الفصل 19 | من 31 فصل

رواية الحب لا يكفي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
16
كلمة
2,949
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

ربما تكون تلك الجملة التي عبرت شفتي الطبيب هي أكثر ما تمنت سماعه منذ دخلت هذا المكان أول مرة. طال انتظارها، لكنه كان انتظارًا مثمرًا. فقد تمكنت من البوح بكل ما يكنه صدرها، وتحدثت عن أحداث بحياتها لم يعلم بها سواها. وربما كان هذا حافزًا لقلبها ليصفو، ويمنح روحها بعض السكينة التي طالما بحثت عنها ولم تعثر عليها.

لم تكن تعلم أن ما تحتاجه هو بالمكان الذي تهرب منه. ومع الشخص الذي فرضت على عقلها استصغاره واحتقاره، فقط لتتمرد. انتفض الجميع وقوفًا مع هذه البشرى العظيمة التي أثلجت القلوب. ليتساءل صبري بلهفة: _بجد يا دكتور عثمان خلاص هيرجع لنا؟ اهتزت البشاشة التي زينت وجه الطبيب وهو يقول موضحًا:

_الحقيقة ما أقدرش أقول دلوقتى إن اللي هيرجع هو عثمان نفسه اللي انتو تعرفوه. لكن برضه لازم تكونوا مستعدين لتقبله بأي حالة. ولما يفوق تمامًا ونقيم حالته هنقدر نحط الخطوط العريضة. عاد الوجوم يسيطر على الوجوه، لكنها نفضت هذا الحزن الذي يفرض نفسه بعد هذا الخبر. فقد تمنت رؤيته ينظر لها فقط، وسيفعل. ويمكن لأي شيء أن يتغير لاحقًا. هي بالفعل لا ترغب حاليًا سوى بعودته. لذا حاولت أن تحافظ على ابتسامتها وهي تتلمس ذراع

عمها الذي تملكت منه صدمته: _المهم إنه هيرجع يحس بينا، وإحنا معاه لحد ما يرجع زي ما كان عثمان اللي إحنا نعرفه. أومأ صبري مؤيدًا كلامها، مع عجزه عن النطق. بينما تراجع الطبيب للغرفة، فلابد من متابعة حثيثة لحالة عثمان. مرت عدة ساعات ولم يظهر الطبيب مرة أخرى، مما منح الظنون سبيلًا لنهش القلوب.

كانت هالة في أضعف حالاتها، لذا اتجه صبري ليجلس بالقرب منها. لتتمسك بذراعه بلهفة نبأت بحاجتها الشديدة لدعمه. ربت فوق كفها المتمسك به، محاولًا نزعها من الفزع المسيطر عليها، لكنها ترتجف فعليًا. جذب ذراعها ليدسه بصدره بصمت. تمام لا يمكن لأي منهما اختراقه. نهضت هنية لتجلس بالقرب من سهى، وتنظر لها بترقب. تجاهلته تمامًا وعيناها متعلقة بالباب. لتتساءل هنية: _خايفة عليه بجد؟

التفتت لها سهى وعيناها تنهرانها بقوة، وكأنها غير مسموح لها أن تتحدث إليها. لكن هنية تابعت: _عرفتي إني كنت عاوزة مصلحتك واخترت لك راجل يصونك؟ تهكمت ملامح سهى وهي تستنكر ما تتفوه به هنية. وهي تنظر أرضًا، قبل أن تقول:

_المشكلة مش إنك اخترت صح ولا غلط. المهم إنك عاوزة تتحكمي فينا. تحركي قلوبنا وعقولنا زي ما يعجبك إنت. لما تحكمي نبعد ننفذ، ولما تحكمي نقرب ننفذ. ما يفرقش معاك إذا كنا حاسين بالإجبار ولا مرتاحين. أنا وعثمان كان ممكن حكايتنا تمشي أسهل من كده بكتير لو سبتينا زي ما كنا. اعترضت هنية على طريقة ابنتها في التفكير: _أنا كنت خايفة عليكم، وده من حقي.

_من حقك تخافي علينا فعلًا، بس مش من حقك تكرهينا عشان إحنا بنات وتفضلي عثمان عشان ولد. كنت خايفة من مين على الثاني يا ماما؟ خايفة عليا عثمان يأذيني، ولا خايفة عليه أنا أوجعه؟ صمت تام من هنية، وكأنها تجري محادثة داخلية. قبل أن تتحدث بتيه واضح:

_أنا مش بكرهك يا سهى، أنا كنت خايفة عليكي من الدنيا ومن الناس. إنت بنت سهل أي حد يلعب بعقلك ومشاعرك ويضحك عليك. سهل تجيبي لنا مصيبة، وأبوكي ما كانش هيتحمل. طول عمره شايفك كبيرة وفوق الناس. دلعه ليكي هو اللي وصلك لكده.

صمتت سهى أيضًا، تحاول التعامل مع رؤية أمها لها بهذا الضعف الذي جعلتها عليه. لطالما وضعتها في صراع داخلي بين رؤية أبيها لها ورؤيتها هي لها. تعلم أنها لم ترض عنها أبدًا، وكان عدم رضاها سببًا أساسيًا في زعزعة ثقتها بنفسها. وفي نفس الوقت، كانت تولي كل الثقة لعثمان. ولولا أنها عاشت طفولتها قرب عثمان ورأت حقيقة قلبه، ما تمكنت من إيذائه بهذه القوة، وما حملت له سوى كراهية مطلقة. لكن عليها أن تعترف أنه غير مسؤول عن أخطاء أمها معها.

_كان أسهل نبقى أصحاب وتقربي مني. كان أسهل تديني حق الاختيار وتعلميني أختار صح بدل ما تستني إني أغلط. تعرفي لولا بابا الله يرحمه كان شايفني زي ما قولتي، كان زماني ضايعة أكتر من كده بكتير. أنا مش هلومك تاني لأني محدش بيغير أفكاره. لكن كمان اتعلمت ما أحملش حد حمل غيره. عشان كده أنا بشكرك إنك أجبرتيني أتجوز عثمان، مش عشان ده قرار صح، لكن عشان عثمان راجل صح. أنا اللي وحشة مش هو، وأنا وحشة لأنك شايفاني كده. فكري في كل حاجة غلط أنا عملتها كويس، وهتعرفي إني كنت بس بعاند فيكي إنت وفي الصورة اللي إنت راسمها ليا.

نهضت بتثاقل بعد أن أفرغت مكنون الألم الذي لم تتخيل أن تواجه أمها به يومًا. لطالما رأت نظرة عينيها التي تلمع حبًا بمجرد النظر إلى عثمان، وكانت هذه النظرة تحرق قلبها. فهي ابنتها لا تحظى بها. لطالما رأت ذراعيها متلهفين لضم عثمان، بينما هي ابنتها بعيدة عن مرمى صدرها بالكامل. تحمد الله على وجود أبيها ومحبته وعطفه. وكم هي نادمة على عدم القرب منه حد الالتصاق، لكان هذا أفضل وأكرم من البحث عن المحبة خارج المنزل، حتى أوقعت نفسها في شرك محسن الذي أوهمها باهتمام ظاهري.

جلست قرب الباب في مواجهة أمها، لكنها لا تنظر نحوها. ليعود الصمت يخيم عليهم، ويكتفي كل منهم بالصخب الذي يدور بداخله وحده. مر بعض الوقت، وأخيرًا ظهر الطبيب يتبعه فراش عثمان الذي تدور عيناه بلهفة محملة بالفزع، الذي لا يختلف كثيرًا عن الفزع المتملك من نظراتهم وهم يلحقون بالفراش. دارت عيناه تحصي ابتسامات محملة بالدموع موجهة إليه، حتى استقرت عيناه على سهى وهي تتبع الفراش، ليلتقي حاجباه بإنعقاد شديد، وكأنه لا يتعرف عليها.

أسرعت خطاها لتتجاوز أمها وتقترب منه، متسائلة: _عثمان حاسس بإيه؟ نظر لها بنفس الحدة ولم يجب. لكنها لم تيأس، مع عجزها عن طمر اختناق الدموع، وهي تتساءل: _عثمان انت زعلان مني؟ لم يمهله الوقت ليجيب، فقد وصل الفراش للغرفة. ليجتمع العاملون بالمشفى لنقله عنه إلى الفراش بالغرفة. وتقف هي بعيدًا تراقب ألمه، بينما اقتربت أمه بلهفة: _حمد الله على السلامة يا عثمان. _الله يسلمك يا ماما، ما تخافيش أنا كويس.

اتسعت ابتسامة هالة بمجرد أن سمعت صوت ابنها، واستبشر قلبها خيرًا بعودته للحياة. فها هو أمامها حقًا. لازالت إصاباته متعددة، لكنه يعود إليها. أشار الطبيب لصبري الذي تفقد عثمان بنظراته، قبل أن يتبع الطبيب للخارج. نظرت سهى إلى أمها لترى تلك اللمعة بعينيها وهي تقترب لتجلس بطرف الفراش: _كده يا عثمان، كنا هنموت من الخوف يا حبيبي. _الحمد لله يا خالتي، قدر ولطف.

اشتعلت نظرات سهى كرهًا وهي ترى أمها تعود لتولي عثمان كل اهتمامها، وتتجاهل وجودها، وكأن ما واجهتها به لا يمثل لها مثقال ذرة. ترى هل هي بهذه القسوة بالفعل؟ اتجهت هالة نحو سهى، تحاول تدارك خطأ هنية كالعادة: _واقفة بعيد ليه يا سهى؟ تعالي يا حبيبتي جمب جوزك. التفت لها عثمان بفزع: _جوز مين؟ مين بتقولي إيه يا ماما؟ ساد الارتباك ملامح الجميع. وهالة تنظر نحو عثمان: _سهى مراتك يا عثمان! انتفض محاولًا الجلوس: _مرات مين؟

إنت بتهزرى يا ماما؟ بابا راح فين؟ وعمي فين؟ اتسعت الأعين مع الحدة التي سيطرت على عثمان. بينما تقدمت منه سهى بترقب: _إنت ناسي إننا اتجوزنا؟ تشكك نظراته لها أوحى بما يعانيه. لكنها تابعت التقدم. وقبل أن تتابع الحديث، اقتحم صبري الباب: _سهى تعالي عاوزك. اتجهت الأنظار نحو صبري وهو يتقدم ليسحب سهى للخلف، تحت نظرات عثمان الذي يبدو للجميع شخصًا آخر.

تبعت عمها للخارج، لتقف أمامه مغمضة العينين، تحاول إخفاء رغبتها الملحة في البكاء. ليقول صبري: _الدكتور بيقول عثمان ناسي أحداث كتير من الفترة الأخيرة في حياته. والمفروض ننقل له الأحداث دي بالتدريج عشان ما يحصلش صدمة. _نسيني يا عمي. قاطعته بأسى عجز أمامه صبري. لتفتح عينيها دفعة واحدة وتنظر نحوه: _بس ده ما يغيرش الحقيقة. أنا هفضل مراته حتى لو نسي ده. بس المشكلة إنه بيسأل عن بابا.

دارت عينا صبري وهو لا يجد سبيلًا للخروج من هذه الورطة. بينما اتجهت هي نحو الغرفة مرة أخرى، لتسمع صوته بلهجة حادة متسائلة: _محدش عاوز يقولي عمي فين ليه؟ _بابا راح عمره وما يعرفش اللي حصل. اتجهت لها عيناه، فهي تعلم أنه كان مقربًا من أبيها بشدة. وخبر موته في هذا التوقيت قد يعيده لتلك الغرفة. لذا حاولت المحافظة على ثباتها الظاهري. وهو يفحص هذا الثبات بترقب، قبل أن يتساءل: _هيرجع امته؟ توقعت أن يتساءل،

لذا أجابت بنفس الثبات: _هيقعد للحج، مش هيرجع دلوقتي. تنهد وهو يغمض عينيه، معيدًا رأسه للخلف. قبل أن يهمهم بصوت مسموع ينبئ بارتياح لما أخبرته به: _أحسن ما أحبش عمي يشوفني كده. نظرت إلى عمها الذي اقترب فورًا منها يدعمها بعد أن رأى تراجع شجاعتها وثباتها. أحاطها بذراعه، فلست هذه الكذبة بهينة عليها. استندت إلى ذراع عمها، تخفي وجهها بصدره هامسة: _مش قادرة يا عمي، قلبي بيتقطع.

_معلش يا سهى، بس كان لازم نخبّي عليه لحد ما يستقر. ولما نقوله الحقيقة أكيد هيقدر خوفنا عليه. تعلم أن الثقة بينهما مهزوزة بما يكفي، ويمكنه أن يضيف هذا الكذب إلى قائمة أخطائها لينفر قلبه منها بشكل أكبر. وهي لم تعد تقوى على هذا النفور. _هو إحنا اتجوزنا امته؟ استعادها صوته المتسائل من تخبط أفكارها. ليربت عمها فوق كتفها ويتجه نحو فراشه وهو يجيب عنها:

_اتجوزتوا من شهر وشوية. معلش بكرة تفتكر كل حاجة. الدكتور بيقول وضع مؤقت، بلاش ترهق نفسك. _دماغي يا بابا! وجع جامد أوي. لامست جبهته بحكم ما اعتادت عليه أثناء الغيبوبة. لكنه انتفض لتلك اللمسة. بينما ابتسمت بثقة: _غمض عينيك وحاول ترتاح، وإحنا هنا. ماتقلقش. نظر لها بدهشة ممزوجة بترقبه. لكنه انصاع لما طلبته منه، وأغمض عينيه دون أن يخفي توتره وارتباكه وتشنج بدنه كاملًا.

تقابلت النظرات بمجرد أن أغمض عينيه. ليشير صبري لزوجته وهنية أن تتبعاه للخارج. بينما جلست سهى. ليفتح عينيه وينظر لها بدهشة، ويرخي جفنيه معلنًا انتصار إرهاقه على وعيه. وقفت هالة وهنية أمام صبري الذي شرح لهما ما أخبره به الطبيب. لكن كيف لهم أن يتابعوا إخفاء الحقيقة؟ سيعلم بمجرد أن يرى الصغيرتين أو يزوره أي شخص. _هنعمل إيه يا صبري؟

_مش عارف يا هالة. عمومًا الدكتور هيعمل فحوصات وأشعات على المخ ويرجع يفهمني أكتر. أنا مش عارف هنعمل إيه ولا عارف أي حاجة. واللي قالته سهى ده أنقذنا من الحيرة على الأقل مش هيسأل تاني قريب. _المهم إنه فاق يا هالة. وعثمان راجل ما يتخافش عليه من الوجع. مجرد ما يستقر نقوله الحقيقة. نظر صبري لهنية بانفعال واضح ورفض لأي تصرف: _مش هنقول ولا نعمل أي حاجة من غير ما نرجع للدكتور. كفاية إنه عرف حكاية جوازه من سهى دي لوحدها صدمة.

_ليه هو عثمان ما كانش عاوز يتجوز سهى؟ تردد سؤال هنية ليصمت صبري وتتوتر هالة. لكن صبري لم يخش الحقيقة: _هتفرق معاك يا بنت عمي؟ وكأنه يصفعها بقوة. وظهر جليًا اهتزاز عينيها. فصبري للمرة الثانية منذ وفاة زوجها يواجهها بحقيقة رؤيته لها. ابتعدت عنهما لتلحق بها هالة: _هنية ماتزعليش، صبري ما يقصدش. أومأت بلا اقتناع وتابعت بعدها لتجلس بالقرب من الغرفة تلتقط أنفاسها التي تشعر أن صدرها يضيق بها. عادت هالة إلى صبري تعاتبه برفق:

_ليه كده يا صبري؟ اتجهت عينا صبري إلى هنية وهو يتحدث بقوة: _اللي كان بيحصل وخيري عايش ما ينفعش يحصل دلوقتي. الله يرحمه كان بيشيل بدالها ويغطي عليها. ولازم تفهم إن خيري راح وتتحمل نتيجة اللي عملته في بناتها. صحيح اللي كانت بتفضله عليهم يبقى ابني، بس هو كمان انضر واتوجع بسبب معاملتها ليهم. اختك محتاجة تلحق نفسها يا هالة قبل ما تخسر بنتها الصغيرة كمان، وما فيش خيري دلوقتي يلحق اللي بتعمله.

ابتعد صبري بحدة لتتنهد هالة. لم تكن تصرفات هنية تخفى على أي منهم. لكن وجود خيري مراقبًا لها كان يعمل على تقليل الضرر الناتج عن أخطائها. فماذا سيحدث بعد رحيله؟ ربما يكون زوجها محقًا! لقد حظت سهى برعاية أبيها، كما أن وجود عثمان كزوج مستقبلي لها ساهم في تحديد أخطاء هنية. فماذا عن سارة؟ تحتاج الصغيرة إلى نسخة أخرى من هنية، وتحتاج هنية لكثير من التغيير لتصل لهذه النسخة.

ظلت تنظر إلى ملامحه المسترخية بعد أن تمكنت منه غفوة. سحبته من الواقع مرة أخرى. دارت حول الفراش لتجلس بالقرب من ذراعه السليم. قبل أن تقترب ببطء حتى استراح رأسها فوق صدره. شعرت برتابة أنفاسه التي تخبرها أنه لا يشعر بقربها. لكنها لا تهتم. يكفي أنه بالقرب. تسلل ذراعها خيفة يحيط خصره، لتلامس جرحًا دون تعمد. لكن الألم كان كافيًا لإخراجه من سكونه.

شعر بثقل فوق صدره ليفتح عينيه وينظر إليها دون أن يتحرك. لازالت الدهشة مسيطرة على نظراته وهو يعجز عن تفسير تصرفاتها تجاهه. عاد يغمض عينيه محاولًا السيطرة على الألم الذي يتسبب به قربها بهذه الطريقة من جروحه التي لم تشف. لكنه اعتاد طيلة عمره أن يتحمل بعض الألم لأجل سهى. لذا لا يتعجب أن يفعل وهو بهذا الضعف، خاصة

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...