"فإن غزه لا يدميها صوت جلادها، بقدر ما يديمها صوت أخوتها، فل طالما كانت غزه كيوسف في أخوته، ذنبه الوحيد أنه كان جميلا." "من تسبب في سحب أنفاسنا وأنهيار قلوبنا، من تفنن حقا في صنع الأكاذيب من حولنا، اليوم ربما نعلم طريقنا، ولكن هل نعلمه غدا؟ سؤال محير لا أحد يعلم أجابته." مرت عشر أعوام والحقيقه الوحيده أنهم تألموا، أعوام ثقال تحسب من أعمارهم، أصبحت قلوبهم هشه داخل صدورهم، فقد تمكن الألم من نهش قلوبهم.
في شروق يوم جديد يأمل كل فرد منهم أن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس، وما من أفضل أن تبدأ يومك بسماع كلمات أذان الفجر. الله أكبر.. الله أكبر.. اللــــــه أكـــبر.. اللــــه أكبــــر.. أشهـــد أن لا الـــه إلا اللــــه أشهــــد أن محمـــــدا رســــــول الله.
كانت جالسه على الأريكة تسند وجهها بكف يدها تسمع صوت أذان الفجر، فتحت النافذة تطالع الشروق مع لفحات الهواء الباردة يتناهى لمسامعها صوت الأذان يملأ عبق كلمات الأذان المجبرة للقلوب، لتتناغم معه صوت أجراس الكنيسة التي تقع في بداية هذا الحي الصغير. ليأتي شقيقها الأكبر ينشف وجهها بالمنشفة ويجدها تسرح بخيالها شارده في جمال الصوت وعذوبته، فنطق هو بصوت مرتفع حتى يفيقها من شرودها: "بس تعرفي يامارال."
انتفضت بذعر بعدما شهقت وأفاقت من شرودها، واضعة كف يدها على صدرها تتنفس بعمق. فاسترسل أخيها حديثه: "مش أنا مسيحي، بس من ساعة ما الشيخ بربروس ده ما جه الحارة وأنا بقيت أحب أسمع صوت الأذان أوي. صوته بيطرب الودان ويدخل القلب على طول، عذب ويشرح القلب بصحيح." ابتلعت ريقها وبان التوتر على ملامح وجهها. حاولت تغيير مسار الحديث وجاوبت على كلامه بسؤال آخر: "تحب أحضّيلك الفطاي ياميوان قبل ما تروح الشغل؟
ألقى بالمنشفة بقوة على الأريكة، فهو يبغض هذا الاسم. صك على أسنانه ونظر لها بغضب: "قلتلك ألف مرة ما تنادينيش بمروان. أنا ماسميش مروان." رجعت خطوة للخلف تتفادى المنشفة التي ألقاها للتو. طالعةته بذعر وهي تنظر إليه تحاول تهدئته بقولها: "خلاص، خلاص اهدى، حقك عليا. مش هقولك ميوان تاني أنا بس... قاطعها هو والشر يملأ عينيه:
"إنت بس عايزة تحسي إن أخوكي اللي ما طلعش أخوكي عايش معانا مماتش عشان كان بيحب يناديني باسم مروان. بس أنا عايز أقولك فوقي ياهانم، عمار حتى مش أخونا وخلاص. ما ت!
وإحنا أصلاً ملناش دعوة بيه. دخوله حياتنا بوظ لنا عيلتنا الهادية. لو مكانش دخل حياتنا مكانتش أمك ارتدت عن دين المسيحية دين الحق وأسلمت. مكانتش زمانها قاعدة على السرير واتشلت دلوقتي بسبب اللي اتعمل فيها زمان من الرجالة اللي جم وخطفوكي. ومكنتش إنتِ نفسك اتخطفتي بسببه. طبعاً إنتِ لما اتخطفتي افتكرتي إن أمك ماتت. ولما رجعتي اتفاجئتي بأنها عايشة. أه هي لسه عايشة بس عايشة ميته. وأنا اللي أنقذتها، مش إنتِ ولا عمار. وبالرغم من كده هي مافيش في قلبها غير عمار وبس. الغريب ابن الغريب هو اللي في قلبها واللي منها وحتة منها، مش حطاه في حساباتها."
ضحكت بسخرية على قوله وهي تستعد للمغادرة: "عمك ما هتتغير. هيفضل حقدك وكيهك لعمى عايش جواك حتى بعد ما مات عمي. أنا يايحة أفضي ماما. الكلام معاك مش هيجيب نتيجة زي كل مرة."
تركته وغادرت الغرفة. يطالعها هو تبتعد عنه حتى دخلت الغرفة المقابلة للصالة. تستطيع أن ترى المكان الذي تسكن به مارال. تعيش بمنزل بسيط في الدور الثالث، قديم مكون من غرفتين وصالة ومطبخ صغير. الدهان بالشقة قديم، تستطيع أن ترى ما بداخل السقف من خلال الفتحات به. يحتاج حقاً للتجديد. وأثاث بسيط. يمتلك شقيقها غرفته الخاصة به. وتمتلك هي ووالدتها غرفة واحدة تتسع لفراش صغير يلتصق بالحائط ومن خلفه نافذة صغيرة تدخل أشعة الشمس البسيطة من خلالها. والمكان المتبقي من الأرضية تنام به بعدما تقوم بتهيئته للنوم كل ليلة. تذهب إلى والدتها تحاول أن تمسح دموعها قبل دخول الغرفة حتى لا تضايقها كالعادة. فترفع والدتها يدها بلطف تربت على كتفها وتقول لها بحنان بعد
أن جاهدت في نطق كلماتها: "حقك عليا أنا يامارال." تحاول أن تخفي ألمها وترسم بسمة مزيفة على شفتيها: "ليه بس ياماما بتقولي كده؟ هو حصل حاجة أنا معرفهاش؟ ابتسمت والدتها ابتسامة حزينة مكسورة بعدما وضعت عينيها بالأرض. فهذه الأم المسكينة لا تستطيع فعل شيء لها خصوصاً بعد الذي أصابها. فعادت بذاكرتها عشر أعوام إلى الماضي لتتذكر ما حدث لها:
كانت تجلس هي وأبنتها مارال فدق الباب عليهم بعنف. أعتقدت بأنه ابنها الأكبر ولكن تم تحطيم باب المنزل عليهم ليجدوه "صابر" ومعه عصابته. أختطفوا مارال وضر بها هو، ضر بها قوية اصطدم رأسها بالأرضية مما تسبب بنزيف في المخ أدى إلى شلل دماغي وأصبحت من هذه اللحظة لا تستطيع الحركة وتتكلم بصعوبة وجسدها بكامله أصبح بلا حركة. وبعد معاناة وجلسات بالعلاج الطبيعي أصبحت تستطيع أن تحرك يدها اليمنى حركات بسيطة.
عادت بذاكرتها وابنتها تحاول أن ترفعها حتى تستطيع أن تجلسها على المقعد المتحرك لتذهب بها إلى الحمام لتقضي حاجتها وتتوضأ حتى تصلي. فهمست مارال بأذن والدتها: "أنا عارفة إنك عايزة تصلي الفجر. اتوضي دلوقتي وأول ما ابنك ينزل يروح شغله صلي براحتك. معلش صلي الصبح النهاردة. مش عايزين منه مشاكل." ابتسمت الأم لأبنتها تهز رأسها بالموافقة. فأسرعت مارال بالدخول إلى الحمام.
المسجد قريب جداً من مسكنها، تستطيع سماع ما يتلوه "بربروس" من آيات الله عز وجل بوضوح تام. فقالت الأم بحسرة بكلمات متقطعة تجاهد حتى تستطيع أن تنطقها: "ياخسارة، كان نفسي أصلي ورا الشيخ بربروس. صوته بيجبر القلب بالخشوع في الصلاة يامارال." مالت عليها تنظر يساراً ويميناً تبحث بعينيها عن أخيها لتجده قد غادر للتو صافعاً الباب خلفه بقوة. فأتت لوالدتها بالخمار سريعاً بعدما أغلقت عليه المشبك (الدبوس) قائلة:
"خلاص أهو مشي ياست الكل، يلا صلي بقى براحتك." نظرت إلى الهاتف الخاص بها ثم أردفت: "ناقص ٣٠ ثانية وبيدق جرس الصلاة." ابتسمت لها والدتها. فأقام بربروس صلاة الفجر ومن ورائه أشخاص كثيرة تحب أن تؤدي صلاة الفجر مع سماع صوته العذب. فتلى آيات الله عز وجل قائلاً بعد تلاوة الفاتحة:
"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ."
ابتلعت مارال ريقها بعدما شعرت بأن هذه الآية يتلوها فقط لتكون رسالة لها. فهذه ليست المرة الأولى التي يتلوها بصلاة الفجر. أنهى "بربروس" الصلاة بعدما سلم على الجانبين وأخذ يدعي بالأدعية المعتادة. فانشرحت القلوب بيوم جديد بدعائه وصوته النقي. رحل الجميع وظل هو بالمسجد ممسكاً بمسبحته يقلب حباتها بين أصابعه يستغفر الله كثيراً. ليأتي له صديقه بالسكن "عبد المعطي" ليقول وهو يجلس أمامه بعدما جلس متربعاً: "تقبل الله ياشيخنا."
"منا ومنكم بأذن الله." أنهى "بربروس" جملته وهو مازال ممسك بالسبحة يستكمل استغفاره. حتى تذكر شيئاً فوضع المسبحة الخاصة به بجانبه وقبض بكف يده على صديقه بالسكن "عبد المعطي" من ياقة قميصه وهو يصك على أسنانه بغيظ وهو يقول: "أمسكت بك أيها اللعين المحتال." فقلد "عبد المعطي" لهجة "بربروس" بسخرية وهو مطبق العينين: "ويحك، ويحك ياشيخنا. ماينفعش الألفاظ دي تتقال في المسجد. لينا بيت يلمنا ياعمنا."
نظر "بربروس" حوله فوقف واستقام وغادر المسجد وهو مازال يقبض بكف يده على ياقة قميصه سائلاً إياه: "لماذا لم تأتي لصلاة الفجر؟ لقد تهربت كالمعتاد وجئت كي تثرثر كالمزندعات." رفع "عبد المعطي" أصبعه يشاور بالرفض ناطقاً: "لا ياشيخنا. مزندعات إيه بس. ماتقولش كده. ده أنا حتى... بتر بربروس حديثه: "إنت حتى ماذا؟ هيا. فأنا أنتظر الكذبة التالية كالمعتاد."
ابتلع ريقه بعدما شعر بالتخبط كالمعتاد. أخذ وقته لكي يبتكر كذبة أخرى. فسأله "بربروس" بحده وهو يرفع حاجبه الأيمن: "ألم تجد كذبة مختلفة هذه المرة عن الكذبات التي سبقتها؟ هز رأسه بالأيجاب. فتركه "بربروس" ببطء وهو ينظر له بحنق: "حسناً. سأتركك هذه المرة. أتعلم لماذا؟ ابتسم عبد المعطي بسمة واسعة بلهاء: "لأني والله ما كذبت." أشار "بربروس" بعينيه إليه: "هذا صحيح. أيها الأحمق. فالصدق ينجي صاحبه من المهالك ياعبد المعطى."
سار "بربروس" إلى الأمام يتوجه إلى منزله وبجواره "عبد المعطي" قائلاً: "طيب هطير أنا أجيب الفول من عم عبده المبلول قبل ما الناس تقف بالطابور ويروح علينا الفطور." أشار بعينيه لعبد المعطى حتى يغادر مسرعاً. وقال له بعلو صوته وهو يراه يغادر من أمامه: "لا تدع "عم مبلول" يضع يده بمنخاره ثم يقلب طبق الفول بيديه العاريتين. فوالله وبعقد الهاء هذا يثير اشمئزاري."
استدار له "عبدالمعطي" وهو يرجع بظهره إلى الوراء يضع أصبعه بداخل منخاره علامة على ما سيقوله: "وهناكل الفول إزاي من غير بهاريزه ياشيخنا." اشمئز بربروس من فعلته هذه واستدار واستكمل. "عبد المعطي" طريقه وذهب "بربروس" إلى مسكنه. وقبل وصوله لمنزله ببضع خطوات وجد الست "كريمة" تقف بسيارتها العريضة ترتدي بدلة الرقص ومن فوقها عباءة سوداء تبرز تفاصيل جسدها بدقة، واضعة مساحيق التجميل بكثرة على وجهها تمضغ اللبانة
بصوت مرتفع قائلة بدلع: "مالك ياشيخ بربروس؟ مكرمش لنا ملامح وشك ليه ياكبدي؟ غض هو بصره ونظر في الأرض يحاول تجاهلها ويمد بخطوته. فقاطعته هي تقف أمامه مسرعة تضع كف يدها على صدره بحنية ترفع حاجبيها تتغزل به وتسترسل حديثها بدلع: "تمن سنين، تمن سنين ياشيخنا من ساعة ما جيت الحارة وأنا بحايل وبدادي ومسكناك جوه فؤادي. وجيت إنت وفتحتهولك."
قالت جملتها الأخيرة بصوت مرتفع حتى خرج بعض من السكان إلى الشرفات الخاصة بهم. فنظر بربروس إلى الأعلى ليرى الجميع ينظر له مما زاد توتره وابتلع ريقه قائلاً بتقطع: "وما وما الذي فتحتهولي أيتها الراقصة الطيبة؟ "بيتي." تنهد "بربروس" باطمئنان ونظر للأعلى. أشار بأصبعه للأشخاص الذين يقفون بالشرفات يوجه حديثه إليهم: "تقصد بيتها. نعم، فهي فتحت لي بيتها كأي مستأجر طبيعي، لا شيء آخر." فردت إحدى الواقفين في الشرفة بصوت عالٍ:
"ما تسيب بربروس في حاله يا كريمة. هو قدك." نظرت كريمة إلى الأعلى بعدما أمسكت بخفها تشير به للأعلى: "وإنتِ مالك إنتِ ياوليه؟ أنا عارفة التربي تايه عنك فين؟ خش يا اخويا إنت وهو جوه بدل ما يمين بالله أطلع لكل واحد فيكم. أطلع كبده في إيدي ياكــــــبدي." قالت كلمتها الأخيرة وهي تضغط عليها بعدما ارتفع صوتها أكثر فأكثر. فهي كريمة، لا أحد يستطيع أن يقدر عليها في المنطقة. "يامارال، مارال."
كانت هذه والدة مارال تستدعيها لكي تناولها دوائها. تركت مارال الدلو الذي بيدها فكانت تمسح الأرضية. فأتت مارال وهي تمسح بكف يدها على جبينها من العرق: "جاية ياماما أهو." مدت "مارال" يدها لوالدتها ممسكة بحبة الدواء واليد الأخرى بها كوب من الماء. أخذت والدتها الدواء. فسمعت صوت كريمة من الأسفل: "يـــــــوه. هي كريمة دي تيجي من الكباريه بتاعها كل يوم على الصبح بخناقتها كده؟ بتيجي ماسكة في مين المية دي؟
خرجت مارال تنظر لهما من الشرفة لتراه يقف مع كريمة. وكادت نار الغيرة تشعل قلبها. فنظرت إلى ذاك الدلو الذي أمامها التي استعملته سابقاً في تنظيف الغرفة. فالمياه في ذلك الدلو أصبحت سوداء من كثرة الأوساخ التي نظفتها فيها. رفعت يدها وقامت بسكب الدلو عليهما هما الاثنان سوياً. فشعروا فجأة بسيل من الماء يسقط على رأسهما سوياً. ليشهق بربروس بصوت عالٍ وهو يرجع للخلف ينظر فوقه مباشرة قائلاً: "وحسرتــــــــــــاه."
أطلت برأسها لتجدهما هو وهي متجمدان مكانهما. تنظر لها كريمة برفعة حاجب تذم على شفتيها. فتركت "مارال" الدلو تتصنع الدهشة وتضع يدها على فمها شاهقة: "ياخبي. هي جت عليكم إزاي؟ أنا ماكنتش أقصد ياشيخ بربروس." قالت كلمتها الأخيرة ببطء وهي تصك على أسنانها. فابتسم بربروس بسمة بلهاء وهو ينظر إلى جلبابه بحسرة على ما حدث به للتو: "أصدقك يامارال." دفعته كريمة للوراء بيدها بقوة. فلم يهتز هو (سم)
واحد. فعقدت حاجبيها باستغراب على عدم تحركه. فكانت دفعتها له قوية. ولكنها لم تهتم فأكملت حديثها: "تصدقها إيه البايرة العايبة دي ياشيخنا؟ أنا عارفة الأشكال دي كويس. وديني لأروح أجيبها من شعرها." استدارت لكي تصعد لها. فدب الرعب بقلب مارال. فلم تسلم اليوم من شر كريمة. فجذبها "بربروس" من ذراعها وتكلم بهدوء تام مع نظرة جعلتها تقف بثبات: "فوالله وبعقد الهاء إذا مستيها بسوء. عيشتك ستسوأ."
ابتلعت ريقها. فنبرة صوته يتضح بها الجدية. فابتسمت "كريمة" بابتسامة عريضة تملأ وجهها تغمز له بطرف عينيها اليسرى: "يالهوي يامستهوي. أموت أنا في النبرة الجد اللي مالهاش حد." "لا فــــائده." تنهد بربروس وهو يقول كلمته الأخيرة بيأس وترك ذراعها ودخل المنزل. لتأتي هي خلفه مسرعة تنادي عليه. ففتح باب شقته بالمفتاح الخاص به وأغلق بابه من خلفه مسرعاً. فدقت "كريمة" باب الشقة حتى يفتح:
"افتح ياشيخنا. ياشيخنا افتح حرام عليك. عايزة أسألك سؤال مهم في الدين. يرضيك كده معرفش إجابة لسؤالي؟ مش يمكن ربنا يهديني لما تجاوب عليا ياشيخنا."
أخذ بربروس يسمع ما تقوله من الداخل فلم يهتم. وقف بغرفة نومه يفتح دولابه ليغير ثيابه. فأدار وجهه إلى الشرفة فوجد "مارال" تقف في غرفتها تأكل نار الغيرة من روحها تقضم أظافرها بغيظ. فالشرفة الخاصة به مقابلة للنافذة الخاصة بغرفتها. ابتسم ابتسامة بسيطة على حركاتها. ثم أتى بالهاتف الخاص به ليهاتفها وهو يطالعها من داخل غرفته. فأمسكت هي بالهاتف بغيظ وضغطت على زرار القفل ووضعت الهاتف بجوارها. انكمش حاجبه باستغراب. ثم أحضر
ورقة وقلم وكتب رسالة لها: "غريب وطأت قدماه إلى هنا ولم يكن يوماً عنك غريباً. فوالله وبعقد الهاء أنتِ بكل النساء." كور الورقة بيده وألقاها من شرفته إلى نافذتها. نظرت مارال خلفها بعدما أمسكت بالورقة تقرأ ما بها ورفعت عينيها طالعته وابتسمت له بحب. ثم أنمحت البسمة من على ملامحها ببطء ومزقت الورقة أمامه وأغلقت النافذة بقوة. أطبق بربروس عينيه تزامنًا مع غلق النافذة. ثم ابتسم على تصرفاتها الطفولية بالرغم من كبر عمرها.
ترتدي ملابس ملائمة للمكان الذي تقصده. فستان أزرق قاتم طويل الأكمام قصير من الأسفل بعد الركبة تقريباً. مطرز تطريزات بسيطة تضفي عليه رونق وجمال خاص مع القليل من مساحيق التجميل. مع تسريحة شعر مرفوعة. دخلت إلى المطعم لتجده ينتظرها بالداخل. أنبهر بجمالها من اللحظة التي رآها بها. فاليوم يوم مميز لها بعدما أخبرتها "ميرا" التي علمت من "رعد" بأن اليوم سيعرض عليها "يزن" الزواج. فأتت متأنقة لهذه المناسبة وقلبها يخفق من فرحته. حاولت أن تخفي بأنها تعلم ما سيفعله للتو. وقف يزن عند رؤيتها بهذا الجمال سحب لها المقعد فجلست وهي مبتسمة وأخذ يطالعها. فلم يستطع أن يبرح بنظره من عليها.
فجلس وهو يقول: "إيه الجمال ده." وضعت كف يدها على شعرها من الخلف: "عجبتك." ابتسم ابتسامة رضا: "إنتِ طول عمرك عجبااااني ياساره." غزت الحمرة وجهها فصمتت. وبعد صمتها الذي طال رمقته بعيون زائغة ولجأت لقول: "أنا رفعت شعري عشان عارفة إنك بتحب شعري وهو مرفوع." "عارفة إنتي دلوقتي بالنسبالي زي إيه؟ طالعته وسبقها فضولها: "زي إيه؟
"عارفة لما تصحي بالليل بعد الفجر ويبقى نفسك تاكلي حاجة مسكرة وفجأة تلاقي قطعة كيكة سايحة في الشيكولاتة بتاعتها والشيكولاتة بتبظ منها." لوت فمها ولجأت بقول: "بتبظ!! وشيكولاته قبض حاجبه باستغراب: اه مالها الشيكولاته _كلها سكريات وممكن تجيبلك السكر وتموت ياحبيبي بتر حديثهما النادل الذي أتى حتى يأخذ طلبهما: _تحبوا تطلبوا ايه يافندم اشار يزن بعينيه لـ ساره: _تحبي تتغدي أيه
كان الحماس بداخلها فهي لا تريد أن تأكل ولا تشرب تريد رؤيه الخاتم أولا فردت مسرعه: _لا لا مش مهم ناكل دلوقتي استغرب النادل فنظر يزن اليه ثم عاد ليطالع ساره بنظراته فردت قائله: _اقصد ماليش نفس دلوقتي يايزن خلينا نتكلم شويه غمز يزن للنادل بعينيه دليل على شىء ما فأشار النادل برأسه بالموافقه دليل على فهمه ذهب النادل فتحدث يزن: _ساره أنت عارفه أنا بحبك قد أيه
ابتسمت وقد زاحمت الضحكه ملامحها فهذا هو الكلام الجميل الذي يأتي بعده كل الاشياء التي سوف تجمعهما سويا فهزت رأسها تقول: _اه طبعا عارفه ليسترسل هو حديثه: انا من حظي اني عرفتك السنين دي كلها حقيقي أنت أفضل شىء حصلي في حياتي ومش عارف من غيرك كنت هكمل ازاي وخصوصا بعد عمار اشارت برأسها والحماس يملىء داخلها: الله يرحمه ماتقولش كده يايزن أنت عارف أني ماليش غيرك من بعد ماما الله يرحمها ودلوقتي خالي اللي عايشه معاه
أتي النادل ومعه صينيه مفروشه بالورود وفي منتصفها علبه قطيفه حمراء توسعت عيناها من الفرحه تضع يدها على فمها كادت أن تنطق عيناها من السعاده التى تملؤها الأن فاسترسل يزن حديثه وهي ترفع كف يدها لتمسك بالعلبه: _عشان كده حبيت اشكرك على كل حاجه عملتيها معايا كل السنين اللي فاتت واتمنى ان اللي جوه العلبه يعجبك قالت وهي تدعم كلماته بلهفه: أكيد أكيد يايزن هيعجبني ابتسم يزن من فرحتها التى تملىء وجهه أخذت العلبه تقول وهي تفتحها:
انا اصلا اللي محظوظه ان فضلت جنبك و فتحت العلبه لترى ما بداخلها لتجد انسيال من الذهب لم يكن هذا ما تنتظره فصكت على اسنانها بغيظ وهي تضغط على كلماتها تسترسل حديثها بعدما تغيرت نبرة صوتها الرقيقه: قعدت مع خنزير زيك يايزن في اي ياساره انتي اتحولتي كده ليه فردت هي على سؤاله بسؤال اخر: فاكر اليوم اللي دخلت ڤيلتنا فيه وشوفتني فيه اشار برأسه بالموافقه فأكملت هي حديثها: _الله يلعن اليوم ده يا أخي
القت بالأنسيال في وجه وجحظت عيناه باستغراب وهو مازال ينظر لها: في ايه بس ياساره انا عملت ايه دلوقتي ده حتى ده الانسيال اللي انت كنتي هتموتي عليه وقولتي نفسك فيه ضربت بيدها بقوه على الطاوله فأنتفض هو ووقفت هي تسند بيدها الأثنتين على الطاوله تنظر له بتوعد فأنتبه لها جميع من في المطعم على الطرابيزات المجاوره فأردف وهو ينظر حوله: ساره أهدي الناس بتبص علينا اهدى اهدى ايه لاء ورفعالك شعري ولابسه فستان حلو طب اهوه
فكت هي شعرها فأصبح ينسدل على ظهرها: أنت عارف احنا نعرف بعض من كام سنه عارف بقى عندك كام سنه وانا بقى عندي كام سنه كل يوم اقول يابت اصبري بكره يعرض عليكي الجواز اصبري اصبري لحد ما زهقت من الصبر والصبر جض مني نظر لها وهو يحاول تهدئتها بقوله: حبيبتي انت ناسيه أن براد بت وانچلينا چولي اللي انت بتحبيهم قعدوا مع بعض كام سنه وخلفوا ست عيال عشان يتجوزوا
قال جملته ببرود فنطقت هي بعدم صبر تجز على أسنانها وقبضت على الورد الموجود بداخل الزهريه على الطاوله تلقيه بوجهه: نـــــعم وأنت بقى عايزنا نخلف ست عيال عشان نتجوز وبعدين ده براد بت وأنچلينا چولي وبعدين هو أنت براد بت اصلا ولا انا اشبه أنچلينا چولي فحك رأسه بأصبعه ببرود: _اه رسمه عينيكي فيكي منها لاء انا بقى أشبهلها وأحلى منها كمان قالت جملتها بصوت مرتفع فدعم هو كلامها: اكيد طبعا ياحبيبتي أكيد وهي تيجي جنبك ايه أمتعضت
ملامحها وجحظت عيناها: كل مره تشبهني وتقولي مره شبه البطه المحشيه بالفريك ومره تانيه تقولي شبه الشيكولاته وانا في الحقيقه فضلت جنبك لحد مابقيت زي برطمان المخلل لحد ما خللت وعفنت وريحتي طلعت ضربت بكفها على الطاوله بقوه مره أخرى وهي تمسك حقيبتها الصغيره: _خلاص كده خلصنا هي أصلا خلصت كفايه كده يايزن غادرت المكان تسرع بخطواتها فظل ينظر لها وهي تبتعد عنه فابتسم ابتسامه زادت من وسامته ورحل خلفها ينادي عليها:
_ساره ساره استني بس وصلت هي الى الخارج عند الحديقه بخارج المطعم تضر ب بقدمها الأرض من غيظها لتجد صف من النساء يقفون أمامها يرتدون قمصان بيضاء وبناطيل سوداء كلهم على حدى نفس الملابس اعتقدت بأنهم من طاقم المطعم حاولت أن تعبر من خلالهم ولكنهم اوقفوها: _لو سمحت عايزه أعدي ممكن
أستداروا واعطوها ظهورهم يقفون صف بجانب بعضهم البعض لتجد على كل ظهر فتاه منهم يوجد حرف رجعت خطوات للخلف بظهرها حتى تقرأ ما على ظهورهم لتجد كلمه marry me أنزلقت الحقيبه الصغيره من يدها وانكمش حاجبيها سرعان ما استوعبت ما يحدث فعادت الأبتسامه الى ملامحها من جديد ببطىء واستدارت تنظر خلفها لتجد يزن يجلس على ركبته ويمسك بين اصابعه بالخاتم به حجر كبير من الألماظ تقع عليه أشعه الشمس فتزيد من بريقه وضعت هي يدها على فمها تشهق من المفاجأه وترقرقت عيناها بالدموع فسألها هو السؤال الذي
طالما تمنى أن يسأله لها: _تتجوزيني وعندما نطق هو هذه الكلمه فوقع على مسامعها أغنيه تتجوزيني مش عايز غيرك في الحياه أوعي تسبيني من غير ما اتكلم أنت بتسمعيني عشانك اطول السما وعند وصول الأغنيه لكلمه السما وقف واستقام أشار على السماء بأصبعه لتنظر هي في حالة ذهول مما يحدث لتجد طائره تلفظ دخانها بجمله: حبك عشش جوه قلبي بضمير كل هذا كثير عليها لم تتوقع أن يحدث لها كل هذه الأمور وبعدما أختفى الدخان بهذه الجمله
اتكتبت كلمه أخرى وهي: تتجوزيني ياساره ظلت تنظر الى السماء تنهمر دموعها على وجنتيها بغزار نظرت مره أخرى بجوارها تراه مازال يرفع الخاتم بين أصابعه فنطق وهو ينظر لها بحب فكانت كلماته نابعه من قلبه بصدق:
عايز اقولك شكرا على كل حاجه عملتيها معايا وانك ميأستيش شكرا أنك أدتيني فرصه أني أفضل جنبك من جديد شكرا أنك حاولتي أن علاقتنا تكمل في عز أنكساري وتعبي شكرا أنك دايما في ضهري ودايما سندي وعايزك تفضلي طول العمر جنبي ونجيب ست عيال زي براد بت وأنچلينا چولي ها تتجوزيني ياساره
قرأت ما أرسله بعيون دامعه فكلماته نابعه من قلبه بصدق أشارت برأسها بالموافقه كانت الدنيا بأكملها لا تكفي سعادتها في هذه اللحظه الأن ألبسها الخاتم بحب يضمها الى صدره فحملها والتف بها مرارا فصفق الجميع لهما يشكلون دائره من حولهم فأتت ميرا لتحتضنها وبارك رعد ليزن فأتت شمس تحتضن ساره بحب وتنظر ليزن بفرحه كبيره فأتت غدير ولكن لم تعد طفله بعد الأن فأصبحت فتاه جميله ذات التاسعه عشر من عمرها هنىء الجميع بعضهم البعض فأصبحت السعاده تغمرهم من جديد تذكرت شمس عمار في هذه اللحظه وتخيلته وهو يهنىء يزن بزواجه يقف بجانبه بهذه اللحظه السعيده ترقرقت عيناها بالدموع ولكن سرعان ما لاحظت ميرا ذلك فجذبتها من ذراعها لتنضم إليهم من جديد
يظل المرء منا قليل الكلام هاديء الطباع حتى يأتي أناس تخرجه عن حالة صمته وهدوئه هي الأن تجلس بين الزرع والخضرا وقت الغروب تستعد الشمس للرحيل وكان الطبيب ينادي عليها من بعيد زهـــــره نظرت خلفها ورأته فعادت تنظر أمامها من جديد أسرع هو لها فاصبح امامها يسألها: _ايه يازهره مش بنادي عليكي عايز ايه ياعلي تحدثت زهره بنبره جاده مما جعله يشعر بشىء ما فأنتابه فضوله لسؤالها: أنت مضايقه من حاجه في حد مزعلك
نظرت زهره للفتيات خلفه وهما ينظرون له بأعجاب يهمسون قليلا فابتلعت ريقها وجاوبته بسؤال أخر: _أنت ماسافرتش ليه القاهره مع شمس عند ساره ويزن ما انا قولتلك يازهره يزن كان عايزنا كلنا نبقى جنبه اليوم ده وأنت مارضتيش تروحي وفضلتي ماتسافريش وأنا أخترت أكون جنبك عشان مش هينفع أسافر واسيبك لوحدك همست الفتيات وهما ينظرون الى الطبيب: _دي أكيد عملاله عمل بقى الشاب الصغير الحلو ده يتجوز العجوزه دي دي قد أمه
لترد عليها الثانيه بمكر: _أمه ايه قولي قد جدته دي في اواخر الاربعينات وهو بالكتير في اوائل التلاتينات ازاي يعمل في نفسه كده الحب الحب يعمل اكتر من كده لترد عليها الأخرى ناطقه: _لا وأنت الصدقه السحر أكيد سحراله تخيلي ده لو كان جوزي انا لترد عليهم الفتاه الثالثه: _اومال لو شوفتوا ياسين هتعملوا أيه ليه وانت شوفتيه فين
_البت غدير لما كانت بتيجي هنا كل اجازه زياره للخاله كانت بتحكيلي انه قمر وحاجه كده مايختلفش عليها اتنين وبعدين شباب عيله الصاوي كلهم قمرات حتى حسان بس ياسين ده مسافر ومش هييجي خلينا في اللي موجود _على رأيك لتضحك الفتيات سويا ويذهبون وهما يتغامزون عليها ابتعدت زهره سريعا وهربت وهي تمسح دموعها فجذبها الطبيب اليه من ذراعها: _هتروحي مني فين تطالعه بعيون دامعه:
_علي انا زهقت أديك سمعت بودنك الأول كنت بسمع الكلام من تحت لتحت دلوقتي بقى بيتقال في وشي أنت شكلك مابيكبرش ليرد عليها هو قائلا: _لاء شكلي بيكبر يازهره انا مابقيتش اشرب د م بني ادمين ما انت عارفه وده بيخلي شكلنا يكبر وبنضعف أكتر تنهدت بحنق فطالعته وهي تقول: اه بيكبر ياعلي بس التغير بيبقى بسيط بص عليا بص على التجاعيد اللي في وشي وبص على نفسك نظر لها وسألها وهما يتبادلان النظرات تحدث بنبره مليئه بالهدوء والحب:
_مالها تجاعيدك دي تجاعيدك دي بالذات احلى حاجه فيكي كفايه اني كل ما ابصلك اشوف في كل خط تحت عنيكي السنين والشهور والأيام الحلوه اللي عشناها سوا كل تجعيده من دول بتزيدك حلاوه مابتنقصكيش عقدت ذراعيها واستدارت ليبتسم هو يسترسل حديثه بحنان: _تحبي أقولهم أني أكبر منك ب 78 سنه وأن أنا اللي ابقى قد جد جدگ تحبي أعرف الدنيا كلها أنا أيه في الحقيقه وغلاوتك عندي لو ده هيريحك لهعمله يازهره شعرت بالتخبط أثر
سؤاله ونطقت بنبره منخفضه: لاء طبعا أنت بتقول أيه أنت عارف اني مشسطحيه للدرجه دي كل الحكايه أني بغير عليك لا تبص للبنات الصغيره دي فابتسم هو يضر ب بكتفه كتفها: لو عندهم تجاعيد زيك هبصلهم في يوم تجاعيدك اللي بتظهر في وشك مابتعملش شىء غير انها بتزيد غلاوتك في قلبي كل تجعيده من دول انا كنت معاكي فيها كل شعره بيضا ظهرت في شعرك انا فاكر ظهرت أمتى وفين كل شىء فيكي يازهره بيحببني فيكي أكتر
بعيش معاكي اللي عمري ما هعيشه في يوم وبعيدين ده انتي بنتي الصغيره أما كان حته يوم أنا ماتخيلتش أبدا أن ممكن اليوم النهارده يبقى بالجمال ده ارتمت ساره بجسدها على الفراش بعدما انهت جملتها ووقعت عيناها على السقف تأملته بشرود ثم رفعت كف يدها تنظر للخاتم بأصبعها توجه كلامها لـ غدير: _حلو مش كده قولي أنه حلو فصعدت غدير على الفراش بجوارها تتأمل الخاتم وتنظر له فقالت وهي تتنهد: _تحفه قمر جميل عقبالي يارب عقبــــالي
وضعت ميرا اكواب النسكافيه الساخنه على الطاوله تنظر لغدير بتعجب: _عقبالك ايه يامقصوفة الرقبه أنت مش لما تخلصي تعليمك الأول ده أنت حيالله لسه هتدخلي أولى جامعه السنه دي مدت ميرا كف يدها بالكوب لغدير فأخذته منها ووضعته بجانبها بزهق: _وهو ده يمنع يعني أني أحب واتحب وهو أنت كمان بتحبي قالت شمس جملتها وهي تعلق فستانها على الشماعه فردت عليها غدير بعدما وقفت أمام المرآه تنظر لنفسها:
_وماحبش ليه بقى ياست شمس وحشه ده انا حتى قمر وبقيت أحلى منك ومن هدير فتحت شمس الدولاب الخاص بـ ميرا وضعت به فستانها واسترسلت حديثها: هي هدير وداغر عاملين ايه صح _زي الفل كويسين اوي وعمار ابنهم بقى قمر كمل عشر سنين اهوه وبقيت عمتو الحربايه رسمي ضحك الجميع ماعادا شمس فبمجرد ذكر أسم عمار تنفتح جراح قلبها صمت الجميع عند رؤية ملامحها وشرودها فكسرت ساره الصمت بقولها: تعالوا نقرأله الفاتحه كلنا على روحه وروح المسلمين
رفع الجميع أيديهم لقراءه الفاتحه وبعدما أنتهوا استرسلت غدير حديثها: _هو فين رعد اخويا ياميرا جلست بالفراش بجوارها وهي تضع الغطاء عليها: _راح يبات مع يزن النهارده بما أنكم قرفني الليله أحنا قرفينك بقى كده قالت ساره جملتها بعدما ألقت الوساده على ميرا رفعت ميرا الوساده لكي تلقيها على ساره ولكن أوقفها رنين هاتفها لتجد مارال: نظرت ميرا للجميع قائله: _اي ده دي مارال لترد ساره قائله:
_افتحي الاسبيكر وردي عليها ازاي ماتجيش النهارده ده انا هخر ب بيتها تضغط ميرا على الهاتف وتضعه بالمنتصف فيجتمع الجميع حول الهاتف لتبدأ ساره الحديث قائله: _على فكره يامارال انا زعلانه منك بقى كده ماتجيش النهارده يزن قالي انه اتصل بيكي وانتي اعتذرتي ماجتيش ليه بقى _أخبرتها وهي تحاول التبرير لها:
والله ياسايه ماقديتش اجي خالص عشان خاطى ماما أنت عايفه ميضها عامل ازاي بخاف اسيبها لوحدها تكون عايزه تدخل الحمام او يجيالها حاجه ومكونش جنبها بس انا فضلت اتصل بيكي طول النهاي ماكنتيش بتيدي وفي الأخي الفون فصل بجد حقك عليا وألف ألف مبيوك بس اكيد ان شاء الله هحاول أجي الفيح _أنت يابنتي لسه لادغه لسانك مش هيتعدل أبدا قالتها غدير بضحك فردت عليها مارال بحزم:
_اه يامقصوفه اليقبه لسه لادغه ولما اشوفك هبقى أقطعلك لسانك عشان تبقي لادغه زيي قرصت ميرا غدير بلوم فقالت: ماتزعليش منها ام نص لسان دي يامارال لاء طبعا مابزعلش من عيال صغييه الا قوليلي ياسايه هتعملي الفيح فين لترد عليها ساره قائله:
في القريه مع الخاله أنت عارفه الخاله كبرت ومش بتقدر تسافر وكمان يزن عايز يعمله هناك عشان يحس أن عمار معاه مع أن انا مش عارفه هعمله هناك ازاي انا كان نفسي اوي اعمله في قاعه كبيره ويبقى بالنهار ويبقى فرح مودرن بس هو مصمم اخبرتها شمس وهي تحاول أنهاء الأمر بأكمله:
_طالما مصمم يبقى اسمعي كلامه وبعدين الأفراح في القريه عندنا بتبقى حلوه أوي وهاتي wedding planner تصمملك الديزاين اللي أنت عايزاه وبعدين الخاله هتزعل أوي لو يزن عمله بره أنت عارفه الخاله بتحب يزن قد ايه وخصوصا عشان من ريحه عمار اشارت سارت برأسها بالموافقه فأنهت مارال الحديث: _طيب أشوفكم على خيى بقى وألف الف مبيوك ميه تانيه الله يبارك فيكي ياقلبي وعقبالك يارب يامارال أنهت ساره جملتها فأغلقت ميرا الهاتف
وضربت غدير على قدمها بخفه: _مش تخللي بالك من كلامك قامت غدير من على الفراش تغير ثيابها الى ثياب النوم: _ايه انا كنت بهزر ايه ماهزرش لا يااختي هزرى بس مش كده انهت ساره جملتها فجلست غدير وهي تزرر زر البيچامه تجلس على الفراش لتستعد للنوم: _أنتوا عارفين أنا ياسين واحشني أوي انكمش حاجب شمس وتغيرت تعابير وجهها فغادرت الفراش قائله: _طيب انا مش جايلي نوم هقعد بره اقرأ شويه
طيب تصبحي على خير ولما تيجي تنامي تعالي نامي جنب الزبله دي على رأي ياسين أنهت ميرا جملتها فرفعت غدير رأسها تقول بتحذير لميرا: ماتقوليش يازبله مابحبش حد يقولهالي غير ياسين أشارت شمس برأسها بالموافقه فغادرت الغرفه وهي تحمل مذكراته بين يديها جلست بالخارج على المقعد الهزاز فشردت بين كلماته وطيات صفحاته بعدما فتحت المذكره مره أخرى لتقرأها من جديد وكانت أول صفحه كالأتي:
"ما هي الحياة غير طريق نسير فيه وكل يوم نفقد منا شيء على هذا الطريق الى أن نصل لنهايته والنهايه هي موت كل شيء داخلنا قبل موتنا لا أعلم ماذا حدث لي منذ أول يوم جائت هي الى دارنا بعثت الروح ودبت الحياه في هذا المنزل بعد موته بعد أخذ الروح منه فبعض المنازل كالقبور ودارنا كان القبر المقيت حتى جائت هي كنور الشمس لتضىء عتمه القلوب" قلبت هي صفحات كثيره من المذكره حتى وصلت للصفحه المفضله لديها:
_اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر سنه 2007 الساعه 12 بعد منتصف الليل حصلتلي حاجه غريبه اوي حاجه مابتحصلش أبدا خرجت اصطاد عشان أروي عطشي للد م كالمعتاد أنا والضبع لاقيت كوخ أول القريه قريب من المقابر كان في شعله لسه ماطفتش دليل على أن اللي جوه الكوخ صاحيين ماناموش الضبع ابتسملي ابتسامه عمري ماهنساها أبدا وفي لحظه كان عندهم وقبل ما يدخل الكوخ سمعت ست جوه الكوخ بتقول لجوزها وانت ليه مش عايز تطلقني يانصير انا مابخلفش روح اتجوز وعيش حياتك مع غيري
واللي سمعته منه كان اغرب رد سمعته في حياتي قالها –لاني رايد العشرة قبل الخلفة. يهمني الود قبل الولد ومستعد أحلفلك على مصحف أني عمري في يوم ماهجيبلك سيره الخلفه حضنك داري وونسك ليا هيبقى عزوتي
كلامه دخل قلبي قبل ما اسمعه بودني انا سمعت منه الكلام ده وحسيت ان كلامه مس القلب بصحيح لحظه أنا مش مصدق أنا أول مره أشعر أني عندي قلب وبحس والكلام بيمسني ازاي اتغيرت وايه اللي حصلي من لحظه دخول شمس البيت وانا بتغير خايف اكون بتغير للأضعف انا مش عايز أبقى ضعيف بس للأسف ضعفت ودافعت عن الراجل ده هو ومراته ووقفت قصاد الضبع عشانهم جائت غدير وهي تدعك بكف يدها عينيها قائله: _أنت لسه صاحيه ياشمس
اتسعت عينيها برعب وجسدها أنتفض بأضطراب وذعر اغلقت المذكره على الفور ووضعتها بجانبها تحاول أن تنظم تنفسها: _يعمر بيتك ياغدير خضتيني جلست بالمقعد بجوارها : _أنا عملت أيه وبعدين انا لحقت أصلا أنت اللي كنتي مركزه أوي في القراءه محستيش بيا وأنا طالعه يعني مش ذنبي هدئت شمس قليلا بعدما ابتلعت ريقها تحاول أن تتصنع النوم: _طيب انا هدخل أنام بقى امسكت غدير معصم يدها وبدأت بقول:
_لاء ما تستهبليش أنت مش عايزه تنامي خليكي قاعده معايا شويه طالعتها شمس وبدأت بالحديث: _مالك في حاجه مضيقاكي أخذت تجلس التربيعه ونظرت بجوارها لشمس: بصراحه أه طيب ماتقولي ايه اللي مضايقك انا عرفت مكان ياسين فين وقفت شمس مكانها وارتجفت شفتها السفليه وكان أول سؤال يخطر على بالها : عرفتي مكانه ازاي رفعت غدير رأسها وهي جالسه على المقعد:
_شوفته وانا رايحه المدرسه في المانيا من كام شهر راكب حته عربيه سودا تحفه ولابس بدله وكان هو اللي بيسوق وفي واحده جنبه كانت زي القمر بترت حديثها على الفور: _واحده واحده مين وقفت خلفها لتجيب على سؤالها:
_معرفش طبعا بس أنا خليت صحبتي تمشي وراهم بالعربيه ووقف قدام شركه كبيره اوي مكتوب على الشركه من فوق أسمه و متزخرف بالعربي مش بالألماني وكانت باللون الدهبي ياسيـــــن و نزل والست دي نزلت وراه ومتغير خالص مش هو ياسين اللي نعرفه شياكه ايه ولبس ايه قمر قمر كده حاولت اني ادخله الشركه بس الأمن مانعني اني ادخل بس على مين أخدت نمرة العربيه بتاعته بس معرفتش اعمل بيها حاجه اديتها ليزن ورعد لما نزلت على مصر الاجازه دي ويزن قالي انه هيتصرف ويعرف مكانه
حاولت شمس اضفاء بعض الهدوء فتصنعت البسمه: طيب وأيه بقى اللي مضايقك من كل ده فأجابت غدير مسرعه: خايفه لا يكون نسينا وباين عليه أنه نسينا ياشمس وبعدين الست اللي جنبه دي مش مرتحالها خالص انتظرت شمس أن تنتهي غدير من حديثها ثم أخبرتها بعينين أنهكهما التعب محاوله الهروب من استكمال حديثهما: أنا صاحيه النهارده من بدري أوي أنا هدخل أنام تصبحي على خير هزت غدير كتفيها بعدم فهم: _وأنت من أهل الخير
ذهب رعد للمبيت بشقه يزن وبعد سهره يوم طويل وشاق على كلا منهما من أجل تحضيرات هذا اليوم ذهب كلا منهم الى الفراش اخيرا اقتربت الساعه من الرابعه فجرا ليجد كلا منهم يأتي له رساله صوتيه على الجروب الخاص بهم والذي يجمع كلا من بربروس والطبيب علي ويزن ورعد فهذا شات جماعي خاص بهما أتت الرساله من بربروس فتح يزن الرساله هو ورعد وفي هذه اللحظه استفاق الطبيب على صوت الرساله هو ايضا ليجد محتواها:
لا صباح ولا سلام..الى اصدقائي عديمي النفع.. الى اقربائي عليهم اللعنه.. لقد راع انتباهي أنكم جميعا حقراء.. إذا فلتكن هذه امسيه لعينه عليكم ايها المنافقين.. هيا قم أنت وهو لتاديه صلاة الفجر ايها الملاعين "فالصلاه ليست لأجل الله الصلاه لأجلك أنت الله لا يحتاجك أنت تحتاج الى الله" رد يزن برساله صوتيه اخرى بعدما طالع رعد: صباح الخير يابربروس.. جرا إيه يا بربروس، مالك؟
أنت شاحن بعشرة جنيه بقى تشتم بالعشرة جنيه كلهم ولا إيه؟ مش تخلي اتنين جنيه كده نصبح بيهم على بعض يا بيدقوس. وأصبح على الصبح يا بيدقوس. وحاضر، هنقوم نصلي يا بيدقوس. ابتسم رعد عند سماع ما قاله يزن للتو، وابتسم كلاهما للآخر، فابتسم الطبيب أيضًا وهو يستمع إلى رسالة يزن. فبعث الطبيب برسالة صوتية:
خلاص يا عم بربروس، هنقوم أهو. بارك الله فيك. مش عارف من غيرك كنا هنعمل إيه والله. وبالمناسبة، ألف مبروك يا يزن وعقبال الليلة الكبيرة إن شاء الله. الخالة مستنياك تعمل فرحك في القرية. رد عليه يزن برسالة صوتية أخرى:
الله يبارك فيك يا علي. وأكيد طبعًا، أنا مش هفوت حاجة زي دي. فرحي لازم يبقى جنب عمار عشان أحس إنه معايا وعشان أحس بيه أكتر وأحس إنه معايا. أنا عرفت أجيب رقم تليفون ياسين. طلع عايش في ألمانيا لما غدير شافته بالصدفة. هعزمه على الفرح وأتمنى إنه ييجي، كفاية إنه من ريحة عمار. بعث بربروس برسالة صوتية: سيأتي إن شاء الله. حاول لا مشكلة بهذا. فرد الطبيب برسالة أخرى:
ماتتعبش نفسك يا يزن. ياسين مش هييجي الفرح. أنا عرفت مكانه من بدري. حاولت أكلمه كتير إنه يرجع بس للأسف مافيش فايدة. فرد رعد برسالة وهو بجوار يزن: إحنا مش هنخسر حاجة، إحنا هنكلمه بكرة من المعرض وتبقى محاولة. كلنا عارفين ياسين مجروح قد إيه من اللي حصل. فرد الطبيب: أتمنى إنه ييجي. حاسس إن في حاجة ناقصاني من غيره. يلا تصبحوا على خير. فبعث بربروس برسالة صوتية أخرى، ففتحها الجميع:
أعلم بأني سأغلق الهاتف من هنا، وسينام الجميع على الفور. لذا لن أغلق الهاتف إلا بعد أن تبعثوا لي بصور وأنتم بداخل الحمام تقفون على الحوض تستعدون للوضوء. نظر رعد ليزن باستغراب: إيه ده؟ بيقول إيه ده؟ مش فاهم. فحثه يزن على النهوض: يلا قوم، مش عايزين زن منه. أنت هتصورني وأنا هصورك. قام الطبيب من فراشه يتجه إلى الحمام يتوضأ، فبعث بفيديو له شاهده بربروس وابتسم ابتسامة رضا.
وبعد ثوانٍ بعث يزن صورة تجمعه هو ورعد يتوضأون بجانب بعضهما البعض. ***
أتى الصباح ومعه الهواء النقي الذي حرك الأشجار الموجودة بخارج المنزل الذي تقطن به "ميرا". هنا وهناك، استيقظت شمس وارتدت ملابسها بهدوء تام وغادرت المنزل دون أن يشعر بها أحد. هي الآن بمنتصف البلد تقف أمام مقهى يسمى "الفيشاوي" بمنطقة الحسين، تنظر إلى المقهى جيدًا. تمعن النظر إليه. كل شيء بهذا المقهى قديم، يتضح على جدرانه معالم الزمن. فتحت المذكرة مرة أخرى وهي تقف بالجهة المقابلة للمقهى بنفس المكان الذي كان يقف به "ياسين" لتقرأ ما كتبه
عن هذا المقهي بمذكرته:
"مقهي الفيشاوي، لا أعلم إلى متى سأظل آتي إلى هنا. إلى متى سيظل يصطحبني الحنين إلى ذاك المقهى القديم. آتي إلى هنا بالجهة المقابلة للمقهى. أقف ساعات طويلة أمامه، لم تكن لدي الشجاعة الكاملة ولا أعلم لماذا. كل ما أعلمه جيدًا أني أشعر بذكريات تحوم بداخلي حول المكان، ولكن ذكريات مدفونة بداخلي لا أعلم عنها شيئًا. أظل أطالعه ساعات طويلة ولكنها بالنسبة لي كالدقائق القليلة. يخبرني قلبي بأن هذا المقهى لي معه العديد من الذكريات الجميلة. يخبرني عقلي بأني يومًا ما سأتذكر، وأنا أثق بحدسي كثيرًا."
ابتسمت "شمس" على ثقة "ياسين" بنفسه وأغلقت الدفتر تستعد للمضي قدمًا، حتى يأتي هو من خلفها يهمس بأذنها مستفسرًا: إيه اللي كنتي بتقريه ده؟ انتفضت هي بذعر تنظر خلفها لتجده الضابط "فريد". وضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها قليلاً، فتحدثت والنهجة تعتلي كلماتها: أنت؟ أنت عرفت مكاني منين؟ وجيت ورايا هنا إزاي؟ أشار برأسه وتحرك خطوات إلى الأمام باتجاه سيارته، يفتح الباب الأمامي لها:
اركبي الأول، عايز أتكلم معاكي شوية. أنا ما صدقت لقيتك لوحدك. كل مرة لازم يبقى معاكي حد. إيه مابتمشيش غير بحرس؟ ابتلعت ريقها بغيظ ثم تحركت إلى الأمام، فأشارت لسيارة أجرة تتجاهله تمامًا. أوقفت السيارة ففتحت الباب الخلفي تستعد للصعود إليه، ليأتي هو مسرعًا يقبض بكف يده على ذراعها وينطق كلمة واحدة فقط: انزلي. طالعت هي كف يده وهو يقبض به على ذراعها، فنطقت بصوت مرتفع: إنت اتجننت؟ إنت إزاي تمسكني كده؟
فتحدث سائق السيارة الأجرة قائلًا: جرى إيه يا أستاذ؟ عيب كده، ما يصحش. فنطق هو مسرعًا يتحدث بنبرة أمّارة: أنا المقدم فريد الدمنهوري، وخليك في حالك أحسن لك وكل عيش. ابتلع السائق ريقه فرد قائلًا: انزلي معاه يا آنسة، خلينا نشوف أشغالنا على الصبح. ضغطت شمس على أسنانها وانتزعت ذراعها منه بقوة وغادرت السيارة الأجرة وهي تقول والغضب يملؤها: أنا مش هركب معاك عربيتك، إن شاء الله لو قتلتني فيها دلوقتي.
نظر حوله فوجد كافيه على الشارع، فطالعها من جديد: تمام، تعالي نقعد على الكافيه ده أقولك اللي عايز أقولهولك وبعد كده هخليكي تمشي. *** هما الآن بداخل معرض الأزياء الخاص بهما. يمتلكون عمارة من ثلاث أدوار ضخمة جوانبها من المرايا السوداء العاكسة للضوء. به جميع أنواع الملابس (نساء -أطفال -رجال) على أعلى مستوى. يعمل به كلا من رعد ويزن، فهما شركاء به. يضعون اسم "عمار" بكل مكان، فأصبح اسم عمار ماركة مميزة.
دخل يزن ومن خلفه رعد إلى غرفة مكتبه. جلس يزن على المكتب المصنوع من الزجاج ونظر إلى ساعة يده، فسأله رعد قائلًا: إيه؟ ناوي تتصل بياسين دلوقتي؟ فرد عليه وهو ممسك بالهاتف بين يديه: على فكرة دي مش أول مرة أكلمه فيها. أنا كلمته قبل كده بس هو دايما ما بيردش. لو ما ردش المرة دي هسيبله رسالة وبراحته بقى. ضغط "يزن" على زر الاتصال ينتظر الرد ولكن دون فائدة كالعادة، فترك له رسالة صوتية على هاتفه: ياسين، إزيك؟
مش عارف إذا كنت لسه فاكرنا ولا لأ. بس إحنا مش ناسينك. عايز أقولك إنّي هتجوز أنا وسارة الخميس اللي جاي في القرية، قرية الصاوي. هنعمل حنة ودخلة. ابتسم رعد فرفع صوته قائلًا: الخالة مصممة تمشي على عوايد القرية وعلى عوايد عيلة الصاوي وتعمل ليزن حنة. يا ياسين، وبالمناسبة أنا رعد لو كنت نسيتني. استكمل يزن حديثه:
عايزك تكون موجود يوم الحنة ياياسين. حاسس إنك لو بقيت موجود هحس بوجود عمار معايا عشان هو حتة منك. عايزك تحنيني وتحط الحنة عليا، مش دي عوايدكم اللي عمري ما شفتها غير في عيلة الصاوي واللي بتقول عليها الخالة. هستناك يا ياسين. أغلق يزن الهاتف يأمل بقدوم ياسين ليحضر معه حنته ويوم زفافه. *** وضعت حقيبتها على الطاولة بزهق وجلست تنظر له بضيق، فقالت متسائلة: نعم؟ عايز إيه؟ فرد هو ببرود تام:
مش لما نطلب حاجة الأول وبعد كده نتكلم. بس أنا بقى مش عايزة. أشار هو بأصبعه للنادلة فأتت على الفور: تفضل تطلب إيه يا فندم؟ أنا عايز واحد قهوة سادة وشوفيها تشرب إيه؟ نظرت النادلة إلى شمس بابتسامة بسيطة: وحضرتك؟ مش عا... كانت ستستكمل حديثها ولكنها نظرت إلى الثلاجة فوجدت بها زجاجة الشيري كولا المفضلة لياسين، فقالت: عايزة واحدة شيري كولا. أشارت النادلة برأسها بالموافقة، فابتسم فريد لاستجابة شمس له. فطالعته شمس بهدوء:
اتفضل عايز إيه؟ فقال هو بكل بجاحة: عايزك. انقبض حاجباها وشعرت بالتخبط أثر كلمته: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ إنت أكيد اتجننت. ضرب بيده على الطاولة بقوة: عليا الطلاق منك من قبل ما توافقي حتى عليا، إنت لو كنتي حد تاني وكان قالي كلمة اتجننت دي لكان عمره ما هيشوف نور الشمس تاني بعنيه. بس عارفة معاكي، بعديلك كل حاجة حتى لو قولتي إيه. تحدثت شمس بنبرة جادة: ولو قولت إني مش موافقة. صارحها فريد وعيناه تواجهها بكل صدق:
يبقى هتعنسي يا ست البنات، عشان مافيش كلب هيتجرأ وهيقدر يقرب من ناحيتك طول ما أنا حواليكي. سمعاني يا شمس. أتت النادلة لتضع الطلبات على الطاولة، فأنزلقت القهوة على الطاولة دون قصد. اعتذرت النادلة كثيرًا: أنا آسفة، بعتذر والله، أنا آسفة. أنا عمري ما وقعت مني حاجة قبل كده، بجد آسفة. حاولت أن تنظف الطاولة سريعًا، فأمسك فريد بمعصم يدها بقوة وبغضب عارم: كفاية.. ماتمسحيش حاجة.
وقفت النادلة وهو ما زال يضغط على معصم يدها بقوة، مما جعلها تشعر بألم شديد، فاستكمل حديثه بعدما نجح في جذب انتباهها: إنت عارفة ياحلوة إنت.. إحنا بنتعب قد إيه علشان اللي زيك يعيش في أمان، وإنت مجرد واحدة كل شغلانتها في الحياة إنك بتحطي شوية طلبات على الترابيزة من غير ما تعملي أي فوضى، مجرد إنك تنزلي الطلبات على الترابيزة. بس كده.
تلألأت الدموع بأعين النادلة تأبى النزول. فنظرت شمس لها باستغراب عما فعله الآن. فوقفت واستقامت تطالع النادلة بحب: _حقك عليا، أنا ماتزعليش. أنا عارفة إنه ماكانش قصدك، إحنا بشر وبنغلط. أمسكت شمس بحقيبتها الصغيرة وبالمذكرة. تحركت خطوات للأمام فقال لها: _إحنا لسه ماخلصناش كلامنا. وقفت هي واستدارت تنظر لها: _إحنا عمرنا ما كان في بينا كلام عشان نخلصه.
تجمع الجميع بالقرية من جديد يستعدون لمراسم الزفاف أخيراً. بعدما حاولت سارة بكل ما تستطيع أن تجعل القرية مكان جميل ومرتب بمساعدة الـ wedding planner. رأتها الخالة والتوتر يملؤها: _مالك ياسارة متوترة كده ليه يابتي؟ جلست سارة على المقعد فابتسمت للخالة وهي تقول: _أول مرة أتجوز ياخالة، مش عايزة يبقى فيه غلطة في الفرح، عايزة ليلة الحنة تبقى مترتبة وكل حاجة تبقى في مكانها. جلست الخالة بجوارها تتكأ على العصا الخاصة بها:
_ماتقلقيش يابتي، كله هيبقى تمام. إنتِ على أرض عيلة الصاوي يعني كل رجالتها هتبقى تحت خدمتك. ابتسمت سارة بامتنان للخالة: _متشكره أوي ياخالة. طيب هسيبك أنا بقى عشان أشوف اللي ورايا. وقفت سارة واستقامت فشعرت بثقل بجسدها فلم تستطع النهوض. وضعت يدها على رأسها تشعر بالتعب مما جعلت الخالة تتساءل: _مالك يابتي فيكي إيه؟ فردت عليها سارة بصوت يكاد يكون مسموع:
_مش عارفة ياخالة، بقالي فترة بتجيلي دوخة وبحس بتعب شديد، ببقى مش قادرة أقف على حيلي. _وماروحتيش كشفتي ليه يابتي؟ _مش مستاهلة ياخالة، هو بس أكيد إرهاق من كتر الحركة. إنتِ عارفة اليومين دول تعب إزاي عشان الفرح. _ربنا يتمملك على خير يابتي، بس برضوا لازم تكشفي. أشارت سارة برأسها بالموافقة قائلة: _إن شاء الله. جاء الطبيب علي يسأل الخالة: _بقولك ياخالة ماشوفتيش حسان؟ طالع سارة فوجدها تمسك رأسها بكف يدها:
_مالك ياسارة إنتِ كويسة؟ أشارت برأسها بالموافقة: _آه كويسة. هي فين شمس؟ طالعتها الخالة تجاوب على سؤالها: _هتلاقيها فوق السطوح عند غية الحمام يابتي. رحلت سارة فنظر الطبيب لها وهي تغادر فاستكمل حديثه مع الخالة: _فين حسان ياخالة ماشفتهوش النهارده؟ نظرت الخالة تشير برأسها إلى الباب المفتوح على مصرعيه: _أهوه جه. ياريتك كنت جيبت سيرة عدلة مكانتش جت. ضغط حسان على شفته السفلى بغضب: _ليه وأنا عملت إيه دلوقتي ياخالة بس؟
شعر الطبيب بالذعر من نبرته فقال بنبرة ملتوية: _حسان اتكلم مع الخالة كويس. جائت زهره تمضي قدماً نحو حسان لكي تدافع عنه كعادتها: _بتزعق لحسان ليه ياعلي بس؟ دعم حسان حديث زهره: _مش عارف يا إمي، تعالي شوفي كل مايشوفوني يفضلوا يبكتوا فيا. _أنا لحقت أكلمك يابني. قالها الطبيب بحنق فردت عليه زهره بحنان بعدما أخذت حسان بداخل صدرها تحنو عليه كالعادة: _معلش ياعلي اصبر على حسان شوية صغير ومايفهمش.
_طيب ودروسه وعلامه مايفهمش فيه هو كمان؟ ضربت الخالة بكفها على العصا بقوة: _عشان خايب سقط السنة دي كمان، مع أني قدمتله هو وشمس. شمس كانت بتاخد سنتين في سنة واحدة، وهو السنة الواحدة كان بيسقط فيها سنتين. أشار بيده بعدم مبالاة:
_عشان أنا ماليش في العلام، قولتلكم ألف مرة أنا فلاح ابن فلاح. شمس اختي ليها في العلام وأنا لأ. خلاص سيبوني براحتي بقى. بين الزرع والغيطان وبلاها علام، إنتوا بس اللي مخليني أروح المدرسة غصب عني وده ظلم على فكرة. تركهم وغادر المكان تأفف الطبيب مما يفعله حسان فقال لها: _كل ده من دلعك فيه يازهره. فردت عليه قائلة: _ومادلعهوش ليه؟
أبوه وأمه ميتين ومالهوش غيرنا. ده أنا ماصدقت بقى بيناديني بأمي. إنت شوفت إنه بيقول على شمس إنها أخته إزاي؟ بلا تعليم بلا كلام فاضي، هو حابب الأرض وبيحب يزرع فيها، سيبه يعمل اللي هو بيحبه ياعلي. جاء الليل سريعاً واشتعلت القرية بالأنوار. فكل مكان بالقرية أصبح مضيئاً. أرتدى يزن ملابسه والكل يستعد. فذهبت غدير إلى يزن مسرعة: _أوبا، إيه الشياكة دي كلها. الجلبية هتاكل من عليك حتة. ابتسم يزن وهو يلقي بالمنشفة بوجهها:
_اتريقي يا أختي اتريقي. مش كله من تحكمات الخالة. _طيب قولي مين هيحط الحنة في إيدك؟ هز كتفيه بعدما فقد الأمل: _كنت عامل حسابي على ياسين بس الظاهر إنه مش هييجي، فالخالة هي اللي هتحط كبشة حنة قد كده في كف إيدي. _هي العوايد دي بتتعمل في مصر؟ جاء رعد من خلفها: _وحياتك ولا في الصين دي عيلة الصاوي بس اللي بتعملها. _قوليلى قررتي هتدخلي جامعتك هنا ولا هترجعي ألمانيا؟
_هنا طبعاً. أنا حابة أقعد هنا معاك إنت وميرا. إيه عندك مانع؟ _لأ وأنا أقدر أفتح بوقي برضوا. _طيب أسيبكم أنا بقى. كانت هذه جملة يزن فرد عليه رعد بسؤال آخر: _رايح فين؟ _على عمار لازم أزوره في يوم زي ده. في غرفة العروسة يتجهز الجميع لهذه الليلة. ارتدت سارة فستانها البسيط، فستان باللون الزهري مجسم على جسدها. طويل الأكمام أنيق. تفرد شعرها للخلف مع ميكب هادي بسيط. نظرت شمس لها هي وميرا فسألت سارة عن مارال:
_هي مارال لسه ماجتش؟ دخلت مارال من باب الغرفة وهي تفتح ذراعيها تحتضنها بحب قائلة: _ماقدرتش ماجيش. أكيد لازم أجي طبعاً. ضمتها سارة إليها وهي فرحة بقدوم الجميع وأصبحوا حولها يتمنون لها حياة سعيدة. الهدوء والسكون والظلام يملأ المكان على عكس القرية التي بها من الضوضاء ما يكفي. يقف هو بجانب قبره ينظر إلى ذلك اللوح المنقوش عليه اسمه فيبدأ بقول:
_وحشتني أوي ياعمار. حاسس إن يومي ناقص من غيرك. مكنتش اتخيل إن اليوم ده ييجي من غيرك ياصاحبي ويا عشرة عمري كله. اوعى تفتكر إني نسيتك في يوم، أنت مابتروحش عن بالي ولو للحظة ياصاحبي. عملت حنتي هنا عشان أبقى جنبك وأحس بروحك في المكان. الله يرحمك. غيابك واكل من روحي كتير. ظل الجميع يسأل عن يزن فقد بدأت مراسم الحناء. فذهب رعد وبربروس والطبيب إليه قائلاً: _غيابه مؤثر فينا كلنا يايزن مش فيك لوحدك.
_عمار لو كان عايش كان هيزعل أوي إنك بتبكي في يوم زي ده. فأمسك رعد بيده يجذبه للخارج: _يلا يايزن الكل مستنيك. عاد الجميع إلى الفرح وجلس يزن وسارة بالمنتصف. فقامت الخالة وأمسكت كتلة من الحناء وسط الزغاريط والأغاني. وضعت الكتلة بيد سارة فسقطت باقي الحناء على الأرضية قبل أن تضعها بيد يزن. فقالت: _الحنة وقعت وده فال مش حلو. أجري يا شمس هاتي الحنة الباقية من فوق يابتي.
أشارت شمس برأسها بالموافقة وخرجت من الزحام ترجع بظهرها للخلف. فاستدارت لكي تكمل طريقها للخارج لتصطدم به وتجد نفسها بداخل صدره. رفعت عيناها تطالعه لتجده يقف أمامها فقالت والصدمة تعتلي وجهها: _يا سـيــــن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!