ملامحها بعدم رضا وقالت
بحدة..
“اي نقعه مخك في ملح دي… قصدك إيه…
لو سمحت انا مسمحلكش وسع كده….”
انتفضت فجأه من مكانها وسحبت وسادة
مربعة ووضعتها بينهما وهي تشن الحرب عليه
بنظرة باردة…فسالها عاصم وهو يكتم ضحكاته
بصعوبة….”بتعملي إيه؟…”
غمغمت بخصام…. “هنام عندك مانع…”
سالها بعبث…. “طب والحدوته….”
قالت بتهكم وهي توليه ظهرها….
“انا كبرت على الحواديت يامعلم عاصم…”
“بس انا بقا مكبرتش يامعلمة شهد….”ادارها اليه
عنوة عنها نازع الوسادة بينهما وملقيها ارضًا…
هتفت بدهشة….”عـاصـم….”
كان آخر شيءٍ تقوله فمن بعدها اغرقها في
طوفان عاطفي عنيف استسلمت داخله مع
أول همسة حب وقبلة حانية….
……………………………………………………..
في صباح يومًا جديد هبطت شهد على السلالم
بحرص وعلى اذنها الهاتف قالت بابتسامة رقيقه..
“ياكيان ساعة بظبط وهتلاقيني عندك…مش هتأخر”
صمتت تستمع لها وبعد ان انتهت ردت شهد
عليها….
“اه هبات الكام يوم دول…اه هقوله اكيد وهأكد
عليه كمان….ماشي سلام ياحبيبتي…سلميلي
على قمر..”
اغلقت الهاتف وهي تزفر بتعب متجهة الى الخارج حيث ورشة عاصم القابعه بجوار السرايا الكبيرة
اثناء سيرها وجدت من يعرقل طريقها بالوقوف
أمامها فرفعت شهد عيناها إليه من باب الذوق
القت التحية….
“صباح الخير….ازيك يا يزن….”
ابتسم يزن وعيناه تتلون بتلك النظرة الغريبة
والمعة المريبة….قال يزن بصوتٍ عذب….
“صباح النور ياشهد…اي أخبارك….مبروك على الحمل…”
وضعت يدها على بطنها بتلقائية…
“الله يبارك فيك….”
ازداد توهج عيناه فقال…..
“لو احتاجتي اي حاجة…انا موجود….”
قالت شهد بمناغشة….
“بس دا مش تخصصك يادكتور….”
وضع يده في جيب بنطالة بزهو…
“اديكي قولتي دكتور اكيد هيبقا مني فايدة…”
قالت شهد بابتسامة متزنة…
“اكيد لو وقفت عند حاجة هبقا استشيرك..واهوه نختبرك بالمرة عشان نطمن بعد كده على المرضى معك..”
ثم استرسلت بفتور…..
“صحيح عرفت من عاصم انك نجحت مبروك
عقبال شهادة التخرج….”
ضاقت عيناه بشقاوة قائلا…
“مبروك كده حاف…مفيش هدية كدا ولا كده….”
عضت على باطن شفتيها بحرج ثم بعد ثانيتين
قالت حتى تحفظ ماء وجهها….
“لا ازاي انا ناوية اجبلك هدية طبعا بس مش النهارده….”
سالها مستمتع برفقتها جدًا…. “لي كده؟!..”
اجابت شهد بهدوء….
“يعني الكام يوم دول هبقا عند اهلي عشان فرح اخواتي وكده…بس وعد هجبلك هدية في اقرب وقت….”
همس يزن بصوتٍ خافض…..
“اديني مستني….انتي الوحيدة اللي هستنا هديتها
على نار…..مع إنك لوحدك أحلى هدية ممكن الواحد
ياخدها….”
رفعت شهد حاجبها بوجل وقد رجعت خطوتين للخلف بصدمة فـتعثرت وكادت ان تسقط على ظهرها…..
تعجل يزن في لمح البصر ومسك ذراعها بقوة قبل
ان تسقط ولفظ بخوف….”حاسبي….”
نظرت شهد الى يده القابضة على ذراعها ثم لزرقة
عيناه واللهفة البادية على وجهه فوقعت في هوة
مظلمة مخيفة وتشوشت الرؤية وتضاربة الافكار
داخلها… ثائرة رافضة تصديق هذا الاستنتاج الـ
المتدني……
“يـزن…..اي اللي بيحصل هنا….”صاحت بها إلهام من أعلى السلم بعد ان رأت هذا التقارب الغير بريء ابدًا بينهما للمرة الثانية….
سحبت شهد يدها بملامح واجمة وعينين جامد
على هذا الشاب غير مصدقة انه ممكن ان يكون
هزت راسها ترفض التصديق فهي لم تكن متهاونة معه ابدًا في التعامل ليفكر بها بتلك الطريقة التي
راتها في عيناه….
انه الأقرب الى عاصم وعلاقتهم رائعة كالاب
والابن ؟!…
رد يزن على امه
ببرود….
“كانت هتقع فـبسندها….”
انسحبت شهد سريعًا عنهما كمن قرصتها
حية…”عن اذنكم….”
بعد ان ابتعدت شهد بخطوات سريعة مسكت
الهام ذراع ابنها وسحبته معها الى غرفة المكتب
الخاصة بوالده……اغلقت الباب ونظرت اليه شزرًا..
“اللي بتعمل دا غلط…”
رد يزن بعناد متهكمًا….
“اي اللي بعمله ياماما….ماقولتلك كانت هتقع…”
هتفت الهام من بين اسنانها بغضب….
“بص لعينك في المراية وانت بتبصلها…انت
مفضوح يابن مسعد…..أوعى تكون….”
هتف يزن بعصبية…. “ايوا بحبها…..ارتاحتي….”
اتسعت عينا الهام ووقع قلبها بين اقدامها
برعب…..وهي تشعر بانه لطمها بقوة….
“انت اتجننت دي مرات عاصم…ابن عمك…”
أردف يزن بنزق……
“اديكي قولتي ابن عمي يعني مش متحرمه عليا
لما تطلق منه….”
شهقة الهام وهي تنظر الى ابنها بعجز وكأنه حالة
ميئوس منها…
“فووق يايزن…انت واعي لنفسك….البت دي عملت
فيك إيه…..”
ابتسم يزن بهوس وهو يتذكر صورتها وهي
تبتسم له…..فقال بجنون….
“قولي معملتش إيه…بقولك بحبها….ومستعد أعمل
اي حاجة عشان تبقا معايا….”
ظلت الهام واقفه مكانها مصعوقة وهي تسمع
هذا الجنون على لسان ابنها الوحيد….فصاحت
بقسوة…..
“انت اكيد جرا لمخك حاجة….انت كده بتضيع
مستقبلك… بضيع كل اللي عملته عشانك… ”
رمقها يزن بنظرة باردة وكاد ان يرحل لكن الهام
تعلقت بذراعه قائلة بغضب أسود…
“رايح فين وسيبني….فوق ياما والله اطربقها
فوق دماغك ودماغها….”
بنظرة ونبرة غير مبالية اجابها….
“ياريت تعملي كده هتقصري عليا المسافة…”
نشبت في ذراعه بقوة وهزت جسده بعنف…
“انت اتجننت لو عاصم عرف… دا يقتلك ويقتلها…”
نزع ابنها يداها عنه قائلا
ببلادة…
“لم يبقا يعرف بقا….سلام…..”
خرج يزن امام عيناها الجاحظة بشكلًا مريع
فوقعت على أقرب معقد متمتمة بكراهية…
“البيت بيتهد فوق دماغي……كل حاجة بتضيع…”
رفعت الهاتف على اذنها صائحة بهيجان…
“عملت اي يازفت بقالك أربع شهور بترقبه مجبتش خبر عدل….”
رد الشاب على الناحية الآخر….
(الله ياهانم مش كنت بتأكد وبجبلك الاخبار السقع..)
مطت شفتيها بازدراء.. “واي هي الأخبار السقع….”
أخبرها الشاب بهدوء…
(الباشا بيتردد كل كام يوم كده على شقة في الـ***
لما استفسرت عليها عرفت انها باسم وحدة ست اسمها چهيان الكيلاني…..)
تلقت صفعة اخرى أشد قسوة من السابقة…
فقالت بصعوبة…. “انت متأكد….”
أكد الشاب بثقة أكبر…..
(الا متأكد دول ساعات بيطلعوا مع بعض منها قدام
عيني يقضوا اليوم سوا….)
“ابعتلي العنوان في رسالة…..”قالتها الهام ثم اغلقت
الهاتف وهي تنظر الى الفراغ بنفسًا سوداء وصدر
مختنق هاتفه بتوعد……
“ماشي يامسعد…..يانا يابنت الكيلاني….”
………………………………………………………..
دلفت شهد الى غرفة الورشة فوجدت عاصم يجلس
على مقعده في فمه مبسم الارجيله وفي يده قطعة
من حجر الزمرد البراق يقلبها بين يده بعينين ثاقبة
زارت الابتسامة وجهها الحزين فاقتربت منه
قائلة بغضب طفيف….
“احنا قولنا إيه على الشيشة يا معلم عاصم….”
رد مبتسمًا وهو يشير لها بان تقترب.
“دا مزاج يامعلمة شهد ومينفعش ابعد عنه…هي
عندي زي المخللات عندك كده…”
ضحكت بحرج وهي تقف جواره…
“طب الوحم ده حاجة مؤقته ومصيرها تنتهي
مش مزاج زي مانت لسه قايل….”
ترك مبسم الارجيله وركنها
جانبًا….
“اتعودت عليها هي والسجاير….”
هتفت شهد بقلق….
“غلط ياعاصم….صحتك ياحبيبي….”سحبها الى
احضانه واجلسها على ساقه قائلا وعيناه تتشرب
من حُسنها…..
“هحاول اخف منها عشان خاطر حبيبي دي بس..”
ثم مالى عليها طابع قبلة الصباح على وجنتها المتوردة….. “صباحك زي الشهد….نمتي
كويس امبارح….”
قالت بعينين جميلتين وهي تعبث في زر
قميصه …..
“اه كويس أوي…انت اللي قومت من جمبي
المرادي أهوه….”
اشار لها على الطاولة القابعة امامهم…
“طلبيه مستعجلة وكان لازم اشتغل عليها…”
اومات شهد برأسها بتفهم…فمسح هو على
وجنتها بابهامه وعيناه تاسرها بالحب…..
“مالك ياشهد شكلك زعلانه…”
“مفيش حاجه ياحبيبي…..”ثم نهضت فجأه ودارت
حدقتاها في المكان قائلة بجذل….
“المكان شكله حلو أوي….وكان الواحد دخل منجم
دهب….”
كانت الورشة رغم صغرها إلا انها تحتوي على كل
ماهو ثمين وباهظ الثمن….تفوح منها رائحة غريبة
ومقبولة كذلك….منظمة بشكلًا رائع كل شيءٍ في صناديق خشبية مخصصه لها….
مسكت شهد احد سبائك الذهب الصغيرة الموجوده في صندوق خشبي متوسط الحجم….سالت بعفوية
“بتصنع من دول الخواتم والسلاسل….”
اردف عاصم بمزاح…..
“اه…..تحبي تاخدي واحده….”
ضحكت بدهشة وهي تنظر الى سبيكة الذهب اللمعة بشدة بين يدها….
“اي ده ؟!! وكانك بتديني شوكلاته…”
“تساوي كام دي….”
ضيق عيناه لبرهة وهو يخبرها بعملية….
” على حسب الوزن…دي سبيكة دهب عشرة جرام
دهب صافي…حاليًا سعرها.*….”
رفعت حاجبها بذهول بعد ان نطق السعر…فقالت وهي تدور بعيناها في المكان…
“يااه….دا انت مش لازم تسيب الورشة كده…”
رد عاصم بهدوء…..
“مقفولة اكتروني مش بتفتح غير ببصمة الايد..
وبكلمة السر….”
سألته بنظرة شقية… “واي هي بقا كلمة السر…..”
سحبها مجددا لاحضانه واجلسها على ساقه
قائلا…..
“تاريخ أول يوم شوفتك فيه زي اللي محفور
على الدبلة…”
اشار على الحلقة الفضية في اصبعه…فقالت
شهد بدلال….
“اي الرومانسية دي كلها….بتحبني اوي كده.. ”
“بموت فيكي….”قالها وهو يدفن وجهه في عنقها
طابع القبل على جيدها…..
قالت شهد بضعف وهي تداعب شعره
باصابعها…”عاصم….”
اكتفى بهمهمات خشنة…فقالت شهد بخفوت…
“انا كلها ساعة وهروح عند اهلي زي ماتفقنا هبات
الكام يوم دول معاهم…انت عارف بقا الفرح والتجهيزات….”
رفع راسه اليها قائلا بوجها عابس….
“مع اني مش بالع حتة مبياتك بعيد عني الكام
يوم دول بس هعمل إيه ظروف وحكمت…”
مررت يدها على لحيته السوداء
المشذبة…
“انا كمان مش حبه ابعد عنك…”
هز رأسه بنفي قائلا وعيناه تسافر فوق ملامحها
الجميلة المتوردة بسعادة الحب….
“كدابة ياست الحُسن انتي ما صدقتي تبعدي عني
وترجعي تقعدي مع اخواتك…. هو انا مش بشوفك
وانتي قاعده معاهم بتبقي عاملة إزاي… ”
سالته بحيرة…. “ببقا عاملة إزاي؟!….”
رد بصوتٍ غلبه الحزن….
“بتبقي حد تاني ياشهد….ببقا نفسي تبقي معايا
كده..”
هتفت شهد مستنكرة هذا الاتهام…
“اي الكلام ده ياعاصم…وانا ببقا معاك ازاي يعني..”
اخبرها بصدق احساسه نحوها….
“بحسك بعيد ياشهد حتى وانتي في حضني..وكأن
في حاجه بتشدك بعيد عني….”
تسمرت مكانها تنظر اليه بتيه…..فابتسم عاصم
مغير الموضوع قائلا بمزاح…..
“مجرد احساس…واضح ان المعسل ده في حاجة..”
ساعدها على الوقوف قائلا بهدوء…
“يلا اطلعي اجهزي عشان اوصلك في سكتي
وبعدها اطلع على الصاغة أكمل اليوم هناك….”
…………………………………………………………….
وصل الى الصاغة منذ ساعة ونصف تقريبًا بعد ان اوصلها وسلم على اهلها مبارك لهما…
كان يجلس خلف مكتبه يقلب في ملفات
الحسابات…فدلف اليه صديقه حكيم الذي هلل
قائلا باسلوب فكاهي….
“اي ياحولم اي أخبارك….”
رد عاصم بترحيب…
“بخير ياحكيم….انت عامل إيه.. قعد….”
هتف حكيم بعتاب بعد ان جلس…
“اي ياعم هو الجواز هيفضل لحد إمتى واخدك
مننا..من ساعة ما اتجوزت من البيت للصاغة ومن الصاغة للبيت اي حكايتك هي المدام حالفه عليك
ولا إيه….”
ضحك عاصم يشاكسه بالقول….
“مش كده ياحكيم بس تقدر تقول لسه عريس
جديد….وفي شهر عسل… ”
فغر حكيم شفتيه قائلا باستنكار….
“فين شهر العسل ده دا كلها كام شهر وتشيل حولم
الصغير….وبعدين مانا عملت شهر عسل اكتر من تلات
مرات مخدتش جمب منكم ليه…كنت بخرج وبروح
وباجي…..في اي ياعصوم دا احنا لينا حق عليك
برضو ياجدع…..”
أغلق عاصم الملف قائلا باستسلام…
“خلاص ياحكيم انت هتاكلني…كده كدا المدام عند اهلها الكام يوم دول عشان فرح اخواتها….رتب انت السهرة وانا هاجي….”
قال حكيم بهدوء…
“سهرتنا على البحر… مش وحشك الصيد ولا إيه…”
ارجع عاصم ظهره للخلف قائلا بايجاز…
“لا إزاي وحشني الصيد وقرك عليا طبعًا كلم
مينا….نقضي اليوم هناك بعد ما نخلص شغل…”
ساله حكيم باهتمام….
“ماشي الكلام….بس انت مالك كده مش عاجبني..”
أطلق عاصم زفرة ثقيلة ثم أخبره بتجهم…
“مش عارف ياجدع الشقة لحد دلوقتي مجهزتش
وكل ما كلم المهندسة اللي مسكه التشطيب تقعد
تتحجج بألف حجة….”
قال حكيم بسرعة…
“غيرها… انت بقالك قد إيه مستني؟!….”
لوى عاصم فمه قائلا بجزع….
“من قبل الفرح بقالي ست شهور مستني…المفروض
كنت استلمها من تلات شهور فاتوا….”
عقب حكيم متعجبًا..”طب غيرها مستني إيه….”
تنهد عاصم قائلا بخشونة….
“مش عايز اقطع عيشها المهندسة دي انا عارفها كويسة ومسكتها شغل قبل كده ليا و لناس حبايبي وكانت بترفع راسي قدامهم والكل بيحلف بذمتها
وشطارتها في الشغل….بس مش عارف خابت لي
كده…. ”
هتف حكيم باستهجان….
“غيرها خليك تخلص….شكلك مش مرتاح في بيت
العيلة….”
قال عاصم بصوت اجوف….
“بيني وبينك ياحكيم انا عايز اعيش انا ومراتي في مكان لوحدنا….انت عارف اللمه بتخلق مشاكل ووجع دماغ وانا كل اللي يفرق معايا في البيت ده الحاجة نصرة ويزن من بعدها….”
ساله حكيم…. “وناوي تعمل إيه….”
عزم عاصم الامر قائلا…..
“اخرها معايا الأسبوع ده….لو فضلت على كده
هديها بقيت حسابها وهجيب مهندس تاني يكمل
الشقة مكانها….”
…………………………………………………………..
وقفت امام المرآة بثوب الزفاف الأبيض تتمايل
يمينًا ويسارًا وعلى شفتيها إبتسامة واسعة وعينيها
الفيروزية تشع ببريق أخذ….
فتحت شهد الباب ودخلت إليها
سريعًا…. “كيان اسمعـ…..”
توقفت شهد عن الحديث وهي تنظر الى اختها الصغرى التي أصبحت عروس جميلة ترتدي ثوب زفاف رائع من تصميم قديم الطراز يبحث عنه
بعض العرائس في العصر الحالي فهو يحمل
الرقة والحشمة والاناقة.. به العروس تكون
كالفراشة البيضاء شديدة الجمال والجاذبية….
“لما حكتيلي في التلفون….جه في دماغي حاجة
تانيه خالص مصدقتش ان الفستان بالجمال ده..”
قالتها شهد وهي تجلس على حافة الفراش تتأمل
اختها بمحبة….
عادت كيان للمرآة تتأمل الثوب بتأني
وهي تقول بهيام….
“كانت مفاجأة حلوة اوي ياشـهـد….”
قالت شهد بتوله… “طب احكيلي من الأول…..”
قالت كيان بعينين متبسمتين….
“ياشـهـد دي تالت مرة احكيلك….”
قالت شهد بمناغشة….
“احكي المرة الرابعة….نظرتي اتغيرت خالص عنه
بعد اللي عمله واللي بيعملوا عشانك…”
اقتربت منها كيان وجلست جوارها قائلة
بوله….
“انتي بتقولي فيها الأربعة شهور اللي فاتوا دول
سليم حرفيا كان بيعمل كل حاجة عشان يسعدني
ويكسب ثقتي….”
سالتها شهد بلؤم…
“وياترى بقا كسبها ولا لسه شوية….”
انحنت نظراتها ارضًا بحزن ….
“كسبها طبعا… بقيت بحبه اوي ياشهد و مش متخليه
اصلا نفسي غير معاه… ساعات بقول لنفسي ازاي بعدت من الأول وعذبته بشكل ده….”
ربتت شهد على كتف اختها بعطف…فاسترسلت
كيان وهي تنظر لعينا اختها….
“سليم جدع وطيب…. وكويس اوي وبيحبني بجد… بس سوء التفاهم وعلاقته القديمة خلتني احطه في مكانه وحشه أوي مكانه ميستحقهاش….”
قالت شهد برفق….
“كل حاجة في وقتها بتبقا احسن…يمكن كل اللي حصل ده ساعدك انك تخفي بجد يا كيان….وان
الاوان إنك تنسي اللي فات وتبداي من أول
وجديد…..”
ترقرق الدمع في عينا كيان وهي تقول
بعزم…..
“دا اللي بدأت اعمله فعلا..انا محتاجه اعيش زي
اي بنت في سني…افرح واحب واعمل عيلة
حلوة….”
بابتسامة صافية أكدت شهد بجذل…
“هيحصل ياكوكي….وقريب كمان انتي تستاهلي
كل حاجة حلوة…..”
مسحت كيان عيناها وهي تقول بضحكة
صغيرة….
“انا من رايي احكيلك عشان منقلبهاش نكد….”
………………………
قبل شهر تقريبًا….
خرجت كيان من بوابة العمارة التي تقطن بها…فوجدت سليم ينتظرها ومعه دراجتها الهوائية…
اقتربت منه بتلك الابتسامة الخاصة والنظرة العاشقة
التي باتت تسكن عينيها وتزدهر يومًا بعد يوم….
“معقول صلحتها…”
قالتها كيان وهي تقف جوار سليم الذي صافحها
بيده وقبلها بعيناه….
وضع يده على الدراجة قائلا
بمرح…
“اي رايك بقت عروسة….”
نظرت كيان الى الدراجة بانبهار والتي عادت
افضل من السابق…..
“مش عارفه اقولك إيه…دا انا كنت مكتئبة بسبب
انها بايظه…”
ثم عادت لعيناه سائلة…..”صلحتها بكام….”
نظر لها سليم ببلادة….”بفلوس….”
هتفت بتصميم…..”ايوا… كام يعني…”
زمجر سليم بخشونة….
“انتي مالك بقا بكام….يلا اركبي…”
“فين عربيتك….”سالته كيان وهي تنظر حولها…
اشار على الدراجة قائلا بايجاز….
“هنركب عجلتك…مشوار خمس دقايق وهنوصل..”
ثم ضاقت عيناه بمناغشة…..
“ولا خايفة عزيزة تقلبنا في السكة….”
قالت كيان بلؤم…
“على حسب اللي بيسوقها على فكرة…”
ابتسم سليم وهو يستقل الدراجة مشيرًا على
المقعد الصغير خلفه….
“طب اركبي وانتي هتشوفي السواقة اللي على حق….”
سالته بتردد… “متأكد….”اوما سليم براسه بابتسامة
تشع ثقة فاستقلت خلفه قائلة بقلق….
“ربنا يستر….”
تحرك بالدراجة بسهولة…فعانق كلاهما هواء الليل
البارد المعطر برياح البحر القريب من موقع بيتها…
سالته كيان ويدها تتشبث في قميصه
برفق….
“اتعلمت منين ركوب العجل…”
رد سليم باختصار….
“مفيش حد مركبش عجل وهو صغير…”
عقبت كيان بتشكيك….
“عايز تقولي ان سليم الجندي وهو صغير كان
بيأجر عجل….”
هز رأسه بنفي وهو مركز على الطريق امامه…
“مش بظبط بس كنت بشارك وانا صغير في نشاطات تبع النادي اللي بروحه وكان من ضمنها Cycling…”
تاوهت كيان وهي تقول بعطف…
“أوه بحس اني اللي بيمارس الرياضة دي بيتفرم
حرفيًا….انا رغم اني بحب ركوب العجل بس مقدرش
أروح بيه مكان بعيد مش اتسابق بيه….تعب رغم
خفتها في الحركة….”
اجابها سليم عن تجربة….
“هو تعود والعضلات مع الوقت بتعتاد على ده..
وبرضو الموضوع مش بيجي من يوم وليله دي تمارين زيها زي اي رياضه في الدنيا…والمسابقات
دي ليها نجومها وجمهورها……”
كان الجو رائع ليلا ساحر وهي معه هكذا خلف الدراجة السماء الامعة بالنجوم فوق رؤوسهما
والرصيف الممتد باعمدة الانارة..
شعرها البندقي يرفرف بفعل الهواء الرطب
وتتوغل الى رئتاها رائحة عطره المميزة بينما
يداها مزالت تتشبث في جانبي قميصه بحرج
شديد ولسانها يثرثر بكل ما يخطر على عقلها
دون حذر…..
فكان سليم دوما معها يتمتع بحسن الاستماع لها والتفهم دون إطلاق احكام سابقة…..
كان حاني ومرعيًا لكل تقلباتها وكان خير مستمع
ومهون عندما تحكي عن ماضيها معه
قالت كيان باسلوب فكاهي….
“بس انت رايق اوي وانت سايق عزيزة انا باكل المطبات أكل…. تحسني بتعارك مع الاسفلت…”
ضحك سليم وهو يصف الدراجة
جانبًا… “وصلنا ياعصفورة….”
ترجلت كيان من الدراجة وهو خلفها…نظرت الى
دار الأزياء الفخم المنير امامها بشكلا ساحر…
دلفت معه للمكان وهي تتأبط ذراعه بحياء…
رحبت بهم أحد العاملات فور وصولهما قائلة
بحفاوة…
“اهلا ياسليم بيه نورتنا..نورتينا ياعروسة.. ”
ابتسمت كيان بمجاملة وبعدها اشارت لهم العاملة
على احد الغرف….
سالته كيان وعيناها تدور في المكان
بعدم فهم….
“هو المكان فاضي كدا ليه…..”
رد سليم مختصرًا….
“انا مأجره الساعتين دول….”
انعقد حاجبا كيان بتساؤل….”وليه بقا…”
“عايز اوريكي حاجة….”قالها سليم وهم يدخلا تلك الغرفة الشاسعة…
التي كانت مظلمة وفور دخولهما انارة فجأة….
نظرت كيان بتردد لزوايا الغرفة لتجد مجسم يقبع
في المنتصف عليه ثوب زفاف أبيض أنيق من طراز
قديم ورغم ذلك خطف قلبها وعيناها فور رؤيته فكان راقي وانيق بشدة…..
محتشم باكمام طويل تزين بالتل يمتزج به الحرير
والتل بذوق فنان رفيع ينزل باتساع بسيط ومقبول
وجدت جوار الثوب صندوق خشبي قديم مزخرف
بالذهب…
نظرت الى سليم بعدم فهم….
“انا مش فاهمه حاجة ياسليم…. اي ده ؟!.”
اجابها سليم بنبرة حزينة متأثرة…
“دي حاجة هالة…. أمي……”
على تعبير الغباء وجهها وهي تساله بتكهن..
“وليه جايبها هنا…..اوعى تقول اني هلبس الفستان
ده….”
شحب وجه سليم وسالها بتردد..
“مش عاجبك….”
اقتربت كيان اكثر من المجسم وبدات تتفحص
الثوب بالمس….
“بالعكس دا تحفه..انا كنت بدور على حاجة كده..”
اخبارها سليم بصوتٍ رخيم…
“انا حابب اشوفك بيه يوم فراحنا..لو حتى أول ساعتين وبعد كده غيري للفستان اللي هتختاريه
النهاردة من هنا….”
جعدت جبينها معقبة….
“وليه فستانين يوم الفرح هي ناقصه فرهده…”
نظر لها سليم بتمعن فقالت كيان وهي تدير
وجهها اليه…..
“اطمن ياسولي الفستان عجبني أوي…..”
ثم استرسلت بتذكر…..
“بس باباك مش هيضايق كده… انت قولتلي قبل كده
انه محتفظ بكل حاجة مامتك ومش بيحب يطلعها
لحد….”
رد سليم ردًا اثلج صدرها….
“انتي مش حد ياكيان انتي مرات ابنه وبنته التانيه… وكمان هو اللي طلبها مني…..من تلات شهور فاتوا وانا اللي اترددت شوية أقولك….”
“وليه اترددت….”استفسرت بفيروزيتاها البراقة
وهي تقف أمامه…..
رد سليم باسلوب لبق….
“خوفت ترفضي…. بس زي ما اتفقنا برضو هجبلك فستان فرحك من هنا….”
رفضت كيان بشدة…
“لا طبعا…. هي مصاريف وخلاص….”
عقب سليم بهدوء حاني….
“مش حتة مصاريف ياكيان…. دي رغبة بابا انه يشوفك بالفستان ده وانا مقدرش أرفض حاجة
ممكن تفرحه أكتر في يوم فرحنا…”
قالت كيان بقناعة….
“وانا الفستان عاجبني اوي ومش عايزة حاجة
تانية….”
اصر سليم بحزم….
“يبقا تاخدي تمن الفستان الجديد و تصرفي
في فلوسه زي مانتي عايزة….”
تشدقت بدهشة….. “برضو ياسليم…”
أكد بثبات…. “دا حقك ياكيان….”
“طب ايه اللي في الصندوق ده….” اتجهت اليه كيان
وفتحت اياه بحرصٍ شديد….
فاخبرها سليم اثناء تأملها لمحتوى
الصندوق…
“دي هدية بابا ليكي… مجوهرات أمي….”
رات مجموعة من المجوهرات الثمينة القيمة ذات
طراز قديم وذوق رفيع كل قطعة منهم تحمل
ذكرى خاصة ومميزة باصحابها……..قالت كيان
وهي تغلق الصندوق وتضعه مكانه برفق….
“مش شايف انهم كتير اوي عليا…”
اخبرها سليم بصوتٍ تمكن منه العشق…
“مفيش حاجه تكتر عليكي ياعصفورة…بس اسمعي شرط بابا انك متفرطيش فيهم….وان لما ربنا يكرمنا بـبنت تديهم لها في يوم زي ده….وتوصيها نفس الوصية انها متفرتش فيهم…. اتفقنا… ”
بابتسامة متفهمة قالت….
“طبعا اتفقنا..الهدية مش بتتباع دي بتتهادى
للحبايب بس….”
ثم نظرت كيان للمكان من حولها ثم له
وقالت… “مش عارفه اقولك إيه…..”
مسكها سليم من ذراعيها بكلتا يداه قائلا وهو يأسر
عيناها بالنظرات وقلبها بالكلمات….
“على إيه ياعصفورتي….دا انا اللي مش عارف اقولك
إيه بعد موافقتك دي حبك زاد في قلبي الضعف
قناعتك وطيبة قلبك وحبك ليا و لبابا…كلها حاجات كلمة شكرا مش هتوفي حقك…”
تسارعت نبضات قلبها فقالت بابتسامة رغم
جمالها حزينة….
“انا اللي لازم اقولك شكرا وجودك انت وباباك مالي
عليا حياتي….عمو طيب وحنين اوي وغالي على قلبي جدا ووجوده بيعوضني عن حاجات كتير
حلوة فاتتني…..وانت كمان ياسليم قلبي بيتعلق
بيك يوم بعد يوم….وحياتي بقت عبارة عنك
انت….ومش متخيلها من غيـ….”
اوقفها سليم بعينان تفيضان عشقًا…..
“بس لحد هنا واستوب….انا مش عايز افتكر اي حاجة تانيه غير الكلمتين الحلوين دول…..”
تبادلا النظرات وتبسما معًا….فصدح هاتف سليم
فجأه معلن عن اتصالا….
أخرج الهاتف من جيب بنطاله ثم وضعه على اذنه
بعد ان علم بهواية المتصل….
ضاقت عينا سليم فورًا بمشاكسة وهو ينظر الى
كيان ثم تافف قائلا للمتصل…..
“ايوا يابابا…وافقت طبعًا بالعافية كانت رفضة تلبسه…..”
اتسعت عينا كيان لبرهة بصدمة ثم على
صوتها وهي تحاول خطف الهاتف منه….
“لا ياعمو بيكدب عليك….انا أول ما اشوفت
الفستان عاجبني اوي والله…..”
ابتعد سليم عنها متابعًا بغلاظة….
“كدابة يابابا دي قالتلي شكله مش قد كده….”
اوشكت كيان على البكاء وهي تضربه في
كتفه بقبضتاها الصغيرة..
“ياسليم بطل هزار….هات التلفون….”
اعطاها سليم الهاتف ضاحكًا…فقالت سريعًا
وهي تضع الهاتف على اذنها….
“اوعى ياعمو تصدقه والله عجبني أوي….”
رد والده بصوتٍ يشع دفئا…
(انا متأكد انه عجبك….مبروك ياكيان…)
انزلت الهاتف عن اذنها فسالها
سليم…. “إيه قفل معاكي؟!..”
رفعت عيناها عليه بقوة والشرر يتطاير
منها……
“في حد يهزر الهزار ده…افرض صدقك…”
ركضت خلفه بجنون فقال سليم بتريث وهو
يكبح الضحك…
“اعقلي ياعصفورة….هو عارف اني بهزر….”
………………..
اطلقت شهد ضحكة عالية فور ان انتهت
كيان من سردها للموقف…..
“طب والله عسل وباباه طيب أوي…..”
نهضت كيان من مكانها وهي تعطي لاختها
هاتفها قائلة بسعادة….
“صوريني ياشهد كام صورة…..”
سألتها شهد وهي تنهض وفي يداها
الهاتف….
“اوعي تكوني هتنزليها على النت….”
“لا اطمني للذكرى بس….”ثم اردفت كيان وهي
تقف بزاوية مختلفة…..
“حاولي تبيني الفستان على قد ما تقدري….”
التقطت شهد عدة صور لاختها بزاوية مختلفة مظهره
جمال الفستان عليها بقدر الإمكان…
ثم اخذت كيان منها الهاتف وارسلته لشخصٍ بعينه..
وفي المكان المرسل اليه.. التقط المستشار هاتفه
بعد ان أعلن عن وصول رسالة صوتية…فتحها وهو
يحتسي القهوة وفي يداه كتاب يقراءة بتأني….
(عمو صباح الخير….عامل إيه يارب تكون بخير..
انا بعتلك صوري بالفستان بعد مظبط المقاسات
وقسته….قولي رأيك…..شهد بتقول انه حلو أوي
عليا وانا شايفه كده… بس رأيك برضو مهم….)
ابتسم المستشار وترك الكتاب من يده ثم
أمسك الهاتف وشرع يقلب في الصور التي
ارسلتها كيان….
ابتسم مصطفى بحزن وهو يكبر الصورة اكثر متأمل
الثوب الملائكي عليها….تنهد وهو يسترجع الذكريات مع هذا الثوب الذي هاجره كصاحبته…..
أرسل لها المستشار بحنان أبوي….
(زي القمر ياكيان لايق عليكي أوي وكأن هالة اشترته ليكي مخصوص…تتهني بيه يابنتي….)
…عطية
………………………………………………
وقفت على أطراف اصابع قدميها تجلب شيءٍ من أعلى الرف فوجدت ذراع رجوليه تمتد اعلاها وتجلب العلبة لها…..
ابتسمت وهي تعطي له الفرصة كي يبتعد عنها لكنه بوقاحة لم يبتعد بل ظل خلفها مباشرة دون ان يلمسها…
“وبعدين معاك ياحمزة….”
همس بالقرب من اذنها بشوق…
“كنت مستني حضن بعد الغيبة دي… خيبتي أملي…”
ابتعد خطوتين عنها فاستدارت هي باشتياق تنظر
لجسده الفتي الصلب وقامة طوله بهذا الطاقم الشبابي الأنيق….فـتلاقت بعسليتاه بعد لمحة
سريعة على هيئته الجذابة…فقالت بحزم…
“مفيش بينا حاجة رسمي عشان اخدك بالحضن…”
قال حمزة بوقاحة وهو يقترب منها
خطوة…. “وقبل كده…”
خفق قلبها بشدة وسارت بُنيتاها بنهم على ملامح وجهه الوسيمة ثم لشعره الناعم وللخصل القصيرة المتناثرة على جبينه بهمجية محببة للعين ، معذبة للقلب كلما تلقفها بشوق…..كل مابه يعذب قلبها ويهفو اليه دون حياء…..
وبعد لحظة تامل كانت الاقصر والاجمل بين
كلاهما.. تداركت نفسها فسحبت نفسًا متهدج
قائلة…
“تقدر تقول لحظة ضعف وراحة لحالها…وعهدت نفسي بعدها اني مقعش في الذنب دا تاني….”
برم شفتيه قائلًا بانتصار…
“كلها ساعتين وتبقي حلالي….”
تخضبة وجنتاها قائلة….
“انت برضو مصمم تكتب الكتاب يوم الحنة….”
اجاب بايجاز…”احنا متفقين من شهر فات….”
قالت قمر بتعجب….
“ايوا بس اي المشكلة يعني لو كتبنا الكتاب يوم الفرح مع كيان وخطيبها…”
رد حمزة بفتور…. “الاتفاق كان كده….”
عقدة حاجبيها باستفهام….. “اي اتفاق ؟!….”
رد حمزة بمنتهى الثبات….
“اتفاقي مع خالك….اني اكتب عليكي قبل الفرح بيوم..”
ثم رفع حاجبه الايسر سائلا….
“وبعدين النهاردة من بكرة مفرقتش كتير هو انتي مش فرحانة ولا اي ياقمراية….”
قالت بعفوية الحب كـماءًا يجري في منابعة….
“أكيد فرحانة دا اليوم اللي حلمت بيه من أول ما حبيتك..”
ثم عضت على شفتيها بعد ان ازداد توهج عيناه
خطرًا….فقال حمزة بعد لحظات من ضبط النفس..
“على سيرة حبك ليا امتى اتاكدتي انك بتحبيني….”
لانت شفتيها في بسمة حزينة….
“مش عارفه…..يمكن من قبل انت ماتاخد بالك أصلا
اني عايشة معاك في نفس البيت…”
قال بندم…. “انا كنت أعمى على كده….”
قالت مصححة…. “أعمى وغبي….”
فغر شفتيه فاسبلت قمر اهدابها بحرج وهي تكبح
ضحكاتها….فابتسم حمزة وهو يهز راسه معترفًا…
“في دي عندك حق انا غبي اني ضيعت الوقت ده كله
من عمري من غيرك….بس بكرة اعوض كل ده وانتي
في حضني….”
شهقة قمر وهي توبخه بنظرة حازمة….كأم غضبت على ابنها فجاة بعد ان القى لفظ بذيء….
“حمزة احترم نفسك…”
زفر حمزة نفسًا هادرًا قائلًا بخفوت…
“معقول فرحنا بكرة…انا بحلم باليوم ده من ست شهور فاته….”
قالت قمر بغيرة…..
“ست شهور بس وقبل كده كانت فين احلامك يا استاذ؟!….”
اجابها بصوتٍ خافت عميق….
“كنت تايه…..تايه ياقمري وملقتش نفسي غير في
حضنك….”
اختلج قلبها بين اضلعها وعيناها تنظر اليه..فمسك
حمزة يدها وعيناه تأسرها قسرًا في عالمه…
“فاكرة لما زورتك في شقتك أول مرة وقولتلك اني لسه بدور على الوطن اللي احبه…..”
اومات براسها متبسمة…
“فاكرة طبعا…..ويترى لقيت الوطن ده ؟!…”
اتكأ على كفها بينما عسليتاه تعرف مجال عيناها…
واخبرها بهمسًا….
“هو اللي لقاني….وانا ما صدقت الاقي وطن بعد
الغربة وتوه اللي كنت فيها قبلك….”
رفع كفها الى فمه وطبع قبلة عليه…فشعرت بضعف
يسري في جسدها فدعمت نفسها وسندت على الرخامة خلفها…فقال حمزة بهمسًا اجش…
“نظرت عينك بتجنني ياقمري… بيهم بحس اني
اخر راجل في الكون….”
فتحت عيناها وتلاقت بعسليتاه والنظرة القوية
بهم دغدغت قلبها اكثر من الكلمات المعسولة…
فقالت دون تفكير….
“ودي حقيقه انت في عيني وفي قلبي الاول
والأخير ياحمزة…..”
عم صمت مجنون بعد جملتها المؤكدة…فسحبت
يدها فجأه وابتعدت جالسة على مقعد امام الطاولة القابعة في منتصف المطبخ…..وبعد نحنحة قالت…
“مقولتش برضو غايب ليه الفترة دي كلها…أربع شهور
بحالهم بشوفك بالعافية بالخطف….”
وقف بالقرب منها ساند على حافة الطاولة وهي جواره على المقعد جالسة….
“ما على يدك ياقمر…..المصنع وتجهيزات الشقة…انتي ذات نفسك مكنتيش فاضية وانتي بتفرشيها….”
قالت قمر بملامح منبسطه…
“بس اي رأيك اتفرشت حلو اوي والديكور يهبل ياحمزة..”
اكد حمزة بجذل… “شوفتها…. ذوقك حلوو…..”
ارجعت خصلة هاربة خلف اذنها قائلة بتأثر….
“مش ذوقي لواحدي…بصراحة شهد وكيان ساعدوني
أوي….وكيان اكتر واحده تعبت معايا…دي كأنها بتعمل
شقتها….اهتمت بحاجات كتير وفرشنا سوا والحاجات
اللي بتبقى ناقصة تقعد تكتبها وبعدين تنزل تجبها
واحنا فوق…وتطلع بيها… اكتر من مرة عملت كده.. ”
مسحت عبارة تجمعة في عينيها فجاة…فعقبت
بتعجب….
“مكنتش اعرف انها بتحبني اوي كده….او يمكن عملت كده عشان بتحبك…..”
اردف حمزة بدفاع حاني….
“عملت كده عشان بتحبنا احنا الاتنين….كيان مش وحشة ياقمر…..”
رفعت قمر عيناها اليه قائلة…
“عمري ماقولت انها وحشة ياحمزة…..انا عارفه انها فالأول مكنتش مستلطفاني عشان ان غريبة وسطكم….بس بعد كده يعني بقينا صحاب…..”
فابتسمت باستياء مضيفة…
“رغم ان لسانها لسه متبري منها…بس يلا كله
يهون علشان بحبها…”
مالى حمزة فجاة عليها محاول لثم تلك الشفاة الشهية فتداركت قمر الوضع وقفزت عن مقعدها
مزمجرة….
“بس ياحمزة… احترم نفسك…..”
تافف حمزة وهز ينظر الى ساعة معصمه..
“هي عقارب الساعة واقفه ولا إيه…كل ده لسه أربعة…..”
سالته بقلب مذعور…. “المأذون معاده سته….”
اكتفى بايماءة بسيطه….دخلت شهد اليهما قائلة
بسرعة….
“انت فين ياحمزة….سلطان برا هو ومراته….”
عدل حمزة ياقة قميصة قائلا….
“طب خدي مراته دخليها جوا وانا هطلع معاه
الشقة اللي فوق…..”
قالت شهد بتنهيدة ارتياح….
“انا مش عارفه لولا الشقة اللي فوق دي احنا كنا عملنا إيه…..”
“جت نجدة المكان هنا مش مستحمل…”قالها حمزة
وهو يميل على خد قمر فجأه طابع قبله عليه امام
عينا اخته دون حياءًا هامسا بالقرب من اذنها….
‘”اشوفك كمان ساعتين ياقمراية….ساعتها البوسة
مش هتبقا هنا خالص…. ”
ابتعد عنهن بخطى هادئة…فقالت شهد بلؤم…
“انتي سايبه الدنيا كلها.. وجايه تقفي معاه في المطبخ…”
قالت قمر بوجنتين حمراوان كدم الغزال…
“كنت بحضر الشربات والله… ولقيته في وشي….”
قالت شهد برفق وهي تشير لها بالخروج…
“طب يلا يدوبك قدامنا ساعتين على ما تجهزي
قبل ما المأذون يجي.. والناس تهل….”
………………………………………………………
كانت تجلس على حافة الفراش ترتدي ثوب الحنة الرقيق كان من اللون البنفسجي الفاتح يلائم جسدها ويبرز جمال قدها ترفع خصلات شعرها الغجري الأسود للأعلى بمشابك لؤلؤية أنيقة ويتدلى الباقي على ظهرها حرًا يتراقص بجنون….تضع زينة رقيقة متقنة زادت وجهها اشراقًا…. اما بُنيتاها الكحيلة أصبحت وجهةٍ للجمال مع ظلال اهدابها الكثيفة أشبه بسهام حارسة….
قالت داليدا وهي تطلع على قمر بعد
ان إنتهت…
“بسم الله ماشاء الله زي القمر فعلا….”
قالت كيان بغيرة على صديقتها….
“انا عروسة انا كمان ياولية انتي…ولا الحمل
عملك حول…”
ضحكت داليدا وهي تجلس بالقرب من صديقتها الغالية طبعت قبلة على وجنتها قائلة….
“وانتي قمر اربعتاشر ياموكا….مين يقدر يغطي عليكي..”
ضحكت قمر بعد ان غمزت داليدا لها سرًا…
فوقفت كيان امام المرآة تتأمل نفسها بثوبها الأبيض
المغطى بالترتر الامع حتى اخر الخصر ثم ينزل باتساع الى الكاحل بقليل ترفع شعرها للاعلى في
لفة انيفة تزينها بطوق من الياسمين الابيض.
وتضع زينة تلائم جمالها وسحر اطلاتها اليوم….
التقطت كيان صورة لها وارسلتها اليه وكتبت
عليها…(اي رأيك في لوك الحنة….حلو….)
اتت رسالته مع قلب أحمر….
(حلو اوي ياعصفورتي…بس اي اللي بيلمع جمب
عينك ده….)
ارسلت والابتسامة تزين ثغرها….
(دا استرس…اي رأيك مخلي شكل عيوني حلوة…)
رد سليم بصيغة أمر…
(لا عيونك أحلى من غيره…شيليه…..)
نظرت للمرآة مجددا…..(انت شايف كده…..)
بعث رسالة حارة بالاشواق….
(انا شايف اني لازم اكتب الكتاب مع حمزة النهاردة…)
ضحكت بدلع مرسلة…..(كلها سواد الليل يامتر….)
نظر الفتاتان لبعضهما بخبث وهم يتابعا ملامحها المنبسطه وضحكاتها الرنانه وهي تقرع باصابعها
على شاشة الهاتف بخفة وسرعة….
(كتير عليا برضو….)خفق قلبها بجنون وهي
ترسل…(انت لسه في المكتب….)
رد برسالة مختصرة…
(بخلص شوية شغل عشان الاجازة اللي هاخدها…)
تنهدت كيان ترسل ببراءة….
(تصور ان ده اخر يوم هبات فيه على سريري…)
اكمل لها برسالة وقحة….
(ومن بكرة هيبقا سريرك هو حضني….)
تخضبة وجنتاها بشدة…فارسلت
(انا مضطرة اقفل شكل الماذون جه برا…)
أرسل سليم بلهفة….
(ابقي كلميني بليل بعد ما تخلصي سهرتك…)
ضحكت دون صوت….(حاضر….سرانغي….)
ارسل له بجزع…(وانا سرانغي اكتر والله….)
اغلقت الهاتف ثم نظرت للمرآة وبدات تنزع النجمتين
الامعتان بجوار عينيها….
فقالت قمر بمناغشة وهي تغمز لداليدا….
“اي دا اي ده والله وبقينا بنغير رأينا في كلمة..
هو اللي قالك شليه صح….”
ضحكت داليدا وهي تتابع مشاكستهن باستمتاع..
بينما قالت كيان بحرج..
“قالي اني احلى من غيرها…”
قالت قمر بلؤم…. “ما قولنا كده من الأول…حكم….”
جزت كيان على اسنانها وهي تنظر لقمر بحنق….
“خليكي في حالك… انا و خطيبي مع بعض ايش حشرك بينا..”
اجابتها قمر ببلادة….
“طب مانتي بتحشري نفسك بيني وبين حمزة…
حد اعترض….”
تاففت كيان بوجوم….
“خلاص ياستي اديني سيبالك الجمل بما حمل ارتاحتي…”
قالت قمر بابتسامة خبيثة…
“طب والله هتقطعي بيا يابت ياكيان….”
اثارة حفيظتها اكثر فقالت
بمقت….
“انتي بقا لا…. هرتاح منكم كلكم…..”
اشارت داليدا على نفسها
بمسكنة… “حتى انا ياكيان….”
تخصرت كيان قائلة بتكبد…..
“انتي اولهم ياداليدا عشان تشكري في خصمي قدامي…”
رفعت قمر حاجبها بغيظ…
“يابت بطلي صفار…..حرباية ملونة ياساتر…”
هزت كيان راسها بانصياع…
“حاضر ياعقربة هبطل صفار….”
وزعت داليدا النظرات بينهما بتخوف….
“ماشاء الله عليكم…دا انتوا بتموتوا في بعض…..”
وقبل ان تعلق أحدهما برد لاذع تستفز به الأخرى سمعا معًا صوت الماذون في الخارج….
نهضت قمر بخوف وهي تنظر الى كيان تلقائيًا
تطلب العون…..
“الماذون جه ياكيان..هو…..هو انا المفروض
اطلع….”
اكدت كيان بنظرة حانية….
“ايوا هنطلع سوا…شهد في المطبخ بضايف الناس
هطلع معاكي وبعدين اقف مكانها عشان ترتاح شويه…”
سالتها قمر قبل ان يخرجا….”كيان الميكب باظ…..”
قالت كيان بتلقائية وهي تمسك يد
قمر…. “زي القمر والله يلا بينا بلاش توترينا…”
ثم نظرت الى صديقتها قائلة قبل ان تفتح الباب…
“يلا يادليدا….جوزك هتلاقيه برا بيشهد على الجواز….”
اومات داليدا براسها وهي تخرج معهن بابتسامة جميلة تشع فرحة بالخير لهن…..
…………………………………………………………
اثناء اجراءات عقد القرآن كانت( قمر) تجلس بالقرب
منه على بعد خطوات على مقعدها يقف حولها شقيقتاه وزوجة صديقة المقرب بوجوهن تشع بالفرح والخير لها يشاركوها جزءًا من السعادة وكأنها شقيقتهن الرابعة…..
الوحيدة التي كانت تمسك قمر بيدها بقوة والاجراءت تتم كانت (كيان..) !!!
وكم طبع هذا في نفسه شعورًا جميلًا ممتنًا لاخته
الصغرى التي جرحها يومًا باقسى الكلمات….
زفر حمزة نفسًا حار وهو يعود ملتقف بعيناه ملامح وجهها الجميل وعيناها الكحيلة المظللة.. ثوبها
البنفسجيّ الرائع وشعرها الغجري المرفوع للأعلى بمشابك براقة ثم يتدلى خلف ظهرها متراقصًا
بجنون يفتنه كي يقترب ويلامس موجاته….
هيئتها كـعروس تفتح شهيته أكثر يود لو….لو نال
منها بتأني ، مستمتع بالآه من بين شفتيها الفاغرة
بضعف في احضانه…
يالهو من شعور يود تجربته مع الجنية المغوية…
تلاقت عيناه بعيناها الجميلة المتلألأة بالحب أثناء
ترديده خلف المأذون ويده بيد والده الوكيل عنها
مزالت نظرتها الخاصة تروقه بشدة نظرة تشعره بانه محور حياتها وبان حياتها بأسرها تسير في فلكه هو ، ملك له وحده !…
وكم ترضية بشدة تلك النظرة الخاصة وهذا
الشعور الحصري…
انطلقت الزغاريد من داليدا بعد ان مضت قمر على قسيمة الزواج وحمزة كذلك ثم الشهود والذي كان من ضمنهم سلطان الذي اخرسها بنظرة صارمة…
جعلها تبتلع ريقها مغلقه فمها على الفور….
تبادلا الاثنين التهنئة من الجميع ثم أقترب حمزة
بعدها منها ووقف امامها… فعضت قمر على باطن شفتيها بخجلا والسعادة تعلو وجهها المتخضب
غير مصدقة انه أصبح زوجها الآن….
احاط حمزة خصرها بيداه بتملك ثم ألصق شفتاه
في جبينها طابع قبلة طويلة وحانية عليه مما
اثار داخلها مشاعر عدة فجعل الدموع تتجمع في مقلتاها وتسيل على وجنتيها….
فلم تتوقع ان يستجيب الله دعاؤها ويلين قلبه
العاصي لها متشبع من حبها….
اخذها حمزة فجأه في احضانه ودار بها على مراى من الجميع فتعلقت قمر في عنقه بكلتا يداها
واخفت وجهها في كتفه بحياء…..
صفقت داليدا وكيان لهما بسعادة وتشجيع وابتسمت شهد بمحبة وهي تردد سورة الفلق سرًا…
انزلها حمزة برفق فلمست الأرض بحذاؤها ثم رفعت عيناها الى عسليتاه بحرج شديد….فطبع حمزة قبلة على وجنتاها الاثنين مهنئًا بعدها بصوتٍ عذب
“مبروك ياقمري….والله وبقيتي حلالي يابت…”
ضحكت بخجلا مسبلة العينين…..
“مبروك لينا احنا الاتنين… ”
أبتسم عثمان بسماجة وهو يرى ابنه يتقن الدور
بصورة جيدة جدًا فنظر الى المحامي (زاهر) والذي كان شاهدًا على عقد القران واخبره…..
“حضرت كل حاجة يا زاهر….”
اوما زاهر براسه قائلا بخفوت…
“كله تمام.. شوفلنا انت بس مكان رايق بقا نتكلم
فيه بعيد عن الدوشة دي….”
“وهو كذلك….”ثم نظر عثمان لابنه واشار له
بان يقترب……
…………………………………………………..
بعد خمس ساعات من الطبل والرقص والزغاريد انتهت ليلة الحنة بسلام وخرج المدعوات من الشقة بعد التهنئة والمباركة الطيبة للعروسين واللتين كانتا نجمتين الحفل خطفا الانظار فور ظهورهن واشعلا الليلة بالرقص واللهو والمزاح
حتى حمزة لم يفوت الرقص مع العروس بالعصا امام الجميع كما فعل في حنة شقيقته سابقًا…لكن الفرحة
في رقصتهما والمشاعر حينها كانت تختلف…
كانا يرقصا معًا واعينهما مشتبكة كقلوبهما يدورا معًا
في دائرة مغلقة يحرك هو العصا بحرفنه من حولها
وتميل هي بخصرها بدلال على الاوتار الصاخبة….
حتى حاصر خصرها وقتها بعصاه بخبث غامزًا لها فلم يتوقع ان تجاريه بجرأة وتعلق يداها بعنقه مائلة معه غير مبالية بالعصا التي تقيدها بالقرب من احضانه…..
رقصا معًا لساعات اغنية تلو الأخرى مرة معها ومرة مع شقيقتاه ومرة مع اخته العروس فقط واحيانا الجميع معًا…..
كانت ليلة رائعة صاخبة بالحب وسط مشاعر
عائلية وفرحة عارمة تشارك بها الجميع….
قالت كيان وهي تجلس على الاريكة بتعب….
“كان يوم متعب اوي…تصوري بعد الفرهدة دي
الفرح لسه بكرة….”
ثم مسكت الهاتف وبدأت تبحث عن الصور والفيديوهات التي صورتها داليدا لهم جميعًا..
فقالت وهي تشاهدهم..
“الله علينا ولا نجوم السيما….تعالي شوفي الصور تجنن..”
قالت قمر بارهاق وهي تتجه الى الحمام….
“لا مش قادرة…انا هدخل الحمام اخد دش وغير هدومي..”
نهضت كيان متجه بتكاسل الى غرفتها….
“تمام…كده كدا هبعتهم على تلفون حمزة يختار منهم
صور يحطها في الالبوم للذكرى….”
تصادفت قمر مع شهد التي خرجت من المطبخ للتو
تحمل صنية من المشروبات….
“راحه فين ياشهد….ارحمي نفسك انتي تعبتي معانا اوي النهاردة….”
قالت شهد بابتسامة صافية….
“تعبكم راحه… هتعب لمين غيركم… ربنا يسعدكم وتمملكم على خير… ”
ابتسمت لها قمر بمحبة….
“يارب ياحبيبتي…طب هاتي الصنية دي عنك انتي هتوديها فين…..”
قالت شهد بايجاز….
“حمزة معاه ناس فوق…..فقولت اطلع لهم حاجه يشربوها..”
سالتها قمر….. “ناس مين….”
مطت شهد شفتيها….. “مش عارفه مقالش….”
قالت قمر بهدوء.. “طب خليكي هطلعه انا….”
رفضت شهد….
“مينفعش ياقمر…دا انتي العروسة….”
قالت قمر بتصميم وهي تاخذ منها الصنية بحرس..
“واي فيها يعني هديها لحمزة من على الباب وهنزل
مش معقول هتطلعي السلالم دي وتنزلي….حمزة دا بيهزر هو مش شايف انك حامل…..”
“طب على مهلك……”قالتها شهد وهي تراها تتجه الى الخارج بها….
وصلت بعد لحظات الى باب الشقة التي اجرها حمزة لمقابلة الرجال بها للمباركة كما فعل في حنة شهد….
رفعت قمر قدمها وكادت ان تطرق على الباب لكن الحوار بداخل جمدها فجعلها تقف مكانها مبهوتة…
هتف زاهر من الداخل بصرامة…
“متفضلش تلف ودور ياحمزة احنا بقالنا ساعة بنتكلم… زي ما ضمنت حقك بشقتين اللي اتكتبه باسمك بيع وشيرى وورث امك اللي بقا كله في حسابك احنا كمان عايزين نضمن حقنا ولا مفكرنا مغفلين هتعرف تاخد كل ده من غير مقابل..”
قال حمزة بتهكم….
“المقابل امضتها…. تنازل منها على ورث امها مش
ده اللي اشترتُني بيه…”
سالت دموع قمر وهي تسترق السمع من خلف الباب المغلق ويدها تتشبث بصنية بقوة جبارة….
تحدث المحامي بخشونة….
“حلو لحد ما يجي التنازل وصل الامانة اللي هتمضي عليه على بياض هيفضل معانا ضمان لحقنا….ماهو احنا برضو مش ضمنين انك تنفذ الاتفاق للاخر…..”
هتف حمزة بملامح وحشية….
“انا لحد دلوقتي ماشي على الاتفاق بالحرف الواحد ولا مش واخدين بالكم….”
انتفضت انتفاضة قوية على اثرها انسكب بعض من
العصير على الأرض…..وكأن قلبها المجروح اصابه
فجأه سهم مسمم بالغدر…..
تحدث عثمان بمهاودة…..
“واخدين بالنا وشايفين انك مش مقصر… بس عايزين النتيجة امضتها ولا كل الفلوس اللي ادفعتلك دي هتبقا على فشوش…..”
نظر حمزة لوالده بكره شديد فقال المحامي بحزم…
“امضي ياحمزة لو مفيش في نيتك الغدر من ناحيتنا
هتمضي على الوصل من غير مناهدة….قولت إيه…..”
تافف حمزة قائلا بجزع…
“قولت لا إله إلا الله…. هات القلم خلينا نخلص….”
بعد ان مضى حمزة على الايصال…اخذه المحامي
قائلا بمكرٍ….
“برافو عليك الوصل هيفضل معانا لحد ما تجيب تنازل رسمي منها على الورث ساعتها هديلك الوصل تصرف فيه بمعرفتك…. ولو خلفت الاتفاق بينا…..انت عارف انا اقدر اعمل إيه بالوصل ده…. ”
نهض حمزة قائلا بسأم…
“من غير تهديد ونبي…عشان بخاف أوي…..”
انتفض حمزة بقلق وهو يتجه الى الباب بعد ان سمع
صوت زجاج يهشم….
فتح حمزة الباب فوجدها تنحني على ركبتها بهيئة العروس الجميلة كما هي لكنها تختلف الان فقد تلاقت عيناه بعينيها المجروحتين الحمراوان كالدم تنظران اليه بصمتٍ وجد صداه في نفسه….كانت هناك قطرات دم على قطع الزجاج….أمعن النظر ليجد يدها تنزف قطرات من الدم بعد ان مسكت قطعة حادة من الزجاج في محاولة منها للملمت الفوضى التي سببتها….
انحنى جوارها يمنعها من المتابعة فهي تجرح يدها
أكثر..
“بتعملي إيه ايدك اتعورت…اي اللي وقعها كده…”
بنفس النظرة الجريحة التي جمدت الدموع في حدقتاها قالت بصعوبة من بين طيات الوجع….
“القطة خضتني وانا طالعه السلم فوقعت الصنية مني غصب عني…..”
دعمها حمزة بيداه كي تنهض عن الأرض….
“حصل خير تعالي معايا جوا…اغسلك إيدك….”
“لا انا هنزل اغسلها تحت…..”رفضت وهي تسحب نفسها بقوة من بين يداه وبها انسحبت روحه بخوف
وشحب وجهه مع النظر الى وجهها المبهوت والنظرة
المنكسرة الحزينة في عينيها الحمراء…..
هبطت قمر على السلالم بسرعة وعيناها تسيل بالدمع وكل عصب في جسدها ينتفض بالغضب والكراهية…
“قمر…..قمر…..”لحق بها حمزة درجتين فقط ثم
سمع زاهر يعلق على الامر مع والده….
“تفتكر سمعتنا ؟!….”
تجمد حمزة مكانه ودار العالم من حوله فجاة بصورة قاتمة مرعبة…وهو يهز راسه يرفض تصديق انها اكتشفت الأمر بتلك الطريقة القاسية المؤلمة….كان على وشك ان يخبرها ، ان يخبرها بكل شيءٍ اخفاه الأشهر الماضية عنها لكن القدر سبقه ووشى السر بابشع الطرق ايذاءا……
دخلت قمر الحمام فورًا واغلقت الباب عليها ثم فتحت صنبور الماء ومع الخرير الهادر تركت العنان لشهقاتها الموجوعه ولدموعها الحبيسة تعبر عن الانتكاسة الكبرى معه….
قلبها مزال في دوامة بين الحقيقة والكذب بين الحب والخداع….. بين الحبيب والعدو…كل شيءٍ
كان عبارة عن كذبة كبيرة مجرد اتفاق استغلها
ليصل لاهدافه اغتال قلبها بأسم الحب……
اللعنة على قلبها فهو حب من لا يرحم….
وضعت يداها على اذنيها بقوة مغمضة عيناها بوجع
والدموع تغرق وجهها بغزارة.. تتمنى ان تستيقظ من هذا الكابوس وتعود من حيث اتت الى امها وابيها وعالمها الصغير….
انها تتجرع مرارة الندم الان على هذا الحب المؤذي
الذي أعتنقه قلبها يومًا بغباء !…
…………………………………………………………….
ترجلت من سيارتها أسفل عمارة شاهقة تقبع في منطقة سكنية مرموقة المستوى….
استقلت المصعد بعد ان علمت من حارس العقار رقم الشقة التي تقطن بها (چيهان الكيلاني..)حديثًا وسرًا….
وصلت امام الشقة وببرودة أعصاب اتكأت على جرس الباب ثم انتظرت بوجهًا مترفع ظهور غريمتها على اسم رجلا واحد….
فتحت الباب وظهرت امامها غريمتها….چيهان الكيلاني التي كانت تصغرها بسنوات عدة وتتميز عنها بجمالًا خاص يجذب الجميع لها من النظرة
الأولى….
بشرتها قمحية صافية ناضرة وعيناها بنية متوهجة كالجمر واهدابها كثيفة… شعرها أسود حريري يلمع بشدة مرتاح على كتفها كشعر فرسة جامحة تسر العين ملامحها شديدة الانوثة جسدها يعزف كمنجة نحيف لين ذي مفاتن بارزة بسخاء مقبول……
ظلت الهام تنظر اليها وتقيمها بنظرة باردة….فمالت چيهان على حرف الباب بيدها قائلة بميوعة….
وعهر في عينا الهام التي انتظرت ذرة خوف او
ندم من وجودها هنا…
“اهلا يالومي….اي المفاجأة الحلوة دي….”
قالت الهام بابتسامة محتقرة…. “متأكد انها حلوة….”
اكدت الاخرى بضحكة لئيمة…
“تجنن كنت مستنياها من بدري…اتأخرتي اوي عليا…”
تناثر الغضب على وجه الهام فجاة فسالتها
بعنف…. “مين معاكي جوا…..”
ردت چيهان بسهولة…
“جوزي ادخلي أعرفك عليه… تعالي….”سحبتها چيهان بقوة للداخل مرحبة بها بحفاوة…
لدرجة ان الهام شكت في كل المعلومات التي اخذتها
سابقًا عن زوجها…..فبدأت بوادر الارتياح تظهر على وجهها حتى
حتى رأت مسعد يرتاح على الاريكة عاري الصدر يرتدي سروال قصير فقط وبين يداه ثمرة موز يقشرها وهو يدندن بنشوة منادي على
زوجته…..
“مين ياچيچي…..”
صاحت الهام من خلفه بقسوة…..
“انا…..انا يامسعد….”
“الهام…..”انتفض مسعد ناهضًا من مكانه بقوة كمن لدغته حيه فوضعت چيهان يدها بخصرها تنظر لهما بوجهٍ عابس متابعة العرض بملل واضح…..
رواية الحب اولا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دهب عطية
وقفت إلهام بكل جبروت أمام كلاهما توزع النظرات
عليهما بقسوة واحتقار ثم اشارت بسبابتها بعينين
نارية غاضبة….
“اي اللي جابك هنا يامسعد بتعمل ايه في شقة…”
بترت الجملة وهي تنظر الى جيهان بكراهية وعداء نظرة أمرأه غدر بها للتو على يد اقرب الناس !!…
“صاحبتي…بتخوني معاها يامسعد ؟!… ”
لم يكن سؤال بل كان واقع خطت اياه بيدها فاجابتها
جيهان بصيحة مستنكرة…..
“عندك بيخونك دا إيه…..انا مراته ياحبيبتي وليا فيه
زي ماليكي بظبط….اتكلم يامسعودي ساكت ليه…”
رفعت الهام حاجبها بشرٍ هاتفه بضراوة…
“مسعودك ؟!…ما تكلم ياسبع البرمبة اتجوزتها…”
صاح مسعد يوقفها بأمر….
“احترمي نفسك يالهام واتكلمي عدل… ايوا اتجوزتها…..”
لم تهتز في وقفتها بل قالت بسخرية
لاذعة…”عرفي؟!….”
ردت عليها ضرتها تكيدها وهي تهز خصرها
بغيظ..
“عرفي مين ياماما انتي شيفاني واحده من اياهم
وقعه وعايزة اي راجل وسلام حتى لو هيتجوزها
في سر من ورا أهلها….. انا چيهان الكيلاني اسمي
لوحده يوزنك ويفيض….قال عرفي قال اتكلم
يامسعد ياما والله مـ..”
اوقفها مسعد بنظرة صارمة ثم عاد الى إلهام قائلا
بحزم… “مراتي يا الهام… على سنة الله ورسوله
مراتي…”
اشارت الهام على نفسها وهي تذرف دمعة
مقهورة…
“مراتك….طب وانا….انا يامسعد مراتك ام إبنك الوحيد..”
قالت جيهان بميوعه…
“مش هيبقا وحيد هيبقا ليه اخوات باذن الله
قولي آمين….”
جراء هذه الجملة شحب وجه الهام فجأه بخوف وأرتاع قلبها بين اضلعها !..
سالها مسعد باعصاب باردة….
“انتي عرفتي منين يا إلهام….”
هدرت الهام بحسرة….
“هو ده كل اللي همك عرفت منين….ليه عملت فيا كده بتجوز عليا بعد السنين دي كلها…”
سحب مسعد قميصه من على الاريكة ثم بدا
يرتديه وهو يقول بنفاذ صبر….
“مش هنحل مشاكلنا هنا تعالي معايا…”
عندما مسك يدها نزعتها منه بقسوة قائلة
بشراسة…
“سبني مش هنزل من هنا غير لما تكون رامي
عليها يمين الطلاق….”
هتفت جيهان باستنكار شديد مهين….
“انتي بتقولي إيه… انتي جرا لمخك حاجة….. انتي عيزاه يطلقني انا عشان خاطر عيونك انتي…. روحي
ياحبيبتي بصي لنفسك في المراية…. وهتعرفي
كويس هو ليه اتجوزني عليكي واختارني انا…”
لم تعرها الهام اهتمام بل نظرت لزوجها بقوة جبارة
تأمره بعنف…
“طلقها يامسعد… طلقها وانا هسامحك وهنسى اللي فات ومش هعرف يزن حاجة طلقها وبلاش تكسب
عدوتي انا وابنك الوحيد طلقها….”
وكانها تشهر السلاح الرادع في وجهه ألا وهو ابنه الوحيد !…
رفض مسعد بنظرة قاتمة…..
“مش هيحصل يالهام…انا بحبها وعايز اكمل اللي باقي من عمري معاها…. وبعدين الشرع محلل
أربعة… وانا هعدل مابينكم….. انا مش أول
واحد اعمل كده….”
هدرت الهام بنظرة متقدة غضبًا….
“انت بتحلم لو مفكر اني ممكن اوافق أكون مع
نص راجل….كنت قبلت بيها زمان….”
ثم استرسلت بتهديد صريح…..
“وطالما اختارتها تبقا خسرتني انا وابنك….”
لفهما الصمت لبرهة حينها قصف صوت مسعد
حازمًا صارمًا….
“لو عايزة تطلقي يا الهام انا موافق…. بس طلعي يزن
من الحسابات دي لانه هيفضل ابني من صلبي وشايل اسمي ليوم الدين….”
وكأنها تلقت الصفعة الاقوى والاشد قسوة على الاطلاق فسالت دموعها وهي تشير على نفسها بكبرياء مهشم…..
“لدرجادي؟!… رفضت تطلقها بس وفقت تطلقني
عادي من غير حتى ما اطلبها ؟!..”
رد مسعد بجمود…
“هي موافقه على الوضع ومعندهاش مشكلة
تفضل مراتي بس انتي…..”
هتفت الهام بجنون…
“هطلقها يامسعد ودلوقتي حالا…”
اربد وجه مسعد وانتفخت اوداجه وهو يوقفها
بصرامة….
“انا مسعد الصاوي يا الهام مش عيل صغير شبط في لعبة فهتأمريه يسبها دلوقتي… دي مراتي بمزاجك او
غصب عنك هتفضل مراتي…”
قالت الهام بضجر محتد….
“يبقا أشهد اهلك على الموضوع ونشوف بقا
رأيهم إيه…..”
ابتسم مسعد مستهينًا معقبًا…
“ريحي نفسك كلهم عارفين….”
فغرت شفتيها بصدمة مؤلمة…. “مين؟!….”
هز راسه بتشفي…
“كلهم عارفين معادا انتي ويزن….”
سالته والارض تميد بها….
“يعني امك وعاصم عارفين كل حاجة؟!..”
أكد بمشاعر متبلدة…..
“عاصم وعمي يونس كانوا معايا ساعة كتب الكتاب
وشهده على العقد كمان…..”
وقعت الهام على أقرب مقعد جوارها ثم وضعت يدها
على راسها منحنية بانهزام امام برودة وجبروت
زوجها التي ظنت يومًا انه اضعف من ان يواجهها بمثل تلك البسالة والحقارة….
فقال مسعد بقسوة….
“ارضي بالأمر الواقع يالهام وبلاش تخربي البيت
على الأقل عشان خاطر يزن اللي استحملت
حاجات كتير منك عشانه…..”
قالت الهام وهي تبكي دون النظر إليه….
“اي السواد دا كله….لدرجة دي مفيش حاجة تشفع
ليا عندك….اذيتك في إيه عشان تأذيني….”
تاففت جيهان بينهما وهي تنظر لهما بانزعاج
شديد….
“اي الدراما دي…انا هدخل اوضتي لحد ما تخلصوا
أوف….”
قال مسعد بصوت مصقلا بالوجع…
“ولسه بتسألي انتي خليتيني مسواش في عين
نفسي حاجه من كتر كلامك وحقدك على الكل
وطول الوقت بتخططي وبتتآمري عشان الفلوس
قرفت وتعبت مش لاقي راحه في بيتي ولا معاكي..”
“وانتي عارفه ان لولا يزن مكناش كملنا لحد
دلوقتي…..”
اومات براسها فتلك هي الحقيقة الملموسة بينهما لولا يزن ما وصلت الى هنا….ولولا تخطيط وجوده
سابقًا ما كانت هنا ؟!…
استأنف مسعد مبررًا…..
“انا دورت على راحتي برا من قريب مش من بعيد
وده يثبتلك اني كنت صابر عليكي للآخر بس انتي
زي ما انتي مش بتتغيري يا إلهام….”
استفز حديثه كل عصب داخلها فنهضت من
مكانها بتشنج بعد ان رأت ان حتى الدموع لم
تأثر عليه !….
فقالت من بين اسنانها بعنف شديد…
“ويترى حفظت الكلمتين دول امتى..بترمي اللوم
عليا في الاخر ان انا الست المهملة اللي وصلت جوزها انه يخونها مع صاحبتها ويتجوز عليها…
اسمع يامسعد لو مطلقتش الزفته دي هـ..”
جاشت مراجله فقاطعها مسعد بشدة…
“طلاق مش هطلق جوازي من چيهان وضع
مفروغ منه… بس لو انتي بقا مش عاحبك الوضع
ده يلا ننزل دلوقتي على اقرب مأذون اطلقك….”
…………………………………………………………
دلفت الى البيت الكبير وهي تجر اذيال الخيبة بعد ان علمت انها تحارب على ارضًا خاسرة..لم يبقى من الزخيرة إلا ابنها الوحيد وان فرطت به لاي سبب من الأسباب ستكون العواقب وخيمة…..
راتهما جميعًا مجتمعين في صالون البيت الجدة نصرة وعاصم وابنها يتسامرا في شيءٍ ما….
دخلت عليهم بهجوم حاد تصيح بعنفوان….
“كنتوا عارفين واستغفلتوني كلكم…كنتوا عارفين
بجوازه ودريته عليه….صحيح ماهو منكم لكن انا
مين ولا اسوى حاجة عندكم….”
وزعت النظرات عليهما وهي تبكي….
“حسبي الله ونعم الوكيل فيكم…. حسبي الله
ونعم الوكيل…..”
وقف يزن فجأه سائلا
بقلق…
“في إيه ياماما….مالك… ”
صاحت الهام بقهر….
“في ان ابوك اتجوز عليا يايزن…أبوك اتجوز.. ”
جحظت عينا يزن فجاه…. “إيه…أتجوز.. ”
قالت الهام بمكر تشعل النيران في صدر
ابنها….
“ومش بس كده دا لما خيرته بيني انا وانت وبينها
اختارها هي….وعرض عليا انه يطلقني لو مش عاجبني الوضع الجديد…. ”
“بابا عمل كده…” شعر يزن وكانه في دوامه من الصدمة…
فعقبت نصرة بعدم رضا….
“دا كلام يتقال بتشيلي النفوس من بعضها يا
إلهام….”
اشتعلت عينا الهام بكرهٍ فقالت بهجوم ليس
له رادع…..
“ايوا اعملي نفسك ملاك بريء بينا وبتهدي النفوس
وانتي طبخاها مع ابنك مش بعيد تكوني انتي اللي مشجعاه مانا عرفاكي عمرك ما حبتيني…”
انتصب عاصم وافقًا يسكتها بصوتٍ غاضب
مهيب…..”اخرسي يا إلهام…..”
اقترب منه يزن والشرار يتطاير من عيناه…
“مين دي اللي تخرس… اياك تكلم مع أمي كده…”
صاحت نصرة وهي تضع يدها على صدرها
بصدمة….
“يزن انت اتجننت دا ابن عمك اخوك الكبير…”
تشدق يزن بتمرد وهو امام عاصم وجها
لوجه…
“انا مليش أخوات وكل واحد بعد كده يلزم
حدوده…”
اثار حفيظة عاصم أكثر فصاح عليه….
“مين دا اللي يلزم حدوده…. انت جرا لمخك حاجة
انت بتكلم كدا ليه يالا انت هتكبر عليا ولا إيه فوق
يا يزن….”
مسكه عاصم من ياقة قميصة فنزع يزن يده قائلا بجحود….
“انا فايق كويس…. وعارف انا بقول إيه… ابويا اتجوز على امي وكلكم عارفين بده وساكتين.. هتقوله امتى
لما يجيب عيل من التانية ويشاركني في مالي…”
رفعت نصرة وجهها بصدمة تنظر لحفيدها…بينما
تشدق عاصم بعد ان سحب نفسًا خشن..
“مالك؟!…. وانت من امتى بتفكر كده… وبعدين دا مال ابوك وهو حُر فيه يعمل اللي هو عاوزة طالما
مش حرمك من حاجة يبقا ملكش تفتح بؤك وتعترض….”
سخر يزن بصفاقة وجهٍ….
“هتفضل تمثل الدور المثالي لحد امتى متعبتش
من الدور ده…اصله مش لايق عليك… ”
اشتعل صدر عاصم بعنف كأتون حارق فلم يسيطر
على اعصابه النافرة بل رفع قبضة يده بسرعة
وسدد له لكمه أسفل فكه بقوة اوقعت الشاب
ارضًا…..
صاحت الجدة برفض متألمة قبل ان تفقد الوعي
على مقعدها…. “عاااااصم…..”
اتجه اليها الإثنين معًا بقلق….بينما ابتسمت إلهام بضغينة وهي ترى الوضع يتأزم بين الجميع…
بعد لحظات خرج الطبيب من غرفة الجدة فاتجه اليه عاصم وخلفه يزن…..
“خير يادكتور طمنى….”
رد الطبيب بعملية مطمئنًا….
“الضغط علي عندها شوية انا ادتها حقنه تنزله
ارجوكم ابعدوها عن اي ضعوطات…عشان
ميحصلش مضاعفات عن كده…. ”
شكره عاصم بملامح مقتضبة…. ثم خرج الطبيب
برفقة الخادمة للخارج……بينما دخلا الاحفاد الى الجدة…..
مالى عاصم وقبل راسها ويدها قائلا
بحنو….
“الف سلامه عليكي ياحبيبتي….”
“الله يسلمك ياعاصم….”قالتها نصرة بوهن وهي
تنظر الى حفيدها الأصغر الذي لم يقترب ولو
بخطوة واحده نحوها…
لكنه قال من باب الواجب
والذوق…
“الف سلامه عليكي ياتيته….”
امتقع وجه نصرة بحزن وقالت…
“طالما قولت تيته تبقا زعلان مني… انا مقصدش اجرح أمك او اقهرها بشكل ده… بس ده كان اختيار
ابوك….”
اشاح يزن وجهه عنها فاسترسلت نصرة
مكملة….
“يعلم ربنا ان انا وعاصم حاولنا نوقفه عن اللي في دماغه لكن مفيش فايدة…. صمم يتجوز… وهو مش صغير يابني عشان نمنعه…ابوك عمل اللي يريحه
وانت كمان مش صغير يا يزن وعارف كويس مشاكله مع امك عامله إزاي….. مكنوش مرتاحين لكنه كمل عشان خاطرك محبش يبعدك عن امك او يبعد عنك..
كنت السبب الوحيد اللي خلاهم يكملوا….”
ثم تنهدت مضيفة بوهن..
“بس كل واحد وليه طاقة وهو جاب آخره.. انا مش ببررله…. بس هي دي الحقيقه يايزن وانت عارفها من غير ما اقولهالك….”
لم تجد منه الا الصمت التام فظنت انه الصمت
الذي ياتي بعد الندم فقالت برفق…..
“أعتذر لعاصم يايزن…. دا أبوك هو اللي رباك
معقول بدل ما اشوفكم سند وضهر لبعض القيكم
بتحاربه بعض….”
بلع عاصم ريقه بألم كمن يبتلع شفرة حادة…وهو
ينظر الى يزن بخيبة أمل…..
“يزن مبقاش زي الاول ياحاجة كل مادى بيبعد عني من قبل حتى حوار أبوه…فيه حاجه مغيراه من ناحيتي…..”
زوجتك هي من قلبت الموازين…وجعلتني أراك خصم
لابد من كسره حتى افوز بها ؟!…
اقترب منه يزن مبادر بالصلح والاعتذار….
“حصل خير حقك عليا…الخبر نرفزني شوية…
بس بعد كده ابقى خف إيدك علينا شوية…”
ابتسم يزن دون مرح وهو يتحسس فكه
المتورم…
فلم تلين ملامح عاصم بل قال بخشونة
يحذره….
“تستحقها يايزن..انا مش صغير عشان تهلفت بالكلام معايا كده…عيب دا انا اول من علمك الكلام فا يوم ما حسك يطلع يطلع عليا انا…مش اخلاق عيلة الصاوي…يابن مسعد الصاوي….”
قالها عاصم بتقريع صارم جعل يزن يشيح بوجهه عنه محاول السيطرة على اعصابه قدر المستطاع…..
هتفت نصرة بعتاب…
“خلاص ياعاصم حصل خير….”
هز عاصم راسه بملامح مقتضبة…
“عشان خاطرك ياحاجة بس هسامحه….”
اكتفى يزن بابتسامة مزيفة المعاني ثم استأذن
قائلًا…
“عن اذنكم….هروح اشوف ماما واطمن عليها…”
بعد ان أغلق يزن الباب خلفه…قالت نصرة بوجع….
“حساه بقا نسخة من الهام مكنش كده….اي اللي
قلب حالة بشكل ده….”
زم عاصم شفتاه بحيرة مثلها…
“العلم عند الله….ادعيله بالهداية….”
دعت الجدة بوهن… “ربنا يهديه وينور بصيرته…..”
جلس عاصم جوارها على حافة الفراش قائلا بمناغشة….
“روقي كده مش عايزين الضغط يعلى تاني…عندنا
فرح بليل ولا انتي مش ناويه تحضري… ”
قالت نصرة ببسمة واهية…..
“لا ازاي أكيد هحضر عشان خاطر شهد…كلمتها ؟…”
“اه بكلمها علطول…..”أكد عاصم وعيناه تلمع كنجوم في سماها عند لفظ إسمها…
قالت الجدة بمحبة….
“لما بتغيب البيت بيضلم من غيرها….”
ربت عاصم على كفها قائلا…
“انهارده هتروح معانا ان شاء الله….ارتاحي انتي
يا حبيبتي……”
……………………………………………………………..
في قلب فندق فخم وفي أحد الغرف….
انهت الفتاة المسؤولة عن تزين قمر اللمسات
الأخيرة على وجهها فقالت بإبتسامة واسعة…
“اي رأيك كده ياعروسة….”
نظرت قمر الى هيئتها كعروس بثوب الزفاف
الابيض والزينة الرقيقة وتاج العروس البراق
فوق قصة شعرها الرائعة…..
ثوب الزفاف التي ابتاعته منذ شهرين بقلبٍ ابله
متيم في حب مخادع…..محتال…..
كيف كانت بتلك السذاجة معه، كيف سمحت له بتلاعب بها بهذا الشكل المثير للشفقة ؟!….
” الميكب يجنن عليكي ياقمر… ماشاء الله
ياحبيبتي….. ”
قالتها شهد وهي تجلس بالقرب من أختها التي تجلس في المقعد المجاور وامامها العاملة المسئولة عن وضع الزينة لها والتي اوشكت على الانتهاء….
هتفت كيان بعد نظرة خاطفة
عليها..
“فعلا حلو أوي أحلى عروسة….”
اكتفت قمر بإبتسامة باهته لهن وهي تعود ببنيتاها
الشاجنة الى صورتها المنعكسة في المرآة والحزن
الذي اطال ملامحها ولم تقدر ألوان الزينة على إخفاء
آثره…..
أصبحت مجبرة على المتابعة في تلك المسرحيّة
الساخرة….. على الأقل اليوم فقط ؟!!…
اقتربت منها شهد وجلست بالقرب منها مربته على كفها وهي تسالها باهتمام…..
“مالك ياقمر في إيه….”
قالت قمر بمرارة….
“هيكون مالي يعني…. مانا كويسة أهوه….”
خرج العاملتان بعد ان طلبت منهن كيان..بينما
استرسلت شهد باهتمام….
“مش كويسة خالص… من الصبح وانتي متغيرة
وطول الوقت ساكته وسرحانه… وشكلك مش مبسوطه… دا كأن الفرحة انكسرت في عنيكي
فجأه….. هو حمزة زعلك….”
هزت قمر راسها بنفي….
“مفيش حاجه الأيام اللي فاتت مكنتش بعرف
انام كويس بس….”
قالت كيان بوقاحة….. “ولا هتنامي النهاردة….”
اتسعت عينا شهد بصدمة وهي تنظر الى اختها
معقبة…..
“وانا اللي كنت ناوية اديكي نصايح ليلة الدخلة..”
قالت كيان بغمزة عابثة…..
“داليدا نورتني الحمدلله….. صاحبة جدعة… مش اختي اللي لما سالتها قالتلي….. الحمدلله….”
ضحكت شهد بحياء…بينما اردفت كيان
وهي تنظر الى قمر……
“تحبي احكيلك ياقمر…..وانورك….”
رفضت قمر بملامح واجمه….
“لا انا تمام…. احتفظي بالمعلومات دي لنفسك…”
صدح هاتف شهد فرفعت الهاتف على اذنها وبعد
دقيقة قالت وهي تغلق الخط بملامح منبسطه…
“العرسان طالعين…”
خفق قلب قمر واغمضت عيناها بقوة محاولة السيطرة على نفسها قدر المستطاع امام من
خدعها وجعل منها اضحوكة…..
بينما ابتسمت كيان بسعادة وهي ترفع راسها للاعلى
تتأمل جمالها عبر المرآة في ثوب الزفاف الراقي والذي به تشعر انها عروس هاربة من فيلم قديم يعرض بالابيض والاسود… من شدة رقي اطلالتها الملائكية وحشمة التصميم المميز عليها… وقد اختارت بذكاءًا معه تسريحة شعر تلائم وجهها
وبساطة الثوب مع تاج ملكي فخم فوق رأسها.. والزينة على وجهها كانت متقنة ومناسبة
لها بشدة زادتها بهاءًا….
نهضا العروسان بعد ان طرق على الباب بهدوء
ودلف حمزة أولا بكامل اناقته ببذلة رائعة تبرز
جسده الصلب وجزعه المنحوت وقامة طوله
الرائعة.. مصفف شعره الناعم للخلف باناقة
ومشذب اللحية كان وسيم بشدة….وسامة تفوز
على غضبها الذي تبخر للثواني فقط عند طلته
عليها ثم عاد واشتعل أكثر بنار ثائرة بالكراهية….
تسمر حمزة مكانه يتأمل هيئتها كعروس والتي
سلبت عيناه وقلبه فور رؤيتها…
ترتدي ثوب زفاف أبيض يلمع بشدة وكانه مقتبسًا
من ضوء القمر ، يفصل خصرها المنحوت ثم ينزل
باتساع تنورة كبيرة تبتلع الباقي منها….ترفع شعرها
للأعلى في تسريحة عصرية وتضع تاج مرصع بم
يشبه الالماس شكلا ولمعةٍ……وبطبع زينتها تحتاج
للألف قصيدة غزل مع عيناها الكحيلة المزينة لكنه
لم يجيد إلا تعليق واحد عند رؤيتها ، تعليق خرج
من بين شغاف قلبه الى لسانه مباشرةً…
“يسلم من سماكي قمر…”
أبتسما شقيقتاه بسعادة معًا ونظرا لوجه قمر حتى يرصدا ردة فعلها الخجولة…..
لكنهما تفاجئا بها صامته بملامح متجمدة ونظرة
غريبة تشيع من عيناها نحوه…
تبادل حمزة معها النظر بصمت قاسٍ دون ان تحيد عيناه عنها ولف كلاهما شعور المؤلم ، معهُ تأكد
حمزة الآن بانها سمعت بكل شيءٍ دار أمس….
ورغم الجدية الشديدة على محياها الأقرب للجمود
لم يقلل هذا من جمالها وجمال اللحظة في عيناه..
لذا قرر ان يجاريها في لعبة الصمت والجمود تلك
وسيكون مـتماثلا أمامها في دور الأعمى حتى تخرج عن صمتها وتواجه الحقيقة كما تعود منها…..
بارك حمزة لشقيقته الصغرى وقبل راسها بعد
ان راها بثوب الأبيض الذي كانت به اشبه باميرة خرجت للتو من حكاية خيالية….
ابتسمت كيان بمحبة وهي تبادلة العناق مباركة
له ايضًا مع تمني حياة زوجية سعيدة….
ثم اقترب حمزة منها وعلى مراى من إبصار شقيقتاه
مالى عليها طابع قبلة على جبينها شديدة الحرارة والحب تلقتها قمر برفضًا شديد ظهر مع انعقاد
جبينها وانغلاق عيناها كمن يضغط على نفسه
حتى ينتهي الأمر…..
شعر حمزة بنغزة مؤلمة في صدره بعد ان ترجم
تلك الحركات النافرة منها…..
ابتعد عنها وهو يتنحنح بخشونة هامسًا باقتضاب
امام شقيقتيه…..
“مبروك ياقمر…..”
ردت برسمية شديدة وهي تمتنع عن
النظر إليه…”الله يبارك فيك….”
مد مرفقه المثني لها بصمتٍ فنظرت قمر اليه
للحظات بنظرة باهته باردة…..فبات الحلم المنتظر كابوس بشع ترفض الاستسلام له…..
بدت بوارد القلق على وجه حمزة وشعر انها ستنفجر
الان في وجهه رافضة النزول معه…..
لكن في اللحظة التالية امتدت اصابعها الطويلة تعانق مرفقه بصمتٍ خنيق…..
جعله يقترب من باب الخروج بخطوات ثابته هادئة
وداخله يتمنى ان يمر الأمر الليلة مرور الكرام وعندما
يصل لشقتهما سيحل كل شيء وينهي سوء التفاهم
بينهما……
نظرت كيان لاختها الكبرى وقالت بريبة…
“في حاجة غريبة بتحصل بينهم…مش حاسة
بكدة؟….”
قالت شهد بتريث….
“ربنا يستر….يمكن خلاف بسيط ومصيرهم يتصالحوا…..”ثم استرسلت وهي تقرص وجنة
اختها بمحبة…”المهم انتي اي الحلاوة دي…..”
ضحكت كيان بسعادة…..
“عيونك اللي حلوة ياشوشو…..”
“ملناش احنا في الكلام الحلو ده ولا إيه….”
لفظ الكلمة بشقاوة من دلف من باب الغرفة
للتو وعطرة النافذ دل عليه كالعادة قبل ان
تسقي عينيها الفيروزية من طلته الجذابة….
هتفت كيان بخجلا…”سـلـيـم….”
ارتوى قلبها وعينيها من رؤية حبيبها وهو يرتدي حلة العرس الفخمة المتانق بها بصورة خطفت انفاسها الهادرة مختلج النبض بين ضلوعها….كان مهندم الشكل… حلو الطلة… وسيم الهيئة…….
ابتسم سليم وهو يقترب منها بنظرة تشي بمشاعر
عنيفة تستوطن قلبه الان فور رؤيتها بثوب زفاف
امه…والذي اصبح على جسدها شيءٍ اخر مختلف وكأن تمردها الواضح في شخصيتها طبع على
الثوب فجأه !…
كانت جميلة عصفورة تسر العين ببراءة ملامحها وشقاوة عينيها بثوب زفاف جعلها أمرأه جميلة
اتت للتو من زمنًا بعيد…زمنًا يعشق تفاصيله
الراقيه….كما يعشق صخبها هي…..
تسريحة مميزة وتاج ملكي وزينة وجهًا مليحة
تسر العين كعيناها الفيروزية عند النظر اليها..
استأذنت شهد بحرج منهما وخرجت تنتظر في الخارج بعد ان باركت لهما بمحبة…..
بينما وقف سليم امام كيان وعيناه تاسرها
بحب قائلا….
“مبروك ياعصفورة…..واخيرا بقيتي المدام….”
ابتسمت كيان بخجلا فمنذ ساعة تقريبًا كانت تمضي
على قسيمة الزواج بيد ترتجف بسعادة…..
انتظرت كيان على استحياء قبلة منه تطبع على جبينها كما ترى في المواقف المشابهة لهذا.. لكنها
لم تجد الى عناق عناق متلهف دافئ حاني اغرقها
به…..
فتشبثت هي بدورها بذراعيه ولسعة الدموع تحرق
مقلتاها فجأة فاغمضت عيناها متنهدة وسكن جسدها
في احضانه باشتياق و….ارتياح…..
اخرجها سليم من احضانه وطبع بلهفة قبلتين على وجنتاها ثم الثلاثة على شفتيها فزمجرت كيان برفض فصاح سليم عليها بخشونة محتد…
“اعقلي انا لسه كاتب الكتاب…دا الحبر لسه
مرحش…”
رفع كف يده امام عيناها فرفعت هي كذلك اصبعها ليرى اثار الحبر عليه فاحاط خصرها بيده قائلا بشقاوة…..
“امال اي بقا فكي كده….خلاص بقيتي حرم سليم
الجندي رسمي….”
اسبلت كيان جفنيها بحياء قائلة….
“طب احنا هنفضل واقفين كده….يلا ننزل معاهم..”
مد سليم مرفقه لها فتأبطت اياه بخجلا والسعادة
تلمع من أعينهما بالحب….
…………………………………………
هبطت على السلالم برفق خلف العرائس بثوب رائع
رقيق من اللون العسلي بأكمام طويلة واسعة تتدلى اطرافها ملامسة الأرض بفخامة كسلطانة فاتنة، كـملكة جميلة… شعرها مرفوع للأعلى باناقة ويتدلى منه خصلتين على الوجنتين…تضع لمسات بسيطه من الزينة جعلت لوجهها اشراقة مختلفة في عيناه العاشقة…
كانت بين الجميع نجمة تضوي تخطف الأنظار بطلتها
الساحرة…..
خفق قلبه ولسانه يقولها سرًا كلما رأى
جمالها منير كنجم ساطع…..
“ما شاء الله….سبحان من صورك وجملك في
عيني يا ست الحُسن.. ”
لم يقو على ازاحة عيناه العاشقتين عن عيناها الجميلتين المبتسمتين والتي تلاقت به اخيرًا بعد
صبرٍ عظيم منه….
توسعت ابتسامتها في مداعبةٍ جميلة له وهي ترفع
حاجباها معًا في حركة سريعة متفاجئة بظهورة
أمامها فرد لها الإبتسامة باخرى أعمق وبلهفة
نداها دون همسًا ان ترحم فؤاده وتقترب… فإنه
والله أشتاق لها وبشدة…..
اقتربت كيان بهيئة العروس الجميلة من المستشار الذي اخذها في احضانه بمحبة مبارك لها وعيناه
تلمع بدموع الفرح….
بينما استقبال والدها كان بارد رغم انه اخذها
بين ذراعيه كي يحفظ ماء وجهه امام الجميع إلا
انها لم تشعر بشيء مشاعرها كانت باردة متبلدة كـ
كـحضن والدها تمامًا…..
جلست كيان جوار سليم على المقعد المخصص لهما
بقلب نفس القاعة الفخمة التي اقامت اختها عرسها بها سابقًا…
كذلك جلس حمزة وقمر في الجانب الآخر بملامح
هادئة فاترة رغم ان عينا حمزة مزالت تبرق بسعادة
فقد تزوج ممن مالى قلبه لها بعد الانتكاسات الكبرى الذي عاشها في السابق…..
ترجمة قمر لمعة عيناه السعيدة بالربح بعد المكاسب
التي نالها من خلف دور العاشق الولهان في علاقة حب مضحكة بطلتها اغبى مخلوقة على وجه الأرض
لدرجة انها الان ترفع القبعة له بقلبٍ مجروح ونظرةٍ مشمئزة…
فرغم كل هذا ترك لها المحتال أيام جميلة بطعم الصدأ !..
“مالك ياقمر ساكته ليه….”
مزال مستمر في اتقان الدور…نظرت اليه بملامح
صخرية جامدة وعينين باردتين….
“هقول إيه….”
سالها وهو يزدرد ريقه…
“سكوتك ورا حاجه…. مش مطمن….”
افترت شفتيها في ابتسامه مزدرية….
“وليه قلقان اوي كده….مع انك وصلت لكل اللي خطط ليه من الأول….”
ارتاع قلب حمزة بقوة بينما استفسر بثبات
انفعاليّ…. “اللي هو؟!….”
اتجه اليهما سلطان وداليدا متانقين معًا على أكمل
وجه يليق بمناسبة رائعة كتلك…..
“الف مبروك ياصاحبي…”قالها سلطان وهو يتنحى
به جانبًا…..
تبدلا العناق والتهنئة بخشونة…ثم قال حمزة
بخفوت وهو يفصل العناق….
“الله يبارك فيك ياسلطان….دا كلام جاي اخر
واحد القاعة دا احنا متفقين تبقا هنا من الصبح…”
اعتذر سلطان بنفس الهمس وعيناه على داليدا
التي يبدو عليها التعب والارهاق من اعراض
الحمل……
“المدام تعبت الصبح وروحت بيها للدكتورة….”
ساله حمزة باهتمام….. “خير مالها…..”
ربت عليه سلطان قائلا بغمزة عابثة..
“اعراض الحمل قلبه بترجيع ودوخه…بكرة تجرب..”
نظر حمزة الى قمر بصمت غريب…..
بينما كانت قمر منشغلة في الحديث مع
داليدا…..
“جايه متاخر ليه ياداليدا دا كيان هتاكلك….”
ابتسمت داليدا بجهد….
“لسه مهزأني وانا ببارك لها…بس اعمل إيه الحمل
متعب اوي انا لولا غلاوتكم عندي مكنتش خرجت
من البيت والله….”
ثم تابعت بتنهيدة ثقيلة…
“جاي معايا باكتئاب وترجيع ودوخه وحاجة زفت
وكل شوية عند الدكتورة…”
قالت قمر بعطف…..
“معلش استحملي ربنا يكملك على خير….”
ابتسامة داليدا بمحبة….
“شكلك حلو اوي بالفستان…بصراحة انتوا الإتنين
زي القمر اللهم بارك… ربنا يحميكم من العين….”
ابتعدت داليدا عنهما وزوجها يتبعها كظلها يده
تحيط كتفها باهتمام شديد….
اهتمام من نوع اخر كأب يرعى ابنته قبل ان تكون
زوجته الحبيبة…وأميرته المدللة…
فتح حمزة مجالا للحديث
قائلا….
“شكلكم بقيتوا صحاب…..”
قالت دون النظر اليه…. “اه تقريبا…”
تنحنح بخشونة وهو يتابع….
“بس جدعة وطيبة داليدا كيان بتعزها أوي…”
اكتفت بهزة مقتضبة….. “اه فعلا بتعزها…..”
عيل صبره فمن بين اسنانه
أردف….. “انتي بتردي بالقطرة كده ليه….”
قالت ببرود…”لساني وجعني….”
تمساك بزمام الصبر قائلا برفق…
“مالك ياقمر….هو دا الفرح اللي بقلنا شهور بنحلم
بيه…..”
عقبت بلهجة تقطر ندمًا وقهر….
“انا الوحيدة اللي حلمت…اما انت كنت بتخطط ازاي
تسرق احلامي وتبعها وتاخد تمنها…..”
جفلت ملامحه بشدة فظل يحدق بها للحظات كانت كالدهر في عيناه حتى لفظ إسمها….
“قـمـر…..”
مزالت تمتنع عن النظر الى عيناه فأمام عسليتاه
انهزامها الحقيقي….فقالت بقوة جبارة….
“مش هنتكلم هنا…مش هنتكلم هنا ياحمزة….”
…………………………………………..
اقتربت منه بخطى هادئة وظهرًا منتصب بكبرياء يليق بسيدة الحُسن والجمال… تلاقت عيناه
العاشقة بعسليتاها المبتسمتين بالدلال ..
سحب نفسًا خشنًا بعد ان مالت على الجدة
نصرة تاخذها بالاحضان قائلة بحفاوة….
“فرحت اوي انك جيتي ياماما… نورتي المكان والله…”
قالت نصرة بابتسامة مجهدة….
“جيت عشان خاطرك والله… مع اني مكنتش
ناويه اجي..”
انعقد حاجبا شهد مستفسرة…..
“ليه كده بس….. خير….”
قالت نصرة برفق….
“تعبت شوية الصبح والضغط علي عليا…بس الحمدلله بقيت احسن….”
على تعبير الحزن وجه شهد فتاوهت بتأثر
وهي تربت على كتف الجدة بحنان…
“لا الف سلامه عليكي… لو كنت اعرف والله كنت قولت لعاصم يخليكي مرتاحة ولا إنك تتعبي نفسك وتيجي المشاور دا كله….”
قالت الجدة بمحبة نابعة من قلبها…
“انا بقيت احسن الحمدلله.. وبعدين مش هاجي لاغلى منكم يعني…. مبروك لاخواتك….”
ردت شهد مبتسمة….. “الله يبارك فيكي ياماما…..”
ثم جلست بينهما بالقرب من عاصم ومالت عليه
قائلة بعتاب….
“لما كلمتك الصبح مقولتش ليه انها تعبانه…..حرام تيجي وهي كده…باين عليها التعب…..”
رمقها بطرف عيناه قائلا بصوت أجش….
“هي اللي صممت تيجي…خافت على زعلك…المشكلة فيكي انتي ياست الحُسن…ليكي تأثير جبار على كل اللي بيحبوكي..”
خفق قلبها بلوعة وعيناها مأسورتين بعيناه….فمسك عاصم يدها ومرر ابهامه بحركة دائرية مداعبة على ظهر كفها هامسًا بحرارة….”وحشتيني يـا شـهـد….”
ابتسمت شهد قائلة بلوعة الشوق…. “وانت كمان….”
لوى شفتيه مؤنبًا اياها بتهكم….
“مش باين اليومين اللي غبتيهم عني مرفعتيش سماعة التلفون من نفسك تطمني عليا…”
قالت شهد بحرج شديد وعيناها تعرف موطنها….
“صدقني كنت مشغولة ليل ونهار….تقريبا انا منمتش ساعتين على بعض في الايام اللي فاتت دي كلها..
غصب عني والله ياعاصم…..”
تحسس كفها برقة باعث ذبذبات حميمية في
جسدها المتعطش له….
هل بسبب الوحم الذي يجعلها تشتهي قرب زوجها منها كلما سنحت الفرصة بذلك… ام انه مفعول الشوق الفتاك في جسدها الظمأن للهوى….
“النهارده هتنامي وترتاحي في حضني…”
همس بها عاصم فاغمضت عيناها لثانية واحده ثم فتحت اهدابها اليه تقابل عينيه القادرتين على
ارباكها بنظرة جادة نافذة……
لعقت شفتيها قائلة بحياء….
“اكيد ياحبيبي….انا محتاجه انام أوي….”
بالقرب من اذنها همس بعواطف
جياشة…. “وانا محتاج حضنك أوي….”
ضحكت دون صوت….فنظر عاصم لها قليلا ثم انزلقت عيناه على بطنها البارزة قليلا من هذا الثوب الرائع….بروز شهي يدل على بذرة حبهما التي تكبر يومًا بعد يوم بين احشاؤها…..
“اي اخبار ابننا…”
وضعت يدها على بطنها بتلقائية الأم….قائلة
ببسمة عذبة…..
“الحمدلله كويس…..أعمل حسابك هنروح للدكتورة سوا الكشف الجاي عشان هتعرفنا نوع الجنين….”
اشاح عاصم بوجهه عنها قائلا….
“يامسهل….ابقي عرفيني قبلها بس….”
نظرت شهد لجانب وجهه بقلق…ثم سالته
بعد لحظات…..
“مالك ياعاصم في حاجة مضايقك…..”
هز راسه بنفي وهو يعود اليها يحتويها بنظرة
حانية رغم الحزن الساكن في حدقتاه….
“ولا حاجة ياحبيبتي انا كويس….”
رفعت حاجبها بتسلط…
“معقول هتخبي عليا…باين في نظرت عينك….”
سالها بهدوء….. “واي هو بقا اللي باين في عيني….”
قالت بحنق بالغ…
” انك مضايق في حاجة حصلت مضايقك…..”
زفر عاصم يخبرها بالقرب من مسامعها وسط
ضجيج القاعة المكتظة….
“ولا حاجة شديت مع يزن شوية….ومديت ايدي عليه…”
خفق قلبها بهلع على سيرة هذا الشاب الذي لم ترتاح له يومًا ربما بسبب الشبه الواضح والكبير بينه وبين
عدوتها…..او لان نظراته الجريئة عليها تضايقها
والهراء الذي تفوه به قبل رحيلها من البيت زاد
نفورها نحوه….
سالته بعد لحظة صمت….”بسبب ايه؟!….”
تنهد عاصم بصدر ضاق بالحزن وخيبة
الأمل…..
“موضوع يطول شرحة….هبقا احكيلك بعدين….”
“انت بتحبه اوي كده ياعاصم….”لم تتوقع ان تنطق بسؤال قفز في عقلها فجأه…..
أكد عاصم بما لا يقبل الشك….
“طبعا ياشهد….. دا ابني اللي مربية…..”
اطرقت براسها غارقة في دوامة من الحزن والذنب
فهذا الابن الصغير يشكل خطر في علاقتهما…
“شامم ريحة غيره….”
قالها عاصم بمرح طفيف…..فجارته في الكذبة مؤكدة
“تصور وصل احساسي معاك اني اغير عليك من ابن
عمك…..”
عقب بجملة تخجلها وتضحكها في نفس
الوقت… “يسلملي الغيور….”
انتشر الوهج في وجنتاها فضحكت بعدها
هامسة بوله…. “عااصم…..”
ابتسم عاصم لعيناها قائلا بعينين تفضيان
عشقًا….
“مين يقدر يوصل لمكانك في قلبي ياشـهـد
مشاعري وقلبي معاكي في حته تانيه……”
رفع كفها وطبع قبلتين حانيتين عليه فخفق قلبها
بسرعة وسرى الدفء في أوردتها….بينما عيناها
مأسورتين به الان……وربما للأبد……
…………………………………………………
تافف حمزة وهو يرى ان الصمت بينهما يزداد قتامة وبرود وسط الفرح والصخب المقام حولهما….
فنظر لها ليجد انها على وضعها منذ اكثر من ساعتين صامته هادئة وان لانت شفتيها بابتسامة تكون مغتصبة جافة أمام عدسات التصوير….
“احنا هنفضل كدا يعني ولا إيه… فهميني…
عايز افهم….”
جزت على اسنانها قائلة….. “نعم… عايز إيه….”
بصوتٍ هادئ سالها…..
“هتفضلي قلبه بوزك كده… في يوم زي ده؟!…”
قالت بتمرد….. “والله اذا كان عاجبك….”
رد بسرعة….. “مش عاجبني…”
قالت باستنكار بارد…. “بسيطه اشرب من البحر….”
عض على باطن شفتيه بوعيد…
“بقااا كده ياقمر….”
أكدت بكبرياء دون النظر لعيناه…..”هو كده…..”
زمجر حمزة ناهضًا عن مقعده….
“تمام…. انا مش هنكد على نفسي ولو القعده عجباكي خليكي مكانك….”
رفعت عيناها اليه بحيرة…. “انت رايح فين….”
رد باسلوب بارد يماثلها…..
“رايح انبسط مع صحابي اللي جايين يجملوني ويفرحوا معايا…..”
وامام عينيها الذاهلتين الحزينتين رأته يدلف بين كومة من الشباب يصيح معاهم بفرح وقد أعطاه احد اصدقاؤه عصا غليظة كي يرقص بها وهم من حوله يهللو بسعادة مع الأغنية التي بدأت للتو…..
(انت جاي منين ياعم انت جاي من اي حته..نفسي
احطك جوا قلبي نفس ابوسك حته حته…..)
ثم نظر الى قمر وبدا يحرك عصاه بخفة امام عيناها
الحانقة…..وتابع وهو يغني مع الأغنية يخصها
بكلماتها شديدة الغزل والوقاحة…..
(العيون والنعمة طلقه انت زيك عمري مالقى من الشفايف نفسي ادوق انت كلك تفحايه حتى روح بص في مراية باختصار انا كلي شوق ياسيد الناس… يا واخد قلبي ومسيطر على القلب وكمان على الراس… ما تهدى ياواد وحن ياواد يامدلع عشقت خلاص ياسيد الناس انا هولع..ياسيد الناس…..)
كان يغني بيده وعيناه وأشار على قلبه بشقاوة اكثر من مرة لكنها بعناد لم تتجاوب معه بل اصرت على صمتها البارد متمسكه بكبرياؤها المطعون !…
رغم ان بنيتاها الجميلة تلمع بشدة عند النظر إليه وشفتاها تلين في ابتسامة تكاد لا تدركها العين…
ورغم هذا كلما تسرب شعور الدفء اليها تضع على
قلبها ومشاعرها أمامه لوح جليد….
فالدفء هو حبها له والحب يعني ندم تتجرع مرارته الان ببطئ شديد…..والسعادة التي يطلبها منها تحولت داخلها لكومةٍ من الرماد……
انتبهت الى شابة جميلة بثوب أزرق قصير ترقص بالقرب من حمزة المنشغل بين اصدقاؤه يغني ويرقص معهم بعصاه…..
تلاقت عيناها بعينا حمزة الذي خلع السترة فورًا وكورها بين يده ثم رفعها على مرمى عيناه…..
اغمضت قمر عيناها بصدمة وظنت لوهلة بانه سيلقي السترة في وجهها امام الجميع لكنه أعطاها الى صديقة في اللحظة التالية وهو يضحك…ضحكة مستفزة اختلج معها قلبها…..
فعادت عيناها تشتعل بالغيرة من تلك الفتاة التي تكاد تلتصق به في تمايلها بين الشباب…وخزة قوية اصابت قلبها المجروح… وخزة اشبه بنخر في العظام مما جعلها تنهض بهيئة العروس وتقترب منه جاذبة الأنظار لها…..
عندما راها حمزة اقترب منها تارك الشباب خلفه مع بعضٍ من الفتيات اللواتي انضما للرقص بعد ان نالت الأغنية إعجابهن…..
رقص حمزة امامها بالعصا وهو يغازلها بعسليتاه
البراقة في منتصف ساحة الرقص……..
(الخدود…. الخدود تفاح مقشر على الشفايف والشفايف أحلى واطعم من الكريز القوام
….القوام والشعر لاسمر فوق كتافك…)
مسك خصله من شعرها واستنشقها بشوق فنزعتها قمر بضيق مرتديه قناع الجمود…
فـوقوفها أمامه هكذا لم يكن إلا فرض سيطرة أنثوية
عليه ليس إلا……
زم حمزة شفتاه وهو يمسك يدها بتسلط….والاغنية
مستمرة…..
(ماتهدى ياواد وحن ياواد يامدلع عشقت خلاص
دا انا هولع…ياسيد الناس…..)
حاصر خصرها بعصاه وهو يميل عليها هامسًا
بكلمات الأغنية……
(انت جاي منين ياعم انت جاي من اي حته…نفسي احطك جوا قلبي نفسي ابوسك حته حته…العيون والنعمة طلقه انت زيك عمري مالقى باختصار انا كلي شوق….)
اغمضت عيناها على كتفه وسالت دمعتين حارتين على وجنتيها…..
…………………………………………………
مسك سلطان يد زوجته سائلا
بقلق…. “حاسه بتعب دلوقتي….”
افترقت شفتيها في ابتسامة
حانية….
“يعني شوية…. اطمن انا كويسه…”
قال بوعيد وهو ينظر الى بطنها….
“لم يجي ابن الكلب ده…. هيطلع كل ده عليه….”
شهقة داليدا بدلال قائلة……
“اخص عليك ياسلطن دا انا مستنياه بفارغ الصبر…”
ثم وضعت يدها على بطنها وتحسستها بمشاعر الامومة التي تتمكن منها يومًا بعد يوم…..
“انا كل يوم بيعدي عليا… بتعلق بيه أكتر… من غير
ما اشوفه بحبه أوي….”
زم سلطان شفتيه بغيرة….
“وناويه تسميه إيه اللي هيشاركني في حبك ده..”
برقة عينا داليدا بعد لحظة تفكير…
“اي رأيك في محمد….”
ابتسم سلطان باستحسان وعقب بمشاكسة….
“يعني بقيتي ام محمد رسمي طب ولو بنت….”
قالت بسرعة…..
“هسميها مليكة…. بحب الاسم ده أوي….”
اتكأ سلطان على يدها بين قبضته قائلا
بلهجة تفيض عشقًا….
“وانا حبيته عشانك يا ام محمد ومليكة….”
ارتاحت براسها على كتفه
هامسه….
“بحبك اوي ياسلطن….”
طبع قبلة على جبينها قائلا
بخفوت…
“وانا بموت فيكي يادواد…..”
ثم ظلت اعينهما معلقه على ساحة الرقص حتى عقبت داليدا بابتسامة بسيطه…..
“الفرح حلو أوي مش كده…..”
اكتفى سلطان بايماءة من عيناه يوافقها الرأي وخده يرتاح على راسها بينما ذراعه تحيط كتفها بامتلاك ولم يهتم بنظرات أحد من حوله ففي لحظة قلق واهتمام بزوجته الحامل أصبح نسخة مصغرة من والده الذي كان يرى اظهار مشاعره بتلك الصورة ضعفٍ…
الان فقط علم ان الضعف الحقيقي فمن حجب
الحب عن احبابة خلف قناع الصمت والجمود…
…………………………………………………….
وقفت كيان بثوب الزفاف الرائع والمريح في الحركة فتنورة به تأخذ اتساع بسيط يسهل السير والحركة.
بدأت تتمايل في ساحة الرقص امام عينا سليم والجميع من حولهما يطلق صيحات صاخبة تشارك فرحتهما وبعضٍ من أصدقاء الجامعة القدامى اطلقوا الزغاريد والتصفيق الحار فاعلين جوٍ رائع مع الأغنية التي اختارتها كيان لتغنيها الى سليم مع صوت المغني…..
بدأت تميل بخصرها وهي تقول مع الأغنية
بشقاوة….
(ياعم وعم قلبي…يامعلمني الهوا….اتفضل جوا قلبي تعالى نعيش سوا….ياسيد الناس ياجامعة في الحب وفي الملوعه انا قلبي ناره والعة وفي ايديك الدوا اديني هات هات هات…اديني هااات هات هات…..)
ضحك سليم بقوة وهو يمسك يداها فمن فتاة محبى
للكيدراما لعاشقة تعبر عن مشاعرها باغاني شعبية
لم يسمعها يوما إلا عن طريقها هي ؟!…
تركيبة عجيبة يقف المرء امامها مشدوهًا يتجدد الشغف لديه على الاقل كل دقيقة بقربها…فتلك العصفورة حياةٍ كامله بتفاصيل مبهجة بالحب والحياة التي كان بحاجة لها قبل ان يصادف
حبها خلسة..
ظلت عيناه تتاملها بعينين عاشقة بينما هي تتابع غناء وهي تعطيه غمزة شقية…..
(صباح أبيض وقشطة وخالي من القلق وخالي من
الاونطه يا أجمل ما خلق….تعالى اسقيك غرام ونخلص في الكلام……تعالى اسقيك غرام ونخلص في الكلام…..)
وقفت ترقص بين اصدقاؤها اللواتي صاحوا
معها بصخب…..
(ياسيد الناس ياجامعة في الحب وفي الملوعه…اديني هات هاات… اديني هاات
هاات هاات……)
سحبها سليم بعد لحظات من ذراعها بخفة لتقع على
صدره فرفعت عيناها الامعة اليه واحاط هو خصرها بكلتا يداه ثم دوى صوت المغني مستمرًا بسلطنة وهي بين ذراعي زوجها تتمايل….
(انا عايزك تبقا ليا والحب اتهنى بيه ونقضي اغلى غيه هناخد من الدنيا إيه…غير حبة المحبة ما تيجي نكون أحبه…غير حبة المحبة ما تيجي
نكون أحبه..ياسيد الناس ياجامعه فى الحب وفى الملوعه ان قلبى ناره والعه وفى اديك الدوا…)
حملها سليم عن الأرض ودار بها امام الجميع وهي في احضانه تخفي وجهها الضاحك في عنقه هامسة بعدة كلمات متوسلة تنتهي بـ…….(بحبك)….
…………………………………………………………..
بعد ان انتهى الاحتفال صاعدا الى غرفة مخصصه للعرسان في قلب الفندق الفخم قد حجزها سليم
سابقا للمبيت بها ثم ينتقلا غدًا في الصباح الباكر
الى أحد المناطق الساحلية البعيدة عن هنا لقضاء شهر عسل كما اتفقا…..
دلفت كيان من باب الغرفة ووقفت في منتصف المكان ترمقه بنظرة متفحصة وبملامح هادئة
أغلق سليم الباب خلفه واقترب منها….ثم عانق خصرها من الخلف محتويها بذراعيه هامسًا بالقرب
من اذنها بصوتٍ أجش مرهق….
“مبروك ياعصفورتي…واخيرًا بقيتي مراتي…بعد
عذاب…..”
اطلق زفرة صغيرة اربكتها اكثر من كلماته الممهدة
للقادم….. زفرة تحمل عطره القوي….كـقوة خفقات
قلبها الان بقربه…
الأمر صعب….صعبٍ جدًا ان مفاصل قدميها تهتز
اسفلها وكأنها ستسقط من مجرد زفرةٍ بالقرب
من اذنها….ماذا ان عانقها وقبلها ومد يده على
جسدها بوقاحة…..
بلعت ريقها بصعوبة وهي تنزع جسدها عنه فجأة
لتلف حول نفسها في مواجهة صريحة لعيناه…
فابتسم سليم وهو يتأمل وجهها…وجمالها كعروس بـهيئة خلابة ونظرة خيلاء قوية المعاني….
زادت لمعة عيناه مكرًا فاليوم سيفسد الهيئة والنظرة
ويحولهما للوحة فنية، لامرأة هائمة بين ذراعي زوجها فاغرة الفم بعينين فيروزية تلمع من شدة النشوة……
لطالما زاره هذا الحلم الخبيث خلسة في ليالٍ باردة
دونها….وكان يتمتع برؤيته وكأنه المنفذ على الصبر عليها طوال تلك الأشهر التي كتبتها عليه كالحجر الصحي….
اقترب منها سليم خطوة قائلا بشقاوة…
“ايه مفيش مبروك ياحبيبي…..سرانغي حتى….طب واحده مبروك بالكوري….”
مطت كيان شفتيها….. “تشوكاهي يـاسليم…..”
غمز لها بمناغشة وهو يقترب منها خطوةٍ أخرى…
“تشوكاهي علينا كلنا والله….دا اليوم اللي مستنية
ياعصفورتي…. ”
تبادلا النظر بصمتٍ فقال سليم والبسمة محفورة
على محياه…..”مش هتغيري ولا إيه…..”
ارتبكت وتراجعت خطوة للخلف…
“اغير…….اغير إيه بظبط….”
نظر للثوب قائلا بإيجاز… “الفستان هتنامي كده….”
نظرت لموضع عيناه ثم عادت إليه وقالت بوجهًا
شاحب… “لا اكيد هغيره…”
بنظرة حانية تعجل قائلا…..
“طب يلا عشان انا كمان عايز اغير البدلة….”
ارتعبت فجأه وقالت وهي تتراجع
للخلف….
“تغير البدلة…..ليه….هتغير ليه….”
انعقد حاجباه متوجسًا….
“اي الاسئلة دي ياعصفورة أكيد مش هنام كده يعني…..”
سالته بعفوية…. “هو انت هتنام ؟!…”
رد سليم بمشاكسة وقحة….
“دا يوم ينفع الواحد ينام فيه برضو….ما احنا يامه
نمنا خدنا إيه…. ”
نزع سليم السترة عنه والقاها على الفراش باهمال….
فقالت كيان بذعر…
“انت بتقلع الچاكت ليه…..”
رد ببساطه وهو يفك ربطة العنق
ايضًا…..
“حران انتي مش حرانه برضو….”
ثم استرسل بخبثٍ شقي….
“متفكي كده…..تحبي اساعدك في قلع الفستان
انا حاسس انه صعب….”
قالت بتهرب وهي ترتجف بخوف…
“لا مش صعب خالص دا بيتلبس وبيتقلع بسهولة
متشكرة..”
زم شفتاه ممتعضًا…. “العفو…..”
ثم نزع سليم ربطة العنق وهو يسالها
بوجوم….
“هو انتي مالك ياكيان قفشه ليه…..”
نظرت له بطرف عيناها قائلة
بتردد..
“قفشة ازاي يعني مش فاهمة….”
فتح أول ازرار قميصة وهو يذكرها بسخرية
لاذعة…..
“يعني في القاعة تحت كنتي فكه كده وفرفوشة
وبتغني اسقيك غرام وتعالى نكون احبة فين
الكلام ده….”
توهجة وجنتيها بحرج شديد فقالت بدفاع…
“دي مجرد اغنية ودا تعبير مجازي اكيد مش
هسقيك غرام يعني…”
لوى شفتيه مستهزاء بملامح
قاتمة..
“امال هتسقيني إيه….مرار !!..”
فغرت شفتيها مع اتساع عيناها وقالت بعد
لحظة استيعاب…..
“اي سوء الظن ده…اكيد لا بس يعني انا لسه
مش واخده على الوضع الجديد….”
سالها بسأم…. “وهتاخدي عليه امتى…..”
قالت هازئة بمزاح ثقيل…..
“لما اغير الفستان……انا شايفه اني لو قلعت الفستان
هقلع برقع الحيا معاه…”
تجاوب معها بوقاحة معقبًا…
“مش لدرجة برقع الحيا….اقلعي الفستان وسيبي البرقع انا هقلعهولك بطرقتي….”
زفرت كيان بنفاذ صبر وهي تحتج…
“معنى كلامك انك…. عايز تعمل قلة ادب…..
ومعايا…..”
رفع حاجبه مندهشًا ثم لم يلبث الى وصفق
مرتين لها مجيبًا بسلاسة…..
“بسم الله ماشاء اي الدماغ والمفهومية دي…اكيد
ياعصفورة الجاي كله ملوش علاقة خالص بالادب…”
عضت على باطن شفتيها قائلة بتخوف…
“بس انا….انا مش مستعده…اي رأيك نصبر شوية
اهو نقرب من بعض اكتر….”
“عندك حق…. تعالي…..”سحبها فجأه من خصرها
الى احضانه…فقالت برهبة…
“بتعمل إيه ياسليم….”
رد بصوت مضطرم بالعواطف….
“بنقرب من بعض أكتر مش ده اللي انتي عيزاه…”
ازدردت ريقها بتردد…. “انا أقصد….”
قاطعها سليم بحزم وهو يحررها من بين يداه
برفق…
“غيري الفستان وخدي وقتك….بدل ما اغيره انا بطرقتي….”
قالت بتهدج….. “ليه العنف ياسليم…..”
اجابها بصوت حاني دون تبسم….
“فين العنف ياعصفورة….انتي اللي قلبك حجر وعايزة تبوظي اليلة بكلام فارغ…..”
…………………….
دلفت الى الحمام وبين يدها هاتفها وقميص نوم حريري قد وصتها داليدا ان ترتديه بعد ان ابتاعته
لها كـهدية عرسها…..
رفعت الهاتف على اذنها وهي تقف خلف باب الحمام بقلب متسارع الخفقات….
هتفت بهمسًا منخفض جدًا حتى لا يسمعها سليم
بالخارج….
“داليدا الحقيني….انا نسيت اللي انتي حفظتيهولي..”
قالت داليدا على الخط الاخر بصوتٍ مجهد..
(نسيتي ازاي يعني…دا انا عدت الكلام عليكي اكتر من مرة….)
قالت كيان بأنين متوسل….
“اهو اللي حصل بقا…قوليلي اعمل إيه…انا متوترة
انا خايفه منه…..انا حاسه انه هياكلني….”
ضحكت داليدا بقوة ضحكة مائعة رنانة ثم تأوهت
في الاخير وهي تضع يدها على بطنها بتلقائية..
(يخربيتك ياكيان….بطني وجعتني اكتر ماهي
وجعاني….هياكلك ازاي يعني…..مش للدرجادي
الموضوع سهل وبسيط…..محتاج شوية ليونه منك.)
زمت كيان شفتيها مستهجنة….
“ليونة اي بس هو انا راحه العب يوجا…بقولك ياداليدا حاسه انه هياكلني….نظراته غريبة..
غريبة أوي….مش مريح… ”
قالت داليدا باسلوب خبير…..
(ماهما نظراتهم بتبقا غريبة لما الموضوع يرتبط بالي
بالي بالك….والحنية بقا والصبر بيدلدقوا منهم…..
سبحان يعني من مغير الاحوال بيبقوا حالة تانيه..)
زفرت كيان بتوتر متحدثه بعدها بسرعة البرق…
“طب انا اعمل ايه ياداليدا اتصرف إزاي… اسأل شهد
هتقولي الحمدلله…تقريبًا متعرفش غيرها في الاسئلة
اللي زي دي…. طب اتصل بـقمر…. طب افرضي رنيت
في وقت غير مناسب وهما مثلا مع بعض… شكلي هيبقا إيه…. وممكن حمزة يقلق عليا فيروح متصل
بسليم وتبقا فضحية….”
انهت كيان الحديث بلطمه قوية على صدرها…
فزمجرت داليدا بقنوط….
(الله يخربيتك ياكيان وترتيني انا وابني…انتي بتكلميني منين بظبط… هو جوزك مش جمبك..)
قالت كيان بهمسًا….
“لا طبعًا….. انا بكلمك من الحمام….”
شهقة داليدا قائلة بتعجب….
(ماشاء الله في شبكة في الحمام دي بتقطع عندي
مسافة ما بدخل اوضة النوم…)
جفلة ملامح كيان لبرهة ثم جزت على اسنانها
قائلة بانفعال مكتوم….
“انتي بتقولي إيه… شبكة ايه وزفت ايه دلوقتي..
اعمل ايه ياداليدا انا خايفه…..”
قالت داليدا بجدية…..
(خديها قاعده من اختك داليدا اللي تخافي منه متلاقيش احسن منه….خدي دش بارد كده وفوقي
والبسي البيبي دول اللي انا اشترتهولك واخرجي بيه…)
رفعت كيان حاجباها معًا…. “بس كده…”
قالت داليدا بمناورة….
(أيوه بس كده… مهمتك انتهت لحد كده…)
ابتسمت كيان وهي تاخذ انفاسها بارتياح…
“والله طب ماهي سهلة وبسيطه اهي امال انا رعبة
نفسي ليه….”
قالت داليدا بمناكفة لذيذة….
(مش عارفه انتي منكدة على نفسك ليه صحيح خليكي فرفوشة كده… وبعدين انتي مش كنتي عماله
ترقصي قدامه في الفرح وتقوليله انا قلبي ناره ولعه
وفي اديك الدوا….ما تسبية يطفي نارك يابت…)
اطلقت داليدا بعدها ضحكة عالية رنانة الإيقاع
معها زمجرت كيان بوجهًا محمر غضبًا….
“ااه ياداليدا ياجزمه…. والله لو شوفتك هاكلك
بسناني…”
قالت داليدا باسلوب كياد…..
(ياختي اتنيلي دا انتي اللي هتتاكلي كمان شويه..
يابتاعت النار والولعه…فين قمر تشمت فيكي..)
هتفت كيان باهتياج…..
“ماشي ياداليدا انا اصلا بنادمه مهزءه اني اتصلت بيكي انتي عشان تنصحيني في ساعة زي دي
استاهل ضرب الجزمة….”
خففت داليدا من مزاحها قائلة بحنو….
(ماشي ياستي هعتبرها كلمة شكرًا بتاعتك.. ابقي
طمنيني الصبح ها…و زي ماتفقنا اعملي… سلام ياعروسة…..)
اغلقت كيان الهاتف وهي تنظر الى قميص النوم الحريري بين يداها للحظات مفكرة ثم زمت شفتيها معًا باستسلام وهي تفتح صنبور الماء وتبدأ بنزع ثوب الزفاف عنها…
تململ سليم وهو ممدد على الفراش بعد ان ارتدى
بنطال مريح تارك صدره العاري عرضة لهواء المكيف
ولعيناها….
فـفور خروجها من الحمام تسمرت مكانها تنظر اليه
هكذا….صدره العريض العضلي المتشرب قليلا من سمار أشعة الشمس وذراعيه القويتين الصلبتين…..
انه يمتلك وسامة مهلكة تجعلها الان تقف كالبلاهاء تنظر اليه…
شعر سليم انه عرضة للمراقبة فرفع عيناه على
باب الحمام ليجدها واقفه عنده تنظر اليه بشرود….
ازدرد ريقه وهو ينهض من مكانه واقفًا امامها عن
بعد خطوات وعيناه تسبح في تفاصيل جسدها
بعد ان ارتدت هذا الثوب القصير الذي لم يترك للمخيلة شيءٍ….
كان ثوب حريري قصير من اللون الوردي الشاحب
يلتف على جسدها الناعم يبرز مفاتنها وحسن قوامها يكشف عن بشرتها البيضاء وذراعيها وكتفها وساقيها المكتنزنان شديدتا البياض والمعان….شعرها البندقي مرتاح على كتفها وزينة وجهها مزالت تترك اثر عليها
وكانها تنتظر سيدها كي يفسدها لها باسنانه وشفتيه
تقدم منها بخطى هادئة وعيناه تلمع بالرغبة والاشتياق…..
فعلى تنفس كيان بشكلا ملحوظ وبدا يتحرك صدرها
بحركة بسيطة وهي تنظر اليه بتردد شاعرة بركبتها
تتخبط اسفلها بوجل…..
حتى وقف سليم أمامها وعيناه تلتهمها بنظرات جريئة متقدة تكاد تصهرها…..
وضع سليم يده على فكها ورفع وجهها اليه برفق حتى اصبحت عيناها في قبلة عيناه المنتظرة
بلهفة….
“اي الحلاوة دي عصفورتي… دا انتي مُزة….”
اتسعت عينا كيان بصدمة… ولم تتوقعها منه…
فمالى عليها قائلًا بهمسة حارة..
“يخربيت حلاوتك…..دا واضح ان هالة كانت بتدعيلي من قلبها….”
وقبل ان تترجم الجمل وتمعنها وجدت شفتيها تلتهم
بداخل فمه وسائل دافئ يلطخ من حولها…
زاداد اتساع عيناها بصدمة مشمئزة.. وقد تخشب جسدها كليًا بين يداه لوهلة غير مصدقة ان القبل التي كان يرتجف معها قلبها في بعض المسلسلات الكورية… بهذا القرف…
لماذا يستعمل لسانه في فمها….ما العبرة ؟!…ولماذا
يداه تزداد جرأة وكأنها ترسم جسدها ومنحنياته
البارزة……
لم يلمسها أحد هكذا ولم يقبلها احد هكذا…كل شيءٍ
جديد وغريب….
قلبها يرتجف بشدة بين اضلعها رجفة غريبة..رجفة محمومة متجاوبة معه…..بل انها بدأت تفتح فمها
اكثر مستقبلة قبلاته الناهمه بضعف وانين غريب يصدر من جوفها الظمأن للحب.. وقد بدا جفناها
في الارتخاء بنشوة….بل ان مفاصل جسدها كلها
ارتخت وذابت بين يداه….
لدرجة انها سقطت بضعف فالتقطها سليم قبل ان تسقط ارضًا ثم رفعها بين ذراعيه بخفة وكأنها
لا تزن شيء…..
ولم يفكر في التوقف عن تقيبلها بل كانت شفتيه
الشهوانية تلثم كل ما تقابله….شفتيها…. وجنتاها عيناها المغمضة… انفها….هبوطًا الى جيدها الذي يقضمه باسنانه بخفة تارك علامات ملكية عليه…..
وضعها على الفراش منضمًا لها ففتحت كيان عيناها
وهي تنظر اليه بوجهًا احمر خجول….
“سـلـيـم….”
داعب سليم انفها بحب هامسًا امام شفتيها المتورمة الحمراء اثار هجومة العاطفي….
“ياقلب سليم….. بحبك ياعصفورتي…..”
ابتسمت بوجهًا متوهج فاقترب من شفتيها مجددًا
يقتحمها بالقبل الحارة…..ويداه تعمل على نزع قميصها الحريري الذي أفقدهُ صوابه فور رؤيتها
به…..
جرفها معه الى غيمةٍ وردية دافئة استقرا عليها لساعات يمارسا الحب لأول مرة…..
………………………………………………………….
اغمضت عينيها وهي تنظم انفاسها المرتجفة مرتاحة
براسها على صدره ويده تداعب كتفها العاري بانفسًا
متحشرجة….
لم تتوقع ان يتفوق شوقها على حياؤها معه فتكن
بين يداه أمرأه كالبُرعم تتفتح مع حرارة أفعاله تزدهر مع كل قطرة حب يصبها عليها….
كان متلهف في قبلاته يغزو شفتيها باسنانه وشفتيه
يلتهمها بنهم…. يدلل جسدها بلمسات في مداعبة صريحة شديدة الجرأة تبث بها النشوة….يخدر حواسها بمفردات الحب بعضها شاعري… والاخر
وقح….
وقح عندما يتغزل في جسدها بكلمات تصهرها كليا
بين ذراعيه وصفٍ صريح فتاك…يجعلها تئن مع الحديث وكانها محمومه….
كيف لها ان تقاوم ولا تشتاق للطوفان العاطفي الذي يغرقها به كلما انغلق بابهما واختلى بها فمن مجرد نظرة الى عيناه المطالبة بها يسري دفئًا حميميًا بين جوانحها وتسلم له بنظرة خانعة للهوى و… وله !..
ابتسم عاصم وهو يلامس بشرة ذراعها الناعمة على
اصابعه شاردًا في ساعات القليلة التي قضاها معها
بعد وصولهما للبيت واغلاق غرفتهما عليهما…
لم يكن صبور وهو ينزع ثوبها الناعم عن جسدها
ويغوص بهذا النعيم الذي حُرم منه لأيام طويلة
عجاف….
دون سيدة الحُسن وجمالها… وجنتها.. ومع كل
مرة يكتشف انه ليس عاشقًا لها بل هو مدمنًا عليها
وهذا أصعب شعورٍ يصل اليه مع أمرأه…
لم تكن ككل النساء ومؤكد سيظل شعوره معها منفرد ومميز……فهو يعشقها بشدة…..وهي….
هي مسطور في عيونها الحب وقلبها يفيض به
وبين شفتيها يختبئ التعبير عنه….تمتنع عن
قولها وكأنها معها نهايتهما !…
رغم ان افعالها توضح انها تقع في غرامه يومًا بعد
يوم وكانها مسحورة بالهوى ؟!…..
لو كان بيده لطلب منها سماعها لكنه يمتنع بكبرياء فان طلبها على هذا النحو ولفظتها بعد الحاح ربما تضيع حلواه الذي ينتظرها كل يوم على أمل ان تنطق بها في اي لحظة وباي صورة..
ان فكر في هذا الامر بصوتٍ عالٍ ربما سخر من
نفسه.. احتقر الرغبة الملحة بداخله لسماع كلمة بسيطه بها من الاحساس حياة لانعاش قلبه الملتاع
في حبها….
يشعر انها ستنعش داخله جزءًا يحتاجها كي يفيق
من نوبة التصدع الذي يستشعرها معها..
هو مؤمن ان الأفعال خير دليل عن الحب لكن
الكلمات والتعبير ميثاق قوي بين الأحبة بها
نتطمئن ونتابع دون تصدع او تشكيك…..
ليته قادر على كسر كبرياؤه نحوها، مطالبها بالحب
وكما تاخذ منه تعطي دون بخلًا….
بخيلةٍ حبيبته وبخلها في الحب يصيبه بالجنون
فيكن الشرود والحيرة هوة يقع بها لساعات
وساعات دون ان تشعر به….
قالت شهد بعد لحظات من الصمت….
“دا اكيد حصل لمخه حاجة…إزاي اصلا يكلمك بطريقة دي…..”
قال عاصم بصوتٍ رخيم….
“يزن لسه صغير…ويمكن الخبر اللي سمعه هزه
شوية..وزعل عشانه امه….”
انهى حديثه وحل الصمت ومزال يداعب بشرتها وعيناه معلقه على سقف الغرفة التي تنير نسبيًا بمصباح خافت الانارة….
انعقد حاجبي شهد وهي ترتاح على صدره وقالت
بنبرة مثخنة….
“من كلامك واضح ان امه مش في دماغه اصلا هو
خايف على فلوس أبوه اللي ممكن يشاركه فيها
حد تاني…”
مط عاصم شفتيه متشدق بحزن كئيب…
“يمكن…..يزن اتغير وكل مرة بحس انه بيبعد اوي
عني..وكاني بقيت عدوه…نظرته حتى اتغيرت بقا
فيها كره….معقول يكون بيكرهني….”
تشنج جسد شهد تلقائيًا وعرقلت الكلمات غصة مسننة واقفه في منتصف حلقها مباشرة….
هل هي السبب هل شبيه امه هذا يكن لها مشاعر فعلا
ام انها تتوهم…ترفض التصديق حتى الان ترفضه
بشدة وكانه وباءا سينهي حياتها !!..
اغمضت عيناها بقوة فكلما فكرت في الامر تشعر بالغثيان…..وتألمها معدتها وكان طفلها ينفر من
مجرد تحليل الأمر…..
وضعت يدها على بطنها تتحسسها بضياع خائفة بشدة….
قالت شهد بعد لحظات تقتل الصمت الذي جمدهما
معًا….
“مش معقول بيكرهك…اكيد مش انت المقصود..
يمكن الخبر ضايقه زي ما قولت فطلع نرفزته عليك
غصب عنه يعني….”
ثم رفعت راسها اليه وسندت على صدره بذقنها
قائلة بدلال وهي تداعب لحيته السوداء المشذبة
باصابعها الناعمة….
“وبعدين مين دا اللي يعرفك ويكرهك…دا يبقا
غبي…..”
لمعة عينا عاصم ببهجة بسيطة ضائع في جمال عيناها تحت الاضاءه الخافته والتي اضحت بنورها كشهاب ساطع شديد التوهج…..سالها ويده تلمس خصلةٍ ناعمة متدلية بجانب فكها….
“يعني انتي اول ما شوفتيني حبتيني ؟!….”
قالت شهد بهمسًا كالخرير وعيناها تشعان شقاوة تزورها نادرًا…..
“لا بصراحه في الأول مكنتش مستلطفه وجودك
خصوصا معاد الساعة عشرة ده كان بيضايقني
اوي…بيفكرني بزيارات المفاجاة اللي كانوا بيعملوها
الوزارة زمان ايام الدراسة…”
ابتسم عاصم وضاقت عيناه
مستفسرًا….
“انا كنت صعب اوي كده….”
اكدت بمنتهى الصراحة المطلقة….
“جدا بذات وانت داخل عليا…هي دخله كلها هيبة
بس بتوتر….ببقا واقفه قدامك مش عارفه اعمل
إيه بتقعد تبص هنا وهنا….وكانك مدايني…”
فلتة ضحكة خشنة متذكر وقوفها امامه بمنتهى الملل والغضب….واحيانا كانت تقوم بطرده بأدب متحججه بالعمل…..
من يصدق ان المرأه التي استأجرت منه المطعم
بالاتفاق مع اخيها الذي مضى العقد بدلًا منها ستكون
زوجته يومًا ما ، والان تحديدًا هي بين احضانه عارية بعد ان ارتوى من رحيق انوثتها منتشيًا….
سالها عاصم بمشاكسة…
“طب وبعد كده…بقت زيارة الساعة عشرة إيه؟!…”
قالت شهد بعينين هائمتين معترفه بخجلا…
“بقت لطيفة…بقيت بستناها بتفضل عيني تتحرك
مع عقارب الساعة…ملهوفة على معاد الساعة عشرة
والصايغ اللي وجوده لسه بيوترني بس برضو بيطمني وبيفرحني أوي مسافة ما بشوفه….”
انعقد حاجبي عاصم وهو ينظر لعسليتاها البراقة
بعتاب…..
“وكل ده كنتي حاسه بيه من قبل حتى ما تقدملك..”
عضت شهد على باطن شفتيها قائلة بخفوت…..
“كنت حاسة.. بس كنت خايفه… كنت بحاول أهرب منك باي طريقه وباي شكل لكن انت مكنتش بتديني الفرصة لده… علقتني بيك يوم بعد يوم لقيت نفسي
مش قادره ارفض مشاعرك ولا قادرة امنع نفسي عنها…..”
سالها عاصم…”عارفه ده معناه إيه….”
حدقت به قليلا ثم قالت بحرج
بعد فترة…”اني طماعه….”
هز راسه بنفي ثم قرص وجنتها
بحنو…”انك مجنونه…”
ابعدت شهد يده قائلة بجدية…..
“متغيرش الموضوع.. خلينا نرجع لموضوعنا… انا
متوقعتش خالص انك تكون عارف بجوازة عمك
من چيهان دي…..”
رفع عاصم حاجبه جافلا وقد اظلمت
ملامحه فجأة….
“مين قالك انها اسمها چيهان… انا مقولتش إسمها
خالص وانا بحكيلك…..”
اهتزت حدقتا شهد فاخفضت عيناها
قائلة….. “لا قولت….”
اصر عاصم بثقة وعينيه ثاقبتين عليها….
“انا عارف انا قولت اي كويس… عرفتي اسمها
منين؟!….”
صمتت لثوان ثم قالت وهي تنظر الى عيناه
بثبات انفعالي…..
“من ماما نصرة ماهي حكت ليا عن اللي حصل الصبح بينكم واللي خلاها تتعب بسببه..”
زفرت داخليًا بارتياح ، فحمدًا لله ان الجدة سردت
لها بعض تفاصيل شجار الصباح وذكرت دون قصد
زواج مسعد من المدعوة جيهان…..
كيف تخطأ هكذا امام عاصم….غبية ياشـهـد…ان علم
انك من اشعلتي البيت بأخبار الهام بزواج لن يرحمك…
لكنها كانت تاخذ جزءًا من الثأر جزءًا بسيط عن
حلم ضاع وصديقه باعتها واشترت مكانها اموال غريمتها….
كلما فكرت في الانتقام تجد حبها لعاصم وحملها
منه قيد حديدي يقيدها فتقف مكانها مشلولة
تاركه نفسها للايام وخباياها…..
توقف سيل الأفكار داخلها مع حديث عاصم
الذي رد عليها بهدوء…..
“عادي يعني….عمي مش صغير هو ادرى بمصلحته
وطالما مش مرتاح مع مراته يبقا من حقه يتجوز
ويدور على راحته في حته تانيه… ”
اشتعل صدرها فجأه فلوت شفتيها
مستهجنة…
“واضح ان الموضوع عندكم عادي….”
رد عاصم بهدوء….
“الشرع بيقول كده محدش اخترع ده….”
قالت شهد بتجهم……
“واضح انكم متعرفوش في الدين غير الشرع
محلل اربعة…..”
نظر عاصم لها لوهلة ثم اردف بصوتٍ غليظ
متزن…..
“انا عارف ديني كويس وعارف الأسباب اللي تدي
للراجل الصلاحيات للزواج وعمي مخلفش الشرع
لانه عنده اسباب قوية تخليه يتجوز تاني….”
قالت شهد بوجوم….
“انا مش بتكلم في موضوع عمك انا بعمم… ليه
الراجل عمتا بيهرب من الست لست تانيه اي
الحكمة فده….”
رد عاصم بصبرٍ…..
“لانه مش مرتاح معاها فـبيدور على واحده تفهمه
وتريحه…..”
هزت شهد راسها موضحة وجهة نظرها بصوتٍ
رغم الهدوء حاد المعاني….
“انت مش فاهمني يعني احنا مثلا كستات لما بنجرب
حظنا مرة في الجواز عمتا ومش بنرتاح مع شريك حياتنا بنلجأ للطلاق وبعد كده بنرمي طوبة الجواز
نهائي ومش بنفكر فيه إلا لأسباب مادية او ضغط
الاهل والمجتمع علينا… بس لو الست اتسابت لهواها وكانت بتعيش وسط مجتمع متحضر فكريًا مش هتفكر تربط نفسها براجل تاني بعد تجربتها الأولى..”
لم يقاطعها عاصم بل ظل يستمع لها بتأني والهدوء
والتفهم يعلوا ملامحه المسترخية…فهو يعشق النقاش معها ويحب ان يسمع لها حتى وان كان الحديث ضد سجيته……
استرسلت شهد تهاجم بني آدم بتهكم….
“لكن انتم بتصلحوا حياتكم بجوازة تانية بنزوات
جديدة وهكذا… احيانا كمان تلاقي واحد بيحب واحده اوي لكن ميحصلش نصيب بينهم فـيروح ينساها بواحده تانيه ويستنزف مشاعرها وحبها..
اي المبدأ ده…مش فاهمه….”
رد عاصم بخشونة….
“مش كل الرجالة بتنسى حبها بالطريقة دي…”
سالته بحاجب مرفوع…. “امال بتنسى إزاي…..”
شرد قليلا بعيناه عند جمالها السحري بوجهها وعيناها تحت خط الاضاءة الخافته وهي ملتفه هكذا بالغطاء تناقشه بحدة وهي مسالمة بين ذراعيه عارية الجسد بعد ان مارسا الحب بمنتهى التفاني…
عادت شهد تساله مجددًا بفضول
وعيناها معلقه عليه…
“امال ازاي بينسوا حبهم ؟!…..”
سحب عاصم نفسًا أجش وهو يخبرها بجد….
“فيه اللي بينسى بواحده ست زي ما قولتي وفيه
اللي بيعيش على الذكريات دافن نفسه جواها وفي
اللي بيركز في شغله واهدافه في الحياة وبيلغي قلبه…. وحتى لو دخل في علاقة هيبقا مكمل
بيها بعقله… رغبة مش أكتر…”
سالته بتردد وعيناها تحكي الكثير….
“وانت بقا انهُ واحد فيهم… لو في يوم حبيت
تنساني…..”
عبس وجهه بعد رضا….. “اي الكلام ده….”
دفعها حسها الانثوي فقالت بالحاح….
“يعني افرض متهربش من السؤال…ازاي ممكن تنساني… ”
رد بعد لحظة صمت نطقت عيناه بهما الكثير مما جعلها تخجل من طرح السؤال…
“بالموت…..”
اختلج قلبها بالنبضات واهتزت حدقتاها بعدم
فهم…..فتابع عاصم وعيناه تنطقان بالكثير….
“نسيانك بموتي ياشـهـد….. ملهاش حل تاني…”
فغرت شفتيها بصدمة محدقة به…فهي لم تتوقع
الإجابة ولا وقوعها القوي على اذنيها….وقلبها..
أردف عاصم وهو يسبح بعيناه في بحرها الذهبي
المتوهج…..
“معتقدش اني هقدر في يوم انساكي او أبطل احبك
صعب ياست الحُسن….. صعب اوي….”
انسابت دموعها فجأه وقالت بارتجاف مفاجئًا
لها قبل ان يكون له…..
“بعد الشر عليك….ربنا يجعل يومي قبل يومـ…”
وضع عاصم يده على شفتيها قائلا بهمسًا
عذب…..
“هششش…. بلاش الكلام ده…. الموت مش شر.. الشر
هو اني ممكن انساكي بواحده تانيه….”
قالت بلوعة وعيناها تقدحان شرارة الغيرة…
“متقدرش تنساني بواحده تانيه مش عشان انت اللي رافض عشان انا ممكن ادبحك لو عملت كده…”
تعمقت الابتسامة على محياه حتى شملت وجهه
وهو يعقب بشقاوة…..
“شرسه اوي…… بتغيري ياست الحُسن ؟….”
قالت بوجوم….. “انت شايف إيه…..”
لم تزول الابتسامة وهو يسالها بصبر
حاني….”انتي قولي…..”
صمتا قليلا وانتظر هو اجابتها بعينين شغوفتين
فقالت بعد تنهيدة مضنية من الحب……
“بغير ياعاصم…. والله بغير أوي…..”
وجدت فمه يطبق على شفتيها ينهي الكلمات بقبلة حارة شغوفة……وقد ارتاح ظهرها على الفراش
وهو يعلوها بجسده الصلب الضخم…..وضعت كفها
على صدره العاري تتحسسه بلهفة منتشية من القبلات التي يغرقها بها….
اطلق سراح شفتيها بعد لحظات ساندًا راسه على
جبينها فقالت شهد بصوتٍ متهدج بالعواطف….
“بغير اوي ياحبيبي…..”
مسك كف يدها وطبع القبلات المتفرقة عليه مقبل اصابعها الخمسة بحرارة وكانه يلتهمها واحدا تلو الآخر….فابتسمت شهد مغمضة عينيها بينما قال
هو بهمسًا ثائر العواطف….
“انا كلي ليكي ياست الحُسن….. ملكك…..”
فتحت عيناها بتساؤل….. “وانا…..”
مالى عليها يطبع القبل على وجنتاها الحمراء هبوطًا الى عنقها هامسًا بنبرة شغوفة….
“انتي كمان ملكي… وكل حاجة حلوة ليا انتي حبيبتي ومراتي وام ابني…”
وضعت يدها على مؤخرة عنقه والاخرى على
ظهره بينما هو شفتاه تسبح على وجهها وعنقها
طابع القبلات الحارة عليهم…..
“بحبك ياشـهـد…..”
اغمضت عيناها بنشوة واعصابها تذوب بين يداه فقال عاصم بعتاب وهو يرفع عيناه إليها….
“إزاي طوعك قلبك تساليني سؤال زي ده….انساكي
إزاي ياشـهـد ولا ألف طريقة ولا مليون زار وحجاب
ينسوني حبك…..”
ابتسمت بحرج وهي تعض على جانب شفتها
السفلى فمالى عليها واخذها من بين اسنانها
بنهم يتذوق مذاق الشهد فيهما…هامسًا بعدها
بحميمية متقدة وهو يضمها الى احضانه
أكثر……
“اه من هواكي ياست الحُسن….لو تعرفي مش هتشكي لحظة في الحقيقة….”
انتهت الكلمات هنا وضاعت بين يداه ضياع مقبول تاركة نفسها للحب ومن تحب…..
……………………………………………………….
رفعت قدمها بجسد متشنج متخطية عتبة باب
الشقة الزوجية….
شقة الأحلام التي عاشت من خلالها حلمًا جميلا لامع
كالنجوم في سماها…. خمسة أشهر كاملة كانت تكرس
وقتها وجهدها لهذا المكان كي تجعله كما هو الان مملكة خاصة تليق بهما معًا….
تحركت عيناها الفارغة من الحياة في أنحاء الشقة
وهي تقف في منتصف الردهة بثوب الزفاف الضخم
الابيض الامع كضوء القمر كما وصفه حمزة عندما راها به والذي يقف الان خلفها بصمت منتظر بملامح جافية عاصفة غضبها التي حتمًا ستجذبه للقاع….
فهو تأخر كثيرًا…. وكل دقيقة اضاعها في الاعتراف
بكل شيءٍ سيدفع ثمنها غالٍ…
لفهما الصمت القاتم الكئيب ومزالت بُنيتاها تتأمل الزوايا بتأني وكانها تراها لأول مرة….. وكأنها لم
تتعب لأشهر في شراء كل جزءًا ولو بسيط بها..
وكانها لم تضع اهتمامها وحبها في كل ركن هنا
حتى يصبح كما هو عليه الان…..
انها تتمعن بها بوجع وهي تفك الشفرة الحقيقي
خلف اصراره في ان تكون الشقة عبارة عن شقتين متصلين لكسب مساحة أكبر….وعدد غرف
أكثر….
انه حقق الاماني المستحيلة عن طريق الاحتيال عليها بالحيل والاكاذيب والكلمات المعسولة….
تنهدت وهي تشعر بالثقل يشتد قتامة في صدرها
ولسعة من نارًا تصب في عيناها فتحرقها راغبة
في البكاء بشدة… بصراخ بقوة…. بلعن والسب
والضرب و…… والموت…..
انها تفضل ان تموت الان بدلا من تلك المواجهة القاتلة لروحها… كيف ستقدر على النظر الى عينا
من رسم الحب عليها لأشهر وهو ليس أهلا له….
من استوطن قلبها اكثر من اللازم بقرب مخادع
بدافع المصلحة ونيل مراده عن طريقها بطرق غير
شريفة كـنصب عليها وسرقة ميراث والدتها….
مع من ستواجه حمزة الذي احبته ام ابن عثمان
الدسوقي الذي اتضح الان انه ليس هناك فرق
كبير بينهم نفس العينة…..
تنحنح حمزة بخشونة من خلفها فقد تعبت اعصابة
المشدودة من كثرة الانتظار والصمت المريب…
ظن ان زمن الخوف ولى ولم يقدر أحد على ارهابه
مهما حدث لكن اليوم يكتشف ان زمن الخوف عاد
بقوة متشبع من قلبه المضطرب بعنف بين اضلعه
منتظر على صفيح ساخن…عواصف غضبها….
استدارت له قمر استدارة هادئة….هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة….تطلع اليها حمزة اثناء تلك العبة الصامتة فـكم هي خلابة بهيئة العروس جميلة بثوب الأبيض البراق تشبه القمر في ضي اكتماله لو تعلم انها الان تشهر الأسلحة الفتاكة في وجهه دون ان تدرك…
ما كانت ظلمته بنظراتها النارية التي تلقي اتهام صريح في قلبه اشبة بقذيفة نارية تنفجر
بداخله الان على حين غرة…..
لوت قمر شفتيها وبملامح قاسية بدأت مقدمة
مزدرية…..
“مكنتش اعرف انك لما خدت شقتين من ابوك تفتحهم على بعض وتجوز فيهم انك بتنفذ طلبها
القديم اللي سابتك عشانه ومش بس كده دا عشان تثبت لنفسك كمان انك مش عاجز انك تحقق ده..
مع اي واحده غيرها….وتندمها على اليوم اللي
فكرت تتخلى عنك فيه…. ”
اشاح حمزة بوجهه وهو يشعر بالاختناق كطفلًا أذنب
في حق والدته ويود الإعتذار لكنه يكابر بعناد…
هي محقة في البداية اختار شقتين معًا كي يملئ النقص الذي يشعر به ويداوي ندبة عميقة سببتها
له يومًا أقرب مخلوقة لقلبه….
لكن ليس لان تندم نجلاء فندمها من عدمه أصبح
فراغ بنسبة له….وان عضت اصابع الندم وركعت
اسفل قدميه لن يغفر لها ولن يعود حبها لعهده…
فما بق منها إلا القليل من الندوب الجافة وبعض
الرماد القاتم جانبًا ، كلها أشياء ستزول مع الوقت
كما زال حبها يومًا ؟!…
وبعد صمته المؤكد هدرت قمر بعنف..
“عملت فيا كدا ليه….انا اذيتك في إيه….بتخدعني
دخلت عليا بالنظرة والكلمة الحلوة عشان تنصب
عليا…. تسرقني….”
بلع حمزة غصة مسننة وهو يقول بصوتٍ
مختنق…
“انا لا سرقت ولا نصبت عليكي…انتي فاهمة غلط
ياقمر…..اسمعيني….”
اقترب منها عدة خطوات اثناءهما رفضت
بغضب قائلة باحتقار…..
“اسمع إيه….حفظت كلمتين جداد من ابوك فجاي تقولهم ليا…..”
توقف حمزة مكانه فجأه وهو ينظر لعيناها بغضب…فتابعت قمر والدموع تتجمع في
مقلتاها بحرقة…
“بتقول انك لا سرقتني ولا نصبت عليا…..لما ترسم
عليا الحب والجواز….ويكون هدفك من الاول تنازل
مني عن ورث امي…..باتفاق مع ابوك والمحامي بتاعه يبقا ده اسمه إيه ؟!….”
ثم إضافت بصوتٍ غلبه الضياع وهي ترمقه بعينين مجروحتين….مقهورتين…
“انا مش قادرة استوعب لحد دلوقتي…ان انت اللي
تعمل كده فيا…..دا انت بلسانك قولتلي اني لو هكسب ابويا بنصب عليكي مش عايز المكسب
ده….فين كلامك ليا…دا انت كنت خايف عليا
وقتها اكتر من نفسي…..”
ضم حمزة قبضتاه جواره بقوة محاول السيطرة
على غضبه امام كل هذا الظلم والاتهام الباطل…
مسحت عيناها بظهر يدها وهي تبتسم بعصبية
ملوحة بيدها باهانة….
“بس صحيح…..انا مستغربة ليه اوي كده…ما كل
واحد وليه سعر…وهما اكيد عرفه سعرك واشتروك..”
صرخ حمزة بصوتٍ جهوري امام وجهها وهو يرفع كفه في الهواء بغضب هائل…. “قـمــر….”
نظرت لكفه المرفوع مباشرة اعلى صدغها ثم
لعيناه الغاضبتين المشتعلتين كالجمر…..فصاحت
في وجهه بجسارة دون ان تهابه….
“هتضربني…..اضربني…انا واقفه قدامك اهوه اعمل
اللي انت عايزة……”
سحب حمزة نفسًا خشن حاد وحرب النظرات بينهما
قائمة في حربًا شعواء يده مرفوعة للأعلى بينما
نظراتها المجروحة معلقة عليه بقوة جبارة
متحدية إياه بلطمها….
انزل حمزة يده بعد لحظتين من الصمت منسحب عن الدائرة القاتمة التي تحاول بغباء إقحامه بها بغير رؤية واضحة… قال بخشونة بعد صمت طويل……
“انتي مش عايزة تسمعي غير نفسك…اديني فرصة
اتكلم….”
اومات قمر برأسها بسخرية لاذعة….
“اتكلم……انا سمعاك…من حقك تدافع عن نفسك…”
نزع السترة والقاها ارضا تليها رابطة العنق ثم حل أول ازرار قميصة الأبيض ومن بعدها جلس على اقرب مقعد مخرج علبة سجائرة ثم اشعل واحدة ووضعها في فمه ينفث بها وهو يقول بملامح
جافية……
“انا اتفقت معاهم فعلا….بس عشان احافظ على
حقك منهم…..اكيد انا مكنتش هاخد تنازل منك
دي كانت لعبة على عثمان عشان اعرف اخد ورثي
انا واخواتي البنات منه…..انا محدش اشتراني انا خدت حقي…ودا حقنا ياقمر وانتي عارفه كده كويس…”
عقبت قمر بخزي….
“على كده اخواتك البنات عارفين ؟!…”
زفر دخانا رمادي وهو يجيب بهدوء…
“شهد عارفه من قريب….وقالتلي اني لازم احكيلك
على كل حاجة قبل ما اكتب عليكي….واديكي حرية
الاختيار…..”
هزت راسها بعصبية مبتسمة وكل عصب
في جسدها ينفر بغضب….
“طب والله كويس ومسمعتش كلامها ليه بقا….”
اخبرها بصوتٍ أجوف غريب… “خوفت تسبيني…..”
صححت بصوتٍ قاسٍ مزدري وعينين
ميته حد الألم…
“قصدك خوفت متخدش بقيت حسابك منه….”
جز حمزة على اسنانه بقوة وهو ينهض فجأة
بهجوم هادرًا في وجهها بضراوة….
“عايزة تسمعي الحقيقة عايزه تسمعي اللي يوجعك..
انا ندل ياقمر….كداب ونصاب…..واستغليتك عشان
اخد حقي منه…..واستغليت حبك عشان اقربلك
واتجوزك….واخد التنازل منك….ارتاحتي….”
نزلت دموعها امام وجهه الغاضب ونظراته القاتمة
بالقسوة…..فقالت له بوهن وقلبها ينزف وجعًا…
“يعني كل كلمة قالتهالي كانت كدب….كل حاجة
حصلت بينا كنت متفق عليها معاهم….”
ضرب حمزة على اقرب حائط قابل يده وهو
يزأر كالاسد المجروح…..
“ازاي بتفكري كده…بالله عليكي ازاي شيفاني كده..”
ارتجف جسدها وهي تنتحب في وقفتها
بقوة..فاقترب حمزة منها بانفاسًا متسارعة
وصدر يتألم ينهت…
ثم رفع وجهها الى مجال عيناه قائلا بعذاب….
“بصي في عيني….ليه مش عايزة تصدقي…ليه
قلباها دراما….”
هزت راسها بوجع والدموع تجري على وجنتاها…
قائلة وهي تتجرع المًا….
“دي مش دراما يابن خالي…..دا وجعي….انت
كسرت قلبي وكسرت ثقتي فيك…..انت خليت اسعد يوم في حياتي هو أبشع يوم في عمري….ربنا ما يسامحك على اللي عملته فيا….. ”
نزع حمزة يده عنها فجاة وكأنها تلقى لدغة سامة
بعد هذه الدعوة
والتي معها علم ان نيل رضاها أصعب مما توقع ولن ينتهي بالاعتراف بالحقيقة فحتى الحقيقة تراها
كذبة جديدة ؟!……
قالت قمر بعينين حمراوين كالدماء…
“انا مستعدة اكتبلك التنازل حقي في العمارتين
لابوك او ليك زي ما تحب اتصرف…بس بشرط واحد..”
انتظرت رده كي تضع الشرط لكنه لم يفعل
بل ظل متسمر مكانه بملامح قاتمة وعينين
مظلمتين……فبللت شفتيها وهي تقول
باختناق…..
“ترمي عليا يمين الطلاق…وحصل خير…..”
رفع حاجب الخطر مرددًا……
“حصل خير ؟!! …يعني إيه ارمي عليكي
يمين الطلاق ؟!!!..”
قالت بنفاذ صبر….
“يعني تطلقني مقابل امضتي على التنازل….”
صاح في وجهها على نحوٍ مفاجئ جعلها تتراجع
حينها خطوتين للخلف بتخوف….
“يولع التنازل وتتحرق امضتك….طلاق إيه انا مش بتاع طلاق….وبعدين احنا اتجوزنا اصلا ياهانم عشان
نلحق نطلق…انتي جرا لمخك حاجة….”
رفعت اصبع التحذير وهي تقول بنبرة
مرتجفة…..
“اسمع انا لحد دلوقتي بتكلم معاك بذوق وبالادب
ارمي يمين الطلاق وقبلها هكون مضيه على التنازل
ويا دار ما دخلك شر…..”
ابعد اصبعها عن وجهه وهو يزمجر بعنف…
“نزلي صباعك اللي هيخرم عين امي ده…وبعدين الشر ياهانم هو اللي انتي بتطلبيه…..انا مش بتاع طلاق سامعه….”
وضعت يدها في خصرها وهي تقول بتحدٍ
سافر…..
“لا مش سامعة وطالما مش هطلق بالذوق يبقا خلاص هرفع عليك قضية خلع….وهكسبها…”
خطى خطوةٍ مهيبة للامام وهو يسالها بملامح
تنذر بالشر… “والله قضية خلع ؟!!!….”
رفعت قمر تنورة الثوب للاعلى بكلتا يداها كي
تتمكن من التراجع للخلف وهي تقول….
“خليك متحضر ياحمزة….ونفذ الشرط….”
رد حمزة بصوتٍ اجوف بارد وهو يتقدم منها
بخطى ثابته بينما هي تتراجع بهلع للخلف بملامح
غاضبة وعينين حزينتين نافرتين…..
“من امتى وانا متحضر….لا وبنفذ الشروط كمان؟!!
انتي أول مرة تعرفيني ولا إيه… انا مش بمشي
بدماغ حد وطلاق مش مطلق….. ”
هدرت قمر بغضب سائد…..
“هطلقني…هطلقني وغصب عنك كمان..افهم يابنادم انا مش قادرة ابص في وشك…إزاي هستحمل اعيش معاك في بيت واحد…..بعد اللي عرفته….”
توقف حمزة مبهوتًا وكانها صفعته على حين
غرة….فسالها بصدمة عنيفة… “لدرجادي؟!!…..”
لم تأكد بل اشاحت بوجهها عنه قائلة بصوتٍ
متحشرج…..
“الغريبة انك مستهون باللي عملته فيا وكانه
عادي…..”
رد بصوتٍ ميت وعيناه معلقه عليها…..
“مانا قولتلك على اللي فيها…انتي اللي مش عايزة
تسمعي غير نفسك….”
عادت اليه بعينين تنزفان المًا صارخة…
“انت اللي مش قادر تفهم انك ضحكت عليا وخلتني
شبه العروسة الماريونيت بتتحرك بمزاجك
انت وابوك…..مش انتوا عملتوا كل ده عشان امضتي على التنازل انا موافقة بشرط انك تطلقني….”
صرخ برفض….
“مش هيحصل على جثتي….”
انحنت قمر تجلب حقيبتها واخرجت الهاتف
منها سريعًا قائلة بتشنج…..
“يبقا هتصل بابوك صاحب الخطة العظيمة..وهحاول
اعمل معاه ديل جديد..طلاقي منك قصاد امضتي..
اي رأيك…. ”
هجم حمزة عليها وجذب الهاتف بعنف قبل
حتى ان تنير شاشته…. حاولت اخذه وهي
تقول بجنون…..
“تلفوني هات تلفوني بقولك هات…..”
ابعدها عنه بدفعة قوية اوقعتها على الاريكة
خلفها…..
“مفيش تلفونات….تصبحي على خير…”
وامام عيناها الجاحظة دلف الى أحد الغرف تاركها
وحدها جالسة على الاريكة مصعوقة الملامح والنظرات…….
على تنفسها بسرعة مؤلمة وهي تنظر الى باب شقة الخروج بجنون فاتى صوته البارد من خلف الباب قائلا….
“متحوليش تهربي لاني قفلت الباب بالمفتاح…”
نهضت من مكانها باهتياج وهي تبحث عن النوافذ
بعقلا مشتت فقصف صوته مجددًا كاللعنة….
“كمان احنا في الدور الحداشر ولو حاولتي تنطي
من الشبابيك او البلكونة…هتنزلي على جدور رقبتك وساعتها بدل ما تاخدي لقب مطلقه هتاخدي لقب المرحومة….وهنترحم عليكي كلنا في القرافه…”
اندفع الغضب داخلها دفعة واحده وهي تقترب من
الباب ضاربة عليه بكل قوتها وهي تصيح بجنون..
“بكرهاااك بكرهااااك…..طلقني بقولك….افتح الباب
ده وطلقني……طلقني يانصاب ياحرامي ياكداب..
طلقني لحسان اصوت ولم عليك الناس….”
اعتصر حمزة عيناه خلف الباب بتعب وهو يحك
في راسه بارهاق مضني…..فمزالت كلماتها الجارحة
تجلد قلبه بسياط……ونظرات الاتهام الشائبة
بالاحتقار تصب على صدره كحمم بركانيّة
حارقة….
ضربت على الباب مجددًا باستماته
صارخة….
“افتح ياحمزة….أفتح بقولك…”
تملك اعصابة مسيطرًا على نفسه فان تركها
لهواها سيجذبها الان لهذا الفراش الخاوٍ ويترك
عليها وحوشٍ ثائرة بالرغبات…
قال حمزة محذرًا بصوت متحشرج…..
“لو فتحت دلوقتي… يمكن بعدين تندمي وانا مش عايز اخدك غصب…..”
على الجانب الاخر خفق قلبها بتأثر وضعف
واهتزت مفاصل ساقيها الا انها لم تردع لهذا
الشعور المرفوض داخلها وقالت بتجهم….
“اه انت مفكر اني هسيبك تلمسني… دا بعدك…
انا هطلع من الجوازه دي زي مادخلتها…ولو بس فكرت انا……”
انفجر حمزة من الغضب كالبركان هاتفًا من
خلف الباب…..
“كفاية استفزاز…..روحي نامي….تصبحي على خير. ”
لوت شفتيها بتهكم معقبة بكرهٍ….
“هيجي الخير منين بعد ما بقيت مراتك… هيجي منين…..بكرهااك…. ”
ثم ابتعدت عن باب الغرفة ودخلت الى غرفة النوم
الخاصة بهما….دارت حدقتاها في الغرفة المرتبة
النظيف والعطر الطيب الذي داهم انفها فور
دخولها…
التوت شفتيها بسخرية مريرة بينما عينيها الحزينة
تعلقت بقميص نومها الأبيض المرتاح على حافة الفراش بانتظارها معه قارورة عطرٍ وردية اختارتها خصيصًا بعبق ناعم مثير لتضع منها في هذه
الليلة الخاصة….
حتى قميص النوم كان شديد الاغراء والجمال عليها عندما ارتدته لأول مرة قررت حينها ان يكون أول شيءٍ يراها به بعد ثوب الزفاف…..
كانت تحيا حلمًا جميلا من خلاله هو وعندما قاربت
لمسه على أرض الواقع تبخر وكانه لم يكن !!…
انحنت بانهزام لتقع بقرب حافة الفراش ومعها انتشرت تنورة ثوبها من حولها في كومة بيضاء
تضوي بجمالا كـقمر منير لكنه حزين…..
وضعت مرفقيها على حافة الفراش فوق القميص الابيض ثم دفنت وجهها بينهما وهي تنتحب بقهر دون صوت حتى غفت بعد ساعات طويلة من البكاء والندم…..
…………….
شعرت بوجع شديد في يدها المخدرة اسفل صدغها
الثقيل ونقر مزعج فوق اذنيها…. تململت بتعب وهي تتأوه رافعه وجهها عن مرفقها الذي نمل بشدة اثار
نومها عليها وعدم تحركها لساعات….
فتحت عيناها الناعسة المتورمة بصعوبة وهي تدعك
بهم بارق محاولة تذكر اين هي…
غرفة شاسعة انيقة ومرتبة بعناية وكل ركن بها من فرش لديكور فخم وجديد…..
بلعت ريقها بوجع وكأنها تبتلع شفرات مسننة ومزال
صدرها يحترق دون هوادة……
كيف غفت بعد كل ماحدث ليلا…..كيف….
مزال النقر مستمر بازعاج جعلها تزمجر بجنون وهي
تنظر الى الباب المغلق التي أوصدته خلفها جيدًا قبل
ان تغرق في كومة احزانها التي اعتنقتها طويلًا حتى غفت مستسلمة للالم المبرح……
“ايوا….أيوا….عاااااايز ااااايه مني…..سبني في
حااالي بقااا……”
نهضت بجنون وهي تلفظ تلك الكلمات بعصبية فاتحه الباب على مصراعيه فجاة تواجهه بتلك
الحالة المزرية……
رفع حمزة حاجبه لها وهو يتأملها بصمت من أول شعرها المشعث لعيناها المتورمة الحمراء والكحل السائل على وجهها الباهت بدموع جافة الى ثوبها
البراق الذي لم يفقد رونق حسنه عليها….
حتى هي لم تفقد جمالها رغم كل هذه الفوضى
المحاط بها مزالت قمر….فإن القمر في أشجنة
الليلُ القاتم يظل قمرٍ مضيئًا !…
عض حمزة على شفتيه السفلى بحنق شديد…
“انتي بتزعقي كدا ليه….هو انا ساكن في الشارع
اللي ورا….متعرفيش تردي براحة…ولا قلقنا نوم
الهانم….”
صاحت بوجهًا مكفهر….
“انت عايز إيه……بتخبط عليا ليه اصلا…..”
رد حمزة بملامح يعلوها الاستخفاف…
“معلش اصلي باخد الغسيل فومين فقولت اخبط
عليكي اشوفك عندك حاجة عايزة تتغسل ولا لا…”
جزت على أسنانها بنفاذ صبر….
“انت مصحيني من النوم عشان تهزر معايا…”
صحح بجفاء….
“لا مصحيكي من النوم عشان تاكليني….”
ارتفع حاجباها معًا بغضب….
“نعم….عايز تاكل…وجيلك نفس كمان….”
استخفّ حمزة بالجملة قائلا بقنوط….
“سبحان الله مانتي جالك نفس تنامي وانا مرزوع
في الاوضة من بليل مش عارف اغمض عيني دقيقة
واحده حتى…..ولا هي حاجات وحاجات… ”
سحبت قمر نفسًا هادرًا…..
“انا مالي بيك يا بنادم تاكل ولا تشرب ولا حتى
تنام…. انا مالي سبني في حالي….”
ربت على كتفها وهو يقول بمهاودة….
“ازاي اسيبك في حالك… ماهو حالك هو حالي
استهدي بالله وغيري الفستان ده وتعالي نتعشى..”
رمقته بملامح مستهجنة…فتابع حمزة وهو يرى
في صمتها بصيص أمل….
“العشا بتاعنا في التلاجة من إمبارح…. تعالي انا وانتي نسخنة وناكل سوا…. وبعدها تعمليلي قهوة
من ايديكي الحلوين دول لحسان انا مصدع اوي
وتعبان……”
عيل صبرها فقالت بهجوم…
“الف سلامه… روح سخن وكل مع نفسك واشرب
قهوتك بعيد عني….وسبني في حالي… ”
زمجر حمزة مستنكرًا…..
“هو إيه اللي سبني في حالي… انتي هتفضلي قفلة
الاوضة عليكي كده…”
اكدت بنظرة سافرة…
“اه هفضل كده اذا كان عاجبك….”
صاح بحدة… “مش عاجبني….”
قالت بنبرة ظافرة….
“خلاص طلقني… وريح نفسك من وجع القلب ده..”
جاشت مراجله وهو يحذرها بنزق….
“اعقلي ياقمر وبطلي دلع….انا خلقي في مناخيري”
قالت بتمرد سافر…
“على نفسك ياحبيبي… مش عليا….”
قبض حمزة على ذراعها وهو يكاد يفقد اخر
ذرة تحضر بداخله….صارخًا باسمها بصوتٍ
جهوري….. “قـمـر…..”
تبادلا معًا النظر بقوة وكم كانت عنيدة امام غضبة
بل وتنتظر فقدان صبره عليها ببسالة….
من يومها قادرة على فقدانه صبره واثارة غضبه
بعدة كلمات بسيطة وها هي تنجح كلما حاول
التقرب منها والاعتذار تفسد الأمر بعنادها السخيف…..
نزع يده عنها وهو ياخذ انفاسه بغليان…
قائلا….
“انا هسيبك شوية هنزل قعد على القهوة…. تكوني
هديتي كده وغيرتي الفستان ده…. وبعدها نتكلم..”
عقبت قمر ببرود…..
“كل الكلام قولناه إمبارح…وانت قولت اللي عندك
وانا كمان….. خلصنا…..”
قال حمزة بصبر…
“نتكلم تاني اكيد هنوصل لحل….”
زمت شفتيها رافضة بتزمت….
“الحل انك تطلقني…..وانا هتنازل عن كل حاجه
وطلعني من حياتك بقا….”
نظر لها بصمت لبرهة ثم هز راسه قائلا
بنبرة عميقة لمست قلبها….
“مقدرش….مقدرش اطلعك من حياتي….انتي ليه
مش قادرة تفهمي…”
ورغم خفقان قلبها ردت بجفاء…
“متقدرش ليه مانا همضي على التنازل…..”
صاح بهمجية وهو يدفع ظهرها على الباب
المفتوح بعنف….
“يلعن ابو التنازل اللي قرفاني بيه… مش عايز
حاجة انا عايزك انتي….”
مطت شفتيها هازئة…. “دي كدبة جديدة…..”
أوغر صدره بالغيظ فابتعد عنها يوليها ظهره
متافف بتعب…..
“مفيش فايدة فيكي……غبية.. ”
قالت بصوتٍ محتد…..
“انا فعلا غبية اني ربط نفسي بواحد فاشل زيك..”
استدار اليها حمزة بصدمة…
“فاشل؟!….”
اومات براسها وهي تشفي غليل قلبها متابعة
باهانه……
“فاشل وكداب ونصاب وحرامي…ومتفرقش حاجة
عن عثمان الدسوقي نفس العينة….”
حديثها المهين لم يكن بمثابة صفعة واحده بل عدة صفعات قوية تلقاها منها على حين غرة…..
فاشار على نفسه بملامح شاحبة وعينين رغم
الجمود تشع المًا……
“انتي شايفني كده بجد…..انا صغرت اوي كده في نظرك ؟…”
قالت بجمود…”فوق ما تتخيل….”
سالها بخفوت.. “بقيتي بتكرهيني ياقمر؟!…”
انحنت عيناها ارضًا ولم تقدر على الرد..فلو يعلم
ان كل شيءٍ تفعله ماهو إلا قناع من الجمود تستر
ضعفها وحبها خلفه….وان كل كلمة تقصد بها الامه
تجد صداها في قلبها أضعاف مضاعفة….
ابتعد حمزة عنها خارج من الغرفة ومزالت هي مكانها
واقفه عند الباب المفتوح…..
“انا هنزل وهسيبك لوحدك شوية… يمكن لما ارجع
نعرف نتكلم احسن من كده….”
خطى خطوتين للأمام ثم توقف فجأة في مكانه
ودون الالتفات قال بصوتٍ ميت…..
“على فكرة انا مش فاشل… انا بس الدنيا عندتني ومخدتش اللي انا عايزة منها فلما جت الفرصة
مقدرتش اسيبها تضيع من بين ايدي خصوصًا انه
حقي وحق اخواتي البنات ….”
خرج حينها من الشقة بأكملها ناسيًا إغلاق الباب
خلفه بالمفتاح بل نسى كل شيءٍ هاربًا مع
اوجاعه……
تركت قمر جسدها يهوى ارضًا بتعب وهي تنفجر
في البكاء هامسة داخلها بعذاب وكأنها تحدثه…
“عشان توصل للي انت عايزة دست على قلبي
وكسرت كل حاجة حلوة جوايا…عايزني ازاي اسامحك…”
بعد اكثر من خمس ساعات عاد للبيت بجسد مجهد
متعب من كثرة الهموم والتفكير وعدم النوم حتى
الان ومنذ ليلة الحنة وهو لم ينم ساعة واحده كاملة
يعيش في دوامة قاتمة تجرفه بقوة للهاوية….
والتفكير المزمن القاتل يفتك برأسه….
القى سلسلة المفاتيح على الطاولة باهمال وهو ينظر
الى غرفة نومها المفتوحة تنحنح بخشونة وهو يقترب منها مناديًا….
“قـمـر……”
تطلع في الغرفة الفارغة منها عدا ثوب زفافها التي وضعته باهمال على الفراش وفوقه ورقة مطوية..
خفق قلبه بخوف وهو يسحب الورقة ويفتحها
ليقرأ رسالة مختصرة باردة المعاني والمشاعر….
(اللي بينا انتهى يابن الناس….وانا مش عايزة حاجة
منك غير ورقة طلاقي…..)
اظلمت عينا حمزة فأطبق على الورقة بين قبضة يده الفولاذية بحث عن هاتفها في الغرفة الأخرى فلم يجده اخذته كما اخذت اغراضها….
أخرج هاتفه من جيب بنطالة مجري اتصال بها وكما توقع وجد الهاتف مغلق فصرخ فجأة بوحشية مرعبة وهو يطلق السباب بكلمات نابيةٍ…
يتبع…