علم عثمان أنها تفكر في كذبة لائقة، بينما لم تفكر لحظة في الكذب، فقط فكرت في طريقة لعدم صدمه بالحقيقة. فعثمان عكسها تمامًا، متعلق بوالدته لدرجة كبيرة، وتعلم أن له كل الحق في هذا. لذا لم تفكر كثيرًا وتحدثت بهدوء. "بعدين هبقى أكلمك عنها." أومأ دون تعليق، بينما اتجهت نحوه سارة لتجلس بالقرب منه وهي تتلمس أطراف حجابها الذي أعادت ضبطه. وهذا يعني أنها عادت للمنزل. فهل تركتها سهى هناك؟
أبعد أفكاره عن الواقع قليلاً وهو يبتسم لها بحنان. "إيه القمر ده؟ شوفتي الحجاب كده أحلى إزاي؟ بقيتي عروسة وأحنا مش واخدين بالنا." اتسعت ابتسامة سارة، ليتأكد عثمان أن الفتاة تفتقد والدها كثيرًا. فلها كل الحق في هذا، فهو نفسه يفتقده. فقد كان عمه نبعًا للحنان لا يتوقف تدفقه. عليه أن ينبه والده إلى هذه النقطة، فهو الوحيد القادر على القيام بدور الأب البديل لسارة. ........
وصلت وفاء لمنزل عمها بعد انتهاء دوام عملها. شعر عزيز بالرضا النفسي لمجرد رؤيتها ترتدي ملابس الحداد، فهذا يعني أن محاولة والده لم تذهب أدراج الرياح. استقبلتها ليلى، التي تعرفت إلى شخصها بالأمس دون أن يحدث أي تفاعل بينهما، لكنها صافحتها بود وتساءلت: "ريـم عاملة إيه النهاردة؟ "تعبانة يا بنتي والله، ضغطها عالي ونايمة في السرير." "لازم تشوف دكتور." "جوزها غلب معاها، مفيش فايدة." "تسمحي لي أشوفها؟
تقدمت ليلى لتتبعها للغرفة حيث ترقد ريم بهيئة مزرية، استرعت مخاوف وفاء التي بدأت تحاول أن تدفعها لرؤية الطبيب. فهي بحاجة لفحص طبي سريع، فقد بدأ يظهر عليها بعض التورم حول عينيها. لكن ريم تابعت البكاء ورفضت بشدة. "أنا مش هروح في حتة، أنا عاوزة أنام هنا في سرير بابا."
لا تفهم وفاء كثيرًا طبيعة العلاقة الودية التي تنشأ بين الابنة وأبيها، لكنها لا تضع فقدان أي إنسان دافعًا لقتل النفس بهذه الطريقة التي ترى ريم تتبعها. والغريب صمت المحيطين بها. لذا غادرت الغرفة متجهة نحو البهو الذي يجلس به الجميع. ودون استشارة أي منهم، أخرجت هاتفها ليلتفت لها الجميع وهي تطلب رقمًا ثم تقول: "الإسعاف، من فضلك. عندنا حالة طارئة، عاوزين عربية إسعاف بسرعة. هي حامل وضغطها عالي وبدأ يظهر تورم في وشها."
انتفض بعض الجالسين فزعًا إلى الغرفة، ومنهم شاب ظنت أنه زوج ريم. بينما ظل عزيز يراقبها وهي تتحدث بثقة وحدة حتى أنهت المحادثة على أن يتواصل معها فريق الإسعاف. ليقف عزيز معترضًا: "ينفع تطلبي الإسعاف من غير ما تاخدي رأي حد؟ "لو كان في حد عنده قلب ما كنتش وصلت للدرجة دي." "إحنا حاولنا وهي رفضت." تهكمت ملامح وفاء وهي تعتبره أقبح عذر، لتتابع بنفس الحدة: "وهو في حد عاقل يدي واحدة في حالة ريم النفسية والجسدية حق القرار؟
من حقها تقرر لما تكون متزنة وقادرة. لكن وهي مشوشة وضعيفة، الاستسلام عندها هيكون أسهل. ولازم الحد ده يقرر عنها علشان نحافظ على حياتها." يعلم عزيز أنها محقة، وأن الوقت ليس مناسبًا للتناحر والمجادلة العقيمة. لذا اتجه إلى غرفة أبيه حيث ترقد أخته ليرى أن حالتها تسوء وأنها تزداد انهيارًا ورفضًا لمغادرة غرفة أبيها. الوضع مؤلم نفسيًا وحالتها تنحر القلب ببطء شديد. هي بالفعل تحتاج إنقاذًا من نفسها.
وصلت سيارة الإسعاف، وبعد الفحص السريع تم حملها للمشفى فورًا. ولحق بها الجميع. وقفوا جميعًا، ووفاء تنأى بنفسها عنهم حتى غادرت الطبيبة حجرة الفحص بملامح غير مبشرة. "إزاي تسيبوها توصل للحالة دي؟ ده تسمم حمل وهي والجنين في خطر." زاغت الأبصار، ليسرع زوجها راجيًا: "أرجوكي يا دكتورة، اعملي أي حاجة بس انقذي حياة ريم."
"لازم الضغط ينزل الأول، وهتدخل عمليات فورًا وتولد قيصري وربنا يستر. خليكم هنا تحسبًا للظروف، مفيش حاجة مضمونة." ارتجفت القلوب، حتى وفاء شعرت بالفزع رغم أن علاقتها بريم لم تصل ليوم واحد. وكالعادة حين تشعر بالفزع، اتخذت من دونهم مجلسًا لتتحدث إلى أمها فورًا. مرت الساعات بطيئة، وأخيرًا غادر فراش ريم غرفة الطوارئ متجهًا لغرفة العمليات، ويبدو أنها فاقدة للوعي.
المزيد من القلق عليهم معاقرته، وقد تصلبت الألسن ولم يحاول أي منهم النطق بكلمة واحدة. فقط تضرعت القلوب وتعلق الأبصار بالباب الذي ظل مغلقًا لساعة كاملة، قبل أن تظهر الطبيبة مرة أخرى فتهرول إليها قلوبهم. "الحمدلله، هي تحت الملاحظة ساعتين بس وتقدروا تشوفوها. بس الجنين هيحتاج حضانة." "يعني ريم كويسة؟ "الحمدلله، لحقناها في الوقت المناسب. اتفضلوا راجعوا الحسابات."
تحرك هذا الشاب بخطوات مهزوزة ليتبعه عزيز يشد من أزره. غادرت الطبيبة، لتبحث وفاء عن كلمات تناسب الموقف، لكن لم يجد عقلها ما يمليه على لسانها. ليلزم الأخير الصمت، بينما اتجهت ليلى لأحد المقاعد لتجلس صامتة وهي تقدر لهذه الفتاة التي كانت تراها غريبة حتى الأمس، هذا المعروف الذي تعجز عن رده. وقلبها يشكر سميحة على تربية فتيات يحملن هذا القدر من التعقل والإنسانية. فلم تسمح وفاء لكل جروح الماضي أن تقف عائقًا أمام إنقاذ ريم التي عجزت هي وأمها عن إنقاذها.
............. أخيرًا غادرت خالته، ليعم الهدوء المنزل. وقد قرر أن يمنحها الوقت حتى تخبره عن تلك الصديقة. لن يتعجل حديثها وسيحفظ لها عهدًا بالثقة لم يعلنه لها. اقتربت منه بنفس صفاء ملامحها. "عثمان، ما تقوم ترتاح. أكيد تعبت من القعدة." "القعدة مع الحبايب ما تتعبش يا سهى. تعالي جمبي." أسرعت تلبّي طلبه بلهفة، انبثقت لها ابتسامته وهي تندس بالقرب منه، ليحيط كتفيها هامسًا: "وحشتيني."
زادت التصاقًا به، لتتسع ابتسامته وينتشي قلبه الذي يبشره بسعادة ستخيم على هذا المنزل مستقبلًا. عليه أن يحافظ عليها. "قولي لي بقا، جاهزة للدراسات العليا؟ "أنا مش هتحرك غير لما تخف وترجع الورشة. قول لي انت بقا، ما فكرتش تشتغل في مصنع كبير؟
"صراحة لا. أنا لما كنت صغير كنت أروح مع بابا الورشة، أشوف عمي الله يرحمه وهو بيرجع العربية بعد ما كانت خردة تجري. كنت أشوف الفرحة بتنطط في عيون الناس وقلبي يتنطط معاها. ومن وقتها وأنا بحلم أكون زي عمي وبقيت الحمدلله." "وليه دخلت صنايع؟ "علشان أدرس أكتر طبعًا. أدخل ثانوي ليه وأدرس مواد مش هتفيد حلمي في حاجة."
رؤية جديدة تمامًا للأمر الذي طالما رأته بشكل عكسي. كانت تراه يبحث عن الأيسر، بينما كان هو يبحث عن الأكثر إفادة. تنهدت من جديد، فحقا فقدان لغة الحوار قد يصل بأي علاقة لمنحدر قاتل. ............ تجمعوا بغرفة ريم التي بالكاد تدرك ما حولها وترى المكان مشوشًا مهتزًا. جلست ليلى بجوار فراشها. "الحمدلله إنك قومتي بالسلامة يا ريم. شوفتي آخرة العند؟ كنتي هتضيعي نفسك."
الوقت ليس ملائمًا للوم، يدرك الجميع هذا. ورغم ذلك لم يعترض أي منهم على حدة ليلى، لتتأكد وفاء أن الغلظة صفة اعتادوها منها. اتجهت نحو الفراش. "حمد لله على سلامتك يا ريم. معلش أنا اتأخرت ولازم أروح، بس هطمن عليكي بكرة إن شاء الله. وسلمى ومنى جايين في الطريق." "طيب ما تستني أخواتك أحسن! "معلش يا طنط، ماما لوحدها من الصبح." "طيب سلمي لي عليها." دهش الجميع عدا وفاء، التي حاولت أن تبتسم قبل أن تغادر. ليلحق بها عزيز.
نظرت إليه بعد أن غادرت وهو يلحق بها. "انت رايح فين؟ "وفاء، أنا تعبان كفاية علشان أسكت لبكرة الصبح. أنا هوصلك ومش عاوز مناقشة." وصلت وفاء بصحبة عزيز الذي وقف أمام الباب. "وفاء، أنا متشكر جدًا إنك أنقذتي حياة ريم. إحنا فعلا غلطنا لما سمعنا كلامها. أنا نفسي أشوف طنط سميحة، بس انت شايفة حالتي ما تسرش. إن شاء الله الدنيا تستقر وأجي ليها مخصوص."
غادر فورًا دون أن ينتظر منها تعليقًا، بينما اتجهت للداخل، فهي أيضًا بحاجة ماسة للراحة. بعد نصف ساعة فقط، وصلت لفراشها أخيرًا. أغمضت عينيها تحاول أن تستجيب لإلحاح دبيب الخمول الذي يتقدم من وعيها. لكن تلك النظرة التي رأتها بعينيه اليوم عادت تطل من أحداث اليوم لتتسارع لها خفقات قلبها، فهي ترى هذا الحنان من رجل يشملها لأول مرة بحياتها. عادت لتفتح عينيها وتنظر لأعلى، ليصر قلبها على عرض نظراته،
فتنهر نفسها: "وفاء، بلاش جنان. إحنا يا دوب خلصنا من وجع القلب مع محسن، هنرجع نعيده تاني." نبع صوت الود من صدرها مدافعًا: "محسن إيه؟ مفيش وجه مقارنة طبعًا." جذبت وسادتها لتخفي وجهها بين ظلمتها، وكأنها ترفض هذه المناقشة. وسرعان ما تغلب الخدر ليسحب وعيها بترحيب منها.
مرت عدة أيام وعادت الحياة تأخذ مجراها الطبيعي في حياة وفاء، مع حرصها على تفقد ريم كلما استطاعت. لتجد أن ليلى تعلن عن تقدير مساعيها بمحاولة التودد إليها. كما أنها لم تشعر بسعادة يومًا مثل اليوم الذي اختارت فيه ريم اسم صغيرتها تيمنا بها. عملها يسير على نحو ممتاز، وكلما تقدمت خطوة وجدت لها صدى كبير بين زملائها. وعمار نفسه الذي لا يتوقف عن إعلان دعمه لها وتشجيعه أيضًا.
دخلت مكتب عمار بنفس الحماس الذي يرى أنه جزء منها، لتستقبلها ابتسامته المرحبة. "تعالي يا وفاء." تقدمت نحوه ليفتح حاسوبه. "اتفرجى على تنفيذ أفكارك في القرية. محمد باعت لنا فيديو والناس هناك مبسوطين جدًا من الشغل. أنا واثق أنها مجرد بداية." نظرت إلى الشاشة بشغف، ليتابع: "اعملي حسابك، لما الشغل يكبر شوية هتاخدي المشروع من أوله لآخره."
أنا شايف أن أحسن واحد يتابع التنفيذ هو اللي صمم، لأن أكيد له رؤية مختلفة عننا. اقعدي يا وفاء واقفة ليه؟ جلست وعينيها لسه متعلقة بالشاشة وهي بتشاور عليها. _هو فعلًا فيه شوية تفاصيل مختلفة عن تخيلي، وأنا كان ممكن أروح عادي. _لما يبقى مشروعنا ونقدر نتحكم في كل حاجة، أبقى روحي. لكن مشروع مشترك، يبقى الخلاف وارد جدًا. وأنتِ بصراحة عصبية، لكن محمد باله طويل، هيقدر يتصرف بسياسة.
اتجهت عينيها ناحية وشه، وبلغت الصدمة مبلغها واضح منها، لتتساءل: _وحضرتك عرفت منين إني عصبية؟ لم ترتجف ثقة ابتسامته، ولم تتحرك عينه فور أن التقط عينيها بين ناظريه. _لأني مهتم، عرفت. _مهتم! _وفاء، أنتِ بقى لك معانا شهر وأربع أيام. أنا عارف إنها فترة قصيرة إن حد يعرف الثاني فيها، بس أنا راجل عملي، وعمري يخليني أقدر أحكم أسرع. _تحكم على إيه يا أستاذ عمار؟
_على مشاعري. أنا بحبك يا وفاء، وعارف إن بينا فروق كتير، أهمها العمر. بس أنا من أول مرة شوفتك أثرتي فيا. حاولت أشد قلبي بعيد عن طريقك، ماقدرتش. رفرفت أهدابها بتوتر وهي بتحاول تدور على كلمات، لكنه ما أمهلهاش. فيبدو بالفعل حازم لأمره وهو بيتابع:
_ومش طالب منك أي حاجة غير إنك تفكري. لو ليا فرصة، هكون أسعد راجل في الدنيا. ماليش، عرفيني، بس وصدقيني مش هتسمعي مني الكلام ده تاني، ولا رفضك هيكون عائق في شغلك هنا. أنتِ مبدعة وإضافة للشركة، وشهادتي فيكِ مجروحة. تحركت رأسها عدة حركات بلا معنى وهي بتنهض لتبتعد عن المكتب، هاربة منه للخارج، دون ما تهتم تتأكد إن كانت بتهرب منه هو، أم بتهرب من نفسها. ***
تحرك عثمان ناحية خارج الغرفة، بينادي سهى اللي لسه بتستعد تصحبه للطبيب. _يلا يا سهى، بابا وصل برة. أقبلت مهرولة وهي بتنهي لبس الحجاب. _خلاص لبست. توقفت ونظرت له بتركيز، وعادت تهرول للغرفة. _فيه دبوس ناقص. _يا ألله! صرخ عثمان وهو بيتجه ناحية الباب، بيلوم نفسه على تعجل أبوه اللي بينتظر بره، لكنه بالفعل بينتظر نهاية الفحص، وكأنه بينتظر نتيجة اختبار هيتوقف على نتيجته حياته اللي جاية.
بعد ساعتين تقريبًا، كان عثمان فوق فراش الفحص، بينما الطبيب بيراجع الأشعة، ليبتسم. _ممتاز، ممكن نفك الجبس النهاردة، بس راحة تامة لمدة أسبوع، وبعد كده حركة خفيفة، وأشوفك تاني. انشرح صدر عثمان، ليظهر الرضا مظللًا ملامحه، والكل أيضًا. بينما تخفي وجهها من الطبيب، خوفًا من فرار الكلمات اللي بتخبر الطبيب إنه بيتحرك بالفعل، وأن نصايحه له مش هيلتزم بها. دخل عثمان البيت، بيتكى على عكاز واحد، وبيسير قدر استطاعته. لتهلل سهى:
_حمد الله على السلامة يا عثمان. نظر لها، لتسعده سعادتها. بينما اتجهت للأريكة، لقد وعدته إنها تخبره عن صديقتها اللي زارتها عدة مرات خلال الشهر الماضي، دون ما يعلم مين هي، ولم يضغط عليها. وقد تملل قلبه، فقط لأن فيه حد بيشاركه فيها دون ما يعرف شخصيته، لكنه يثق إن ما تخفيه لسبب مقنع. جلس ثم انحنى يتحسس ساقه وقدمه برفق، لتتساءل: _إيه، فيه وجع؟ _لا أبدًا، أنا مش مصدق إني أخيرًا فكيت الجبس.
_اسكت، أنا كنت خايفة الزفت اللي بيفك بيه يعورك. ضحك عثمان لتلك الفكرة الطفولية، بينما جلست: _أنا وعدتك أعرفك على صاحبتي اللي بروح أزورها ومش بقولك هي مين. رأت الشغف بين عينيه، لتتابع: _أول حاجة، أوعدني تسمعني للآخر وتتصرف بهدوء. _أوعدك يا سهى، فيه إيه، قلقتيني؟
_وأنت في المستشفى، خالتو تعبت شوية، والدكتور قال سكرها عالي، بس هي ماعندهاش سكر. فقال ممكن حالة عارضة من الزعل. بس لما خرجت من المستشفى، تعبت تاني، وعملوا سكر تراكمي، واتضح إن فعلًا عندها سكر. فطبعًا العلاج بقى يتعبها شوية لحد ما اتعودت، وهي دلوقتي الحمد لله كويسة. _قصدك إنك كنتي بتروحي لماما؟ _أيوه، وأنا ماكدبتش عليك. أنا وهي بقينا أصحاب فعلًا. نهض عثمان فورًا، متجهاً للباب، لتستوقفه: _استني يا عثمان.
لكنه لم يستمع، واتجه للخارج. وبينما تلحق به، فتح هو باب الشقة، ليجد وفاء أمامه. تراجعت للخلف، وقد أوشكت على طرق الباب. _حمد الله على السلامة يا بشمهندس. إزيك يا سهى؟ أنتِ خارجة، أجي لك وقت تاني؟ تابع عثمان تقدمه: _لا يا بشمهندسة، اتفضلي. إحنا كنا برة، وأنا رايح عند أمي. خدي راحتك أنتِ وسهى. تعلقت به عينا سهى، لتقترب منها وفاء. وقبل أن تتساءل وتطرح فضولها، قالت سهى: _عرفت إن خالتي جالها سكر.
_طيب، أنا همشي، وروحي وراه. _لا، تعالي. خالتي هتقدر تطمنه، وأنا أصلًا قلقانة عليك. دخلت وفاء، وأغلقت سهى الباب، وبدأت فورًا تتساءل عن أحوال وفاء، التي تجيب بلا مراوغة، ويبدو لها أن كل أمورها بخير. بدأت سهى تفك الحجاب فور جلوسها. _يعني مرتاحة في الشغل؟ وطنط بخير؟ وأولاد عمك بيسألوا عنك طول الوقت، وبقيتوا أصحاب. كل ده كويس، بس أنتِ فيه حاجة مخبياها. اتكلمي من غير لف ودوران. اختطفت وفاء نظرة نحوها، تؤكد حديثها، ثم قالت:
_بصراحة، أيوه فيه. بدأت تقص عليها ما أخبرها به عمار، وما طلبه منها، وهي تستفيض في شرح دعمه لها وفخره بها. منحتها سهى الوقت الذي تحتاجه، وهي تبحث ما تخبرها به، قبل أن تقول: _أنا مش هقولك خمسطاشر سنة كتير أوي. أنا شايفة ده حاجة مش مهمة. أنا عاوزة أعرف أنتِ بتحسيه إزاي؟ شايفة عمار إزاي؟ _أنا بحب أوي بصته ليا. تساءلت نظرات سهى مع صمتها، لتتابع وفاء: _عنيه فيها حنية ماشوفتهاش أبدًا. حنية لما بيبص لي أنا بس.
_وفاء، خدي بالك إنك اتحرمت من والدك. ممكن يكون تعلقك بيه علشان تروي الجزء ده جواكي. _مش عارفة يا سهى، أنا مش قادرة أحدد مشاعري. _هو كلمك امتى؟ _من أسبوعين تقريبًا، ومن يومها بيتعامل معايا عادي جدًا، لكن لما عينه تيجي في عيني. _أيوه، بيحصل إيه؟ _كل حاجة بتتلخبط. قلبي يدق، وكلامي يتلخبط، وعقلي يتشوش. وهو زي ما يكون عارف وبيتعمد يلخبطني.
ضحكت سهى، فما تخبرها عنه وفاء عشق خالص، لكن وفاء نفسها لازالت عاجزة عن تقبله. وكزتها وفاء مستنكرة ضحكها. _خلاص، مش هضحك. عمومًا، أسبوعين فترة قليلة إنك تحددي فيها مشاعرك، خصوصًا إن عندك تجربة فاشلة، وواضح إنك حاطة عينك عليها. طال الحوار بينهما، لترى سهى أن وفاء تخشى أن تعترف بالحب خوفًا من الألم. هي تتقبل كل مخاوفها، فالقلب حين يعيش الألم طويلًا، يصبح هذا الألم هاجسه. وقد عاشت وفاء الكثير والكثير من الألم.
عادت تلتقط الهاتف الذي يرن للمرة الثالثة، وهي تتأفف. _عاوز إيه عزيز دلوقتي؟ أيوه يا عزيز. راقبت سهى المحادثة لحظات، قبل أن تمنحها بعض الخصوصية، وتتجه للمطبخ لتحضير كوبين من العصير. وحين عادت، كانت قد أنهت المحادثة. _عزيز جاي عندنا، ومصمم أكون في البيت، مع إنه هو وأمي بقوا أصحاب، وهو عندنا أكتر ما بيروح بيتهم.
ضحكت سهى، فمن الجيد أن تحظى صديقتها بأسرة ترعاها. لطالما كان الفقد عامل سلبي يزيد من انفعال وفاء وانغلاق عالمها، لكن حان الوقت الذي تحصل فيه على نصيبها من الدعم. ***
دخل عثمان منزل والده مهرولًا، يقوده فزعه. وكانت أمه وخالته تجلسان أمام التلفاز في مشهد معتاد، وقد انتفضتا معًا لرؤيته، وقد تحرر ساقه من الجبيرة. وقبل أن تتلقاه أذرع هنية، كان مستقرًا بصدر هالة، بشكل أسري بعض الوخز الناتج عن الغيرة بصدر هنية، بينما عثمان لم يلتفت لها من الأساس، وبدأ يطرح انفعاله. _ماما، إنتو إزاي تخبوا عليا إنك تعبانة؟ لما أنا ابنك ما أكونش جنبك، مين هيكون؟ أنتِ عاملة إيه دلوقتي؟ منتظمة على العلاج؟
بيتعبك؟ ترقرت الدموع بعيني هالة، وهي ترى الفزع يحتل قلبه لأجلها، بينما شعرت هنية أنها طالما عاشت دورًا غير دورها. هي لم تكن أمًا لعثمان مطلقًا. بالطبع لها مكانة خاصة بقلبه، لكن أختها، أمه، هي صاحبة الجزء الأكبر منه. _اهدأ يا عثمان، أنا كويسة. اقعد يا حبيبي، ما تخافش. جذبته ليستقر بجوارها، وقد نسي تمامًا أمر هنية، التي عادت للجلوس، وهي تطمر الغيرة التي طالما شعرت بها تجاه هالة. ***
وصلت وفاء للمنزل، وكان عزيز يجلس برفقة أمها، التي تضحك بسعادة. لتقترب متسائلة: _إزيك يا عزيز؟ وريم والبيبي عاملين إيه؟ _كلنا بخير، ووفاء الصغيرة عمالة تحلو، وشكلي هاكلها قريب. عادت أمها تضحك، وهي تتجه للمطبخ. _وعلى إيه تاكل البنت وأمها تعبانة فيها؟ اتجوز وخلف، ويبقى كل عيالك زي القطط. ضحك عزيز، وهو ينظر نحو وفاء، التي تبتسم، وقد جلست محافظة على المسافة بينهما، متسائلاً: _إيه رأيك؟ نظرت له بدهشة. _في إيه؟
لتكن إجابته سؤالًا آخر. _تتجوزيني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!