دخلت فرح تمشي بهدوء وبكبرياء. جلست على مكتبها وأرجعت ظهرها للخلف، ووضعت رجلًا على الأخرى. بينما ينظر لها حازم بابتسامة محب عاشق مشتاق، سعيد بمشاهدتها على هذه الحالة. إنها مختلفة تمامًا عن ذي قبل، عيونها بها قوة رهيبة وحدة. يبدو أن مهمتك صعبة جدًا يا حازم. فرح بهدوء: اتفضل، أقعد واقف ليه؟ حازم بحب: إزيك يا فرح؟ فرح: الحمد لله، إزيك أنت؟ حازم: بخير الحمد لله. صمتت الألسنة قليلًا، فحازم لا يعرف ماذا يقول؟
ولا من أين يبدأ؟ لقد ظل طوال الليل يرتب أفكاره وكلامه، ولكن الآن تبخرت كل الكلمات. ومما زاد توتره هيئة فرح ومقابلتها الباردة له. حازم: وحشتيني. نظرت له فرح وابتسمت ابتسامة سخرية ولم ترد عليه. كيف أرد وأنت سبب شقائي وجرحي ووجعي؟ هل تتوقع أن أبادلك نفس الاشتياق؟ لا وألف لا. حازم بحزن: طول الليل برتب الكلمات إللي أقولها، بس أول ما شفتك نسيت كل حاجة. ليك حق تزعلي مني. فرح باستهزاء: أزعل؟ وقت الزعل عدى وفات خلاص.
حازم: أنا راجع لك وجواي أمل كبير إنك تسمعيني وتسامحيني. فرح: ياااااه، أسمعك وأسامحك كمان؟ متهيأ لي كتير أوي. حازم بخجل: أنا عارف قلبك كبير وهتسامحيني. فرح: لااااا، ده كان زمان. ثم تنهدت وقالت: قول يا حازم، جاي لي بعد المدة دي كلها. توتر حازم كثيرًا وهو يحكي لها معاناته مع مرضه. وبدأ يشرح لها ماذا شعر عندما علم بحقيقة مرضه. كيف خاف عليها من سماع هذا الخبر. أحس برعب كبير عليها، ماذا ستفعلين من بعدي إذا توفاني الله؟
وكيف ستتوقف حياتك وترفضين الحياة من بعدي؟ حكى لها اتفاقه مع الملعونة هبة، وكيف خطط لكل هذا. حكى لها معاناته قبل العملية وبعدها. لم يرهقه الألم الجسدي بقدر ما آلمه الألم النفسي. قص عليها كيف كانت أمامه في كل لحظة. هي من جعلته يعود مرة أخرى يقف على قدميه. لا أتوقع أن تعفو عني، ولكن آمل في ذلك. كانت فرح تستمع له بثبات تام. لا تستطيع أن تقرأ أي شيء في عينيها. ملامحها هادئة، لا يوجد على وجهها أي رد فعل تستطيع أن تقرأه.
كل ما تفعله أنها تستمع له بهدوء، وتهز أرجلها بقوة دليل على توترها. فرح باستفهام: طيب وراجع دلوقتي عشان أسامحك صح؟ حازم: لا، قبل ما تسامحيني عايزك تعذريني في إللي عملته. أنا خفت عليك من الصدمة. فرح مقاطعة بانفعال: واللّي أنت عملته ده مكانش صدمة ليا. أنت تعرف أنا جرالي إيه ولا لا؟ تعرف عشت إزاي؟ كنت هموت وأمي كانت هتموت عليا. حازم بحزن: أنا عارف كل حاجة، وكنت متابع حالتك في المستشفى أول بأول.
فرح: طيب كويس إنك عارف، ليه معرفتنيش؟ ليه مخلتنيش أشاركك خوفك وتعبك؟ كنت أهون عليك وأقف جنبك. فكرت وخططت لتمثيلية عبيطة وقلت: آه دي عيلة هبلة هتصدق. وفعلًا كنت عبيطة وصدقت. حازم بنفي: أنا كنت بين الحياة والموت. خفت عليك لاموت ومتعرفيش تعيشي من بعدي. فرح بحدة: وأنت مين عشان تختار مكاني؟ مش يمكن لو كنت حكيت لي كنت سبتك لوحدك؟ مش يمكن اخترت إني أبعد عنك، وأقولك آسفة مش هقدر أكمل. حازم بنفي: مش فرح إللي تعمل كده.
أغمضت عينيها بقوة ثم تنهدت وفتحتها. فرح: طيب أنت عاوز إيه دلوقتي؟ حازم برجاء: نرجع لبعض. فرح باستفهام: واللّي فات؟ حازم: قادرين نعوضه مع بعض. فرح بانفعال: إزاي؟ أنت وخفيت الحمد لله، واتكتب لك عمر جديد. أنا بقى أخف إزاي من إللي حصل؟ ثم هبت واقفة واقتربت منه. فرح بتأثر: بص على إيدي عاملة إزاي؟ نظر حازم على يديها، وانصدم من حالتها، فهي ترتعش بشدة. لم يلاحظ هذه الرعشة عندما دخل. حازم باستفهام: من إيه الرعشة دي؟
فرح بحزن شديد: ده عشان عايشة على المهدئات، مش بعرف أنا إلا لما آخد منوم. ممنوعة من أي ضغط أو حزن أو انفعال. تعرف أنا مش بشتغل أي حاجة بنفسي الوقت وبخلي أي حد من المهندسين عندي ينفذ الشغل ليا؟ عشان مش بعرف أمسك قلم وأرسم، مش بعرف أمسك مقص عشان أقص ورقة حتى. شفت أنت عملت إيه؟ أنا متكسرتش من أبويا زي ما أنت كسرتني. إلى هنا وصمت حازم. تقطع قلبه على فرحته، ليست فرح إللي عرفها.
لقد أنهى فرح وقضى عليها، لم يفكر في تبعات خدعته عليها. وضع حازم وجهه في الأرض وتحرك ناحية الباب. فلا كلام يقال بعد ما قيل. التفت لها ورمقها بنظرة شفقة وحب ورحل. ارتمت فرح على الكرسي. وضعت يدها فوق وجهها، تحاول أن تهدئ من نفسها من شدة انفعالها من هذه المقابلة. ثم فتحت حقيبتها وتناولت المهدئ الذي نصحها به الطبيب في الضرورة القصوى. بعد يومين. يجلس حازم في حديقة منزله في مكانه المفضل. ينظر إلى السماء، يرى نجومها وقمرها.
ينظر لهم كأنه يتحدث معهم ويشكو همومه لهم. يا قمري اذهب لها ورقق قلبها علي، يا نجومي حدثيها عن معاناتي بدونها. يا الله كم أتعذب بسبب عذابك وآلامك يا فرحة قلبي. كان يستمع إلى أغنيته المفضلة هذه الأيام التي تحكي عنه وعنها. كان ياما كان، كان يا ما كان كان ياما كان، كان يا ما كان الحب مالي بيتنا و مكفينا الحنان زارنا الزمان.. سرق منا فرحتنا والراحة والأمان حبيبي كان هنا.. مالي الدنيا عليا بالحب والهنا
حبيبي يا أنا يا أقرب مني ليا نسيت مين أنا أنا الحب اللي كان اللي نسيته قوام من قبل الأوان نسيت اسمي كمان نسيته يا سلام على غدر الإنسان والله زمان يا هوى زمان. عند فرح. نجدها تجلس في شرفة غرفتها، تستمع لنفس الأغنية التي يسمعها حازم. دومًا أفكارهما واحدة، ناظرة أيضًا للسماء، متأملة في القمر والنجوم. كأنها تقرأ رسائل حازم لها وترد عليه. لن أقدر على السماح فما عشته ليس هين. قلبي تمزق، لم يعد هناك قلب من الأساس.
آآآآه.. ومن حرقة الآه داب الحجر آآآآه.. من قلب جواه حب اتقتل آآآآه على عاشق هواه من غير أمل آآآه والشكوى لله مش للبشر. عسل ومر أنت، ووفا وغدر أنت، وحب العمر أنت. كذبة أنت كذبة.. لكن أحلى كذبة بعتها لي الزمان. رقة أنت رقة.. لكن شوك ودمع وبحر من الأحزان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!