قامت مروة بالتقاط بعض الصحون ووضعت بها قليلاً من الطعام وأدخلته لجنات. وطلبت من شيرين أن تساعد أختها في تناوله. ثم خرجت وجلست في مواجهة حسام على مائدة السفرة، وقالت بحرج: "معلش بقا يا أستاذ حسام، شيري اتغدت عند جارتنا وشيرين تعبانة ومش قادرة تقوم من السرير. في مشكلة ناكل لوحدنا؟ رد حسام بارتباك: "لا طبعاً مفيش أي مشكلة." وبدأ الطرفان في التعارف بشكل سريع أثناء تناولهما للطعام.
وفجأة لمعت فكرة خبيثة بعقل مروة، فقامت من كرسيها وجلست بجوار حسام. ثم قامت برفع طرف ثوبها قليلاً، دون أن يلاحظ حسام. وبدأت رويداً رويداً في ملامسة ساق حسام بساقها. وزاد هذا التلامس مع الوقت ليتحول إلى التصاق كامل. وقد باتت نوايا مروة واضحة تماماً لحسام. فمروة لن تكتفي بأن تكافئ حسام بمذاق طعامها فقط. بل إنها قد عزمت على أن تكافئه بما هو أشهى وأمتع من ذلك بكثير.
تجمد المشهد للحظات، وقد بدأ العرق يتصبب من جبهة حسام بغزارة. إلا أنه قرر أن لا يجاري مروة في سلوكها المشين. فتحرك بشكل مباغت، وزاح كرسيه قليلاً، بالمقدار الذي يمنع مثل هذا التلامس بينهما. ضحكت مروة وقالت بكل ميوعة وخبث: "في إيه يا متر؟ هو أنت مرتبك أوي كده ليه؟ هو طبيخي مش عاجبك ولا إيه؟ فطن حسام إلى أن مروة لا تتحدث عن طبخها، ولكنها تتحدث عن نفسها، ولكن بأسلوب مستتر. فرد عليها بنفس الأسلوب المستتر، وقال بتلعثم:
"لا بالعكس. طبيخ حضرتك تحفة. بس بيتهيألي إني باكل نصيب جوز حضرتك. وده ما يصحش." شعرت مروة بإهانة بالغة، وقد فهمت ما يرمي إليه حسام من خلال تلميحاته. فردت عليه وقد تلاشت ابتسامتها وتبدلت نبرة صوتها من الميوعة إلى الحسرة الواضحة، وقالت: "لا يا سيدي ما تقلقش. الخير كتير والحمد لله. وأصلاً لو عماد جه دلوقتي وشافك بتاكل الأكل بتاعه، ولا هيعمل أي حاجة. بالعكس ده ممكن يطلع من الأوضة عشان يسيبك تاكل براحتك."
نظر حسام إلى مروة بكل احتقار، وقد أسقط معلقته بانفعال، ثم هب واقفاً وقال بسخط شديد: "واضح إن حضرتك فهمتيني غلط. أنا مضطر أستأذن. فرصة سعيدة يا مدام مروة." قامت مروة من كرسيها، ووقفت في مواجهة حسام، في محاولة لمنعه من الرحيل. وحاولت أن تتكلم، إلا أن دموعها انفجرت بغزارة، وهي تحاول جاهدة أن تكتم صوت أنينها، حتى لا تنتبه بناتها في الغرفة المجاورة. فوضعت إحدى يديها على فمها، بينما أمسكت يدها الأخرى بمعصم حسام بكل قوة.
تجمد ذلك المشهد للحظات. وقد رق قلب حسام لحالة مروة، التي ظلت تنوح وتئن في صمت، فقال هامساً: "اهدي يا مدام مروة. كده البنات هتاخد بالها وهيبقى شكلنا زي الزفت." همهمت مروة بصوت مكتوم، وهي تحاول رفع معصم حسام في محاولة لتقبيلها: "أبوس إيدك ما تمشيش. أنت فهمتني غلط. أرجوك اسمعني." أزاح حسام يده من أمام شفتي مروة وقال باستنكار: "استغفر الله العظيم. من غير بوس. أنا هقعد وأسمع." مرت لحظات، حتى هدأت مروة، وبدأت في الكلام،
وقالت بصوت مبحوح: "بص يا أستاذ حسام. أنا هفهمك الموضوع وهحكي لك كل حاجة. بس أوعدني الأول إن اللي هقولهولك ده هيفضل سر بينا." رد حسام بتردد واضح: "قبل ما أوعدك بأي حاجة، أنا عايز أفهم. إمعنا أنا؟ ليه عايزة تحكيلي أسرارك؟ وليه اتصرفتي كده وإحنا بناكل؟ ده إنتي ما تعرفينيش إلا من ساعة واحدة بس! ما تاخدينيش يعني... الموضوع كله كده مريب." ردت مروة بكل مرارة وحسرة: "بص يا أستاذ حسام...
أنت معاك حق تخاف مني وتبص لي على إني ست مش محترمة. وعارفة إني أستاهل نظرتك دي. بس أنا من جوايا مش كده. وكان عندي أمل إنك تسمعني وتساعدني. لأني شفت فيك رجولة." جمد حسام باندهاش وتهكم: "ورجولة إيه بقا دي اللي شفتيها فيا؟ تغاضت مروة عن استهزاء حسام الواضح وقالت بكل حدة:
"رجولتك مع بنتي. إنك تسعفها وتوديها المستشفى وتوصلها للبيت. وبعد كده تصرفك بكل الأدب ده معايا، برغم إني اديتك إشارات إنك ممكن تلمسني. فده بالنسبالي قمة الرجولة. يمكن تكون أول راجل أقابله في حياتي كلها ويطلع راجل محترم." رد حسام بارتباك: "يا مدام مروة، أنا راجل متجوز ومش هينفع يكون بينا أي حاجة." رد مروة بغضب واضح: "لو أنت فاكر إني عايزة منك علاقة بجد!!!
يبقى أنت غلبان أوي. أنا أكتر ست في العالم بتكره الموضوع ده. أنا مش بكره الموضوع ده، ده أنا بكره الرجالة كلها وبحتقرهم لأنهم كلهم حيوانات. كل همهم إنهم ياخدوا متعتهم وبس." قاطعها حسام وقد زاد ارتباكه، وقال: "طب اهدي يا مدام مروة. صوتك عالي أوي والبنات ممكن تسمع. وأنا مش عايز فضايح." ردت مروة باستهزاء: "هو ده بقا اللي ماسكك؟ إنك خايف من الفضايح؟
يعني لو البنات مش موجودين كان زمانك اتجاوبت معايا. خليك راجل واعترف بالحقيقة. إنك ما تفرقش عن أي راجل تاني. كلكم زي بعض. حيوانات بتدور على شهوتها." تطاير الشرر من عيني حسام، ورد بصوت حاد جداً:
"قسماً بالله لو كنا لوحدنا في الصحرا ووقفتي على راسك كده، برضه ما كنتش هأجاوب معاكي. أنا مستحيل المس أي واحدة إلا لو حاسس نحيتها بمشاعر حب. أنا أصلاً هأنزل من عندك دلوقتي وأروح أطلق مراتي. عشان أنا مش بحس بأي رغبة، بالرغم من إنها أحلى منك وأصغر منك. وعدم رغبتي فيها ده بسبب إني للأسف مش بحبها." صعقت مروة من كلام حسام، واندشت بشدة من موقفه. فكيف أنه لا يزال مخلصاً لزوجته، برغم من أنه بصدد الانفصال عنها.
وبدأت تشعر بالتعاطف معه، خصوصاً بعد ما رأت ذلك الحزن الذي غزا ملامحه فجأة وهو يتحدث عن زوجتها. اقتربت مروة من حسام، وقالت بكل حنان وتعاطف: "طب استهدى بالله كده. كل حاجة ولها حل. اقعد معاها وحاولوا تحلوا مشاكلكم، عالأقل عشان عيالكم. أنت باين عليك إنسان محترم وقلبك طيب." هدأ حسام قليلاً ثم قال:
"برغم إن كل الشواهد بتقول إنك ست مش مظبوطة، بس أنا معرفش ليه حاسس إنك مش كده. عندي إحساس إنك إنسانة كويسة. بس يمكن الظروف هي اللي وصلتك للي إنتي فيه ده." ردت مروة وهي تبتسم: "واللي يا حسام...
قصدي يا أستاذ حسام. أنت لو عرفت تفاصيل حياتي هتعذرني وتعطف عليا كمان. بس واضح إن الوقت مش مناسب. روح صالح مراتك بقا. ولو مش هيضايقك، أنا هاخد رقمك وأطمن عملت إيه. يمكن لما نتكلم وتعرف ظروفي تغير رأيك في الست اللي مش مظبوطة دي. وتقبل إننا نبقى أصحاب. أنا كل اللي بدور عليه صديق يسمعني ويحس بيا. حد أثق فيه وأفضفض معاه. إيه رأيك؟ رد حسام وقد مد يده لمروة مصافحاً، وهو يبتسم:
"موافق يا مروة. قصدي يا مدام مروة. سجلي رقمي عندك ورنيلي عشان أنا تليفوني فاصل شحن." وانتهى المشهد بأن سجلت مروة رقم هاتف حسام، الذي انصرف متجهاً إلى منزل والد رانيا، بعد أن ودع جنات وشيرين. -وفي غضون نصف ساعة، كان حسام قد وصل إلى منزل والد رانيا. واستقبله الأخير بوجه عابس، وقال بكل فظاظة: "لسه بدري يا حسام بيه. إحنا بقالنا ٤ ساعات مستنيين حضرتك. وفين المأذون؟ حسام بنفس العبوس والغضب:
"واضح جداً إنكم خلاص واخدين قراركم وموافقين عالطلاق. وأنا تحت أمركم. بس بعد إذنك يا عمي، أنا عايز أقعد مع مراتي لوحدي." رد والد رانيا بكل انفعال: "ما تقولش مراتي. إنت خلاص طلقتها في التليفون. ثم إن رانيا خرجت مع صاحبتها وهتبات عندها. وكلامك من اللحظة دي معايا أنا وبس. رانيا حكت لي على كل حاجة. وأظن إنه من الأفضل إننا نخلص الموضوع بكل هدوء. مفيش لزوم لأي كلام."
دار كل هذا الحوار بينما لا يزال حسام واقفاً على الباب، ولم يسمح والد رانيا له بالدخول. فشعر حسام بإهانة شديدة، وقال بكل حسم: "غالى والطلب رخيص. ورقة بنتك هتوصلها النهارده. وما تقلقش هتاخد كل حقوقها. وأكتر شوية. سلامو عليكو." وانصرف حسام وهو في حالة من الحيرة، فقد اختلطت مشاعره بين الإحساس العميق بتأنيب الضمير لأنه قد ظلم رانيا بهذا الزواج التعيس.
وفي نفس الوقت شعر بارتياح كبير، لأنه أخيراً تحرر من تلك العلاقة الفاشلة. -وفي المساء من ذلك اليوم المليء بالأحداث، كانت رانيا تتحضر للذهاب بصحبة صديقتها سوزان، إلى ذلك العرس الفخم، عندما تلقت اتصالاً من والدها، أخبرها فيه بقدوم حسام، وقد لخص لها ما دار بينهما من حوار، والذي انتهى بأن رضخ حسام لمطلب رانيا، بأن تحصل على الطلاق.
وجلست رانيا تبكي بحرقة، بينما كانت سوزان تحاول تهدئتها بكل الطرق الممكنة، وقد دار بينهما هذا الحوار. رانيا بكل انفعال: "للدرجة دي أنا كنت غبية؟ بسهولة كده حسام وافق عالطلاق؟ سوزان بصوت يعتليه الاندهاش: "هو إحنا هنفضل في الجنان ده كتير؟ مش إنتي يا بت اللي كنتي عايزة كده؟ ولا تكوني لسه بتحبيه وعايزاه؟ ردت رانيا بحسرة:
"لا يا ستي. أنا لا بحبه ولا عايزاه. أنا بس صعبان عليا عشرة السنين اللي فاتوا اللي هانت عليه بالسهولة دي." ردت سوزان بتهكم: "وكان مخك فين يا فالحة وإنتي بتقوليله إنك انبسطي لما الواد سمير الكوافير كان بيلمس شعرك وبيعاكسك؟
بلاش استعباط بقا. إنتي عارفة كويس أوي إنه هيطلقك لما تقولي له كده. وما تزعليش مني، أنا هأقولهالك في وشك ومن غير ذوق. إنتي أصلاً ما حبيتش حسام. إنتي وافقتي عليه لما اتقدم لك عشان كنتي خايفة القطر يفوتك." ردت رانيا بحسرة: "كلامك دبش على فكرة وأنا بجد مش مستحملة. أنا فيا اللي مكفيني. بقولك إيه؟ أنا ماشية. بلا فرح بلا زفت." قاطعتها سوزان بانفعال:
"بطلي رخامة يا رورو. ده أنا كنت عاملة لك مفاجأة. إنتي عارفة مين جاي يغني في الفرح ده؟ تحمست رانيا قليلاً وقالت: "هيكون مين يعني؟ عمرو دياب؟ ما شاء الله! ابتسمت سوزان بخبث وقالت: "لا يا ستي. حبيب القلب بتاع زمان، اللي كنتي خانقانا بصورة في كل حتة في أوضتك."
وفجأة قفزت رانيا من مقعدها كطفلة صغيرة، وقد تبخر حسام وكل شيء آخر من ذاكرتها، ما عدا تلك الذكريات التي نسجتها في مراهقتها، عن قصة الحب الخيالية التي جمعتها مع ذلك المطرب الملقب... بـ "نجم الجيل". احتضنتها سوزان بكل حب، وقالت بابتهاج: "أهو الحظ لعب لك يا رورو. اتطلقتي خلاص وهو كمان طلق مراته. والجو فاضي وعايزين نفرح بيكم بقا. ههههههههه."
تعالت ضحكات الفتاتان في الغرفة، وقد استسلمت رانيا لتوسلات سوزان، بأن ترتدي إحدى فساتين السهرة الخاصة بالأخيرة. والذي كان فاضحاً ومثيراً لدرجة تنافس ذلك القميص الذي كانت قد اشترته رانيا بالأمس لإغراء زوجها حسام... أو بمعنى أدق... طليقها حسام. -وفي غضون ساعتين، كانت رانيا وسوزان قد وصلتا إلى بوابة تلك القاعة الفخمة بداخل الفندق، حيث بدأت مراسم العرس. وقد استوقفهما أحد أفراد الأمن على البوابة، قائلاً بكل تهذب:
"مساء الخير يا أفندم. ممكن أشوف الدعوة بتاعت حضرتك." ردت سوزان بصوت رقيق في محاولة لاستمالة فرد الأمن وقد ناولته الدعوة الخاصة بها: "مساء النور. اتفضل حضرتك الدعوة أهيه." تفحص فرد الأمن الدعوة، ثم قال بنفس التهذب: "بس دي دعوة لفرد واحد باسم سوزان فرحات. أنا أسف يا سوزان هانم، حضرتك بس اللي هتدخلي." وقبل أن ترد سوزان، تدخلت رانيا في الحوار وقالت بصوت مبحوح من شدة الحرج:
"خلاص يا سوزان، مفيش داعي للإحراج. ادخلي إنتي. وأنا هاروح أستناكي في البيت." ردت سوزان وقد أصابها نصيب أكبر من الحرج: "لا طبعاً ما تروحيش في حتة. استنيني هنا لحظة. أنا هدخل وأتصرف." وبالفعل انزوت رانيا في أحد الأركان، بينما دخلت سوزان تبحث عن مضيفتها لهذا العرس، لكي تسمح لها بإدخال رانيا للقاعة. ومرت الدقائق ببطء... إلى أن تقدم أحد أفراد الأمن بهدوء من رانيا، وقال بكل تهذب:
"أنا أسف يا أفندم، بس الوقفة هنا ممنوع. لو سمحتي اتحركي من هنا." ردت رانيا باستنكار وعصبية: "إيه السخافة دي!!! أنا واقفة بره القاعة ومش هاتحرك." وبسرعة شديدة تحول النقاش إلى مشادة تعالت فيها أصوات الطرفين، وقد التف ثلاثة من أفراد الأمن حول رانيا. وقد جذب ذلك المشهد بعض المدعوين للحفل، مما عظم من شعور رانيا بالحرج والإهانة. إلا أن المسكينة ظلت متمسكة بموقفها في عدم مغادرة المكان. إلى أن جاءت لحظة الحسم.
فاندفع أحد الرجال، ممن يرتدون تلك البذات السوداء الفخمة، وصاح بصوت عالٍ في الجموع: "إنتو بتعملوا إيه يا بهايم؟ إنتو مش عارفين مين دي؟ دي ضيفة سالم بيه! كانت تلك العبارة كفيلة، بأن ينقلب ذلك المشهد رأساً على عقب. فقد ارتجف كل أفراد الأمن، وشحب وجههم لدرجة مخيفة. وانخرطوا في سباق محموم للاعتذار لرانيا، والتوسل لها بأن تصفح عنهم. تسمرت رانيا في مكانها للحظات، وهي تشاهد ذلك المشهد العبثي.
وبكل لباقة بادرها نفس الرجل قائلاً: "حضرتك مسامحاهم؟ ولا تحبي أبيتهم كلهم الليلة دي في الحجز؟ لأن دي تعليمات... سالم بيه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!