شعور العجز مقيت، فهو الآن عاجز أمام رغباته. رغبات "عمار" التي تزداد سوءً يومًا تلو الآخر، يتردد إلى ذهنه آخر كلماته وهو يؤمره بقتـ ـلها. ما عاد يعنيه نفسه بشيء، فهو مستعد بالتضحية بنفسه طالما "عمار" رغب بذلك. ولكن "شمس" ما ذنبها؟ هل حقًا تستحق المـ ـوت؟ وجد نفسه ينخرط بذكرى داخل عقله، وتلك الرجفة التي أصابتها عندما حاوط كفه كفها الصغير يحتضن عينه عينيه بصدق.
فاق من تلك الذكرى التي حدثت بينهما منذ ساعات قليلة، فوقف يتحداه مجددًا. للمرة الثانية يطالع عينيه بتحدي: _مش هقـ ـتلها ياعـــمار. هناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء. ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما داخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك. هو الآن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تمامًا. يتقلب على فراشه يسارًا ويمينًا، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه. الآن ولكن محاولاته بائت بالفشل. فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين. محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعًا. حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه. فخرج من غرفته يبحث عن ياسين ظنًا منه بأن ربما لديه الحل. قام بمهاتفته ولكن دون إجابة. لم يمنعه ذلك من البحث عنه. ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه.
كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده. لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته. مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه. وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلًا بضجر بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي: _قولتلك مش هقـ ـتلها. قال جملته بصوت مزعج، نبرة خشنة. لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجب ريبة مما يحدث. وعاد خطوة للخلف فانزلقت إحدى قدميه بصخرة. استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف ووجه
مقابل له يوجه له حديثه: _أنت كنت بتكلم مين ياياسين؟ رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهه. حاول أن يطمئنه محاربًا خوفه الذي وصل ذروته. استدار ينظر أمامه من جديد فلم يجد "عمار". تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو: _تقصد إيه؟ رفع ذراعه للأعلى وهو يشير بأصبعه على اللوح الرخامي:
_أنت كنت لسه حالا بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس. تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه محاولًا بها أخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو: _من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة بحس إنه موجود معايا. حاول "ياسين" تغيير مجرى الحديث بسؤاله التالي: _لكن أنت بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله: _أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق مابلاقيش غيره أتكلم معاه. بلاقی رجلی بتجيبنی هنا لوحدها وكأنها عارفه طریقها. أنا المفروض كنت بدور عليك جيت هنا إزاي مش عارف. حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه: _أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك. فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
_عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل. انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب. فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكأ بظهره عليه يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية: _هتساعدني ياياسين؟ أكد "ياسين" على كلمته دون تردد: _أكيد لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن. قال سؤاله وهو يجلس بجواره: _الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟ كان هذا سؤال "ياسين" فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها: _كانسر. ظهر على وجه "ياسين" الذهول. فتابع "يزن" حديثه:
_في المرحلة التانية. سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين. أنا فتحت عيني على الدنيا دي لاقيتها هي وعمار قدامي. ماعرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي. وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل. حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما: _أنت مش هتسمح أنها تمـ ـوت صح ياياسين؟ علم "ياسين" مقصده فأطبق الصمت. استقام "يزن" واقفًا أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنث به وعينان دخلا
في ملحمة عظيمة من الدموع: _أنت مابتردش عليا ليه؟ أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه: _علشان لو أنت مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شىء أعمله تبقى غلطان. بعد اللعنة ماتجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه. ولو تقصد أني أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت. اللعنة معموله عشان كده يا "يزن" عشان مانتكاثرش واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت. أي حد اتحول بعد اللعنة بيموت وأنت عارف كده كويس.
نزلت دموع "يزن" فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقًا: _أنا لو في إيدي شىء مش هستناك حتى تطلب. أنا نفسي مابقتش زي الأول بقيت ضعيف. اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا. أه مش بيبان على شكلنا بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين. فنطق "يزن" مستفسرًا بعدم فهم: _يعني إيه.. يعني أنت هتسيبها تمـ ـوت زي ما سبت عمار يمـ ـوت؟
أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيته ولكنها تترك أثر بقلب المستمع. طالعه "يزن" بجدية أكثر وهو يسترسل حديثه: _أيوه، مستغرب ليه؟ وكأنك مش عارف أنك السبب في مـ ـوته. لو مكنتش سبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا. لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول ومكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة. ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن" يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن".
فنطق بقهر وهو يقف أمامه: _أنا اتقهرت منك وقلبي أتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في دمه. مشيت وبعدت عنه. طول عمرك بعيد في حياته وحتى في موته ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه. مادورتش على حل أنه يفضل عايش سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه. طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن" فأشار "عمار" برأسه له يمينًا ويسارًا ينفي ما قاله "يزن" للتو: _لأ ماتصدقهوش أنا عايش ماموتش ياياسين. لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحدًا خلفه.
استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه. فنظر لياسين مجددًا: _أنت حتى مش مهتم باللي بقولهولك. أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي. أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني. أنت عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمـــار. استدار بجسده يستعد للمغادرة يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة. فأوقفته كلمات "ياسين" التالية: _ساره مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن.
هنجرب دكتور واتنين وتلاته. هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا. ماتتفقدش أملك في الله. أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنت ضعفت ساره هتضعف بيك ومش هتكمل. بس وجودي جنبك هيقويك. أنا مابأسش. أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنت وساره. ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتيجي على حسابي. بس مش عايزك تيأس.
أنت لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل. كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي. فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق. صدق كلماته فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي. كسى أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله. ارتمى بأحضان ياسين يبكي يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه. ورحب ياسين بذلك. ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل. يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات. أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها: _تعالي مستنينك. انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول: _لا لا... مش وقته النهارده خالص أنا تعبانة أوي وهموت وأنام نبقى نقعد مع بعض وقت تاني. وضع حسان الحامل الذي وُضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
_خلي بالك أنا عندي امتحانات الأيام اللي جايه ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين. وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير سائلة: _ومن امتى يا حسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لأ وكمان عارف معاد الامتحان ده في تطور كبير. ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفّي: _أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من دمه، وأنت عارف ياسين يعملها بجد.
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ"حسان" بعتاب: _يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد. سمعوا طرق الباب فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة وتبعتها "مارال". لم تجد مقاعد شاغرة فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث: _سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين مانمتوش. التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات
تضعها بكف سارة وهي تقول: _دخلت لقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان. _خيي ما عملتوا، أنا أصلاً ما كانش جايلي نوم النهاردة. حاولت أنام معرفتش. كان هذا رد مارال، وتابعت قول سارة: _أنا بقى ببص من الشباك لقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي وبتصل بيه مابيردش. قلقانة عليه أوي. أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
_ما تقلقيش، أنا شفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه. أكيد هما مع بعض دلوقتي وطالما مع ياسين فما تقلقيش عليه. فردت "غدير" مسرعة: _بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين. فردت مارال والفضول يسبقها: _لقيتي إيه يا ذبلة؟ _أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه. أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة: "ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه"
ضحك الجميع بعدم فهم على جملته مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً. فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له. تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثراً كبيراً فيها.
كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها. ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
_أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وما تعرفيش إيه في بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة، بس أوعي تعملي صوت. الضبع لو حس إني خرجتك هيقتلنا إحنا الاتنين سوا. هو اه عجوز بس جبار. قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين. عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
_طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة. وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لقيت صوره كلها لوحده. كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة. فقالت سارة بعدم تصديق: _الذئب ده شبه شيزار أوي. وجهت حديثها إلى مارال: _فكراه يا مارال؟ _أكيد فكياه، ده شبه بتاع داغي. فنفت غدير ما قالاه للتو: _هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده.
فسأل حسان سؤاله: _بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه ومشيرة؟ فطالعته غدير قائلة: _لأ استني، لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عاملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده. بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها: _أهيه. أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم: _هو ماله بعيد عنها في الصوية كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟ مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
_أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق. مش لايقين على بعض خالص. كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً: _وأنت إيه رأيك يا شمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟ فأجابت بعيون زائغة، تأكد ما ستقوله: _ياسين اللي أعرفه ما بيعملش حاجة غصب عنه. أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى له: _أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة. فوافقها حسان قائلاً: _والعربية اللي ساند عليها رهيبة.
فأكملت غدير حديثهما: _ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه. ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل: _بس أنا بيضوا هموت وأعيف هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ما تعيفيش انتي يا شمس.
انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء. فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور. تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا. طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق:
_اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة. كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب: _دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟ أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟ ارتسمت الابتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهرة وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها. _كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟
قالت جملتها بضجر، فردت "سارة" مدافعة عنها: _مع ياسين إيه يا طنط زهرة؟ شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره هو ويزن وشمس دخلت معايا. ضربت "سارة" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فشلت "شمس" مرفقها من كف "زهرة" تنفي ما قالته "سارة" للتو:
_أنا مش عايزة أكذب عليكي يا أمي. أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنت هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وابقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا. بدى الإحراج ملياً على وجه "سارة"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها: _أنا كنت بحاول أهدي النفوس يا زهورتي. صكت "زهرة" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها:
_يا ماما، يا ماما أنا ما بقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص. فردت "زهرة" مسرعة: _وأنت مهما كبرتي مش هتكبري على أمك يا شمس. قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق: _أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايزكي تشوفي اللي أنا شوفته. عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة. فابتسمت "سارة" وارتفع صوتها قائلة: _أيوه بقى يا "زهور" حني على البت ووريها حنانك. دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً:
_أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهارده. فابتسمت "زهرة" وهي تضمه إلى صدرها بحنان: _ربنا يبعد عنا الدم يا ابني. أخذت تطالع كلاً من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر: _إنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم. فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة: حتى غدير ربيتها معاكم وسطكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه ويا خوفي من اللي جاي يا ولادي.
الملهى الليلي هو مكانه المفضل جلس به، يتجرع كأس تلو الآخر، وقبل أن يتجرع ما بيده يطلب من النادل أن يصب له المزيد. الضجيج يعم المكان مما جعل "فريد" يقول بنبرة عالية للواقف أمامه: _صبلي كاس تاني. منعه صديقه وهو يشير بأصبعه للنادل بالرفض: _كفاية كده يا فريد، أنت بتشرب بهبل. وضع الكأس على البار بقوة يضغط عليه بكف يده بعنف:
_الواد اللي اسمه حسان ده كان خلاص هيقول لي على كل حاجة، بس لولا ما مقصوفة الرقبة اللي اسمها غدير دي جت وندهت عليه، مش عارف ظهرت من أنهي داهية دي كمان. فنظر له سائلاً: _الموضوع ده للدرجة دي شاغلك يا فريد باشا؟
_طبعاً شاغلني، أنا مش قادر اطلعها من دماغي، ما فيش واحدة رفضتني قبل كده، وفي نفس الوقت ما فيش حد راضي يصدقني يا خالد. كل لما أقول إني شفت ناس ميتة اتحولت لذئاب، واللي اسمه ياسين ده عينه بتتحول للون الأحمر، محدش بيصدقني، بيفتكروني مجنون. مش عارف أثبت إزاي إني بتكلم بجد، وإن اللي شوفته ده مش تخاريف. بذمتك أنت نفسك لما حاكيت لي صدقتني؟ هز رأسه قائلاً برضا: _طبعاً صدقتك. لم يكد أن يصدق ما قاله، فابتسم
بسخرية وهو يتجرع كأس آخر: _أنت بتقول كده بس عشان خايف لا أحطك في دماغي. وضح له خالد ما عنده ناطقاً: _وحياتك عندي أبداً، أنا فعلاً مصدق كل كلمة قلتها. أنا مؤمن جداً بالخوارق، وبعدين أنا سمعت عن قرية الصاوي دي زمان، واللي بيحصل فيها، احنا بس محتاجين نثبت كلامك مش أكتر. ابتلع ريقه، مطالعاً بعدما نجح بجذب اهتمامه: _وهنثبت كلامي إزاي يا خالد؟ كان هذا سؤاله، فصمت لثوانٍ قائلاً:
_أنت مش بتقول إنك لما نرفزت اللي اسمه ياسين ده عينه اتحولت للون الأحمر؟ _أيوه حصل. استدار له هاتفا: _طيب وتفتكر إيه اللي يخليه يتنرفز أكتر ويطلع أسوأ ما فيه؟ هز "فريد" رأسه وهو يقول: _شمس، لما بتيجي سيرتها بسوء، أو لو حصلها حاجة مثلاً. ضرب "خالد" كف يده بكفه الآخر: _شمس دي اللي أنت بتحكي لي عنها؟ _أيوه هي. _يبقى اتحلت يا باشا. طالعه باستغراب، فقطع خالد نظراته قائلاً:
_أقصد يعني لو شمس دي في مرة وهي معاه، وحد خطفها أو يأذيها على خفيف، أو حصل معاها أي شيء، وقتها مش هيقدر يتحكم في نفسه، ولو كلامك صح هيغير لون عينه زي ما عمل معاك، وهنا بقى نبقى عاملين له كمين ومصورينه، ونبلغ سيادة الوالد إن في كائن خطر على البشرية وسطنا، وأكيد الحكومة هتتصرف، بس أهم شيء نكون عاملين له كمين والفيديو يتصور صح، إحنا بس محتاجين نخطط لها وشوية مصاريف كده لزوم الرجالة اللي هنجيبها تقوم بالليلة.
ابتسم "فريد" ابتسامة رضا مما قاله صديقه وهو يتجرع كأساً آخر، يشير برأسه موافقاً: _لو اللي في بالي حصل وقدرنا فعلاً نصوره، حلاوتك هتبقى كبيرة أوي. حل الصمت واتخذت النظرات محلها لتصبح هي المسيطرة الوحيدة، كان يجلس أمام البحيرة هو وعمار بعدما أعاد "يزن" إلى المنزل، فقطع عمار الصمت بينهما بقوله: _شكراً. رد عليه "ياسين" وقد ابتسم بمكر: _على إيه؟ رد "عمار" على السؤال بأجابة أخرى مردفاً بابتسامة: _أخلص، أنت عارف.
تحدث "ياسين" ناهياً الحديث: _آه عارف، تقصد عشان يزن يعني؟ كرر "عمار" مردداً خلفه بسخرية: _آه عشان يزن يعني، يزن مش مجرد صاحب بالنسبالي يا ياسين، وزي ما قالك هو مكانش له غيري في الدنيا، وعايزك يبقى له غيرك من بعدي. شرد "ياسين" لثوانٍ، فعلم "عمار" سبب شروده: _أنا عارف أنت بتفكر في إيه دلوقتي. ضحك على قوله وهو يمد كفه يفتح مشروبه المحبب إليه:
_أنا عارف إنك عارف، عشان كده مش هسألك السؤال اللي دايماً بسألهولك ومابتردش عليه. فقال الاثنان بنفس واحد ما يردده ياسين دائماً: _وأنا مش هسألك يا عمار، أنت ليه مش عايز تقولهم إنك عايش؟ عشان عارف إنك مش هتجاوب غير بكلام مالوش لازمة. ضحك الاثنان سوياً عندما انتهوا من جملتهم، فمد ياسين كف يده لعمار بمشروبه، فرفض عمار على الفور: _مابحبهوش، ما أنت عارف. فأصر ياسين هذه المرة: _طيب جربه على الأقل.
القى ياسين بمشروب الشيري كولا إلى يد عمار، فوقع على الأرض، فطالعه ياسين بضجر: _طيب على الأقل أمسكه وادوني كده، وقع كله في الأرض. رفع عمار كتفيه للأعلى بابتسامة بسيطة: _عشان قولتلك من الأول مابحبهوش، مش ذنبي يا سطا. فأردف ياسين: _سطا!! جلستهم ضحكاتهم وهم يشاهدون شروق الشمس فتمنى ياسين قائلاً: "نفسي تبقى راضي عني كده على طول ياعمار" علق عمار على حديثه هاتفا:
"طول ما أنت واقف جنب يزن أنا هبقى راضي عنك على طول وبخصوص شمس أنا عارف اني زودتها حبتين بس انت عارف انا كنت بقسى عليك ليه" "طلع شمس ما بينا ياعمار، بلاش تحطها في دماغك" كان هذا رجاء ياسين فتابع عمار بقوله: "انا خايف أنت اللي تحطها في دماغك، أنت مش فاهم ياياسين اليوم اللي شمس هتقرب منك فيه هختفي من حياتك فيه يا أنا يا هي مالهاش اختيار تالت" "وليه؟ سأله بعدم فهم فجاوب بضجر: "يــــوه هنعيده تاني" رفض
ياسين هذا وقال باعتذار: "لاء مش هنعيده تاني أنا اسف بس ماتضايقش انا ماحبش اشوفك مضايق بس على الأقل مش كل خطوه تحاسبني عليها معاها طالما هفضل جنب يزن خطوه بخطوه اكيد هي مش هتسيب ساره فاهمني ياعمار" أشار عمار رأسه بالموافقة مع نبرة تحذيرية: "بس خللي بالك منها وانا مش هدخل الا لو حسيت اني لازم ادخل" وافق الاثنان على ما اتفقوا عليه للتو يطالعون البحيره أمامهما فساد الصمت لثواني ثم أردف عمار قائلاً: "أنا بحبك ياياسين"
طالعه ياسين بمرح: "قول بابا يابن البوبي" فكرر عمار من خلفه وضحكاته تظهر بنبرة صوته: "يابن البوبي" حلت الظهيره وحلت معها أشعه الشمس الحارقه محاوله النوم تجعل النوم يهرب من بين جفونك فتحت باب غرفتها سائله أول من رأته عيناها: "دكتور علي ماشوفتش ياسين؟ ابتسم الطبيب وهو يجيب على سؤالها: "لاء ماشوفتهوش من امبارح بس ماتقلقيش زمانه جاي" حاولت الاعتراض قائله بعدما وجدت شمس تمر من أمامها فارتفعت نبرة صوتها:
"مقلقش ازاي بس، دي اول مره ياسين يسيبني الفتره دي كلها لوحدي اصل أنت ماتعرفش طول المده اللي ياسين كان غايب عنكم فيها مكانش بيسيبني فيها ازاي عشان كده تلاقيني مش متعوده على بعاده مش أكتر" كانت تسرد بما لديها وهي متعمده ارتفاع نبرة صوتها فاستغرب الطبيب ينظر خلفه فوجد شمس تمر بجانبه تتجه الى الخارج قائله: "دكتور علي كنت عايزه اسألك عن شىء لو ينفع" استأذن الطبيب من مشيره بقول: "بعد اذنك"
سار بجوارها بالخارج فلم تستطع منع نفسها فبدأت بالاستفسار عن بعض الاسئله البسيطه: "انا عارفه انك مش دكتور نفسي بس كنت عايزه اسألك كام سؤال ممكن تكون عارف اجابتهم" فأجاب بكل سرور: "أكيد أسألي ياشمس" "انا بحثت طول الليل عن المرض النفسي وازاي الواحد يقدر يعيش وحد تاني ميت عايش جواه بس مالقيتش اجابه تفيدني" فسألها هو مستفسراً: "مش فاهم وضحي اكتر" "يعني ينفع اني اكون عايشه بشخصيتين"
"فهمتك ياشمس، اكيد ماينفعش وعشان كده بنسمي الشخص اللي بيعيش بشخصيتين مريض نفسي وبنخصص المرض ده بأسم انفصام في الشخصيه الانسان بيعيش بشخصيتين مختلفين تماما عن بعض وممكن شخصيه فيهم تأثر على التانيه وخصوصا لو كانت شخصيه منهم شريره، الشخصيه الشريره بتبقى هي الأقوى والمريض وقتها مابيبقاش حاسس ولا فاكر الشخصيه التانيه عملت ايه" انخرطت بذاكرتها وياسين محاولا التبرير لها:
"أنا عارف انك مش هتصدقيني بس انا مش عارف أنا عملت كده ازاي" فعادت للواقع تستكمل ما بدات به: "طيب لو كان عارف وحاسس بالشخصيه التانيه" فأجاب سؤالها بسؤال اخر: "أنت متأكده أنه عارف أن في شخصيه تانيه معاه" حاولت التذكر اخر ما قاله لها ياسين: "اوعدك اني هحاوعد عنك عشان ما أذكيش" فأجابت بيقين: "أيوه متأكده عارف ان الشخصيه التانيه كمان مؤذيه"
"بصي انا ماليش اوي في المرض النفسي بس قرأت عنه شويه لو الشخص ده عارف ان في شخصيه تانيه معاه وبيكلمها مثلاً ده مايبقاش انفصام ده يبقى مرض اسمه "جنون الأرتياب" وده اخطر من الانفصام بكتير لأن المريض بيشوف وبيتكلم مع الشخصيه الخياليه دي في دماغه وهو مقتنع انه عايش وبيتعايش وبيسمع كلامه في كل حرف بيقولوه ولو الشخصيه اللي ظهرتله وعقله كونها بأنها شخصيه شريره ممكن تسيطر على عقله وتخليه يعمل اشياء هو مقتنع بيها وممكن الشخصيه دي تبقي شخصيه طيبه تعينه على حياته برضوا على حسب الشخصيه بصي انا مش فاهم اوي بس أنت بتسألي ليه؟
"ابدا، دي مجرد اسئله" هكذا قالت شمس وهي تقول بتوتر: "اصل كان في واحده صحبتي بتحس بحاجات غريبه زي اللي قولتهالك كده مع خطيبها" فاخرج هاتفه من جيبه يستخرج رقم هاتف طبيب نفسي على معرفه وطيده به: "بصي خللي صاحبتك تاخد الرقم ده وتتصل بدكتور سمير دكتور شاطر جداً برشحه وبقوه هو هبجاوبها على كل اسألتها خليها تروحله موجود في اسيوط وسط البلد"
ابتسمت بامتنان تشكره على مساعدته لها تاركه اياه وخلفه من يستمع لحديثهما سوياً كانت مشيره هي من تستمع لهم فاشتعلت النيران بداخلها تضغط على اسنانها بقوه فأمسكت بهاتفها تحادث شخص ما بالهاتف: "أيوه ياسامح مش قولتلك البت دي مش هتسيبه الا لما تعالجه" صمتت تسمع ما يقال لها عبر الهاتف قائله:
"أنت مجنون اكيد ماقولتش لكمال اخويا حاجه كل اللي قولتهوله اني خايفه على اللي اسمها شمس دي من ياسين عشان كده عايزاه يرجع معايا ما انت عارف كمال اخويا" ظلت تقضم أظافرها ثم زفرت: "ياسين لو اتعالج هيبعد عني وعمره ما هيرجع معايا وده اللي لا يمكن اسمح بي أبداً" "برضوا مش هتقولي هانروح على فين يايزن؟ كان هذا سؤال ساره بعدما جذبها يزن من مرفقها بلطف يحثها على الصعود داخل السياره ينتظرهما ياسين بالخارج:
"مافيش هانروح فين يعني تعالي ننزل اسيوط نخرج شويه وكمان في دكتور حجزتلك عنده كويس اوي عشان هنعرض عليه الأشعه" ردت عليه ساره بانفعال: "يزن أنت بقيت موسوس أوي على فكره انا بقيت كويسه اوي دي مجرد دوخه مش أكتر" فرد ياسين مردفاً وهو يقف أمام سيارته: "طب وأيه وجه اعتراض سيادتك اركبي انا كده كده رايح أسيوط اجيب شويه حاجات من هناك" فاشترطت عليهم شرط صغير قبل أن تصعد الى السياره:
فطالعها الاثنان يسبقهما الفضول فقبضت بكف يدها على مرفق شمس تجذبها اليها قائله: "طالما هانروح اسيوط شمس تيجي معانا" فردت شمس سائله: "انتوا رايحين أسيوط؟ كانت الاجابه بنعم فوجدتها فرصه للذهاب الى الدكتور النفسي فصعدت الى السياره قائله: "مستنيين ايه يلا انا جاهزه"
انطلقت السياره تشق طريقها ولكن هناك من يراقبهم عن كثب مبتسماً حينما تجمع الاثنان سوياً على الطريق فلم يجد فريد فرصه كهذه حتى يثبت ما كان يكذبه عقله منذ سنين فهل سينجح لما يخطط له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!