مرت الدقائق ببطء ... إلى أن تقدم أحد أفراد الأمن بهدوء من رانيا، وقال بكل تهذب: "أنا آسف يا أفندم بس الوقفة هنا ممنوع. لو سمحتي اتحركي من هنا." ردت رانيا باستنكار وعصبية: "إيه السخافة دي!!! أنا واقفة بره القاعة ومش هاتحرك."
وبسرعة شديدة تحول النقاش إلى مشادة تعالت فيها أصوات الطرفين، وقد التف ثلاثة من أفراد الأمن حول رانيا. وقد جذب ذلك المشهد بعض المدعوين للحفل، مما عظم من شعور رانيا بالحرج والإهانة، إلا أن المسكينة ظلت متمسكة بموقفها في عدم مغادرة المكان. إلى أن جائت لحظة الحسم!!! فاندفع أحد الرجال، ممن يرتدون تلك البذات السوداء الفخمة، وصاح بصوت عالٍ في الجموع: "إنتو بتعملوا إيه يا بهايم! إنتو مش عارفين مين دي!!! دي ضيفة سالم بيه!!!
كانت تلك العبارة كفيلة، بأن ينقلب ذلك المشهد رأساً على عقب. فقد ارتجف كل أفراد الأمن، وشحب وجههم لدرجة مخيفة!!! وانخرطوا في سباق محموم للاعتذار لرانيا، والتوسل لها بأن تصفح عنهم. تسمرت رانيا في مكانها للحظات، وهي تشاهد ذلك المشهد العبثي!!! وبكل لباقة بادرها نفس الرجل قائلاً: "حضرتك مسامحاهم ولا تحبي أبيتهم كلهم الليلة دي في الحجز؟ لأن دي تعليمات ... سالم بيه!!!
سكتت رانيا لحظة، وهي تحاول فهم ما يدور حولها، وقد قررت أن تجاري ذلك الرجل في تلك المسرحية الهزلية ... التي تحمل عنوان "ضيفة سالم بيه"!!! فقالت بكل شموخ: "لا خلاص سيبهم حضرتك. أنا مضطرة أسامحهم عشان ما نبوظش الليلة الجميلة دي عشان شوية ناس أغبياء!!! تهللت أسارير أفراد الأمن، وقد أثاروا عاصفة من الاعتذارات، لم يوقفها إلا تدخل ذلك الرجل التابع لسالم بيه، الذي صاح فيهم بصوت حاسم:
"خلااااص يا رجالة، الموضوع انتهى. اتفضلوا بقى، كل واحد يروح يشوف شغله." ثم التفت إلى رانيا وقال بكل ود: "اتفضلي معايا يا هانم، وسامحينا على الموقف البايخ ده." سارت رانيا بصحبة ذلك الرجل، ودخلت القاعة بكل شموخ وكبرياء، تتابعها أنظار بعض المدعوين الذين شهدوا واقعة الاشتباك بالخارج، وقد كانوا في حالة من الترقب والفضول لمعرفة من تلك الفتاة المحظوظة، التي استطاعت أن تحظى بلقب ... ضيفة سالم بيه!!!
انتشل رانيا من تلك الحالة من الزهو، صوت صديقتها سوزان وهي تقول بكل حماس: "يخرب عقلك، عرفتي تدخلي إزاي ومين الأستاذ ده؟ تجاهل الرجل سؤال سوزان، وقال مخاطباً رانيا: "حضرتك محتاجة أي حاجة مني؟ أمسكت رانيا بيد سوزان بقوة، في إشارة واضحة لها بأن تصمت، ثم التفتت إلى الرجل وقالت بكل ود: "لا يا أفندم، أنا متشكره أوي لحضرتك، وياريت تبلغ شكري لسالم بيه." رد الرجل بكل تهذب:
"العفو يا أفندم، تعليمات سالم بيه إني أفضل موجود في خدمة حضرتك لحد آخر الحفلة." قال ذلك، ثم تراجع بضع خطوات إلى الوراء، وظل واقفاً في انتظار تعليمات رانيا، في مشهد أشبه بالحراسات الخاصة للشخصيات الكبرى!!! كاد الفضول أن يقتل سوزان وهي تقول بكل حماس: "إيه اللي أنا بسمعه ده يا بت يا روما، إنتي تعرفي سالم بيه منين؟ وإزاي ما قلتليش حاجة زي دي؟ ردت رانيا بكل ذهول وهي تبتسم:
"أقسم بالله ما أعرفه، ولا أعرف شكله حتى. أنا هاحكي لك اللي حصل... وقصت رانيا على مسامع سوزان كل ما حدث خارج القاعة، فما كان من الأخيرة إلا أن صاحت بكل حماس: "عارفة يا بت لو اللي فبالي طلع صح، يبقى إنتي أمك داعيالك. لو الصنارة شبكت ما تبقيش تنسي أختك الغلبانة سوزي." زاد رد سوزان من فضول رانيا، فقالت بكل لهفة: "هو مين سالم بيه ده؟ وصنارة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي هبلة يا بت؟
ابتسمت سوزان بكل خبث، وهي تشير بإصبعها نحو طاولة تتصدر مقدمة القاعة، وقالت: "شايفة الراجل اللي قاعد هناك ده؟ وكل الرجالة والستات واقفين حواليه؟ هو ده سالم بيه البدري. ده أجمد واحد في الفرح." ثم تراجعت عن جملتها، وقالت باستنكار: "فرح إيه بس!!!
ده أجمد واحد في مصر كلها. فلوس مالهاش آخر، نفوذ وسلطة، ومركز وعيلة تقيلة، وحسب ونسب. الراجل ده سوبرمان بجد. وبرغم كل ده، ما فيش ست عرفت توقعه لحد دلوقتي، مع إنه وصل لسن الأربعين تقريباً." في تلك اللحظة، تجاهلت رانيا حوار سوزان، التي لم تكن قد أنهت عبارتها!!! ثم تقدمت بخطوات حذرة صوب تلك الطاولة حيث يجلس سالم. وظلت تراقبه من بعيد دون أن يلاحظ، وقد أذهلها ما يتمتع به من هيبة وحضور قوي. وتبعتها سوزان برشاقة،
وقالت بكل سخرية: "إيه يا بت، دماغك لفت كده ليه؟ وعنيكي هاتطلع على الراجل؟ ردت رانيا بارتباك: "احترمي نفسك يا سوزي. كل الحكاية إني عايزة أشكرة، على الموقف المحترم أوي اللي عمله معايا." ردت سوزان، بصوت هامس: "وحياة أمك، بطلي محن يا رانيا. واتقلي بقى شوية، هو أكيد هييجي يكلمك. ويلا نقعد بقى عشان الناس بدأت تاخد بالها." وبالفعل، تراجعت رانيا، وجلست في إحدى الطاولات الجانبية، في انتظار قدوم مطربها المفضل ... نجم الجيل!!!
بينما كانت تختلس النظر إلى طاولة سالم بين الحين والآخر. بينما انخرطت سوزان مع مجموعة من النساء والرجال في فقرات متتالية من الرقص حول العروسين. إلى أن جائت فقرة الرقص الثنائي في نهاية الحفل، وحدثت المفاجأة. فقد ترك سالم كل النساء الملتفين حول طاولته، وخطى بخطوات ثابتة نحو طاولة رانيا، حتى وصل إليها، ثم مد يده نحوها، وهو يقول بكل تهذب: "ممكن ترقصي معايا؟
ابتسمت رانيا ومدت يدها دون أن تنطق، ثم سار الاثنان نحو منصة الرقص، وسط أنظار كل الموجودين. وقد شعرت رانيا أنها أصبحت مركز الحفل، بل مركز العالم كله، وهي بين ذراعي سالم!!! واستمرت الرقصة لدقائق، لم ينطق كلاهما بحرف واحد، بل ظلا ينظران إلى بعضهما البعض، في مشهد أثار ذهول الجميع. فمن ناحية كان مظهر رانيا متواضعاً، برغم تأنقها المبالغ فيه، فقد كان واضحاً أنها لا تنتمي إلى تلك الطبقة التي يطلق عليها ... صفوة المجتمع!!!
فكيف لها أن تكون في ضيافة فارس ذلك الحفل!!! ولم يكن ذلك التسائل هو الأبرز، في ذهن الحاضرين، بل كانت دهشتهم الكبرى، هي سلوك سالم بيه. فهم لم يعتادوا على رؤية ذلك الشخص الفولاذي، بمثل تلك الحالة من الرقة والرومانسية!!! وانتهت الرقصة سريعاً، وارتفعت الموسيقى فجأة معلنة عن وصول ... نجم الجيل!!!
وتدافع الجميع إلى ساحة الرقص، وقد التفوا حول المطرب، مما أتاح الفرصة لبعض الفتيات والسيدات من أقارب سالم، بالانقضاض عليه، وإزاحة رانيا من المشهد!!! وفي أقل من رمشة عين، وجدت رانيا نفسها خارج الأضواء، فانزوت في أحد الأركان تتابع مطربها المفضل من بعيد، حتى انتهت فقرته الغنائية، معلناً عن نهاية ذلك الحفل. أما سالم ... فقد تلقى اتصالاً هاتفياً، خرج على إثره من الحفلة، مسدلاً الستار على ذلك المشهد العبثي العجيب!!!
وفي نفس التوقيت ... عاد عماد إلى المنزل، ليجد كلاً من زوجته وابنته جنات في حالة يرثى لها. فجسد جنات لا يزال يعاني من آلام الحادث. بينما يعاني جسد مروة من آثار اعتداء سالم بوحشية عليه!!! تجاهل عماد ما حل بمروة وكأن الأمر لا يعنيه!!! فقد صب كل اهتمامه على ابنته، وانهال عليها بوابل من الأسئلة، ولم يهدأ قلبه، إلا بعد أن روت له جنات تفاصيل ما حدث، وأكدت له أنها بخير!!!
زاد تجاهل عماد، من إحساس مروة بالقهر والدونية، فانزوت إلى غرفتها تبكي حظها العاثر، والندم يعتصر قلبها لأنها قبلت أن تحيا تلك الحياة المسمومة!!! دخل عماد غرفتها، وقال بكل برود: "في أكل النهاردة، ولا أنزل آكل بره؟ نظرت إليه مروة بكل حقد وقالت وهي تغالب دموعها: "هو إنت إيه يا بني آدم؟ ما عندكش أي إحساس!!! إنت مش شايف شكلي؟ ما فيش عندك دم أو إحساس؟ طب اسألني مالك. اضحك عليا واعمل نفسك مهتم."
رد عماد بنفس البرود، وقال ممتعضاً: "وأسأل ليه وأنا عارف السبب؟ وأنكد على نفسي ليه؟ إنتي واحدة قذرة، وبتعملي كده بمزاجك، وبتقبضي تمن اللي بيعمله فيكي. فما تعمليش فيها ضحية." احمر وجه مروة غضباً، وصاحت بوجهه: "قذرة!!! هي حصلت يا عماد؟ طب ورحمة أبويا، لو نطقت الكلمة دي تاني، لا أخلي سالم يمسحك من على وش الأرض." شحب وجه عماد بشدة، وقال بصوت منخفض: "اتحرقي بجاز إنتي وهو." ثم أغلق عليها باب الغرفة وانصرف.
ووجدت مروة نفسها لا إرادياً تتصل برقم حسام، وتقول: "مساء الخير، أنا مروة يا أستاذ حسام. وده رقمي. طمني عملت إيه مع مراتك؟ رد حسام وقد بدا الحزن واضحاً على صوته: "إزيك يا مدام مروة. النصيب خلص لحد كده. قدر الله وما شاء فعل. أنا خلاص طلقتها." ردت مروة بتأثر: "معلش روّق وما تزعلش نفسك. بكرة تلاقي ست ستها. أنا ما أعرفهاش، لس متأكدة إنها هتندم، عشان سابت راجل محترم زي حضرتك." حسام بنفس النبرة الحزينة:
"ده بس من ذوقك يا مدام مروة، وشكراً على اهتمامك." قاطعته مروة بصوت حنون: "إنت طبعاً ما أكلتش حاجة من الصبح، حتى الغدا اللي عملتهولك، ما أكلتش منه لقمة واحدة، بسبب الموقف الزفت اللي أنا عملته على السفرة." رد حسام بكل توتر: "إحنا عاوزين ننسى اللي حصل، ونكون أخوات وأصحاب زي ما اتفقنا." ردت مروة بحماس وقد تحولت من حالة الإحباط إلى البهجة بشكل فجائي: "بجد يا حسام، إنت موافق نكون أصحاب؟ رد حسام بهدوء:
"بجد يا مروة، أنا فعلاً حاسس إنك حد كويس." ردت مروة: "أنا عايزة أشوفك دلوقتي، ممكن؟ إيه رأيك أعزمك على العشا، وإنت يا سيدي حدد المطعم اللي تحبه." وبالفعل وافق حسام، واتفق الطرفان على أن يلتقيا بعد ساعة في أحد المطاعم الفاخرة بالقرب من منزل حسام. ومع انقضاء تلك الساعة، كان حسام قد وصل إلى المطعم، وجلس ينتظر قدوم مروة. وما هي إلا لحظات، ووصلت مروة وبصحبتها عماد.
وتقدمت مروة بخطوات رشيقة، وقد علت وجهها ابتسامة، واقتربت من حسام، ثم صافحته بحرارة، وقالت: "إزيك يا حسام، أحب أعرفك بعماد جوزي." الجمت المفاجأة حسام، وقد اعتراه توتر عظيم، فسحب يده من يد مروة بشكل مرتبك، وصافح عماد وهو يقول بصوت متلعثم: "أهلاً وسهلا أستاذ عماد." كانت ملامح عماد جامدة، تخلو من أي تعبير، إلا أنه رد بصوت هادئ:
"أهلاً بيك يا أستاذ حسام. مروة قالت لي على اللي عملته النهارده مع جنات بنتي، ولما قالت لي إنها نازلة تقابلك، أصريت إني أجي معاها عشان أشكرك بنفسي." كان ارتباك حسام واضحاً جداً، إلا أنه حاول أن يتماسك، وقال بصوت متوتر: "أنا ما عملتش حاجة. المهم جنات عاملة إيه دلوقتي؟ يارب تكون اتحسنت عن الصبح." رد عماد بكل هدوء: "الحمد لله هي كويسة دلوقتي. وأنا للأسف مش هقدر أقعد معاكم، لازم أرجع البيت، عشان سايب البنات لوحدهم."
قاطعته مروة بكل تبجح وقالت: "ماشي يا عماد، روح إنت، وأنا احتمال أتأخر شوية. ابقى عرف البنات إني ممكن أبات عند خالتي الليلة، عشان ما يقلقوش عليا، وما تقلقش إنت كمان عليا، حسام ها ياخد باله مني." مط عماد شفتيه بامتعاض، وقال بحنق واضح: "واضح يا حبيبتي. أتمنى لكم سهرة سعيدة." ختم عماد عبارته، والتف مسرعاً بخطاه إلى خارج المطعم!!! تاركاً حسام غارقاً في ذهول وحيرة واندهاش واضح. بينما ابتسمت مروة ابتسامة باهتة،
وقالت بمرارة واضحة: "فهمت بقى يا حسام؟ أنا حياتي ماشية إزاي وعايشة مع مين!!! عايز تعرف أنا إزاي اتحولت، من بنت محترمة الكل بيحلف بأخلاقها، وبقيت الست الززززباله ... اللي إنت شفتها الصبح!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!