سار محسن بخطوات متباطئة، يكلل الإرهاق ملامحه. فهو منذ أعلنت عن حنث وعودها وهو لا يعرف للراحة طعماً. لا يصدق أن سهى، تلك البريئة التي تعلق بها قلبه، كانت تتلاعب به طوال سنوات عشقه لها. ليالٍ طويلة تمنى وحلم بحصوله على أمنية قلبه بقربها، وحين أصبح على وشك الحصول عليها، تخلت عن كل وعودها وأعلنت الزواج من آخر. كم يتمنى أن يرى ذلك الرجل الذي فضلته عليه، عله يعرف سبب غدرها به.
رفع هاتفه الذي يهتز معلناً عن مكالمة واردة، دون أن ينظر للشاشة وكأنه يعلم المتصل سلفاً. _أيوه يا وفاء. ربما أصبحت وفاء مقربة منه منذ سعت لرأب الصدع بينه وبين سهى، وكم كان شاكراً لها صنيعها. بحث عن طريقة لشكرها، رغم أن مسعاها لم يُكلل بالنجاح. فيكفيه أنها حاولت مساعدته، لذا عرض عليها أن تعمل بشركة والده التي أصبح يديرها هو. وقد أعلن إغلاق أبواب قلبه جميعاً أمام النساء، فهو لن يحتمل الغدر مرة أخرى.
توقفت خطواته ليعلن قلبه العصيان على كل قرارات عقله، ويخفق بقوة لذكرها، ويلهث لهفة لرؤية ظمأه بمحياها، وهو يطلب منها إعادة ما قالته كأنه يرفض تصديقه. _يا محسن بقولك سهى فرحها كان امبارح والنهاردة والدها مات. _فرحها!!! ذلك هو السبب إذاً، وراء اختناق صدره ليلة أمس. كانت تهب نفسها لذلك الذي اختارته دونه. لكنه نحى ألمه وتساءل: _هتروحي تعزيها؟ _أكيد طبعاً، بس أنا ماكنتش أعرف معاد فرحها ولا عزمتني.
برر لنفسه قبل أن يبرر لها: _واضح أنها بتتخلى عن كل أصحابها القدام. طيب يا وفاء، لو ينفع أجي معاكي أعزيها؟ _مش عارفة يا محسن والله. _علشان خاطري يا وفاء، نفسي أشوفها. _ماشي يا محسن، هشوف ظروفي وهحدد معاد وأكلمك. أعاد الهاتف إلى جيبه، معللاً لنفسه أنه بحاجة لرؤيتها مرة أخيرة، بعد أن أصبحت لآخر، لتكن نهاية القصة بألم يترك أثره للأبد.
عادت قدماه تتحرك، لكن خطواته عبرت عن مدى احتراقه الداخلي الذي تسببت فيه. من أمن لها وقدم لها قلبه، لتعيده إليه بهذا الجرح العميق. لكن جرحها له لن يهزمه، وهي لن تكسره، فسترى بعينيها ما الذي فقدته حين تخلت عنه. سيحرص على أن تفعل... دخلت سهى لمنزل عمها لتجد النساء قد اتشحن بالسواد، مؤازرة لحزن أمها التي تجلس وسط الحشد، تضم أختها سارة التي تخفي رأسها بصدر أمها، وكأنها ترفض هذا المشهد.
كان عثمان برفقته، لكن المشهد لم يثر حزنه، بل أثار غضبه. ليتجه بخطوات غاضبة نحو خالته، فينتزع الصغيرة منها بالقوة. _مين اللي نزل سارة هنا؟ _بابا مات يا أبيه. لم يدرك إن كان بكاء سارة سؤالاً أم تقريراً، لكنه في كلتا الحالتين يحمل الألم. ضمها لصدره بحماية، وهو يبتعد عن مجلس النسوة، دون أن تعارضه خالته التي تبدو في حالة غير طبيعية بالمرة. وهو يمسح على رأسها وكتفيها: _بس يا سارة، ما تعيطيش يا حبيبتي. تعالي نطلع فوق.
_لاااا، أنا عايزة بابا. _سارة، مش انت بتحبي بابا؟ هزت رأسها دون أن تتحدث. ليمسح فوق رأسها مرة أخرى: _يبقى تعالي نتوضأ ونقرأ له قرآن. _هنقعد معاه؟ فكر لحظة بحيرة، لا يريد أن تظهر فوق ملامحه، قبل أن يقول: _هنقعد ساعة واحدة، وبعد كده تسمعي كلامي. تحركت معه بلا مقاومة، ودون أن يهتم بوجود سهى، متعمداً تركها بلا رعاية. فهو وإن قدر أحزانها، لا يمكنه أن يتخطى ألمه منها.
تقدمت وهي لا تدري بعد مغادرة عثمان برفقة سارة، أين تذهب أو ماذا تفعل. وكأنها ببيت غريب لا تعرفه ولا تتعرف على تفاصيله. ظلت واقفة بمكانها حتى شعرت بمن يضمها من الخلف، لكنها لم تفزع لطغيان الحزن عليها. ليتسرب إليها الدفء مع صوت خالتها: _يا حبيبتي يا بنتي، ما لحقتيش تفرحي. كأنه كان مستني يطمن عليكي. طول عمره من يوم ما اتولدتي يقول مش عايز من الدنيا حاجة بعد فرحتي بسهى. كنتي حياة ليه يا حبيبتي.
لم تمانع دموعها التي تجمعت، فقلبها يصرخ ويتخبط كطير ذُبح بسكين غاشم. لقد تحدث إليها أبوها منذ ساعات، وكانت ضحكاته ترفرف كما يرفرف قلبها في هذه اللحظة. ضمتها هالة بألم، وهي تبكي لحالها ولحال أختها أيضاً، فقد كان خيري هو حياة هنية، وإن لم تعلن ذلك يوماً.
مرت ساعة بالضبط، ورأت عثمان يغادر الغرفة التي دخل إليها، وهو لازال يضم سارة، التي تتحرك قدماها بالكاد، وهو يرفعها فعلياً عن الأرض، وصوت بكائها يبكي القلوب حولها. ليحملها عثمان للخارج، حيث تنتظر أخته الباكية أيضاً، لتقضيا اليوم بمنزل إحدى الجارات التي سترعى الفتاتين في هذا التوقيت الصعب. حل المساء دون أن تدرك كيف مرت الساعات!
لكنها لم تتحرك منذ رأت جثمان أبيها يغادر المنزل، وربما كان هذا هو الحدث الوحيد الذي أدركته من اليوم. حاولت هالة أن تدفعها لتناول الطعام بأي كمية، لكنها رفضت بشدة. ويبدو أن عمها لم يتخط صدمته أيضاً، فهي لم تره منذ ساعات أيضاً، ومع توافد النساء تباعاً، ستكون رؤيته صعبة بالفعل.
غاب عثمان أيضاً منذ ساعات، وهي تتمنى أن تختلي به مجدداً لتصب عليه جم حزنها وغضبها. فما تسمعه من روايات النساء عن وفاة أبيها المفاجئة، يضعه مرة أخرى في خانة الاتهام الذي نفاه عن نفسه صباحاً. لكنها لا ترى تفسيراً آخر، أو لا تريد أن تفعل... جلس عثمان داخل السرادق الذي شيده بنفسه لتلقي عزاء عمه، بعقل شارد. فما اتهمته به صباحاً يتخطى قدرته على التحمل، ولا يصدق أنها تراه قاتلاً بالفعل.
توقفت أمام السرادق سيارة فخمة وضخمة أيضاً. يمكنه أن يتميز أنها ليست لأحد معارفه بسهولة. وترجل عنها شاب بالغ في إظهار ثروته من ملابسه، رغم أن سيارته كافية تماماً لذلك. ومن الجانب الآخر، ترجلت فتاة لا تنتمي لهذه السيارة بالطبع. تقدما من السرادق، ليقف عثمان مشيراً لها: _اتفضلي، الستات في البيت. أومأت بتفهم، ليتحدث هذا الشاب فوراً متحدياً كل الأعراف: _أنا جاي أعزي سهى، هي فين؟
ارتفع حاجب عثمان الأيمن بتحدٍ واضح، وهو يعقد ذراعيه متسائلاً: _وانت تعرف سهى منين؟ توقفت وفاء مع تشاحن الأجواء الواضح، لكن محسن بالغ في بروده متعمداً: _كنا أصحاب في الجامعة. _أصحاب!!! ظهر التعجب، طامراً الغضب بلهجة عثمان، الذي تابع وهو يقترب متفحصاً محسن: _شكلك أكبر من سهى، وما عندناش حاجة اسمها كنا أصحاب. _ممكن أعرف أنت بتسأل بصفتك إيه من الأساس؟ _أنا جوزها.
ألقى محسن تساؤله، وهو يتمنى ألا يسمع تلك الإجابة التي ألقى بها عثمان، لتصيب قلبه مباشرة. فها هو يقف أمام غريمه وجهاً لوجه، وقد أصبح لذلك الغريب حقوق لم يملكها هو. جمع قبضته ودسها بجيبه، وهو يطالعه بنظرات قوية، وكأنه يبحث عن سبب لتفضيلها هذا عليه، لكنه لا يبدو له مميزاً في أي شيء. اقتربت وفاء فوراً منهما، وهما يقفان متقابلين، ينظر كل منهما للآخر بتحدٍ لا يليق بالموقف.
_إحنا فعلاً زملاء سهى من الجامعة، أنا دفعتها ومحسن أكبر منا، بس لما عرف الخبر حب يعزي سهى. أظن مافيهاش حاجة لما نعزي زميلة لينا. والموقف دلوقتي ما يحتملش وقفتكم دي ولا أي كلام تاني. إحنا جايين نعزي وهنمشي. نظر لها عثمان نظرة جانبية حادة، أغضبت محسن، فهو يستخف بهما بشدة. لكن عثمان أشار لها مع ضبط غضبه: _اتفضلي، الستات في البيت، والرجالة في الصوان. حضرتك من أي نوع؟
كلماته تحمل تهكماً يرفضه محسن، لكنه لم يأت ليتشاجر أو يثير الفوضى. لقد جاء فقط لتراه يتابع دونها، وسيعمل أن تظل رؤيتها له. _اتفضلي انت يا وفاء، وأنا هقعد مع الرجالة وأبقى أسلم على سهى وأنا ماشي. ظلت مكانها حتى رأته يتقدم داخل السرادق، متجاهلاً عثمان بتعمد واضح، لتزفر بضيق وتتجه نحو المنزل.
دخلت وفاء تستطلع الأوجه بتوتر، فهي غير معتادة على مواجهة مثل هذه المواقف وحدها. نظرت حولها بتيه، حتى استقرت عينيها على وجه مألوف رغم شحوبه. لتقترب من سهى وهي لا تصدق أن هذه الفتاة في العباءة السوداء هي سهى نفسها التي كانت أناقتها مثالاً تحتذى به الفتيات. _سهى. همست وفاء لتلفت انتباهها، فترفع رأسها إليها، فتتدفق الشفقة إلى قلبها فور رؤية عينيها الذابلة. حاولت سهى أن تستقيم، لتوقفها وفاء:
_خليكي مرتاحة. البقاء لله يا سهى، ربنا يرحمه. أنا أول ما عرفت جيت علطول. _ونعم بالله يا وفاء، اتفضلي. جلست وفاء بالقرب منها، وهي لا تدري كيف تخبرها عن وجود محسن، ولا كيف سيرى محسن هذه الصورة المزرية؟ ساد الصمت لدقائق، وسهى لم ترفع رأسها مجدداً. يتقدم منها النساء، فيبدين حزنهن ويغادرن دون رد فعل منها، يظهر أنها أدركت تواجدهن. اقتربت منها وفاء حثيثاً، وأحنت رأسها لتصل لمستواها، فتهمس بتوتر:
_سهى، في حاجة لازم تعرفيها. محسن برة، وقابل جوزك، وقالوا إنكم أصحاب من الجامعة. نظرت لها سهى نظرات فارغة لا تحمل خوف زوجة من زوجها سمع هذه الكلمات من آخر. لتتابع وفاء بنفس النبرة: _هو جاي يعزيكي، بس جوزك صمم يقعد مع الرجالة برة. عادت سهى للصمت، وكأنها تقلب الصورة برأسها جيداً، قبل أن تقرر التصرف الملائم. ولم يطل صمتها سوى لعدة دقائق، وهي تعلن العصيان والتمرد على واقعها وعلى عثمان أيضاً. فتستقيم واقفة، لتقف وفاء أيضاً
بتوتر: _رايحة فين يا سهى؟ تساءلت هالة بتوتر وقلق، لكن صوت سهى جاء هادئاً جداً: _زمايلي من الجامعة جايين يعزوني، هسلم عليهم يا خالتي وراجعة. وتقدمت، تتبعها وفاء بتخوف من تصرفها الذي لن يؤذي سواها، لتحاول إيقافها: _سهى، بلاش تهور، فكري كويس...
تعمد محسن بجلسته أن يكون مقابلاً لعثمان، الذي يعقد ذراعيه، فيظهر للآخر قوته العضلية النابعة من مهنته الشاقة. وكل منهما ينظر للآخر مقيماً له. يراه محسن رجلاً عادياً، ولا يبدو له ذو مال أو سلطة تدفع سهى للتخلي عنه، كما أن خشونة كفيه تنبئ بأنه حرفي كادح، لا يليق أبداً بفتاة رقيقة مثلها. ترى هل أُجبرت على الزواج منه لكونه ابن عمها فقط؟ بدأت رؤيته تتغير لما حدث، لكن تلك القوة بنظرات عثمان له لا تبشر بالخير.
طالعه عثمان أيضاً بدقة، من منابت شعره إلى أخمص قدميه. هو ثري بالوراثة كما يبدو من فظاظته وعدم تحمله للمكان من حوله. أهذا الذي أخبرته عنه؟ أهذا الذي ملك قلبها كما زعمت؟ عادت هواجسه عن طبيعة العلاقة بينهما، وهو يرى كم التناقض بين هذا الجالس أمامه وابنة عمه التي يعرفها جيداً.
وبينما كان كل منهما غارقاً في أفكاره التي تدور حول غريمه، ظهرت سهى من باب المنزل. وبمجرد أن تحركت عينا محسن نحو الباب، تحركت عينا عثمان أيضاً، لينتفض قلبه ويتبعه بدنه، مؤازراً بمع المزيد من الألم الذي تغرسه بصدره، وهي تخرج لمقابلة ورؤية رجل آخر. هي حقه هو، لا يحق لغيره لمسها أو مواساتها أو رؤيتها. رأى كفها الذي استقر بين كفي محسن، الذي يقف خلفه مباشرة، وقد تبعه كما اكتشف للتو. _البقاء لله يا سهى، ربنا يرحمه.
_ونعم بالله، شكراً يا محسن. _على إيه، إحنا برضه أصحاب. تجهت عينا عثمان نحوه بنهرة صامتة، وهو يثق بإعادته هذا اللفظ تعمداً لإثارة غضبه. ليمد كفه، فيحل تشابك الأكف التي يبدو له استكانتها لهذا الوضع. _أنا همشي يا سهى، واستناكي تعدي عليا في الشركة براحتك، مكانك محفوظ معانا زي ما وعدتك. انتفض قلب عثمان مرة أخرى، فليس من حق أي رجل سواه أن يقدم لها وعوداً، وليس من حقها أن تقبل وعوداً من غيره. لينهرها بشدة:
_ادخلي جوه يا سهى. نظرت له بحدة، ليرى محسن فوراً أن ثمة خلاف ونقطة صراع بينهما واضحة للجميع. _لما أصحابي يمشوا ابقى أدخل. لم تكن المرة الأولى التي تعترض فيها سهى على أوامره، لكن فعلها هذا أمام هذا الغريب زاد من لهيب غضبه الذي ظهر بعينيه فوراً. لتتقدم وفاء مرة أخرى، منقذة للجميع: _إحنا ماشيين خلاص، وهبقى أعدي عليكي تاني يا سهى.
اقتربت تضمها، بينما عينا سهى معلقة بعيني عثمان في الخلفية، لتتابع وفاء وتتقدم من محسن الذي يراقبهما بسعادة داخلية، لتجذبه أو تدفعه، المهم أن تبعده في هذه اللحظة. اقترب عثمان خطوة منها، وخبتت نبرة صوته: _امشي من قدامي، بدل ما أندمك على كل خطوة اتحركتي بيها عشان تشوفي حبيب القلب. أنا لولا باقي على دم عمي الله يرحمه، كنت طلقت دلوقتي قدامه. غورى من وشي.
انتفضت مع نهرته، رغم أنه خصها بها، ورغم عنها اتجهت عينيها أثناء مغادرتها إلى السيارة التي تغادر أيضاً، لكنها تشعر ببعض الراحة، فقد أرادت أن يرى تمردها وقد نجحت في ذلك...
نظر محسن للطريق بتركيز حتى غادر الحي، وعقله يعمل بسرعة ويلغي كل قراراته التي اتخذها سابقاً عن دفع سهى للندم. فهي منذ ظهرت أمامه، ورغم مظهرها المزري، إلا أنها أعادت بلحظات إضرام نيران أشواقه لها التي لم تخمد كما ظن سلفاً. حقاً لن يتخذها لنفسه، لكنه راضٍ تماماً عن الفشل الذي يراه. نظر نحو وفاء بحماس، وهو يشاركها أفكاره: _شوفتي يا وفاء، واضح إني ظلمت سهى، باين أوي إنها كارهه. اعترضت وفاء على حماسه المفرط:
_حتى لو ظلمتها يا محسن، خلاص، هي دلوقتي مراته وليه حقوق عليها، وأنت ماكنش لازم تتحدى بالشكل ده. هو أصلاً مش غريمك، ولا غلط في حقك. اللي غلط في حقكم أنتم الاتنين، هي سهى، ولسه بتغلط في حق جوزها. احتد محسن عليها مقاطعاً: _انت بتحامي له أوي كده ليه؟ تنهدت وهي تنظر نحوه:
_أنا مش بحامي له يا محسن، ولا أعرفه من أصله. أنا بتكلم في الأصول. وأنت نفسك لو مراتك خرجت عشان تسلم على راجل غريب، لا يمكن تقبلها على نفسك. قبل ما تحكم على رد فعله، احكم على تصرف سهى. وقف هنا من فضلك، نزلني. توقف فوراً دون تفكير، وقد تركت كلماتها أثراً في عقله، وهو يرى تناقض موقفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!