كان حسام قد وصل إلى المطعم، وجلس ينتظر قدوم مروة. وما هي إلا لحظات... حتى وصلت مروة وبصحبتها زوجها عماد. وتقدمت مروة بخطوات رشيقة، وقد علت وجهها ابتسامة عذبة، واقتربت من حسام، ثم صافحته بحرارة، وقالت: "إزيك يا حسام؟ أحب أعرفك بعماد جوزي." جمّدت المفاجأة حسام، وقد اعتراه توتر عظيم، فسحب يده من يد مروة بشكل مرتبك، وصافح عماد وهو يقول بصوت متلعثم: "أهلاً وسهلاً أستاذ عماد." كانت ملامح عماد جامدة، تخلو من أي تعبير،
إلا أنه رد بصوت هادئ: "أهلاً بيك يا أستاذ حسام. مروة قالت لي على اللي عملته النهارده مع جنات بنتي. وبجد مش عارف أشكرك إزاي. ولما عرفت إنها نازلة تقابلك دلوقتي، أصرّيت إني أجي معاها عشان أشكرك بنفسي." كان ارتباك حسام واضحاً جداً، إلا أنه حاول أن يتماسك، وقال بصوت متوتر: "أنا ما عملتش حاجة. المهم... جنات عاملة إيه دلوقتي؟ يارب تكون اتحسنت عن الصبح." رد عماد بكل هدوء:
"الحمد لله هي كويسة دلوقتي. وأنا للأسف مش هقدر أقعد معاكم. لازم أرجع البيت عشان سايب البنات لوحدهم." قاطعته مروة بكل تبجح وقالت: "ماشي يا عماد، روح أنت... وأنا احتمال أتأخر شوية. ابقى عرف البنات إني ممكن أبّات عند خالتي الليلة عشان ما يقلقوش عليا، وما تقلقش أنت كمان عليا. حسام هياخد باله مني." مطّ عماد شفتيه بامتعاض، وقال بحنق واضح: "واضح يا حبيبتي. أتمنى لكم سهرة سعيدة."
ختم عماد عبارته، والتفت مسرعاً بخطاه إلى خارج المطعم!!! تاركاً حسام غارقاً في ذهول وحيرة واندهاش واضح!!! بينما ابتسمت مروة ابتسامة ذابلة باهتة، وقالت بمرارة واضحة: "فهمت بقا يا حسام؟ أنا حياتي ماشية إزاي وعايشة مع مين!!! عاوز تعرف أنا إزاي اتحولت من بنت محترمة الكل بيحلف بأخلاقها وبقيت الست الززززبالة... اللي إنت شفتها الصبح!!! انفجر حسام بصوت يعلوه الاشمئزاز: "إيه الراجل البارد ده!!!
ده ما يستاهلش أصلاً إنه يتسمى راجل. ده ما عندوش ذرة نخوة ولا دين. إنتي إزاي عايشة مع واحد نطع زي ده؟ وليه ما اتطلقتيش منه بعد ما اكتشفتي إنه مش راجل!!! ردت مروة وقد غمرتها الحسرة: "أنا قصتي طويلة أوي يا حسام. بدأت وأنا لسه طفلة، لما أبويا طلق أمي وأنا ما كملتش سنتين. ووعيت على الدنيا لقيت أمي بتتنقل من جوازة للتانية ومن بيت لبيت...
ما كنتش بتعمر في أي جوازة أكتر من سنة. أمي الله يرحمها ويسامحها بقا، كانت ملكة جمال، كان فيها سحر غريب، ما كانش في أي راجل يقدر يقاوم جمالها وأنوثته. بس كان خلقها ضيق أوي، يا دوب سنة ولا اتنين وتزهق وتطلق وتدور على راجل جديد. ومش هحكيلك بقا عالمواقف اللي اتعرضت لها من أول ما وصلت لسن حداشر سنة ولحد دلوقتي من ذل وإهانة وتحرررش وسفالة." سكتت مروة لحظة، وقد بدا على ملامحها التأثر الشديد، مما دفع حسام إلى أن يقترب منها،
ويهمس في أذنيها بصوت حنون: "طب استهدي بالله كده وصلي على النبي. أنا متصور معاناتك كانت عاملة إزاي وإيه الحياه كانت قاسية عليكي يا مروة." لمعت عيون مروة بالدموع وهي تقول بكل انفعال: "لا يا حسام، مستحيل أي حد يقدر يتصور العيشة اللي أنا عشتها. إنت عارف يعني إيه واحدة تعيش طول عمرها وهي جسمها مستباح من كل اللي حواليها غصب عنها!!! رد حسام ريقه بصعوبة، وقال بكل توتر: "تقصدي إنك اتعرضتي للإغتصااااب؟ قاطعته مروة بحدة:
"لا طبعاً ما وصلتش لكده. ده أنا كنت رميت نفسي في النيل وارتحت. بس عادي يعني... ده يحسس، وده يمسك، وده يحضن... وده يبوس. وأنا لو نطقت أو فتحت بقي أبقى بت رخمة وبتاعة مشاكل. وأمي تهددني إنها ترميني في الشارع." رد حسام بكل غضب: "أمك دي منها لله. هي سبب كل البلاوي دي." عقبت مروة بكل أسى:
"للأسف يا حسام مش أمي بس. عماد طلع زيها وأكتر. كل اللي يهمه إني ما أعملش مشاكل. كل اللي يهمه في الدنيا إنه ما يدخلش في أي مشكلة بسببي. بالبلدي كده... مكبر دماغه وعايش في حاله مع نفسه. ومش عاوزة أقولك بقا إن كل الجيران عارفين كده. فـ عادي جداً كل الرجالة اللي أعرفهم من أول البواب وبتاع الزبالة والمكوجي والجيران والمعارف حاولوا معايا. إنت فاهمني؟؟؟ رد حسام بتأثر:
"فاهم قصدي يا مروة. أنا بالنسبة للكل واحدة مالهاش راجل يحميها ويدافع عنها." ردت مروة وقد بدأت دموعها تنساب ببطء على وجنتيها:
"ياريت كنت كده. مجرد ست بطولها لوحدها زي كل الستات اللي عايشين لوحدهم وبيقدروا يدافعوا عن نفسهم. أنا أقل من كده بكتير. أنا حتى ماليش حق أدافع عن نفسي عشان ما أعملش مشاكل. لازم أسكت وأستحمل وأحل مشاكلي لوحدي، من غير أي شوشرة أو فضايح. لأنه ببساطة كده، أنا لو عملت أي مشكلة أو حتى طلبت الطلاق، فـ ده معناه إني هاتحرم من بناتي." قاطعها حسام بكل حزم وقال: "إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا مروة؟
أنا أعرف أطلقك من الحيوان ده وأبهدله في المحاكم، وعيالك هيفضلوا معاكي. ما تقلقيش." بلهفة أمسكت مروة يد حسام، وكادت أن تحتضنه من الفرح، وقالت بكل حنان: "بجد يا حسام؟ إنت أرجـل واحد أنا عرفته في حياتي. بس أنا مش هدفي إني أطلق. أنا عاوزة أهرب. آخد عيالي وأهرب بره مصر!!! هتقدر تساعدني أعمل كده يا حسام؟ تلجلج حسام قليلاً، ثم قال بتوتر: "وليه عاوزة تسيبي البلد؟
ما أنا بقولك إن موضوع الطلاق ده سهل جداً. تقدري تطلقي وتبدأي حياة جديدة في بلدك." ردت مروة بتوتر: "بص يا حسام، أنا فعلاً ارتحت لك أوي ومش عاوزة أخبي عليك أي حاجة. بس أنا في حاجات كتير في حياتي مش هقدر أحكيها لك دلوقتي. أنا بس بترجاك تفضل معايا وما تتخليش عني، ومش عاوزة ييجي يوم وأسقط من نظرك." رد حسام بكل هدوء:
"بصي يا مروة، أنا مش حابب أجبرك تقولي أي حاجة، إلا لما تحسي من جواكي إنك عاوزة تحكي وتقوليها. يلا بينا نروح عشان الوقت اتأخر." وبالفعل غادر الاثنان المطعم الفاخر، وعاد كلاهما إلى البيت، وكل منهما يفكر بالآخر، ويتمنا لو أنهما لم يفترقا تلك الليلة!!! *** وفي صباح اليوم التالي... ومن داخل منزل سوزان، استيقظت رانيا على صوت رنات هاتفها المتواصلة!!! بينما كانت سوزان لا تزال تغط في نوم عميق.
تمطت رانيا بكل كسل، والتقطت هاتفها، لتتفحص من ذلك المتصل اللحوح، لتجد رقماً غريباً مكدساً بالأصفار!!! ارتجفت رانيا قليلاً، لأن دلالات ذلك الرقم المميز، توحي بأن حامله من أصحاب النفوذ الواسع. ولكن سوزان على ظهرها بقوة، وهي تصيح بانفعال: "اصحي يا سوزي، الحقيني! في رقم غريب عمال يتصل بيا." انتفضت سوزان من أثر الضربة، وردت وهي تتثائب: "في حد يصحي حد كده يا جذمة انتي؟ إيه المشكلة يعني؟ ما تردي عليه وتعرفي مين."
وضعت رانيا الهاتف في وجه سوزي، وقالت بنفس الانفعال: "ما تبصي على الرقم كده وتفهمي أنا قصدي إيه." لمحت سوزي الرقم، فسرت قشعريرة خفيفة في بدنها، ثم لمعت عيناها فجأة، وقالت بحماس: "هو مفيش غيره يا بت! ده رقم سالم بيه. والله وباضت لك في القفص يا رو رو. يلا ردي بسرعة قبل ما يقفل." أشرق وجه رانيا وارتعشت يداها وهي ترد بلهفة واضحة: "الوووو...
وأنا آسفة جداً جداً يا سالم بيه. قسم بالله أنا لسه صاحية حالاً، ومكنتش سامعة اتصال حضرتك. أرجوك سامحني. ده أنا لو أعرف إن حضرتك هتتصل بيا ما كنتش نمت من امبارح. أنا أصلاً مش مستغربة حضرتك، جبت تليفوني منين؟ ده أنا كنت... قاطعها صوت ضحكة مكتومة من المتصل، الذي تماسك بسرعة، ثم تكلم بصوت هادئ: "صباح الخير رانيا هانم. للأسف في سوء تفاهم صغير. أنا... مش سالم بيه. أنا وجدي...
مدير مكتبه. ورقم حضرتك مهواش سر حربي يعني، سهل جداً إننا نعرفه." شعرت رانيا بمزيج من الحرج والدهشة والاحباط، وانعكس ذلك على نبرة صوتها التي تحولت من الحماس إلى التوتر، وقالت: "ده أنا اللي آسفة لحضرتك إني اندفعت كده زي القطر. واتشرفت بحضرتك أستاذ وجدي. أقدر أعرف سبب اتصال حضرتك!؟ رد وجدي بكل وقار:
"سالم بيه كان حابب يعزم حضرتك النهارده على جولة عنده في المزرعة. وبعتذر إنه ما قدرش يتصل بحضرتك بنفسه بسبب انشغاله حالياً في اجتماع مهم." وبدون أي تردد، ردت رانيا بكل حماس: "معنديش مانع طبعاً، ده أنا اتشرف بالدعوة دي. تيجي إمتى بالظبط؟ ولو تكرمت حضرتك ابعتلي اللوكيشن بتاع المزرعة. وهل ممكن أجيب سوزان صاحبتي معايا؟ رد وجدي بكل تهذب:
"هي العربية منتظرة حضرتك حالياً تحت بيت أستاذة سوزان. والتعليمات اللي عندي إني أنفذ كل طلبات حضرتك. فلو سوزان هانم حابة تيجي مع حضرتك، فـ مفيش أي مشكلة. تنورنا طبعاً." انصدمت رانيا من تلك المفاجأة، وقفزت إلى النافذة، وظلت تتطلع إلى تلك السيارة الفاخرة التي كانت تقف بالفعل أسفل منزل سوزان، ثم ردت بحماس: "طيب أنا لسه صاحية ومش جاهزة خالص. حضرتك بجد فاجأتني." قاطعها وجدي بكل هدوء:
"يا فندم خدي وقتك. سالم بيه مش هيوصل المزرعة قبل ساعة من دلوقتي." ثم تبادل الطرفان التحية... وانتهى الاتصال. لتصيح الفتاتان وهما يرقصان بكل مرح، وسوزان تزغرد وتقول: "وربنا انتي بت محظوظة! يخرب عقلك، بقا تطلقي امبارح، وتشبكي في أهم راجل في البلد النهارده؟ ده إيه الحظ الجامد ده؟ ردت رانيا، وهي مرتبكة: "مش وقت تريقتك دي يا بت. هنعمل إيه دلوقتي؟ وهنلبس إيه؟ أنا متوترة أوي، مش عارفة أفكر." احتضنتها سوزان بكل حب،
وقالت بكل حنان: "ما تشيليش هم أي حاجة. أنا عاوزاكي تهدي كده وتسترخي. وأنا هظبطك. بصي بقا يا رو رو، إحنا امبارح شوقنا الراجل بجمالك وأنوثتك ودلعناه آخر دلع وشاف رانيا الفرس الجامدة. النهارده عاوزين نغير الصورة، ونوريه رانيا الهانم الليدي الشيك. فهماني يا بت؟ ردت رانيا بحماس كبير: "انتي دماغك دي سم! فهمتك يا سوزي يا قمري. يلا بينا ننفذ بقا! علت ضحكات الفتاتان، وتسابقا في التجهز والاستعداد لذلك اللقاء المنتظر!!! ***
وبعد أقل من ساعة ونصف... كانت رانيا وسوزان قد استقلا تلك السيارة الفاخرة، ووصلا إلى ذلك القصر الفخم في أطراف القاهرة. ودخلا إلى القصر بصحبة السائق الذي كان يرتدي زياً رسمياً أنيقاً. ليجدا وجدي في استقبالهما قائلاً بكل ترحاب: "أهلاً وسهلاً رانيا هانم وسوزان هانم. أنا وجدي اللي اتصلت بحضرتك. بجد نورتوا القصر. وسالم بيه في انتظاركم في حمام السباحة." ردت رانيا بتهذب:
"أهلاً أستاذ وجدي. وأسفين لو اتأخرنا على سالم بيه. انت عارف بقا البنات وهي بتلبس." رد وجدي بابتسامة خبيثة، وهو يلتقط حقيبتين من الطاولة التي أمامه، ويناول إحداهما إلى رانيا والأخرى إلى سوزان، ثم يقول بلهجة ودودة: "هو فيه مشكلة صغيرة. مش هينفع تدخلوا حمام السباحة بالبس ده. ممنوع الدخول إلا بالمايوهات!!! ساد صمت مخيف للحظات!!! ثم أشار وجدي بيده إلى باب إحدى الغرف الجانية بردهة القصر، واستطرد قائلاً بلهجة حادة:
"حضراتكم هتدخلوا الأوضة دي، تقلّعوا هدومكم، وكل واحدة فيكم هتلبس المايوه اللي في الشنطة اللي معاها!!! وقعت كلمات وجدي على أذني الفتاتان كالصاعقة!!! وارتجفت أجسادهم بقوة، بينما علت وجوههم أقصى علامات الفزع، وهما يتبادلان النظرات المرتعبة، غير مصدقين ما قد سمعوه للتو!!! لم تستطع رانيا التحدث أو حتى الحركة، فتجمدت في مكانها كتمثال ثلجي!!!
بينما استجمعت سوزان شجاعتها، وفتحت الحقيبة التي كانت تحملها، ثم التقطت ذلك المايوه الخليع المكون من قطعتين بدهشة عارمة، وظلت تتفحصه باندهاش!!! وفي أقل من ثانية واحدة، احمر وجه سوزان من شدة الغضب، وألقت الحقيبة في وجه وجدي، ثم قالت بلهجة حادة: "انت بتستعبط ولا شكلك كده؟
واضح إنك فهمتنا غلط يا أستاذ وجدي. إحنا مش بتوع الكلام ده. إحنا هنمشي من هنا دلوقتي حالا. ولو سمحت رجعنا من مكان ما جبتنا، وإلا ورحمة أبويا هعملك فضيحة وهوديك في ستين داهية، انت واللي مشغلك." وقبل أن تنهي سوزان عبارتها، كان قد ظهر أربع رجال غلاظ الهيئة، ضخام البنية، وقد أحاطوا برانيا وسوزان!!! بينما طفت ابتسامة صفراء على وجه وجدي، وقال بكل برود:
"طيب أنا هديكوا 3 دقايق، يا تخشوا تلبسوا المايوهات بكل هدوء وأدب، يا إما هخلي الرجالة دي تساعدكم وتقلعكم وتلبسكم بمعرفتها. وخذي في بالك، الرجالة دي بقالها أكتر من شهرين ما شافتش ستات، وأنا مش ضامن هيعملوا فيكم إيه لما يقلعوكم!!! تطلعت رانيا وسوزان إلى وجوه الرجال الذين التفوا من حولهما، وقد كانت نظراتهم الطامعة، وأفواههم المتدلية التي سال منها اللعاب، كافية لأن يتوقف قلب الفتاتان من شدة الرعب.
وقد بات المشهد واضحاً للجميع... فذلك الحلم الوردي الذي داعب روح رانيا قد تحول إلى كابوس مرعب... سوف يعتصر قلبها البريء!!! وينهش جسدها النقي!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!