الفصل 95 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
19
كلمة
5,156
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

"هذه أشلاؤنا.. هذه الممزقة قلوبنا.. هذه المبعثرة أرواحنا" كان هذا شعور يزن عندما أخبره طبيب الأشعة بما وجده. لم يستوعب عقله ما أخبره به للتو. خانته قدمه فحاول التحامل عليها حتى يصل إلى أقرب مقعد يجده أمامه. شكر قدمه على تحمل السير في حالته هذه حتى وصل أخيرًا إلى أقرب مقعد. جلس وألقى بثقل جسده عليه، فهو الآن يشعر بثقل العالم يحمله فوق كتفيه. ردد كلمة واحدة، كلمة واحدة بشفة مرتعشة. "كانسر"

شعر بثقل بلسانه عند نطقها. نعم، هي كلمة واحدة ولكن سيأتي من خلفها العديد والعديد من الكلمات والجمل الأخرى. *** أن لليل رهبة ورهبته شديدة، وهي للمرة الأولى تجاوره في سيارته بمنتصف الليل. التوتر يسود بينهما ويكتسح الصمت الأجواء بجداره، وكأن حربًا طاحنة نشبت بداخل رأس كلاهما الآن. بقيت هي تنظر أمامها تفرك بأصابعها. فاختلس هو النظر إليها، اختلس نظرة سريعة ثم عاد ينظر بجواره من جديد. رأى مدى توترها من خلال هذه النظرة فقط.

قطع الصمت عندما ضغط على زر تشغيل الراديو. كان مبرمجًا على قناة FM للأغاني. تندلع موسيقى إحدى الأغنيات. كان يريد أن يكسر حاجز الصمت حتى لو بأغنية، لا يهم ما هي الأغنية التي سيسمعها الآن، فكل همه هو نزع التوتر الذي يسود الأجواء. لم يركز كلاهما في بادئ الأمر بكلمات الأغنية وهي تقول: "جزء كان تعبان وخف، وجزء لسه للأسف. كان زمان عفريت دفنته بعد فترة رجعلي ألف"

بدأ كلاهما في التركيز على كلمات الأغنية التي لم ينتبهوا لها منذ بدايتها، ولكن سمعت أذانهم الآن: "مش ياماضي لسه سايبك، إيه بقى تاني اللي جايبك؟ هنا طالع أحدهم الآخر وكأن كل منهما يسأل الآخر نفس السؤال. تتحدث عيونهم ما لا يستطيع لسانهم أن يتفوه به. فتداهمهما كلمات الأغنية من جديد: "تاني، تاني ارجع ياماضي تاني، يلا فكرني إني لسه واقف مكاني. عادي، عادي أصل اتعودت عادي، هات بقى آخرك ما هو يا أنا يا أنت الليلة دي"

جمل بسيطة جعلت كل منهما يتذكر ما يحاول نسيانه منذ سنين مضت. يحاول كل منهما المضي قدمًا، فأعادتهم كلمات بسيطة ليشق القلب الحنين. فأتمت الأغنية بكلماتها: "مش قفلنا الصفحة دي" واتفقنا خلاص يا وحش. هنا ضغط ياسين على زر الإغلاق سريعًا قبل أن تتكرر كلمات الأغنية. ابتسم بسخرية مريرة، يشير برأسه لها وهو يقول: _مين الوحش؟ كان يقصد بقوله اسم المطرب الذي أدى الأغنية. أجابته شمس بنظرات مترددة: _ده حمزة نمرة. هتف متسائلًا

بعدم فهم: _مين؟ فأجابت هي بابتسامة بسيطة، وكأن من تتحدث عنه على معرفة به: _ده حمزة نمرة، مطرب حلو أوي. أغانيه كلها ليها معنى وبتطرب القلب قبل السمع كمان. _باين عليكي بتحبيه أوي. قال ياسين هذا باهتمام، فأجابته هي بتلقائية: _آه بحبه جدًا. من الأغاني بتاعته أنا محمل الأغاني بتاعته كلها على موبايلي، وتقريبًا مبسمعش غيره. فعاد هو لتكرار سؤاله من جديد: _للدرجة دي؟ _وأكتر كمان. أصله حلو أوي.

قبض ياسين حاجبه من كثرة إعجابها به، فبررت له وكأنها تدفع الجرم عن نفسها: _أقصد أغانيه حلوة أوي، بحب أسمعها قد ما أنت بتحب عربيتك "الشيفروليه" دي. بان على وجهه وكأنه تذكر شيئًا، فقال بابتسامة: _العربية دي "شيفروليه شيفيل"، معايا من السبعينات وبحبها أوي زي ما أنت بتحبي "نمرة حمزة". تحدثت شمس معترضة على كلامه وهي تحرك كف يدها على وجهها، تحاول الحصول على بعض الهواء: _اسمه حمزة نمرة، وأنا بحب أغانيه، مابحبهوش هو.

_طب ومالك اتعصبتي كده ليه؟ تحبي أفتحلك الشباك؟ وعلى الرغم من نسمات الهواء الباردة، أجابته ومازالت تنظر أمامها تتجنب النظر إليه: _آه ياريت، الجو حر هنا. ضغط على الزر الأوتوماتيك الخاص بالنافذة المجاورة لها، فانفتحت النافذة على الفور. كان الهواء منعشًا هنا، فلامس خصلات شعرها. استطاعت الآن أخذ نفس عميق. ترددت كثيرًا قبل أن تسأله سؤالها. فبدأ هو بما يشغل بالها: _شمس، أنا عارف إيه اللي عايزة تقوليه. فشجعها كلامه ونطقت

بما يدور بداخل رأسها: _ياسين، أنت مكنتش طبيعي النهارده بجد. عايزة أعرف إيه اللي حصل الصبح يا ياسين. هز رأسه نافيًا، فقوله في هذه النقطة كان شديد الصدق: _هتصدقيني لو عدت نفس كلامي ليكي وقولتلك مش عارف. صمتت تحاول إبعاد ما بدر إلى ذهنها بأن حديثه به نبرة من الصدق، ولكن في النهاية قالت: _يعني إيه مش عارف؟ ياسين، أنت كنت هتموتني. فأنفت ما قالته للتو قبل حتى أن يجيبها: _لأ، مش أنت اللي كنت هتموتني. سألها محاولًا سلب

كل ما لديها من معلومات: _تقصدي إيه يا شمس؟ قال جلمته باستهجان، وكأن الدماء تجمدت بعروقه. فقد شعر بأنها على وشك معرفة الحقيقة. فكرر سؤاله بنبرة تحذيرية وعيون ثاقبة هذه المرة: _بقولك تقصدي إيه يا شمس بكلمة مش أنا اللي كنت هموتك. شعرت بالذعر الآن من نبرته التي تحولت فجأة، وكأنه يعيش بصراع داخلي. وتحدثت خوفًا، واختارت أن تصمت وأجابت بما هو بعيدًا عما بداخلها: _لا، مافيش حاجة. أنا هدخل المستشفى أشوف سارة عملت إيه.

لم تتردد، بل نزلت سريعًا، كمن تم إطلاق سراحه. فهبط هو من سيارته، وقبل أن يغمض لها رمش، كان يقف أمامها يتحدث مجددًا بسؤال آخر: _بتهربي مني ليه؟ للدرجة دي أنا بخوف؟ عادت نبرته الحنونة من جديد، عادت نظرته إليه. فدافع عن نفسه مبررًا قبل أن تنطق هي: _ليكي حق تخافي مني بعد اللي حصل الصبح. أنا حتى مش لاقي إجابة للي حصل، عشان مش عارف إيه اللي حصل. صمت لثوانٍ يطالعها، فأكمل حديثه:

_مش مستني منك أنك تصدقيني، عشان دي حاجة ماتتصدقش. بس هحاول أبعد عنك على قد ما أقدر عشان ما أذيكيش في يوم يا شمس. كان يتحدث بصدق نابع من قلبه، ويظهر صدقه من نظرات عينيه السوداء كسواد الليل القاتم. أنهى حديثه بعدما استدار يعطيها ظهره مستعدًا للمغادرة. فابتسمت هي ابتسامة حانية، وأوقفته كلمتها التالية: _مصدقاك. ظهرت بسمة حانية على وجهه، واستدار لها. عاد يطالعها من جديد، فكررت هي كلماتها بعيون هاربة:

_مصدقاك يا ياسين. مش عارفة ليه ولا إزاي، بس حاسة إني مصدقاك. لم يكذب شعورها. فقد شعر بصدق كلامها. هناك قبضة تحاوط كفها الصغير الآن. مالت بعينها تنظر لكفه الأسر ليدها. ربما أتى الأمان من الشخص الذي يجب أن تأخذ الحذر منه. فقال وقد استحوذ على اهتمامها: _وأنا هحاول أبقى صادق معاكي على قد ما أقدر يا شمس. لم تدر بأي شيء حولها، فكفه يلمس كفها الآن. شعور بالدفء يتوغلها. شعرت بالارتباك، فسحبت كف يدها من يده، تقول بعيون هاربة:

_نسيت أباركلك على خطوبتك من مشيرة. تنهد بعمق بعدما أعطاها ابتسامة حانية. وقبل أن يخبرها برده، أنهى حديثهما وصول يزن وسارة، فسأله هو: _ما رنتش عليا ليه؟ كنت وقفت بالعربية قدام المستشفى. استدار له يزن بعدما استعاد اتزانه الهارب منه، محاولًا التحدث بثبات: _أولًا، مش معايا رقمك. ثانيًا، لقيتها زي الفل، مافيهاش حاجة، بس حبيت تدلع علينا شوية. اتجهت شمس ناحية سارة مستفسرة عما وجدوا بالأشعة:

_قولولي يا سارة الأشعة طلع فيها إيه؟ _طيب، مش نركب الأول بعد كده نطمن براحتنا. كانت هذه جملة يزن. فدعمت سارة كلامه: _أيوه، تعالوا نركب الأول ونتكلم واحنا مروحين. أنا حاسة دلوقتي إني بقيت أحسن.

شعر ياسين بخطب ما بسبب هروب عيني يزن كلما حاول النظر إليه. ولكنه استجاب لطلبه وصعد بالسيارة، وبجواره شمس. وجلس كلا من يزن وسارة بالخلف. وقبل أن تشق السيارة طريقها، نظر ياسين إلى ذاك الجالس بالخلف في المرآة الأمامية، يطالعه من جديد. فوجد يزن نظرات ياسين مصوبة ناحيته. فوجه عينيه نحو سارة، فسألها مجددًا: _حاسة بإيه دلوقتي يا سارة؟

_يادي النيلة يا يزن. دي المرة العشرين اللي تسألني فيها من ساعة ما خرجت من أوضة الأشعة. والله يا ابني كويسة، دي مجرد دوخة بتجيلي من وقت للتاني، وبكرة نروح للدكتور نوريله الأشعة، وهيطلع مافيهاش حاجة. ما تقلقش أوي كده. عاد ياسين يطالع يزن بالمرآة من جديد، فابتسم يزن ابتسامة بسيطة، ربما يمحى بهذه الابتسامة آثار التوتر الظاهرة على ملامح وجهه. وطلب من ياسين قائلًا وهو يخرج هاتفه من جيبه: _قولي يا ياسين رقمك كام؟

أخبره ياسين بالتالي: _01000000111. تقدر تحفظه، ده سهل جدًا. ضحكت سارة وهي تخبره: _ده ست أصفار يعني زيرو مليون تلات وحايد. رقم مميز زي صحبه. أمالت برأسها باتجاه شمس: _صح يا شمس؟ أشارت برأسها بنبرة متقطعة تملؤها التوتر: _آه.. اه طبعاً رقم مميز. دون يزن رقمه على هاتفه، ولم تستطع "شمس" منع نفسها من سؤالها، فأدارت وجهها للخلف سائلة: _يعني الأشعة لسه ما طلعتش؟ فأجابتها وهي تشير رأسها بالنفي: _لا لسه.

أطبق الصمت على الجميع، ينظرون إلى الطريق أمامهم. أما عن ياسين، فقد كان يشق طريقه مسرعاً، شعر ولو أنه تأخر لحظة واحدة سينفجر ما بداخل يزن، بالرغم من محاولات يزن المستميتة على استعادة اتزانه من جديد، دون ملاحظة أحد منهم ما بداخله. أطبق الصمت على منزل "الصاوي"، الجميع ينتظر بهدوء عودة سارة للاطمئنان عليها. في الغرفة الخاصة بالضيوف، تتوسطهم الخالة قائلة: _ادخلوا انتوا يا ولاد، باين عليهم هيتأخروا.

طالع الجميع بعضهم البعض نظرات قصيرة. كانت مشيرة لا تستطيع النوم وهي تعلم أنه معها في هذه اللحظة، فالقلق ينهش عقلها الآن. كادت أن تنطق للاعتراض على طلب الخالة، فسبقتها زهرة وهي تخبرها بطريقة هجومية: _لأ طبعاً، انتي بتقولي إيه يا خالة؟ إزاي أنام وأنا عارفة إن بنتي بره لحد دلوقتي. تنفست "مشيرة" بارتياح لاعتراض زهرة، فهي لا تستطيع أن تعترض كلمة الخالة. فطالعتها الخالة ترمقها بنظرات ثاقبة: _وهي يعني مع حد غريب يا زهرة؟

دي مع ولدي ومع يزن، يعني مفيش خوف عليها. ولا انتي بقى نيتك وضميرك في حاجة تانية؟ _ولا حاجة تانية ولا تالتة يا خالة، كل الحكاية إني مش هعرف أنام إلا لما أطمن إن بنتي رجعتلي. لم تجد "زهرة" إجابة أفضل من هذه للهرب، فرمقتها "الخالة" بعدم تصديق. فأكملت بارتباك: _صدقيني يا خالة، أنا بس قلقانة عليها هي وسارة ومش هيجيلي نوم إلا لما يوصلوا.

لم تصدق فيما قالت، هذه ليست الحقيقة. أبعدت عينيها عنها حتى لا تكشف كذبتها، فأنقذت "مشيرة" الموقف: _أنا كمان مش جايلي نوم، تعالي يا زهرة نقعد بره شوية نستناهم لحد ما يوصلوا. وافقتها "زهرة" على طلبها، فطالعتها الخالة وهي تبتعد عنها، ثم أشارت للطبيب بعينيها سائلة: _مال زهره يا علي؟ حساها متغيره من وقت رجوع ياسين. كان يجلس الطبيب مقابل الخالة، فقام واستقام يجلس بالمقعد المجاور لها. تنهد بعمق بملامح يبدو عليها الحزن:

_زهرة اتغيرت أوي يا أمي. شعرت الخالة بحزنه من نبرته الحزينة، فأشارت للجميع بعينيها تحثهم على الخروج، فأصبحوا يجلسون داخل الغرفة بمفردهما الآن: _مالك يا ضنايا؟ فضفض لأمك يا علي، انت ما بتحكيش وأنا مابرضاش أسأل طول ما انت ما بتتكلمش. _مش عارف يا أمي، كل ما بتكبر كل ما بتتغير، ما بقتش زهرة بتاعت زمان. نبرة الحزن كانت ظاهرة جلياً في حديثه، مما جعلها تسأله: _قصدك بتتغير في الشكل؟ وقف مقابلها واضعاً يده بجيبه، يتنهد بيأس:

_شكل إيه يا أمي اللي بتتكلمي عنه؟ زهرة مهما كبرت ومهما اتنحتت معالم الزمن على ملامحها، هتفضل بنتي الصغيرة اللي عمري ما حبيت ولا هحب غيرها في يوم. طالعته الخالة باستغراب وصوبت عينيها عليه سائلة: _طب ما تحكيلي يا ولدي، اتغيرت معاك في إيه؟ صمت الطبيب، فهو لم يعتاد على الشكوى من زوجته منذ زواجه منها قط. فتنهدت الخالة وقامت خلفه، ثم ربتت على كتف ابنها قائلة برفق:

_أنا عارفة إنك مابتحبش تحكي يا علي، وخصوصاً شيء يخص زهرة. أنا حاسة بيك يا ولدي، انت اتعبت وروحك وصلت لمناخيرك، وأعرف إنك يوم ما تحب تحكي هتلاقيني مستنياك. أشار الطبيب برأسه بالموافقة، فهو الآن لا يحتاج سوى أن تضمه إلى صدرها. ففتحت الخالة ذراعيها تستقبله بحب، حتى يشعر بالأمان.

منتصف الليل له رونقه الخاص، ربما هدوئه، ونسماته التي تحمل لفحات البرودة بعد يوم طويل من الحرارة العالية. فهما الآن في أواخر شهر أغسطس. تجلس على الدرج أمام منزل "الصاوي"، ها هي تنظر للسماء الآن. كل شيء في هذا الوقت يدعوك للتنهد بعمق، فالسماء تبدو بكامل رونقها، تترصع بها النجوم كالؤلؤ المنسور، والهواء المترقرق يذيبك به حباً. تسرح بخيالها البعيد حتى سمعت صوت يأتي من خلفها، يخبرها بهدوء:

_ما أجمل هدوء تلك الليلة بقرية "الصاوي"، أليس كذلك؟ استدارت بجسدها تنظر إليه بعيون واسعة وابتسامة حانية:

_فعلاً يا بيدقوس، الليل هنا يجنن. قرية "الصاوي" دي أنا ماشوفتش أجمل منها في يوم. الخالة اتفننت إنها تبقى زي ما هي عايزة، وكأنها قطعة من الجنة. جوه القرية شيء وبره القرية شيء تاني خالص. لديها إنها منعت الناس يستخدموا العيبيات جوه القرية عشان الهوا ما يتلوثش. الخضار في كل شبر فيها، زهوي عباد الشمس ماليا القرية، مجرد ما ببصلها بحس براحة ونفسيتي بتتحسن. جلس "بربروس" على نفس درجة الدرج التي تجلس عليها، وترك مسافة بينهما،

يصحح لها ما تعتقده: _ولكن ليست الخالة هي من صمم كل ذلك. طالعته بحيرة، فأكمل هو ما بدأه:

_نعم، لا تتفاجئي هكذا، فقد أخبرني الطبيب بأن كل هذا كان حلم ياسين، قبل أن ينضم للضبع قديماً. كان يبني البيوت بيتاً بيتاً على هذا الشكل، يفلح الأرض بزهور عباد الشمس، صنع قية الحمام من الطين بيديه حتى يملأ القرية بالطيور، جعل للقرية بوابه خاصة بها، وكانت أول قرية يكن لها بوابتها الخاصة. كان يريد صنع حياة خاصة به، وقد أفلح بذلك، فأصبحت قرية "الصاوي" ليست كأي قرية رأيتها من قبل. ولكن كل ذلك قد هدم بوصول "المهدي والخالة".

استقبلهم والد ياسين بكل حب، فكانوا فقط يريدون أن يعيشوا بسلام. انبهرت الخالة بجمال القرية ورونقها، ومن حكمة المهدي أصبحت القرية أفضل، ولكن لم يدم ذلك طويلاً، بعدما تبعه الضبع والعربي. وبالتأكيد أنت تعلم ما الذي حدث بعد ذلك. ولكن بعد أن ربحنا المعركة، حرصت الخالة أن تعيد كل شيء كما كان من جديد، ونجحت بالفعل، إلا بشيء واحد وهو إعادة ياسين كما كان من قبل.

قالت وقد بانت علامات الاندهاش على ملامحها: _معقولة ياسين بيفكر بالشكل ده؟ ده أنا أول ما شوفته كنت بتعب منه، ده عكسك خالص أصلاً، ساعات بفكر انتوا إزاي أصحاب بالشكل ده وتفكيركم غير بعض خالص. أخذ نفساً قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة بان فيها أثر ما سيقوله: _لأني علمت من اللحظة الأولى التي رأيته بها أن ما بداخله عكس ما يظهره، مثلك أنتِ يا مارال. قالت باستغراب وهي تطالع المكان بتأمل أفسده كلامه الذي أشعل توترها، وهي

تشير على نفسها بإصبعها: _أنا؟ أنا ببين عكس اللي جوايا يا بيدقوس؟ هز رأسه بالإيجاب، فأكمل: _نعم، أنتِ، فلا تحاولي التهرب من الحقيقة، ألا يكفيكِ تهرباً؟ نبرة الحزن كانت ظاهرة جلياً في حديثه، مما جعله يسألها بابتسامة حزينة: _إلى متى الهرب يا مارال؟ فأنا أريدك بالحلال. طالعته بارتباك وقد أبعدت عينيها عنه وهي ترد عليه: _بيبيوس، أنا مابهربش منك. كاذبة هي، لم تصدق فيما قالت، فأجابها هو بما لا تريد أن تسمعه:

_يؤسفني شعور أن أخبرك بأنك كاذبة. لم تتفوهي بالصدق بكلماتك الأخيرة. أنتِ تهربين يا مارال، ولكن ليس مني، بل من نفسك. تعيشين صراعاً داخلياً بين حبك لي وحبك لدينك، وهذا يرهقك، على الرغم من أنك قادرة أن تجمعنا سوياً، لينغلق علينا باب واحد في يوم من الأيام. لقد حاولت معك كثيراً طوال السنوات الماضية ولم أيأس يوماً. ولكن إلى متى؟

تركت أصدقائي، تركت حياة قرية الصاوي حتى أكون بجوارك، حتى أستطيع النظر إليك وأشعر بقربك، حتى لو من بعيد. لقد تنازلت عن الكثير والكثير من أجلك، ولكنك لا تبالي. عند كلامه هذا تحديداً، أنصتت له، وبدا الاهتمام على وجهها، تسأله بما تريد أن تسمعه: _وإيه كمان يا بيبيوس؟ كمل قول كل اللي جواك. صمت لثوانٍ يطالع عيناها التي ترقرق بالدموع، فأكمل حديثه يفيض ما بداخله، فتحدث بصدق يظهر بنبرة صوته:

اعلم أن ربي نهاني عن التقرب من النساء دون محرمها، وأن إذا أردتها ذهبت لوليها لأخطبها منه، لكنك من أهل الكتاب، كيف أذهب إلى أهلك وأنتِ ترفضينني. أبكي عندما أضع أمر الله جانباً ولا أنقاد له لكي أرضيكِ. وأتذكر قول الله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله) وأعلم أني يجب أن أغض بصري، مصدقاً قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وأنه يجب أن أملك بصري عنكِ.

حاول التحكم في انفعاله والحديث بهدوء، جاهداً ليصل لها: "لكني وإن ملكت بصري فلا أملك قلبي يا مارال." وهذا ما يهون عليَّ، أن الله لا يؤاخذنا بما لا نملك عليه قدرة ولا سلطان. لقد تخليت عن الكثير لأجلكِ، وأعلم أني لن أفلح، لكن حبكِ أعياني وأذهب عقلي. إنني أدعو الله أن لم توافقي على زواجنا أن يرد الله لي قلبي ويذهبكِ عني. أصابت كلماته حقاً، فوقف أمامها يعطيها ظهره، مصارحاً بما لديه من صدق:

"إذاً، القرار بين يديكِ الآن، فقد أهلكني القلب حبكِ." كاد أن يتركها ويرحل، فعلقت بابتسامة حزينة وهي تزيح دموعها التي كثرت على وجنتيها، فقالت بمشاعر صادقة: "أنتَ فاكر إنك أنتَ لوحدك بس اللي ضحيت يا بيدقوس؟ فاكر إنك أنتَ بس اللي بتتعذب؟ منعته كلماتها من الرحيل، فاستدار بجسده يطالعها، يعطيها مساحة للتحدث هي الأخرى بما يكمن داخل قلبها: "أنا كمان بتعذب زيك، ويمكن أكتر كمان. طب مسألتش نفسك أنا ليه ماتجوزتش لحد دلوقتي؟

ليه بقيت يافضة، فاكرة الجواز من أساسه بعد ما كنت هموت واتجوز؟ ليه ياضيه، بكييمة اليقاصة وغييها من أهل الحاية يقولوا عليا العانس؟ سألها مسرعاً، وقد لانت نبرته بعض الشيء عندما رأى دموعها السائلة على وجنتيها بغزارة: "لماذا يا مارال؟ ردت بوجع ونبرة متحسرة:

"عشان أنتَ عارف إني بحبك. مش قادرة أشوف حد غيرك جنبي. جسمي يافضة إن واحد غيرك يلمسني. أنا عارفة إن الدين عندنا بيسمح بجوازنا من بعض، وأننا نحل لكم زي ما أنتوا تحلوا لينا. بس لما سألت في الكنيسة، يد وقالي إن اتجوز من مسيحي من ديني هو أولى بيا. يعني على ديني أكتر؟ هنطيع ربنا صح؟ مش هيقلبني على ديني في يوم؟

أما المسلم هيأثر عليا في ديني وهيبعدني عن دين المسيحية في يوم. ومع عِشّتنا سوا هتخليني أعتنق دين الإسلام، وهو ده اللي أنا متأكدة إنه هيحصل. أنا بتأثر بيكِ وأنا بعيدة عنكِ، اومال لو كنت جنبك بشوفك بتصلي وتصوم واسمع صوتك العذب كل يوم وانت بتقرأ القرآن في صلاتكِ. بالقرب مني طبيعي يا بيبيوس هتأثر بيكِ وهعتنق الإسلام. مش عشان أنا مقتنعة بيه، لأ، عشان اتأثرت بيكِ مش أكتر." برر لها بضيق: "ولكني لن أغصبك على الإسلام قط."

كان هذا رده الذي جعلها تنفعل وتدعم عبارته الذي قالها توا: "عارفة.. ومش عارفة وبس. بالعكس، أنا متأكدة إنك مش هتغصبني على حاجة أنا مش عايزاها في يوم. بيبيوس، افهم. أنا أمي أسلمت عشان خاطر عمي، مش عشان هي مقتنعة بالإسلام. وأنا مش عايزة أكون زيها." صمتت لثوانٍ قليلة، تحدق بعينين تترقرق بالدموع: "على الأقل، أقنعني إيه اللي يخليني أسيب كل ده ورايا؟ وأقتنع بدين غير ديني في يوم، غير حبي ليك." رد عليها "بربروس" بنظرات حانية،

وهو يصب عليها كامل نظره: "حسناً.. هل تحبين عيسى عليه السلام؟ فأجابت دون تفكير: "أكيد طبعاً بحبه وبصلي عشانه." نظرت "لبربروس" وقد أعطاها ابتسامة واسعة، سائلاً إياها: "حسناً، هل تصدقينه في كل ما يقول أو قيل إنه قال؟ "أكيد بصدق كل كلمة بيقولها، دي مش محتاجة نقاش." "فلقد قال الله في القرآن على لسان عيسى عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم:

(وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) رفعت كتفيها ببساطة، وكأنها اكتسبت نقطة بقوله، وهي ترد على حديثه بهدوء: "نقضت نفسك، قلت اسمه أحمد، ورسولكم اسمه محمد." هز رأسه بالإيجاب، وعلق يكمل لها باقي العبارة: "اسمه أحمد ومحمد ومحمود والمصطفى، وأبو القاسم كنيته."

تنهدت بعمق، ومسحت على وجهها بتعب، وقد تلاشت نظرات الانتصار بعينيها بعدما علمت أسماء الرسول عليه السلام كاملة. بدأ التوتر على وجهها، فأكمل بربروس ما بدأه: "أتؤمنين بالمثل الذي يقول: المركبة التي لها أكثر من قبطان سوف تغرق؟ علقت بابتسامة منكسرة: "أكيد زي ما بيقولوا كده، المركب اللي فيها يسوعين بتغرق." رد على هذا مسرعاً، وقد دعم كلامها: "جميل، فهذه سفينة، فما بالك بالكون إن قاده أكثر من واحد، فماذا يحدث؟ "تقصد إيه؟

ردت على جملته بسؤال، فأجابها بصدر رحب: "أقصد أنه لو كان هناك أكثر من إله كما تدعون عندكم، الأب والابن والروح القدس، وأن عيسى نصفه إله ونصفه بشر، لغرق الكون لتعدد الإله. وإن أردتِ أن تقولي حسناً، لا نقول أن عيسى إله بل هو ابن الله، فسأقول لكي: وما حاجة الإله لابن؟ فلو احتاج الإله إلى شيء، فهذه صفة نقص، أنه يحتاج. وحاشا مكون الكون أن يكون فيه نقص، بل هو أكمل الكاملين، له الكمال وحده." ردت وقد ظهر على

ملامحها بوادر الاقتناع: "كل كلمة بتخرج من شفايفك بثقة للدرجة دي، واثق من اللي بتقوله." "الله علمني، واعلمي أن كل شيء هنا يوصلكِ لله." "إزاي؟ "الله يقول في القرآن الكريم: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) بمعنى أننا إذا تأملنا حتى أنفسنا، علمنا أنه لا يمكن أن يصنع هذا كله إلا إله واحد، متنزه عن النقص والاحتياج لولد أو زوجة أو صاحبة. بسم الله الرحمن الرحيم: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3)

ولم يكن له كفواً أحد (4) "شعرت بهذه اللحظة أنه كاد أن يهزمها أو يقنعها. أيهما أقرب؟ فتحدثت هي أيضاً بدليل من الإنجيل: "وإننا نعلم أن ابن الله قد جاء إلى الأرض، وأنار أذهاننا لنعرف الإله الحق. ونحن الآن نحيا فيه، لأننا في ابنه يسوع المسيح." هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية. على هذا بدليل من كلامها: سبق وقد أخبرتك أن الله واحد وبشهادتك انتي أن السفينة التي لها أكثر من قبطان تغرق.

"انت عايز تقنعني بالإسلام بمجد مثال يا بيدقوس؟ قالت كلماتها باستهتار، فكان حديثه موجهاً لها بعدما أغمض عينيه بشدة محاولاً بكل جهده أن لا ينفعل ويظل على ثباته وهو يقول: "قال الله على لسانه عيسى... فأوقفته هي باستنكار: "لاء ثواني معلش يعني إيه قال الله على لسان عيسى؟

"معناه إن عيسى قال هذا الكلام، فهذا على لسانه، ولكن الله ذكر كلامه في القرآن، فالله نطق بهذا الكلام الذي تكلم به عيسى، فمن باب الأمانة أن نقول قال الله على لسان عيسى." احتفظت مارال بكامل هدوئها وهي تسأله: "طب وعيسى قال نفس اللي قاله القرآن؟ "لا، هذا نفس ما قاله عيسى، ولكن باللغة العربية، لأن عيسى لم يكن من العرب أصلاً." رد هو بنفس هدوئها، فاكملت تسأله: "طيب وربنا قال إيه على لسان عيسى؟

قال الآيات التالية بصوته العذب، صوته الذي يشرح القلوب، مما دب القشعريرة بقلبها وارتعش كامل جسده من جمال صوته وعذوبته عندما سمعت الآيات التالية:

إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

أنهى بربروس تلاوته وتوقف صوته الذي يشرح القلوب، ينظر لـ "مارال" تلك الواقفة أمامه ليجد بسمة تلقائية على شفتيها، تنظر له برضا، فطالعها هو وقد احتضنت عيناها عيناه، فتحدث بما يريد سماعه: "أدعو الله من كل قلبي أن يحثك حديثنا الصغير هذا وينور قلبك للإسلام." انمحت البسمة من على وجهها ببطء شديد، ثم فاقت من نظراتها المهتمة به، وأجابت بعيداً عن سؤاله:

"بيبيوس أنا عايزة أمشي، أنا أصلاً هيجع بكيه، مش هقدر أتأخر عن ماما أكتر من كده." انكمش حاجبه بضيق، يراها تبتعد عنه وتدخل داخل المنزل، فصك على أسنانه بعدما احتدت نظراته لها، يهمس لنفسه قائلاً: "لا فائدة." ابتعدت عنه مارال بعدما صعدت على الدرج، وعند وصولها على باب المنزل الكبير استدارت تطالعه، فابتسم هو، وقال يهمس لنفسه وهو يطالعها بنظرات ثابتة: "طبيبة أنتِ، والطاء حاء، لكن لسوء حظي حلوة أنتِ، وقبل الهاء فاء."

تجلس بهدوء واضح على ملامحها، ولكن بداخلها بركان ثائر، تتمنى بإشعال النار بمن حولها، والسؤال المسيطر على عقلها الآن: "ياترى حصل ما بينهم إيه دلوقت؟ ياترى هيرجع يحن ليها من جديد بعد السنين دي كلها؟ ياترى شخصية عمار ظهرتلها وهو معاها؟

انخرطت بداخل ذكرى حدثت بينهما في الماضي، هو الآن يجلس على الشازلونج الخاص بعيادتها، مغمض العينين، يحاول جاهداً أن لا يتفوه بشيء بخصوص شمس، ولكنها أجبرته على التكلم بطريقتها، فسألته سؤال حاول كثيراً بإخفاء إجابته: "هتفضل تحب شمس لحد أمتى يا ياسين؟ صمت لثوانٍ، فحثته هي على الإجابة، تعتقد بأنها استطاعت أخيراً أن تنومه مغناطيسياً، فرد باسماً على سؤالها بسخرية: "لما تعرفي والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه؟

فتح عينيه بعدما غمز لها بطرف عينيه، يقف مستقيماً، يتوجه باتجاه المبرد يأخذ منه مشروبه المفضل، وقبل أن يرتشف منه أشار بكف يده أولاً: "أجيبلك واحدة." تنهدت قائلة بيأس: "لا شكراً، مش عايزة." فجلس هو على المقعد المقابل لها، وارتشف نصف الزجاجة مرة واحدة، يقول لها سائلاً: "مش ناوية تطلعي شمس من دماغك بقى؟ كان يوم مش بايناله ملامح لما حاكيتلك عنها وعرفتك سري أنا وعمار. أفاقتها كلمات تلك الجالسة بجوارها على الأرجوحة:

_روحتِ فين يا مشيرة؟ من ساعة ما قعدنا وإنتِ سرحانة خالص. أفاقت من ذكرياتها تخبرها بتردد: _لا أبداً مفيش، هاروح فين يعني يا زهرة؟ بس قوليلي إنتِ ليه بتخافي على شمس أوي كده؟ فصمتت ثواني ثم تابعت: _دي بنتي ولازم أخاف عليها وخصوصاً لو مع ياسين. نجحت زهرة في كسب اهتمامها: _ليه هو ياسين ماله؟ هزت زهرة كتفيها ببراءة: _مالهوش، بس غدار شويتين. أبقي خلي بالك منه، ياسين مش سهل وإنتِ باين عليكي طيبة.

هما الأن على أعتاب القرية يقف بسيارته أمام البوابة. في هذه اللحظة سمع رنين هاتفه الملقى أمامه. نظرت شمس إلى الهاتف دون أن تلمسه فوجدت اسم الخالة. فهتفت قائلة باستغراب: _إنت مسميها على تليفونك "المزة كوكي"؟ فقبض على الهاتف بكف يده يفتح الاتصال ويضعه على أذنه مبتسمًا قائلاً: _أصلها كانت مزة بصراحة. انتظر حتى أكملت والدته أسئلتها ونطق: _لا مش إنتِ المزة.. إنتِ كنتي المزة يا أمي. استمع إلى والدته وهو يستدير لها ليطمئنها:

_اطمني يا أمي هما بخير، أنا خلاص عند البوابة داخل عليكي. هز رأسه وهو يحاول إنهاء المكالمة: _تمام، لما أوصل نبقى نتكلم. توقفت السيارة أمام منزل الصاوي وقد خيم الصمت على الأجواء. تستطيع سماع صوت أوراق الشجر عندما يحركها الهواء. لتشعر بأن كل شيء صامت هنا. فجأة ظهرت زهرة من العدم، تفتح باب السيارة الخاص بابنتها تجذبها من ذراعها وهي داخل السيارة. _الفجر أذن وإنتوا لسه ماجيتوش. مكانش ليكي لازمة خالص إنك تروحي.

كان "ياسين" قد نزل من سيارته يستمع لحديث "زهرة" وهو يحرك أصابعه بين خصلات شعره للخلف بتعب حقيقي: _هو إنتِ لسه صاحية يا ولية؟ مانمتيش ليه؟ نظرت له باشمئزاز وهي تجذب ابنتها خلفها: _أصل مستنية الأذن منك عشان أنام يا سي ياسين. انكمش حاجبي شمس دلالة لعدم فهمها: _ماما في إيه؟ _إنتِ اسكتي خالص وتعالي ورايا. إنتِ فاهمة. أشارت "زهرة" برأسها لـ "سارة" وأنتِ كمان كفاية كده يا سارة يلا عشان ترتاحي.

رحلوا معها تحت أنظار الجميع. فطالع "ياسين" يزن بعيون ثاقبة فهرب نظر بنظراته قائلاً: _أنا هطلع يا ياسين، كان يوم متعب أوي النهارده. أشار ياسين برأسه بالموافقة يراه يبتعد عنه. فأتت مشيرة من خلفه تحاول أن تستجمع كلماتها: _ياسين أنا ما جاليش نوم إلا لما تيجي عشان كنت عايزة أقولك. فبتر هو كلماتها بضجر: _معلش يا مشيرة مش وقته دلوقتي. أبقي قوليلي اللي إنتِ عايزة تقوليه وقت تاني. أنا لازم أمشي. سألته مسرعة وهي

تراه يبتعد أمام ناظريها: _إنت رايح فين دلوقتي؟ لم تتلقى منه أي رد ولم يهتم هو بالرد عليها. فأسرع إلى قبر عمار ينظر هنا وهناك يلتفت بكل مكان. وقعت عيناه على اللوح الرخامي المدون عليه اسمه. قرأه بصوت مسموع: "عمار بن يزيد الصاوي" ثم نادى على اسمه بصوت مسموع وهو يلتفت يسارًا ويمينًا: _عمــــــار، إنتَ فين؟ أنا عارف إني هلاقيك هنا.

كان الظلام يسود الأجواء. لا تستطيع أن ترى كف يدك، فقط ضوء القمر البسيط. من حولك الموتى بكل مكان. فظهر له من العدم بعينين تغير لونهما إلى اللون الأحمر القاتم. تستطيع أن تراهم يضيئون بهذه العتمة. كان يتحرك بسرعة كبيرة حوله حتى وقف أمامه قائلاً ببرود: _عايز مني حاجة يا بابا؟ قال سرد ما يدور في خاطره: _إنت كنت ممكن تقتلها النهارده. قال "عمار" بانفعال وهو يشير برأسه: _إنت خفت عليها. حرك "ياسين" رأسه موافقًا

وتبع ذلك بقوله: _أكيد خوفت عليها. هي مالهاش ذنب عشان تموت. قال "عمار" مبتسمًا بظفر: _يبقى أنا كنت صح. أنا كنت عارف إنك ضعيف بيها وهتنساني أول ما تشوفها. نفى "ياسين" ما قاله "عمار": _ما حصلش ولا هيحصل إني أنساك في يوم. بس بلاش موت يا عمار، بلاش تقتلها. لو على إني أرجع وأبعد من هنا، أنا عايز أبعد وإنت اللي مش راضي. قال وهو يصرخ بأعلى صوته: _عشان يزن. أي حاجة في الدنيا تهون عشان يزن. اخفض نبرة صوته قليلاً وهو يقول:

_يزن بيفتكرني بيك. قربك منه بيحسسه بوجودي معاه. وأنا لا يمكن أكسره في يوم وأخليك ترجع من غير ما تحضر فرحه. فوقف ياسين ولأول مرة متحديًا عمار: _لو حاولت تأذيها مرة تانية هسيبه وأمشي. إنتَ فاهم؟ أنا مش جاي عشان أقتل حد. احتدت نظرة عمار لياسين وهو يطالعه وكأنه استحوذ على عقله بالكامل. فوضع ياسين يده على جبينه من شدة الألم يقول بعدما تجمد الدم بعروقه: _اطلع من دماغي. هنا أمره عمــار ومن الواضح أنه يسيطر عليه بالكامل:

_أركع. طبق عينيه بشدة من كثرة الألم يحاول أن يرفض طلبه هذه المرة. _لاء. فكرر طلبه مجددًا ببرود تام وهو على يقين بأنه سيستجيب لطلبه: _هتركع وهتموتها وبعدها هتموت نفسك. إنت فاهم يا بابا؟ أشار ياسين براسه بالموافقة. لحظة استسلام تام فقد سيطر على عقله بالكامل وأصبح مريضًا به. يحاول ياسين التخلص من مرضه كغريق يبحث عن قشاية للنجاة. فهل من منقذ له؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...