"ما زلت أبكي على ذكرى مؤلمة، ما زال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة."
في مساء يوم ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزل راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر، كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله. تنظر له بحب وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب. شردت بتفكيرها قليلاً في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفيان تواجده حتى الآن وذلك عندما علما بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءً على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به. أما هي، كانت
حزينة كثيرًا لأن طفلها يخاف حتى الخروج من المنزل، صار عمره عشرة أعوام ولا يوجد أي تحسن في حالته إلى الآن. لم تنتبه لزوجها الذي انتبه لوجودها واستقام من مقعده واتجه نحوها بابتسامة لطيفة. وهنا انتبهت لزوجها الذي احتضنها بكلتا ذراعيه مقبلاً شعرها الأسود بحب.
مصطفى: "واقفة هنا من إمتى؟ استندت فريدة برأسها على صدره متحدثة بحزن وشرود: "من شوية." انتبه مصطفى لنبرتها الحزينة، التمس وجنتيها بيديه الدافئتين ورفع رأسها لينظر بداخل عينيها. مصطفى بتفهم وهدوء: "هيخف يا حبيبتي، أنا مش هسيبه كده، خليكي واثقة فيا." فريدة بابتسامة مطمئنة: "واثقة فيك يا حبيبي."
ضمها بحب ثم نظر صوب النافذة يراقب الأمطار التي تهطل في الخارج. وصل إلى مسامعهما نغمة موسيقية ناعمة تلائم ذلك الجو الممطر، ابتعد مصطفى عنها قليلاً وابتسم لها ابتسامة عذبة يعبر من خلالها عن مدى حبه لها. مد يده لها في حركة لطيفة يحثها على الرقص معه. ضحكت ضحكة خفيفة وأمسكت بيده وبدأ يتحرك بها حركات خفيفة واضعًا يده الأخرى حول خصرها يقربها نحوه أكثر. ابتسمت بخجل واضح. مصطفى
وهو ينظر داخل عينيها: "بعد كل السنين اللي بينا دي ولسه بتتكسفي مني؟ فريدة وهي تنظر إليه في المقابل: "مهما عدى بينا يا مصطفى، أنا لسه بحس إني بنت صغيرة لما ببقى في حضنك، وإن اللي فات ده كله دقايق وعدت." قبل رأسها ثم أسندت رأسها على كتفه وأكملا رقصتهما في هدوء وبعد ثوانٍ قاطع ذلك الهدوء استفسارها. فريدة: "إنت ليه مغيرتش هدومك لحد دلوقتي؟ إنت من ساعة ما رجعت من الشغل وإنت مغيرتش ومش راضي تاكل." تنهد مصطفى متحدثًا
بإرهاق: "ما تشغليش بالك بيا." فريدة معقدة حاجبيها وهي تنظر إليه: "إزاي ما شغلش بالي بيك؟؟ أنا شريكة حياتك يا حبيبي ولازم تحكي لي كل حاجة." أغمض عينيه قليلاً ثم بدأ يتحدث بعدم ارتياح: "وضع الشركة الفترة دي مش مريح بالنسبة لي على الرغم إن أنا وجمال محققين نجاح كبير بس مش عارف مش مرتاح الفترة دي.. حاسس بحاجة غريبة ومش فاهمها." فريدة بضيق واضح: "أكيد جمال شريكك ورا قلة راحتك دي." مصطفى باستسلام من اتهامها
الدائم لشريكه في العمل: "فريدة أنا مقدر إنك بتكرهي جمال ولا حابة صداقتي ليه.. بس صدقيني ده الشخص الوحيد اللي أقدر أعتمد عليه في كل حاجة." فريدة بضيق وعدم ارتياح: "براحتك." مصطفى وهو يمسك بكتفيها: "نفسي أفهم بتكرهي جمال ليه؟ نظرت فريدة لزوجها متذكرة نظرات جمال الوقحة لها وتحدثت مع زوجها مرارًا وتكرارًا بخصوص ذلك الأمر ولكن جمال دائمًا يظهر كالبريء والمخلص والوفي أمام زوجها.. خبيث!!
فريدة بتنهيدة: "ما فيش، خلاص انسى الموضوع." نظر لها قليلاً وكاد أن يتحدث. : "بابا." انتبه مصطفى لطفله الغالي على قلبه والذي سوف يضحي بكل شيء من أجله إن تطلب الأمر. ابتسم له بحب كبير وبادله طفله بابتسامة بريئة تليق باسمه فهو اسم على مسمى "براء". ارتمى في أحضان أبيه الذي ضمه بشدة. براء: "وحشتني أوي يا بابا، ليه ما طلعتش للأوضة بتاعتي تقرأ لي قصة مع ماما؟ مصطفى وهو ينظر في عينيه
ويربت على شعره الأسود: "معلش يا حبيبي، ورايا شغل كتير بخلصه ما تزعلش مني، بكرة هعوضك." هز براء رأسه بابتسامة جميلة. فريدة: "حبيبي صاحي ليه لحد دلوقتي؟ براء: "المطر كان صوته شديد بره وماعرفتش أنام." احتضنته فريدة وهو استند برأسه على بطنها مغمضًا عينيه بطمأنينة وراحة. أما مصطفى كان ينظر لكليهما بحب شديد. فماذا يريد الإنسان في هذه الحياة سوى الحصول على عائلة لطيفة مثل تلك؟
جلس براء مع والديه يلاعبانه بألعابه اللطيفة مثله. فهو على الرغم من أنه صاحب عشرة أعوام وواعٍ إلا أنه كالطفل الصغير الذي لا ملجأ له سوى أحضان والديه. بعد مرور وقت قصير انتبهوا على صوت دقات غليظة على باب الفيلا. فزع براء بسبب صوت الطرقات العالية واختبأ في أحضان والدته. فريدة لمصطفى وهي تزيد من ضمها لابنها: "مين هيجي لنا في الوقت ده؟! مصطفى بعدم فهم: "مش عارف." كادت أن تتحدث فريدة ولكن قاطعها صوت الشخص الطارق.
: "مصطفى." انتبه مصطفى للصوت المألوف بالنسبة له. هل يمكن؟ عقد حاجبيه بضيق. مصطفى: "ده جمال يا فريدة، أنا هفتح مش هاخد دقيقة وهخليه يمشي." هزت رأسها بهدوء وانتبهت لبراء الذي يرتعش في أحضانها. تحركت به نحو غرفة الضيوف المخصصة بهم وجعلته يختبئ تحت كرسي بها تخفيه عن الأنظار لأن لا أحد لديه علم بوجوده. فريدة بابتسامة جميلة وهدوء: "ما تخفش يا حبيبي، بابا هيمشيه ما تقلقش."
هز رأسه في خوف. وهي قبلت يديه الصغيرة ثم استقامت في مكانها واتجهت نحو زوجها الذي ينظر بضيق شديد لصديقه المتغطرس يرتدي بذلة سوداء وعينيه ماكرة كالثعلب. مصطفى بابتسامة هادئة: "إزيك يا جمال؟ أخبارك إيه؟ ما اتصلتش ليه على تليفون البيت كنت عرفتني إنك هتيجي؟ استند جمال على الباب بغطرسة ناظرًا لفريدة التي اختبأت خلف مصطفى من الخوف الذي اعتراها فجأة. جمال: "معقولة هحتاج إذن عشان أجي بيتك؟ كور مصطفى يديه بغضب شديد.
مصطفى: "جمال.. قول عايز تقول إيه وامشي من هنا." نظر جمال لمصطفى الذي ينظر له بالمقابل بشر. كأنه ينتظر كلمة واحدة لتندلع الحرب التي بداخله. ابتسم جمال باستفزاز. جمال: "عايز آخد كل حاجة منك، *نظر لفريدة* حتى مراتك."
كلمة واحدة كانت الفاصل في كل شيء "زوجتك". تلك الكلمة هي من أشعلت النار بداخل مصطفى. لم يشعر بنفسه سوى وهو يمسك جمال من تلابيبه ويعطيه ضربة قوية في الرأس وهنا صرخت فريدة فزعًا من ذلك الصراع الذي بدأ. تعارك الاثنان وكان من الواضح أن مصطفى هو الفائز. ولكن جمال كان يضحك كثيرًا أثناء ضرب مصطفى له مما استفزه أكثر حتى أنه كاد أن يكسر جمجمته ولكن لم يستطع لأن هناك من أمسك به وأبعده عن جمال وهم رجاله الذي بدأوا بضرب مصطفى
بقوة. صرخت فريدة رعبًا على زوجها الذي تكاثر عليه رجال جمال وركضت نحوه هلعًا ولكنها وقعت أرضًا نتيجة ضربها من أحد الرجال. اعتدل جمال من الأرض وقام بتنفيض ثيابه كأن ما لمسها هو الغبار ليس إلا، نظر لمصطفى الذي لم يعد يبدو من ملامحه شيء. ركضت فريدة هلعًا مرة أخرى نحو زوجها لكي تمنع الرجال من ضربه ولكنها صرخت بألم عندما أمسكها جمال من شعرها بقوة.
جمال بابتسامة مقززة وهو ينظر بداخل عينيها: "انسيه بقى، أنا موجود." فريدة بتقزز وألم محاولة الابتعاد عنه: "ابعد عني."
صفعها جمال بقوة وبدأت تصرخ باسم مصطفى. رمى بها جمال أرضًا واعتلاها وصارت فريدة تصرخ بأقوى صوت لديها. صوت يسابقه الرعد الذي يزداد في ذلك الجو الممطر. حاول مصطفى أن يبتعد قدر المستطاع عن أيدي رجال جمال وأن يتجه نحوها بكل ما أوتي من قوة وما زال رجال جمال يلحقونه ويضربونه ضربًا مبرحًا. كان صامدًا يحاول أن يصل إليها لكي ينقذها. تحاول قدر المستطاع أن تُبعد جمال عنها ولكنها لم تستطع. بدأ جمال بتقطيع ثيابها وصراخها يزداد.
مصطفى بصراخ وهو يلهث: "جمال، أنا قدامك.. بلاش هي.. بلاش، أرجوك سيبها." نظر جمال لمصطفى قليلاً ثم نظر لفريدة التي تحاول أن تبتعد عنه، ثم عاد بنظره مرة أخرى لمصطفى. أشار بيده لرجاله بالتوقف. مصطفى باستفسار وهو يلهث: "ليه؟
جمال بابتسامة شريرة: "عشان إنت معاك كل حاجة.. لكن أنا مش معايا.. إنت اتولدت في بقك معلقة دهب من عيلة راقية كبيرة ومرموقة ومكانتها في المجتمع عالية حافظت على ثروة أهلك وكبرتها.. لكن أنا.. أنا كان مكاني في الزبالة.. *شرد قليلاً* شوفت اللي ما ينفعش طفل يشوفه، عشت الفقر كله من صغري." مصطفى وهو يسعل دمًا: "بس أنا ساعدتك يا جمال، أنا خليتك شريكي، إنت كنت صديق عمري."
جمال بغضب: "مش كفاية.. *أشار نحو فريدة* أخدت مني الإنسانة اللي حبيتها أول أما شوفتها.. طبيعي هتبص لك عشان إنت من مستواها يستحيل تبص لي أنا جمال الفقير الكحيان، أخدت مني كل حاجة بفلوسك، قربت منك أكتر وكسبت ثقتك عشان أقدر أبقى دراعك اليمين في كل حاجة، فرحت جدًا لما خليتني شريكك.. بس ده مش كفاية.. تعرف.. أنا مبسوط جدًا النهاردة عشان ده يوم ميلادي.. اليوم اللي أخدت فيه كل اللي أنا عاوزه.. امتلكت أملاكك كلها النهاردة وبتوقيع منك، واللي ساعدني على كده أعدائك اللي عايزين يخلصوا منك.. كل حاجة كانت سهلة بالنسبة لي.. *تبدلت ملامح مصطفى إلى الصدمة وأكمل جمال* ودلوقتي...
استقام جمال من مكانه وتوجه نحو أحد رجاله شخص ضخم البنية عن باقي الرجال. أخذ سكينًا منه. ركضت فريدة نحو مصطفى واختبأت بأحضانه وهي تبكي وتنظر لمكان اختباء طفلها الذي يرى كل شيء وهو يبكي. أشارت إليه بالصمت وابتسمت بألم وأغمضت عينيها وهي في أحضان زوجها. ظل مصطفى يربت بألم على كتف زوجته المستكينة بأحضانه. وعينيه على رجال جمال الذين يقومون بتفريغ بعض الخزانات المليئة بمادة البنزين. عاد جمال لمصطفى الذي يحتضن فريدة وهو في قمة ألمه من ضربهم المبرح له. صرخت فريدة مرة أخرى حينما أمسكها جمال من شعرها يسحبها له قسرًا. حاول مصطفى أن يبعدها عن جمال ولكنه صرخ بألم عندما قام جمال بطعنه بقوة في معدته.
جمال بشر: "ما حدش هيقدر يمنعني منها." فريدة بصراخ: "مصطفى!!! حاول مصطفى أن ينهض ولكنه أخذ طعنة أخرى في صدره. ووقع أرضًا وظل يلهث بشكل متقطع. حاول جمال أن يأخذ فريدة عنوة تحت أعين مصطفى الذي يبكي ويلفظ أنفاسه الأخيرة. بعدما انتهى جمال من فعلته الشنيعة، توجه نحو مصطفى الذي تنزل دموعه بغزارة وقارب على فقدان الوعي.
جمال بتلذذ وشر: أخيرًا جه اليوم اللي أشوفك فيه مكسور. شوفت عجزك وضعفك بسبب إنك معرفتش تنقذ مراتك من تحت إيدي. بس تصدق هي تستاهل المعافرة. وجد مصطفى يفقد وعيه، فقام بضربه بأقلام خفيفة على وجهه. جمال: لسه يا مصطفى. لسه بدري على النوم. لازم تتعذب قبل ما تموت. لازم. مصطفى بنفس متقطع وبكاء: أ..أر..جوك. جمال متصنعًا اللامبالاة: إيه؟ مش سامع؟ مصطفى بهمس مسموع: سيبها تعيش. نظر جمال لفريدة الساكنة مكانها وتبكي.
جمال بابتسامة: وعشان غلاوتك عندي بقى، أنا مش هخليها عايشة ثانية واحدة.
فتح مصطفى عينيه باتساع وهو يرى جمال يتجه نحو زوجته والسكين بيده. حاولت أن تبعده عنها ولكنها لم تستطع. ثانية. كانت ثانية واحدة وقام بذبحها أمام زوجها. ارتمت جثتها أرضًا ناظرة بأعينها المليئة بالدموع نحو ابنها الذي يبكي ويحاول كتم شهقاته مما يراه كما أشارت إليه والدته سابقًا. لم يستطع مصطفى التحرك نظرًا لقرب انقطاع أنفاسه. ينظر إلى زوجته بدموع منهمرة بدون توقف. مصطفى بصوت متقطع: فر..ي..دة.
وهنا استسلم للموت والدمع يفيض من عينيه قهرًا على زوجته. تحرك جمال مع رجاله نحو الباب ونظر للبيت، وقام بإشعال عود ثقاب ورماه أرضًا، مما أدى إلى إشعال النيران في البيت. خرج من البيت وأغلق الباب خلفه. كان براء يبكي وهو ينظر لوالديه الملقيان أمامه أرضًا. كانت النيران تنتشر في البيت سريعًا. خرج من أسفل المقعد المختبئ أسفله وتوجه نحو والدته يحاول إبعاد جثتها عن النيران التي بدأت تقترب منها قدر المستطاع ولكن لصغر جسده وضعف
قوته لم يستطع تحريك جثتها. بكى بنحيب عندما لمستها النيران وابتعد عنه عنوة نظرًا للهيب النار. نظر لجثة والده وتوجه نحوها يحاول إيقاظه لكي ينقذه من تلك النيران التي التهمت والدته وهو يبكي بقوة ولكن والده لم يستيقظ. حاول سحبه بقوة ولكن لم يستطع تحريكه قيد أنملة.
براء ببكاء: بابا.
انتفض فزعًا عندما انفجر زجاج المنزل بسبب النيران القوية. عاد للخلف سريعًا عندما بدأت النيران تأكل جسد والده. نظر لجثة والده بفزع ثم عاد بنظره إلى جثة والدته التي لم يبق من ملامحها شيء. اختبأ في ركن بعيد في المنزل يحتضن نفسه خائفًا من تلك النيران الملتهبة القادمة نحوه ولكنه سمع صوت مزمار قوي. والصوت يقترب نحو المنزل. انهمرت المياه على المنزل لإطفاء ذلك الحريق ولكن ظل براء كما هو محتضنًا جسده الصغير بخوف شديد ينظر لجثتي والديه المتفحمتين بدموع غزيرة تخرج من عينين خلت منهما الروح.
في مكان آخر وزمن آخر: في إحدى المناطق الراقية في القاهرة الكبرى، وخاصة في شقة راقية وفاخرة. كانت تقف أمام المرآة وتقوم بتصفيف شعرها البني الطويل، وفي نفس الوقت تنظر إلى القميص الأحمر الحريري القصير الذي ترتديه. ابتسمت بلوعة على أمل أن يعجب معشوقها البارد بذلك المظهر الرائع. أخذت نفسًا عميقًا ثم تمتمت ببعض الكلمات. هي: ياسين عمره ما يأذيكي يا سارة، هو هيعرف منك كل حاجة النهاردة ومش هيعمل حاجة، مش هيأذيكي.
تنهدت بعمق وقامت بوضع شعرها على جانب كتفها ونظرت إلى صورتها في المرآة شاردة في قصة حياتها مع ياسين المغربي. ولكنها استفاقت وخرجت من غرفتها متوجهة نحو مائدة الطعام الرائعة التي قامت بإعدادها بكل حب. وجلست على كرسي في نية منها لانتظاره. تنهدت بعشق وهي تتذكر أول لقاء بينهما. لا تعلم لماذا تقاطع طريقها مع شخص مثله، شخص لا يعرف شيئًا في الحياة سوى القتل. ولكن كل ذلك لا يهم بالنسبة إليها، يكفي أنه أنقذها من الموت بعدما كانت ملقاة على حافة الطريق المظلم تلفظ آخر أنفاسها. وجاء بها إلى هنا وقام بالاهتمام بها ومعالجتها ومرت الأيام بينهما حتى صارت أقرب عشيقاته. غريب أن تجد أمانك في أكثر مكان يجب أن تهرب منه صحيح؟
ضحكت بخفة على سؤالها ذلك. تعلم جيدًا أنه يأتي إليها حين تضيق الحياة به، تعلم أنها مميزة كثيرًا بالنسبة إليه، حتى وإن لم يكن يثق بأحد فهي في نظره أهلًا للثقة. نظرت إلى ساعة الحائط المعلقة ووجدت أنه تبقى على وصوله خمس دقائق. ابتسمت بعشق وجلست تنتظره وهي تتذكر ملامحه الخشنة، فهو ذو بشرة برونزية ولديه عيون بنية وشعر أسود قصير ذو ملمس ناعم، وأيضًا لديه جسد رياضي قوي ذو تكوين عضلي مثالي. ظلت معه سنوات عديدة ودائمًا تتساءل لماذا يرتدي دائمًا تلك البذلات الراقية؟
لم تره يومًا يرتدي ثيابًا طبيعية مثل الآخرين، فهي تشعر أنه جاء من عصر الملوك لدرجة أنها تصدق بأن هناك آلة زمنية قد انتقل من ذلك العصر إلى عصرنا هذا. ضحكت على تخمينها ذلك. مرت الخمس دقائق ومر بعدها خمس دقائق أخرى. زفرت بملل فهو يجب عليه أن يأتي اليوم، فلماذا تأخر؟
قامت من مقعدها وتوجهت نحو غرفتها والتقطت هاتفها الذي قام بشراءه لها مؤخرًا. قامت بالاتصال به ولكنه لم يجب. أغلقت الهاتف وكادت أن تخرج من الغرفة ولكنها توقفت وابتسمت ابتسامة حزينة. اشتاقت لسماع صوتها، اشتاقت لكلمة "ابنتي" منها. عادت إلى هاتفها وقامت بالتقاطه مرة أخرى وخرجت من الغرفة وجلست على كرسي خاص بالمائدة نظرت للهاتف قليلًا مترددة في الاتصال ولكنها قامت بتشجيع نفسها وضغطت على عدة أرقام على الهاتف حتى ظهر رنين في سماعة الهاتف وبعد ثوان وصلها صوتها الدافئ الذي اشتاقت إليه كثيرًا.
هي: ألو. حاولت أن تتحكم في ارتعاشها وشهقاتها عندما سمعت صوتها. خافت أن تتحدث خوفًا من أن تغلق الهاتف في وجهها إذا علمت أنها هي. هي: ألو، مين؟ ولكنها قررت أن تتحدث معها وترجوها كما ترجوها في كل مرة. سارة بصوت متحشرج من البكاء: ماما. صمتت والدتها عندما وصلها صوتها وكادت أن تغلق الهاتف، تحدثت سارة كأنها تراها.
سارة ببكاء: ماما أرجوكي ما تقفليش، اسمعيني، أنا آسفة سامحيني عشان خاطري، كان غصب عني يا أمي، أنا ما أقدرش أعيش من غير رضاكي عليا، ارضي عني يا حبيبتي وسامحيني وخليني أشوفك ما تعمليش فيا كده. هي بحزم: إياكي تتصلي هنا ثاني، وكلمة ماما دي محرمة عليكي، أنتي لا بنتي ولا أعرفك، أنا زمان كان عندي بنت اسمها سارة وماتت يومها، لكن أنتي معرفكيش أ....
صمتت والدتها قليلًا وسارة لم تعرف سبب صمتها ولكنها سمعت شهقات خفيفة من والدتها. مسحت دموعها وتحدثت. سارة باستفسار: ماما أنتي معايا؟ والدتها بتنهيدة: أيوه. تعجبت سارة من هدوئها ولكن التعجب زال عندما تذكرت السبب. ابتسمت وتحدثت. سارة: أنا هاجي أزورك بكرة وأشرح.... صمتت فجأة عندما سمعت صوت خطوات تقترب من الشقة. سارة بهمس: ماما اقفلي دلوقتي، هجيلك بكرة زي ما قلتلك.
لم تنتظر ردًا من والدتها ووضعت هاتفها جانبًا على المنضدة عندما سمعت صوت مفاتيح بالخارج إلى أن فتح الباب. اقتربت منه بلهفة وابتسامة عشق فها هو معشوقها البارد أمامها. دخل إلى الشقة وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إليها بنظرات مبهمة لا تحمل أية مشاعر. توجه نظره صوب المائدة التي يوجد عليها أشهى المأكولات ولكنه تجاهل جميع تلك التجهيزات التي قامت بتحضيرها خصيصًا لأجله. جلس ببرود ولم يزل عينيه من عليها. شعرت بأن الخوف يعتريها
لأنها تعرف تلك النظرات جيدًا ولكنها حاولت أن تطمئن نفسها بأن تلك مجرد خيالات بالنسبة لها فهو يحبها ولن يؤذيها. وضع ساقًا فوق الأخرى ببرود ونظراته أصبحت تخترقها كأنه يريد منها تفسيرًا ما. ولكنها فسرت نظراته بأنه يعاني من ضغط عمل ولا يجب أن يزعجه أحد كما اعتادت. قررت أن تخفف عنه هذا الضغط.
سارة بابتسامة حب: نورت شقتك يا ياسين. لم يجبها وظل يتأملها بهدوء. شعرت بالتوتر حينما تجاهل سؤالها. لا تفهم لماذا هو صامت هكذا، لم تكن هذه عادته معها أبدًا. قررت أن تسأله عما يجول بخاطره. سارة باستفسار: ياسين، في إيه؟ أنت بتفكر في إيه؟
ظهر شبح ابتسامة على وجهه ولكن هذه الابتسامة كانت للسخرية. ابتلعت بارتباك، وعادت إلى الخلف ببطء عندما قام من مجلسه وتوجه نحوها ببطء شديد وهو يقوم بخلع سترة بذلته الراقية بهدوء ووضعها على المائدة. ياسين بهدوء وهو يشمر عن ساعديه: تعرفي إن أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي الخيانة، وللأسف دي معلومة مش جديدة عليكي. حاولت أن تخفي ارتباكها وخوفها منه لكنها فشلت في ذلك. سارة بارتباك شديد: ياسين في إيه؟ كلامك مش مريحني.
ياسين: وثاني أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي إن حد يعمل نفسه عبيط عليا. سارة: صدقني مش فاهمة حاجة و....... صمتت عندما رأته يقترب منها وعينيه بهما غضب شديد. كادت أن تهرب منه ولكنه قبض على شعرها بيده كأنه سوف يقتلعه من مكانه. سارة بصراخ: أنا ما عملتش حاجة صدقني، ما عملتش أي حاجة. قرب وجهها منه وهو ما زال ممسكًا بشعرها وبدأ يهمس كفحيح الأفعى. ياسين: بتبيعيني لأعدائي؟
سارة برجاء وألم: أنا ما عملتش حاجة، أنا ما خونتكش، أنت عارف إني بأحبك وما أقدرش أخونك، ما أقدرش أعمل أي حاجة تأذيك. صرخت بألم وهدر بها بغضب دفين لم تره من قبل. ياسين: ثالث أكثر حاجة بأكرهها في حياتي هي الكذب.
ابتعد عنها ونظر لها بابتسامة تهكمية لم تصل إلى عينيه حتى، وظل يتلفت حولها يرمقها بكره بارد، ولسوء حظها كانت المائدة خلفها أي أمامه. أخذ سكينًا حادًا واقترب منها وبدأ يهمس بأذنها وهو يمرر يده الفارغة حول عنقها الطويل. ياسين: عملت منك بني آدمة وأنتي مجرد واحدة رخيصة، أنتي بالذات ما كنتش أتوقع منها إنها تخوني، بس عملت حسابي إن اليوم ده هييجي. لأني عمري ما وثقت فيكي زي أي حد.
حاولت أن تلمحه بطرف عينيها ولكنه كان خلفها تمامًا لم تستطع رؤيته ولا النظر إلى عيونه الباردة التي تعشقها. شهقت عندما وضع سكينًا على رقبتها. ياسين: "إنتِ خاينة زيك زي الكل." سارة بتصرف سريع مع توضيح: "ياسين، هحكيلك على كل حاجة هما قالولي...
قطع كلامها السكين الحاد الذي اخترق عنقها، قام بذبحها في ثانية واحدة ببرود، ورماها أرضًا حتى لا تتسخ ملابسه، أخذ منديلًا من جيب سترته وقام بمسح يديه التي غرقت بدمها وهو ينظر لها، حتى بعد أن خرجت روحها من جسدها ذرفت عينيها دموع الكذب التي يكرهها.. يا لها من خرقاء.. التقط هاتفه واتصل بأحد رجاله. ياسين ببرود وعينيه لا تبتعد عن عينيها: "ارموا جثتها في البحر، ومش عايز يكون في أثر لوجودي في الشقة."
أنهى مكالمته وأخذ سترته وتحرك صوب الباب وخرج من تلك الشقة والتي بعد سويعات أصبحت رماد. بعد مرور سبع سنوات:
في حي شعبي بسيط، وخاصة في غرفة صغيرة ضيقة وقديمة بعض الشيء في سطح مبنى قديم وعلى سرير مهترئ بعض الشيء يوجد جسد صغير لفتاة في منتصف العشرينات كانت نائمة نومًا عميقًا وشعرها الأسود المموج يخفي وجهها كله، كانت منزعجة أثناء نومها مما يدل على أنها تحلم بشيء يزعجها ولكن هذا الانزعاج اختفى وحل محله ابتسامة مطمئنة وذلك لأنها كانت تحلم به.. تحلم فقط بما تتذكره من لقائهم.. رجلًا ذو جسد ضخم يحمل بين يديه طفلة صغيرة تستند برأسها
على صدره الصلب ومن الواضح أنها فاقدة للوعي.. استفاقت تلك الصغيرة بفزع وضعف عندما سمعت أصوات طلقات نارية تصدح في المكان.. حاولت أن تنظر لوجه الرجل الذي يحملها ولكن غلبها الدوار مرة أخرى.. استفاقت مرة أخرى على رتبة على شعرها الأسود الناعم، فتحت أعينها بوهن وضعف وكان هذا الرجل يتحدث بكلمات لم تفهمها بسبب الدوار الذي حل بها.. حاولت أن تنظر لوجهه ولكن الدوار لم يكن حليفها لأنه جعل كل شيء حولها كالضباب.. استقام هذا الرجل
من مكانه بعدما وضعها في مكان آمن لكي تختبئ لم تغفل عن ذلك السلاح الذي أخرجه من جيبه وتحرك به تجاه الطلقات النارية بخطوات هادئة وثابتة.. أغلقت أعينيها بتعب وإرهاق.. تململت في سريرها والابتسامة على ثغرها.. ثم فجأة فتحت أعينها السوداء على اتساع كأنها صدمت من شيء ما، انتفضت من على سريرها المهترئ ونظرت لساعة هاتفها ووجدت أنها أصبحت الساعة التاسعة صباحًا تحدثت بصدمة وصراخ.
الشخصية المجهولة: "الشغل، اتأخرت على الشغل." وقفت على أرضية الغرفة الباردة وذهبت للحوض المقابل لسريرها وقامت بفتح صنبور المياه ولكنها لم تجد أي مياه.. تمتمت بغضب ونعاس. الشخصية المجهولة: "دي مش عيشة دي، الواحد مش عارف يغسل وشه ولا يستحمى، أومال يعمل إيه؟! زفرت بغضب وخرجت من غرفتها بشعرها المشعث على إثر النوم، ونزلت إلى الطابق الأخير وأطرقت على باب شقة فيه بغضب شديد. الشخصية
المجهولة بصوت مسموع: "إنتِ يا ولية يا أرشانة افتحي الباب." ظلت تطرق على الباب بغضب حتى فتحته صاحبة الشقة أو بمعنى أدق صاحبة البيت.. كانت سيدة سمينة وقصيرة في عقدها الرابع وذات ملامح حادة. صاحبة البيت: "جرى إيه يا ست الدكتورة! مبوزالنا كده ليه على الصبح، وبعدين بتصحيني من النوم ليه؟ الشخصية المجهولة بغضب: "المياه قاطعة بقالها يومين، شوفي حل في الموضوع ده."
صاحبة البيت: "مانتِ عارفة اللي فيها المياه قاطعة في الحارة كلها مش هنا بس، وبعدين إنتِ ما دفعتيش الإيجار إمبارح ليه؟ الشخصية المجهولة ببرود وغضب: "لسه ما قبضتش." صاحبة البيت: "لا معلش يا حبيبتي، اتصرفي بسرعة عشان لو ما جبتيش الـ 500 جنيه بتوع الإيجار يبقى تلمي حاجتك وتمشي." الشخصية المجهولة بغضب مكتوم: "ابقي شوفي مين هيقبل يعيش في أوضة زي دي غيري." صاحبة البيت: "الغلابة كتير يا حبيبتي."
أغلقت عيناها بغضب والتفتت لتعد إلى غرفتها ولكن وصل لها صوتها وهي صاعدة على الدرج. صاحبة البيت: "ما تنسيش الـ 500 جنيه يا ست الدكتورة." مريم بتمتمة: "خمسميت عفريت ينططوكي يا بعيدة."
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وبدأت في البحث عن ملابسها التي سترتديها في يوم عملها.. زفرت بحنق وقامت بارتداء ملابسها بعدما قامت باختيارهم بحرص شديد.. فعلى الرغم من المكان الذي تعيش به ومن حالتها المادية إلا أنها تحب أن تكون دائمًا أنيقة حتى وإن كانت مفلسة.. بعدما انتهت من ارتداء ملابسها، قامت بتمشيط شعرها بعد أن وضعت عليه بعض الزيوت الطبيعية التي تعطيه لمعانًا وقوة، تنهدت بارتياح بعد الانتهاء من تجهيز نفسها،
وقامت بأخذ حقيبتها الخلفية التي تحتوي على العديد من المعدات الطبية، وخرجت من غرفتها ثم خرجت من هذا البيت القديم متجهة إلى المستشفى الخاص التي تعمل بها متجاهلة نظرات الإعجاب الخاصة بالشبان الذين يعيشون معها في نفس الحي.. فهي وإن كانت صاحبة بشرة بيضاء وملامح جميلة خالية من مساحيق التجميل فهي تشبه العديد من فتيات بلدها، لكنها لديها جاذبية خاصة بعيدًا عن كل هذا، لديها شخصية قوية يخاف منها بعض الرجال والبعض الآخر ينجذب
إليها.. تنهدت بارتياح عندما وصلت إلى محطة حافلات النقل العام الخاصة بمنطقتها وركبت إحدى الحافلات المتجهة إلى المشفى الذي تعمل به.. أثناء تحرك الحافلة في الطرق كانت تنظر إلى الناس الذين يتحركون في الشوارع بشرود، ولكنها استفاقت على صوت طفلة في عمر الخمس سنوات تتحدث مع والدتها.
الطفلة: "ماما عشان خاطري أنا عاوزة أروح الملاهي." نظرت مريم إلى هيئة والدة الطفلة والذي كان واضح من خلاله أنها لن تستطيع أن تذهب بها إلى مكان كهذا. والدة الطفلة: "حاضر يا حبيبتي، بكرة نروح إن شاء الله." قامت مريم بفتح حقيبتها ثم قامت بعد المال الذي في حوزتها وجدت أن ما بحوزتها مبلغ بسيط.. احتارت قليلًا ولكنها استفاقت على صوت الطفلة.
الطفلة بتذمر طفولي: "كل مرة بتقولي لي كده ومش بنروح في حتة، عشان خاطري يا ماما عايزة أروح الملاهي." كادت أن تتحدث والدتها ولكن قاطعتها مريم التي تتحدث مع الطفلة بحنان وتربت على شعرها في نفس الوقت. مريم: "ما تقلقيش يا حبيبتي، ماما هتوديكي الملاهي وتفرحي وتلعبي براحتك." نظرت والدة الطفلة إلى الفتاة التي تتحدث مع ابنتها بقلق وتوتر.. ولكن نظرات الفتاة لها طمأنتها. الطفلة بانبهار: "بجد يا أبلة؟
مريم بابتسامة ودودة ومرحة: "طبعًا بجد، ما تقلقيش."
نظرت مريم إلى أعين والدة الطفلة وقامت بإعطائها مبلغًا في يدها دون أن تلاحظ الطفلة ذلك.. رأت ابتسامة تدل على السعادة في وجه الأم وقامت بهز رأسها بامتنان شديد نظرًا لذلك المعروف التي قامت مريم بفعله.. ابتسمت مريم مرة أخيرة لها ثم عادت إلى مقعدها الذي كانت تجلس عليه ونظرت إلى الشوارع مرة أخرى شاردة في ذلك الرجل الذي أنقذها في طفولتها.. لا تعرف من هو فحينما استيقظت وجدت نفسها وحيدة أدركت أنه اختفى وتركها في ذلك المكان ثم
بعد ذلك وجدها رجال الشرطة.. تنهدت بعمق واستسلام لفشلها في محاولة تذكر وجهه ولكن كل ما تتذكره أنه كان سببًا من أسباب الله لإنقاذها من ذلك المأزق الذي وقعت فيه منذ زمن.. بعد فترة ليست بقصيرة.. وصلت المشفى وهي تركض غير آبِهة لكل من ينظر إليها بتعجب من لامبالاتها بمظهرها أمامهم.. دلفت إلى الحمام لكي تقوم بغسل وجهها ثم توجهت إلى غرفة الأطباء لكي تقوم بتغيير ثيابها وبعد انتهائها خرجت من الغرفة وهي مرتدية الرداء الطبي وتقوم
بتعديل شعرها الأسود المموج بنعومة وأثناء تجولها في ممر المشفى تجمدت في مكانها عندما أوقفها صوته.
صوت مجهول بسخرية: "مساء الخير يا دكتورة مريم." التفتت بهدوء لصاحب الصوت والذي كان عبارة عن رجل قصير أصلع سمين بعض الشيء في عقده الخامس والذي لم يكن سوى مدير المشفى "مرتضى". مريم برسمية: "مساء الخير يا فندم." نظر إلى ساعته ثم نظر إليها وتحدث رافعًا حاجبه ومبتسمًا بسخرية لها. مرتضى: "ميعاد المناوبة بتاعتك المفروض تبدأ إمتى يا دكتورة؟ مريم بلامبالاة: "تسعة." مرتضى باستفسار: "والساعة كام دلوقتي؟
قامت برفع حاجبها الأيمن وتحدثت بعنجهية. مريم: "حداشر." مرتضى باستفسار: "عارفة ده معناه إيه؟ هزت كتفها ممثلة اللامبالاة مما أدى إلى جعله يفقد أعصابه بسبب جهلها له وبرودها معه.. بدأ يتحدث بعصبية. مرتضى: "معناه خصم يومين." قامت بمط شفتيها لامبالاة. مريم بابتسامة: "اخصمهم."
نظر لها بضيق وهي ابتسمت له بتحد.. لا يجرؤ على التعامل معها.. كم حاول عدة مرات أن يستغل ظروفها المادية ولكنه لم يستطع لأنها قامت بفضحه في الآونة الأخيرة في المشفى وقاموا بالتستر عليه.. كم تتمنى أن يختفي ذلك الرجل من أمامها بلمح البصر ولكنها يجب أن تتحمل وجوده قليلًا.. فهو مدير المشفى.
ذهبت من أمامه بابتسامة كبيرة وتركته ثابتًا في مكانه ينظر إلى مكان خروجها بعدم استيعاب.. عندما ابتعدت عن مستوى نظره تأففت بضيق وتحدثت باشمئزاز وعنجهية. مريم: "راجل ***."
وثم في ثوانٍ تبدلت ملامحها إلى المرح عندما اقتربت من غرفة بيضاء كبيرة وواسعة.. أمسكت بمقبض الباب الأبيض ودخلت الغرفة التي تشير إلى أنها غرفة ليست من هذا المشفى.. فهي مجهزة بأحدث الديكورات والأثاث التي صممت لأجل صاحبها والذي لم يكن سوى ذلك الرجل العجوز الذي يبلغ ثمانين عامًا الجالس على كرسي متحرك وينظر أمامه بشرود من خلال النافذة الكبيرة المطلة على حديقة المشفى. مريم بمرح: "صباح الخير، وحشتك صح؟
نظر ذلك الرجل إليها بملامح كلها لهفة وفرحة ولكنه في ظرف ثوانٍ تجهمت ملامحه وعاد ينظر أمامه مرة أخرى كأنها لم تدخل الغرفة.. تنهدت بحزن فهي تعلم كم هو ينتظرها لكي تجلس معه وتتحدث إليه فهو وحيد دائمًا إلا عندما تأتي هي.. اقتربت منه بابتسامة مرحة وحب وجلست بركبتيها أمامه وأمسكت بيديه التي تملأها التجاعيد لكبر سنه. مريم: "إنت باصص بعيد ليه؟ عشان خاطري بص لي." لم ينظر إليها ولم يتحدث.
مريم: "أنا عارفة إني اتأخرت عليك بس المنبه رن وما سمعتوش.. وعايزة أقولك إني من ساعة ما صحيت وأنا متضايقة ومخنوقة وحاسة إن في حاجة غريبة." نظر إليها بطرف عينيه الزرقاء عندما قالت ذلك.. تحدثت وهي تنظر إلى عينيه. مريم: "ما تزعلش بقى، ده إنت زعلك وحش أوي يا عم عماد." هدأت ملامحه وابتسم ابتسامة لم تخف عنها وربت على يدها. مريم: "أيوه كده، أخيرًا شوفت ضحكتك الحلوة دي.." وبعدين إنت ما غيّرتش هدومك ليه؟
إنت لسه على هدومك دي من إمبارح؟ عماد بعند وصوت متقطع لكبر سنه: مرضتش أسيبهم يغيرولي عشان إنتي ما كنتيش هنا. مريم: نفسي في مرة أجي ألاقي هدومك مظبوطة وكل حاجة تمام. نظر حوله برهبة ثم تحدث بهمس مسموع لها فقط. عماد: إنتي عارفة إني ما أقدرش أسيبهم يعملوا لي حاجة وإنتي مش هنا.. بحس إنهم *نظر حوله بخوف وأكمل بهمس* عايزين يقتلوني مش يغيروا لي.
ابتسمت مريم على خياله الواسع، فعلى الرغم من كبر سنه إلا أنه يضحكها دائمًا بخيالاته التي يعيش فيها. عوامل كبر السن حقًا غريبة. دائمًا يخبرها أن الكل يريد قتله وهي الملاك التي تقوم بإنقاذه دائمًا، ولا يقبل أن يتم أي شيء إلا في وجودها هي. مريم بابتسامة: خلاص أنا هبقى معاك ما تقلقش وبعدها هحكي لك قصة وتنام. انتبه لها واختفى رعبه عندما سمع حديثها. عماد بحماس: هتحكي لي بقى أنهي حكاية المرة دي؟ شردت مريم للحظة ثم نظرت إليه.
مريم: هحكي لك حكاية جميلة أوي.. بس لازم تسمع الكلام الأول. تأفف عماد وهو ينظر بزرقاوتيه إليها. مريم بتحذير وعناد: هاه؟؟ هتسمع الكلام ولا أمشي؟؟ عماد بتأفف: هسمع الكلام. مريم بسعادة: هنادي على الممرضات وهرجع لك.
خرجت من غرفته في اتجاهها لغرفة الممرضات وفي نفس الوقت يدور ببالها حالة عماد. فعلى الرغم من أنه لا يوجد لديه أي أمراض أو مشاكل جسدية إلا إنه اختار أن يعيش بهذا المشفى الضخم. فهو شخص غني وحيد لا يوجد له أقارب وليس لديه أي أحد، وعلى حد علمها فهو لديه معرفة سابقة بمالك المشفى الذي لم تقابله إلى الآن، ولكنها تسمع عنه دائمًا من همسات الموظفين والأطباء والممرضات، لكن عماد لم يتحدث عنه ولو لمرة واحدة أمامها!
فمن لا يعلم ياسين المغربي؟! الاسم الذي تقشعر له الأبدان حين سماع اسمه، حتى جسدها اقشعر لمجرد التفكير فيه، فهو لديه هالة فريدة من نوعها. اسمه وحده له هذه الهالة فماذا عنه شخصيًا؟! نفضت تلك الأفكار من عقلها لمجرد. مريم بسخرية: كلام ستات.. كل واحدة فيهم كانت قاعدة فاضية فقالت تطلع كلام وتبني قصص، أكيد شخص عادي زيه زي أي حد، أنا ما باخفش من حد.
ذهبت إلى الممرضات وأخبرتهم بما سيقومون به مع عماد، وإشرافها عليهن حتى لا يخاف منهن، وبعدها وضعوه في الفراش وجلست بجانبه وروت له قصة قصيرة وغفى أثناء روايتها للقصة، كان كالأطفال تمامًا. ابتسمت باطمئنان وقامت بتغطيته وخرجت من غرفته بهدوء. قامت بأداء وظيفتها بروتينها اليومي ألا وهو المرور والاطمئنان على المرضى ومتابعة تغذيتهم وحالتهم الصحية أيضًا، متجاهلة نظرات زملائها المتعالية. فهي طبيبة جراحة ولكنها مساعدة فقط. لم يعطوها يومًا فرصة لتقوم بعمل عملية واحدة حتى، حيث أنه كان هناك الأجدر منها دائمًا كما يقولون أو كما يقول مرتضى أو رئيس الأطباء ذاك!
ظلموها، ولكنها قبلت بذلك الأمر. تتمنى يومًا أن تصل إلى ما تريد، لأنها لم تكن تصدق عينيها عندما جاءتها الفرصة المناسبة في مشفى "الأمل والحياة"، أول فرصة عمل لها على الرغم من الراتب الضئيل الذي تأخذه، ولكنها ستصبر حتى تصل إلى ما تريده، فتلك المشفى هي من أكبر المؤسسات العلاجية في مصر حيث أنها تابعة لمجموعة شركات المغربي الخاصة بالعديد من المجالات الصناعية.
خرجت من المشفى بعد ساعات طويلة من العمل، ووقفت على الحشائش الخضراء الخاصة بحديقتها ونظرت إلى أشعة الشمس التي أخذت في الاختفاء شيئًا فشيئًا. نظرت حولها ولم تجد أحد فوجدتها فرصة مناسبة لتقوم بإراحة جسدها قليلاً. استلقت بجسدها على الحشائش الخضراء وأغمضت عينيها بارتياح شديد ويعلو ثغرها ابتسامة صغيرة. ظلت مستلقية بجسدها على الحشائش لعدة دقائق وسرعان ما شعرت بأحدهم يضع يديه على عينيها. ابتسمت بهدوء عندما سمعت صوته.
: معقولة ما تسأليش عني كل ده؟ على كده أنا مش مهم بالنسبة لك؟؟ أشاح يديها عن وجهها وقامت بفتح أعينها التي تقابلت مع عينيه السوداوتين. تأملت ملامحه المرهقة قليلاً. مريم بابتسامة: أنا ما سألتش عشان ما حبيتش أزعجك لإني عارفة إنك في عملية من الصبح. تنهد بارتياح واستلقى بجانبها على الحشائش الخضراء وبدلاً من أن يتأمل السماء مثلها نظر إليها وتأملها قليلاً ثم بدأ بالتحدث. : الحالة اللي كنت بولدها.. جابت بنت.
ابتسمت مريم ناظرة إليه أما هو أردف. : طلبت منها تسميها مريم عشان بصراحة كانت زي القمر شكلك كده. ضحكت بخفة. مريم: الجو ده مش لايق عليك يا دكتور هشام. هشام وهو يعتدل في جلسته وينظر لها عاقدًا حاجبيه: مش لايق ليه بقى؟؟ حبيبتي وبدلعها.. حقي ولا مش حقي؟ مريم بتنهيدة بسيطة: حقك طبعًا. هشام بهمهمة وتفهم من وضعها: مرتضى ضايقك؟ مريم بلامبالاة: ما تركزش عادي، قال كلمتين يحرقوا الدم وخلاص. هشام عاقدًا
حاجبيه بضيق: وإزاي عايزاني ما ركزش وأنا شايفك متضايقة كده؟؟ إنتي عارفاني ما باحبش أشوفك كده. مريم وهي تعتدل في جلستها: لا أنا مش متضايقة أنا بس ما نمتش كويس. صمت هشام قليلاً وهو ينظر لها ثم تحدث في أمر آخر. هشام بابتسامة: إيه رأيك أعزمك النهاردة بعد ما نخلص شغل، ونخرج شوية؟ مريم بابتسامة: موافقة طبعًا. ابتسم لها بهدوء ولكن سرعان ما تذكر أمرًا.
هشام: صحيح.. والدتي محتاجة تشوفك وتتعرف عليكي عايزة تتعرف على الإنسانة اللي خطفت قلب ابنها، بصراحة ما ورائيش سيرة غيرك في البيت. اختفت ابتسامة مريم عندما سمعت قوله ذلك. والدته؟؟ تلك المرحلة التي تقابل فيها العروس الحماة المتوحشة أو الطيبة على حسب حظها. هل ستلاحظ والدته شيئًا ما؟ هل ستقبل بها وبمستواها المادي؟؟
وخاصة أن هشام من عائلة عريقة يعيش بفيلا كبيرة حولها الكثير من الحدائق، فهو عريس وفتى أحلام مناسب لكل الفتيات طبيب وغني ومرح وأهم من كل ذلك طيب القلب. أما هي تعيش في غرفة مهترئة على سطح مبنى قديم في حارة شعبية بسيطة، تتصرف بطريقة لا تعجب أحد حتى هشام ولكنه يتغاضى عن ذلك لأنه يحبها. استفاقت من شرودها على صوته. هشام: إيه يا حبيبتي؟؟ سرحانة في إيه؟ مريم بتنهيدة: لا ما فيش. هشام: قولتي إيه؟؟ حابة تيجي الفيلا إمتى؟ مريم
بهدوء وهي تبعد نظرها عنه: أي وقت.
كاد أن يتحدث ولكن انتبه الاثنان لصوت صافرة عربة الإسعاف وهي تقترب من المكان سريعًا. انتفضت مريم واقفة وتحركت باتجاه السيارة سريعًا وخلفها هشام والذي أصبحت ملامحه جادة. تعجبت من كم الأشخاص ذوي البنية القوية الذين كانوا خلف سيارة الإسعاف وانتشروا فجأة في المشفى. عندما توقفت السيارة استنتجت أن هؤلاء مجموعة من الحرس الشخصي بل وأكثر من ذلك. ولكنها لم تعر ذلك انتباه كان يهمها الطفل الذي كان ينام على سريره بدون حول ولا قوة.
شهقت مريم بصدمة عندما وجدت أن الطفل مصابًا بطلق ناري في كتفه. وضع المسعفون الطفل على النقالة وتحركوا به سريعًا وورائهم حرس شخصي يبدو عليهم الغموض. وبدون وعي ركضت سريعًا خلفهم خوفًا ورهبة على حالة الطفل ويتبعها هشام ركضًا. صرخت بصوت مسموع لكل من بالمشفى.
مريم: طوارئ بسرعة.
تحرك الجميع بخوف ورهبة ليس بسبب ما يحدث، ولكن بسبب طاقم الحرس التابع للطفل، فهم ليسوا أفراد عاديين. معروفون بهالتهم الغامضة فهي ليست أول مرة يأتون إلى هذا المشفى، فهم طاقم حرس "ياسين المغربي". مما جعلهم يتحركون سريعًا. قاموا بتجهيز غرفة العمليات سريعًا وقامت مريم بتغيير ملابسها وبدأ التعقيم لعلها تقوم بإنقاذه مع الطبيب المختص. كان مرتضى جالسًا على مقعده في مكتبه يقوم بالتركيز فقط على ما يهمه، وهو مشاهدة بعض المقاطع المحرمة ولكنه انتفض من مكانه عندما ظهر أمامه اسم أكثر شخص مرعب في المجرة كما يقول. "ياسين المغربي" فهو يتصل به الآن!
كاد أن يقع الهاتف من يده ولكنه أمسكه سريعًا وقام بالرد عليه وهو يحاول أن يتحكم في ارتعاش يديه. مرتضى بارتعاش: يا.. ياسين بيه، أهلاً بيك............ قاطعه صوته البارد بجملة واحدة جعلته يبلل سرواله. ياسين بنبرة هادئة: كل الرعاية الطبية توجه انتباهها للطفل اللي لسه داخل المستشفى حالاً. انقطع الخط وظل مرتضى واقفًا في مكانه لا يدري هل ما يحدث حقيقيًا أم لا؟؟
ولكنه استفاق وقام بتشغيل الكاميرات الخاصة بالمشفى ووجد أن هناك حالة طارئة. قام بعمل اتصال طارئ للاستقبال. مرتضى بخوف وعصبية: كل الدكاترة يجهزوا للحالة الطارئة دي. أصاب موظفة الاستقبال الهلع والخوف وقامت بتبليغ الجميع بذلك الأمر. بعدما انتهت مريم خرجت من الغرفة ووجدت أن جميع من بالمشفى في حالة من القلق والخوف. تقدمت إليهم بعدم فهم لما يحدث. مريم باستفسار: في إيه؟؟ مالكم؟؟ مش طبيعيين ليه؟؟
قامت إحدى الممرضات بالرد عليها مع توتر وقلق. : دكتور طارق مشى من بدري وما فيش حد جراح غيره موجود النهاردة ومش عارفين هننقذ الطفل إزاي؟؟ حتى الدكاترة زملاء حضرتك واقفين مش عارفين يعملوا حاجة ومستنيين توجيهات دكتور طارق ومش عارفين يوصلوا له أصلاً، إحنا لو ما عملناش حاجة رقبتنا هتبقى قصاد حياة الطفل ده.
لم تفهم ما ترمي إليه من كلامها، هي ليست بمزاج جيد يجعلها تركز في كلامهم. ظلت تفكر كثيرًا والتوتر والقلق بدأ يستنزف طاقتها بسبب حالة الطفل حتى قررت.. يجب أن تنقذه يجب أن تفعل ذلك فهذا واجبها وقد أدت القسم بأن تقوم بمساعدة كل من يحتاج للمساعدة. ستقدم كل ما تملكه لمحاولة جعل هذا الطفل يعيش. مريم بثبات وقوة: أنا اللي هعمل العملية اجهزوا بسرعة، يلا.
صدم كل من كان في الممر عندما سمعوها حتى هشام فكيف ستقوم بتلك العملية بمفردها ولكن ملامحه هدأت. أما الباقون نظروا إليها بقلق وخوف. مريم بصوت عالٍ نسبيًا وهي تنظر للجميع حتى زملائها الأطباء: يا إما نحاول ننقذه يا إما نسيبه يموت. تصنم الجميع في أماكنهم كانوا لا يعرفون ماذا يفعلون إما الحراك أو الموت ولكنهم تحركوا عندما وصلهم صوت مرتضى التابع للموقف. مرتضى بعصبية: ما تتحركوا.
تحركت الممرضات بعجل باتجاه غرفة العمليات، أما مريم نظرت إلى زملائها ولكنها لم تجد منهم سوى الخوف في موقف مثل ذلك.
أغمضت عينيها قليلًا تحاول التحكم في ضربات قلبها من توترها؛ لأنها ولأول مرة ستقوم بعملية جراحية وحدها وبدون استشارة طبيب آخر ودون الاعتماد على أحد. دلفت خلف الممرضات اللواتي يقمن بتجهيز كل شيء لكي تسير العملية بنجاح، وبعضًا منهن عقمن الأدوات الطبية لها. نظرت إلى ذلك الطفل الصغير صاحب الشعر الأسود النائم أمامها ولا يشعر بأي شيء حوله. اقتربت منه بهدوء وأخفضت رأسها تجاه أذنه.
مريم بهدوء: "ما تخفش، هتقدر تتغلب على المحنة دي. هتفوق وهتبقى قوي، هتفوق وحياتك هتتحسن."
قبلت جبينه قبلة لطيفة ثم استقامت. انتبهت للشخص الذي دخل الغرفة يرتدي زي العمليات، فتحت عينيها على وسعهما عندما وجدته هشام ينظر للطفل بجدية، ثم وقف بجانبها ونظر في أعينها السوداء يحثها ويشجعها بنظراته وأنه لن يتركها أبدًا، أغمضت عينيها بهدوء ثم نظرت إلى الممرضات حولها وقامت بهز رأسها لتبدأ عمليتها الجراحية الأولى مع طبيبها المساعد وحبيبها هشام. بعد مرور سبع ساعات:
توقفت مجموعة من العربات السوداء المصفحة الضخمة أمام المشفى. نزل كل من كان فيهن وتوجهوا نحو سيارة يبدو عليها الهالة والغموض. قام أحد الحرس بفتح باب السيارة للقابع بداخلها. خرج من سيارته بخفة واعتدل في وقفته واتضح طوله الفارع وجسده الممشوق الملئ بالعضلات من خلال بذلته السوداء الراقية والأنيقة، فهي وإن كانت صاحبة عصر قديم إلا أنه ينتقي دائمًا كل ما هو أنيق وراقي. تحرك تجاه مدخل المشفى الرئيسي وخلفه نصف طاقم الحرس، أما
الباقون فقد انتشروا حول المشفى. كان يتحرك بخطوات ثابتة ونظرات لا يوجد بها روح فمن ينظر إليه يظن أنه لا يوجد سواه في المكان، فهو لا ينظر لأي أحد، كان ينظر أمامه فقط متجهًا لوجهة محددة. دخل في باحة المشفى ووقفت موظفة الاستقبال برهبة من حضوره وترحيبًا به.
فتاة الاستقبال بتوتر: "نورت يا ياسين بيه، أهلًا بحضرتك."
لم يعر أي اهتمام لترحيب أحد، فها هي المشفى، كل موظف يمر يقابله يقف مبتعدًا احترامًا له مخفضين رؤوسهم. توجه نحو الممر الذي يؤدي إلى غرفة المرضى والذي سيجعله مارًا على غرفة العمليات، أشار بعينيه لأحد الحرس ففهم وهز رأسه بتفهم وأشار لباقي الحرس بالتوقف، أما ياسين أكمل طريقه باتجاه ذلك الممر وحده. مرت سبع ساعات وهي واقفة وموجهة كل تركيزها على إنقاذ ذلك الطفل، فهذه أول مرة تقوم بهذا المجهود، ونجحت في أول عملية لها وذلك لولا وجود هشام بجانبها. ابتسمت برضى ونظرت إليه فوجدته ينظر لها بالمقابل بابتسامة ظاهرة في عينيه على الرغم من كمامته التي تخفي نصف وجهه. خرج الاثنان من الغرفة ونزع هشام كمامته متحدثًا بابتسامة وإرهاق.
هشام: "أنا فخور بيكي. إنت كنتي قدها وبصراحة كنت مبسوط وأنا مساعد لأشطر دكتورة زيك." نظرت مريم له بإرهاق ونظرات أعينها له كانت هي المتحدث في ذلك الصمت. هشام: "يلا نروح عشان هوصلك." مريم بإرهاق: "لا أنا هبات هنا." هشام: "ليه كده؟ طب ما تيجي أوصلك أحسن تنامي على سريرك." هزت مريم رأسها بالنفي: "لا، أنا هبات هنا، إنت اللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شوية."
هزت مريم رأسها بالنفي: "لا، أنا هبات هنا، إنت اللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شوية." هشام بابتسامة: "ماشي يا عنيدة. أنا تحت أمرك." كاد أن يذهب ولكنها نادته. مريم: "هشام." نظر لها باستفسار. مريم بامتنان: "شكرًا على وجودك جنبي النهاردة." هشام بمرح: "لا لا أنا مش عايز شكر، أنا عايز حاجة تانية؟ مريم باستفسار: "إيه هي؟ اقترب منها قليلًا وتحدث هامسًا: "أنا عايز بوسة."
رمشت عدة مرات عندما سمعت تلك الكلمة. مريم بدهشة: "احترم نفسك!! هشام بضحكة خفيفة: "أحترم نفسي؟ حاضر، *ربت على شعرها الأسود*. تصبحي على خير."
ابتسم لها مرة أخيرة واتجه نحو غرفة تبديل الملابس، أما هي فنزعت كمامتها التي كانت ترتديها بإرهاق واستندت بجسدها على ذلك الحائط الذي يجاور غرفة العمليات في نفس الوقت الذي ظهر به رجل فارع الطول ذو جسد ممشوق مرتديًا بذلة سوداء مرموقة من عصر الستينات. رفعت رأسها بإرهاق ونظرت لوجهه، كانت ملامحه هادئة مما يثير الريبة، فكه بارز بشكل يجعله وسيم. وفجأة شعرت برعشة خوف أصابت جسدها عندما تقابلت أعينهما. نظراته الخالية من الحياة.
كأنه ينظر للاشيء. شعرت أن الوقت يمر ببطء. كانت لحظة واحدة فقط تقابلت فيها نظراتهما ولكنها مرت على مريم كأنها دقائق، أبعد ياسين أنظاره عن تلك الفتاة المستندة بجسدها على الحائط وأكمل طريقه نحو غرفة معينة. أما مريم كانت ترتعش بخوف لا تعلم سبب خوفها من تلك النظرة الباردة الخالية من الروح. هذا الرجل حوله هالة من الغموض والرعب ولا تدري ما السبب. استفاقت من تفكيرها على صوت العربة النقالة وهي تخرج من غرفة العمليات ويحركها
الممرضات نحو غرفة العناية المركزة. أخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة أعصابها.
مريم: "أكيد بيتهيأ لي إني شوفت حد. أنا شكلي هيست، *تنهدت بإرهاق* أنا محتاجة أرتاح." كان نائمًا بهدوء نظرًا لمفعول الأدوية الذي بدأ ينتهي. دقائق مرت حتى فتح عينيه بنعاس فقد كانت الغرفة مظلمة جدًا، حرك يده باتجاه زر الإنارة الملقى بجانب سريره وقام بالضغط عليه. أضيئت الأضواء بالغرفة ولكنه صرخ بفزع عندما وجده جالسًا أمامه بهدوء ناظرًا إليه واضعًا ساقًا على الأخرى. عماد بخوف: "إنت عايز مني إيه؟
امشي من هنا، إنت هتقتلني. إنت جاي تقتلني." ظل ياسين ينظر إليه ولم يعر لحديثه انتباه. توجه بنظره نحو الأدوية الموجودة بجانب سرير عماد ثم نظر إليه مرة أخرى. بحث عماد بيديه عن جرس الإنذار الخاص بغرفته وعندما وجده قام بالضغط على الزر ولكن لدهشته لم يأتِ أحد إلى الغرفة. فقد اعتاد أن يأتي جميع من في المشفى مهرولين نحو غرفته. ابتلع لعابه بخوف شديد وهو ينظر إلى ياسين الذي أنزل قدميه أرضًا وبدأ بالتحدث.
ياسين بنبرة رخيمة باردة: "مش هتبطل شغل العيال ده يا عماد؟ ولا إنت خرفت خلاص؟ عماد بخوف: "إنت جاي تقتلني صح؟ أنا مش عايز أموت. *صرخ بصوت يشوبه الرعب* يا مريم.. يا مريم إلحقيني ده جاي يقتلني. ده جاي خلاص يقتلني." كاد ياسين أن يتحدث ولكن قاطعه باب الغرفة الذي فتح على مصراعيه. قبل لحظات:
خرجت من غرفة تبديل الملابس الخاصة بالسيدات، متنهدة بارتياح ومتوجهة نحو الاستقبال لكي تقوم بعمل ملف للطفل الذي أنهت عمليته قبلًا. لم تستغرب وجود الكثير من الحرس الذين كانوا واقفين في نهاية الممر فقد تجاهلت ذلك. توجهت نحو موظفة الاستقبال بابتسامة مرهقة وكادت أن تتحدث معها قاطعها صوت الإنذار الذي صدر فجأة والذي لا يصدر إلا من غرفة واحدة فقط في الآونة الأخيرة. "غرفة عماد". أصابها الهلع وتوجهت نحو الممر ولكن توقف أمامها رجال الحراسة وتحدث أحدهم بخشونة.
: "ممنوع." مريم بعدم استيعاب: "ممنوع إيه؟ عدوني." لم يتحرك أحد منهم قيد أنملة. مريم بصراخ وعصبية: "بقولكم عدوني، في حالة في خطر." لم يتحركوا ولم يعيروا أي اهتمام لحديثها. نظرت لجميع الممرضات والأطباء بالمشفى الذين واضح الخوف على ملامحهم ولم يتحركوا لإنقاذ المريض. صرخت بهم بعصبية. مريم: "واقفين كده ليه؟ في مريض بيستغيث بينا."
تجاهلوها وأكملوا أعمالهم. أما هي فشعرت أنها ستفقد عقلها من برودهم، نظرت نحو الحرس مرة أخرى وانتبهت لتلك الجهة الصغيرة الموجودة بجانب الحائط والتي سوف تكفيها لصغر حجمها وتستطيع المرور من خلالهم. تحركت بسرعة نحوها وجرت سريعًا وتبعها الحرس. وصلت لغرفة عماد وسمعت صوت صراخه واستنجاده بها. فتحت باب الغرفة على مصراعيها واقتربت سريعًا من عماد الذي ينظر برعب نحو الشخص الجالس قبالته ولدهشتها كان هو ذات الشخص الذي ترائى لها أنها رأته في ممر الغرف. توجه الحرس داخل الغرفة وكادوا أن يدخلوا ولكنهم توقفوا بإشارة يد من ياسين الذي ما زال نظره موجهًا نحو عماد الذي تشبث بتلك الفتاة وكأنها حبل نجاته.
أحد الحرس: "إحنا آسفين يا ياسين بيه بس... قاطع كلامه بإشارة يده والتي تفسر بالخروج والرجوع إلى أماكنهم دون كلام. ابتعد الحرس وأغلقوا باب الغرفة، أما ياسين فتحدث بهدوء مريع متجاهلًا نظرات الفتاة. ياسين: "هتخرج من المكان ده إمتى؟ عماد وهو يتشبث بمريم أكثر: "مش هخرج من هنا، مش هتعرف تقتلني. مريم هتدافع عني."
وجه ياسين أنظاره نحو مريم بهدوء، في البداية كان واضحًا عليها الدهشة مما تراه ولكن سرعان ما أخفت خوفها وعكفت حاجبيها بشجاعة وغضب وهي ناظرة في أعين ياسين التي تنظر لها بالمقابل ولكن ببرود. تحدث ياسين وهو ينظر إليه مرة أخرى. ياسين: "بتداري في عيلة صغيرة؟ تضايقت مريم بسبب لقبه لها.
مريم بعصبية: "أنا مش عيلة صغيرة، أنا اسمي الدكتورة مريم، وياريت تتعامل معايا باحترام يا حضرة إنت، دي مستشفى محترمة وليها مواعيد زيارات معينة وأنا الدكتورة بتاعة الأستاذ عماد وبحدد له ميعاد زياراته. لكن حضرتك جيت من غير ميعاد وحضرتك مش مرحب بيك هنا، اتفضل اطلع بره." هدرت مريم بغضب وصراخ في وجه ياسين الذي نظر إليها ولكن تلك المرة ينظر إليها بغضب واضح في عينيه. فمن تلك التي تتحدث معه بتلك الطريقة؟ ألا تعلم من هو؟
قام ياسين من مجلسه وتوجه نحو مريم والظلام يسود عينيه، شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها ولكنها تظاهرت بالقوة. فاجأها ياسين بإمساكه لفكها بقوة وتحدث هامسًا صارًا على أسنانه. ياسين: "أنا مش محتاج أحدد ميعاد زيارة وأنا جاي المستشفى بتاعتي." اتسعت عينيها بدهشة فقد علمت أنه "ياسين المغربي". استأنف ياسين حديثه ضاغطًا على فكها بقوة أكبر مما جعله تفتح فمها بتأوه، أمسك لسانها بإبهامه وسبابته متحدثًا بصوت دب الرعب في أوصالها.
ياسين: "لسانك ده هقطعهولك لو فكرت بس تتكلمي من غير ما تعملي حساب للكلام اللي خارج منك." كانت عينيها مفتوحتين على مصراعيهما وهي تنظر لعينيه الملتهبة المليئة بالشر. أكمل حديثه ضاغطًا على لسانها مما جعلها تتأوه بألم. ياسين: "بعد كده ما تتدخليش في اللي ما يخصكيش." أبعد يده عنها ثم نظر إلى عماد الملقى بجانبها وخائفًا مما يحدث. ياسين: "اعمل حسابك في خلال أسبوع هترجع القصر كفاية دلع لحد كده."
اعتدل في وقفته وقام بمسح أصابعه بمنديل ناعم ثم قام بتعديل جاكيت بذلته الراقية وخرج من الغرفة ببرود كأن شيئًا لم يكن، اتجه نحو استقبال المشفى ولكنه توقف قليلًا عندما كان في اتجاه غرفة العناية المركزة.
نظر إلى ذلك الطفل القابع على فراشه الأبيض، وجسده موصول بأجهزة كثيرة. نظر إليه نظرة خالية لا تحمل أية مشاعر، ثم استأنف تحركه حتى خرج من المشفى وخلفه نصف طاقم الحرس، أما النصف الآخر فبدأوا بحراسة الغرفة التي يقبع بداخلها الطفل المصاب. كانت لا تزال تجلس محتضنة عماد الذي يبكي بخوف مما صار قبلاً. استفاقت مريم من غيبوبتها تلك ونظرت إلى عماد وقامت بالربت على كتفه. مريم بتوتر: "خلاص مشي."
لم يستمع إليها عماد، ولكنه ظل يفكر فيما سيحدث بعد أن يخرج من هنا، ولكن لفت انتباهه استفسارها. مريم: "هو إنت خايف منه ليه؟ ده إنت في سن أبوه." نظر إليها برجاء ألا تتحدث أكثر، ثم نظر إلى كلتا يديه بندم وحزن بادٍ على ملامحه. لم تجد منه الإجابة الملائمة لسؤالها مما يثير الريبة. ابتعد عماد واعتدل على فراشه وقام بتغطية نفسه وأعطاها ظهره. مريم: "عماد أ... عماد: "عايز أنام." مريم بهدوء وتفهم: "طيب تصبح على خير."
لم يجبها وذلك أقلقها قليلاً عليه، فيبدو أنه الآن يفكر كثيرًا بما قاله ياسين له. مريم: "عماد، متخافش محدش هيأذيك." لم يجبها أيضًا، كان شاردًا فقط فيما سيحدث. تنهدت باستسلام ثم تحركت خارج الغرفة. بعد مرور عدة دقائق كانت مستلقية على سرير فردي بغرفة صغيرة، ناظرة لتلك الرسالة التي قام هشام
بإرسالها منذ عدة دقائق: "بحبك". ابتسمت بهدوء ثم أغلقت هاتفها ونظرت لسقف الغرفة محاولة النوم. ولكن اتجه تفكيرها نحو أحداث اليوم كله. ابتسمت بسعادة عندما قامت بأول عملية لها في مسيرتها الطبية. ولكن ابتسامتها اختفت عندما تذكرت ياسين المغربي ذاك وكيف تعامل معها، لدرجة أنها شعرت أن الموت يقترب منها كلما نظرت في عينيه. حاولت أن تستفيق من ذلك الشعور وتقوم باطمئنان نفسها أن تتعامل كأن شيئًا لم يكن.
بعد مرور وقت ليس بقصير، في قصر كبير يبدو عليه الترف، كان يجلس على كرسي خاص بمكتبه الضخم ويبدو عليه القلق والتوتر. "إزاي يعني؟ الولد ده لازم يموت. يعني إيه بقى في إيد ياسين المغربي؟ اسمعني. بكرة هترشي حد من موظفين المستشفى دي ويقتل الولد بدواء ولا حاجة ونقول خطأ طبي أو قضاء وقدر. أي حجة وخلاص. الولد ده لازم يموت، ده شاهد على جريمة قتل أنا عملتها."
صمت عندما شعر بشيء متجهًا نحو رأسه، رفع رأسه وكل ما وجده هو سلاح مصوب على رأسه. والذي يحمل ذلك السلاح يكون ياسين المغربي الذي ينظر له ببرود. فتح عينيه على مصراعيهما، كاد أن يتحدث ولكن استقرت الرصاصة في منتصف جبهته. أنزل ياسين سلاحه نازعًا كاتم الصوت منه، ثم أخذ هاتف الضحية ووضع المسدس في جيب معطفه الجلدي. ومر فوق الجثة بهدوء خارجًا من باب ذلك القصر والذي اختفى منه جميع حراسه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!