في الصباح الباكر في فيلا عريقة وراقية، كان ينزل بخطىً سريعة على الدرج لا يريد أن يتأخر على عمله ولا عليها، ولكنه توقف عندما سمع صوت والدته الحبيبة. بلقيس: حبيبي، مستعجل ليه؟ نظر هشام إلى والدته بحب ثم توجه نحوها وقبل يدها. هشام: صباح الخير يا أحلى بلقيس في حياتي. بلقيس بابتسامة: صباح النور يا حبيبي، مستعجل كده ليه؟ هشام معتدلًا في وقفته: أكيد طبعًا لازم أبقى مستعجل، عشان ورايا شغل، ولازم أروح بدري عشان متأخرش.
بلقيس بمشاكسة: مستعجل عشان الشغل برده؟ ابتسم بإحراج ثم نظر أرضًا. نظرت بلقيس لابنها كثيرًا مبتسمة على الحالة التي أصبح يمر بها وهي حالة العشق. بلقيس باستفسار: بتحبها يا هشام؟ هشام بصدق وهو ينظر داخل عينيها: أيوه بحبها. بلقيس عاقدة حاجبيها بغيظ: طب ليه ما جبتهاش يا دكتور لحد دلوقتي عشان أتعرف عليها؟ هشام: أنا فعلًا عرضت عليها الموضوع ده، هي كمان حابة تقابلك بس أنا شايف إنها محتاجة وقت تمهد لنفسها فكرة إنكم هتتقابلوا.
بلقيس بابتسامة: يا حبيبي تنور في أي وقت. يا ريت لو تنورني النهاردة هبقى سعيدة جدًّا لو شوفتها، وأهو نلحق نتعرف على بعض. ظل يفكر قليلًا وهو ينظر إليها حتى قرر. هشام بابتسامة: من عينيا يا بلقيس هانم، بعد إذنك. قبل يديها مرة أخرى بحب ثم توجه خارجًا، أما بلقيس كانت تنظر لأثره بحب فليس لها أحد غيره هو وأخيها طارق الذي ساعدها في تربيته بعد وفاة زوجها، هم عائلتها الوحيدة. في قصر ياسين المغربي:
في غرفة كبيرة ضخمة يملؤها أضواء الصباح وأشعة الشمس الرائعة نظرًا لذلك الحائط الزجاجي الكبير الموجود بها فبالتالي يسمح بمرور الضوء من خلاله. يقف أمام المرآة بشموخ يرتدي سترة خاصة ببذلة رمادية بعد أن قام بضبط ربطة عنقه. أغلق السترة بهدوء وبعد أن انتهى خرج من غرفته بهدوء مارًّا بجميع ممرات القصر الفارغ كفراغ قلبه. يمشي ثابت الخطى كأنه كالآلة التي تعمل على تنفيذ ما صُممت لعمله ينظر أمامه بعينين غابت بهما الحياة. وقف جميع الخدم في صف واحد ناظرين أرضًا احترامًا له. خرج من القصر متجهًا نحو سيارته الفارهة والتي قام بفتح بابها له أحد الحرس. ركب في الخلف ثم تحركت السيارة وتبعه حرسه.
نائمة نومًا عميقًا كالطفلة الصغيرة كالعادة تحلم بذلك اليوم الغامض. ذلك اليوم الذي تحاول أن تتذكر فيه كل ما حدث، ولكنها لا تستطيع، ذاكرتها لا تسعفها، كل ما تتذكره هو ضباب، شخص يحملها ويخفيها عن الأذى، ثم يتركها للأمان. غريب أن يتعلق عقلك وقلبك بأحلامك التي لم ولن تتحقق. استيقظت من نومها ناظرة إلى سقف الغرفة التي بها بشرود. لا تدري هل ما زالت عاقلة لأنها تحلم حتى الآن برجل لم تقابله سوى مرة واحدة في حياتها وحتى الآن لا تعلم من هو؟
ولا تتذكر ملامحه أبدًا، رجل قابلته وهي طفلة صغيرة. سألت نفسها: هل كانت ستتغير حياتها لو قابلته مرة أخرى؟ هل كان سينقذها قبل أن تنهدم حياتها رأسًا على عقب كما حدث معها منذ سنوات؟
لم تشعر بتلك الدمعة التي أخذت مكانها على وجنتها الناعمة. ابتسمت بألم وهي تقوم بمسحها وأخذت نفسًا عميقًا تنوي أن تنسى طفولتها البريئة وتستمر في حياتها. تنوي أن تستمر في الكفاح الذي وضعت فيه قسرًا. كانت طفلة بريئة تجد كل ما تحتاجه أمامها، كان لديها المال حتى وإن لم يكن كثيرًا، فكان لديها كل ما تحتاجه. وها هي صارت طبيبة مفلسة حتى إشعارٍ آخر. هل ستظل هكذا؟ أم ستكون قوية أكثر من ذي قبل لتستمر في حلمها؟
هل سيقوم هشام بمساندتها ودعمها في قراراتها؟ هل سيكون زوج رائع كما تتمنى؟
على الرغم من أنها تحبه وقلبها يريده إلا أن عقلها يفكر مائة مرة بهذه العلاقة. أغمضت عينيها قليلًا تمنع عقلها من التشكك بأمر تلك العلاقة وكل ما تعرفه أنها تحب هشام وسيكون زوج رائع كما تتوقعه لأنها لم ترَ منه أي شر. جلست على الفراش الذي كانت نائمة به مؤمنة بأن كل شيء سيكون على ما يرام. نظرت لهاتفها المتواجد على الكومود بجانب الفراش. التقطته لترى الوقت وإذ بها ابتسمت بعشق
عندما رأت رسالة هشام لها: "صباح الخير على أجمل بنت شافتها عيوني، أنا جايلك في الطريق، مش هتأخر عليكي، بحبك." استقامت من الفراش وقامت بتعديل شعرها ثم خرجت من الغرفة متجهة نحو الحمام لتقوم بغسل وجهها لمحو آثار النوم وبعد أن انتهت قامت بالمشي في ممر المشفى قليلًا حتى وقفت أمام غرفة عماد. وقفت أمام الغرفة قليلًا تفكر هل سينزعج أنها أتت الآن؟
حالته النفسية كانت سيئة أمس. أخذت تفكر قليلًا وكادت أن تدخل الغرفة ولكنها توقفت. يجب عليها أن تتركه قليلًا لأنه عندما يكون في تلك الحالة يريد البقاء وحيدًا دائمًا. تنهدت بإرهاق ثم أكملت سيرها في الممر متجهة نحو غرفة العناية المركزة لتطمئن على حالة الطفل الذي قامت بإنقاذه أمس والذي إلى الآن لا تعلم أي شيءٍ عنه لا عائلته حيث أن المشفى قامت بتسجيله "طفل مجهول الهوية". شعرت بالشفقة والحزن عليه فكيف لطفل يبدو في عمره
العاشر أن يحدث له مثل ذلك. فقد احتاجت معجزة لإنقاذه، وقد تحققت. توقفت بمكانها عندما وجدت رئيس الأطباء يتابع المؤشرات الحيوية الخاصة بالطفل باهتمام وبجانبه زملاؤها يقومون بالمتابعة معه ابتسمت كثيرًا، فتلك فرصتها. ستخبره بأنها من قامت بتلك العملية. ربما سيقوم بالتعامل معها على أنها طبيبة وليست مجرد مساعدة له من ضمن مساعديه!
وقبل أن تدخل الغرفة، توجهت نحو غرفة تبديل الملابس لكي تطمئن أيضًا على مؤشرات الطفل الحيوية. وبعد أن انتهت دخلت الغرفة وفي ذلك الوقت التفت الأطباء نحو الباب الذي تم غلقه ونظروا إلى مريم التي تقف وتنظر لهم بابتسامة بسيطة. وكادت أن تتحدث قاطع حديثها رئيس الأطباء بصرامة: طارق: دكتورة مريم، على مكتبي. نظر للأطباء الآخرين الذي اتضحت معالم السخرية عليهم. طارق: كملوا شغلكم أنتم.
هز الجميع رؤوسهم في طاعة وخرج رئيسهم المدعو بـ"طارق" من الغرفة بوجه متجهم نازعًا كمامته بضيق. نظرت خلفها ثم نظرت لزملائها الذين ينظرون لها بطرف أعينهم ثم عادوا لإكمال عملهم كأن شيئًا لم يكن. خرجت من الغرفة وقامت بتغيير ملابسها واتجهت نحو غرفة رئيس الأطباء أخذت نفسًا عميقًا وطرقت على باب الغرفة بهدوء وقامت بالدخول إليها. كان يقف أمام الشرفة معطيًا إياها ظهره. مريم بهدوء: حضرتك كنت طلبتني.
ألقى طارق نظرة باردة لها ثم تحدث بصوت رخيم. طارق: أنتِ إزاي يا دكتورة تعملي عملية زي دي؟ مين اللي إدالك الإذن؟ مريم بعدم استيعاب: وفيها إيه لما أعملها؟ هو مش ده مريض ومحتاج إنقاذ؟ طارق: فيها إنك مش مؤهلة، أنتِ لسه متخرجة ما بقالكِش سنتين، هتعملي نفسك فاهمة؟ شعرت بأن كل شيء يدور حولها. على الرغم من كبر سنه ويبدو في عمر والدها إلا أنها استشفت الغيرة من حديثه. مريم: بس...
طارق: من غير بس، بعد كده يا دكتورة دورك إنك تتفرجي وبس. كورت مريم يديها بغضب شديد محاولة التحكم بغضبها. طارق: اتفضلي على شغلك. ظلت واقفة مكانها لم تتحرك. استدار طارق لها عاقدًا حاجبيه بضيق منها. طارق: قولت يلا اتفضلي على شغلك. مريم بهدوء: المريض كان محتاج إننا نلحقه بأي طريقة. طارق: يبقى دورك إنك تلحقيه بأي مساعدة لكن إنك تعمليله عملية وأنتِ غير مؤهلة يبقى ده اسمه استهتار.
حاولت أن تتحكم بغضبها كثيرًا ولكنها لم تفلح وتحدثت بحدة. مريم: يعني حضرتك عايزني أعمل إيه لما ألاقي طفل بين الحياة والموت قدامي؟ عايزني أعمل إيه لما أكون أنا الوحيدة اللي جاهزة أعمل العملية دي وباقي الزملاء خايفين يقربوا منه؟ ده طفل وكان بيموت. كان لازم أعمل أي حاجة وألحقه، أنا ما كنتش هسامح نفسي لو سيبته كده. (جاءت بمخيلتها ذكرى حزينة جدًّا بالنسبة إليها وحاولت أن تتحكم بغصتها)
أنا ما قدر أسيبه كده، ما أقدرش، لو حد احتاج مساعدتي هساعده حتى لو أنا بالنسبة لحضرتك مش مؤهلة لكده، مهما أكون إيه، فأنا لازم أساعده. طارق بتعالٍ: بطلي تعيشي نفسك أوهام عمرك ما هتوصليلها، ما تحلميش يا (تحدث بسخرية لاذعة) دكتورة، كان غيرك أشطر.
مريم بغضب: لا هحلم وعمري ما هبطل أحلم، طول ما في أمل هحلم وهحقق حلمي ده، هوصل للي أنا عايزاه وبتمناه طول ما في حد محتاج مساعدة وأنا بقدمهاله، وبعدين اللي المفروض يتكلم هنا أبقى أنا، حضرتك كنت فين؟ كانوا بيدوروا على حضرتك إمبارح وحضرتك كنت مشيت، كنا هننقذه إزاي هاه؟ على ما يطلبوا حضرتك كنت هتوصل متأخر وكنا هنخسره كان لازم أتدخل بأي طريقة أ... طارق بحدة وهو يقاطعها: أنتِ إزاي تتكلمي معايا كده؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟
ليكي خصم خمس أيام يا دكتورة ولو زودتي كلمة تانية يبقى تنسي إنك بتشتغلي هنا. كانت تنظر له بصدمة وعدم فهم لما يحدث. لماذا يكرهها الجميع هكذا، لما تشعر بالاضطهاد من جميع من يعملون بتلك المشفى، لماذا؟ لم تفعل شيئًا سوى أنها هزت رأسها بيأس وخرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بغضب شديد. "حمقى" تمتمت مريم بتلك الكلمة داخلها كم تتمنى سحق رؤوسهم جميعًا، كم تتمنى أن تقوم بضربهم حتى الموت.
لا تعلم كيف تمسكت بآخر ذرة تحمل لها. كانت تتحرك بغضب في المشفى ولا تنظر أمامها من شدة الغضب، ولم تنتبه لصاحب الهالة المخيفة الذي يتقدم باتجاهها بهدوئه المعتاد. توجه بنظره نحوها لثوانٍ معدودة، ثم أكمل طريقه مارًّا بجانبها كأنها غير موجودة، متجهًا نحو غرفة مكتبه ذي الديكور الخشبي الرائع. جلس على كرسي مكتبه وقام بالاتصال بـ "طارق" رئيس الأطباء يأمره بالحضور في مكتبه.
تجلس في حديقة المشفى غاضبة من كلام ذلك القاسي "طارق"، ولم تنتبه لـ "هشام" الذي يقترب منها إلا عندما وضع يديه على كتفها. هشام بتعجب: "بناديلك يا مريم؟ في إيه مالك؟ حاولت أن تكتم غيظها وخاصة أن هشام يكون قريب طارق، فهو يكون خاله. لا تريد أن يحدث بينهم سوء تفاهم أو شجار بسببها. مريم بابتسامة مصطنعة: "أنا كويسة، مافيش حاجة." هشام عاقدًا حاجبيه بضيق من إخفائها لما حدث: "لا فيكي، وماتكدبيش."
صمتت قليلًا تحاول التفكير في حجة أخرى لإخفاء الأمر، ثم تحدثت. مريم بتنهيدة بسيطة وكذب: "عماد مش بيكلمني من إمبارح، فأنا اتضايقت شوية. أنا عارفة إنه أحيانًا الحالة دي بتجيله وإنه مش بيكلمني، بس أنا بزعل لما بيحصل كده ومابعرفش أعمل إيه غير إني أسيبه لوحده؛ لإنه هو اللي دايمًا بيبقى حابب يبقى لوحده." ابتسم هشام ثم جلس بجانبها. هشام بمرح: "يعني عماد هو اللي مزعلك؟ إخص عليك يا عماد."
ضحكت مريم ضحكة خفيفة. استأنف هشام حديثه. هشام: "لا ما يصحش كده يزعل القمر بتاعتي، وهي وراها ميعاد مهم مع والدتي النهاردة." اختفت ابتسامتها وتحولت نظراتها للتعجب. مريم بعدم استيعاب: "النهاردة؟ هشام: "أيوة النهاردة وماتقلقيش، هي نفسها تشوفك أوي وهتحبك أوي يا مريم." مريم بتوتر: "بس أنا مش عاملة حسابي إني هقابلها النهاردة." أمسك هشام يديها ناظرًا في أعينها بحب. هشام بثقة: "إنتي حلوة، حتى وانتِ مش عاملة حسابك."
ابتسمت ابتسامة لطيفة واستأنف هشام حديثه. هشام: "ما تيجي نتمشى شوية؟ لسه بدري على ميعاد مناوبتي، أنا قولت أجي بدري أقعد مع حبيبتي شوية." قام بالغمز لها وهي ابتسمت بخجل وهزت رأسها، واستقام هشام ممسكًا بيدها ساحبًا إياها خلفه. أما هي كانت تنظر ليده الممسكة بيدها بخجل فتاة مراهقة. وبدأ الاثنان بالحديث سويًّا عن بعض أحداث حياتهما. دلف طارق إلى مكتب ياسين المغربي الذي ينظر لجمال حديقة المشفى من خلال الحائط الزجاجي بمكتبه.
طارق: "حضرتك طلبتني؟ استمر ياسين على وضعه واقفًا معطيًا ظهره لطارق وبدأ بالتحدث بهدوء. ياسين: "الطفل.. تابعت حالته؟ طارق بهدوء: "أيوة تابعت حالته ومؤشراته الحيوية كويسة جدًا، وده العادي من تلامذتي بيأدوا شغلهم بدقة." هز ياسين رأسه وكاد أن يلتفت لطارق، ولكن لفت انتباهه تلك الطبيبة صاحبة اللسان السليط ممسكة بيد أحدهم. استأنف حديثه وهو يراقب ما يحدث أمامه بهدوء. ياسين: "مين اللي قام بالعملية؟
صمت طارق قليلًا محتارًا فيما سيجيب، ولكنه شعر بالتوتر عندما التفت ياسين له ناظرًا له بعينين غاضبتين لصمته الذي طال. طارق بتوتر: "دكتورة مريم." نظر له باستفسار يحثه على التكملة. طارق مستأنفًا حديثه: "مريم أحمد سعيد هنداوي، دي دكتورة جديدة هنا في المستشفى مبقالهاش ست شهور شغالة هنا. كانت بتشتغل قبلها في مستشفى حكومي وعلى كلامهم وكلامها إنها شاطرة."
التفت ياسين مرة أخرى ينظر يتأمل حديقة المشفى بهدوء بعد أن غابت الطبيبة ومن معها من أمامه. بينما استأنف طارق حديثه. طارق: "بس طبعًا سلوكها مش مقبول بتاتًا." تحدث باشمئزاز غير ظاهر: "أسلوبها زي بتوع الحواري، ما بيهمهاش حد، لسانها طويل... ظهرت الطبيبة مرة أخرى أمامه في الحديقة وهي تضحك مع الشخص الذي يمسك بيدها. عقد ياسين حاجبيه وهو ينظر إليهما ثم تحدث مقاطعًا طارق. ياسين بهدوء: "دكتور طارق." طارق بانتباه: "أفندم؟ ياسين
باستفسار وهو ينظر إليهما: "مش المفروض يكون فيه رقابة في المستشفى أكتر من كده؟ طارق بعدم فهم: "مش فاهم؟ نظر ياسين إليه وأشار لما يحدث بالخارج، حيث اتسعت عينا طارق عندما رأى ابن أخته ممسكًا بيد تلك المتسولة ويضحكان سويًّا. صُدم كثيرًا في هشام. نظر إلى ياسين الذي ينظر إليه بهدوء، كأنه لا يوجد شيء من الأساس. كاد أن يتحدث. ياسين بهدوء: "تقدر تتفضل."
هز طارق رأسه بحرج ثم اتجه نحو الباب بغضب شديد. أما ياسين عاد ينظر تلك المرة نحو الأشجار التي تتطاير أوراقها مع مرور الرياح بهدوء ولعدة دقائق. ثم تمتم ذلك الاسم. ياسين: "مريم أحمد سعيد هنداوي." ظل يفكر في ذلك الاسم كثيرًا ثم نظر نحو الطبيبة التي تركها الشاب وتحدث في هاتفه. سأل نفسه: "أيُعقل أن تكون هي؟ أنهى هشام حديثه في الهاتف. مريم باستفسار: "في إيه؟ هشام بتنهيدة: "خالي عاوزني في مكتبه، هروحله وهرجعلك، ماشي؟
هزت رأسها بهدوء، ابتسم لها وقبل جبينها ثم تركها. أما هي ظلت تنظر في أثره بعشق واضح. قامت باحتضان نفسها عندما أتت نسمة هواء باردة حركت شعرها في اتجاه الريح، التفتت تحاول إبعاد شعرها عن عينيها وهنا شعرت بأن أوردتها قد تجمدت عندما رأته ينظر إليها بأعين خلت منهما الروح. تلك النظرة التي تشعرها بأن الصقيع يتراكم فوق قلبها والذي تفسره دائمًا بأنه الخوف الذي يتملكها كلما نظرت في عينيه. ظلت متجمدة بمكانها لوقت لا تعرف ما هو.
ظل الاثنان هكذا لدقائق معدودة ينظران لبعضهما لا أحد منهم تحرك. اشتدت الرياح بالخارج واحتضنت مريم نفسها أكثر محاولة تدفئة جسدها ولا زالت تنظر إلى أعين ياسين الباردة، تسأل نفسها أسئلة كثيرة عنه ولكنها انتبهت عندما سمعت صوت صافرة سيارة الإسعاف العالية، ابتعدت بنظرها عن ياسين ثم هرولت نحو اتجاه صوت الصافرة، تاركة ياسين ينظر إلى أثرها بهدوء.
دلف هشام لمكتب خاله الذي كان ينظر إليه بغضب مكتوم. هشام باستفسار: "حضرتك طلبتني؟ طارق بضيق: "اه، اتفضل اقعد." جلس هشام على كرسي مقابل مكتبه ينظر إليه باستفسار، جلس طارق أيضًا في مقابله وحاول أن يبتسم وهو يتحدث معه. طارق: "أنا عارف ومقدر إنك زي كل الشباب في فترة لطيفة محتاج إنك تتعرف على دي ودي، بس إبقى اختار البنات اللي تعرفهم." عقد هشام حاجبيه بعدم فهم. طارق بتوضيح: "اختار واحدة من مستواك." هشام: "أنت تقصد إيه؟
طارق بضيق: "يعني اللي اسمها مريم دي، عايز أفهم أنت بتعمل معاها إيه؟ ماسك إيديها وبتضحك معاها ليه؟ هشام بهدوء وتوضيح: "عشان أنا بحبها." طارق بذهول: "أنت بتهزر؟ أنت ما لقيتش إلا دي عشان تحبها؟ يعني زميلاتك في المستشفى، بنات الناس معجبين بيك ورايح أنت تبص لدي! هشام بهدوء: "مالها دي؟ زيها زينا، وبعدين أنا كلمت بلقيس عنها وهتقابلها النهاردة، أنا خلاص عايز دي."
طارق بغضب: "لا مش زينا، دي ما ينفعش تناسب عيلتنا، وانسى خالص إنها تبقى مننا." استقام هشام من مقعده وتحدث بغضب مكبوت: "أنا مقدر إنك خالي ومربيني، بس برده، مش أنت اللي هتحدد مستقبلي وتحددلي هعيش مع مين طول عمري." التفت ثم تركه وغادر. طارق بغضب: "ماشي، يا أنا يا أنتِ يا مريم." التقط هاتفه ثم أخذ في الاتصال بأحدهم حتى جاءه الرد. طارق: "ألو، أيوه يا بلقيس، الحقي، ابنك عاوز يضيع اسم العائلة ورا الشمس...
يمشي في ممر المشفى شاردًا في حديث خاله عن مريم التي أحبها بصدق. لا يفهم لماذا يكرهها خاله إلى هذه الدرجة؟ لماذا يرفضها رفضًا قاطع هكذا؟
لا، لن يسمح له بالتحكم في حياته العاطفية، يكفي هذا. سيتمسك بها، فهي حب حياته. استفاق من تشتته على حالة الطوارئ التي انتشرت في المشفى بشكل مفاجئ ورأى مريم تركض خلف نقالة تحمل مراهقة. وسعت عينيه بصدمة عندما رأى الدماء المنسابة من بين قدمي الفتاة، نظر لهيئتها فهي بين الحياة والموت أثر ذلك النزيف، بالإضافة إلى كل تلك الكدمات التي تغطي وجهها. توجه سريعًا لغرفة تبديل الملابس وتوجه نحو غرفة العمليات وهنا استوقفته مريم وهي تبكي، وتلك أول مرة يراها تبكي لهذه الدرجة.
مريم ببكاء: "الحقيها يا هشام، أنقذها أرجوك." لمس أكتافها لعله يهدئها قليلًا: "ما تقلقيش هعمل كل اللي هقدر عليه."
تركها ثم دخل الغرفة. أما هي توقفت أمام الغرفة وهي تراهم يقومون بتوصيل الأجهزة الطبية بجسدها وهشام يقوم بالاستعداد السريع لإيقاف النزيف مع الممرضات ومعه بعض الأطباء يساعدونه. فرت شهقة من مريم تدل على بدأها بنوبة بكاء شديدة. اختفت الفتاة عن أنظارها عندما أغلقت الممرضات الغرفة. استندت مريم على الحائط تحاول استعادة رباطة جأشها وتحاول أن تتنفس بانتظام لعلها تهدأ من موجة المشاعر التي اجتاحتها الآن، وهي رغبة في قتل من فعل بها ذلك ورغبة أيضًا في ضمها ومحاولة مواساتها عما حدث لها. بعد مرور وقت من الانتظار الطويل فُتح باب الغرفة خارجًا منه هشام ينزع كمامته واضحًا عليه الضيق والغضب الشديد. هرولت مريم سريعًا نحوه بلهفة.
مريم: "طمني عليها؟ هي كويسة؟ نظر إليها هشام بحزن، ولكنها لم تفهم لماذا ينظر لها هكذا. مريم بعدم فهم: "في إيه؟ البنت مالها؟ هشام بحزن: "حولت الموضوع للطب الشرعي." عايزين إثبات حالة، لإننا هنقدم بلاغ. مريم بعدم فهم: إثبات حالة إيه؟؟ هشام وهو ينظر أرضًا: إغتصاب. وهنا خرجت الناقلة تحمل الفتاة التي لا حول لها ولا قوة، فرت دمعة أخرى من عيني مريم عندما نظرت إليها ثم عادت بنظرها إلى هشام.
مريم: هشام، إحنا ماينفعش نسكت على كده. هشام بجدية: أكيد. ابتسم بحنو لها لعله يهدئها قليلًا. هشام: حصليني على مكتبي، أنا هغير وأجيلك، محتاج أقعد معاكي عشان نتكلم مع بعض. هزت رأسها بهدوء واطمئنان لأن صوته وابتسامته هما الاطمئنان بالنسبة لها. أما هو فتركها ودخل غرفة تبديل الملابس وانتبه لهاتفه الذي يصدر رنينًا مستمرًا لم ينتهِ. نظر للهاتف فوجد والدته "بلقيس" هي المتصلة. أخذ نفسًا عميقًا ثم أجابها بهدوء.
هشام بإرهاق: أيوه. بلقيس بصدمة: إنت إيه اللي إنت بتعمله ده؟؟ هشام بعدم فهم: بعمل إيه؟؟؟ بلقيس: إنت عايز تموتني صح؟؟؟ إنت إزاي تبص لواحدة زي دي؟؟ إزاي تجيبلي واحدة من الشارع وتقول إنك بتحبها وعايز تخطبها؟؟؟؟ هشام عاقدًا حاجبيه بغضب لمعرفته الفاعل: وإنتي إزاي ترمي ودنك لأخوكي؟ بلقيس: أخويا وبيدور على مصلحتك، في الأول وفي الآخر هو في مقام باباك وبيحبك زي ابنه. هشام: بقولك إيه؟؟
أنا مش فايق لكلامكم ده إنتوا الاتنين، أنا بحب مريم وهتجوزها، هي دي اللي اختارت إني أكمل حياتي معاها. بلقيس: على جثتي، إنت فاهم؟؟ جايبلي واحدة شحاتة يا هشام؟؟؟ إنت.......
انقطع كلامها بسبب هشام الذي أغلق المكالمة بغضب شديد وقام بتغيير ملابسه سريعًا ثم خرج من الغرفة متجهًا نحو مكتب خاله بغضب عارم. كان طارق يجلس بهدوء على كرسيه منتظرًا لما سيحدث، وحدث ما توقع. قام هشام بفتح باب مكتبه بغضب وصدره يعلو ويهبط بسبب الغضب الذي يتملكه. ابتسم طارق بشر. اقترب منه هشام وأمسكه من تلابيبه. هشام بغضب: إنت عايز إيه؟؟ بتكرهها ليه؟؟؟ طارق بهدوء شديد كأن شيئًا
لا يحدث: عشان هي في مكان مش مكانها، المستشفى دي هي ماينفعش تكون فيها، غيرها يستحقها مش واحدة من الشارع تيجي تاخد كل ده على الجاهز. هشام بعدم استيعاب: إنت بتتكلم بجد؟؟؟ إنت بتحقد عليها؟؟؟ إنت عارف هي تعبت قد إيه علشان توصل هنا؟؟؟ طارق بابتسامة: ماهو عشان ما أخليهاش تمشي لازم تنفذ كلامي. هشام بعدم فهم: أنفذ كلامك إزاي؟؟؟ إنت بتهددني؟؟
طارق بتعالٍ: لا مش بهددك، بس اللي زي دي ماينفعش ياخدوا كل حاجة على الجاهز، هي ماتستحقش واحد زيك، ولا تستحق إنها تشتغل هنا. هشام باستهزاء: أنا بجد مش قادر أستوعب، إنت إزاي تحقد عليها كده وهي يادوب ما حيلتهاش غير إنها تحقق اللي هي بتحلم بيه. طارق باستفزاز: ماهو عشان هي تقدر تحقق حلمها إنت هتنفذ كلامي. هشام بغضب: انسى إني أنفذلك حاجة. تركه وكاد أن يتحرك ولكن أوقفه صوت طارق.
طارق: لو ما بعدتش عنها تقدر تقول لأحلامها باي باي. نظر هشام له باستهزاء وكاد أن يتحدث. طارق مقاطعًا له: في ثانية واحدة أقدر أخليها تتمسح من النقابة فورًا أو إني ألفقلها قضية تحبسها، ومش بعيد إن ده يتثبت عليها طبعًا لأن سلوكها خير دليل. لم يصدق أن ذلك خاله الذي يخبره بكل تلك الأمور الدنيئة التي من الممكن أن يفعلها، سيفعل كل ذلك لأجل أن يتركها؟؟؟ طارق مكملًا حديثه: أنا اللي مربيك، وماينفعش واحدة زي دي تتجوز ابني.
كاد هشام أن يتحدث. طارق مكملًا: ولو بتحبها زي ما بتقول يبقى أكيد هتدور على مصلحتها ولا أنا غلط؟؟؟ وأظن إنك عارف إني قادر أنفذ كلامي. نظر لخاله لا يستطيع الحديث. خرج من المكتب وهو يشعر بالتيه، خائفًا على مستقبلها؟؟ نعم، يحبها؟؟ نعم، لا يقبل الأذية لها أبدًا. آلمه قلبه لفكرة الفراق، فماذا ستفعل إذا تركها الآن؟؟؟ ماذا سيحدث لها؟؟ والأهم من ذلك ماذا سيحدث له هو؟؟
لا يستطيع التفكير بشيء الآن سوى أن خاله سيفعل أي شيء ليؤذي مريم، ولأجل أن يحميها فعليه تركها لحال سبيلها. أغمض عينيه بألم، يفكر كيف سيفعل ذلك؟؟ كيف سيبعدها عنه؟؟ كيف سيبعدها دون الشك بأي شيء لكي تبتعد عنه نهائيًا. أفكار كثيرة تسيطر عليه، ولا يدري ماذا سيفعل.
تجلس في مكتبه تنتظره، تنظر بفخر حولها في كل ركن من أركان ذلك المكتب، فهشام طبيب ماهر في مجاله فهو يكبرها بسبع أعوام. يحب عمله كثيرًا ويحبها هي أيضًا فهو يراها جزءًا كبيرًا من مستقبله. ابتسمت باطمئنان لأن هشام هو الوحيد الذي أحبها في ذلك العالم بعد أن أصبحت وحيدة لا أحد لها، وعندما تيقنت من حبه وإخلاصه لها سلمت قلبها إليه مطمئنة. تنهدت بملل فقد تأخر كثيرًا عليها ها هي تنتظره منذ ساعة تقريبًا ولكنه لم يأتِ. نظرت إلى
التلفاز الموجود بغرفته وابتسمت بخبث وقررت أن تشاهد بعض قنوات الكارتون تسلي نفسها قليلًا حتى يأتي. قامت بفتح التلفاز وبدأت تبحث في القنوات ولكن قنوات الأخبار هي المنتشرة فكان صعب البحث عن قنوات الكارتون وأثناء بحثها استوقفها خبر في إحدى القنوات.
مذيع: لا نعلم ما السبب وراء حالات القتل الغامضة تلك، حيث أن كل ضحية يتم قتلها نجد عن طريق الصدفة البحتة أنها متهمة بعدة جرائم لم تثبت عليهم قانونيًا حيث تم النفاذ منها بطريقة عجيبة، ووجد مع أغلب تلك الجثث تسجيلات خاصة بمكالمات الضحايا يتم من خلالها التحريض على ارتكاب الجرائم، وهذه بعض صور الضحايا في الفترة الأخيرة.......
ظهر أمامها صورًا كثيرًا لمجموعة كبيرة من الرجال ولكنها لم تستطع أن تنظر إليهم لأن الباب تم فتحه من قِبل هشام والذي دلف إلى مكتبه بوجه متجهم. أغلقت التلفاز ثم توجهت نحوه ووقفت قبالته تسأله عن حاله. مريم باستفسار: في إيه مالك؟ هشام: مافيش. مريم بتعجب: مافيش إيه؟ هو إنت مش شايف نفسك؟ هشام عاقدًا حاجبيه وهو ينظر لها: وإنتي مالك؟ مريم بعدم فهم: نعم؟؟؟ وأنا مالي؟؟ هشام: اه وإنتي مالك؟
تعجبت سوء معاملته وأسلوبه السيئ في الحديث. مريم: إنت بتتعامل معايا كده ليه؟ هشام: عشان ده الأسلوب إللي لازم أتعامل بيه مع واحدة زيك. تغيرت ملامحها من التعجب إلى الغضب. مريم: اتكلم معايا بأسلوب أحسن من كده، وإلا....... قاطع كلامها اقتراب هشام المفاجئ منها ممسكًا بخصرها بقوة وينظر لها بنظرات غريبة لم ترها قبلًا. مريم بصراخ محاولة الابتعاد عنه: ابعد عني. هشام بغضب: وإلا إيه؟؟ إنتي فاكرة نفسك إيه؟؟
فوقي ده أنا أشتريكي بشوية جنيهات، *نظر لها باستهزاء* وأنا عارف إنك معايا عشان الفلوس، وإحنا في مرحلة لطيفة وداخلين على مرحلة ألطف وهي مرحلة السرير، يعني تقبلي الواقع أنا عمري ما هبص لواحدة زيك و.... قاطع كلامه صفعة قوية من مريم والتي تنظر له بكره شديد. مريم بغضب وألم شديد: أنا كنت متوقعة إنك بني آدم محترم مش زي أي حد، لكن إنت طلعت **** زي كل الرجالة.
استطاعت تلك المرة الابتعاد عنه وخرجت صافعة الباب خلفها وهنا تغيرت ملامح هشام للحزن الشديد وأغمض عينيه بألم لعله يستطيع أن يعين قلبه في الفترة القادمة على فراقها. تمشي في ممرات المشفى تحاول إخفاء حزنها وألمها من صدمتها في الشخص الذي أحبته. تجمعت الدموع في مقلتيها تحاول البحث عن غرفة تختبئ بها وتبكي وحدها ولكن لم يأتِ على بالها سوى غرفة عماد. ركضت سريعًا تحاول الاختباء من الجميع حتى لا يرى أحد ضعفها، ودون أن تنتبه
اصطدمت بأحدهم ولكنها أكملت ركضها حتى وصلت لغرفة عماد. دخلت الغرفة سريعًا واستندت بجسدها على الباب وهنا كان عماد جالسًا بسريره متفاجئًا من دخولها. كاد أن يتحدث ولكنه صمت عندما وجد أن هناك الكثير من الدموع تنزل من مقلتيها وهي تنظر إليه. تحاول كتم شهقاتها ولكن عماد نظر لها بحنو ورفع لها يديه يحثها على الاقتراب. وهنا ضعفت مريم كثيرًا فهي في حاجة للدعم خاصة في ذلك الوقت. ركضت بضعف نحوه واختبأت بأحضانه كالحفيدة التي تختبئ
في أحضان جدها تستمد منه الأمان، تحاول على قدر المستطاع أن تبكي بصمت لا تريد إظهار ألمها أكثر من ذلك.
عماد بتفهم لحالتها وهو يربت على شعرها: عيطي، مايهمكيش حاجة، عيطي. وكأنه سمح لها بإطلاق ما بداخلها من خلال ذلك الحديث. بكت بنحيب عالٍ كالطفلة التي تبكي على لعبة ضائعة وعماد يقوم بالربت على ظهرها. لا تدري كم ظلوا هكذا تبكي وهو يربت على كتفها تارة وتارة يخبرها بأن تهدأ وكل شيء سيكون على ما يرام. ولا يشعران بمن يراقبهما وهما في تلك الحالة. ألا وهو ياسين المغربي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!