حينما تهجم علينا موجة حارة وينقذنا نسمات هواء باردة تنعش أرواحنا قبل أجسادنا وتشعرنا بالحياة من جديد، ذلك الشعور المحبب لأنفسنا هو ما أصابها حين وجدت "ياسين" يضمها بكلتا ذراعيه يخبأها بداخله من شرور العالم أجمع. حاوطت عيناه عيناها وهي مازالت تطالعه، تصدح في أذنها آخر كلماته وهو يقول بنبرة متقطعة وكأن قلبه ضاق صدره عليه: "اطمني.. أنتِ بخير يا شمس."
كانت تطالع عينيه بقلب وجل، وأتتها الصدمة التي سرقت أنفاسها أثناء رؤيته بهذا الضعف. شموخه وكبرياؤه الذي قابلته منذ قليل تبخر. تريد "شمس" قول شيء ولكن الصوت تم أسره داخلها وكأن الأرض لا تستطيع حملها. طالعها ينظر إلى غابات عيناها الخضراء يرى انعكاس صورته فيها. نطقت عيناها قبل لسانها: "بس أنت مش بخير يا ياسين."
حاول الثبات أمامها ولكن خانه جسده حين مال برأسه عليها فاقدًا للوعي. خانه كل عضو حتى عيناه لم يستطع فتحهما وكأنهما جبلين لا يستطيع تحريكهما. فضمته هي صارخة حتى شق صراخها الأجواء شقًا: "ياسين! صدحت صرخاتها بالمكان، سمع "يزن" صوت صراخها فكان يتقدمهما ببضع طرقات. نظر كلاً من "سارة" و"يزن" إلى بعضهما البعض باستغراب، فنطق بذعر وقد سمع نبرتها التي تدل على انهيارها: "ده صوت شمس."
عاد وهو يهرول يركض بين الطرقات حتى وجده يستند برأسه على كتفها فاقدًا للوعي. تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تصبح هي مسنده وملجأه. طالعهما "يزن" بذهول، فأتت سارة تهرول من خلفه لا تصدق ما تراه عيناها. تحاوط الدماء جسده بالكامل، سترته الممزقة من الخلف تستطيع رؤية جلده المحترق. شهقت "سارة" بغير تصديق وهي تغلق عيناها من بشاعة المنظر، فتحدث يزن بشفة مرتعشة: "حصل إيه يا شمس؟
لم تستطع الجواب بسبب ذعرها وهي لم ترَ ما أصابه حتى الآن، فكيف لو رأت؟ هو الآن يستند بوجهه عليها، وبالرغم من عدم رؤيتها لجراحه فقد شعر قلبها بآلامه. أصبحت دموعها حبيسة عيناها.. مع اصفرار وجهها.. وخفقان قلبها.. بكت أكثر وهي تنظر إلى كليهما. فصاح "يزن" بغضب ناتج عما رآه: "انطقي يا شمس ياسين حصله إيه؟ ارتعدت أوصالها محاولة تجميع كلماتها وشتات نفسها: "امسكه معايا بسرعة عشان نوديه المستشفى."
وقف "يزن" بجانبه يمد ذراعه على كتفه حتى يستند عليه، فأصبح "ياسين" بالمنتصف بينه وبين "شمس" فاقد وعيه تمامًا. أخذ يمد بخطواته مستفسرًا: "جرحه ما بيلمش ليه؟ أشار لـ "سارة" بعينيه: "سارة بسرعة وقفي تاكسي." تجمدت "سارة" من رؤيته هكذا، فجراحه خطيرة. فصرخ بها "يزن" وهو يمد بخطوته: "ساااره." فاقت على ندائه المستغيث وانتبهت لكلماته: "حاضر.. حاضر." هرولت على الطريق تشير بيدها لسيارة أجرة فأوقفتها على الفور:
"بسرعة شوية أرجوك أقرب مستشفى." كانت هذه جملة "شمس" وهي تشعر بأن جسدها كتلة من الثلج. فاعترض "يزن" على وجهتها يأمر سائق الأجرة قائلاً: "المعادي أرجوك."
التقت نظراتها بنظرات "يزن" فأشار برأسه على أن تطاوعه فيما قاله. ابتلعت ريقها وأشارت بالإيجاب بعينين ظهرا فيهما أثر البكاء جليًا. مرت الدقائق بطيئة في سيارة الأجرة وهو يستند برأسه على فؤادها. كادت نبضات قلبها أن تشق صدرها من شدة خفقانها. تتذكر لمحات مما حدث بالماضي وكأن تلك الليلة أقسمت أن تتكرر الآن. عند رؤية "عمار" والد ماء تتناثر من جسده و"ياسين" الآن كل شبر بجسده يقسم أنه لن يلتئم بعد الآن.. بكت وهي شاردة ترى حالته هكذا. فنطق "يزن" بصوت استطاعت أن تلتقطه سريعًا:
"يلا يا شمس اسنديه عليا وصلنا." "يا آنسة.. يا آنسة قولتلك حاسبي." كان يقول كلماته وهو ينفض يده جراء اصطدامه بها. فانحنت "غدير" تقبض على دراجتها بكفيها تقول بنبرة شبه باكية: "أنا بجد آسفة مش عارفة إزاي ما أخدتش بالي." أشار بكف يده محاولاً أن يوقف دموعها الحبيسة: "لا لا لا.. مالهوش لازمة العياط أنا كويس." "طيب وأنا مالي تبقى كويس ولا لأ، المهم العجلة." اندهش الشاب ونطق بضحكة واسعة:
"يعني أنت كل اللي يهمك العجلة ومش مهم اللي خبطتي فيه يولع." جلست القرفصاء تعدل سير دراجتها: "ما أنت كويس أهو.." المهم العجله ده أنا بروح بيها في كل حتة في القرية. رفع "الشاب" حاجبه باستنكار وهو يسأل: _طيب هتعرفي تصلحيها ولا أصلحها أنا؟ فاتسعت ضحكتها تظهر جلياً على وجهها وهي تقول: _أنت بتعرف تصلح عجل؟ فأشار برأسه بالإيجاب: _أيوه. ضربت بيدها على مقعد الدراجة بخفة وهي تصيح: _طب مستني إيه؟ ما تصلحها!
تحرك "الشاب" حتى أصبح أمام "غدير" وهي تنظر بترقب حتى سألته: _أنت وقفت ليه؟ وسّع عشان أصلحها. كانت هذه إجابته على سؤالها فتنحّت هي جانباً. أمسك سير الدراجة فوجده قد تهالك، ناهيك عن إطار الدراجة الأمامي فقد تمزق بالفعل، فطالعها يخبرها بالتالي: _العجلة اتهرست. أوبقى هاتيها بكرة المحل عشان الحم الكاوتش بتاعها وأركب لها سير جديد. فقالت دون تردد سائلة: _أنت عجلاتي؟ هز رأسه قائلاً بعينين لمع فيهما انفعاله: _آه، عجلاتي.
استدار يعطيها ظهره فأوقفْته كلماتها بقولها: _طب استنى، أنت رايح فين؟ أنا مش هعرف أشيلها لوحدي. ممكن تاخدها معاك وتعرفني فين المحل بتاعك وأجيلك آخدها منك بكرة. كادت أن تنهي كلماتها حتى وقعت على مسامعها أصوات الكلاب آتية من بعيد. خفق قلبها بسبب الرعب الذي دبّ به. فابتسم هو على حالها سائلاً إياها بهدوء: _أنت ساكنة فين؟ ليه؟ أجابت دون تردد بتهكم فقبض هو على دراجتها يحملها بين يديه:
_عشان أوصلك. ولا تحبي أسيبك هنا للكلاب يمصمصوكي؟ ابتسمت هي بخبث تسير بجواره في الطريق: _يمصمصوا مين يا أستاذ؟ ده أنا طول عمري متربية مع ذئاب مش كلاب. ضم حاجبه باستغراب مما قالته فتوترت هي مما تفوهت به دون قصد. فوقف سائلاً إياها: _نعم؟ ذئاب إزاي يعني؟ هربت من سؤاله عندما وجدت نفسها أمام منزل الصاوي: _ده بيتنا. جحظت عيناه وهو ينظر للمنزل من بعيد بإعجاب شديد: _أنت من عيلة الصاوي؟
هزت رأسها بالإيجاب دون حديث ولكن ببسمة واسعة تعتليها الفخر. فرد هو ناطقاً بما يتمناه: _يابختك. وقعت على مسامعها صوت "حسان" يناديها من بعيد علّ صوته يصل لها: _غدير. استدارت بجوارها تسترسل حديثها معه: _مش هتقول لي فين المحل بتاعك عشان آجي آخدها منك بكرة؟ أجابها وهي تراه يبتعد عنها: _المحل بره القرية على الطريق بعد البوابة. ابتسمت له مطالعاً "حسان" يقترب منها سائلاً إياها: _روحتِ فين؟ تجاوزته تبتعد
عنه تطأ قدميها درج المنزل: _مالكش دعوة أنت. مش أخويا ولا مسؤول عني عشان تسألني روحت فين. كاد أن ينطق ولكنه صمت عن الحديث فجأة عند سماعه صوت الطبيب قادم من خلفه يتحدث بنبرة قلقة بالهاتف ناطقاً بقوله: _أوعى يايزن توديه المستشفى. لو راح المستشفى جرحه هيلم بأسرع من العادة وهناك هيعرفوا حقيقته. صمت لثوانٍ يستمع إلى حديث يزن قائلاً: _خليك معايا. أمي لازم تعرف. أكيد عندها حل.
دلف "الطبيب" إلى غرفتها للمرة الأولى دون استئذان فنطقت بما أصمه لثوانٍ: _ولدي مش بخير، مش كده ياعلي؟ ابتلع ريقه يطالعها بنظرات مطمئنة لعلّ يبعث بقلبها جزء من الطمأنينة. فالتقطت منه الهاتف مسرعة تجيب قائلة على المكالمة: _أنا جايه. ياسين مابقاش زي الأول يا يزن. حافظ عليه وأنا مسافة الطريق وابقى عندكم. ***
أمْطرت السماء بقطرات خفيفة فجأة بدون إنذار، وكأنها تحمل إشارة معها أن الأمر قادر أن يتغير في لحظة حتى وإن بدا عكس ذلك. لم يكد يصدق "بربروس" عيناه فكيف لها أن تمطر حتى لو كانت قطرات خفيفة في هذا الوقت من السنة، فهما الآن بأواخر شهر أغسطس. ابتسمت "مارال" له مطالعته ببسمة حانية: _بيقولوا المطر خيّر. فنطق قلبه قبل لسانه: _وهل هناك خير أكثر من موافقتك على زواجنا؟
أشعر الآن بأن القادم أفضل بإذن الله. فلا تعلمين كيف تخطيت العديد لأجلك. رفعت رأسها تطالعه بحب: _واتخطيت إزاي؟ فابتسم ابتسامة أظهرت جمال ملامحه: _تأقلمت بصمت مع إخفاء القاف. طالعته تنظر من حولها بريبة بعدما ابتسمت قائلة: _بعد الشي عليك من الألم. اقتربت منه مسرعة تضع قبلة خاطفة على ثغره.
فمدت كف يدها تأخذ منه حقيبتها التي حملها لها طوال الطريق. يراها تبتعد عنه تدخل إلى الحارة. وقف هو متجمداً بمكانه. كاد أن يقف قلبه جراء قبلتها المفاجئة له. ثم وضع كفه على ثغره مكان موضع القبلة بإبتسامة حانية. سرعان ما انمحت هذه الابتسامة من على وجهه وكأنه تذكر شيئاً بعدما سلبت عقله بقبلتها المفاجئة له. أخذ يمسح بكف يده مسرعاً على ثغره قائلاً: _استغفر الله. *** أغلق يزن "الهاتف" فسألته سارة على الفور:
_هـا.. الخالة قالتلك إيه؟ وضع الهاتف على المنضدة وهو يجلس على المقعد الأمامي لها: _زي ما أنا قلت، ما نوديهوش المستشفى. أنا مش فاهمة يايزن. هنسيبه كده ليه؟ أنت مش شايف ضهره عامل إزاي؟ وجرحه؟ جرحه مابيلمش. طالعت "سارة" شمس الصامتة ترى دموعها محبوسة بداخل عينيها: _انطقي ياشمس، قولي حاجة. بتر "يزن" حديثها يجاوبها على أسئلتها الكثيرة:
_شمس عارفة كويس أوي إن لو راح المستشفى مش هيرجع. لأن أي حد هيكشف عليه هيعرف إنه مش طبيعي زينا والعيون كلها هتبقى عليه وهيكتشفوا حقيقته. استدارت "شمس" بجسدها تطالعه بنظرة راجية بانت على عينيها بصدق: _يزن.. أنا مش هقدر. ماعملش حاجة لحد ما الخالة تيجي. لو عندك شنطة الإسعافات ياريت تجيبهالي بسرعة. مسح وجهه بضيق نافياً وهو يقول: _للأسف معنديش. هنزل أجيبها بس لما أرجع هتحكيلي إيه اللي حصل ياشمس.
استدار "يزن" بجسده فتركت "سارة" مقعدها وقد ارتفع صوتها: _استنى يا يزن، خدني معاك. أغلقت "سارة" الباب خلفها بينما هي شعرت بالريبة مما حدث. أما عنه فكان يتأوه من داخل غرفته بألم. يتأوه بألم كالطفل الصغير التي تصاحبه الحمى ويرتجف كمن خانته الحياة طول عمره.
فأسرعت إليه تقف على باب الغرفة. لم تستطع أن تطأ قدماها غرفة "عمار" التي كانت تحتويه لسنين، هي نفس الغرفة التي تحتوي "ياسين". تجمدت قدماها عند الباب، تطالعه من بعيد، حريصة على عدم إصدار صوت.
ما زال فاقدًا لوعيه، نائمًا على وجهه، يده تتدلى للأسفل. ما زالت سترته الممزقة ملتصقة بجسده، ممزوجة بجراحه. فتعالت تأوهاته قليلاً. أجبرت نفسها على الدخول، أخذت تطالع الغرفة باستغراب. لم ترَ غرفة "عمار" من قبل. اقتربت منه تحاول انتزاع سترته، فلم تنجح. أخذت تبحث بعينيها عن أي شيء تستطيع أن تمزق به سترته. فتحت الأدراج حتى وجدت المقص، وبجانبه صورة "لعمار" يبتسم بها ابتسامة بسيطة، ممسكًا بخوذته بكفه. دمعت عيناها على فقده.
فاستدارت بجسدها تطالع ذلك الفاقد لوعيه، لتجد الشبه بينهما كبيرًا للغاية. طالعت الصورة من جديد، انحنت لتجلس على ركبتيها أرضًا بجوار الفراش، ثم اقتربت بوجهها منه، وبكفها صورة عمار. كيف لها ألا ترى الشبه بينهما إلى هذا الحد من قبل؟ فملامحهما إذا أمعنت التدقيق ستجدها واحدة.
أمعنت التدقيق أكثر في صورة عمار، تنظر إلى فروة رأسه وشعره الكثيف، لتجد وحمة بين خصلات شعره. ارتفعت يدها ببطء، رغبت بشدة في تمرير أصابعها بين خصلات شعر "ياسين"، كادت تمدها لتلمس شعره لترى نفس الوحمة بوضوح. فسمعت صوته قائلاً بهمس شديد، مغمض العينين دون وعي، ناطقًا باسمه: "عمار"
انتفض جسدها، ونزعت الطمأنينة من داخلها. وصل صوته لها هامسًا وناعسًا. ابتعدت عنه، تضع صورة "عمار" في الدرج مرة أخرى، حتى وصل يزن أخيرًا، ومعه كل ما تحتاجه لتضميد جرحه، أو على الأقل فعل ما تستطيع فعله. فوقع على مسامعها قول يزن: "شمس أنا جيبت كل حاجه طلبتيها" مدت كف يدها تأخذ منه الشاش والقطن، تطلب منه قائلة: "يزن حاول معايا عشان نقلعه الچاكيت بس بالراحه"
استجاب يزن لطلبها، يستدير حول الفراش ينتزع سترته ببطء شديد. فوجدت "سارة" بأن جلده ممتزج بالچاكيت. لم تتحمل رؤية ذلك، فقالت مستنفرة: "أنا آسفة يا جماعة بس أنا مش قادرة أشوف المنظر ده، أنا هطلع بره" التقطت "شمس" المقص بجوارها، تقص سترته، حريصة ألا تجرحه. وأخيرًا استطاعوا نزع سترته من على جسده ببطء. فأمعن "يزن" النظر على كتفه قائلاً: "إيه ده؟ مالت بوجهها قليلاً، فوقع على مسامعها كلمات "يزن" وهو يقرأ ما على جسده:
"ياريت كل الناس" التقط بأصبع طرف سترته الداخلية الموجودة على كتفه ليستطيع تكملة الجملة. فانقطعت الكهرباء قبل أن يستكمل قرائتها. فنطقت سارة من الخارج بقلق: "يزن النور قطع" ليرد هو قائلاً بصوت مرتفع قليلاً: "ما تخافيش أنا جاي" وجه حديثه لشمس وهو يقول: "هجيب شمع وأجي"
أشارت برأسها بالموافقة، تقترب من ياسين أكثر. لم تكن خطاها ثابتة، لم تكن هي نفسها متزنة. كل ما تشعر به الآن يخل بتوازنها، ولكن حثها فضولها على استكمال الجملة المحفورة على كتفه. رفعت أصابعها تزيح سترته الداخلية من على كتفه، فهي تستطيع أن ترى جيدًا بالظلام الحالك كما علمها وهي صغيرة. فاستكملت بقية الجملة "ياريت كل الناس" ومن ثم وشم للشمس مرسوم على كتفه. فقرأتها تبتسم ابتسامة حانية: "ياريت كل الناس شمس"
أغمضت عينيها بتأثر. رفعت أصابعها تمررها على جملته المحفورة بداخل كتفه، لمسات حانية بأمان. مس قلبه بالرغم من فقدانه وعيه. شعرت بارتعاش جسده من لمستها البسيطة له. فعاد "يزن" مسرعًا بالشموع المشتعلة، يقول وهو يثبتها على المنضدة: "كده تمام أوي، ثبت الشمع كويس.. خلاص خلصتي ولا لسه؟ أشارت برأسها بالإيجاب. فتبع سؤاله بآخر: "مش محتاجة أساعدك في حاجة؟
لم تعطه إجابة، بل توجهت إلى الشرفة. قطرات المطر، مع أنها قطرات بسيطة، ولكنها بعثت الطمأنينة بداخل قلبها. مدت كف يدها من بين الشيش الخشبي تحاول التقاط بعض حبيبات المطر التي هبطت على غير ميعاد. يبدو عليها الإرهاق. رمقتها "سارة" باشفاق. هي لا تعلم ما حدث، ولكن المعاناة تظهر جليًا على وجهها. فاحتضنت "سارة" كف "يزن"، تجذبه للخارج، موجهة حديثها لشمس: "لو احتاجتي أي حاجة يا شمس إحنا بره"
أغلقت الباب خلفها بهدوء. فظلت هي تتابع ضي القمر بصمت، شاردة بما يشغل تفكيرها. لاح في ذهنها ما حدث قبل ذلك، يوم مقتل عمار، بعدما فقد حياته لأجلها، وكذلك ياسين كاد يفقد حياته هو الآخر من أجلها. عادت إليه مرة أخرى. انحنت على ركبتيها تطالع وجهه الشاحب. قطرات العرق تصب على جبينه. يرتجف جسده من شدة ألمه. فمدت معصم يدها على فمه تخبره برجاء: "ياسين.. اصحى.. أرجوك لازم تشرب الدم من جديد" لم تجد منه استجابة، فاسترسلت حديثها:
"ياسين أنت كده هتموت، مش هتتحمل لحد ما الخالة تيجي. أرجوك المرة دي وبس" زاد الألم بداخلها. الكابوس يتكرر. عندما لم تجد منه ردًا، أخذت تنتفض، لا تعلم ماذا تقول. ولكونه فاقد الوعي جعل الأمر أكثر يسرًا، فأخذت تردد بصدق: "أنا عارفة إني السبب في كل حاجة حصلتلك.. وحصلت لعمار. حاسة إني موتك هيبقى بسببي زي ما عمار كمان مات بسببي. أنا معرفش ليه وامتى وإزاي.." نزلت دموعها وهي تتابع:
"بس لأول مرة يا ياسين أخاف عليك مش منك. أنا بخاف عليك يا ياسين" قالت بنبرة هامسة متأثرة، تطالعه بصدق: "بخاف عليك أوي" لأول مرة من عشر سنين، من وقت موت عمار ومن وقت ما مشيت، رجعلي إحساس إن حد بيخاف عليا وبيحميني. حد مستعد يضحي بنفسه عشاني. شهقت من بين كلماتها: "أنا آسفة على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. أنا ماساهتلكش ولا أستاهل إنك تحفر اسمي على جسمك" تنهدت بمرارة تجعلك بتنهيدتها تشعر بمرارة ما مرت به لسنوات:
"مكنتش فاهماك يا ياسين.. عمري.. عمري ما فهمتك في يوم" وقفت واستدارت تستعد للمغادرة، تمسح دموعها من على وجنتيها، تشعر بالضعف وقلة الحيلة. كانت ستبتعد، ولكنه أمسك كف يدها ليلطخها بدمائه المتناثرة على كف يده. استدارت تنظر لكف يده الممسك بمعصمها بإحكام، مما جعل عينيها تتسع للضعف، وهي تسمعه يقول: "ما تسيبنيش يا شمسي"
عادت لها الأنفاس من جديد بسماع صوته. توقفت نبضات قلبها عن الخفقان، وتيبس جسدها عن الحركة. هل قال "شمسي" حقًا وليس شمس؟ هل أنصت لما تفوهت به في لحظة ضعفها؟ لم تنطق ببنت شفة، بل عادت إلى مكانها بجواره، تطالع كف يدها الممزوج بدمه. وهو ما زال مغمض العينين، يقبض بكفه على كفها. ظلت تنظر لملامحه، لم تعلم كم عدد الساعات التي ظلت بها بجواره حتى دون حركة. وأخيرًا أخذها النوم إلى عالمه.
-"موقف لا تحسد عليه" مشيرة وضعت نفسها به قبل قليل. هي الآن تجلس بالقطار بجانب الشرفة، تسترجع لمحات بسيطة مما حدث منذ ساعات. "دلفت إلى غرفتها دون استئذان، تلهث من كثرة أنفاسها المتقطعة خوفًا عليه، فقالت مشيرة بنبرة تحمل من الخوف والقلق ما يكفي: "صحيح اللي سمعته ده.. ياسين حد رمى عليه مايه نار" جحظت عين الخالة من تهورها ودخولها غرفتها دون استئذان، ولكن هذا كان آخر همها الآن. فقالت "الخالة" وهي تبتعد من أمامها:
"ما تقلقيش يا بتي ياسين بخير. إحنا هانروحله وهنطمنك أول ما نوصل" اعترضت "مشيرة" بعصبية، تهرول خلفها: "أنا مش هفضل مستنية هنا، أنا جاية معاكي يا خالة" صعدت الخالة السيارة، فنادت "زهرة" على الطبيب: "علي" طالعها بعدم اهتمام قائلاً: "مش وقته يا زهرة، أنا لازم أمشي حالا" جلس الطبيب على مقعد السائق، بينما مشيرة تترجى "الخالة" من خلف الزجاج: "أرجوكي يا خالة خديني معاكي، أنا مش هقدر أقعد هنا دقيقة واحدة وهو هناك"
فردت الخالة بحزم: "لو كان ينفع كنت أخدتك، هو بخير ما تقلقيش" لم تجد مشيرة حلًا سوى الصعود بالمقعد الخلفي رغماً عنها. أغلقت الباب وهي تقول بعيون دامعة: "آسفة بس مش قادرة" أشار "الطبيب" للخالة برأسه مطمئنًا لها: "ما تخافيش يا خالة، هنلاقي لها حل" استغربت مشيرة من جملته، فأشارت الخالة بعينيها "للطبيب": "اطلع يا علي" أفاقت من شرودها على حديث الطبيب: "يلا يا مشيرة وصلنا القاهرة" -طالعه بغضب. لم يتركه إلا حين سمع كلماته:
"يا فريد بيه افهمني، والله أنا كنت عارف إن الواد ده وراه حاجة. أنت ماشوفتش اللي أنا شوفته في القطر" "أنت حمار وغبي كمان.. بقى ترمي عليها مايه نار" استدار يضرب كف يده بالأخر دون تصديق: "افرض كانت جت فيها وهو ما لحقهاش. افرض كان حصلها حاجة ولا عمرك كان هيكفيني إني انتقم منك يا خالد الكلب. أنا قولت آخرك هتوهشها بالموتوسيكل، هتعمل نفسك هتخبط فيها ولو ما جاش هتفديها. لكن مايه نار.. أنت أكيد مجنون" فتحدث
هو ببرود يطغى على كلامه: "واهي ما جتش فيها.. وأنا متأكد إنها ما كانتش هتيجي فيها. أنا مارمتش مايه النار إلا لما شفته من بعيد وهو بيبص عليها. فتحت الإزازة لقيتلك حاجة بتطير ما بتجريش، سرعته رهيبة. قبل ما أرمي المايه في أقل من رمشة العين كان عندها. وهو ده اللي إحنا عايزينه يا باشا" "بس افرض" بتر خالد جملته: "ما فرضش. اللي عايزينه وحصل والفيديو واخدناه وهي مجرالهاش حاجة، يبقى إيه لازمة اللي حضرتك بتعمله ده كله؟
والله أنا ما أستاهل منك ده كله يا فريد بيه. تنهد بغضب، مشيرًا بيده قائلاً: _هات وريني الڤيديو. أشار بكف يده معترضًا: _مش قبل ما نتفق على حلاوتي. _مش لما أشوفه الأول يا حيوان أنت. كانت هذه جملة "فريد"، فاعترض عليها "خالد": _وليه الغلط ده بس يا فريد باشا، خلينا حبايب والفيديو مش هتشوفه إلا لما نتفق على حلاوتي. أخرج فريد دفتر الشيكات من درجه الخاص قائلاً: _عايز كام، أخلص. _مش هقبل أقل من نص أرنب. _نعم يا روح أمك.
قالها بصوت مرتفع من صدمته، فسمع صوت والدته من الخارج: _في إيه يا فريد؟ بابا كده مش هيعرف ينام. صك على أسنانه وتحدث من بينهما: _أنت بتساومني يا خالد؟ رفع إصبعه يشير مؤكدًا: _وعزة جلال الله، أبداً. ده بس من عشمي فيك. ضغط "فريد" بأسنانه على شفته السفلية قائلاً بعدم رضا: _ماشي.
حرر له الشيك وأخذ هاتفه ينظر إلى الفيديو بغضب، فوجد سرعته الرهيبة وهو يحتضنها، ولكن من حظ "ياسين" بأن من كثرة سرعته لم تتضح ملامحه في الفيديو. وعند احتضانها، فالمصور التقط له الفيديو من ظهره، فلم تظهر ملامحه أبداً. قال "فريد" بغضب: _ده ملامحه مش باينة، أنت بتستهبل؟ هات الشيك. فابتسم "خالد" بسمة خبيثة: _بس تقدر تساومها بيه. هات الشيك يا باشا ومبروك الجوازة.
صباح جديد ولكنه مختلف. نقرت "سارة" على الغرفة بروية، فلم تجد ردًا. فتحت الباب لتجدها غارقة بنومها، ممسكة بكف يده، يلطخ دمه كفها. دلف "يزن" خلفها سائلاً: _بتعملي إيه؟ أشارت على فمها بالهدوء: _هووووش، هتصحيهم. _أنا برضوا اللي هصحيهم، مش عيب كده. لم تهتم "سارة" بحديثه وأخرجت هاتفها من جيب سترتها تلتقط لأيديهم المتشابكة صورة تذكارية، فابتسمت وهي تنظر للصورة ببسمة عريضة: _Sooo cute.
_عايزين نتصور صورة زيها، تبقى سايح في دمك كده ومش سايبين إيد بعض ونخلي حد يصورنا. ابتسم "يزن" بغير تصديق وهو يقول: _والله أنتِ مجنونة. صدح صوت رنين الباب، فاستيقظت "شمس" مسرعة، فخبأت سارة هاتفها على الفور. فهتف "يزن" وهو يسرع بفتح الباب: _دي أكيد الخالة. جذبت "شمس" يدها من كف يده، تشعر بلزوجة دمائه على كفها، طالعت سارة قائلة: _أما مش عارفة نمت إزاي. _كان لازم تنامي عشان ترتاحي، اللي حصل امبارح مش شوية.
وقفت بجواره، وأول شيء فعلته هو الشعور بمعصم يده، لتجده مازال ينبض، فشعرت بالراحة على الفور. دخل "الطبيب علي" يهرول بالدخول إلى الغرفة، يأمر يزن بقوله: _خلي مشيرة بره، ماتخليهاش تدخل الأوضة يا يزن، مهما حصل. وقفت "شمس" بجوار الطبيب، فبدأ بسؤاله: _بقاله قد كام ساعة بالظبط وهو كده؟ أجابت "شمس" باهتمام: _مش أقل من سبع ساعات. أشار الطبيب بعينيه للخالة فأردف قائلاً: _كله يطلع بره، مش عايز حد في الأوضة.
خرج الجميع، وهمت "شمس" بالخروج، فأوقفتها الخالة قائلة: _اقفلي الباب وراهم وتعالي، عايزاكي يا شمس. أغلقت الباب خلفهم، تنتظر سيل الأسئلة، ولكن فعلت "الخالة" عكس المتوقع: _هاتي إيدك.
مدت "شمس" يدها مستسلمة لها، فأخرجت "الخالة" أظافرها وجرحت معصم يدها، تألمت بصمت، فأخذت الخالة بضع قطرات من دمها بداخل زجاجة بها عشبة الأصيص، رجتها سريعاً بكلتا يديها الاثنتين، تمزج دمها جيداً بها. استغربت "شمس" مما تفعله الخالة، مدت كف يدها تعطي الزجاجة "للطبيب" تنظر له بعيون راجية: _ادعي بس إنه يفلح يا علي.
أشار "الطبيب" بعينيه يتنهد على أمل أن يفلح مزيجهما، فألقى المزيج على ظهر "ياسين" بروية، حتى سمعوا صرخاته، كما امتزج البنزين بالنار، شعر بألم شديد لا يصفه كلمات، مازالت صرخته ترج الأجواء، حتى عاد جلده من جديد ببطء شديد. سمعت مشيرة صرخاته بالكامل، حاولت الدخول، ولكن منعها "يزن"، فقالت: _أنت بتمنعني أنا ليه؟ أنا أحق بيها، أنا خطيبته وهبقى مراته، إنما هي تقرب له إيه؟ خرجت الخالة من الداخل تستند على عصاها،
وخلفها الطبيب وشمس: _سيبوه يرتاح، هيفوق كمان شوية. _انتوا عملتوا فيه إيه؟ أنا عايزة أشوفه. فرد الطبيب برجاء: _اقعدي يا مشيرة، هتشوفيه، ماتقلقيش، ياسين ما فيهوش حاجة. _إزاي دي غدير كانت بتقول إن فيه مايه نار. بتر حديثه الطبيب قائلاً: _ولا مايه نار ولا حاجة، غدير عيلة ما فهمتش الكلام كويس، مجرد حرق في ظهره بسيط، والخالة حطيتله مرهم هي اللي عملاه بنفسها من أعشاب طبيعية، هيخليه يقوم بسرعة، ماتقلقيش.
بان الكذب في نبرته، ولكنها اضطرت أن توافقه على ما قاله، فكل همها الآن هو أن تراه أمامها من جديد. أشارت الخالة بعينيها لشمس فتبعتها دون أن تنطق. وقفوا بالشرفة، فبدأت الخالة بحديثها: _إيه اللي حصل يا شمس؟ هزت "شمس" رأسها تجيب سؤالها:
_أنا نفسي معرفش اللي حصل، كل اللي أعرفه إن كنت بتكلم معاه وسابني ومشي مرة واحدة، لاقيت واحد راكب موتوسيكل لابس خوذه، ماشوفتش منها إلا عينيه، بصلي بنظرات مريبة ورمى عليا مايه نار، وياسين لحقني ووقف قدامي، فدا نفسه عشاني، جبته هنا أنا ويزن ومش عارفة جرحه مالمش ليه، يا خالتي ومش فاهمة مين اللي عايز يأذيني بالشكل ده، أنا لولا ياسين كنت زماني ميتة، الله يعلم بيا، كان جرالي إيه من غيره.
ربتت الخالة على كتفها لتطمئنها قليلاً: _أهدي يا بتي، كل شيء هيتعرف بأوانه، المهم إنه يقوم منها بالسلامة، الجرح ما كانش هين، نحمد ربنا إنه فضل عايش. ياسين بقاله سنين ما بيشربش الدم، وجسمنا بيضعف، وخصوصاً عشان لعنتنا، ولا أنتِ نسيتي. الحاجة الوحيدة اللي تخلي ياسين يرجع قوي زي زمان إنه يرجع يشرب دم البني آدمين، وده اللي مش هيسمح بيه ياسين. عرفتي ليه جرحه ما لمش، وخصوصاً مع جرح شديد زي ده.
أشارت برأسها بعيون دامعة بالإيجاب دون أن تنطق، فهدأت الخالة من روعها قليلاً: _قدر ولطف يا بتي. تمر الأيام أمامك ولا تستطيع اللحاق بها. هما الآن بغرفة الضيوف الخاصة "بالخالة حكيمة"، يجلس "فريد" بالمنتصف، يجلس جلسة ثقة مما يطلبه: _أنا جاي في الأصول وطالب إيد شمس يا خالة. كان هذا طلبه، لم يتوقع "ياسين" أن يجتمع مع هذا الشخص من جديد. طالع "ياسين" باستخفاف شديد وتحدث: _ومين قال إننا ممكن نوافق على واحد زيك.
نظرات عيونهم وكأنها حرب طاحنة بينهما، ولكنها حرب باردة: _مين إحنا؟ أنا مش جاي طالب إيدك أنت، أنا طالب إيد شمس. نظرات "ياسين" لو كانت سهام لضربته في مقتل: _أنا واثق إنها عمرها ما هتوافق على واحد زيك. _على الأقل اسألها، لو رفضت أنا همشي ومش هتشوفني تاني. قال فريد جملته، يعتدل بجلسته على المقعد، فتمنى "ياسين" لو اشتعل به المقعد الأن. رأت الخالة النار المشتعلة بينهما، فأرادت إخمادها بهدوء:
_خلاص يا ياسين، لو ده اللي هيريحها، إحنا موافقين يسمع رفضه بنفسه. نادي على شمس يا حسان. أشار حسان برأسه بالموافقة، فأتت "شمس" تدخل بين الجميع، فنطقت الخالة قائلة: _فريد طالب إيدك يا "شمس"، قولتي إيه يا بتي؟ قالت تنظر للأسفل، تتجنب التطلع إليه، ترد بصوت مرتعد: _موافقة. علت الصدمة وجوههم جميعاً، فأردفت زهره ببسمة واسعة تطلق زغرودة تصدح بالمكان بأكمله: _لولولولولولولولولولولولولولولي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!