أكثر الأشياء مرارة في هذا العالم هو عدم البوح بما بداخلك. تشعر بتمزق روحك إلى أشلاء ولم تجد حلاً سوى الثبات على الصمت المرير. تشعر بأن كل شيء ضدك. لم يمنحك القدر ثقبًا للتنفس، ولم تمنحك الشمس أشعتها لتنير طريقك. تائه، حائر، سئمت. بأي ذنب قُتلت؟ توقعت "شمس" كل شيء إلا أن تكون تلك المرأة الجالسة أمامها وتنظر بثبات في عينيها تكون زوجته. كيف؟ ومتى؟
أسئلة فوضوية داخل رأسها الآن، ولكنها التزمت الصمت. ابتسمت زهره عند سماع هذا الخبر من تلك المرأة، فكانت أول المهنئين لها ونطقت كلماتها بفرحة تلمع بعينيها. "معقولة ياسين اتجوز؟ ألف ألف مبروك، بس إزاي ما يقولناش؟ ضربت الخالة بعصاها التي تتكأ عليها في الأرضية وبداخلها غضب عارم. صار اسم شمس التي كانت تحدق بتلك الغريبة للحظات. "شمــــس"
انتفضت وأفاقت شمس من شرودها. انحنت أسفل مشيرة وأصبحت تحت قدميها تلملم قطع الزجاج المكسور وكأنها تحاول لملمة روحها التي تمزقت الآن. ارتعشت أصابعها والرعشة امتلكت نبرة صوتها. ترغب بالتبخر الآن. حاولت الحديث ولكنها لم تعرف ماذا تقول، فقد قالت بارتباك: "أنا... أنا آسفة، مش عارفة إزاي الكوباية وقعت مني. ثواني هجيب لك مشروب غيره." كررت "الخالة" بإصرار: "قومي يا شمس، ما توطيش. سيبي الإزاز، أي حد تاني هيلمه."
أشارت الخالة بعينيها لـ "ميرا". فذهبت "ميرا" وانحنت بجانب "شمس"، وضعت يدها على كتفها بحنان تطالعها بحب قائلة: "قومي يا شمس، معايا." أشارت شمس برأسها لميرا دليلًا على الموافقة. فوقفت واستقامت، حاولت تمالك روحها من جديد. فطالعت مشيرة الجالسة بهدوء قائلة: "نورتي قرية الصاوي." أشارت لها مشيرة برأسها مع ابتسامة بسيطة دون أن تتكلم. فأشاحت بنظرها إلى الخالة.
ذهبت كلا من مارال وساره خلف شمس. فجلست زهره بارتياح بجوار الخالة وهي تطالعها بنظرات متفحصة بعينيها. فسألتها الخالة قائلة: "معلش يا بتي، قولتيلي اسمك إيه مرة تانية؟ ابتسمت مشيرة وهي تشير على نفسها فقالت ببراءة: "اسمي مشيرة يا خالة." هزت الخالة رأسها: "آه... قولتيلي مشيرة، أيوه افتكرت. ما تأخذينيش في السؤال يا بتي. أنتِ عرفتي ياسين إزاي؟ نظرت مشيرة إلى زهره سائلة: "إيه ده معقول؟ ما سمعتوش عني قبل كده؟
هو ياسين ما جابلكوش سيرة عني؟ أكد لها يزن بقوله: "ولا سمعنا عنك في طبق اليوم حتى." سألته مشيرة وقد غاظها ما قاله: "وحضرتك بقى مين؟ أصل ياسين ما جابليش سيرتك قبل كده، مع أني حكالي عن الكل. بس أنتَ لأ." ربع يده وأوقعها في المصيدة وهو يسأل: "إزاي؟ وهو جاي عشاني؟ فقالت مسرعة: "أنتَ يزن؟ "غريبة! عرفتيني؟ مع أني حكالي عن الكل، إلا أنا." ابتسمت الخالة فشعرت مشيرة بالإحراج. فنظرت للأرضية قائلة: "هو ياسين فين؟
نظرت الخالة لرعد بضجر: "رعد، دور على حسان. خليه يروح يشوفلي فين ياسين وييجي ويجيبهولي هنا حالا، قبل ما أصور قتيل." أشار "رعد" برأسه بالموافقة: "حاضر يا خالة."
_هذه الأجواء الصيفية تحتاج إلى النسمات الباردة والمشروبات المنعشة لكي تشفي الصدور. هذا ما فعله "الطبيب علي" عندما جلس بجانب "ياسين" وسط الخضرة هو و "بربروس". جلس كل واحد منهم على حدى بجانبه، فأصبح هو يتوسطهم. ينظرون إلى البحيرة أمامهم. السماء صافية بلونها الأزرق الجذاب، تعكس الشمس أشعتها على البحيرة فتعطيها بريقًا ساحرًا يخطف الأنظار. مد "الطبيب" كفه بالمشروب المحبب لقلب "ياسين" قائلاً:
"امسك، أنا عارف إنك بتحب الشيري كولا." مد "ياسين" كفه قائلاً بمزاح: "معقول يا علي؟ أنت جايبلي شيري كولا بنفسك؟ قولي جبتها منين؟ فتحت شنطتي وأخدتها منها." ضحك "بربروس" ساخراً وهو يعدل على ما قاله "ياسين": "لأ، ليس هو، بل أنا." نظر بجواره إليه قائلاً بدهشة: "أنتَ يا شيخ عجوه؟ فتحت شنطتي؟ هز رأسه بالنفي قائلاً بجدية: "ويحك أيها اللعين! هل تراني أبلها لأفعل ذلك؟ ابتسم قبل أن يخبره: "طيب خلاص، ما تزعلش. قولي جبتها إزاي؟
أخبره بضجر: "خليك في حالك، لن أخبرك، فهذا سر." فتح "ياسين" الزجاجة وارتشف من زجاجته فشعر بالانتعاش قائلاً بابتسامة أضأت ملامحه: "اللاه.. خليك في حالك مرة واحدة يا شيخ عجوه. العشر سنين اللي قضيتهم هنا غيروك خالص." طالعه بربروس بغيظ وأردف: "البركة في أبناء الحارة التي أحيا بها الآن، فقد تعلمت وفي نفس ذات الوقت علّمت." صمت لثوانٍ ثم عاد لحديثه مؤكداً: "ونعم، لقد تغيرت. ولكن من منا لم يتغير؟ فأنت أول المتغيرين."
صحح له "ياسين" باندفاع وهو يشير على نفسه: "أنا اتغيرت يا شيخ عجوه؟ استدار "الطبيب" يطالع شقيقه: "آه حصل. أنتَ متغير يا ياسين. حاسس من ساعة ما جيت وأنت واحد تاني. مش ياسين أخويا اللي أعرفه." انقبض حاجبه وارتشف رشفة أخرى من زجاجته: "بلاش يا علي نقلب القعدة لعتاب ولوم وأسئلة إجاباتها مش هتفيد بشيء. خلينا نقعد مع بعض شوية مش أكتر. أنا وحشتني قعدتنا سوا." انتظر ثوانٍ ثم تابع:
"مش عارف إذا بعد ما أرجع مطرح ما كنت هعرف أقعد معاكم القعدة دي تاني ولا لأ." أومأ له علي بالإيجاب: "ماهو ده اللي أنا عايز أعرفه... ليك مين هناك أغلى مننا عشان ترجعله ياياسين. أسئلة كتير في دماغي مش لاقي لها إجابة وأنت ما بتتكلمش. فرفع بربروس كف يده ودعم كلام الطبيب: نعم، وأنا كمان عندي من الأسئلة ما يكفيني وأريد الإجابة في الحال. هنا تحدث "ياسين" بضجر: يعني مش هتبطلوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالنفي، فاستسلم ياسين قائلاً: عايزين تعرفوا إيه؟ بدأ "الطبيب" يسرد له كم من الأسئلة: أول شيء، مكنتش بترد عليا ليه السنين اللي فاتت دي؟ كان سيرد، ولكن رد "بربروس" بسؤال آخر مسرعًا: وأين كنت طوال هذه المدة؟ فسأله "الطبيب" سؤالاً آخر: كنت بتشتغل إيه؟ واضح أن الدنيا ضحكت لك، أصلك راجع نضيف أوي، مش عوايدك. فرد بربروس: وأين عشت طوال هذه المدة؟ ولماذا تتصنع عدم اللامبالاة التي أراها بعينيك؟
ظل ياسين ينظر يساراً ويمينًا مع كل سؤال يطرحوه عليه، فرد صارخًا: بس واحدة واحدة وأنا هجاوب. هز كلا منهما رأسه بالموافقة، فأكمل "ياسين" حديثه وأشار برأسه إلى الأطفال أمامه يحاولون النزول إلى البحيرة بمرح وضحكاتهم تملأ الأجواء، فرد بسؤال آخر غير الذي ينتظرونه: فاكر البحيرة دي يا علي؟ نفخ الطبيب من روحه بغيظ: ياسين، ماتغيرش الموضوع. أكد له ياسين بقوله: مابغيروش، رد عليا بس، فاكرها؟ وافقه بنفاذ صبر:
أكيد فاكرها ياياسين. دي البحيرة اللي أبوك عملهالنا هو والمهدي الله يرحمهم. ابتسم "ياسين" وقد عاد بذكرياته يتأمل الأطفال ويسمع صوت ضحكاتهم، يستكمل حديثه بقوله:
أهو وأنا صغير كنت بفضل أبص للبحيرة دي وأتأمل فيها بالساعات وأفضل أتمنى حاجات لما أكبر هعملها. ولما سيبتكم يوم المعركة كنت تايه ومش عارف أعمل إيه. وقفت عندها بالساعات وقتها قررت إني هعمل كل اللي اتمنيت أعمله وأنا صغير وماعملتوش. فضلت واقف عندها وهي كالحة مافيهاش ميه، أرض بور. فضلت سارح والوقت عدى قدامها وافتكرت اللي فات ولاقيت نفسي مسافر ورجعت ألمانيا. وهناك كنت وحيد، مش عارف أروح فين ولا أجي منين.
رجع ياسين بذكرياته للوراء وسرح بذاكرته يوم المعركة: ابتسم ياسين وهو يقف أمام البحيرة ينظر جواره إلى عمار قائلاً: أنا مش مصدق إنك جيت معايا. فنظر له عمار وهو يضع يده بجيبه مع ابتسامة رضا:
أنا سبت الكل عشانك، حتى شمس سبتها عشان نفضل سوا يابويا. بس طول ما إحنا هنا هيبعدونا عن بعض، لازم نبعد ونسيبهم، نبعد ونروح مكان تاني خالص غير هنا، مكان بعيد محدش يعرفنا فيه. أنت بنفسك شفت شمس وعلي والخالة، كلهم كانوا عارفين إن أنا وانت دم واحد ومحدش فيهم همه غير المعركة وبس، محدش فكر فينا. كل واحد فيهم كان خايف على نفسه مش أكتر. حتى شمس ولا طلعت بتحبني ولا بتحبك، لو كانت حبت حد فينا كانت على الأقل قالتلنا. أنا عارف إنك بتحبها زي ما أنا بحبها، بس طول ما هتبقى في النص ما بينا هنخسر بعض، صدقني.
أشار له ياسين برأسه دليل على الموافقة: ولا شمس ولا غيرها يقدروا يفرقوا بينا في يوم. أنا فضلت سنين بدور عليك قبل الضبع ما يتحكم فيا، وما صدقت إني لاقيتك ورجعتلي ذاكرتي. طرقع الطبيب أصابعه أمام أعين ياسين الذي شرد فجأة قائلاً: إيه؟ روحت فين؟ كمل بعد ما سافرت ألمانيا حصل إيه؟ بالطبع لم يذكر "ياسين" الجزء الخاص بعمار، فقط تذكره بمخيلته، فأفاق من شروده قائلاً:
رجعت تاني بين الجليد وبين الذئاب، بس في منطقة معزولة مافيش بشر يتحمل يقعد فيها. بعد ما عرفت إني الألفا بقيت أتحكم فيهم ومعاهم دايماً. وخدت عهد على نفسي ووعدت غيري إني مش هشرب دم بشر في يوم ولا حتى حيوانات. بس جيت في ليلة ضعفت وماقدرتش، لما لاقيت كوخ جواه واحدة ست في وسط التلج وشميت ريحة دمها وهي بتقطع حاجة بالسكينة، جرحت صباعها ونقط من دمها نزلت منها على الأرض وسمعت صوت نبضات قلبها. معرفش إزاي وليه رجلي خدتني عندها ودخلت جوه الكوخ ولاقيته مليان بالدفأ، كنت جعان وشريد ومنظري لا يسر عدو ولا حبيب.
انخرط ياسين بذاكرته وتوقف عن الكلام يسرح بما حدث له بالماضي: جسد بلا روح، وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود، تحاول الاستيعاب، تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة. ألم.. هجر.. فراق سنوات.. سنوات من التعب والحيرة.. غريب تائه في الطرقات.. وحيد.. شريد حتى تجده، هي لتعيد له الحياة من جديد. تسأله وهي تتحدث اللغة الألمانية: _أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟
دب الرعب بقلبها، غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له. يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة، يظهر عليه الفقر والجوع. ملابسه متسخة، يغطي رأسه بالبيزونت الخاص بسترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها. تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات، فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها.
للسـ ـكين الموجود على الطاولة. تقترب منه أكثر بحذر، حتى ترفع عليه السـ ـكين. حتى تطـ ـعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة، يكشر عن أنيابه، فقد السيطرة على نفسه. ليجد من يقف أمامه يحذره: _لا يابويا بلاش. لو قتـ ـلتها مش هتشوفني تاني. نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة: _اللي تشوفه ياعمار.
سمعته وهو يتحدث اللغة العربية، فاستغربت أكثر. ولكنها لم تهتم في بادئ الأمر. ونظرت تلك الغريبة خلفها بهلع للفراغ الذي يحادثه. لم تجد شيئاً. والرعب يكمن بنظراتها. فترك معصم يدها يعود للخلف بخطوات بطيئة. يرفع كفيه باستسلام أمامها. أمسكت هي السكـ ـين من على الأرضية مرة أخرى بأيدٍ مرتعشة. فتمالكت رباطة جأشها تقول بشكل متقطع باللغة العربية:
_أنا عارفة إنكم مش هتسيبوني في حالي. عارفة إني مهما أحاول استخبى منكم هتعرفوا تلاقوني. مش ذنبي. مش ذنبي إني جوزي مات وكتب لي ميراثه كله وأنا مش هتنازل مهما عملتوا. قبض "ياسين" حاجبه باستغراب، فهو لا يعلم عما تتحدث. أنزل يده واتجه إلى الثلاجة مرة أخرى يأكل بنهم. ينزلق من شفتيه الطعام الذي يتبقى منه. فوضى عارمة أصبحت حوله من بقايا الطعام. تقف هي أمامه مذعورة مما يحدث. فلم ترى بحياتها إنسان يأكل هكذا قط. ابتلعت ريقها
بعدما ارتفع صوتها أكثر: _لو ما قولتش أنت مين حالا، وجاي هنا ليه، أنا هبلغ البوليس.
أشبع جوعه، بعدما قبض بكف يده كمية من الطعام ووضعها بداخل جيبه وبداخل حقيبة ظهره. استدار وأعطاها ظهره، يستعد للرحيل. حتى سمع من بعيد خطوات أقدام قادمة لا تنوي بالخير وصوت أسلـ ـحة تتعمر بالذخـ ـيرة. أغمض هو عيناه ليركز بالصوت أكثر. فعلم بأنهم رجلين قادمان. استدار خلفه ليراها وحيدة. يملأ الرعب ملامحها. تتنفس الصعداء بصعوبة عارمة مما يحدث. سمع صوت عمار بأذنه: _أمشي ياياسين مالكش دعوة بيها.
تحرك خطوة للأمام لكي يقفز من النافذة التي أتى منها. فسمع صوت الرصـ ـاص المتوجه ناحية الكوخ. فدون أن يدرك فعل ما لا يرغب به. فتحرك بأتجاهاها سريعا، لكي يحميها. فحماها بجسده، فأصبحت هي أسفله. أشار لها بأصبع أن لا تتحرك من مكانها. فهزت رأسها بالموافقة والدموع تنهمر على وجنتيها مما يحدث. اختفى من أمامها بلحظة. فدخل الرجلين يرفعون أسلحـ ـتهم بكف أيديهم. يرتدون چواكت جلدية سوداء. يبحثون بكل مكان بالكوخ عنها. حتى وجدوها. نظروا لها نظرة سخرية بعدما تكورت هي في جلستها ويرتعش كل بجسدها.
فقال أحدهم: _سبحان الله مشيرة هانم خايفة. اللي يشوفك دلوقتي مايشوفكيش يوم استلام الميراث. رفع الآخر سلا حه يوجهه لها: _أوبقي سلميلنا على الحاج في الآخرة. أغمضت عيناها بقوة تنتظر الموت لثواني. ولكن لم يحدث ما ظنته. فتحت عيناها وجدتهم يرقدون أمامها على الأرضية فاقدين للوعي. يقف ياسين أمامها وهو يقول: _سمعتهم بيقولوا إن في حد جاي معاهم يشيل جثـ ـتك بعد ما يقـ ـتلوكي. أفضلك تمشي بسرعة من هنا.
رفع ياسين البيزونت الخاص بسترته وأعطاها ظهره. فقالت مسرعة: _أرجوك ماتمشيش. أنا معنديش حد يحميني. هديك اللي أنت عايزه بس ماتمشيش. لم يؤثر حديثها به. فأكمل طريقه. لم يستدر حتى لينظر لها. فأوقفته كلماتها التالية عندما قالت: _وحياة عمار اللي كنت لسه بتكلمه من شوية خليك. قال بربروس بصوت مرتفع به من الضجر ما يكفي: _ماذا بك أيها الأحمق؟ تتحدث دقيقة وتشرد بذهنك ساعات. ماذا حدث بعد أن عدت إلى الجليد؟
ومنظرك لا يسر عدو ولا حبيب. انتفض ياسين بعدما فاق من انخراطه وهو ينظر أمامه إلى البحيرة. فوجد طفل من الأطفال يغرق ولا يستطيع السباحة. قام يهرول بأسرع ما عنده. فلحقه بربروس والطبيب. قفز في الماء مسرعا، وأخذ يسبح حتى وصل إلى ذلك الطفل الصغير. فألتقطه من الماء مسرعا، وهو يقول: _أنت كويس؟ نزل بربروس والطبيب في البحيرة معه مسرعين. ولكنه كان أول الواصلين. أشار الطفل برأسه يحاول التقاط أنفاسه: _أيوه. أنا كويث ياعمو.
ابتسموا جميعاً على طريقة حديث هذا الطفل الصغير. فقلده ياسين قائلاً: _ولما أنت مش بتعرف تعوم بتعوم ليه بس؟ فأشار الطفل بيديه على الأطفال بالجهة المقابلة وهم يسبحون: _سايف البنت اللي هناك دي. أمال ياسين برأسه على الطفل وهو يحمله بين ذراعيه. فغمز له بطرف عينيه: _مالها؟ فقال الطفل ببراءة مفرطة: _عايزه لما تكبر تتجوز واحد بيعرف يعوم. وأنا مش بعرف أعوم واتكسفت أقولها. ابتسم ياسين على برائته. فقال مؤكداً:
_طيب عارف أنت بقى إنك لما تكبر دي البنت الوحيدة اللي هتديك على قفاك. أشار الطفل برأسه بالنفي. فاستكمل ياسين حديثه: _أنا بقى جايلك من المستقبل وبقولك اللي هيحصل. أتت والدة الطفل مسرعة والخوف يبدو على ملامحها تناديه باسمه: _محمد. أشار ياسين للطفل برأسه: _يلا روح لماما. وافتكر إن مافيش حد يستاهل مهما كان إنك تعمل عشانه الممكن مش المستحيل.
رحل الطفل إلى والدته. وظلوا الثلاثة بمنتصف البحيرة ينظرون للطفل ووالدته على البر. وهي تضمه إلى صدرها تربت على ظهره بحنان. فنطق بربروس مؤكداً بكل ثقة مما يقول: _هناك أشخاص حتى فعل المستحيل من أجلهم قليل. ليس كما قلت للطفل الصغير. اعترض "ياسين" بضحك وهو يقول: _ما أفتكرش. سأله "الطبيب" باستغراب بعدما أعاد شعره المبلل بالماء للخلف: _وشمس ماتستاهلش؟ سأله "ياسين" باستغراب: _وأيه اللي جاب سيرة شمس يا علي دلوقتي؟
هنا تحدث "بربروس" قائلاً بتعجب: _ومن غير شمس يستحق أن يذكر اسمه. فجميعنا نعلم بأنك تحبها. تحدث "ياسين" بغرور وكبر ينفي بإصرار ما قاله بربروس: _عمري ما حصلش. رأى ياسين نظرات التعجب وعدم التصديق داخل أعينهم. فصحح حديثه قائلاً بمزاح يحاول أن يخبئ ما هو واضح بعينيه: _أقصد أقصد الكلام ده من عشر سنين. أنتوا لسه فاكرين. أيوه بس. قاطعه ياسين قائلاً: _الموضوع ده اتقفل. ياريت ما يتفتحش تاني.
استدار ياسين وأعطاهم ظهره في طريقه للخروج. رأى الطبيب الحزن بعينيه. فنظر لبربروس. فأشار "بربروس" إلى "الطبيب" بعينيه يتتبع ياسين. فتحركوا هما الاثنان بلمح البصر سوياً. وأمسكوا به بقوة من رأسه وضعوه تحت الماء بمزاح. فاستخدم ياسين قوته وأستطاع التملص منهم. حتى أخرج رأسه وابتعد عنهم بغـ ـضب ينفض الماء من على خصلات شعره وهو يهز رأسه يساراً ويميناً. فنظر ورائهم بأندهاش قائلاً: _مين اللي جاي ده؟
استدار الاثنان يطالعون ما يطالعه. دفعهم "ياسين" على حين غرة وأوقعهم بالماء وسط ضحكاته. وما أن اخرجوا رأسهم من الماء هرول ياسين يسبح بعيداً عنهم حتى لا يلحقوا به. فهرولوا خلفه سريعا، فأصبح بالمنتصف بينهم وسط مزاحهم وضحكاتهم. فأمسكه الطبيب من الخلف وأطاح به هو وبربروس وسط نوبة ضحكاتهم. فسعلوا من كثرة الضحك.
هي الأن بغرفته تجمع كل ما تبقى لها في الغرفة من أشياءها. تفتح الدلفة تأخذ ما تبقى من ملابسها بعصبية. ثم اتجهت ناحية الأدراج تأخذ كل ما بها. وقف كلا من ميرا ومارال وسارة بجانب الباب وهم يطالعونها بحزن. فقطعت مارال صمتهما قائلة: _معقول ياسين اتجوز؟ أزاي أنا كنت فاكياه بيحبك. وقفت شمس عما تفعله وبيديها بعضاً من ملابسها. ونظرت إلى مارال تطالعها بلوم: _أيه؟ أيه اللي أنت بتقوليه ده؟ فأكدت مارال على كلامها مرة أخرى:
_أنا كنت فاكياه كويس إنه وعمى الله يرحمه بيتخانقوا عليكي. إزاي لما عمى يموت يسيبك ويتجوز غيرك؟ المفروض يتمسك بيكي أكتر على الأقل عشان يحافظ على الحاجة الوحيدة اللي قريبة من قلب عمى. بس الظاهر إنه نسيكي ونسي عمى ويا حات اتجوز وعاش حياته. أتت غدير من الخارج على نهاية حديث مارال تسمعها. فلم تستطع غدير منع نفسها من سؤالها: _اتجوز! هو مين ده اللي اتجوز ياميرا؟
لم يجب أحد على سؤالها من الموجودين. وكانت الإجابة مهمة بالنسبة إليها. فكررت سؤالها مرة أخرى: _هو محدش فيكم بيرد عليا ليه؟ ماتقولوا يا جماعة مين اللي اتجوز؟ طالعت ميرا غدير برجاء أن تخفض من صوتها: _هوووش وطي صوتك. مرات ياسين قاعدة جوه لا تسمعك. مرات مين؟ قالتها غدير بتعجب بعدما قبضت حاجبيها باستغراب. فقالت بتلقائية مفرطة: _طيب وشمس؟ اعترضت "شمس" بإصرار: _هو في إيه يا جماعة؟
كل واحدة فيكم تقول طيب وشمس.. طيب وشمس. هو حد قالكم إني قاعدة مستنياه.. حد أصلاً قالكم إني حتى بفكر فيه أو بييجي على بالي أصلاً؟ حولت سارة نظرتها إليها قائلة: _أومال أنتِ قاعدة كل ده ليه ومابترديش بأي عريس يتقدملك ليه مش عشان بتحبيه؟ تحركت شمس مغادرة الغرفة قائلة: _ده خيالكم المريض اللي صورلكم إني بحبه مع إني عمري ما قولت كده.
غادرت شمس الغرفة تاركة أياهم ينظرون لها وهي تبتعد عنهم، وضعت ما تبقى من أغراضها بالغرفة المجاورة لغرفة ياسين وغادرت المنزل على الفور. أشارت ميرا إليهما قائلة وهي تضغط على أسنانها بغيظ: _أنتوا يعني كان لازم تنسحبوا من لسانكم، أديها زعلت أهيه.
كانت ملابسهم مبللة بالكامل بعدما خرج ثلاثتهم من المياه وسط ضحكاتهم سوياً، فقد مرت السنين بسرعة على آخر تجمع لهما. يسيرون بالطرقات المفروشة بالرمال الناعمة الصفراء، على الجانب الأيسر المنازل البسيطة المصنوعة من الخشب، وعلى الجانب الأيمن الخضرة والزرع يتطاير بنسمات الهواء البسيطة. المارة بجوارهم يركبون الدراجات المرصعة بزهرة عباد الشمس من الأمام.
رأى ياسين ذلك فابتسم ابتسامة امتنان بعدما لاحظ عدم وجود سيارات داخل القرية، ولكنه اضطر يسأل سؤال يعلم إجابته من قبل. فنظر بجواره للطبيب يوجه سؤاله إليه: _القرية مافيهاش عربيات يا علي، كل اللي بيمشي فيها بيمشي بعجل صح؟ ابتسم الطبيب قبل أن يخبره:
_وأكيد أنت عارف مين كان نفسه يحصل كده من زمان، قرية تبقى قطعة من الجنة، العربيات والتكنولوجيا تبقى قليلة أوي فيها عشان نتنفس هوا نضيف من غير عوادم السيارات والقرف اللي بيحصل في المدن، فاكر يا ياسين؟ فكرة العجل دي فكرتك زمان وأنا نفذتها دلوقتي. كرر من خلفه بامتنان: _فعلاً، كانت فكرتي ومش مصدق إنك نفذتها، أنا برضوا لاحظت إن مفيش عربيات جوه القرية.
نظر أمامه فوجد سيارة تأتي مسرعة بالجهة المقابلة لهم، فطالع السيارة باشمئزاز قائلاً: _إلا العربية دي؟ أشار الطبيب لياسين بأن يهدأ من روعه قليلاً قائلاً: _ياسين عايزك تهدي نفسك خالص، دي عربية فريد، سيبك منه، سيبني أنا أتكلم وبعدين أنا هفهمك ليه.
ضغط فريد على مكابح السيارة مما جعل الإطارات تصدر صوتاً مرتفعاً من قوة الدفع، فوقف أمام ياسين وكأن نيته الاصطدام به. وقف ياسين ولم يبرح مكانه بتحدي، فترجل فريد من سيارته بعدما انتزع النظارة الشمسية من عينيه، يقف أمام ياسين ينظر في عينيه بتحدي سائلاً إياه: _فين بطاقتك؟ ابتسم ياسين بمكر فتابع بقوله: _عارف...
أنا لو مش متأكد إن حسناتي قليلة ومجمعهم حسنة ورا حسنة ومخبيهم ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كنت قولت كلام الأولياء والصالحين كلهم ما يشفعولي بعد ما أقوله. قاطعه ناطقاً بحزم: _أنت بتقول إيه يلا؟ أنت باين عليك شايف نفسك ومش عايز تيجيها لبر.
هنا تخلى ياسين عن صبره فطالعه بنظرة حادة، نظرة بها ما يكفي من الشر، فتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم، ارتعد فريد وعاد خطوة للخلف مما رأه الأن، وخبط قدمه بغطاء السيارة، دب الرعب بقلبه، فصرخ الطبيب بياسين قائلاً: _ياااااسين! أفاق ياسين وشعر بنفسه مجدداً، فأعاد عينيه إلى لونهما الطبيعي مسرعاً، فاقترب من فريد بعدما قبض بكفه على ياقة زيه الرسمي:
_اسمع يلا، الإنسان قبل ما يتولد ربنا بيكتب عمره بالسنين والأيام والدقايق والثواني.. وأنت يابن ال*** ضيعت منهم ٤٠ ثانية وأنا مش مسامحك عليهم. ابتلع فريد ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه، فاسترسل ياسين حديثه بجدية وحزم:
_مش عايز أشوفك مرة تانية بتحوم حواليا ولا حوالين شمس، عشان قضيتك خسرانة معايا. أنا مش محترم زي علي ولا طيب زي بربروس، أنا ياااسين، وكلمة بطاقتك دي تعملها على اللي زيك مش اللي زيي، وعشان تريح نفسك أحب أقولك أنا معايا الجنسية الألمانية يعني مش هتعرف تعمل معايا حاجة. غمز له بطرف عيناه: _اخلع من هنا بقى قبل ما أخلع جدورك من الأرض.
أسند فريد بذراعيه على غطاء السيارة وصعد بداخلها وهو يهرول، فمن يراه الآن يقسم بأنه رأى شيطاناً وليس بإنسان طبيعي، فابتسم بربروس على منظره هذا قائلاً وهو يربت على كتف ياسين بفخر: _لقد أشفيت غليلي من هذا الفتى يا ياسين، هنيئاً لك. صرخ الطبيب بهما هما الاثنان يطالع فريد وهو يبتعد بالسيارة بعيداً: _أنتوا أكيد مجانين، أنتوا فاكرين إن فريد هيسكت؟
ده لو اكتشف حقيقتنا مش هيسيبنا، انتوا مش قادرين تفهموا ليه وهيقلب البشر كلهم علينا؟ ربت بربروس على كتفه بهدوء: _لا تقلق أيها الطبيب، فهذا مجرد مزندق يكثر من حديثه ويقل فعله. فدعمه ياسين بقوله: _قولت الخلاصة يا عجوتنا، اللي زي ده جبان مش هيعمل حاجة. والله أنا عايز أقول إنه بيض، اعمله تمن، أنت عارف كرتونة البيض بكام دلوقتي؟ فرد بربروس قائلاً بقلة حيلة: _لقد تعدت المائتين جنيه. ضرب الطبيب كف يده بكفه الآخر قائلاً:
_والله انتوا ما هتسكتوا إلا لما تودونا في داهية. سمع الطبيب صوت يأتي من بعيد ليس بغريب عنه ينادي عليه من خلفه: دكتور علي... دكتور علي نظر خلفه ليجده حسان. فأتى حسان مسرعًا والنهجة تعتلي صدره. "أيه يا حسان جاي بتجري ليه؟ قال كلماته بتقطع بسبب نهجته: "الخالة عايزة ياسين حالًا في البيت الكبير." طالع ياسين باستغراب قائلاً: "ماتعرفش ليه؟ أشار برأسه بالنفي: "لاء معرفش." هز الطبيب رأسه بالإيجاب: "طيب إحنا جايين وراك."
فصاح بتعب: "لاء طبعًا، أنا مش هينفع أرجع من غيركم، عايز الخالة تشلوحني." ابتسم ياسين وهو ينطق كلمته ببطء: "تشـــــلوحك." فأجابه بتأكيد: "أه وتفرشحني كمان، ماتعرفش الخالة حكيمة." أشار على نفسه بابتسامة مؤكدًا: "إنت هتقولي ده أنا حافظها دي أمي." فأشار له بعينيه: "طيب تعالى." حاوط ياسين حسان بذراعه وسار معه يسأله عن أحواله، يتابعه بربروس والطبيب خلفهما، فساير ياسين حسان في الطريق. "قولي عملت إيه، أوعى تكون مابتذاكرش."
*** عادت إلى مكانها، المكان المفضل بالنسبة لها الذي لطالما شعرت بالراحة به، إلى قبره، فمهما فات من الوقت والأيام تعود إليه. هنا تستطيع البوح بداخلها، هنا هو يسمعها. لامست بأطراف أصابعها اللوح الرخامي المحفور عليه حروف اسمه قائلة بدموع باكية: "وحشتني أوي يا عمار، عارفة إني بقالي أسبوع ماجيتش ليك من أخر مرة." ابتلعت ريقها ثم أكملت:
"بس ده عشان كنت في القاهرة عند سارة ويزن وبعد كده بقيت مشغولة مع سارة في تحضيرات الحنة، ما إنت عارف." جلست بجانب قبره تسند ظهرها على اللوح الرخامي، فأغمضت عينيها قليلًا بعدما أنهكها التعب، فتابعت حديثها بتقطع: "وكمان، وكمان عشان ياسين رجع، أخيرًا، رجع يا عمار." نزلت دموعها على وجنتيها، فشعرت بأنامل تمسح دموعها بخفة، انتفضت وفتحت عينيها مسرعة، فوجدت ياسين أمامها، فجلس بجوارها يسند ظهره على اللوح الرخامي هو الآخر،
فسألها بصوت هادئ: "بتعيطي عشان رجعت يا شمس؟ نظرت للأسفل تقول بدموع تزداد غزارتها: "أكيد لاء." رفع ياسين وجهها بكفه يطالع عينيها الباكيتين وكأنه يحتضنهما، حتى قال ما أسرها: "يبقى بتعيطي عشان بتحبيني." لم تكد تستوعب ما قاله لها للتو، طالعته وهي تنظر بعينيه، فتلاحمت نظراتهما معًا، حاولت الهرب بعينيها، وقفت وتركته تغادر المكان، يطالعها هو تبتعد عنه، حتى أوقفتها كلماته:
"خليكي عارفة إنك حتى لو هربتي مني مش هتهربي من نفسك، إنت بتحبيني." تكررت كلماته تصدع بأذنيها، حتى أفاقها غدير من نومها وهي بجانب قبر عمار قائلة وعيناها مغلقة: "لاء مابحبكش، أنا عمري ما حبيتك." "شمس، شمس أصحي." فتحت عينيها قائلة بهلع: "أنا كنت بحلم صح، كنت بحلم." دعمت غدير كلامها: "أيوه ياستي كنتي بتحلمي، بس هو حد ينام هنا جنب المقابر؟ إنت أكيد حصل لمخك حاجة." أخبرتها شمس تصحح لها:
"أنا عمري ما نمت هنا، بس مجرد ما غمضت عيني لقيت نفسي نمت، مش فاهمة إزاي." جلست بجوارها تطالعها بترقب، فشعرت شمس بحاجتها للتكلم: "عايزة تقولي إيه يا غدير؟ أخبرتها غدير بحماس: "أنا بجد مش فاهمة إزاي ياسين اتجوز، والست اللي زي القمر اللي جمالها يقرف دي وقاعدة جوه تبقى مراته، يع، يع بجد، ده اللي هو إزاي، وإزاي ينسـاكي كده بسهولة." طالعتها شمس باستنكار:
"مش غريبة إنك كل شوية تتكلمي عني، محسساني إن أنا وياسين كنا مرتبطين، أنا كنت فاكرة إنك معجبة بي." اعترضت مسرعة وهي تهز كتفيها:
"لاء، أنا كنت معجبة بحبه ليكي، في فرق، أنا عمري ماشوفت حد بيحب حد زي ما هو بيحبك يا شمس، عنيه بتبقى فيها لمعه غريبه وهو بيتكلم عليكي، أتمنيت لو حد يحبني زي ما هو حبك في يوم، وأنا صغيرة كان بيفضل يحكيلي عنك كتير وبعد كده يمسحلي ذاكرتي، وأنا طبعًا مكنتش افتكر، بس لما اللعنة اتفكت افتكرت كل كلمة قالهالي عنك، شخصيته مش زي أي حد، عنده حنية لو اتوزعت على أهل الأرض كلها هتكفي وهيفيض منها، رغم إنه بيحاول يبين لغيره إنه مش مهتم باللي حواليه، بس اللي جواه عكس اللي بيبينه، يحير كل اللي حواليه وتلاقي نفسك غصب عنك بتحبيه، وبجد اتصدمت لما عرفت إنه اتجوز، إزاي بعد حبه ليكي ده كله يتجوز يا شمس."
رفضت بلطف مبررة: "محصلش، ياسين ماحبنيش، مجرد كنت حاجة بيملكها ولما لقى عمار هياخدها منه كان نفسه يرجعها مش أكتر، ولما الحاجة دي رجعت متاحة بموت عمار نسيها ودور على غيرها." صمتت شمس وهي تنظر للغروب لثواني قليلة فقالت: "إحنا اتأخرنا أوي، مش يلا بينا عشان نرجع." أشارت غدير برأسها بالموافقة: "طيب ممكن أقول أخر حاجة." قبل أن تنطق بأي شيء قاطعتها بقولها المحذر: "لو الحاجة دي تخص ياسين ماتقولهاش، اتفقنا." نفخت بزهق قائلة:
"يبقى مش هقول." "أحسن برضوا، يلا بينا." حاوطت شمس غدير بذراعها عائدين للمنزل. *** ها هما على أعتاب المنزل الكبير، الكل بأنتظارهم، كل من بالأرجاء بحاله من الارتباك، شعرت الخالة بحضوره أخيرًا، فدعته للدخول قائلة: "ادخل ياياسين مستني إيه؟ عادت شمس هي وغدير بعدما مرت من أمامه دون أن تنظر له، فدلفت شمس إلى غرفتها سريعًا، يتتبعها هو بعينيه حتى أغلقت الباب خلفها بقوة، كررت الخالة طلبها:
"ما تدخل يا ياسين واقف عندك مستني إيه؟ دخل ياسين الغرفة، وجد الكل بانتظاره بلا استثناء، ومن خلفه بربروس والطبيب، فنظر لمشيرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر قائلة بضحكة لطيفة: "ياسين وحشتني." أسرعت لكي تحتضنه أمامهم بعدما شبكت يداها على رقبته، فأنزل هو يداها يطالع الجميع بعينيه بهدوء قائلاً ببسمة متصنعة: "مشيرة أزيك، عرفتي تيجي هنا إزاي." "أنا الحمد... وضعت الخالة يديها الاثنتين على العكاز تتكئ عليه، فسألته بحزم
وقاطعت رد مشيرة قائلة: _أنت أتجوزت من ورانا يا ياسين؟ قبض حاجبيه ينظر لمشيرة باستغراب، فوجد نظرة الرجاء في عينيها، فجعلته يهز رأسه بالموافقة. وقفت الخالة بحزم تضرب بعصاها الأرض بغضب: _يعني اتجوزت يا ياسين؟ تنهد بعمق، فصمت لثوانٍ ليفكر كيف يخرج مشيرة من هذا المأزق الذي وضعت نفسها به دون أن يحرجها، فقال مبرراً: _مش بالظبط. كلمتان، هما فقط كلمتان، قالها جعلت كل الموجودين في حيرة من أمرهم، وعلى رأسهم مشيرة.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض نظرات بها من الحيرة ما يكفي، فاسترسلت الخالة سؤالها: _يعني إيه مش بالظبط؟ ما هو يا اتجوزت يا ماتجوزتش، مالهاش تالت يا ولدي. فنطق تحت أنظار الجميع، الكل يصوب نظره عليه الآن: _مشيرة تبقى خطيبتي، كنا ناويين نتجوز بس أجلنا الفرح عشان أقدر آجي فرح يزن. شعرت مشيرة بالأنفاس تعود لها مجدداً، وكأن الحياة عادت لها من جديد. وقفت غدير أمامه تطالعه باعتراض، ثم أردفت:
_بس ليه تخطبها وأنت مابتحبهاش يا ياسين؟ هنا صاحت ميرا بها قائلة: _غدير تعالي هنا. جذبها رعد من يدها بحزم: _تعالي معايا. أصرت غدير على موقفها، فتحدثت مشيرة بإحراج: _أنا جايه من سفر بقالي أكتر مدة مارتحتش وتعبانة، فين أوضتك يا ياسين عايزه أرتاح. طالعتها الخالة باستنكار: _وكيف تقعدي في أوضته وأنت مش على ذمته؟ صاحت الخالة باسم زهرة، فأتت إليها مسرعة بالإيجاب قائلة: _نعم يا خالة؟ فقالت بنبرة تأمرها بها:
_حضري للضيفة أوضة الضيوف بسرعة. صاحبها ياسين قائلاً: _تعالي معايا فب أوضتي يا مشيرة لحد ما زهرة تحضرلك أوضتك. أشارت بالموافقة، فأوقفته الخالة: _تيجي معاك على فين يا ياسين؟ أنت باين عليك نسيت عوايدنا ولا إيه؟ فصاح ياسين باعتراض: _مانسيتش يا ماما، مانسيتش، وماتقلقيش، هسيب الباب مفتوح. قبض ياسين بكف يده على ذراع مشيرة يجذبها خلفه أمام نظرات كل الموجودين.
فعل ما قال إنه لن يفعله، أغلق الباب خلفه بقوة بعدما تملك الغضب منه، سائلاً تلك الواقفة أمامه: _أنتِ بتعملي إيه هنا يا مشيرة؟ فاقتربت منه خطوة قائلة: _اتصلت بيك كتير على الموبايل ماكنتش بترد، بعتلك على الواتساب ماكنتش بيهون عليك حتى تفتح المسج، قلقت عليك يا ياسين. فقال بنبرة متعجبة: _وده ما لفتش نظرك لحاجة؟ ابتلعت هي ريقها فأجابت مؤكدة: _أكيد، وعشان كده قلقت عليك. فصاح بها هو بصرخة مكتومة: _تقومي تيجي يا مشيرة؟
أنتِ اتجننتي؟ أيوه أجي يا ياسين، أنت قلت يوم والتاني بالكتير هترجع ألمانيا، مع إن كنت معترضة إنك تيجي عشان عارفة اللي هيحصل، واللي كنت متأكدة منه حصل، النهاردة تالت يوم وماجيتش ولا حتى اتصلت. _وأنتِ مين اداكي الحق عشان تعترضي أو توافقي من أساسه؟ أنا أعمل اللي أنا عايزه يا مشيرة، أنتِ فاهمة؟ استدار وأعطاها ظهره يتقدم خطوة للأمام، فأوقفته بكلمتها التالية: _طيب وعمار مالهوش الحق كمان إنه يعترض؟
ولا لما شوفت حبيبة القلب نسيتني ونسيت عمار؟ طيب لو أنا مش في دماغك، عمار مش واحشك؟ مش عايز تشوفه؟ ده حتى كاتبلي وسألني عليك 3 أيام وأنت بعيد عنه، دي ماحصلتش قبل كده يا ياسين، إيه اللي جرالك؟ أستدار وهو ينظر لها باستغراب مما قالته للتو، فكرر كلماتها وهو يقول: _بتقولي مين اللي كتبلك وسألك عني؟ لم تدرك الذي قالته إلا بعد أن رأت نظراته الغاضبة لها، فقالت بتلقائية:
_عمار، لاقيت ورق جنبي ومكتوب فيه إنك وحشته وبيسأل عليك، إيه قولت حاجة غلط؟ أنت مش عايزة يسأل عليك؟ ده كان كل شوية يكتبلي إنه خايف شمس تبعدكم عن بعض، عشان كده هو اللي قالي أجي وأجيبك معايا. على الرغم من المشاعر السيئة التي يمتلكها الآن، إلا أنه جاوب بهدوء: _أنتِ كدابة يا مشيرة، عمار معايا هنا ووراكي.
ابتسم عمار وهو يسند بظهره على خزانه الملابس من خلفها، ينظر إليها بابتسامة ساخرة ويلوح يده لها بعدما رفع حاجبه بابتسامة ساخرة، أغمضت هي عينيها وضربت بكف يدها على جبينها، فنطق ياسين قائلاً: _شكلك بقى وحش أوي مش كده؟ إيه مش هتسلمي عليه؟ ابتسمت ابتسامة بلهاء تستدير ببطء، ترفع كف يدها تلوح له قائلة: _هاي عمار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!