الفصل 91 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
19
كلمة
4,122
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

"كان لابد من لقاء يجمعنا سويا يوما ما، ساورتني شكوكي قليلا، ولكن تملكني يقيني أكثر، كل شيء بغيابك عادي وبوجودك مبهر، تجمعت مشاعرنا دون لقاء، كما التقت عيوننا دون معاد ياصاحبه العيون الخضراء."

كانت النهاية عند وقوعها دون قصد بأحضان أخر شخص ممكن أن تتوقعه وأول شخص كانت تتمنى أن تراه مجددا. وجدت نفسها بأحضان "ياسين". رفعت عيناها لتطالعه فقد احتضن بؤبؤ عيناها عيناه. لم تعرف ماذا تقول، صدق من قال أن للعيون لغة، فقد فضحتها عيناها عند رؤيته من جديد.

ابتسم لها هو ابتسامة بسيطة زادت من وسامته، فراجع قليلا حتى يعطي لها فرصة في الوقوف مستقيمة بعدما مالت عليه. نظر للأسفل ليجد رباط حذائها المفكوك كالعادة، ليبتسم من جديد وهو ينحني يربط لها رباط الكوتشي وهو يقول: "رباطك ياشمس."

هوى قلبها أرضا عند سماع جملته، فهذه الجملة لم تسمعها قرابة العشر سنوات، هذه الجملة الخاصة بـ"عمار". وقف واستقام بعدما عقد لها رباط الكوتشي من جديد. نظرت للأسفل على حذائها فوجدته نفس ربطة "عمار" المعقدة، فأكمل هو جملته بإبتسامة حنونه أخرى: "ربطهولك كويس عشان مايتفكش منك تاني."

كانت ومازالت لا تستطيع الحديث، فلم تنطق ببنت شفه حتى الأن، ولكن بداخل رأسها في هذه اللحظة أسئلة كثيرة وزحمة أكثر بداخلها، ولكن تود أن تسأله سؤال واحد فقط يراودها على طرف لسانها وهو "من أنت؟ " حتى كادت أن تنطق به، ولكنها صمتت عن الحديث فجأة عند سماعها صوت الطبيب قادم من خلفها ناطقا بأسمه بدهشة وعدم تصديق ما يراه الأن: "ياسين." أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة بقوله: "وحشتني يا طبيب."

فرد "الطبيب علي" ذراعه، والابتسامة تملأ وجهه، يضمه إلى صدره فقد اشتاق إليه حقا. ظلت "شمس" تطالعه، فطالعها هو الآخر بنظرة سريعة ثم تجاهلها على الفور. شعرت الخالة بوجوده، التقطت رائحته من بين الحشود، ابتسمت ووقع العكاز من يدها على الأرضية، شعرت بروحها تعود من جديد إلى جسدها، فوجدت قلبها ينطق قبل لسانها: "ابني."

توقف الطبل والمزمار، وظل الجميع يسأل نفسه في حيرة ينظرون هنا وهناك. تحركت "الخالة" بينهم، أزاحت الأشخاص الذين يحولون بينه وبينها. أخذ "يزن وبربروس وساره"، الجميع بلا استثناء يتابعون خطواتها بعيونهم، حتى وجدته يعطيها ظهره وهو بحضن الطبيب. وضعت كف يدها على كتفه تطالعه بدموع ترقرق بعينيها، فالتفت هو ينظر لها بابتسامة حانية: "وحشتيني يا ما."

ها قد وقعت على مسامعها كلمة "ياما" من جديد، ضمته "الخالة" إلى صدرها بعنف، حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع، فقد عاد ولدها المفضل لديها من جديد أخيرا، بعد غياب بعيد. ألتف الجميع حوله، رحب كل واحد منهم به على حدا، فتركتهم شمس وغادرت إلى المنزل. شعرت بمزيج مثير ومميز من الشعور الذي يراودها الأن. أغلقت باب غرفتها، قرعت دقات قلبها كالطبول، خرجت كلماتها مرتعشة من بين شفتيها بعدما أغلقت عينيها وهي تردد على شفتيها باستغراب ما

قاله لها منذ دقائق قليلة: "رباطك ياشمس." ما زال الجميع يرحب به بفرحة عارمة، حتى أتت له "غدير" وهي تسرع بخطواتها، تبعد الجميع من أمامها والسعادة تملأ وجهها. دفنت رأسها بداخل صدره وهي تنطق باسمه: _ياسين، أنا مش مصدقة نفسي، أنت فعلاً هنا. فاستغرب هو مما يحدث، لم يعد يعرفها. رفعت رأسها إليه تنظر له بابتسامة عريضة، فتفحص هو ملامحها لثوانٍ قليلة، ثم نطق باستغراب على ما أصبحت عليه الآن: _الذبلة.

ضربت بكف يدها على كتفه بخفة، يرتسم على وجهها ملامح الاندهاش، فقد تذكرها للتو: _بالظبط. أشارت على جسدها بكف يدها، بعدها استرسلت حديثها: _كبرت مش كده؟ فأشار لها بعينيه بأعجاب: مهما كبرتي هتفضلي في عيني الذبلة الصغننة. ابتسم الجميع. فسأل هو عن بربروس، فأجابه هو: _أنت انتظرت للأخير حتى تذكر اسمي أيها اللعين. ضحك ياسين بهدوء على كلامه قبل أن يرد: _وأنا لا يمكن أن أنساك يا شيخ عجوة.

أخذه بالأحضان الحارة، وقد شعر بالارتياح بداخل أحضانه. فذهب ليزن بعد ذلك: _مبروك يا عريس، عارف إني جيت متأخر بس... بتر "يزن" حديثه: _المهم أنك جيت يا "ياسين" دلوقتي، بس حسيت إن عمار معايا. نظر له "ياسين" نظرة امتنان. فنظرت "الخالة" حولها تبحث بعينيها عن "شمس": _هي شمس لسه ما جابتش الحنة؟ ياسين هو اللي هيحطها في إيدين العريس. أنا هاروح أجيبها يا خالة.

هرولت "غدير" مسرعة، فأتت بالحنة على الفور. ارتفع صوت الطبول والمزمار من جديد وهو يضع الحناء في يد "يزن" العريس. كان الجميع سعداء، الجميع بلا استثناء، ما عدا "زهرة"، فقد انقبض قلبها وشعرت بالحزن عند مجيئه. كانت أعين جميع من بالفرح عليه، فالجميع انتظر لسنوات عديدة ليرى من هو "ياسين" بعدما ظلت تحكي عنه "الخالة" للعديد من الناس. فالكل يعلم بأنه وريث عائلة الصاوي من بعد "الخالة". شعر بهمهماتهم ولمح أعينهم المسلطة عليه.

حاول مراراً تفاديهم حتى تنتهي هذه الليلة على خير. كانت هذه الليلة من الليالي الصاخبة بالقرية. لم ينم أحد تلك الليلة. فظلت هذه الليلة مستمرة حتى طلوع الفجر. وأخيراً خفت الزحمة قليلاً، وانتهى اليوم على خير. حتى ظل شباب العائلة من جديد. فالجميع الآن أصبح من العائلة، هكذا دائماً تخبرهم الخالة. يجتمعون جميعاً حول ياسين من جديد. فأمرتهم "الخالة" بالرحيل.

فرد الطبيب: _عايزانا نرجع البيت ليه يا خالة دلوقتي؟ إحنا ما صدقنا نتجمع من جديد. فرد "بربروس" على كلام الطبيب: _هناك أناس لا يمكن أن نرفض لهم طلب، ومنهم "الخالة". ومن المؤكد أنها تريد أن تجلس مع هذا اللعين بمفردهما قليلاً. أشارت الخالة بعينيها إلى "الطبيب": _شايف الناس اللي بتفهم. يلا كل واحد عارف فين مطرحه. كان اليوم شاقاً. فذهب كل منهم على حدة ليستريح، فغداً يوم جديد. ***

حاول أن ينفرد بنفسه قليلاً بعدما غادر الجميع من حوله. ينظر هنا وهناك، فكل شبر بالقرية يحفظه عن ظهر قلب. وجوده بالقرية يذكره بأشياء بشعة يريد نسيانها. فالنسيان أحياناً نعمة وأحياناً أخرى نقمة. شرد قليلاً في الماضي، ولكن سرعان ما أفاقته الخالة من شروده: _ياسين، عايزاك معايا يا ولدي في كلمتين، تعالى ورايا. وقف واستقام وهو يضع يده في جيبه الخلفي بعدما تنهد: _الكلمتين دول ماينفعش نأجلهم لبكرة ياما. أشارت برأسها بالنفي:

_لأ ماينفعش يا ولدي. أشار برأسه بالموافقة ورحل خلفها في صمت حتى وصل إلى قبر عمار. أشارت بعكازها على ذلك اللوح الرخامي الذي دون عليه اسم عمار قائلة: _كتبته على اسمك بالكامل "عمار ياسين بن يزيد الصاوي". فاكر عيلة الصاوي يا ولدي ولا نسيتها؟ أشاح بنظره عن اللوح بعدما طالعه قليلاً: _جايباني هنا ليه ياما؟ فردت "الخالة" عليه بسؤال آخر: _وما جابكش ليه يا ولدي؟ وضع كف يده بين خصلات شعره الكثيفة يحاول أن يتجاهل قبر ابنه بقوله:

_عشان مش وقته ياما. أنا جاي هنا عشان خاطر فرح يزن. نظرت له باستغراب قائلة: _وقبر ابنك مش عايز تشوفه؟ ابنك ما وحشكش ياياسين؟ فرد على سؤالها بسؤال آخر: عايزة توصلي لأيه ياما؟ كانت ستنطق بكلماتها ولكنه بتر حديثها قبل أن تنطق، فجاوب هو: _أنا هقولك أنت عايزة توصلي لأيه. أشار بعينيه إلى اللوح الرخامي:

أول حاجة تخليني أشوف قبر عمار عشان تفكريني باللي فات. بعد كده تاخديني جولة في البلد وقد إيه قرية الصاوي كان ليها معانا ذكريات، فكل شبر من أرضها، وأبويا وجدي وجد جدي والناس اللي عيشنا معاهم ونشوفهم بيتولدوا ويعيشوا ويموتوا وإحنا لسه أحياء. هما موجودين وهيفضلوا موجودين طول ما الأرض والقرية بخير، بريحتهم وهيبقوا مرتاحين في تربتهم. وآخر وسيلة بقى إنك هتعرفيني على الناس هنا من جديد وتعرفيهم بيا وقد إيه هما غلابة ومحتاجين اللي يحميهم عشان تفضل قرية الصاوي بخير، مش كده ياما؟

أنا وفرت عليكي كل شيء وعايز أقول لك إني جاي أحضر حنة يزن وفرحه وهرجع مكان ما جيت عشان أنا ما بقاش ليا مكان هنا. نظرت له الخالة باستغراب قليلاً مع الكثير من الحيرة، فهو يعلم جيداً ما يفعل. نظرت في عينيه وجدت بهما إصراراً على ما يقول يكفي لعدم مناقشته في هذه اللحظة. فضربت الأرض بعكازها وهي تنظر له نظرة تتحداه فيها: _ماشي يابن الصاوي. فرح يزن بعد شهر. بعد الشهر ما يخلص، وقتها نقرر إذا كنت هترجع مطرح ما كنت ولا لأ.

استغرب هو مما قالته. فأدارت "الخالة" ظهرها له لتكمل طريقها. فوقف هو بلحظة أمامها ووقف بطريقها: _أنت قulتِ إيه؟ شهر!! الفرح المفروض يا بكرة يا بعده بالكتير. فارتسمت على وجهها نظرة تتحداه بها: _هو أنا ما قلتلكش، مش إحنا أجلنا الفرح يابن الصاوي. ومش هتمشي من هنا قبل ما تحضر فرحه، وده آخر كلام عندي.

تركته ورحلت. يراها هو تبتعد عنه. رفع كفيه الاثنين ووضعها خلف رأسه بعدما تنهد بعمق وقد شعر بضيق في صدره مما قالته الخالة منذ قليل. فاحتاج للقليل من الهواء النقي لكي يفكر قليلاً على انفراد. أخذ يسير هنا وهناك بين الحقول والغيطان. فقد أشرق يوم جديد. فجلس بين الخضرة والزرع وفرد ظهره ينظر إلى السماء الصافية بلحظة الشروق يستنشق القليل من الهواء. *** هي فين شمس؟ _هذا كان سؤال سارة لمارال وهي تضع فستانها بالدولاب الخاص بها.

مش عارفة من أول ما ياسين ظهر في الفرح وهي اختفت. طيب ما حد يشوفها في أوضتها. فردت غدير مسرعة: _سيبوها، أنا لسه شيفاها في أوضتها من شوية، لقيتها نايمة على السرير. فردت ميرا بقلق: لا تكون تعبانة. _تؤ. تؤ ما افتكرش عشان كانت نايمة عادي. وبعدين أنتوا سايبين ياسين رجع وماسكين في شمس راحت فين. فردت عليها سارة: _أيوه يا ذبلة أنتِ. مش لازم نطمن عليها. رفعت غدير شعرها تعقده بالتوكة المشبك الخاصة بها:

_والله شوفتها نايمة واطمنت عليها، ماتقلقوش. أنا حتى ما رديتش أصحّيها. فسألت سؤال آخر: _بس أنا ملامحي ما اتغيرتش، أصل ياسين عرفني على طول. _لأ، ما اتغيرتيش. لسه عيلة صغيرة زي ما أنتِ. هو أخوك هيمشي امتى؟ أنكمش حاجب "الطبيب" باستغراب، فاعتدل في نومته يطالع زهرة: _هو لحق يرجع يا زهرة عشان يمشي؟ قامت من على الفراش والقلق يأكل من قلبها: _أنا بس بسأل، يعني ما تعرفش إذا كان هيحضر الفرح وهيمشي على طول ولا هيقعد شوية.

جلس على الفراش، وكانت هي تقف في الجهة المقابلة له: _وأنتِ، ليه عايزاه يمشي؟ وبعدين يمشي منين؟ ده بيته. أغلقت عيناها بعدما أخذت نفسًا بعمق: _ما أنا عارفة إنه بيته يا علي، أنا بس بسألك مش أكتر. إيه المشكلة في كده؟ خلاص السؤال حُرِم. هز الطبيب كتفيه بعدم فهم: _ما تحرمش ولا حاجة، بس استغربت مش أكتر. ظلت واقفة مكانها وشردت بتفكيرها قليلاً. فسألها هو: _إيه، مش هتنامي؟

فأفاقت من شرودها وأشارت برأسها بالموافقة، ففرد هو يديه لكي يأخذ ابنته الصغيرة بين أضلعه كالعادة.

هو الآن أمام المنزل الكبير. خطى أولى خطواته على الدرج. فكلما صعد على الدرج يتذكر ما كان يفعله بالماضي بين جدران هذا المنزل من سفك الدماء. فوقف على الدرج لم يستطع أن يستكمل طريقه. ولكن شعور ما بداخله أجبره على الدخول. نظر إلى بهو المنزل، فقد تغير كثيرًا عن أيام "الضبع". نعم، نفس الجدران، ولكن أصبح هناك حياة بداخل هذا المنزل الكبير. فقد حرصت "الخالة" أن تعيد المنزل كما كان في عهد الصاوي الكبير. فتح باب غرفته وجلس على طرف فراشه. وضع يده على الفراش وأغلق عيناه. فراودته ذكرى مخيفة وهو يحمل "شمس" بين ذراعيه يريد أن يختلي بها، حتى جاءه الضبع

وقد نحت الغضب معالم وجهه: _أنت بتعمل إيه يا ياسين؟ _دي مراتي، يعني أعمل فيها اللي أنا عايزه يا أبويا. _مش دلوقتي يا ولدي. اللعنة تتفك وبعديها أعمل اللي أنت عايزه.

فاق من شروده على تلك الذكرى المؤلمة حقًا. يؤنب نفسه دائمًا وأبدًا عما كان يفعله بالماضي دون وعي. حل زراير قميصه يحاول خلعه. ليجد من تخرج من باب الحمام بداخل الغرفة تنظر له بصدمة. لتعلو صوت أنفاسها وهي ترى جسده العاري من القميص. فأستدارت على الفور عند رؤيته. فأنكمش حاجبه قليلاً بعدما نظر إلى الأسفل ليجد نفسه عاري الصدر. فوضع يده على قميصه يضمه بيديه الاثنتين قائلًا بسخرية مع ابتسامة بسيطة: _يا مصيبتي.

فردت هي ومازالت تعطيه ظهرها والتوتر يعلو نبرة صوتها: _أنت... أنت بتعمل إيه هنا يا ياسين؟ تقدم خطوة نحوها وهو يزرر قميصه قائلًا: _دي أوضتي يا شمس. أنتِ ناسيه؟ وبعدين تقدري تفتحي عينيكِ. أنا قفلت القميص. استدارت لكي تنظر له: _أنا مش ناسيه أكيد، بس... تحدث بعدما بتر جملتها: _بس استوليتي عليها، صح؟ _أنا ما استولتش عليها يا ياسين. كل حاجة زي ما هي، ما اتغيرتش من يوم ما سبتها. أتجهت نحو الدولاب فتحت الدلفة قليلاً

لتريه ما بداخلها: _شايفة. نظر بداخل الدولاب ليجد ملابسه بالكامل مازالت موجودة، مرتبة ونظيفة. فأكملت حديثها بعدما هزت كتفها: _سريرك موجود، حتى ما حاولت أغيره مع إنه قديم ويقرف. رفع هو حاجبه باستغراب، فقد علم من حديثها بأنها حرصت أن تبقى غرفته كما كانت منذ أن تركها ورحل. فقال ببجاحة: _ويا ترى القبو كمان سبتيه زي ما هو، ولا ده غيرتي فيه؟ القبو؟ فهي تشعر بشعور مخيف عند سماع اسمه. فما بالك من أن تنزل به وتغير فيه؟

ففيه عاشت أسوأ مراحلها وفيه فقدت "عمار". تنهدت ببطء وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها قليلاً: _والله لو أنت عرفت تغير فيه اللي حصل، يبقى أنا كمان هنزل أغيره. تركته واتجهت ناحية الدولاب تأخذ منه أغراضها التي تحتاجها من الدلفة الأخرى. ذهبت باتجاه الباب ووقفت قائلة: _أوضتك ورجعت لك يا ياسين. أنا ما باخدش حاجة مش بتاعتي. خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة، تاركة إياه ينظر لها وهي تبتعد عنه.

صباح يوم جديد. كانت زهرة وميرا يحضرون لوجبة الإفطار. يضعون الطعام على الطاولة الكبيرة. فسمعوا صوت سارة المرتفع يأتي من غرفة الضيوف قائلة: _إيه!! يعني إيه الفرح اتأجل يا خالتي؟ نظر الجميع لبعضهم البعض باستغراب، فلم يستوعب أحد منهم ما قالته سارة للتو. "اقعدي ياسارة وأهدي لما نشوف ليه الخالة عايزة تأجل الفرح."

كانت هذه جملة يزن بعدما أمسك بكف سارة يحاول تهدئتها قليلاً. فجلست سارة على المقعد وبداخلها ألف سؤال، ولكن أهمهم هو ما سألته للتو. وكان رد الخالة كالتالي: "عشان أنا قولت كده يابنتي. فرحك كمان شهر على يزن." "يعني إيه؟ هو حكم قرقوش يا خالتي؟ نطقت جملتها بغضب، فضرَبت الخالة عكازها بالأرض بعنف: "يزن شوف مراتك." "هو أنا لسه بقيت مراته عشان يشوفني؟ "هتبقي يابنتي هتبقي والله. مالك متسربعة على إيه؟

علق يزن على الحوار بأكمله مستهجناً: "يا خالتي الحكاية مش حكاية متسربعة، بس على الأقل سارة عايزة تفهم وأنا كمان عايز أفهم، ده من حقنا على الأقل." استدعت الخالة كامل اتزانها وهي ترد بثبات: "أنت مش واثق فيا يابني؟ قالت جملتها فوجدت ياسين يفتح الباب ويجلس على المقعد أمامها، ينظر لها بخبث يتحداها قائلاً: "ياما كلنا واثقين فيكي، بس على الأقل العرسان عايزين يعرفوا السبب ليه عايزة تأجلي جوازهم." هز رأسه ببراءة:

"كلنا محتاجين نعرف." فردت سارة مسرعة وبلهفة: "قولها ياياسين، على الأقل لو هأجل فرحي أعرف ليه، لكن أأجله وخلاص ده يبقى ظلم، ولا إنت إيه رأيك ياياسين؟ تفحص ياسين الخالة الجالسة أمامه بعينين ثاقبتين، لم يهزه ثباتها حتى وهو يقول: "بصراحة قمة الظلم، واحنا لازم نستأنف في القضية دي." قالت الخالة بتحدي: "اطلع أنت منها ياياسين، سيبني أنا معاهم هعرف أتصرف." نظر لهما يزن وهما يتبادلان نظرات التحدي كل منهما الآخر، فقطعت

خالة هذه النظرات بقول: "روح مع حسان، هو مستنيك بره. عاملين له استدعاء ولي أمر في المدرسة وعلي مش فاضي." كمش حاجبه باستغراب وهو يطالعها ويردد: "استدعاء؟ أشار بأصبعه على نفسه فاستكمل حديثه: "أنا أروح استدعاء ده؟ الجيش ما عملهاش." قالت كلماتها بحزم: "أنا قولت روح ياياسين. حسان مستنيك بره." تنهد بعمق وهو يطالعها من جديد، فحنى رأسه قليلاً دليل على الطاعة: "اللي تشوفيه ياما."

خرج يصفع الباب بقوة من خلفه ليجد حسان وغدير أمامه يقفان بجانب بعضهما البعض بالبهو، فسألهما: "مين فيكم حسان؟ فنظر كلا من غدير وحسان إلى بعضهما البعض باستغراب، فرد حسان قائلاً: "أنا طبعاً." فتحرك ياسين أمامه وهو يقول: "تعالى ورايا." *** هو الآن يقف أمام مدير المدرسة الخاصة بحسان، فتح باب غرفته دون استئذان وجلس على المقعد وهو ينظر للمدير قائلاً: "الواد ده عاملين له استدعاء ليه؟ هو ما بيجيش المدرسة؟

فرد عليه المدير باستهجان: "ييجي فين يا أستاذ، إحنا في إجازة." رفع حاجبه باستغراب مما قاله للتو بعدما نظر لحسان: "ولما إنت في إجازة، عاملين لك استدعاء ليه؟ هز حسان كتفه بعدم فهم، يشاور بأصبعه إلى المدير: "معرفش، اسأله هو." فأجاب المدير قائلاً: "قبل ما تسألني أنا، عايز أسألك أنت مين؟ أنا أول مرة أشوفك في القرية." "أنا ياسين الصاوي." قالها بثبات، فتوتر المدير قائلاً: "هو حضرتك رجعت من السفر؟ "لأ لسه." فابتلع

المدير ريقه وهو يقول: "نورت القرية يا أستاذ ياسين." فرد هو بلا مبالاة: "هنورها إزاي وأنا لسه ما جيتش؟ ضحك المدير بهدوء على كلامه ليجامله وهو يقول: "أنا عملت للطالب حسان استدعاء لمصلحته، حسان شايل مواد السنة دي ودي تاني سنة ليه في تالتة ثانوي، ولو ما امتحنش السنة دي المواد دي هيترفض من المدرسة وحرام السنين دي كلها تضيع وما يبقاش معاه الثانوية، على الأقل فحبيت أقولكم وخصوصاً إنه من شباب عيلة الصاوي." فنظر

له ياسين نظرة مشبعة بلوم: "أنت ما كنتش ناوي تدخل الامتحانات؟ رفع حسان رأسه، فقابلت عيناه عينا ياسين، ففتح فمه لكي ينطق، فقاطعه ياسين قائلاً: "هيدخل امتحاناته، هيدخلها ماتقلقش." مد كف يده للمدير: "متشكرين لاهتمامك." فمد المدير يده ليسلم عليه: "على إيه، أنا ما عملتش غير الواجب." رحل ياسين وبجواره حسان عائدين للمنزل بجوارهم الغيطان، فبدأ ياسين بالحديث: "أنت مين؟ فنظر له حسان يطالعه: "أنا ابن زهرة وأخو شمس."

رفع حاجبه باستغراب، فحاول ألا يحرجه وهو يعلم جيداً أن شمس ليس لديها إخوة، فاستكمل حديثه: "طيب ومش عايز تكمل تعليمك ليه يا حسان؟ فقال بزهق: "أنا ماليش في العلم, قولت الكلام ده ألف مرة لجوز أمي." "هو مين جوز أمك ده؟ سأله بحيرة، فرد عليه بما لا يتوقعه: "دكتور علي، مش بقولك أنا ابن زهرة، هي زهرة متجوزة حد غير دكتور علي؟ أشار برأسه بالإيجاب: "آه معلش، تاهت عني دي. طيب ليك في إيه يا حسان غير العلم؟ رد متلهفاً

بعدما اتسعت عيناه: "في الفلاحة، أنا بحب الأرض أوي وأفهم فيها، سيبني في أرض بور هتلاقيني بعمرها للخضار على طول." "طيب ما ده حلو جداً، بس أنت شايف إنك لما تعمر الأرض البور وأنت مهندس زراعي ومعاك شهادتك أحسن ولا لما تبقى جاهل ومعاكش شهادة؟ "وهتفيد بإيه الشهادة يا ياسين، وأنا كده كده عارف كل حاجة." أشار بيديه لحسان: "ياسين كده حاف، كنت بلعب مع اللي خلفوك، أنا جوز شطرنج." هز كتفه قائلاً:

"ما أنا مش عارف أقولك إيه. ما أنت شكلك صغير على كلمة عم دي، أنا دكتور علي لو مكانش دكتور كنت هقوله يا علي." أشار برأسه بالموافقة، ثم أمسك به من ياقة قميصه: "لأ يا روح أمك، أنا تقولي يا أنكل، عايز أسمعها منك، أنكل، أنت فاهم؟ فقال له بنبرة صوت خشنة بعدما نظر له بغضب:

"وأنا مش دكتور علي، أنا معنديش صبر، أتكلم بالذوق، لما تبقى راجل ومعاك شهادتك وتشتغل اللي بتحبه أحسن ألف مرة ماتبقى جاهل في الدنيا، دوبك بتفك الخط. الحياة محتاجة إنك تتعلم عشان تقدر تواجهه بالعلم اللي اتعلمته، أنت فاهمني طبعاً." أشار حسان رأسه بخوف وهو يقول: "حاضر." حاضر يا أنكل ياسين. أشار ياسين بعينيه للمغادرة، فرحل حسان وهو يركض من أمامه مسرعًا. ابتسم ياسين وهو يقول: "عيال تخاف ماتختشيش."

نظر بجانبه ليجد الكوخ الصغير. شعر بحنين لهذا الكوخ، فتذكر عم نصير وزوجته. أخذه قدمه في اتجاه الكوخ ليجد عم نصير لا يزال على قيد الحياة، يجلس على المقعد الذي صنعه له منذ زمن. فجلس بجواره: "عم نصير، أنت مش عارفني؟ ترك عم نصير الطعام من يده ونظر له. أخذ يطالعه، يتأمل في ملامحه، فاتسعت البسمة على وجهه ودخل الفرح إلى قلبه. فقال جملته متقطعة وكف يده يرتعش: "ياسين، ياسين، أنت رجعت." هز رأسه بابتسامة واسعة. "لا، مارجعتش."

حاول عم نصير الوقوف فلم يستطع، فضمه ياسين إلى صدره بحب. "وحشتني ياعم نصير، وفين مراتك؟ رد عليه عم نصير والدموع تترقرق بعينيه: "مراتي تعيش أنت ياياسين. ما توا، وسابتني لوحدي." ابتلع ريقه بعدما ظهرت على ملامحه الحزن. "الله يرحمها، كانت ست طيبة." كانت شمس بداخل الكوخ، فسمعت صوت ياسين. حاولت أن ترحل دون أن يراها، فسارت على أطراف أصابعها من خلفه، حتى وجدت عم نصير ينادي باسمها: "تعالي ياشمس، ياسين رجع."

أغلقت عينيها وضغطت على شفتيها. فنظر هو خلفه ليجدها تقف على أطراف أصابعها، قائلاً: "أنت هنا بتعملي إيه؟ فرد عم نصير بدلاً منها: "من ساعة ما أنت سيبت البلد من عشر سنين وهي اللي بتيجي تشوف طلباتي من ساعة ما أخدت الم... قاطعته شمس بصوت مرتفع: "من ساعة ما أخدت منك ياعم نصير المش، وأنا بحب أجي هنا. أصل عم نصير كان بيبع مش زمان، فكنت بحب أشتري منه، فشوفته وحبيت أكون معاه دايماً. مش كده ياعم نصير؟

نظرت له نظرة تستعطفه بها أن يوافقها عما قالت، فأشار برأسه: "أيوه كده يابتي." "وانت من أمتى بتبيع مش ياعم نصير؟ "من زمان يابني، من ساعة مامشيت." "على كده بقى بتعمله حلو؟ "على قدي." "طيب ما تعلمني." فرد عليه هو: "هبقى أديك بلاصة بحالها." فقال ياسين جملته بإصرار دليل على عدم تصديقه لعم نصير: "لأ، أنا عايزك تعلمني." فرد هو عليه مؤكدًا: "طيب، أول حاجة لازم تصحى بدري." فقاطعه ياسين: "خلاص، هات البلاصة."

ابتسم عم نصير عما قاله ياسين. جلس معه قليلاً، فقالت شمس: "أنا خلصت ياعم نصير، لازم أروح بقى." فرد عليها ياسين: "استني، هانروح سوا." "لأ، أنا همشي لوحدي." فرد هو مسرعًا: "تمام، ماتزعلش، جاي معاكي." ابتلعت ريقها وهو يسير بجوارها بين الغيطان. لا يوجد سوى الصمت بينهما، والهواء يتغلغل بين خصلات شعرها. مسكت هي شعرها بيدها تحاول أن تربطه جيدًا. فنطق هو أخيرًا: "مابقتيش تتكلمي زي الأول ليه؟ "تقصد إيه؟ هز كتفه قائلاً:

"بالفصحى زي بربروس." رفعت شمس رأسها، فتقابلت عيناها بعين ياسين. "مهتم إنك تعرف." فرد بلا مبالاة: "عادي، الطريق طويل بنتسلى. لو مش حابة تقولي براحتك." دعمت شمس حديثه بعصبية: "خلاص، مش هقول." "براحتك. أنا بس مش عايز أضايقك. وعلى فكرة، مكانش قصدي أخنقك لما كلمتك عن القبو. حسيت إنك اتخنقتي أول ما سمعتي كلمة القبو." "اومال كان قصدك إيه لما قولتها؟ فجاوبها بصدق وهو ينظر لها ببراءة: "أخنقك بصراحة."

فابتسمت هي ابتسامة بسيطة ونظرت لأسفل، لتجد من يجذبها من ذراعها له بقوة ويقول: "اللاه، اللاه، ما أنت عايشة حياتك أهوه ومقضياها. اومال مالك مضيقاها عليا ليه؟ قالت وهي تحاول جذب يدها منه بالقوة: "سيبني يافريد." جذبها "ياسين" خلفه، فوقفت هي تحتمي بذلك الجدار البشري. فنظر له "ياسين" نظرة بها من الكلام ما يكفي. فوقفت شمس أمامه تترجاه بأعين دامعة، فهي تعلم جيدًا ما الذي يحدث إذا فقد تركيزه. "اهدأ ياياسين، أرجوك ماتتعصبش."

حاول ياسين تهدئة نفسه قليلاً، فوجد فريد يقول له باستهجان: "أنت مين أنت كمان ياحيلتها عشان تبصلي كده وعاملك أزمة ليه؟ ولم يكن يعلم أن رده هذا سيكون رده عليه موجعًا، حيث هتف قائلاً: أخذ نفس عميق وهو يبعد شمس من أمامه قائلاً: "أزمة!! أنا مقاس أزمتي 46، واللي هقلعها وأديك بيها حالًا دلوقتي لو مابعدتش عني." استشاط فريد غضبًا وهو يصك على أسنانه وقد اشتعلت النيران في عينيه. "أنت عارف أنت بتكلم مين وابن مين؟

فرد عليه ببسمة صفراء وقد ارتسمت نظرة خبيثة على ملامحه: "عنيا مش شايفة، عشان أعرفك." رفع "فريد" سلاحه على ياسين يوجهه على رأسه قائلاً: "أنا ممكن أدفنك حي حالًا وأنت واقف مكانك دلوقتي وماخدش فيك يوم واحد." وبحركة سريعة منه لف كف يد فريد وأخذ منه سلاحه، وفي لحظة فك السلاح إلى أجزاء يلقيه أمامه على الأرض. فاستغرب فريد من سرعته المهولة، فأمسكه ياسين من ياقة قميصه وقربه منه وضربه برأسه ضربة قوية جعلته يفقد الوعي في لحظة.

صرخت شمس قائلة: "فريــــــد! نظر لها ياسين باستغراب على صرختها له: "خايفة على الواد ده عشان صرختك دي؟ شعرت بنبضه لتجده مازال حيًا، فنظرت له قائلة: "أنا خايفة عليك أنت. أنت ماتعرفش ده ابن مين، ده ابن وزير الداخلية." دخل ياسين إلى غرفته يغير ملابسه، فتح دولابه، يفتح زرار القميص ليأخذ قميصًا آخر بدلاً منه. أغلق الضلفة ليجده أمامه. انفزع قليلاً من رؤيته، فنظر له باستنكار وهو يلقي بقميصه على الفراش:

"أنت مش قولت إنك مش هتيجي القرية، جيت ليه ياعمار؟ نظر له وهو يربع يديه، بدا الضجر على وجه عمار وتنهد بضيق قبل أن يرد: "أحنا مش اتفقنا إنك مش هتقربلها؟ انتزع قميصه من على جسده وأمسك بالقميص الآخر وقال هو يرتديه: "وانا مقربتلهاش. أنا روحت لعم نصير ولق... فبتر عمار جملته: "ولما لقيتها ماخليتهاش تمشي لوحدها ليه؟ ابتلع ريقه وهو يقول بصدق:

"عشان كده كده كنت مروح، فروحنا سوا. صدقني ياعمار دي حاجة في العادي. أنا أصلاً مكنتش عايز أجي، أنت اللي أصريت إني أجي أحضر فرح يزن." فقال عمار وهو يضغط على أسنانه: "وهو تحضره عشان ده يزن؟ "وانا وافقت وجيت عشان أنت طلبت. وشمس أنا مابفكرش فيها ولا هفكر في يوم." "انت كذاب." قالها عمار يؤكد بكلامه: "أنا سبت كل حاجة عشانك عشان نفضل سوا. سبت شمس عشانك يابويا، ياياسين، وانت أول ما شفتها ريلت عليها." فنفى هو جملته بصوت مرتفع:

"ماحصلش. وزي ما أنت ضحيت علشاني أنا كمان ضحيت عشانك أكتر عشان أفضل جنبك ومحدش يفرقنا." "مش مصدقك ياياسين. أنا ماشي ومش هتشوفني تاني، واعرف إن انت اللي اخترت." نادى هو على اسمه بخوف وهلع، فبمجرد عدم رؤيته من جديد يدب الرعب بقلب ياسين: "عمـــار! وحياتك عندي يابني ما قصدي حاجة. شمس هنا، واكيد هكلمها." فرد عمار ببرود قائلاً: "على الأقل ماتظهرش قدامها بمظهر الهيرو مرة تانية، خليك جبان عشان تكرهك." تنهد ياسين قائلاً:

"حتى لو." فقاطعه عمار بحزم: "حتى لو لاقيت حد بيغتصبها مالكش دعوة وابعد عنها." "وده هيريحك." كانت هذه جملة ياسين، فرد عليه عمار بابتسامة باردة: "مش ده بس، أنت غلطت ولازم تعاقب نفسك. اللي بيغلط بيتعاقب، ولا أنت إيه رأيك؟

تنهد ياسين بعمق يهز رأسه بالموافقة، فأتى بالسكين من جانبه وغرزها بكل قوة داخل جسده. أطبق عينيه بشدة والألم يأكل جسده. جثا على ركبتيه من شدة الألم، فهو لم يشرب دم بشر منذ سنين طويلة، فهذا يجعله ضعيفًا، يشعر بالألم الشديد. فجلس عمار أمامه القرفصاء ينظر لباقي جسد ياسين وهو عليه علامات كثيرة من طعن السكين. فهذه ليست المرة الأولى التي يطعن بها ياسين نفسه من أجل عمار حتى لا يتركه ويرحل. نظر له عمار فقال بنبرة ساخرة:

"شاطر يابابا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...