استدارت بجوارها إلى "ياسين" الجالس يقبض على المقود بكفيه ينظر للطريق بعينين ثاقبتين سائله: _هو إحنا هنروح إمتى؟ ابتسم بسخرية يجاوب على سؤالها: _أفتكر إنك نطيتي في العربية بمزاجك، فنروح أمتى دي بقى بمزاجي. لا تعلم كم مر من الوقت حتى بلغوا وجهتهم، هبط "ياسين" من السيارة وهو يسند بذراعه على الباب، ووقفت "شمس" بجوار الباب الأمامي الخاص بها، تردد في ذهن "يزن" وهو يهبط من السيارة آخر محادثة حدثت بينه وبين "ياسين"
قبل ساعات: _سارة هتعيش مش هتموت.. أنا مش هسيبك يا يزن. قال آخر كلماته يطالعه بنظرات واثقة مما يقول، فبعث بقلبه شيء من الطمأنينة. فاق "يزن" من شروده على صوت "سارة" بملامح وجه باسمة: _هتفضل واقف عندك كده كتير؟ هو مش المفروض إننا جايين هنا نغير جو ونخرج؟ فأكمل "يزن" جملتها بعيون زائغة يحك على أنفه: _وجايين نكشف عليكي كمان، نسيتي دي؟ تركت مكانها بعدما استدارت حول السيارة واقتربت منه تحتضن كف يده قائلة ببسمة حانية:
_يزن، والله أنا كويسة. دي مجرد دوخة مش أكتر، للدرجة دي بتخاف عليا يا يزن؟ راودت "شمس" ذكرى لـ "ياسين" في مخيلتها تسمع أنفاسه على مقربة منها عند سماع هذه الجملة من "سارة": _بتخافي عليا يا شمس؟ ابتلعت ريقها ترمق "ياسين" بنظرات خاطفة تبدو وكأنها تصادف وجهه للمرة الأولى، بينما "ياسين" لا ينظر إليها، فكان ينظر أمامه يطالعهما ترواده نفس الذكرى وهي تقول بنبرة بها من الغيظ ما يكفي:
_لا.. لن ولم أخف عليك قط بحياتي، فأنت سبب خوفي لسنين طويلة. حاول عدم النظر إليها بجواره، لذا ادعى شروده، يخشى أن تفضحه نظراته، فابتلع ريقه وأرغمه قلبه دون أن يشعر للنظر إليها نظرة خاطفة سريعة، فنظرت "شمس" أمامها مسرعة قبل أن يراها تطالعه هي الأخرى، فابتسم بسمة صغيرة ظهرت على ثغره. أقترب "يزن" من "سارة" أكثر رافعاً كف يده يمرر أصابعه بين خصلات شعرها المتروكة على جبينها، أصبح وجهه على مقربة من وجهها قائلاً
وعيونه تحتضن عيناها: _وأنا ليا مين غيرك أخاف عليه يا سارة؟ تنهدت "سارة" بهدوء، تحركت ناحيته حين مسحت على عنقه تنظر له بعينين تجبره على النظر إليهما: _أنا بحبك أوي يا يزن. أنهت جملتها وهام هو بها، أصوات ضربات قلبه السريعة غطت على أي صوت آخر، ابتسم بسمة حانية ومال يقبل جبينها قبلة طويلة، أغمضت عيناها ورائحته تتسلل إلى روحها، كم اشتاقت لقربه منها بهذا القدر؟
الغريب بهذا كيف للمسة واحدة من شخص تحبه تكون قادرة على جعلك تشعر بأن كل شيء تريده أصبح ملكك الآن. حمحم "ياسين" عند رؤيتهم هكذا، فاقدين الشعور بالمكان والزمان قائلاً بسخرية: _طيب نجيلكم إحنا وقت تاني بقى. ابتسمت "سارة" بعدما استدارت بجسدها تطالعه بمشاكسة: _إيه؟ ماحدش خاف عليك قبل كده ولا إيه؟ انمحت الابتسامة من على وجهه ببطء، يهز رأسه نافياً، ينظر إلى تلك الواقفة من الجهة الأخرى للسيارة قائلاً: _لاء.. مافيش.
مسح وجهه بضيق وانحنى بجسده سريعاً يعود أدراجه داخل السيارة يحاول الهرب من النظر إليها قائلاً: _أنا هاروح أركن العربية في مكان قريب وأنت اطلع العيادة يا يزن وأنا هطلع وراكم. أشار "يزن" رأسه بالموافقة وضغط "ياسين" على المكابح مسرعاً وكأنه يهرب من شيء ما، ربما من عدم النظر إليها أو ربما من نفسه هو نفسه، لا يعلم.
ربما هناك ألم بداخل صدورنا مهما حاولنا إخفاؤه تفضحه الأعين بمجرد النظر إليهما، لاحظ "بربروس" الحزن بعيون "مارال" من آخر محادثة بينهما وهي تحاول تجنب حديثه.
بحث عنها بعينيه حتى شعر بها قلبه، هي الآن بداخل غرفة "غدير" تضب أغراضها بحقيبتها تستعد للمغادرة، لم يستطع الدخول ولكنه انتظر بالخارج حتى لا يكونوا بمفردهما بداخل غرفة مغلقة، فانتهت هي مما تفعله تنادي على "غدير" من الداخل، لم تجب عليها حتى خرجت تبحث عنها لتجده أمامها، يصنع "بربروس" عدم معرفته بتجاهلها له، فبدأ بقول: _أنويتي العودة؟ فأجابت تنظر بعيون باحثة عن "غدير": _آه.. ماشوفتش غدي؟ تجاهل سؤالها
وهو يصوب نظره تجاهها أكثر: _أسنعود بتلك السرعة؟ كمشت حاجبيها وهي تصوب نظرها تجاهه تكرر كلمته: _سنعود؟ بالتأكيد فلن أتركك تعودين بمفردك. تحركت من أمامه تجاوبه: _بيبيوس أنا مش عيلة صغية وزي ما عرفت أجي لوحدي أكيد هعرف أروح لوحدي. استدار بوجهه يتابعها بعينيه تبتعد عنه، يتجاهل ما قالته قائلاً بسخرية بصوت عالٍ نسبياً: _حسناً، خذيني أنت معك لأني ضللت الطريق.
ابتسمت "مارال" دون أن تنظر خلفها، فأكملت طريقها تبحث عن "غدير" بالخارج. دخل "يزن" بخطوات بطيئة مترددة للعيادة، يخشى أن يصل إليها ويضطر لسماع ما يؤكد بإصابة حبيبته "سارة" بهذا المرض اللعين، يتقدم نحو الممرضة على أمل أن ينفي الدكتور ما بالأشعة التي أحضرها معه، ابتلع ريقه بتردد وهو يردد: _في حجز باسم سارة العربي؟ أشارت الممرضة برأسها بالإيجاب بعدما تحققت من دفتر المواعيد:
_أيوه يافندم، بس للأسف الدكتور هيتأخر النهارده شوية، لو تسمح تقعدوا تستنوه، هو قدامه بالظبط نص ساعة. أشارت "سارة" برأسها بالموافقة بعدما قرأت اليافطة المكتوب عليها تخصص الطبيب، جلست على المقعد سائلة "يزن" بهمس: _دكتور مخ وأعصاب؟ ليه يا يزن؟ فمال هو بوجهه هامساً بأذنها: _أنتِ هبلة يا سارة، أنتِ مش بتحسي بصداع ودوخة في راسك؟ هوديكي فين غير مخ وأعصاب؟
ذمت على شفتيها من كثرة اهتمامه بهذا الدوران الخفيف الذي شعرت به، فلم يأتي ببالها قط بأن يكون لديها ذلك المرض الخبيث. وقفت "شمس" بعدما رفضت الجلوس تسأل الممرضة عن الدكتور "سمير فايز" إذا كان بالقرب من هنا، فأجابتها الممرضة تشير بأصبعها جهة اليسار: _تقصدي دكتور سمير؟ دكتور أمراض نفسية وعصبية. أشارت "شمس" رأسها بالإيجاب: _أيوه هو. استكملت الممرضة أجابتها قائلة: _هتلاقيه بعدنا بشارعين برج الجوهرة الدور الرابع.
ابتسمت "شمس" بسمة شاكرة لها، تاركة إياها تخبر "يزن" و"سارة" قائلة: _طالما الدكتور هيتأخر شوية، هاروح أعمل حاجة جيت عشانها مخصوص. فردت "سارة" مسرعة: _طيب افرض اتأخرتي؟ ماتقلقيش، معايا تليفوني في الشنطة، أول ما تخلصوا رنوا عليا على طول. اعترض "يزن" على طلبها وهو يقول: _لاء يا شمس، إحنا جينا مع بعض وهنمشي سوا، استني نكشف ونيجي معاكي مكان ما تحبي. فأجابته بعينين راجيتين:
_أرجوك يا يزن، أنا مش هتأخر، عشان خاطري سيبني أمشي قبل ما ييجي ياسين، هسأل عن حاجة قريبة من هنا وهاجي بسرعة. تنهد بعد إلحاحها وهو يخبرها بما استمعت له برضا: _طيب ماتتأخريش، ساعة بالكتير وتكوني هنا، هتصل بيكي كل شوية. أشارت برأسها وهي مبتسمة تبتعد عنهم ناحية الباب: _مش هتأخر، مسافة السكة.
لم تطأ قدمه العيادة حتى الآن، كان يتسكع في الطرقات محاولاً تجنبها على أي حال، فأتاه اتصال في هذه اللحظة ليجد المتصل "الطبيب علي". رد وهو متوقع سيل الأسئلة التي ستنطلق عليه الآن، ليسمع صوت الطبيب يقول: _أنت أخدت شمس معاك يا ياسين؟ رد عليه بأيجاز: _مش أنا اللي أخدتها هي اللي جت فمشيت. وصل إلى مسامعه تعنيف "زهره" الشديد، تلك الواقفه بجوار "الطبيب" تتحدث بصوت عالٍ، لعله يصل له:
يعني إيه هي اللي جت وإزاي تاخدها وتمشي من غير ما تقول لحد.. أنا بنتي مش هتركب معاك لوحدها، أكيد أنت اللي أجبرتها. أضاف بعض البرود بكلامه يحاول استفزازها أكثر: _سكت الوليه اللي جنبك دي ياعلي. حاول "الطبيب" إضفاء بعض الهدوء لفض النار المشتعلة بين الاثنين: _ياسين.. أرجوك زهره مراتي وشمس بنتها ومن حقها تقلق عليها. هنا ظهر ضجره جليًا وهو يقول:
_أنا ساكتلها بس عشان هي مراتك ياعلي، وبعدين أنا ما أجبرتهاش تيجي معايا زي ما هي بتقول، هي اللي ركبت معانا بإرادتها. فأتت "غدير" من خلف الطبيب تدعم كلامه: _أيوه أنا شوفتها يا طنط زهره وهي بتركب معاهم أول ما عرفت إنهم رايحين أسيوط، وياسين ما اتكلمش أصلًا. رمقت مشيره غدير بنظرات لو كانت النظرات سيوف لقطعتها أربًا، فأكد عليها الطبيب: _أنت متأكده يا غدير إن مش هو اللي قالها تعالي معانا؟ فأجابت مسرعة تؤكد كلامها مرة أخرى:
_أيوه متأكده.. وبالعكس دي ساره هي اللي قالتلها تعالي معانا مش ياسين، وهي ما صدقت وركبت معاهم على طول. طيب هي فين دلوقتي.. أدهاني. قالتها زهره بانفعال جراء فعلتها الهوجاء هذه، فأجاب هو بالنفي: _مش معايا، اتصلي بيها على موبايلها، هي مع يزن وساره. تنفست مشيره بارتياح عندما علمت بعدم تواجدها معه، فردت زهره بعصبية أكثر: _ما لو كان تليفونها معاها كنت اتصلت بيها، وأنا هتصل بيك ليه؟ شمس ناسيه تليفونها هنا. زفر "ياسين"
بتعب وتابع بقوله: _خلاص هاروحلهم أنا العيادة وهخليها تكلمك من هناك. كاد الطبيب أن يغلق الهاتف، فهتفت مشيره برجاء: _ينفع ماتقفلش. مد "الطبيب" كف يده بالهاتف لها، فأغلقت زر المكبر ووضع الهاتف على أذنها قائلة بحنان تبتعد عنهم بخطوات بطيئة: _ياسين أنت كويس؟ طمنيني عليك. مسد على عنقه بتعب يشير برأسه بالإيجاب: _أنا كويس يا مشيره، ماتقلقيش عليا. أنا بس حبيت أطمن عليك مش أكتر. ابتسم ابتسامة امتنان، فقال ببسمة حانية:
_أنا أسف يا مشيره، من ساعة ما وصلتي القرية وأنا سايبك خالص، حصل حاجات هبقى أحكيلك عليها بعدين، أنت عارفه يزن مهم بالنسبة لعمار إزاي، واللي يهم عمار يهمني، بس لما أجي وأخلص اللي أنا فيه هنقعد مع بعض زي الأول. ابتسمت ابتسامة عريضة وأخذت نفس عميق تتحدث بامتنان: _أنا قولت إنك نسيتني لما رجعت لأهلك وناسك. فرد عليها بثقة مما يقول:
_أنا ما أقدرش أنساكي يا مشيره ولا أنسى اللي عملتيه معايا ووقفتك جنبي طول العشر سنين اللي فاتوا. ابتسمت متابعة: _أنا مهما عملت معاك مش هنسى وقفتك جنبي في يوم. كاد أن يغلق الهاتف، فتحدثت هي مسرعة تخبره بما تذكرته للتو: _ياسين صح.. نسيت أقولك، أنا عارفه إنك بتحب الشيري كولا، فحطيتهالك في الأزايز اللي بتحبها وهتلاقيها في درج العربية. شكرها بامتنان على اهتمامها بأدق تفاصيله، فأغلقت الهاتف تتنهد بارتياح من حديثه معها.
هناك طرقات تجبرنا على تذكر ما نحاول نسيانه، وهذا ما تفعله هذه الطرقات بـ "شمس" الأن، حين مر أمام عينيها أحداث من السنين الماضية، نفس الشوارع، نفس المحلات، ونفس الفندق. نعم، هذا الفندق الذي قضت به ليلة هي وعمار. مضى على سيرها في هذه الطرقات أكثر من عشر سنوات، طرقات يركضون بها هربًا من "ياسين"، وهي الأن تركض بنفس الطرقات لتداوي نفس الشخص الذي كان سببًا في هروبهما وفزعهما وهو "ياسين". غريبة هي الحياة، وكذلك الأيام، أليس كذلك!
أخيرًا، بعدما أرهقت عينيها بالبحث، وقع نظرها على يافطة دكتور "سمير فايز"، ابتسمت بعدما أخذت وقتها الكافي في البحث عنه، صعدت إلى عيادته تنتظر دورها، ولم تنتظر كثيرًا حتى وجدت الممرضة تنطق باسمها. دخلت وهي مترددة بالدخول، فحثتها نبرته المطمئنة على التكلم بارتياح جعلها تنتزع جزءًا من مخاوفها: _أهلا بيكي، قبل أي شيء عايز أقولك خدي نفس عميق وحاولي ترتاحي، شايف نظراتك متوترة. جلست أمامه تفرك بأصابعها وبدأت بقول:
_بصراحة آه، أول مرة أدخل عيادة دكتور نفسي. قال: _حد قالك إن الدكاترة النفسيين بيخوفوا؟ كان هذا سؤاله، فردت هي مسرعة: _ما قصدتش بس.. فهم هو قصدها فتابع بقول: _المرض النفسي زيه زي المرض العضوي بالظبط يا أنسه. نظر في الورق أمامه الموضوع عليه اسمها، فبادرت هي بقول: _شمس، اسمي شمس. قال: _تشرفنا يا آنسة شمس، قوليلي إيه اللي خلاكي تقرري إنك تتعالجي نفسيًا؟ إيه الأعراض اللي بتحصلك؟ _لاء، ده مش أنا.
كان هذا جوابها، جواب سريع دون تردد، فابتسم "الطبيب" على سرعتها في التحدث مما جعله يسأل: أومال لمين؟ ابتلعت ريقها بعيون زائغة تحاول أن تستجمع كلماتها هاربة من سؤاله: _ممكن أسأل حضرتك شوية أسئلة؟ فأجاب بالتأكيد، فاسترسلت حديثها:
_لو شخص عزيز على حد أوي ومات، والشخص اللي لحد ده مات، بقى بيتكلم زيه وساعات بيبقى نفس نبرة صوته ونظرة عيونه، وحتى كلامه وجملته اللي كان دايما بيقولها الشخص المتوفي ده، ومش بس كده، وأوقات كمان بيتكلم معاه، واحتمال كبير إنه بيأذي نفسه وبيطعن نفسه، يبقى هو كده بقى مجنون ومحتاج يتعالج؟ ابتسم الطبيب على أسئلتها التلقائية، فأجاب بهدوء يترك مقعده على المكتب ويجلس بالمقعد المقابل لها:
المريض النفسي عمره ما كان مجنون يا شمس. المريض النفسي زي ما قولتلك قبل كده بيبقى زيه زي أي مرض عضوي بيحصلنا، وممكن كمان المرض النفسي بيأذينا أكتر من المرض العضوي أحيانًا. _يعني بيتعالج؟ اكيد بيتعالج، بس لو هو عاوز يتعالج. أنت دلوقتي قولتيلي كام حاجة ماقدرش أبدًا أقرر منهم وأشخص حالته بالظبط. لازم المريض ييجي، وأول شيء بسأله إذا كان مدمن أو لأ، لأن الإدمان عامل قوي يخلي الشخص يصاب بأنواع كتير من الأمراض النفسية.
لا.. لا مش مدمن خالص. كانت كلماتها سريعة وبدون أي مقدمات، فسألها الطبيب السؤال التالي: طيب الشخص المتوفي ده يقربله إيه؟ طالعته بهدوء قبل أن تقول بنبرة حزينة: _ابنه. ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف: _ومكانش يعرف إنه ابنه، عرف إنه ابنه اللي بيدور عليه سنين قبل ما يموت بثواني، مات وهو في حضنه. ترقرقت عيناها بالدموع تتذكر تلك الليلة القاتمة:
_مات ما بين إيديه، صرخ صرخة قلوبنا اترجت لما صرخها من كتر وجع قلبه عليه، كنا كلنا حواليه، بس مرة واحدة ومن غير أي مقدمات وقف وقام بص للزاوية اللي في القبو. هتفت بإصرار امتزج مع وجعها: أيوه، أنا فاكرة كويس إنه بص للزاوية اللي في القبو وابتسم بعد ما كان بيصرخ بكل ما فيه. ابتسم ابتسامة مش هنساها أبدًا. وكأنه كان شايف اللي ضاع منه من سنين. ساب جثة ابنه وبعد ما كان
بيصرخ عليه قال بكل بساطة: أنا ماشي. كلنا كنا مستغربين إزاي يسيب جثمان ابنه وهو حتى ما دفنش، ده جسمه لسه ما بردش، بعد ما كان هيموت عليه، مشي وغاب عننا عشر سنين، بس لما رجع ما رجعش ياسين، رجع واحد تاني. بيكلم نفسه، بيكلم بنبرة ابنه، بيحاول يأذي نفسه وبيطعن نفسه بالسكين. نظراته المرعبة، وبالذات وأنا معاه، زي ما يكون عمار ابنه عايز يقولي: أنا عايش، ما متتش. مسحت بأصابعها وجنتيها بعد انهيار دموعها قائلة:
_حاسة إنه موجود بوجوده، وياريته كان موجود حقيقي. مد "الطبيب" كف يده بالمناديل: _اتفضلي امسحي دموعك. مدت كف يدها تمسح دموعها بعدما أخذت نفس وكأنها غريق تتنفس الهواء، فتابع الطبيب أسئلته: _الظاهر إن المرحوم كان غالي عليكم أوي، الله يرحمه. فتابع بقول: _بصي يا آنسة شمس، بعد كل اللي قولتي ده وبعد ما حاولت أربط الخيوط ببعضها، قدرت أكون شكل مبدئي بمرضه وهو مرض نفسي اسمه (بارانويا)
أو بمعنى أصح اسمه جنون الارتياب. بس قبل ما أكمل حابب أعرف علاقته بالمتوفي كانت عاملة إزاي قبل ما يموت، يعني كانت علاقتهم كويسة ببعض بما إنه مكانش يعرف إنه ابنه؟ سؤال جديد سأله الطبيب، فردت هي بحزن: للأسف كانوا بيكرهوا بعض جدًا. _ما تعرفيش إيه سبب كرههم لبعض؟ سؤال مفاجئ من جديد يربكها، فصمتت لثوانٍ تابعت بتردد تبتلع ريقها: _للأسف أنا، أنا السبب في كرههم لبعض. فسأل بعدم فهم:
_معلش توضحيلي أكتر، ليه كنتي السبب في كرههم لبعض؟ فأجابت بنبرة متقطعة تنظر للأسفل تعيد خصلاتها الأمامية بأطراف أصابعها للخلف بتوتر: _أصل، أصل الاتنين، الاتنين كانوا بيحبوني. كمش حاجبه باستغراب وصمت لثوانٍ، فرفعت هي رأسها تطالع ملامح وجهه. من يراه الآن يقسم بأن ملامحه خالية من أي تعبير. لم يعد يستوعب ما قالته للتو، فأدرك صمته سائلًا: "أب وابنه بيحبواكي إزاي؟
أنا قابلتني حالات كتير، بس أول مرة أشوف أب وابن بيحبوا نفس البنت. أولًا فرق السن، بما إنه أب أكيد راجل مسن، مش قادر يقف على حيله. إيه اللي يخليه يبص لمراهقة زيك، طالما من عشر سنين؟ وياسين ده عنده كام سنة؟ أسئلة... أسئلة كثيرة. ماذا تخبره؟ هل تقول له بأنه مستذئب، مهما مر عليه الزمن لا يشيخ أبدًا؟ هل تخبره بأنها هجينة؟ هل سيصدق حقًا؟ أدركت المأزق الذي وضعت نفسها به. ابتسمت ابتسامة مصطنعة للمرة الأولى في هذا اللقاء،
قائلة: "أقصد هو أخوه، بس كان دائمًا بيعتبره ابنه وكان بيدور عليه، بس للأسف فقد الذاكرة. ولما رجعت له الذاكرة عرف إن ده أخوه. أنا بس التعبير خانـ ـي من كتر ما هو دائمًا بيقول إنه بيعتبره ابنه." كاذبة... لم تستطع قول الحقيقة، فمن سيصدقها على كل حال. تنهد "الطبيب" بارتياح عند سماعه بأنه شقيقه وليس والده، فأجابها ببسمة مريحة:
"بصي يا شمس، أنا هجاوبك على بعض الأسئلة اللي سألتيني عليها واحدة واحدة. ياسين لما عمار مات بين إيديه، عقله ما استوعبش إنه فقده. عقله ما قدرش يتحمل فقده، كان ممكن وقتها يتحول للجنون، بس عقله هنا عمل حصن منيع عشان ما يفقدش قدرته وابتدى يكون شخصية في دماغه بالحاجة اللي كان عايزها تحصل، وهي إن عمار يفضل عايش. وده سبب إن ياسين بص في الزاوية زي ما قولتي. هنا في اللحظة دي، هو كان شايفه قدامه، ولما ابتسم، الصورة اللي كونها
في دماغه هي اللي كانت بتبتسمـ ـله. وهنا عقله محى ذكرى وفاته واتمسحت خالص. كان لازم الشخصية اللي اتكونت دي تؤمره بالرحيل عن جثمان عمار، لأنه لو كان شافه وهو جثة وشافه وهو واقف قدامه، كان ساعتها هيتحول للجنون، فكان لازم يمشي. تاني شيء، وهو إن جنون الارتياب ده بيكون شخصيات كتيرة، في منها المؤذي وفي منها اللي بيدعمك. يعني مثلًا لو كان عمار مات وهو بيحب ياسين والاتنين كويسين جدًا مع بعض، فكان هيظهر له بنفس الصورة، بأنه
طيب وبيـ ـدعمـ ـه وبيتمناله الخير دايمًا. أما في حالة ياسين، فالاتنين كانوا بيكرهوا بعض زي ما قولتي، فبالتأكيد الشخصية اللي عقله هيكونها هتكون شخصية مؤذية وهتفضل تأذيه لحد ما يقتل نفسه في يوم أو حد من اللي حواليه."
وقفت من على مقعدها بهلع، تكرر كلماته: "يقتل نفسه؟ "آه، وكمان يأذي اللي حواليه ويفقد السيطرة على نفسه لما تجيله نوبة منهم. وقتها ما بيكونش شايف قدامه. لازم يهدى، لازم يشعر إن في حد جنبه ويحتويه قبل ما يرتكب فعل يندم عليه لما يفوق. مرض ارتياب الجنون للأسف من أسوأ وأعنف أنواع المرض النفسي." نظرت له ببسمة متوجعة وهي تقول: "طيب والعمل يا دكتور؟
"العمل إنه لازم يتعالج قبل ما يأذي نفسه واللي حواليه أكتر من كده، ويكون هو عايز يتعالج، ده سبب رئيسي عشان يخف." لا يوجد أمامها خيار سوى الموافقة: "هحاول." أنهت حديثها لتخرج بهدوء. فوقفت تنظر خلفها تسأله: "لو حبيت أتواصل مع حضرتك وما قدرتش أجي هنا، أتواصل مع حضرتك إزاي تاني؟ قال وهو يقوم بمد كفه يده بالكارت الخاص به:
"للأسف، ده كان آخر يوم ليا في العيادة النهاردة. بعد كده هبقى في عيادتي اللي في القاهرة، وهـ ـأجي هنا قليل أوي. لو تقدري تجيبيهولي القاهرة، أنا هكون في العنوان والمواعيد اللي عندك في الكارت. حاولي ما تتأخريش في علاجه، امبارح أفضل من النهاردة." أشارت برأسها بالموافقة ببسمة مكسورة، تنظر بالكارت في يديها. خرجت من عند "الطبيب" لتجد توغل الليل، فعمت العتمة. كم مر من الوقت وهي بالداخل؟
استوعبت مرور الساعات وكأنها كالدقائق. فتحت حقيبتها لتبحث عن هاتفها، فبالتأكيد واردتها اتصالاتهم. ظلت تبحث بداخل الحقيبة بعشوائية، فلم تجده. ضربت بكف يدها على جبينها، تمسح بيدها على وجهها بضيق عندما تذكرت بأنها قد نسيت هاتفها في غرفتها. هرولت مسرعة إلى الخارج، تنظر هنا وهناك تبحث بعينيها عن الشارع.
مازالت تهرول بين الطرقات تبحث عن النقود بداخل حقيبتها، فوجدت أنها لم تحضر نقودًا أيضًا. قررت الذهاب إلى العيادة وهي على يقين بأنها قد أغلقت الآن بالتأكيد، تركوها وحدها ورحلوا. وعلى الرغم من ذلك، مدت خطواتها أسرع، ربما ينتظرونها هناك. حتى وصلت للمبنى، تهرول على الدرج بأنفاس مقطوعة. وصلت أخيرًا، لتجد الباب مغلقًا والإضاءة خافتة. تنبعث إضاءة خفيفة من الطابق العلوي. ظلت تدق بيديها دقات متواصلة على الباب، ربما يوجد أحد بالداخل، ولكن دون استجابة. حتى راودها شعور الإحباط. الآن توقفت عن دقاتها، فهذا ما كانت تتوقعه، ولكن كان هناك أمل صغير أن ينتظرها أحدهم. ماذا تفعل؟
لا هاتف، لا نقود، فكيف تعود إلى قريتها؟ أغلقت عينيها وخرجت من داخلها تنهيدة يائسة. استدارت بجسدها تستعد للرحيل، فوقع على مسامعها صوته وهو يجلس على الدرج بانتظارها، وهو يقول بصوت حازم: "كنت فين؟ دب بقلبها شعور بالطمأنينة عند سماع صوته. رفعت عينيها للأعلى لتجده يجلس على الدرج بانتظارها، أصابعه متشابكة، ينظر للأسفل، يتنفس بارتياح عند وصولها بعدما أكله القلق. فكرر سؤاله من جديد، السؤال الذي لم تجب هي منذ دقائق:
"كنت فين يا شمس؟ الوقت ده كله؟
قال آخر ثلاث كلمات ببطء شديد من بين أسنانه. هربت الدماء من عروقها، شعرت بالخوف من نبرته، فما زال على نفس وضعيته، لم يتحرك انش واحد. شعرت بوادر نوبة كما حدثت له من قبل، فجلست بجواره دون حديث. رفعت أصابعها ببطء، تضع كف يدها على ذراعه لتهدئته قليلاً. استدار بوجهه يطالع كف يدها الموضوع على ذراعه بحنان. تسارعت دقات قلبه، تنهد بخفوت يحاول تهدئة ذلك الغبي الذي يضرب بالقرب منها، فهي ستشعر باضطرابه. فردت هي دون تفكير:
"أنا كنت... كنت بشتري حاجات وبتفرج على المحلات ومش فاهمة الوقت سرقني إزاي." بان الكذب في نبرتها، لذا أعطاها ابتسامة خبيثة، لاحظتها هي، فسحبت كف يدها ونظرت حولها هاربة، ولكن ثبتها قوله: "وفين الحاجات اللي اشتريتيها؟ مش شايف حاجة في إيدك." وقفت أمامه تعطيه ظهرها، تفرك بأصابعها بقلق: "ما هو اصل... اصل أنا كنت... فبتر هو حديثها قائلاً ببرود مستفز: "يلا اكذبي كذبة تانية... ولا أقولك... استنى أنا مش مهتم."
ليست هي الكاذبة الوحيدة الآن، فهو أيضًا يكذب. فضوله ينهشه من داخله، ولكنه سبقها يهرول على الدرج، وهي تتبعه. "يزن وسارة مستنيين، ياريت ما نتأخرش عليهم أكتر من كده." تحمل حقيبتها بين كفيها، تضعها بالسيارة. تنظر خلفها تطالعه ببرود: "كان ممكن تفضل مع دكتور علي يا بيبيوس، مش لازم تيجي دلوقتي." يدرك موقفها جيدًا، يدرك الضجة التي أحدثها بداخل عقلها بحديثه الأخير معها، لذا حاول تقبل كل كلمة تتفوه بها بصدر رحب:
"أعتقد هذا يكفي، فجلوسي في القرية أكثر من ذلك لا فائدة منه." فقالت دون تردد، تقلد طريقته: "وجلوسك في الحارة أيضًا لا فائدة منه يا شيخنا." أغلقت حقيبة السيارة بانزعاج وصعدت على الفور، تاركة إياه خلفها يحاول استيعاب ما قالته منذ ثوانٍ. فتذكر كم قسى عليها من قبل، تنهد بعمق محاولاً ألا يفقد أعصابه، فصعد بالمقعد الأمامي، فأمر السائق بالتحرك إلى محطة القطار.
كان يجلس على مكتبه، يضع أمامه كتاب الكيمياء الذي رسب به، واضعًا على أذنه سماعة الرأس يستمع إلى الموسيقى المفضلة له، يستذكر دروسه جيدًا، فغدًا هو يوم اختباره. دخلت عليه هامسة، تحاول أن تقترب منه ببطء، حتى أمسكت بكتابه فجأة، قائلة: "بتعمل إيه؟ كان هذا سؤال غدير بعدما دلفت غرفته دون استئذان. انزعج من دخولها هكذا، فطالعها بانزعاج يملأ عينيه، هتف بإصرار قائلاً:
"غدير، إحنا ما بقيناش عيال صغيرة عشان تدخلي عليا كده مرة واحدة من غير ما تستأذني. قولتلك ألف مرة قبل كده، على الأقل خبطي. افرضي كنت بغير هدومي أو مش لابس أصلًا، أو حتى بعمل حاجة مش عايزك تعرفيها." لم تأخذ حديثه على محمل الجد كعادتها، فجلست على فراشه تربع قدميها، ممسكة بكتابه، تخبره بمشاكسة: "ياسلام، وده من إمتى يا حسان؟
ما أنا طول عمري بدخل عليك عادي، مش معنى الأيام دي يعني. وبعدين أنا بعتبرك أخويا زي رعد وداغر كده، إحنا متربيين سوا، وأعرف عنك كل حاجة زي ما أنت تعرف عني كل حاجة. إيه اللي جد يا ابني؟ "عشان إحنا مش أخوات." جحظت عيناه، وقال جملته بثبات يؤكد ما قاله من جديد:
"أيوه يا غدير، إحنا مش أخوات. مش معنى إنك بتيجي تقضي هنا كل إجازة طول العشر سنين اللي فاتت، تبقي أختي. أنا ما بطلبش كتير، كل اللي بطلبه إنك تخبطي مش أكتر قبل ما تدخلي، زي ما أنت عندك خصوصياتك، أنا كمان كبرت وعندي خصوصياتي."
نبرته الجادة أحرجتها، لم تعتد على حديثه هذا، فهو بمثابة أخ لها. ولكن كلماته كانت كالصفعات على وجهها. غزت الحمرة وجهها، تتمنى لو تنشق الأرض وتبلعها الآن. أشارت برأسها بعيون دامعة، تبتلع ريقها بصعوبة، تشير بكتفيها: "تمام، ما كنتش أعرف إني بضايقك أوي كده. أنا أصلًا مش هدخل عليك تاني، ما تقلقش." رحلت صافعة الباب خلفها. هز رأسه وعيناه لا تفارق الباب قائلاً بجدية: "تمام يا غدير."
رحلت "غدير"، تهرول على الدرج. بالخارج، التفتت خلف المنزل ودموعها تنهمر على وجنتيها، بعدما فتحت قفل الدراجة الخاصة بها. صعدت على الدراجة تقودها بين الطرقات المظلمة، على يسارها البحيرة، وعلى يمينها الحقول. ينساب الهواء بين خصلات شعرها القصير. كانت تقود الدراجة بسرعة كبيرة في المناطق الوعرة. وعلى حين غرة ودون أن تشعر، ظهر أمامها فتى يقف بطريقها. لم تستطع أن تقف بالدراجة في الوقت المناسب، تسمع صوته قائلاً: "حاسبي...
حاسبي يا انسه. لم تستطع كبح الفرامل لتصطدم به بعنف شديد. سقط الفتى للخلف على الأرض لتقع هي فوقه والدراجه تقع عليها فأصبح هو بالأسفل قائلا من بين أسنانه بألم يظهر بنبرة صوته: _مش قولتلك حاسبي يا أنسه. قالت بوجه باكي: _مكانش قصدي. كان حاضرا بالسياره خلف المبنى الخاص بالعياده. حث "شمس" على الركوب وهو يلوح لها بكف يده على استعجال: _اركبي. أمسكت بمقبض الباب وقبل ان تصعد السياره قالت سائله: _هو احنا رايحين فين؟
وهو يركب على مقعده جوارها: _هخطفك. أدار سيارته قبل صعودها فحنى رأسه يطالعها سائلا بعصبيه: _هتطلعي ولا امشي؟ قال جملته يضغط بقدمه على مكابح الوقود يستعد للرحيل. هو هكذا مربك دائما. لا يوجد امامها اختيار سوى الصعود معه. وقبل أن تغلق الباب ضغط على المكابح على استعجال يشق الطريق شقا. راوده اتصال. فنظرت "شمس" على شاشه هاتفه دون ان تلمسه. عقدت حاجبيها باستغراب تنظر لاسم المتصل مستفهمه: _عملي الاسود!! مين عملك الاسود ده؟
_أمك. قالها سريعا دون تردد. فاستكمل حديثه دون ان ينظر اليها: _ردي عليها بقى عشان اخلص من صداعها. تنهدت وهي تبلع ريقها تستعد لسيل الاسئله التي ستواجهها الأن: _ايوه ياماما. انتظرت حتى انتهت زهره من توبيخها ثم اردفت: _ضيعني ايه بس ياماما انا عيله صغيره انا بس كنت. فقاطعتها زهره توبخها من جديد تتوعد لها عند عودتها: _خلاص ياماما. خلاص عشان خاطري لما اروح انا خلاص في الطريق راجعه.
ابتسم "ياسين" بخبث على تأكيدها لها. حتى اوقف السياره لتجد نفسها امام محطه القطار. يأتى يزن مسرعا: _اتأخرتوا كده ليه؟ القطر قدامه تلات دقايق ويمشي. شعرت بأنها لا تفهم شىء. لا تعلم حتى الى اين وجهتهم الأن. وقف "يزن" مقابلها بنفس متقطع: _يلا ياشمس مافيش وقت. احنا لازم ننزل القاهره. ساره مستنيانا في القطر. ماينفعش نسيبك تروحي القريه لوحدك في وقت زي ده.
وقفت تفكر في والدتها لثواني. تراهم امامها يصعدون للقطار. صعد "ياسين" ومن خلفه "يزن" يقفون على باب القطار. وهي مازالت واقفه. هل تصعد حقا معهم؟ ماذا عن والدتها؟ وضع "ياسين" يديه بجيوبه الخلفيه خلف يزن يطالعها بابتسامه شامته يرى عيناها الحائره. تحرك القطار ببطىء في بادىء الأمر. فمد "يزن" كف يده لـ "شمس" يحثها على الصعود: _يلا ياشمس مش هينفع نسيبك هنا.
ودون ان تشعر مدت كف يدها لـ "يزن" وصعدت معهم. تركها يزن وتقدم الى الأمام تراه يبتعد عنها وهو يقول: _تعالي اوديكي لساره. تجمدت قدماها من الذهول. هل حقا صعدت معهم الى القطار؟ لا تعلم الى اين سترحل. فابتسم ياسين بسمه شامته ومال بوجهه هامسا بأذنيها: _ده أنت هتتنفخي. ده انا هنفخها. بس لما تجيني. قالت زهره كلمتها وهي في قمه نرفزتها تضرب كف بأخرى: _اهدي يازهره مش كده. حاول "الطبيب" تهدئه "زهره" قليلا. فردت بعصبيه:
_ما أنت طبعا حاطط ايدك في المايه البارده ياسي علي ومش حاسس بيا. وهتحس بيا ازاي وانت عمرك ما هتحس باللي انا حاسه بي. ولا عمرك هتبقى أب ولا هتخلف في يوم. قالت كلماتها دون وعي لما تقوله. نزلت كلماتها كالصاعقه تشق قلبه نصفين. طالعها بعدم تصديق مما قالته. فعقدت "مشيره" حاجبها باستغراب فهمست لنفسها قائله: _معقول حتى علي كمان طلع مابيخلفش. حاول أن يهدأ ولا يقدم على فعل شىء يندم عليه بعد الأن:
_أنا صحيح مابخلفش بس أنت كنت بنتي الصغيره. كان هذا رده الذي تبعه بقول:
_زي ما بتخافي على شمس انا كمان بخاف عليها يازهره وبخاف على أي حد هنا بالرغم انه مش من دمي. شمس طلعت القطر معاهم بمزاجها مش غصب عنها. أنا عارف أنك مش عايزاها تبقى مع ياسين. بس اللي انا متأكد منه أنك لو لفيتي الدنيا كلها مش هتلاقي حد يخاف عليها ويحميها اكتر من ياسين. وسبب اني مابخلفش انت عرفاه كويس ورضيتي بيا قبل ما نتجوز. فماتجيش دلوقتي تعاقبيني بحاجه غصب عني.
قال كلماته تاركها خلفه تراه يبتعد عن ناظريها. ما الذي تفوهت به تلك الحمقاء. أخذت تؤنب حالها على ما قالته. فنطقت اسمه حتى توقفه: _علي استنى. لم يستمع لها تاركا أياها يغادر المنزل. فأوقفتها الخاله تضرب بعصاها الأرض: _سبيه يازهره. سبيه يعيد حساباته. وانت كمان يابتي عيدي حساباتك من اول وجديد قبل ما تخسري علي وتضيعيه من بين ايديكى.
ابتلعت مشيره ريقها. فرؤيه الخاله تشعرها بالتوتر. هيبتها. كلامها الحكيم. نظرتها المدانه دائما. وكأنها تخبرها بأنها ستكشفها يوما ما. اسرعت بالدخول الى غرفتها ممسكه بكف زهره تأخذها معها داخل الغرفه.
كانت تجلس أمام الباب بالقطار وهو مسرعا. تستطيع سماع اصوات بوق القطارات من حولك. تسند هي بظهرها على احدى الجوانب تنظر الى الحقول والمباني تتنفس الهواء مع نسماته البارده. فأتى "بربروس" يجلس في الجهه المقابله لها. ادارت وجهها مسرعه تطالع الخضرا مع سرعه القطار. فابتدا هو حديثه قائلا: _اعلم ما بداخلك كما اعلم جيدا سبب معاملتك لي. ولكنك طلبتي مني سائله ان اقنعك بدين الاسلام. فلا ذنب لي يامارال.
ما ان ادركت ما قاله حتى وقفت مسرعه تبتعد عنه. قبض بكف يده على معصم يدها. فنزلت بعيناها الى موضع يده. فسحب كف يده مسرعا من عليها يقول بعيون راجيه: _أرجوكي اجلسي. فأنا لا أتحمل لحظه يحمل بها قلبك شيئا ضدي. ابتلعت ريقها تعود أدراجها جالسه تنظر له بعيون باكيه. فنطق هو بما لا تريد البوح به فقال بلطف: _حسنا. لقد سمعتني. أريد سماعك الأن. لما كل هذا الغضب؟ قولي ما عندك. فأنا احتاج لسماعه. انت غلطت يابيدقوس.
ابتسم هامسا لنفسه. حسنا. لقد عادت تناديني ببيدقوس. وهذا شىء مطمئن. فأكملت هي حديثها: _غلطت لما قولت ان احنا بنعبد 3 الهه. الكلام ده غلط اوي. احنا بنؤمن بأله واحد بس. معندناش تعدد الهه. بسم الاب والابن والروح والقدس دي زي مثلا الشمس بتطلع نور وحراره وضوء. ومع ذلك هي كيان واحد. هي الشمس. فاهمني يابيدقوس. كانت تشرح له بغـ ـ ضب عارم. حاول الا يتحدث معها اكثر من ذلك. حاول ان يمتص غضـ ـبها يشير برأسه بالموافقه:
_افهمك يامارال. حسنا. دعينا لا نتحدث بالدين. "لكم دينكم ولي دين". هل توافقينني على ذلك؟ اشارت برأسها بالموافقه. فمسح على وجهها بأنامله دموعها التى كانت تنهمر بغزاره يحتضن عينه عيناها بحب. فابتسمت هي ابتسامه من بين دموعها. فطلب منها مره أخرى ما يتمناه منذ سنين: اتقبلين ان تكوني زوجتي يامارال؟ ابتسمت ابتسامه خفيفه حاولت الحديث من وسط نحيبها. فخرجت الكلمات متقطعه: _أأ.. اايوه.. ايوه.. اتجوزك يابيدقوس.
ابتسم ابتسامه عريضه زادت من وسامته وهو يصرخ بأعلى صوته بالقطار: _ربـــــــــــاه.
كان يستلقي بظهره على سقف القطار. يضع كف يده خلف رقبته يطالع السماء والنجوم المترصعه بها. بين أصابع كفه الأخر سيجاره ينفخ بها مايريد أخراجه من صدره. يعبث الهواء بخصلات شعره الكثيفه هنا وهناك. تلاحقت أنفاسه في صوره غير منتظمه. حاول كثيرا أن ينام ولكن النوم هجره. عقله لا يتوقف عن التفكير بـ "شمس". أين ذهبت ولماذا تكذب. اخذ نفسا اخر من سيجارته ينفخ بها بزهق. تراوده افكار لا يستطيع أخراج تلك الأفكار من عقله.
شمس كنتي فين كل ده؟ جلست بجوارها تطالعها بهدوء: _بلاش اقولك ياساره كنت فين اصل مش عايزه اكذب عليكي وفي نفس الوقت مش عايزه اقول. همست "ساره" اليها قائله: _اى ده للدرجه دي الموضوع كبير. اشارت برأسها بالأيجاب. فأكملت ساره حديثها:
_اسكتي ده ياسين كان هيموت عليكي. كان عامل زي المجنون. ما سابش حته الا لما دور عليكي فيها. كان بيتحرك بسرعه جدا. مهمهوش اذا حد يشوفه ولا لاء. راح الفندق اللي كنتي فيه مع عمار وراح كمان شقه الدكتور علي. بس غريبه مش عارفه ليه بيقول عليها شقه يزن وعمار. فردت سائله: _هو قال كده؟ ايوه. لولا ان الدكتور طلب اشعه وتحاليل لازم تتعمل في مصر. يزن مكانش خلانا نسافر. معلش بقى عشان سافرنا فجأه. ابتسمت "شمس" تهز راسها بلطف:
_ماتفكريش فيا. انا اهم حاجه انت. وضعت "ساره" يدها على ذراعها بابتسامه واسعه: _عارفه ياسين فين؟ بعدم فهم: _لاء هيكون فين؟ رفعت سبابتها تشير الى الأعلى قائله: _فوق القطر ابن المجنونه. هزت "شمس" كتفيها ببراءه: _ياسين.. هتتوقعي منه إيه غير كده. أتى "يزن" يمد كف يده إلى سارة: _سارة عايزك. طالعت شمس قائلة: _طب عن إذنك يا شمس.
نظرت "شمس" إلى الأعلى وابتسمت وهي تجلس على المقعد بجوار النافذة، تسند برأسها على الزجاج تتابع بعينيها الطريق، رائحة السفر بكل مكان، الهواء الشديد. تحرك القطار بسرعة كبيرة، إضاءة خافتة تعتمد على ضوء القمر في الرؤية. أخرجت من حقيبتها مذكرته التي لا تفارقها يومًا، أخذت تقرأ ما بها من جديد، تتخيله ممسكًا بقلمه يجلس على البحيرة المقربة إلى قلبه وهو يكتب:
"عاداتي مع النساء غريبة، أكره لمستهن لي، ولكني أستمتع بدماؤهن الدافئة عند غرزي أنيابي بأجسادهن. ولكن أمامها هي كل ما أريده هو أن تتجول يداها الجميلتان هاتان على جسدي بحرية، تكتشف جسدي كما لم تفعل امرأة من قبل. اللعنة عليك يا قلبي، لماذا هي؟ لماذا "شمس" هي حقًا؟ امرأة مميزة، حتى اسمها مميز مثلها. أظنني سأتذكر هذا الاسم لوقت طويل...
جاء قطار آخر بسرعة كبيرة بجانب قطارهما فأحدث ضجة عالية، أغلقت المذكرة تحتضنها بين أضلعها، تخرج من صدرها تنهيدة دافئة، تطالع النافذة بجوارها، كم تتمنى لو أحضرت معها الهاند فري مع أغاني "حمزة نمرة" المطرب المفضل دائمًا وإليها، فهذه الأجواء تحتاج لأغانيه الآن. وقبل أن يرمش لها جفن وجدته بجوارها، انتفضت بانزعاج تطالعه بجوارها دون أن تتحدث، فنطق هو بما لا يصح قوله: _إيه بتفكري فيه ولا إيه؟
ابتلعت ريقها وهي تحتضن المذكرة بين يديها بإحكام، تحاول تغطيتها بيديها حتى لا يلحظها هو. تطالعه بحذر سائلة: _تقصد مين؟ همس لها بشيء ما في أذنها جعل الدماء تغلي في عروقها بلا رحمة، وتابع هو بعد أن ابتعد يعود للخلف بخطوات بطيئة ووجه لها رافعًا كفه ببراءة متابعًا حديثه: _اللي كنتي عنده، فريد طبعًا، ولا في غيره. اتهامه لها واضح وصريح، فحذرته بنظراتها قبل حديثها: _ياسين، بلاش غضبك يخليك تقول كلام مالهوش لازمة.
هتف باستهزاء من حديثها: _غريبة، مع إنّي مابقولش كلام مالوش لازمة. وقبل أن تنطق اختفى من أمامها، بحثت عنه بكل مكان بالقطار فلم تجده من جديد، فعلمت أين هو، بالتأكيد عاد إلى سطح القطار. انتظرت حتى توقف القطار أخيرًا وهبط كل ما فيه، خرجت من المحطة تهتف باسمه، يتحرك أمامها بخطوات سريعة حتى جذبته من ذراعه قائلة بعصبية: _ياسين، استنى أنا بكلمك. مسح وجهه بضيق قائلاً: _عايزة إيه يا شمس؟ _إيه اللي إنت قلته ده؟
إنت عارف إنت بتتهمني بإيه؟ كانت الأجواء مشتعلة والنظرات المتبادلة تكاد تحرق الجميع، فرد بسخرية: _كذبيني؟ قالت بعيون هاربة: _أنا هقولك بس مش دلوقتي. في نفس التوقيت هناك من يراقبهما، يجلس خالد رفيق "فريد" على الموتور الخاص به يراقبهما عن كثب، يتحدث بالسماعة إلى فريد: _أيوه يا فريد باشا أنا شايفهم قدامي. انتظر خالد حتى أكمل فريد فأجابه بإيقان:
_يا فريد باشا أنا شايفه وهو بيطلع على سطح القطر بسرعة رهيبة، أنا متأكد إن الواد ده وراه حاجة. انتظر ثواني ثم تابع: _تمام يا فريد باشا ما تقلقش عليها، أنا عايزك تقلق عليه هو. طالع خالد شمس وياسين وهو يرتدي خوذته، وجدهما والنار تشتعل بينهما أكثر. _شمس، إنتِ ما تهمينيش أنا بس صعبان عليا أمك العقربة اللي فاكرة إن أنا هبقى السبب في ضياعك.
كان يتحدث بغضب عارم، من يراه يقسم وكأن أشباح الموت تتراقص على وجهه من كثرة غضبه، حاولت أن تحتويه فقالت بنبرة متقطعة: _أنا مش هرد عليك، بس أنا بس عايزة أقولك إن ما فيش فريد ده أصلًا. رد "ياسين" على قولها: _يبقى في غيره. صاحت بغضب وهي تتخطاه: _تاني يا ياسين برضوا بتكررها تاني، وبعدين إنت مالك أصلًا مهتم تعرف أوي كده ليه؟
_عشان كنتِ معايا، والمفروض إن طول ما إنتِ معايا أبقى عارف إنتِ فين، غير كده لأ، ما تخليش خيالك المريض يصورلك في يوم إنك تهميني. إنتِ لو بتتقطعي قدامي هفضل أتفرج عليكي من بعيد.
تركها ورحل، تراه يبعد عن ناظريها حتى اختفى تمامًا، تركها واقفة في صدمة وذهول مما تفوه به من حماقات سخيفة، سقط قلبها أرضًا، شعرت وكأن الأرض لا تتسع لهما سويًا، لم ترض أبدًا عن أي مما قاله، حاولت منع دموعها من النزول ولكن دموعها كان لها رأي آخر، لم تشعر بما حولها، فاقترب ذاك الفتى منها بسرعة لم تشعر به، كانت شارده بما يشغل بالها الآن، فتح زجاجة بها ماء نار مركز يلقيه على وجهها، نظرت إلى الزجاجة برعب دب بقلبها، استسلمت تمامًا، فلم يكن هناك أي مكان للاختباء، كل شيء حدث بسرعة غريبة حتى وجدته هو يقف أمامها، ذاك الجدار البشري يحميها بجسده، يضمها إلى صدره، يستقبل هو ماء النار كلها على ظهره بدلًا منها.
أسرع خالد بالدراجة البخارية وهناك من يصور ذلك، احترقت سترته واحترق ظهره بالكامل، فتحت هي عيناها، لم تكن صدمة بقدر ما كانت دهشة، دهشة غريبة تشبه فرحة الخائف عند شعوره بالاطمئنان، وبالرغم مما هو فيه الآن، فكان أول ما قاله بنبرة متقطعة تحمل من الألم ما يكفي: _أطمني، إنتِ بخير يا شمس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!