رغم أنه لم يحصل على لحظة واحدة من الراحة، يرفض أن يستجيب لوهن بدنه الذي يدعوه إليها. ففي أي لحظة قد تأتي أمه أو خالته، بينما ابنة عمه التي أصبحت له زوجة أو أصبحت له هما وخذلانا لم تظهر منذ ساعتين أو أكثر. وحتى هذه اللحظة، لا يعرف كيف سيواجه خالته أو عمه، وقد ترعرع بينهما كأنهما أم وأب له. ويفضل الموت على أن يرى الانكسار يخيم على ملامح أحدهما. وما أقدمت عليه سهى بالأمس لمنعه عنها لن يجلب الانكسار فقط، بل سيجلب المزيد.
ترى، هل علم أي منهما بالفعل عن ذلك المجهول الذي تدعى حبها له؟ لا، لا يصدق أن عمه يرضى له ذلك. اتجهت عيناه إلى الباب الذي عبرت به أصوات الزغاريد ليعلم أن خالته على وشك طرقه، لذا نهض بتثاقل محاولا نزع كل المشاعر السلبية التي تخيم على ملامحه. فتح الباب مستقبلاً: _يا دي النور! هلت هنية وهالة لرؤيته مبتسما رغم إرهاقه الواضح. _صباحية مباركة يا نور عيني. اعترضت هنية بدلال: _لا يا هالة، عثمان دلوقتي ملكية مشتركة.
_كده برضه يا هنية؟ ما هو طول عمره ابنك أصلاً، ولا إنت هتعملي حما دلوقتي؟ _أنا أعمل حما على عثمان؟ ده ابن قلبي، أوعى كده بالعند فيكي أنا هحضنه الأول. حاول عثمان مع ضمته لها أن يخفف من تشنجه البدني، إلا أنها شعرت به فوراً لتتساءل بقلق: _مالك يا عثمان؟ _سلامتك يا خالتي، أنا كويس الحمد لله، بس مانمتش كويس. وكزتها هالة وهي تضحك: _اهو بيطردنا يا أختي، مبسوطة؟ _مش قصدي يا ماما والله. أشاحت هالة بكفها وهي تتجه نحو
غرفة النوم مدعية الغضب: _لا خليك مع خالتك بقى، أنا داخلة لبنتي. تبعتها عينا عثمان بقلق، بينما جذبت هنية كفه واتجهت نحو الأريكة، ليترك قيادة خطواته لها حتى جلست لتتساءل فوراً: _حصل إيه يا عثمان؟ سهى... لم يتحمل نظرات الفزع تحتل وجه خالته ليقاطعها فوراً: _سهى زي الفل يا خالتي، ما تقلقيش. أنا بس مانمتش ومرهق شوية. _طمنت قلبي، ربنا يطمن قلبك. خلاص أنا هاخد هالة ونروح، وإنت ادخل نام وارتاح.. يا هااالة يلا خلينا نمشي.
ظهور أمه بهذا الوجه المبتسم رسم على وجهه ابتسامة متهكمة، نكس رأسه ليخفيها عنهما. كان واثقاً أنها ستجبن من إخبار أحد عما أخبرته، ورغم أنه أيضاً ما كان ليخبر أحد، لكن الوضع بينه وبينها مختلف للغاية. هو يخاف عليهم من الخذلان، أما هي فتخاف على هذا الحبيب المزعوم. لحظات وغادرت أمه وخالته ليجد نفسه مرة أخرى معها خلف باب مغلق، وبينهما باب مغلق أيضاً.
عاد للاريكة وقد بلغ الإجهاد منه مبلغا دفعه للاستسلام، ليتسطح متمنيا الحصول على بعض الراحة. لحظات لم تطل وجذبته غفوة لم تطل أيضاً، فقد افزعه رنين هاتفه لينتفض يتلفت حوله بفزع، شاعر بتخبط شديد. *** عادت هنية للمنزل وهي تشعر براحة كبيرة، وأسرت إلى غرفتها حيث ينتظر خيري عودتها. وما إن عبرت الباب حتى تساءل بلهفة: _طمنيني يا هنية؟ _الحمد لله يا خيري، عثمان طمني. _وسهى شوفتيها حلوة ومبسوطة؟
_والله ماشوفتها، عثمان كان تعبان أوي من قلة النوم، أصلهم ماناموش طول الليل. علت ضحكات هنية التي تعبر عن سعادتها، ظناً أن طول السهر حمل معه التنعم. لكن قلب خيري يرجف بين أضلعه، يريد أن يتأكد أن ابنته بخير. سحب هاتفه وغادر الغرفة لينأى بنفسه ويطلب رقم عثمان بلا تردد. طال انتظاره حتى كاد الرنين أن ينقطع ليأتيه صوت عثمان المرهق: _أيوه يا عمي، معلش يا حبيبي، عيني راحت في النوم.
شعر خيري بالراحة وابتسم بهدوء، وقد تنحت هواجسه جانباً: _ولا يهمك يابني، نوم الهنا والعافية. أنا بس بطمن على سهى، خالتك قالت ماشافتهاش. _كويسة يا عمي الحمد لله، تحب تكلمها؟ _أيوه، بس الأول عايز أقولك حاجة، ما تخليهاش تسمع. _خير يا عمي، في إيه؟ _خلي بالك من سهى يا عثمان، أنا طول عمري مدلّعها، إنت عارف. اتحملها شوية يابني علشان خاطري، وأنا مطمن عليها معاك. _ماتقلقش يا عمي، هي سهى غريبة عليا! ***
شعر بالقلق من حديث عمه، لكنه يقدر مخاوفه، فقد شهد على دلاله لسهى لسنوات طويلة ظلت فيها وحيدته والفتاة الوحيدة للعائلة، لذا زاد هذا من تدلل سهى. اتجه نحو الغرفة واقتحمها بلا تفكير، فهو لن يسمح للهواجس أن تسكن قلب عمه: _سهى هتكلمك يا عمي. قدم لها الهاتف دون أن يهتم لتلك الرجفة التي يراها وهي تمسك الهاتف وتحاول أن تبدو متماسكة: _صباح الخير يا بابا.
ظل مكانه يراقبها أثناء المحادثة حتى أنهتها، ليجذب هاتفه بحدة ويغادر بصمت، مكتفياً. وقلبه بالفعل أصبح يرفض رؤيتها. *** شعر خيري بالراحة بعد المحادثة، وتأكد أن عثمان سيظل كما هو ابنه الذي يمكنه الاعتماد عليه للأبد. توجه لغرفته ليحصل هو أيضاً على قسط من الراحة بعد أيام مرت طويلة منذ أعلنت سهى رفضها الذي يبدو لها أنها لم تعد تتمسك به.
استيقظ قرب الظهيرة، وكانت هنية لاتزال غافية، ليتسلل بهدوء عازماً على التوجه للمسجد رغم شعوره بخمول شديد. *** لم تكن نومته مريحة أيضاً، بل راودته الكوابيس عن فرار سهى منه مع ظهور مجهول يخفيها خلفه، فينتفض متلفتاً حوله بفزع ويتأكد أن باب الغرفة كما تركه هو، ثم يعود لغفوته.
لم يشعر بمرور الوقت رغم تعدد انتفاضاته، لكنه استيقظ على رنين هاتفه الملح، ليتحرك متأففاً يجر قدميه حيث تركه فوق الطاولة. وكان المتصل أبيه، لتتجه عيناه نحو الساعة فيجد أن الوقت قد تجاوز الظهر، ولابد أن أبيه عائد من المسجد: _أيوه يا بابا. _إلحقني يابني، عمك مات. رجفة باردة سرت ببدنه لتتصاعد حرارة شديدة برأسه حتى جحظت عيناه فزعاً: _إنت بتقول إيه يا بابا؟ ده لسه مكلمني من شوية، بابا...
قاطعه صبري وهو نفسه يعجز عن التصديق رغم جثمان خيري الذي يضمه لصدره: _مات وأحنا بنصلي يا عثمان، تعالى لي الجامع بسرعة. ألقى الهاتف بلا تفكير وهو يتلفت حوله، ودون أن يفكر في أي شيء اتجه فوراً للخارج لتتسارع خطواته التي تعبر عن المصيبة التي يضيق بها صدره. وجد تجمهراً من الرجال أمام المسجد ليقتحمه ركضاً، فيجد أبيه يضم عمه إلى صدره ويبكي، بينما يحاول الحضور مواساته، لتصل إلى مسامعه بعض مما حدث:
_الراجل كان داخل زي الفل، لا إله إلا الله. _دي حسن الخاتمة، مات وهو ساجد، ربنا يرحمه. _دي بنته كان فرحها امبارح، لا حول ولا قوة إلا بالله. جثى بجوار أبيه وعيناه لا تصدق المشهد الذي يراه: _بابا إنت قاعد كده ليه؟ يلا نشوف دكتور. صوت غريب مترفقاً بصدمته: _وحد الله يا عثمان، إنت المفروض تسند أبوك. انحنى عثمان يدفن وجهه بين كفيه وهو يهز رأسه رفضا عدة مرات، لكن حين رفع رأسه مرة أخرى استعاد منطقية تفكيره ورباطة جأشه، ليسحب
عمه عن صدر أبيه برفق: _بابا يلا نروح. تجمع بعض الشباب فوراً استعداداً لحمل خيري ودعم صبري الذي لا تقوى ساقاه على حمله. نفس الطريق الذي اتخذه ليلاً موكب العرس، يتخذه بعد ساعات، نفس الأشخاص في موكب من الحزن الذي يغلف قلوب الجميع. وضع عمه بنفس الفراش الذي وضعها فيه ليلاً، وما هي إلا لحظات حتى دخل الطبيب مهرولاً: _برة يا جماعة، من فضلكم ماينفعش كده.
بدأ توقيع الكشف على خيري الذي رافقه منذ ساعات، وغلفت ضحكاته الجلسة، لكنه طبيب ويعلم جيداً أن الأجل قضاء لا راد له. رفع وجهه إلى صبري وعثمان الذي قرأ رد فعله وينتظر قلبه الكلمات التي ستشقه نصفين: _البقاء لله. ركضت هالة للدور العلوي تبحث عن شقيقتها التي كانت نائمة، لتقف أمامها ولا تدري ما يمكنها فعله. لتقتحم الصغيرة سارة الغرفة متسائلة: _خالتو بابا جه عندكم تحت؟ نزل يصلي وماسابش مصروفى، خلاص هنزل آخد منه.
كانت هالة تنظر لها ولا تجد كلمات تجيبها بها، حتى تحركت مغادرة لتصرخ هالة: _لا يا سارة ماتنزليش. رفعت هنية رأسها عن الوسادة بتأفف لهذا الإزعاج: _خليها تنزل يا هالة، أنا دماغي واجعاني. _أصل صبري تعبان شوية. انتفضت هنية جالسة في غمضة عين، متناسية الألم الذي تعانيه: _تعبان ليه؟ كفى الله الشر! ده كان زي الفل الصبح. _اهو تعب شوية وهو بيصلي، وجه تحت علشان السلم.
قفزت هنية عن الفراش رغم أنها تعاني ألم بالمفاصل، إلا أن قلبها يدفعها للأسفل لرؤيته والتأكد مما يعانيه، وعقلها يطرح عشرات الاحتمالات. ربما عاوده ارتفاع ضغط الدم، لطالما كان مهملاً في حق نفسه. ستوبخه كثيراً لاحقاً. أشارت إلى سارة بكفها: _روحي أوضتك يا سارة وهبعت لك عالية. تأففت الصغيرة لكنها استجابت، فأمها لن تستمع إليها وهي تهرول بهذا الشكل.
هبطت هنية الدرجات بفزع يزداد مع رؤية التجمهر أمام شقة أختها، ويزيد فزعها مع تهرب الجميع من النظر إليها، لتخترق الجمع في لحظة بصدر لاهث، لتجد صبري يغادر الغرفة: _في إيه يا صبري؟ خيري ماله؟ _شدي حيلك يا مرات أخويا. اتسعت عينا هنية ونظرت إليه مستنكرة ما يقول للحظة، قبل أن تدفعه عن الباب وتدخل الغرفة، لتجد زوجها وابن عمها الذي طالما كان رفيقاً لحياتها يتخلى عن المتابعة ولم يعد مؤازراً لها. رأته جسداً مسجى فوق الفراش وقد
طمرت ملامحه بدثار أبيض: _خيري. سحبت قدميها نحو الجسد لتجلس بالقرب منه وترفع الدثار عن وجهه لترى استكانة ملامحه: _رد عليا يا خيري، رد عليا يابن عمي، يا سندي وقوتي، يا عمري كله يا خيري. لم تمنع دموعها التي تنعى رفيق العمر، ولم يمانع عثمان أيضاً دموعه التي ترثي عمه ووالده الثاني. اقترب منهما حين ضمت الجسد إلى صدرها وزاد بكاؤها، لبسحبها برفق: _بلاش كده يا خالتي، خليه مرتاح. _هو بيرتاح في حضني يا عثمان، حتى أسأله.
_معلش حبيبتي، سيبيه علشان خاطري. بدأ يفك ذراعيها من حول الجثمان ويسحبها برفق حتى الباب، ليسلمها لأمه التي تلقت أختها الكبرى بين ضلوعها وهي تشعر بما تعانيه من ألم لا يحتمل. عاد صبري للغرفة وكان عثمان لا يزال يقف قرب الفراش: _روح يا عثمان غير هدومك وهات مراتك. _أقولها خبر زي ده إزاي بس! _أمر الله يابني، روح ربنا معاك وماتتأخرش عليا.
اتجه للخارج تتلقاه الأيدي التي يعلن أصحابها عزاءهم وحزنهم، ظل بين الأكف المواسية حتى وصل للمنزل الذي لا تزال أضواء الاحتفال تكلل واجهته. وقف أمام الباب ليكتشف أنه لم يحمل المفتاح أثناء مغادرته، ليطرق الباب برفق وكأنه يخشى أن يفزعها، فما يحمله لها يكفيها. لم يطل انتظاره وسمع صوت هامس بترقب: _مين؟ _افتحي يا سهى.
فتحت الباب فور سماع صوته وعجزت عن كبت فضول نظراتها التي تتساءل عن سبب مغادرته، لكنها تراجعت عن مهاجمته التي انتوت عليها لتعلق عينيه بها بهذا الألم. بدأت أفكارها تتلاعب بها عن سبب هذا الألم الذي يطل من عينيه، لا يمكنها أن تخطئ نظرات عثمان، إنها تحفظه ككف يدها حقاً. رأت منه ليلة أمس وجهاً شرساً، لكنه يظل عثمان: _بتبص لي كده ليه؟
لم يجب بل حث خطواته نحوها ليجذبها نحو صدره المتألم لأسباب تتكاثر. فهو في هذه اللحظة لا يرى زوجته، بل يرى سهى أخته، وقد فقدا سوياً الأب. انطوت شهقتها الفزعة بين احتراق صدره وسكنت لحظة بفعل الصدمة، قبل أن تبدأ محاولة التحرر من ضمته التي لم تجد نفعاً مع تشبثه بها: _ادخلي غيري هدومك، والبس هدوم سوداء. حررها بعد أن ألقى جملته لتتشبث هي به: _سوداء ليه يا عثمان؟ حصل إيه؟ رد عليا. _ما كانش أبوكي لوحدك، كان أبويا أنا كمان.
شهقت وابتعدت عنه وقد تجمدت نظراتها فوق ملامحه المتألمة، وهي لا ترى سوى ما حدث بينهما منذ ليلة أمس، تعديه عليها، تهديده لها، وعيده واحتقاره لها: _قلت له إيه عني؟ التقى حاجبيه في استنكار واضح، ولم تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه وتابعت مهاجمته: _إنت كده ارتحت لما قتلته؟ أخدت تارك مني كده؟ _إنت بتقول إيه؟ لم تلتفت إلى اعتراضه وتابع قلبها الجريح طرح كل اللوم على عاتقه وحده، وكأن الفقيد لم يكن له أباً قبلها:
_مش هسامحك يا عثمان طول عمري. لو فاكر نفسك كده راجل واخدت حقك تبقى غبي زي ما طول عمرك غبي. أنا عمري ما هكون ليك ودم أبويا هيفضل بنا طول العمر. اتجه نحوها ليجذبها من ذراعها بحدة مؤلمة: _إنت الصدمة لطشت دماغك ولا إيه؟
لو مش عارفة عثمان للدرجة دي يبقى ماتستاهليش تبقي على اسمي، وأنا لو قادر آخد حقي منك كنت رميتك في الشارع امبارح، لكن إنت عرضي.. أنا مش هحاسبك دلوقتي علشان الصدمة، بس بعدين لينا حساب طويل أوي. انجري غيري هدومك. دفعها حتى كادت تسقط أرضاً ليختل تماسكه لوهلة، وكاد أن يلحق بها إلا أنها ركضت إلى الغرفة، وهو مضطر للتوجه لنفس الغرفة التي تحوي ملابسه أيضاً.
ألقت عباءتها أرضاً ووقفت أمام الخزانة بتخبط حين اقتحم الباب، لكنها لم تفزع، فما تعانيه من حزن يتخطى الفزع لرؤيته لها بهذه الهيئة. اتجه نحو الجانب الخاص به وفتحه ليلتقط ملابسه، وهي لازالت تنظر للخزانة بتخبط. ضاق صدره لما اعتراه من اهتزاز لرؤيتها بهذا الوضع، ليتجه نحوها ويتفحص ما تنظر إليه، ليخرج عباءة سوداء يقدمها لها برفق لا يتناسب مع الثورة بداخله ولا مع ما حدث منذ لحظات: _البسي دي.
وغادر الغرفة ليبدل ملابسه في أي مكان بعيداً عن تلك الرجفة التي سكنت صدره. تحلى بالصبر وجلس قبالة الباب ينتظر أن تخرج إليه، وحين فعلت لم يملك سوى أن يسرع إليها ليدعم خطواتها المترنحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!