الفصل 88 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
19
كلمة
5,829
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

"متى يستريح القلب، فوالله قد هلك." تلك اللحظة، اللحظة التي نزفت بها القلوب دماً. تعالت الصرخات، صرخات ما بين الحياة والموت، صرخات تدل على حياة أحدهم، وصرخة أخرى تدل على فقد حياة أحدهم. "يــــــــاما." ظل يصرخ، صرخته كصرخة يعقوب عندما فقد يوسف ابنه. كلمة من أربع حروف، صرخات متتالية، حروف بسيطة كونت كلمة رجت أركان القلوب. "يا حسرة قلبك على ابنك يا بني."

هذه كانت جملة الخالة عندما سمعت صرخته النابعة من قلبه بصدق. بضع كلمات صغيرة خرجت من بين شفتي الخالة عند سماع صرخته. انتظرت سنوات كثيرة لسماعه يردد كلمة "ياما" من جديد، ولكن حينما لفظ بما كانت تتمنى، قالها كصرخة ليعبر عما بداخله، عما يشعر به. فكان يشعر بفقدان روحه في الحرب، وبالفعل فقدها. ألم وحزن يسيطر على كل أنحاء جسده الآن. تجمع الجميع من حوله، تعتلي وجوههم الصدمة مما يشاهدونه.

الجميع بلا استثناء، حتى هدير وهي تحمل مولودها بين أحضانها، فقد رجت صرخة "ياسين" الأجواء رجا. نظر "يزن" إلى جثمان صديقه، تجمد جسده تلك اللحظة. جثا على ركبتيه، لم تتحمله قدماه عند رؤية جثمان نصفه الآخر، ففي هذه اللحظة شعر بأنه فقد قطعة من روحه. شعور لا يوصف. لحظات تمر على الجميع وكأن الوقت تجمد.

عند رؤيته بتلك المنظر، قلبه بجانب جثمانه. حاول "يزن" التقرب من جثمان صاحب عمره ورفيق دربه، ولكن "ياسين" منعه وضمه بداخل صدره بقوة. تنهمر الدموع بغزارة من عينيه على وليده. صاح "يزن" وأصبح جسده يرتعد. لم يستطع التفكير في أي شيء، وقد أصبح العالم كله باللون الأسود القاتم أمامه، فأنها حقا أصبحت كـ "الليلة السوداء".

كانت "شمس" تأمل رده، تتمنى لو نطق بكلمة واحدة فقط. كانت تصرخ بهيسترية. لم يتحملها جسدها، فأسندتها "ميرا" قبل أن تفقد وعيها وأخذتها إلى غرفة "ياسين". أما عن "مارال"، فهذه المرة الثانية التي تفقد بها شقيقها. ظلت تنادي عليه باسمه، تصرخ به. لم يستوعب عقل أحد منهم بأنه فقد حياته للتو. شاب في الرابعة والعشرون من عمره قد فقد روحه. نظرت "الخالة حكيمة" إلى "ياسين" وهو يتشبث بأبنه داخل صدره، يريد أن يضمه بين ضلوعه أكثر. جلست أمامه تحاول أن تهون عليه ولو لقليل، ولكن كيف؟

هل من شيء يستطيع أن يهون عليه الآن؟ نظر لها "ياسين" وهو يرى معالم الزمن تعود إلى ملامحها الآن، والعجز والكبر ينحت ملامحها من جديد. نطق بنبرة جامدة وكأنها فقدت الحياة بعد أن غادر الجسد روحه. فطاوعه لسانه بعد مجهود منه أخيرًا، وهو يحتضن أبنه قائلا: _أنت كنتي عارفة، كنتي عارفة أن عمار ابني وماقولتليش. حاولت أن تنطق، أن تبرر له، ولكن أشاح بنظره عنها وأخذ يطالع "الطبيب" ناطقا:

_أنت كمان يا "علي"، كنت عارف أنه ابني اللي بدور عليه سنين وماقولتليش. ابتلع "الطبيب" ريقه والدموع تلمع في عينيه ونظر إلى الأرضية. ابتسم "ياسين" ابتسامة مكسورة، كاد أن يفقد عقله ونظر إلى جثمان أبنه الذي يحتضنه، وكأن شخص آخر يحادثه. قال بثبات وعيونه مصطدمة بعينين "الخالة" اللامعتين: _أنا ماشي. هما ما سوى إلا كلمتان، ولكن معناهما كبير. كيف يغادر بهذه السرعة؟ حتى قبل أن يدفن أبنه، كيف له بهذا الثبات؟

استغرب الجميع من ردت فعله. ترك جثمان "عمار" أرضا، وقف واستقام. فذهب "يزن" إليه في الحال يحتضن جثمانه ويضمه إلى صدره. رفع رأسه ينظر إلى "ياسين" والدموع تملأ عينيه بغزارة. هز رأسه بأنكار، رافض أن يصدق ما قاله "ياسين" منذ قليل. استجمع كلماته أخيرًا، ينطق بصرخة نابعة من قلبه: _كان هيدور عليك، كان متفق معايا بعد المعركة يدور على أبوه الحقيقي. كان فاكرك تستاهل، لكن أنت عمرك ما أستاهلت أن يكون عندك أبن زيه.

كررها "ياسين" بأصرار وهو ينظر حوله بأصرار، لعله يجد الملجأ. ردد كلماته مرة ثانية وهو ينظر إلى الفراغ أمامه: _أنا ماشي. وكأنه لم يسمع شيئا مما قاله "يزن" للتو. ابتسم للفراغ أمامه ببريق يلمع بعينيه. أختفى بلحظات من وسط الجميع. نظر "بربروس" له بعدما عقد حاجبيه. لم يصدق أحدا منهم ما حدث للتو، فقد غادر بالفعل ورحل عنهم جميعا.

ظهر من العدم ضابط شرطة جديد بالقرية، يرفع سلاحه بوجههم جميعا. يرى دماء بكل مكان وأجساد مقطوعة الرأس. دماؤهم تغطي القرية. يسألهم بصوت مرتفع ويشهر السلاح بوجوههم: اي اللي بيحصل هنا ده؟ نظر الجميع إليه في صمت تام، لا أحد يستطيع التحدث بوجود "الخالة". وفي ثواني معدودة، أصبحوا محاصرين من كل مكان. العساكر والضباط رافعين أسلحتهم عليهم. يرون نساء وامرأة عجوز وطفل رضيع ورجل أعمى.

مستسلمين تماما. حول جثمان "عمار". أخذت صرخات سارة ومارال تعلو أكثر فأكثر. أوقفت تلك الصرخات "الخالة" بعدما أمسكت بعصا خشبية وجدتها بجانبها لتتكىء عليها من جديد: _بــــــس، رجالة الصاوي مايتبكيش عليها. ليأتي من خلفهم ضابط آخر مسؤول عن أمن المحافظة: _في ايه ياخاله حصل ايه هنا؟ طالعته "الخالة" بحذر: انت تعرفني ياولدي. فرد عليها بيقين:

_ومين مايعرفش "الخاله حكيمه". القرية كلها تعرفك يا "خاله"، ومين الجثة دي ياخاله والذئاب اللي بره دي كلها بتاعت ايه؟ ودخلوا امتى القرية؟ صمت الجميع ولم ينطق أحد. ظل ينظر إليهم باستغراب حتى تحدث من خلفه الضابط "فريد"، ينظر للكل بحيرة مما يحدث ناطقا: _ذئاب ايه يا احمد باشا دي كلها جثث بني ادمين. استغرب الضابط "احمد" والعساكر مما يقوله الضابط "فريد".

وعم الصمت الأجواء، فلا أحد ينطق بحرف، فقط يذرفون الدموع وهم ينظرون إلى جثمان "عمار" أمامهم. فنطق الضابط "فريد" قائلا: _اه، هي بقت كده طيب لملي يابني الناس دي كلها على البوكس. أمسكت "الخالة حكيمة" معصمه بقوة ونظرت للضابط "فريد" بتحدي قائلة: _عندنا ميتم، الميتم بتاعنا يخلص الأول وبعد كده تعمل اللي تعمله. محدش هيتحرك من هنا. وطالما صاحبك عارفني فهيبقى عارف أن كلمتي بتمشي على الكبير قبل الصغير.

عقد حاجبيه باستغراب وأخذ يطالعها باحتقار. فأمسك به الضابط "أحمد" حتى يهدأ من روعه: _اهدى يافريد باشا دول عيلة الصاوي ورجعت قريتها من جديد ومافيش جثث غير جثة الشاب ده مش أكتر. وباين ان الذئاب دي هي اللى موته واللي من الواضح برضوا عليهم أنهم هيموتوا عليه. فأرجوك اهدى شويه واحنا هنعرف من "الخاله" كل حاجه. أرجوك اتفضل معايا بره. نظر الجميع بكره إلى ذاك الضابط المتعجرف. فنظر "احمد" إلى "الخاله حكيمه" قائلا:

مستنيين حد من طرفك يا "خاله حكيمه" نعرف منه اي اللي حصل بالظبط. انتزع الضابط "فريد" معصم يده من "الخاله" بقوة. يحاول الضابط "احمد" اخراجه. فنطق وهو يقف أمام المنزل: انت عايز تجنني مكانش فيه ذئاب بقولك انا اول واحد حضر هنا قبلكم بحكم انى كنت قريب من المكان لما الاخبريه جاتلي انا لاقيتهم كلهم كانوا بني ادمين مش ذئاب.

نظر الضابط "احمد" من حوله فلم يجد سوى ذئاب فقط. صك الضابط "فريد" على أسنانه وقد تملكت الحيرة منه، فقد تحولت كل الجثث إلى ذئاب بالفعل. كاد أن يفقد صوابه حتى وجد من تنطلق كالسهم هاربة من المنزل وهي تردد اسمه "عمار" من بين شفتيها بكل مكان، فاقدة لصوابها، الدموع تنزل على وجنتيها بهيستريا. لقد لفظ أخر انفاسه أمامها. كادت أن تتعركل به. لحق بها الضابط "فريد" وأمسك بها وهي تكرر بعيون دامعة:

عمــار، أهو بخير، أرجوك، أخبرني، عمـــار بخير؟ نظر لها وهي بين يديه يراها تفقد وعيها من جديد. تأتي "ميرا" من خلفها: _شمس، شمس تعالي هنا رايحه فين؟ نظرت "ميرا" إلى "فريد" وهو يطالع "شمس". كانت حاله "شمس" يرثى لها. رمقته "ميرا" بعيون زائغه ولجأت بقول: _أصل عمار يبقى خطيبها والذئاب اتلمت عليه وموتته. أخذتها "ميرا" من بين يديه وهي تسندها. فلحقها هو بلهفه يقطع الطريق أمامها وقد حسم بقوله: _أنتي متأكده أنهم ذئاب؟

أشارت "ميرا" رأسها بالأيجاب. فأشار هو بعينيه على "شمس" بتساؤل: _ومتأكده أن دي بشر زينا مش ملاك. استغرب الضابط "احمد" من سؤاله. فتنهدت "ميرا" بغيظ وتركته ورحلت. ينظر لها هو وهي تبتعد عنه. ابتسم ابتسامة رضا على شفتيه. فأشار الضابط "احمد" بكف يده أمام وجهه: _أيه، روحت فين؟ افاق من شروده والبسمة تملؤ وجهه: _أنت شوفت اللي انا شوفته.

اه، شوفت بس دي من عيله الصاوى، يعني هعمل نفسي أني ماشوفتش. ما أنت معذور لسه جديد هنا وماتعرفش يعني ايه عيله الصاوي. رد عليه والفضول يقتله: _مش فاهم برضوا يعني ايه عيله الصاوي اللي ماسكلي فيها دي يااحمد كل شويه. استدار وصعد إلى سيارته وهو يسترسل حديثه: _تعالى، اركب ولما نرجع المركز هحكيلك واعرفك يعني أيه عيله الصاوي. نطقت "الخاله" بوجع ينهش قلبها: خد مرتك وادخل ياداغر خليها ترتاح، مرتك لسه نفسه محتاجه ترتاح.

حاولت "هدير" ان تطبطب على رضيعها والدموع في عينيها وهي تقول: ماتقلقيش عليا يا "خاله" انا. قاطعتها الخاله: خد مرتك ياداغر. أمسك داغر بهدير دون ان ينطق بحرف فالتعب تمكن منه هو أيضا، فكل أنش بجسده به. أثار أظافر "حسام". فالحرب كانت منهكة للجميع. استكملت الخاله حديثها وهي تنظر لـ "علي":

كل اللي اتبقى من عيله الصاوي يرجع القرية يا "علي" عندنا ميتم وهيدفن الليلة. عرف بقيت عيله الصاوي ان قريتنا رجعلتنا من جديد والكل بعد كده هيعيش فيها بأمان. كانت تلفظ كلماتها بثبات أمام الجميع، ولكن من داخلها وكأن سكين حاد ينهش في داخلها. أطبق الصمت على المكان فلم يستوعب أحد بأن ما يحدث حقيقة. فأتى رعد بقماشه عريضة بيضاء يغطي بها جسد "عمار". ولكن هناك من اعترض وارتفع صوته بحالة هيسترية واعصابه تالفه منه:

_لاء، لاء ماتقولوش انه هو كده مات. اكيد نقدر نعمل حاجه ونرجعه للحياة. أكيد مش هنستسلم. اقتربت "ساره" من "يزن" والدموع تنهمر على وجنتيها تحاول تهدئته: _يزن، كفايه يايزن سيبه. فنطقت الخاله تشير لـ "عز وشريف" بعينيها: _طلعوا "يزن" بره. أكرام الميت دفنه. عمـــار هيبات في تربته الليلة.

أمسك عز وشريف بيزن فحاول التملص منهم بعنف ولكنهم احكموا قبضته وأخذوه من أمام جثمانه. وذهبت "ساره" خلفهم. نظر بربروس الى مارال تلك الهادئة كانت تكور جسدها في ركن صغير بجسد مرتعش جالسه تنظر له. فأخذها هو وحملها على الخروج من ذلك المكان. بعد ساعات قليلة استطاع "الطبيب" اعادة عائلة "الصاوي" من جديد.

أتى الليل، وجاء معه الظلام القاتم. الظلام بكل مكان في القرية. يمسك الأهالي عصيان مشتعله بالنار حتى يستطيعوا الرؤيه في المقابر. لم يكن اليوم يوما عادي، فكان اليوم هو رحيل فقيدهم. لم يكن اليوم بيسير أبدا. قلوب محترقة على وليدهم. ظهر الأنهاك على كبيرهم قبل صغيرهم. معهم الجثمان الان يتجهون به إلى مقابر عائلة "الصاوي". تترأسهم حكيمه ويحمله من الأمام علي ويزن ومن الخلف داغر وبربروس ومن المنتصف رعد وعز وشريف. الأزدحام بكل

مكان. اصوات النساء بالخلف يتقدمهم الرجال يودعونه على أي حال. مازالوا يتوجهون إلى المقابر واصوات النحيب والصراخ تعلو اكثر وكلما اقتربوا من المقابر يعلو صوت صراخ النساء أكثر. تردد في ذهن "يزن" وهو يحمل نعشه اخر محادثه حدثت بينه وبين عمار قبل المعركه بساعات التي حملت صوته الضاحك

الذي يجبرك على الابتسام: بعد ما المعركه ما تخلص هتجوز انا وشمس وانت وساره في ليله واحده دي هتبقى ليله عسل. انتقل عقله الى لحظه اخرى سمعه يقول فيها: انت خنزير يلا... انا عمرى ما هسيبك يايزن الا على قبري. نزلت الدموع من عيني "يزن" رغما عنه، فاليوم نصفه الأخر رحل. وكأن عقله جمع له كل شىء الان فتذكر:

"يابني انت حاجه وحب شمس حاجه تانيه. حب الاخوه لين. العشق دايما بيبقي شديد. حب الاخوه بيبقى سهل بيبقي أجمل. حب العشق ساعات بيدخل جواه شكوك. حب الاخوه بيخليك مطمن ان مهما يحصل هتلاقي حد في ضهرك وسندك". فاق من ذكرياته على صوت "الخاله" قائلة: نزلوا النعش يارجاله.

وصلوا إلى القبر وأنزلوا النعش في لحظة مهيبة. أتت زهرة من الخلف وهي تهرول وكأن الموت يأتي خلفها. أتت ولم تصدق ماحدث عندما سمعت بالخبر. تشبثت بيد أبنتها وطالعتها بحب لتجدها لا تستطيع التحمل أكثر من ذلك. قدماها خانتها فأثنت ركبتها وجلست على الأرضية. أصبح التراب يملىء ملابسها. الرجال يتقدمون عنهم والنساء في الخلف. لا يوجد مكان خالي لقدم واحدة. الأزدحام رهيب. تقدم عز الى الأمام وكان هو اول من فتح بوابه القبر وأمسك

بجثمانه. هبط من بعده الطبيب يمسك به هو الأخر ووضعوه داخل قبره وسط صراخ العديد والبكاء عليه. الكل يبكي بلا استثناء. الكل تنهش القهر من قلوبهم. أغلق رعد البوابه أخيرا. ونزف قلب شمس مع أغلاق البوابه دما. مارال وقد اختلط وجهها بالدموع. من يراها يقسم بأنها فقدت شيء لا يعوض. أما عن بربروس فالدموع لمعت في عيناه وتأبى النزول. هول اللحظة كان مهيب. مهيب بالفعل. نظر بربروس إلى تلك اللوحه الرخاميه المحفور عليها أسمه "عمار ياسين

بن يزيد الصاوي".

من ٢٠ _١٩٩٩ الى ٢ _١٠ _٢٠٢٣ عمره قصير أليس كذلك ولكن أفعاله كبيرة لا تتسم مع صغر سنه. وجد "بربروس" لسانه ينطق من بين شفتيه والدموع تملىء عينينه: "خلت الديار من الذين أحبهم من بعد عمار فلست بالي".

بدأ "بربروس" بتلاوة سور من القرأن الكريم بصوته العذب. حاول أن يتمالك نفسه ولكن حزن قلبه أطغى على صوته. رفع يده إلى السماء يدعي بالأدعية المعتادة في مثل هذه الأمور وقراءة الفاتحة على روح فقيدهم "عمار". شكرتهم "الخالة" على سعيهم طلبت منهم الأنصراف حتى تقل الزحمة قليلا. فتبقى بالأخير أهله وناسه و "يزن" شقيقه فهو ليس فقط بصاحبه. جلس الجميع أمام القبر فنطق "يزن" قائلا بخشونة:

_انتوا زي ماتكونوا عايزين تخلصوا منه. أبوه وسابوه ومشي. وانتي ياخاله دفنتيه في لحظة كان ممكن نعمل حاجه عشان يرجع يعيش. نظر للجميع ومن ضمنهم شمس التي مازالت تبكي حتى جفت دموعها من على وجنتيها. فوجه حديثه إليها بخشونة: _بطلي عيــــــــاط. أشار بعينيه الى الخاله التي تكاد تقف بثبات بالرغم ما بها: _ما انقذتهوش ليه ياخاله؟ ردي عليا. قامت مارال واستقامت وهي تقبض حاجبيها باستغراب سائلة:

_هو انتي ياخاله كان ممكن تنقذيه وما أنقذتهوش؟ نظرت الخاله اليهم جميعا قائلة: هــــا، حد عنده اسئله تاني. ضغطت ساره على اسنانها تتكلم بحرص: أيوه، علي بيشوف المستقبل وطالما بيشوف المستقبل يبقى اكيد شاف موت عمار. نطق "الطبيب" سريعا يبرر موقفه: _ماحصلش. تكلم بنبرة متقطعة:

_اقصد، اقصد أيوه انا جاتلي رؤية وشوفتها وكنت عارف ان في حد فينا هيموت بس مكنتش اعرف مين. انا شوفت اللي بيحصل بينا دلوقت وان احنا واقفين في القبور وكان في تلاته مننا مش موجودين عمار وياسين وهدير بس مكنتش عارف مين فيهم اللي الموت هياخدوا من وسطنا ومكانش ينفع نوقف المعركه مهما حصل حتى لو انا او الخاله نفسها. المعركه كانت لازم تتم مهما حصل. انقبض حاجبي داغر وهو يقول: يعني كان في احتمال ان هدير تموت!!

ضغط على شفتيه بعدما حاول أن يلاخذ نفس عميق بعدما جاهد في سحبه: احنا داخلين المعركه وعارفين كلنا ان احتمال ماحدش فينا يرجع ياداغر مش هدير بس كلنا، وكلنا وافقنا على كده. قطعت كلامه الخاله:

اللي مات يبقي ابن ابني اللي ربيته ومافيش حد هيعزه هنا قدي. ولو في حاجه تتعمل ولو واحد في الميه عشان عمار يرجع يعيش كنت عملتها يا "يزن". شمس عارفه ومتأكده ان بعد ما اللعنه اتجددت حتى بموتها مش هتتفك تاني. كل حاجه انتهت. عمار وقلبه انخلع من جسمه ومافيش حاجه هترجعه ومافيش حد هنا يملك انه يرجعه. نظر عز الى الخاله سائلا: والأله اللي كانوا هيجيبوا بيها العبقري بدل ما نروح للمستقبل نروح للماضي. اشارت

الخاله برأسها بالموافقة:

موافقه، موافقه ياعز بس لو عرفنا نشغلها وعرفنا مكانها كده هنفقد اتنين اولا ميرا اللي لابسه السلسله لو اتقلعت من رقبتها في لحظه هتموت والتاني اللي هيدخل جوه الأله لازم يضحي بنفسه ويكون بني ادم مش مستذئب وهنرجع العربي يعيش وهترجع كل حاجه من جديد. وطالما غيرنا الماضي المستقبل كمان هيتغير بس المره دي العربي اللي هيكسب ومافيش قوه هتخليه يخسر تاني. اوعى تفتكر يايزن ولو للحظه مهما حبيت عمار هتحبه قدي. ده اعز الولد ولد الولد ياولدي.

في مركز الشرطه ينظر الضابط "فريد" من النافذه الحديديه يرى القرية تبث بها الحياه من جديد. أشخاص غريبه تعود إلى قريتها بعد زمن بعيد تسكن البيوت وتعمر الأرض البور. ابتلع ريقه بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه يضعه على المكتب ثم أشار بعينيه إلى الضابط "احمد": هو في ايه؟ ايه اللي بيحصل في القريه هنا ومين دول كلهم؟ انا جاي القرية مافيهاش صريخ ابن يومين اقضي سنه الخدمة بتاعتي في هدوء واتنقل ارجع بلدي كده مش هينفع.

ابتسم الضابط "احمد" والفرحة تملىء عينيه:

دول عيلة الصاوي رجعوا لديارهم من جديد. انا اوعى امي كانت بتحكيلي على العيلة دي وقد ايه هما عيلة كبيرة من زمان اوي. عيلة كان كبيرها اسمه "الصاوي" وكان بيحكم القرية هنا من قبل امي وجدتي كمان والولد البكري كانوا بيسموه ياسين يكبر ياسين ويخلف ولد يسميه برضوا ياسين عشان اسم ياسين يفضل في العيلة دايما ومايمحهوش الزمن وهكذا وكانوا بيحكموا الارض هنا بسلام والكل عايش فى هنا ونعيم. جد جدتي كانت بتحكي لجدتي وجدتي تحكي لجدتي

وهكذا. وفي واحد اسمه المهدي كان من بره عيلة الصاوي. الصاوي الكبير رضي يدخلوه وسطهم وبقى منهم وبيحكم معاهم دايما لحد ما جه الضبع وقـ ـتل المهدي وقدر يطلع عيلة الصاوي بره البلد ودخل ناس جديدة. بس الوحيدة اللي مطلعتش بره بعد موت المهدي والصاوي الكبير هي الخاله حكيمه كانت متمسكة بالبلد أوي. دخلت عائلات تانيه غير الصاوي البلد بأمر من الضبع وولده اللي برضوا كان اسمه ياسين. محدش كان يقدر يفتح عينه ويشوفوه. كانوا بيقولوا

عليهم شياطين مش بني ادمين. الضبع عاش مهما عاش في البلد هو وابنه بس محدش قدر يفتح عينه ويشوفهم في يوم.

ابتسم الضابط "فريد" وهي يضع لفه السيجاره في فمه: بالذمه مش مكسوف على نفسك وانت ظابط ملو هدومك وتؤمن بالتخاريف دي. ابتسم الظابط احمد قائلا: مش مصدق انت حر. وبعدين انت واحد هتقضي السنه بتاعتك هنا وترجع لحضن ابوك سيادة اللواء من جديد اللي جايبك هنا عشان يقول للكل انه مش بيفرق ما بين ابنه وظباط الشرطه التانيين وان كلنا واحد مع ان كلنا عارفين انه بيعمل كده عشان بيطمح انه يبقى وزير الداخليه في يوم.

ضرب بيده على المكتب بقوه: _وهيبقى وزير الداخليه قريب او بعيد هيبقى وماتنساش نفسك وانت بتتكلم على سياده اللواء حسين الدمنهوري والدي بعد كده. والتخاريف اللي بتقولها دي ماتدخلش دماغي بجنيه. نظر الظابط احمد الى الارضيه قائلا: انا اسف يافريد باشا الظاهر اني نسيت نفسي. تحدث "فريد" وعينه لا تفارق النافذه من جديد: _ماقولتليش يعني البت اللي معاهم اللي اسمها شمس دي وكانت بتجري ماتعرفش تقربلهم ايه. وقف خلفه يطالعه وهو يقول:

_لا والله معرفش بس طالما دخلت دار عيلة الصاوي تبقى منهم. عيلة الصاوي مابدخلش حد دارها بسهولة. القى بالولاعه وعلبه السجائر على مكتبه بزهق يحادث نفسه: انا متأكد اني اللي كانوا في الأرض دول ناس مش ذئاب ومش هسكت الا لما اجيب اخر الموضوع ده ايه والايام بينا ياعيلة الصاوي. هما الأن بغرفة نوم ياسين التى استحوذت عليها شمس بغيابه. جالسة على فراشه تحتضن الوسادة بين ذراعيها تنهمر الدموع منها. فجائت والدتها تجلس

بجوارها لتسألها عما حدث: _حصل ايه ياشمس؟ عمار ما ت ازاي أحكيلي انا امك فضفضى يابنتي ماتسكتيش كده ماتكتميش جواكي. سألتها بنبره باكيه فطالعتها هي بنظرات تعتلي وجهها علامة على الاستغراب. هل تسألها حقا؟ سؤال قاتم مخيف. ماذا حدث؟ هي نفسها لا تدري ماذا حدث، كيف أنقلبت الموازين هكذا؟ كيف انقلبت الآية بلحظة؟

كل ما تتذكره أنها تكاد تجزم أن "عمار" هو الذي انتصر. كان يقف أمامها يفعل ما بجهده كالعادة حتى ينتصر. أمسك بـ "العربي" من رقبته يحاول أن يسيطر عليه، ولكن بلحظة بسيطة تغير كل شيء عندما فقد "ياسين" تركيزه عندما شرد ذهنه قليلا وانخرط بداخل ذاكرته. ومن هنا تبدل كل شيء فأصبح "عمار" بقبضة "العربي" فقوته لا يستهان بها.

ظلت تنظر لوالدتها دون حديث. فلغة العيون أعظم وأكبر من أي حديث. فعيناها كانت تبوح بما بداخلها بكل شيء. ضمتها "زهرة" الى حضنها الدافي حتى تشعر بالأمان حتى لو قليل. شردت بـ "ياسين" وأخذت تسأل نفسها ألف سؤال. كيف له أن يتركهم ويرحل هكذا وبمنتهى البساطة؟ كيف طاوعه قلبه ترك ابنه دون أن يدفنه.

مرت الأيام اليوم تلو الأخر. الأيام تشبه بعضها البعض. كان الجميع يحاول الترابط ولكن دون جدوى. ذهب يزن لزيارة قبر عمار هو وسارة ليودعه للمرة الأخيرة. فنظر إلى اللوح الرخامي وكأنه يحادثه: مش هنساك ياصحبي، بس مش قادر اقعد هنا اكتر من كده. مش عارف اقعد في المنطقة اللي ادبحت فيها. انا راجع لشقتنا انا وانت عشان ريحتك فيها. استدار واعطاه ظهره. فنظرت ساره للوح قائلة: _مش هننساك ياعمار.

حاولت ان تمسك بيد يزن ولكنه انتزع يده من يدها وتركها ورحل. أخذ اغراضه من المنزل فأوقفته الخاله: _هتمشي وتسيبنا يايزن. استدار واعطاها ظهره يحاول ان يتمالك نفسه امامها: _اللي تسيب حفيدها يموت ماتستحقش ان يبقي حد حواليها. تنهدت الخاله وأشارت بعينيها الى ساره حتى تتبعه: _ماتسيبهوش ياساره. يزن مش في وعيه. بكره لما يهدى هيعرف ان مكانش بأيدي حيله. كانت تحتضن رضيعها الصغير تحاول ان تأخذ اغراضها بالحقيبه الخاصه بها.

وقفت امامه قائلة: _داغر احنا هنسمي ابننا امتى؟ عدى شهرين على موت عمار ولسه مانعرفش اسم ابننا ايه؟ ابتسم داغر وهو يحمل ابنه منها يقبله على جبينه بحب: هنسميه عمار، من اول ما عمار مات وانا قولت اني لازم اسميه عمار. ابتسمت هدير وهي تحمل حقيبتها بيدها: الله يرحمه وعندك حق عشان دايما اسم عمار يفضل وسطنا. فتح داغر باب غرفته ليجد الخاله بأنتظاره في الردهه: خلاص ماشي يا ابو عمار. ابتسم داغر للخاله قائلا:

مابقاش لينا مكان هنا ياخاله خلاص مهمتنا خلصت وأنت بنفسك قولتي اني محتاج اعيش في سلام عشان خاطر ابني اللي جاي. احتضنت الخاله الطفل الرضيع بين ذراعيها تنظر له بحب وبابتسامه رضا: _خللي بالك على عمار ياداغر وحطه في عنيك. رفع كتفيه وهو يقول: مش محتاجه توصيني ياخاله انا راجع المانيا اتمنى اشوفكم على خير. اشار لعز برأسه: يلا ياعز. جاء عز ومعه غرام وشريف: يلا ياداغر، هوصلك انا على المطار وارجع على القاهره.

هزت الخاله رأسها وتجمع الجميع حولها ما عادا شمس. فقالت الخاله: هتمشي ياعز. لازم ياخاله قعدتنا مابقاش ليها لزوم خلاص. احتضن الطبيب علي كلا من داغر وعز وشريف هو وبربروس. فجذبت الخاله غرام من ذراعها في ركن بعيد عنهم قائلة:

_سامحي ياغرام وعيشي يابتي شريف مظلوم زي ما انتي مظلومه بالظبط. مكانش في وعيه شريف عايز يسلم نفسه للبوليس ويعترف على نفسه انه اغتصبك. عارفه لو كان بوعيه وبكيفه كنت انا بنفسي اللي سلمته للشرطه. يابتي ماتخربيش على نفسك وعلى اللي هييجي في بطنك قريب. انقبض حاجب غرام وهي تسأل الخاله. فأشارت بأصبعها على بطنها واشارت بعينها على الطبيب علي: هو دكتور علي شاف. قاطعت كلامها الخاله وأشارت برأسها بالموافقة:

ايوه شاف قبل يوم المعركه انه هيعمل كده وانه أخد قراره. ولولا موت عمار كان زمانه مسلم نفسه. عيشي يابتي دي نصيحه الخاله ليكي. ابتسمت غرام فضمتها الخاله داخل صدرها. فأتت غدير لكى تأخذ نصيبها من حضن الخاله. فابتسمت الخاله لها وهي تحتضنها بقوه قائلة: هشوفك عن قريب ياغدير هتبقي بنيه كيف القمر. ابتسمت غدير قائلة: وهبقى احلى من شمس وهدير. قرصت على وجنتها بلين: هتبقي أحلى من البنات كلهم يابتي.

أخذت مارال تتبع عز وعائلته. فانتبه بربروس لما تفعله فانقبض قلبه واتبع خطواتها وجذبها من ذراعها. فاستدارت تطالعه بصمت. فبدأ هو بسؤالها: _الى أين يامارال؟ استتركينني؟ تنهدت تتجنب النظر الى عينيه تحاول أن تجمع كلماتها: _مابقاش ليا حد هنا يابيدقوس. عماي ومات. هقعد اعمل ايه؟ وماذا عنا؟ او ماذا عني؟ ابتلعت ريقها وهي تنظر للأرضيه: _ممكن السمكة تحب الطير بس هيعيشوا فين؟

أنا مش هتخلى عن ديني عشان ابقى معاك يابيدقوس مهما حصل. انا ياجعه لأخويا ماليش غييه دلوقت. سيبني امشي يابيدقوس مش هبقى ميتاحه هنا طول ما انا معاك بحس اني عامله حاجه غلط وانا مش عايزه اغلط في حق ديني في يوم. تركته ورحلت. اخذ هو يطالعها تبتعد عنه يقف مكانه لا يستطيع الحراك. شعر وكأنه يفقد روحه شيئا فشيئا ببطء شديد.

جائت ميرا تقترب من الخاله فطلبت منها الخاله وعد بألا تنزع القلاده عنها مهما حدث. فوافقت ميرا بحب وذهبت هي ورعد الى القاهره. عادت الى بلدها ولم تعد مع داغر مره أخرى الى المانيا. الكل رحل. الكل غادر المنزل. اصبح المنزل فارغ. ما بقى منه سوا الخاله وشمس وبربروس وزهره وعلي. لم تكن شمس تحيا معهم على الاطلاق. فكانت تجلس معظم نهارها مع "عمار" على قبره. فكانت كالحاضر كالغائب بهذا المنزل.

جلست الخاله بغرفة الجلوس تتكأ على عكازها بحذر تنظر الى زهره تسألها عن شمس: _شمس فين يازهره؟ فردت قائلة: _ما أنت عارفه ياخاله طول النهار بتبقى قاعده على قبر عمار مابتجيش الا والليل بيليل عليها. اشارت الخاله برأسها ثم قالت: عارفه مين اللي بعت اجيبه من اسيوط وكنتي بتسأليني عليه ليل نهار واقولك مش وقته. ابتسمت زهره بتساؤل: مين ياخاله؟ اتمني يكون حسان ابن اخوي. ابتسمت الخاله برضا وهي تشير برأسها دليل على الموافقة:

_ايوه هو. زمانه على وصول هييجي وهيتربى وسطنا. أنا كنت سيباه عند جماعه اعرفهم في اسيوط طيبين كنت مستنيه كل حاجه تبقى كويسه عشان ارجعه من جديد. ابتسمت زهره والبسمة كانت تملؤ وجهها فابتسم لها الطبيب على سعادتها.

مرت ايام اخرى وشهور أخرى. اهتم علي وبربروس كثيرا بالقرية. أصبح الجميع يعلم مكانه وأرضه. اصبحت الخاله تحكمهم من جديد. واصبح لديها حرس على أول القرية. انفصلت شمس عنهم تماما تجلس بجوار عمار ويكبر حسان بينهم. أصبح كأخ صغير لها فهي تكبره بستة أعوام فقط. كانت شمس تجلس كالعاده بجانب عمار. فظهر أمامها الظابط فريد من العدم يضع يده بجيبه ينظر لها بأعجاب شديد: _بقالك اربع شهور بتقعدي نفس القاعده ايه مابتزهقيش.

رجعت للخلف حتى اصطدم ظهرها باللوحه الرخاميه الخاصه بـ "عمار" سائلة ذاك الغريب الواقف أمامها بتهكم: _من أنت؟ جلس القرفصاء ليكون بمستوى جلستها ونظر الى عيناها قائلا: _سبحان من خلق عيونك الحلوه. ابتلعت ريقها وهي تردد: ماذا تريد؟ ابتسم هو يستغرب الطريقة التي يتحدث بها: _أنت بتتكلمي كده ليه؟ انت مش مصريه. فوقف امامه الطبيب علي بلحظه قائلا: _في حاجه ياحضره الظابط.

انفزع فريد مما حدث للتو فقد اتى الطبيب بلحظه لم يشعر به وهو يأتي من خلفه. فقال كلماته بتردد: _انا.. أنا بس كنت حابب أعرف محدش جه ليه المركز عشان تدلوا بالأفادة بتاعتكم. نظر له الطبيب باشمئزاز: واللي عايز يعرف حاجة يسأل بنات العيلة ولا يسأل رجالتها. عيلة الصاوي مالية القرية يا فريد بيه وريح روحك. إحنا روحنا أدلينا بأفادتنا وانت عارف مع الظابط أحمد. ابتلع ريقه، فكانت نظرات الطبيب لا تبشر بالخير أبداً.

فرجع للخلف بظهره وهو يقول: طيب يا دكتور علي، أسيبك أنا دلوقتي. فنطق الطبيب مسرعاً: يا ريت تسيبنا على طول وما أشوفكش تاني بتقرب من حريمنا في يوم. ده لمصلحتك. عاد الضابط فريد إلى المركز، يتمكن الغيظ من قلبه قائلاً بانزعاج: وحياة ديني ما أنا سايبه. نظر له الظابط أحمد بزهق بعدما أعطى الأمر للعسكري بالخروج:

أنا قلت لك مالكش دعوة بعيلة الصاوي، وشمس من عيلة الصاوي يا فريد باشا. ما تحاولش تقرب منها مرة تانية. عيلة الصاوي كل يوم شجرتهم بتكبر. _مش عليا. كانت هذه كلمته بعدما قالها بنبرة بها تهديد. فنظر له الظابط أحمد بلا مبالاة: _خلاص، أنت حر. ادخلي يا شمس. كانت هذه كلماته بعدما أعادها إلى المنزل من جديد، فنظر لها وهو يتنهد بعمق: بلاش يا شمس تروحي لوحدك المقابر الأيام دي. خدي على الأقل معاكي حسان، على الأقل يونسك.

أشارت شمس برأسها بالموافقة وعادت إلى المقابر من جديد. مر عام على موت عمار. ما أسرع الأيام حقاً. وهو يجلس بالشقة الخاصة بهما، لا يريد أن يختلط بالبشر. يجلس بالمنزل الذي جمعهما سوياً. أتت سارة تدق بابه من جديد كما تفعل دائماً: افتح يا يزن، افتح الباب. حرام عليك. مش عايز تعرف أنا عملت إيه في الامتحان حتى؟ يزن، أنا نجحت، ومش عايزة أفرح بنجاحي غير معاك.

وقف أمام الباب بذقن طويلة، يبدو عليه عدم الاستحمام لشهور طويلة. شعر مبعثر، هدوم متسخة. يقف أمام الباب ولا يريد أن يفتح الباب كالعادة. فاسترسلت سارة حديثها وهي تسند بيدها على الباب والبكاء يعتلي نبرة صوتها:

عدى سنة يا يزن. سنة ما طلعتش من باب الشقة. سنة بشوفك كل كام شهر مرة بالعافية. أنا لو ما جبتلكش أكلك قدام الباب كل شهر مش هتفكر حتى إنك تجيب تاكل. الحي أبقى من الميت. يزن، أنت كده بتموتنا بالبطيء. ارجوك افتح. كفاية كده يا يزن. أنا بموت من غيرك. جلس وهو يضع يده على أذنه يحاول ألا يستمع لها. أسند ظهره على الباب، تنهمر دموعه على وجنتيه. فكان القتيل هو عمار، رفيق دربه طوال عمره. رايحة فين يا بتي؟ كان هذا سؤال زهرة.

فأجابتها شمس بنبرة منكسرة: _وهل لي بمكان آخر أذهب إليه يا أمي؟ تركتها ورحلت كالعادة. ترحل من لحظة طلوع الشمس. ترجع خصلات شعرها وراء أذنها. تمشي بين الخضرة والأغصان. فأتى فريد بجانبها على الطريق بالسيارة الخاصة به، بعدما أبطأ سيره سائلاً: _تحبي أوصلك؟ نظرت إليه باشمئزاز بعدما طالعته: _لا شكراً، فأنا بخير هكذا. أنا بس عايز أقولك.

أوقف السيارة بجانب الطريق. فاسرعت هي بالدخول بداخل الغيطان واسرعت بخطوتها. ترجل هو من سيارته ليلحق بها. فركضت هي سريعاً، لا تعلم إلى أين تذهب. فقد هو أثرها. ضغط على أسنانه بزهق: _هتروحي مني فين يا شمس؟ أنا وانت والزمن طويل.

ظلت تركض حتى وجدت كوخاً صغيراً أمامه مقعد مستطيل وبجواره زير. فتحت الغطاء، مدت كف يدها وأتت بكوب من الماء فشربت حتى ارتوت وجلست لتلتقط أنفاسها قليلاً. نظرت إلى البحيرة أمامها، وضعت يدها على صدرها لتشعر بنبضات قلبها. فوجدتها سريعة. حتى وجدت صوتاً يأتي خلفها: _واضح إن أنت شمس اللي القرية كلها بتتكلم عنها. جلس بجوارها، فأخذت هي تطالعه باستغراب.

كل القرية بتقول إنك من عيلة الصاوي زي ما علي والشيخ بربروس والخالة بيقولوا. بس أنا عارف أنت مين. أنت شمس بت المهدي اللي ياسين بيكتب عنها دايماً في مذكراته. صح يا بتي. ابتلعت ريقها وأخذت تحدق به. فهو رجل يتضح أنه يتعدى السبعين من عمره، وهذا واضح على ملامح وجهه الذي نحتها الزمن. استغربت أكثر مما يقول، صامتة تماماً. فاسترسل هو حديثه:

أنت ما تعرفنيش، بس أنا أعرفك أوي. من لحظة ما اتولدتي. كل شيء مكتوب هنا في المذكرة دي. ياسين كتبها بخط يده، كان بيكتب كل شيء عشان ما ينساش، وبلحظة يرجع ينسى من جديد. إنها معايا، فضلت محافظ عليها لحد ما أسلمهاله من جديد. ولما شوفتك عرفتك من وصفه ليكي في المذكرة دي. ما تتأخذنيش بقى يا بنتي إني قرأتها. قاعد فاضي زي ما أنت شايف. بالمناسبة، أنا عمك نصير صاحب الكوخ ده. مد كف يده لها، فاطمئنت له قليلاً. ابتسمت له شمس

ومدت كف يدها هي الأخرى: _وأنا أدعى شمس. أنا عارف يا بنتي، بس أنت عرفتي مكاني منين؟ أنت مش جاية عشان تاخدي مذكرات ياسين. كانت تنوي أن تخبره بما حدث وأشارت بأصبعها للخلف لكي تخبره بأنها جاءت هنا بمحض الصدفة، ولكن تراجعت بآخر لحظة وأنزلت إصبعها وأشارت برأسها. وأخذت منه المذكرة وهي تقول: _نعم، جئت لكي آخذها منك يا عم نصير. أخذت النوته منه بعدما أعطاها إياها. استدارت لكي ترحل، فقال العجوز لها:

_أبقي تعالي طلي عليا يا شمس، طلتك بتفكرني بطلة ياسين. هزت رأسها بالموافقة مع ابتسامة حزينة. أخذت المذكرة وجلست بجوار قبر عمار من جديد. فتحت المذكرة تنظر للأوراق والكلمات المكتوبة. لم تستطع قراءة ما بها، فهي لا تعلم كيفية القراءة والكتابة. وضعت المذكرة بجوارها بيأس ودفنتها بجانب قبر عمار.

مرت سنتان على هذا الحال، تجلس بجواره كل ليلة. ويجلس يزن ببيته وحيداً. لم تيأس سارة أبداً بمحاولة خروجه من هذه الحالة. حتى أتت له مكالمة على الهاتف. لم يكن ينوي أن يجيب. ولكن بعد إصرار من المتحدث وتكرار الاتصال، جاوب أخيراً: _ألو. ده رقم يزن الرشيد. أيوه، مين؟ معاك مستشفى الجلاء، سارة العربي عملت حادثة في الطريق. اتصلنا بحضرتك كتير، ما ردتش.

انقبض قلبه، شعر بأن هناك من يغرز السكين بداخله. شعر بفقدانها كما فقد رفيق دربه. هرول على السلالم بعدما أخذ المفاتيح من الطاولة. لم يغير حتى ملابسه البشعة. نزل يقود سيارته بجنون يتجه إلى المستشفى بأسرع ما عنده. وجد ميرا ورعد ينتظرونه هناك، سائلاً إياهما وهو في حالة يرثى لها: _سارة، سارة كويسة؟ سارة بخير؟ قولي إنها بخير. حاول رعد طمأنته قليلاً: _أهدي يا يزن، هي جوه مع الدكتور. لسه ما نعرفش حاجة. ارتفع صوته قائلاً

بخشونة: _ما تقولش أهدي، قول إنها بخير. جاء الطبيب بعدما خرج من غرفتها لكي يطمئنهم على حالتها: _أهدوا يا جماعة، ما فيهاش حاجة. هي بخير. مجرد خدوش بسيطة وكسر في رجليها. هتقعد متجبسة مش أقل من شهر. نطقت ميرا بعدما تنفست بعمق: _الحمد لله. ممكن أطمئن عليها؟ أه، أكيد طبعاً. كلمات الطبيب انتزعت جزء من خوفه. فذهب خلف ميرا ودخل إلى الغرفة ينظر لها والدموع تلمع في عينيه. جلس أمامها وأمسك كف يدها يقبله بحب:

_حقك عليا يا سارة، ما كانش لازم أسيبك لوحدك أبداً. غمزت لها ميرا بطرف عينيها من خلفه مبتسمة. فأشاحت سارة بنظرها بعيداً. فحاول رعد أن يكتم ضحكته. خرج رعد من الغرفة فوجد الطبيب بانتظاره: يا ريت تاخدوها وتمشوا من هنا بسرعة عشان لو الدكتور الحقيقي جه هنتسوح كلنا. أخرج رعد النقود من جيبه الأمامي وأعطاها إياه قائلاً: لا، أنت كده تمام. اخلع أنت بقى. دخل رعد مرة أخرى إلى الغرفة. فسألته ميرا: عملت إيه يا رعد؟ كتبولك على خروج؟

آه، المفروض نمشي بقى عشان هي كده تمام. مجرد خدوش بس. المشكلة في رجليها بس. يا ترى هتروحي فين يا سارة الشهر ده؟ أنت عايزة حد يعتني بيكي. نظرت له ميرا بلوم: اخص عليك يا رعد. وإحنا بيتنا راح فين؟ طبعاً هتيجي عندنا البيت تنوري وتشرفي. استدار يزن وهو ينظر لهما يؤكد على كلمة بيتهم: _بيتكم؟ آه، بيتنا. يا يزن، ما أنت في عالم تاني. أنا وميرا اتجوزنا من سنة. حاولنا نقولك أو نتواصل معاك، بس أنت كنت قافل كل حاجة.

ابتسم يزن ببسمة مكسورة: مبروك. ردت ميرا: عقبالك أنت وسارة. أشار برأسه وهو ينظر لها سائلاً إياها: _أنت بخير مش كده يا سارة؟ أيوه بخير يا يزن. نطقت ميرا وهي تردد: يلا يا سارة، أنا هاروح أجيب لك كرسي عشان نروح. فأردف يزن مسرعاً: لاء، محدش هيخدم سارة غيري. أيوه، بس أنا مش عايزة أتقل عليك يا يزن. جلس بجانبها يتأمل بملامحها الصغيرة: _ما تقوليش كده يا سارة. ابتسم كلا من رعد وميرا وهما ينظران لبعضهما البعض.

ياسين ما حاولش يتصل بيك يا علي. جلس بجوارها بعدما تنهد باستسلام: _أنت ما بتزهقيش من السؤال ده يا خالة. يا علي، ده عدى سنتين وما نعرفش عنه حاجة. قلبي بيتقطع عليه. كل حاجة في قريته بقت موجودة ومستنياه إلا هو. طالعها بحب يحاول أن يخفف عنها قليلاً: يا خالة، ياسين مشي ومش راجع. وإن رجع مش هيرجع دلوقتي. ياسين عمل اللي عليه، ولا يمكن يرجع من تاني. أنت بتقول إيه يا علي؟ وإحنا هنسيبه؟

قالت كلماتها بحزم. فقام هو واستقام يعطيها ظهره. أنا ما قلتش نسيبه يا خالة، وأنا مش سايبه. أنا بعمل اتصالاتي في كل مكان ممكن يكون فيه. بدور عليه ليل نهار زي المجنون، مع إني عارف إني مش هلاقيه غير لو هو حب يظهر. بس مش عايز أفقد الأمل. أوعى يا ابني، أوعى تفقد أملك في أخوك. أنت مالكش غيره في الدنيا. وبعده بربروس، بربروس طلع جدع أوي يا علي. ابتسم الطبيب بامتنان: بربروس عمل اللي ياسين ما عملهوش يا خالة.

ياسين له عذره يا ابني، أنت عارف ياسين كويس وعارف هو حاسس بأيه دلوقتي. كانت هذه كلماتها. فاستدار لها الطبيب وامسك بيدها يريد أن يطلب منها شيئاً أجله من سنين: خالة، أنا كنت عايز أطلب منك طلب. عرفاه يا ولدي، عايز تتجوز زهرة مش كده؟ ابتسم الطبيب لها وكسا الخجل عينيه. فردت الخالة بالموافقة. مبروك يا ولدي. أنت عارف إن الفرح هيبقى على الضيق. هز رأسه بالموافقة: أكيد يا خالة. ايوه.. أيوه كده.. خللي بالك عشان رجلك.

اسندت بذراعها على كتفه وجلست على الأريكة. فمنزله رائحته قذرة لا يتحملها بشر. فابتلع ريقه وهو يحاول أن يفتح النافذة. معلش، أصل مش بفتح الشبابيك كتير، بس هخللي الهوا يتجدد عشانك. أشارت له برأسها بالموافقة. يوم تلو الآخر ينظف الشقة من جديد وتعود إليه الحياة بعدما فقدها بموت عمار. عدى الشهر بلمح البصر. وفكت الجبس بعدما اكتشف يزن بأن هذه ما سوى إلا مجرد لعبة. فأخبرته هي:

ممكانش قدامي حل تاني غير إني أعمل كده عشان أقدر أطلعك من اللي أنت فيه. ودلوقتي أنا جيبتلك مكنة حلاقة، ولو عايز تطردني اطردني عادي، بس بعد ما أحلقلك دقنك الأول. جذبته من يده وجلس على المقعد. تحلق له ذقنه للمرة الأولى منذ سنتين. *** نظرت شمس إلى المذكرة المدفونة بجوار قبر عمار من جديد. فضولها كان له التأثير الأكبر عليها. فذهبت إلى الطبيب علي قائلة: أنا أريد أن أتعلم حتى أستطيع القراءة والكتابة.

ابتسمت زهرة وعلي. فالتعليم سيجعلها تعود لحياتها وتحيا حياة طبيعية من جديد. وافق الطبيب على مطلبها بل وشجعها أيضا على تلك الخطوة. وبعد شهور قليلة. تزوج الطبيب بزهرة أخيرا. كانت الفرحة تملؤه والسعادة تحتضنه. ولكن لم تكتمل فرحته بعدما أخبره بربروس بقراره: مبارك أيها الطبيب، فقد اطمئن قلبي عليك وأريد الآن الاطمئنان على قلبي. انكمش حاجب الطبيب باستغراب سائلا: تقصد إيه يا بربروس؟

دعني أذهب من هنا، فأنا سأحاول ولو للمرة الألف مع مارال، فهي تستحق المحاولة. معقول يا بربروس لسه فاكرها؟ والله وبعقد الهاء لم ينساها القلب بيوم. هتبقى مرتاح. الراحة بقربها وليس ببعدها أيها الطبيب. ترك بربروس الطبيب وذهب يتبع حدسه، يأمل أن تغير رأيها من جديد. ***

مرت الأيام أكثر وأكثر. ربيع تلو الآخر. نهار يغيب وقمر يزين السماء. صيف يذهب ويأتي مكانه الشتاء. سنين تمر ويكبر الصغير وتصبح تلك الفتاة الصغيرة في السادسة والعشرين من عمرها. تأتي فرحة ومعها شهادتها. تذهب إلى قبره مبتسمة قائلة: بص ياعمار، شايف أنا معايا إيه، دي شهادتي، النهاردة بقيت متخرجة رسمي. طبعا أنت فرحان بيا أنا عارفة. حد كان يصدق إني أنا شمس أطلع الأولى على الكلية؟

لاااا، ده أنا أعجبك أوي. ياريتك كنت معايا دلوقتي. أنت وياسين. ياترى لو شافني دلوقتي هايعرفني؟ ياترى هو فاكرنا أصلا؟ يا عمار. فتحت المذكرة وجلست بجانب قبره تقرأها للمرة المليون. فمن كثرة قرائتها حفظت كل كلمة بها. وسرحت بكلماته من جديد وهي تقرأ ما بداخلها: *** جسد بلا روح. وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود. تحاول الاستيعاب. تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة.

ألم.. هجر.. فراق عشر سنوات.. عشر سنوات من التعب والحيرة.. غريب تائه في الطرقات.. وحيد.. شريد حتى تجده هي لتعيد له الحياة من جديد. أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟

دب الرعب بقلبها. غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له. يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة. يظهر عليه الفقر والجوع. ملابسه متسخة. يغطي رأسه بالبيزونت الخاص بسترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها. تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها للسكين الموجود على الطاولة. تقترب منه أكثر بحذر. حتى ترفع عليه السكين حتى تطعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة. يكشر عن أنيابه

ليجد من يقف أمامه يحذره: لا يابويا بلاش. لو قتلتها مش هشوفني تاني. نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة: اللي تشوفه يا عمار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...