الفصل 94 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
21
كلمة
3,744
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

ربما هناك لحظات تهزم مخاوفك ولحظات أخرى مخاوفك تهزمك وبين كل هزيمة وأخرى تفقد قطعة من روحك بينهما صباح يرتدي لون النقاء.. فالصباح لديه رونقه المتميز مع هدوئه والجميع نيام، ونسماته الدافئة التي تبعث الطمأنينة داخل قلوبنا الحائرة، وأصوات غرير الطيور تحوم حولك بكل مكان، تستطيع سماع صوت تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية أشعة الشمس الذهبية أمامك

تكورت "شمس" داخل عشة الحمام وهي تقبض بكفي يديها طبق به من طعام طيور الحمام ما يكفي لهم وهي تحادث طير مضرب عن الطعام منهم _أنت النهارده هتاكل غصب عنك يا ليون ده تالت يوم ما تاكلش فيه، أنا عارفة أن ليو مارجعتش بقالها كام يوم بس صدقني هترجع أمسكت شمس بالطائر ليون وأخرجت رأسها من العشة تحتضنه بذراعيها تصب كامل نظرها عليه وتسترسل حديثها:

_فاكر لما اتخانقت أنت وهي قبل كده وسيبتلها العشة.. فاكر.. هي برضوا كانت زيك كده وكانت عاملة نفس الإضراب بتاعك ده ماتقلقش هي بتحبك وأكيد هترجعلك ابتسم ذلك الواقف خلفها ساخراً مما تقول: _هنعمل عقلنا بعقل طيور

أنتفضت "شمس" عند سماع صوته فتركت الحمامة من بين يديها بفزع فلم تنتبه لوجوده فوق السطوح استدارت ببطء تنظر خلفها وجدته يقف على السور بثبات يعطيها ظهره واضعاً يديه الأثنان بداخل جيوبه الخلفية مغمض العينين، نسمات الهواء تداعب خصلات شعره ويستقبلها هو بصدر رحب، ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بحذر فأسندت ذراعيها على السور طالعته وهي تقول: _أنت هنا من أمتى؟ وواقف كده ليه؟ مش خايف حد من أهل القرية يشوفك ويعرف حقيقتك؟

قبض حاجبيه بعدما تصنع البسمة وهو مازال مغمض العينين ينظر أمامه فأجاب أسألتها بسؤال أخر: _حقيقتي! وايه هي حقيقتي؟ تنهدت بعمق بعدما استدارت تطالعه بغير تصديق وتنهدت بغضب لم تستغرق "شمس" ثواني لترد قائلة: _أنك مستذئب ومافيش حد يقدر يقف الواقفه دي إلا لو كان واثق أنه مش هيجراله حاجة أخرج "ياسين" يديه من جيوبه الخلفية بعدما فتح عينيه ابتسم ابتسامة صفراء يطالعها بمكر مد ذراعه لها مما جعلها تتساءل: _ده إيه؟ _هاتي أيدك

كان هذا طلبه فقابلت طلبه بالرفض _لأ فكرر طلبه مجدداً _هاتي أيدك ياشمس أنت عارفه أني ممكن امسك ايدك من غير ما اطلب بس انا بطلب بأدب مع إني قليل الأدب طالعته "شمس" بارتباك فالجدية تتضح على ملامح وجهه فهزت له رأسها بالإيجاب وهي تمد ذراعها فقبض بكف يده على كفها فرفعها معه فأصبحت تقف أمامه تسند ظهرها على صدره يحيط بذراعه على خصرها اقتربت شفتاه من أذنها فتحدث بهمس: _معنديش مانع أن حد يعرف حقيقتي لو ده مش هيضركم ياشمس

كاد قلبها يخفق من سرعته فقربها منه يزيد ارتباكها تستطيع سماع أنفاسه بأذنها ناهيك عن الارتفاع فالمنظر من هناك رغم شدة جماله إلا أن ارتفاعه يدب الرعب بقلبها فاسترسل هو حديثه قائلاً بابتسامة بسيطة زادت من وسامته: _وعلى فكره اللي كنت ماسكاه ده مش دكر ده نتاية، عشة الحمام دي أنا اللي بانيها واعرف افرق بين الدكر والنتاية بمجرد ما ألمحه مطت "شمس" شفتيها دلالة على عدم المعرفة وتابعت: _بس أنا مكنتش أعرف أنا كنت فاكرة

قاطعها بقوله: _وأنت من أمتى بتعرفي حاجة في الدنيا ياشمس؟ أثار هو غيظها بكلمته فاستجمعت شجاعتها وحاولت أن تستدير لتنظر له حركت قدمها على السور فضم هو حاجبه باستغراب فقبضت بيدها على كف يده تحاول الاستدارة ببطء تتشبث به بكل قوتها تنظر لخطواتها فأمسك بها من كفيها يساعدها على الاستدارة له فطالعته بعينيه بجدية قائلة:

_أنا بقيت أعرف كل حاجة ياياسين، بعرف كل شيء مابقيتش البنت الجاهلة بتاعت زمان مابقيتش البنت اللي كانت تستنى نزولك ليها عشان تشوف النور، مابقيتش البنت اللي كانت بتحطها في القبو وتستنى نزولك عليها بفارغ الصبر عشان تحن عليها وتجيبيلها الحاجة الحلوة كل أسبوع ومابقيتش البنت اللي كانت بتشوف الدنيا من خلال عينيك طالعته بتحدي قائلة وهي تنظر لعيناه البنيتين ترى انعكاس صورتها فيهم:

_اصحى فتح عينك ياياسين بصلي كويس شايف قدامك شمس الصغيرة الضعيفة اللي سبتها من عشر سنين مش معنى إني معرفتش الفرق ما بين حمامتين أبقى البنت اللي معرفش شيء في الدنيا أنا بقيت أقوى بكتير من وقت ما سبتنا من عشر سنين ومابقاش في حد هنا محتاجلك زي زمان

لم تكن كلماتها سوى صفعات، صفعات متتالية على وجهه فأدرك هو منذ هذه اللحظة أنها ليست الفتاة التي تركها منذ عشر سنوات كانت نظرات التحدي التي تطالعه بها تنهكه تحول دون أن يشعر لشخص آخر لم يكن على سجيته ففعل ما لم يكن بالحسبان، قبض بكف يده على ذراعها فانزلقت هي من على السور متشبثة بذراعه وأصبحت تحت رحمته انحنى ظهره قليلاً وهو ينظر لها وهي تحاول التشبث به حتى لا يتركها فقالت بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع:

_أنت بتعمل إيه ياياسين؟ ماتسبنيش، أنت لو سبتني هقع وأموت أردف "ياسين" بنظرات ثابتة في هذه اللحظة إلى نظرات مثل نظرات "عمار" نعم هي ملامح "ياسين" ولكن ابتسامته.. ونظرته.. وحركته.. حتى نبرة صوته كلها علامات تدل على أنه "عمار" _طب ما أنا مت مش معنى أنت وهو ماتوا توش

هنا كانت الصدمة لها، هنا لم تستطع التقاط أنفاسها، هنا دب الرعب بكل أنحاء جسدها، فمن رآها يكاد يجزم أنها رأت شيئاً تشتاق له منذ زمن بعيد ولكنه ليس بعمار حبيبها، قال هو جملته وهو يسحب كف يده من يدها ببطء فتشبثت بذراعه أكثر تقول بشفاه مرتعشة:

_ياسين، ارجع لوعيك، ياسين أنا شمس، شمس اللي ربيتها على إيدك، ياسين بص في عينيا، عيوني اللي دايماً كنت بتقول أنك بتحبهم مش أنت دايماً كنت بتقولي عيونك حبايبي ياشمس فاكر ياياسين، فاكر ولا نسيت قالتها بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع تحاول إثارة أي حب متبقي لها داخل فؤاده انتبه ياسين إلى ما يفعله فعاد إلى وعيه ليجد كف يدها متشبثة بذراعه لم يعرف ماذا يفعل وماذا حدث تنفس الصعداء وهو ينطق حروف اسمها ببطء _شمـــس

ابتسمت شمس بشفاه مرتعشة فقد عادت نبرة صوته من جديد قائلة: _ارفعني، ارفعني ياياسين رفعها في الحال وهو يضمها إليه فنزل من على السور وأمسك بها من ذراعها سائلاً إياها بلهفة: _أنت كويسة؟ لم تعد قدماها تتحملها بعد الآن فكانت منذ لحظات مضت بين الحياة والموت تكورت جالسة على الأرضية تضم جسدها بذراعيها فاقترب منها هو يطمئن على حالها برعب شديد: _ردي عليا ياشمس، طمنيني عليكي، أنا بترت كلمته قائلة بارتباك: _امشي، سيبني وامشي قابل

طلبها بالرفض بقوله التالي: _امشي اروح فين وأنا الغريق هنا قال كلماته برجاء فرفعت رأسها بهدوء تطالعه بتأمل فقد كانت كلماته بمثابة مناجاة لها نظرت له تتأمل ملامحه الراجية هتفت قائلة: _ياسين أنت مش بخير سرعان ما تحولت نظرات عينيه إلى الجمود فابتسم باستنكار _بالعكس أنا عمري ما كنت بخير زي دلوقتي ياشمس كلماته كانت مختصرة فوقف واستقام تنظر له وهو يبعد عنها رفع البيزونت على رأسه فوقف وهو يعطيها ظهره قائلاً:

_أنا مش عارف عملت كده إزاي، أنا عمري ما فكرت في يوم آأذيكي رحل وتركها خلفه، تركها تسترجع كل ما حدث منذ لحظة وصوله فعادت إلى ذاكرتها عند رؤيته للمرة الأولى عند لحظة وصوله والكلمة الأولى التي نطق بها هي رباطك ياشمس انخرطت بذكرياتها إلى ذكرى أخرى عندما دلفت إلى غرفته لتجده ينطق باسم عمار والدماء تحاوطه وهو يجرح نفسه بالسكين، حاولت تجميع الخيوط ببعضها ولكن في النهاية لم تصل لشيء فكان ما يحدث أكبر من إدراكها

ده مش تصرفات ناس عاقلين أبدا. قبضت مشيره عينيها بقوه تحاول أن تستيقظ لترد على تلك الرساله. كتبت رساله ترد فيها قائله: كان لازم اسافر عشان ياسين. لو قعد هنا أكتر من كده احتمال مايرجعش تاني. فرد عليها برساله أخرى: ما كده كده ياسين راجع. هو مش قالك أن عمار مش راضي يسافر معاه وانه مسافر لوحده؟ نظرت بجانبها لتلتقط كوب الماء بجوارها لتروي عطشها. ثم أكملت كتابه قائله:

أيوه قالي كده قبل ما يسافر. ممكن يكون كان بيكذب عليا عشان ما اسافرش معاه. ماقدرتش ماسافرش. ده ياسين يا كمال. ووجوده جنب شمس بيأذيه أكتر. خايفه عليه من شخصيه عمار الوهميه اللي بتظهرله. شخصية عمار تتملك منه أكثر وتجعله يؤذي نفسه أكثر وأكثر. وجوده بجانب شمس سيجعل شخصية عمار تؤذيه بزيادة، ولن تؤذيه هو وحده، بل ستؤذي شمس معه.

البنت باين عليها كيوت وطيوبة، ما تستحقش اللي ياسين هيعمله فيها. طبعًا هيبقى مش حاسس ولا واعي بنفسه، عشان كده جيت سبت عيادتي وشغلي وجيت. لما اتأخر أكتر من كده. قرأ كمال رسالتها، فكان الدور عليه في الرد. قرأت كلمة "يكتب الآن"، فقامت من على الفراش ترتدي ملابسها لحين ينتهي من الكتابة. فنظرت إلى خزانة الملابس تستذكر ما حدث بالأمس. رفعت مشيرة يدها تبتسم خلفها لعمار قائلة: _هاي عمار.

تأفف عمار بضجر، فاستدار يصب كامل غضبه على ياسين قائلاً بصياح: _إيه اللي جابها دي؟ مش قادرة تبعد عنك يومين؟ نظرت مشيرة إلى ملامح ياسين الغاضبة وهو ينظر للفراغ خلفها، فعلمت بانزعاج عمار من وجودها. فهي تقرأ ملامح ياسين فتستنتج ما يخبره به عمار. كانت ستقول مشيرة ردها، ولكن منعها ياسين الذي جذبها من يدها، فسألها بجدية: _مشيرة بجد إيه اللي جابك؟ ابتسمت قبل أن تخبره: _مش جايز وحشتني؟ نظر إليها باستغراب،

فصححت حديثها على الفور: _أقصد أنت وعمار وحشتوني. وبعدين ما أنت عارف أنا اتعودت على وجودكم معايا. زفر عمار يتنهد بغضب: _الأسطوانة المشروخة. مسح ياسين على وجهه بضيق، يطالعه قائلاً: _استنى أنت يا عمار. هز عمار رأسه بالإيجاب، فنطق ياسين مما جعلها تصمت: _وعشان وحشتك تيجي تقولي إنك مراتي؟ أجابته بابتسامة عريضة:

_أنا قولت كده عشان خاطر عمار. أنا عارفة إنه هيضايق لو شمس قربت منك، لكن لو عرفت إنك متجوز أو في حد على الأقل في حياتك، هتبعد عنك ومش هتفكر فيك. رفع ياسين حاجبه بغيظ وهو يسألها: _ومين قالك إنها بتفكر فيا؟ نظر عمار عينيه ولم يقل سوى بضع كلمات: _حتى لو مابتفكرش، ادينا بنعمل حسابنا. انتبهت مشيرة إلى ملامح ياسين الذي حدثها برفق: _أنا شايف يا مشيرة إن مكانش لازم تيجي. فقاطع عمار جملته:

_بس أنا شايف إنها كان لازم تيجي ووجودها كان ضروري. وإنها قالت إنك متجوز ده يشفعلها أي شيء عملته قبل كده، ولا أنت كان في دماغك حاجة تانية؟ استغرب ياسين قوله، فتابع: _حاجة زي إيه؟ أنت مش هتبطل بقى؟ وطالما مبسوط إن مشيرة جت عشان قالت إنها مراتي، أنا كمان مابقاش عندي مانع في وجودها، مع إني من غيرها أو بيها أنا كنت راجع. فرد عمار بتهكم:

ابتسمت مشيرة، فكلماته انتزعت جزء من مخاوفها وعلمت أن ما دبرت له قد نجح ووافق عمار على وجودها بينهما. أفاقت مشيرة من ذكرياتها مما حدث أمس، فأمسكت بالهاتف تقرأ له ما بعثه إليها كمال شقيقها:

_اسمعيني كويس يا مشيرة، أنا عارف إنك بتحبي ياسين وإنه جدع وكويس ووقف معاكي كتير طول السنين اللي فاتت دي، ولولا وقفته جنبنا ما كنتيش عرفتي تاخدي حقك ولا كنتي شغلتِ شركات جوزك الله يرحمه. بس ياسين مريض نفسي وقربك منه بيؤذيكي أنتِ نفسك. دكتورة نفسية ولحد الآن مش عارفة تعالجيه، وبالعكس حالته بتسوء أكتر. أنا لولا عجزي وإني عاجز مابتحركش من على الكرسي، كنت وقفت معاكي قدام أهل جوزك، بس ما باليد حيلة. أنا خايف عليكي يا مشيرة.

اعترضت مسرعة ترد على رسالته: _أنا عمري ما هسيب ياسين يا كمال إلا لما يرجع معايا وهعرف إزاي أرجعه. أنا ما أقدرش أعيش من غيره وأنت عارف كده كويس. أنا بحبه والحب من سماته التضحية. أنا لو واثقة ولو واحد في المية إن لو قرب من شمس هيبقى كويس وعمار مش هيأذيه، كنت أول واحدة هشجعه إنه يقرب منها ويبقى معاها في يوم. طرقت زهرة الباب قائلة: _مشيرة اصحي يلا الفطار جاهز. تركت مشيرة الهاتف من يدها وهي تقول: _حاضر أنا جاية يا زهرة.

تركت زهرة الباب تستكمل ما كانت تفعله، وهو تحضير سفرة الإفطار للجميع. فوجدت الطبيب أمامها يحادثها بلطف كعادته: _إيه النشاط ده كله يا زهرتي؟ إيه اللي مصحيكي بدري أوي كده؟ لأ وكمان محضرة الفطار؟ قال جملته بعدما أخذ قطعة من الخيار الموجودة على السفرة وضعها بداخل فمه، فنطقت هي بابتسامة عريضة: _أنت ناسي إن النهارده الجمعة، وعادي يعني حاسة إني مبسوطة النهاردة قولت أقوم وأحضرلكم أحلى فطار. فتابعت حديثها

وهي تسأل عن ياسين برضا: _أومال ياسين فين؟ روح نادي ياسين يا علي عشان يفطر معانا، أنا صحيت مشيرة وداخلة أصحي الباقي. ضم الطبيب حاجبيه باستغراب، فأمسكها من مرفقها بلطف يضمها إلى صدره بحنان: _إيه الرضا ده كله؟ أنتِ راضية عن ياسين كده ليه؟ مش ده اللي كان من يومين مكنتيش عايزاه يقعد؟ دلوقتي صاحية وبتحضريله الفطار؟ فجاوبته بابتسامة: _يــــاه يا علي أنت لسه فاكر؟

وبعدين ياسين طلع خاطب وهيتجوز وحبيت خطيبته أوي، ربنا يهنيهم ببعض. غمز الطبيب بطرف عينيه إليها قائلاً: _زي ما أنا متهني بيكي كده. لم تعلم ماذا تقول، فابتسمت بحرج وسألته قائلة: _بجد يا علي مبسوط معايا؟ أنا ما عنديش غيرك أتبسط معاه يا زهرة. أنا دلوقتي بس فهمت كنتِ عايزة ياسين يمشي ليه، بس أحب أقولك اطمني، ياسين راجع وشمس مش في دماغه خالص. فقالت بلهفة والابتسامة تغزو ملامحها:

_بجد يا علي يعني ياسين مابقاش يفكر في شمس خالص؟ فجاوب بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب: _أيوه يا زهرة. فأمسكت بكف يده تجذبه خلفها: _طيب يلا بقى عشان أنا عملالك فطير مشلتت هتاكل صوابعك وراه.

تستطيع أن ترى المكان الذي اعتادت "عائلة الصاوي" الإفطار فيه. الخالة حكيمة تتوسط السفرة وعلى جانبها الأيمن كلاً من مارال وسارة وشمس وزهرة وميرا وغدير. وعلى الجانب الآخر هم الرجال رعد والطبيب وبربروس ويزن. خرجت مشيرة لتجلس على المقعد الفارغ أمامها، فنهتها الخالة عن فعل ذلك بحزم: _لاء ماتقعديش هنا، ده مكان ياسين. سيبته فاضي السنين دي كلها، محدش يقدر يقعد عليه غيره. شعرت مشيرة بالإحراج واحمرت وجنتيها خجلاً، فتأسفت قائلة:

_أنا آسفة، مكنتش أعرف. جاء ياسين من خلفها بعدما نزع طاقية جاكيته الجلدي من على رأسه، يحثها على الجلوس: _اقعدي يا مشيرة، أنا مش هاكل. التقت نظرات ياسين والخالة، لم تكن نظرات عادية، فأردفت الخالة: _بس أنا قولت مافيش حد هيقعد على الكرسي ده غيرك يا ولدي، حتى لو مش هتاكل، على الأقل تقعد وسطنا. ابتلعت مشيرة ريقها، فنظرت بجوارها لتجد مقعداً فارغاً: _خلاص يا ياسين مش مشكلة، أنا هقعد هنا.

جلست مشيرة بجانب الرجال على المقعد الفارغ. كررت الخالة طلبها بنبرة ظهر فيها جيداً أن الصبر لديها انتهى: _اقعد يا ولدي، خلينا كلنا نتلم على سفرة واحدة في بيت الصاوي الكبير من جديد. جلس ياسين وهو يتنهد سائلاً عن حسان: _أومال فين حسان؟ هو الوحيد اللي مش موجود. فأجابه الطبيب: _حسان في الأرض من الصبح بدري، شوفته وهو بياخد الكتب بتاعته وبيذاكر في وسط الأرض، مابيرتاحش غير وهو جواها. قال ياسين بضحكة منتصرة: _المهم إنه يذاكر.

بدأت الخالة بمد كف يدها تقطع الفطير وهي تقول: _كلوا يا ولاد، سموا الله الأول قبل ما تاكلوا. كانت نظرات شمس لياسين نظرات تحتوي من الارتباك ما يكفي، تراقب تحركاته بحذر. وهو الآخر كان ينظر لها بنفس الحذر، كان بداخلها أسئلة كثيرة، ولكنها لاحظت نظرات والدتها لها، فنظرت أمامها على الفور. فأخذ رعد قطعة من الفطير بعدما وضع عليه العسل الأسود، يطالع الخالة باهتمام: _أنا قررت إني هسافر يا خالة، وهرجع لداغر ألمانيا. ضمت

الخالة حاجبيها باستغراب: _ليه يا ولدي؟ حصل إيه عشان تسيبنا وتسافر؟ فابتسمت ميرا بامتنان على خوف الخالة بأن يبتعدوا عنها، فردت بابتسامة بسيطة: _ماتقلقيش يا خالة، إحنا مش هنروح نقعد على طول، هي بس فترة الشتا اللي داخل علينا ده مش أكتر. رعد ناوي يبيع كل ممتلكاته هناك في ألمانيا عشان نرجع ونكبر المشروع هنا مع يزن. استكمل رعد حديث ميرا:

_أنا بقالي فترة مابروحش غير في الإجازة أزور داغر وهدير، أقعد أسبوع بالكتير وأرجع. والقصر قاعد محدش بيدخله، أنا أولى بفلوسه. وكمان قررنا على شيء أنا وميرا هنعمله. ابتسمت ميرا عند قوله هذا، فقالت بابتسامة واسعة: _أنا قررت أنا ورعد نتبنى طفل من هناك وهنربيه هنا. فسألت مشيرة بجدية وعدم فهم: _ليه؟ هو إنتوا ماتخلفوش؟ تبادل الجميع النظرات، فحك ياسين جبينه قائلاً: _آه، العيب مني أنا، عشان كده هما مابيخلفوش. فابتسم رعد وأجاب

على سؤالها بلطف يبرر: _آه فعلاً، أنا ما بخلفش عشان كده قررنا نتبنى طفل. تبادلت ميرا ومشيرة النظرات في صمت، فقطعت مشيرة الصمت قائلة: _أنا آسفة لو كنت سألت سؤال ضايقك يا ميرا. ابتلعت ميرا ريقها وكأنها غصة مريرة في حلقها قائلة: _لا أبداً، محصلش حاجة. "وناويين تسافروا امتى إن شاء الله؟ كان هذا سؤال الخالة الذي وجهته لرعد، فأجاب على الفور دون تردد: _النهاردة بالليل إن شاء الله. فنطقت سارة مسرعة: _على طول كده؟

إنتوا كده مش هتحضروا فرحي أنا ويزن؟ "مش هو اتأجل شهر واحد بس يا خالة؟ _أيوه يا بتي. فابتسمت ميرا قائلة: _ماتقلقيش، في خلال الشهر ده أكون خلصت شوية حاجات. وأول ما تتفقوا على معاد الفرح هاجي على طول ونبقى نرجع تاني نخلص حاجتنا. فأردف بربروس: _تذهب وتأتي بألف سلامة يا رعد. "حبيبي يا بربروس." "وايه أخبار داغر عمل العملية ولا لأ؟ كان هذا سؤال ياسين، فأردف يزن يقول:

_للأسف حاول يعملها بس مانجحتش ومحاولش يعمل عملية تاني، ودلوقتي عايش هو وهدير في سلام نفسي بعد كل اللي حصلنا. فسألت مشيرة مستفسرة: _ليه؟ هو إيه اللي حصلكم؟ من الواضح بأنها لا تعلم شيئاً عن حياة ياسين وتحاول معرفة المزيد عنه. فرد ياسين بتهكم: _مش وقته يا مشيرة، هبقى أحكيلك بعدين. فأكملت الخالة حديثها لغدير: _وطبعاً، عروستنا الصغيرة هتفضل معانا. فأجابت تدعم كلامها: _أكيد طبعاً، أنا قدمت الكلية بتاعتي هنا يا خالة.

فاعترض رعد بقوله: _أيوه فقطاعته الخالة: _بس إيه يا رعد؟ ماتقلقش على غدير، غدير هشيلها في عنيا. وبعدين طول العشر سنين اللي فاتوا ما كانت بتيجي كل إجازة وتقضي معانا هنا في القرية إجازتها كلها، وأنت بتبقى في مصر أنت وميرا، يعني مش أول مرة. أنا ربيتها هي وحسان سوا، سيبها واتكل أنت على الله، أنا عارفة إن غدير متعلقة بينا وبالقرية.

انصاع رعد إلى أوامر الخالة، فنظر بربروس إلى ساعته باستعجال ليجد أن الوقت مر سريعاً. فخطبة الجمعة ما تبقى عليها سوى القليل، فنهض مسرعاً يردد بقوله: _اللعنة! لقد مر الوقت سريعاً. هيا فاللّٰه ينادينا لنلبي نداءه جميعاً. كان في حيرة من أمره يتذكر ما حدث له بالأمس، يرى أمامه عيون ياسين التي تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. فأخذ يسرد ما رآه إلى الظابط أحمد، فقال بتهكم: _أنت ليه مش قادر تصدقني؟

والله العظيم إن ده حصل. يابني آدم بقولك عيونه اتحولت للون الأحمر، عينه كانت عاملة زي عيون الشياطين. أنا كنت حاسس من الأول إن العيلة دي فيها حاجة مش طبيعية، من أول ما رجعوا القرية وشوفت جثث بني آدمين اتحولت لذئاب، بقالي سنين بدور وراهم مش عارف أمسك دليل واحد ضدهم. فابتسم الضابط أحمد على قوله: _عايز تقول إنهم أعوذ بالله عفاريت؟ أشار برأسه بالنفي، يشاور بإصبعه:

_لاء، هما مش عفاريت، بس عينيه، عينيه بس هي اللي زي الشياطين. قال أحمد بنفاذ صبر: _هنرجع للتخاريف دي تاني. ضرب بيده على المكتب بعنف: _أنت ليه مش عايز تصدقني؟ انتزع الكاب من على رأسه وهو يقول: عشان ده مش كلام ناس عاقلين أبداً، وصدقني نكشك وراهم مالهوش أي فايدة، هتتعب روحك على الفاضي.

خرج الجميع من المسجد بعد خطبة الجمعة، يرتدون الملابس البيضاء. الأطفال تركض أمامهم بين الغطيان الخضراء، يضحكون بسعادة ومرح. أصوات ضحكاتهم تملأ المكان، فقرية الصاوي يسودها الحب بكل مكان وبقلوب سكانها. اقترب يزن من ياسين فسار بجواره: _أنا هرجع مصر قريب، طالما الفرح اتأجل وكنت عايزك معايا الأيام اللي جايه في المعرض بتاعي، إيه رأيك يا ياسين؟ فأجابه ياسين بسؤال وهو يطالعه بعينيه: _بذمتك مش أمي هي اللي طلبت منك تقولي كده؟

حاول يزن الهروب بعينيه من نظرات ياسين، فاكمل ياسين حديثه: _عينيك قالت إجابة سؤالي. أنا عارف ليه أمي بتعمل كده، عايزه تربطني هنا، عايزه تخليني جنبها. "وايه المشكلة يا ياسين؟ مش كفاية غربة لحد كده؟ الخالة صحتها في النازل، وعلي لوحده مش هيقدر يمشي القرية زي ما ماشية دلوقتي. هي محتاجاك تكون هنا جنبها، من حقها يا ياسين إنك تبقى جنبها." فرد عليه وكانت إجابته قاطعة:

_للأسف، كلها يومين بالكتير وهاخد مشيرة وأرجع مطرح ما كنت يا يزن. أنا ما كنتش ناوي أقول لحد إلا وقت السفر. ورقمي أديك عارفه، أول ما تنوي ابعتلي هتلاقيني جيت على طول. "يعني مافيش فايدة يا ياسين؟ ابتسم ثم أردف: _سيبني على راحتي. تمر الساعات سريعاً، فيجهز كلاً من رعد وميرا حقيبتهما استعداداً للمغادرة. فأعطت الخالة مفاتيح السيارة إلى ياسين: _خد يا ياسين وصلهم للقطر يا ولدي. أشار ياسين برأسه بالموافقة، فصعد إلى السيارة.

ذهبت سارة خلف ميرا: _هتوحشيني يا ميرا. ضمتها ميرا وأخذتها بين أحضانها: _أنتِ أكتر يا سارة. وعلى دون غرة شعرت سارة بدوار مفاجئ، وضعت يدها على جبينها، فاهتزت الأرض من حولها. أمسك بها يزن لكي يسندها حتى لا تفقد توازنها وجلست على المقعد خلفها. سألها والخوف يملأ عينيه: _سارة مالك فيكي إيه؟ حاسة بإيه؟ حاولت أن تستجمع نفسها قليلاً وهي تبلع ريقها: _ماتقلقش عليا يا يزن، شوية صداع ودوخة بييجوا مرة واحدة وبيروحوا لحالهم.

فقالت الخالة بإصرار: _قومي، قومي روحي مع ياسين يوصل ميرا ورعد وتفوتي على المستشفى. _مش وقته يا خالة. فاعترض يزن على ما قالته سارة: _ومش وقته ليه يا سارة؟ قومي تعالي معايا. أمرت الخالة شمس قائلة: _روحي معاها يا شمس، ماتسيبيهاش لوحدها يا بتي. نظر شمس ياسين الواقف أمامها، فهرب بنظره قائلاً: _أنا هستناكم بره. كان حسان يجلس بمكانه المفضل، المقرب بقلبه وهو بقلب الغيطان، فأتى إليه فريد يقترب منه ببطء يتصنع البسمة قائلاً:

_شد حيلك يا بطل، سمعت إنك هتدخل الملاحق، مع إن والله ما ليها لازمة، هتطلع إيه يعني في الآخر؟ كلها محصلة بعضها. قام واستقام ينظر له باستغراب: _قول كده للدكتور علي وعم ياسين. رفع حاجبه واقترب من حسان واضعاً ذراعه على كتفه قائلاً: _عم ياسين؟ ليه هو عنده كام سنة؟ ارتبك حسان يبلع ريقه ببطء قائلاً: _يعني نص التلاتينات كده. أشار فريد بيده: _غريبة، مع إن شكله أصغر من كده. الا قولي هو ياسين أكبر ولا دكتور علي؟ فأجاب قائلاً:

_لاء، دكتور علي. جلس فريد يربع قدميه على الأرضية، فأشار بيده لحسان بأن يجلس بجواره: _الا قولي يا حسان، إنتوا إيه حكاية الذئاب معاكم؟ ردد حسان كلمته بارتباك: _الذئاب؟ نظر إليه فريد والشر يتطاير من عينيه: _اسمع يا حسان، أنت هتحكيلي حالا كل حاجة عن عيلتكم وأصلها وفصلها وياسين ده جنسه إيه؟ فاهمني يا حسان؟ كل شيء. أشار حسان بالموافقة والرعب يدب بقلبه من نظراته له.

هما الآن بالمستشفى بعدما أوصلوا ميرا ورعد إلى القطار المتوجه إلى أسيوط. يقف كلاً من ياسين وشمس أمام بعضهما البعض، يسند كل منهما ظهره على الحائط بانتظار خروج سارة من غرفة الطبيب هي ويزن. تبادلا النظرات القلقة لثواني معدودة، فقطع هو تلك النظرات بنطقه حروف اسمها: _شمس. اقترب منها يقف بجوارها يحاول أن يبرر لها ما حدث هذا الصباح، فطالعته باهتمام. وقبل أن يبدأ حديثه، خرج كلاً من سارة ويزن من غرفة الطبيب.

أسرعت شمس إلى سارة سائلة: _إيه؟ قالو لكم إيه؟ فأجاب يزن وهو يقبض الروشتة بكف يده: _ماقالش، بس طلب نعمل أشعة على المخ في الدور اللي فوق. هنا لمعت عين شمس، أخذت الروشتة تدقق بها: _دي أشعة بالصبغة على المخ، مقالكش ليه؟ شعرت سارة بالدوار مرة أخرى، فأسندها يزن بذراعيه: _لاء مقالش. أنا لازم أطلع بيها بسرعة. الظاهر إننا هنطول. لو حابين تروحوا روحوا انتوا بدل ما تفضلوا مستنيين. فأجاب كلاهما بالرفض في نفس واحد: _أكيد لاء.

فسكت كلاهما، فبدأ ياسين بالحديث. صعدوا جميعاً للأعلى، فطلب منهم الممرض أن يبقى مع المريض شخص واحد فقط، فلا داعي للباقي. ذهب يزن معها على الفور وانتظروا هم بالخارج. شعرت شمس ببعض البرودة من المكيف، فأشار لها ياسين بعينيه: _تحبي نستنى في العربية؟ أشارت برأسها بالموافقة: _ياريت، المكيف هنا عالي أوي. مضى الوقت سريعاً، لم ينتظر يزن حتى يذهب إلى الطبيب مرة أخرى بالأشعة، فسأل الطبيب المسؤول عن الأشعة بما يوجد بها،

فأجابه الطبيب بكل أسف: _للأسف، عندها كانسر في المخ وفي مرحلته التانية. ردد كلمته بانهيار تام بعينيه والصدمة تعتلي وجهه: _كانسر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...