الخاتمة "براء! كانت تصرخ بهيستيريا وهي ترى جثة زوجها تحترق أمامها وما يمنعها من الدخول هو الحرس الذين يبكون أيضًا عليه. أثناء صراخها وانهيارها، شعرت بمياه تخرج من أسفلها، ارتجف جسدها وهي تنظر للمياه، رفعت رأسها لتنظر إلى جثة زوجها المحترقة بالداخل. مريم بهمس: "ياسين."
رددت اسمه وبعدها خارت قواها. أما عماد كانت الدموع تهبط من مقلتيه دون توقف وهو ينظر للقصر الذي التهمته النيران بالكامل، يشعر بعدم تصديق لما حدث وما رآه. لقد مات ياسين! مات طفله العزيز مرة أخرى، ولكن ذلك مختلف، لقد مات طفله الذي ظل معه حوالي ثلاثين عامًا، رحل عنه ولن يعود!
كان عماد في صدمة من موت ياسين، كان في مرحلة عدم التصديق، ينظر للنيران ولا يتحدث، كل ما يراه أمامه هو احتراق جثة ابنه العزيز، ولم ينتبه لسقوط مريم أرضًا. وصلت سيارات الإطفاء وخلفها الإسعاف، تم إطفاء النيران بالكامل ولكن بعد أن احترق كل شيء مع الأسف، وحمل المسعفون مريم وأخذوا عماد ليطمئنوا على صحته بالمشفى وأيضًا باقي الأشخاص الناجون من الحريق. وصلت مريم للمشفى وهي غائبة عن الوعي وقام الأطباء بفحصها، وجدوا أنها في
المخاض لأن المياه التي تحيط الجنين قد نزلت بالكامل، جهزوا غرفة العمليات وبدأت عملية ولادتها. كان عماد موصولًا بالأجهزة في غرفته بالمشفى يبكي وهو يتذكر كيف احترق ياسين أمامه، لا يستطيع أن يصدق ذلك المشهد أبدًا، يشعر أنه في كابوس، يشعر أن قلبه يحترق لوفاة طفله.
عماد ببكاء: "يا رب صبرني وصبرها إحنا ما كانش لينا غيره من بعدك." تذكر حديثه اليوم مع ياسين قبل وفاته بعدة ساعات. بعد أن أغلق المكالمة الهاتفية مع مريم بعدما رفضت العودة تفاجأ بياسين يدخل لغرفته. عماد بتعجب لدخوله الغرفة: "نعم؟ في حاجة؟ ياسين بابتسامة هادئة: "ممكن نتكلم شوية؟
نظر له عماد باستفسار واعتبر ياسين صمته هو الموافقة. جلس ياسين على فراش عماد الذي اقترب منه بالمقابل بكرسيه المتحرك. كان ياسين ينظر أرضًا بملامح هادئة، انتبه عندما اقترب عماد منه. عماد: "كنت عايز تقول إيه؟ ابتسم ياسين بهدوء وتعجب عماد من ابتسامته. أمسك ياسين بيده وضغط عليها برفق.
ياسين: "أنا ما بعرفش أعبر عن مشاعري، بس كل اللي أقدر أقوله ليك، شكرًا إنك دخلتني بيتك، وشكرًا كمان إنك علمتني وصبرت عليا، شكرًا ليك يا عماد، أنا عارف إني ما كنتش الابن اللي تتمناه، بس أنا ممنون ليك على اللي أنت عملته عشاني، مش عايزك تزعل مني في يوم من الأيام على أي حاجة فاتت، أنا أكيد ما كانش قصدي أأذيك." كان عماد يستمع لحديثه متعجبًا. منذ متى ياسين يتحدث هكذا؟ هل هناك خطب ما؟ عماد: "أنت كويس؟
ياسين بابتسامة: "أنا بخير." عماد باستفسار وعدم استيعاب: "طب أنت بتقول الكلام ده ليه؟ أنا ما اتعودتش منك على كده، أنت مش ياسين اللي أنا أعرفه." ياسين بابتسامة: "كل اللي عايزك تعرفه إني بخير يا عماد، شكرًا ليك مرة تانية." صمت قليلًا يبحث عن الكلمات ولكنه تفاجأ من تحدث عماد. عماد: "أنا اللي آسف." نظر له ياسين باستفسار. شعر عماد أن دموعه ستهبط من مقلتيه.
عماد باستئناف: "أنا آسف عشان أنا سيبتك تضيع، آسف عشان حاجات كتير انا ما كنتش قدها وهو إني أكون الأب المناسب ليك، أنا بس كنت خايف يا ياسين، كنت خايف على مراتي وعلى نفسي وبيتي." هبطت الدموع من مقلتيه. "ونسيت إن أنت من أهل بيتي، نسيت إنك أنت الابن اللي دخلت بيه على مراتي، الابن اللي كان ماسك في إيدي جامد كإني مصدر حماية ليه، أنا آسف إني خذلتك، آسف إني ما وقفتش جنبك. أنا كنت فاكرك بتتدلع عليا لما لقيت سلوكك مش مظبوط،
قولت طيش شباب، بس ما كانش في دماغي خالص إنك محتاج مساعدتي يا ياسين. أنا كنت متوقع إنك خلاص عديت الصدمة دي ونسيتها، بس مع الأسف اكتشفت ده بعد فوات الأوان بعد ما أنت قتلت جمال. أنا ما حطتش نفسي مكانك، أنا كنت أناني. أتمنى إنك تسامحني يا ابني، أتمنى إنك تسامحني ونبدأ صفحة جديدة سوا."
ابتسم ياسين وهز رأسه موافقًا لحديثه، اقترب عماد قليلًا منه وقام بضمه. عماد: "سامحني يا ابني." ابتعد ياسين عنه وابتسم بحزن. ياسين: "أتمنى إنك أنت اللي تسامحني." عماد: "أنا مسامحك يا ابني، مسامحك ومهما تعمل عمري ما أزعل منك أبدًا." ياسين: "ممكن أطلب منك طلب؟ عماد بلهفة: "اطلب أي حاجة يا ياسين لو بإيدي أجيب لك النجوم اللي في السماء كنت جبتها لك يا ابني." ياسين بابتسامة هادئة: "محتاجك تبقى مع مريم دائمًا."
حرك عماد رأسه باستفسار. ياسين باستئناف لحديثه: "مريم حبها ليا قوي شوية، فمحتاجك تفضل معاها وتقويها وتساعدها وتسندها، على الأقل تعوض اللي أنت ما عرفتش تعمله معايا وأنا صغير، ساعدها هي مكاني، هي محتاجاك أكثر مني." عماد بعدم فهم: "مش فاهم تقصد إيه؟ وبعدين مريم ما لهاش غيرك بعد ربنا." حاول ياسين أن يخفي حزنه الذي يكبر بداخله شيئًا فشيئًا حتى التمعت عيناه. ياسين: "وصيتي ليك مريم وابني."
عماد بعدم فهم: "أنت بتقول الكلام ده ليه؟ أنت رايح فين؟ ياسين بابتسامة: "مش رايح في مكان، أنا بس كنت حابب إني أتكلم معاك شوية، وأظن إني خلصت كلامي، تصبح على خير." استقام من فراشه وتركه في الغرفة وحده في حيرة من أمره. لماذا كان يتحدث ياسين هكذا؟
في الآونة الأخيرة قد اختفى ياسين وظل بغرفته، وذلك ما علمه من الخدم ولم يدرِ ما السبب حيث أن الحديث بينه وبين ياسين كان قليلًا. برر عماد حديثه ذلك على أنه حزين لترك زوجته إياه ولم تعد حتى الآن. في الوقت الحالي:
كان عماد يبكي بشدة عندما تذكر حديثهما. كان ياسين يقوم بتوديعه، كان يعلم أنه سيموت. لو كان يعلم أنه سيتحدث معه لآخر مرة كان سيقوم بإخباره العديد من الأشياء، كان سيقوم بالتوضيح له كم أنه يحبه كثيرًا. هو ابنه، حتى وإن لم يكن والده الحقيقي، ولكنه عاش معه لما يقرب نص عمره تقريبًا. ظل يبكي بحسرة وندم على ما فاته في حياته مع ياسين، ويتمنى الآن أن يعود لكي يقوم بتعويضه عما عاشه سابقًا، ولكن كيف سيعود؟
لقد مات وذهب إلى خالقه. ظل عماد يبكي بحسرة على فقدانه ابنه العزيز على قلبه حتى وإن أظهر له الكره يومًا فكل ذلك من وراء قلبه. حل الصباح بعد ساعات من موت ياسين وبدأت الصحف والجرائد تعلن عن خبر اليوم "حريق بقصر ياسين المغربي والذي كان أحد ضحايا ذلك الحريق". كان خبر محزن ومفجع للبعض ومفرح للبعض الآخر، فبموت ياسين المغربي يكون لهم فرصة في النجاح في الصفقات التي انضم لها ياسين قبل موته. كانت مريم نائمة بسريرها بالمشفى تحلم بزوجها الذي ينبض قلبها باسمه. نائمة على ركبتيه في حديقة مليئة بالأزهار، يلعب بشعرها الأسود المموج وهي نائمة. قامت بفتح عينيها ونظرت في عينيه مباشرة.
ياسين باستفسار: "كل ده نوم؟ مريم: "أنا حلمت حلم وحش أوي، بس كويس إنك موجود جنبي ومعايا، ما تبعدش عني أبدًا، أنا ما صدقت إن إحنا بقينا سوا من غير أي قيود." ابتسم بهدوء ثم أردف. ياسين: "كنت بتمنى إنك تكوني سعيدة معايا، بس أنا للأسف ما قدرتش أسعدك." اعتدلت مريم في جلستها ونظرت في عمق عينيه. مريم: "أنا سعيدة طول ما أنت معايا وجنبي، المهم إنك ما تسيبنيش." ياسين: "أنا آسف يا مريم."
هبطت الدموع من مقلتيها ولا تدري ما السبب. ولكنها تفاجأت باختفائه واستيقظت من حلمها والدموع تهبط من مقلتيها ووجدت نفسها بغرفة بيضاء والأجهزة موصولة بجسدها وتشعر بألم لا تدري ما سببه. نظرت لبطنها والذي قل انتفاخه قليلًا. وهنا أدركت شيئًا واحدًا. لقد كان كل ما عاشته حقيقة وأن ياسين قد مات!
هزت رأسها بهيستيريا لا يجب أن يكون ذلك حقيقيًا. هي بداخل كابوس بالتأكيد. حاولت أن تعتدل في الفراش ولكنها شعرت بألم شديد مكانه أسفل بطنها. وفي ذات الوقت دلفت بعض الممرضات للغرفة ليجدوها على حالتها تلك. تحدثت إحدى الممرضات. الممرضة الأولى: "براحة، أنتِ لسه والدة، وجرح الولادة القيصري تاعبك، ما تقلقيش كلها أسبوع وهتبقي أحسن." نظرت لهم مريم بتيه وكادت أن تتحدث. تحدثت ممرضة أخرى.
الممرضة الثانية: "البيبي هنجيبه ليكي في خلال ساعة إحنا بس بنطمن عليه." هزت مريم رأسها بنفي وهي تنظر لهم. مريم: "أنا عايزة جوزي. ياسين. هو فين؟ تحولت ملامحهم للحزن لا يدرون كيف يخبرونها أن ياسين المغربي قد توفى. حيث أن الحزن خيم على المشفى منذ أن علموا بالخبر. يبدو أنها لا تصدق أنه مات وهي بالتأكيد حضرت ذلك الحادث الأليم الذي تتحدث عنه كل القنوات الإخبارية في الوقت الحالي. انتفضوا على إثر صراخها.
مريم بصراخ: "ردوا عليا ساكتين ليه؟ ياسين فين؟! ظلت تبكي وهي تنظر إليهن لعل واحدة منهن تجيبها وتنفي ما رأته هي. ولكنها انهارت أكثر عندما تحدثت الممرضة بأسف. الممرضة الأولى بحزن: "البقاء لله، ياسين بيه توفى وجثته في المشرحة." تمزق قلبها وبكت بشدة عندما سمعت تلك الجملة. لقد مات!!! تركها وحيدة في ذلك العالم المخيف، تركها كما تركتها عائلتها. صرخت باسمه ببكاء وحاولت الممرضات أن يقمن بإعطائها مهدئ لكي تهدأ ولكنها رفضت.
مريم ببكاء: "لا. لا. أنا عايزة أشوفه، محتاجة أشوفه." نظرت الممرضات لبعضهن ولكنهن صمتن. مريم ببكاء: "ساكتين ليه؟ أنا محتاجة أشوفه، أرجوكم، محتاجة أشوف جوزي. أودعه."
اقتربن يساعدنها في الوقوف وأتت إحداهن بكرسي متحرك لها. جلست عليه وأمسكت إحداهما بمقبض الكرسي تحركه في اتجاه غرفة التشريح. دخلت الغرفة والتي كان بداخلها جثتين مغطتان بملاءة بيضاء. نظر طبيب المشرحة نحو زوجة مالك المشفى بحزن ثم أزاح الغطاء الأبيض عن وجه جثة ياسين. ثم خرج وخرجت خلفه الممرضات، وتركن مريم بالغرفة وحدها. حركت الكرسي نحو جثته، وهنا رأته، وجهه به بعض الجروح ولكنها أكيد ستُشفى صحيح؟
مدت يدها نحو الجهة غير المحترقة في وجهه، وبدأت بالبكاء لتستوعب أنه مات بالفعل! مدت يدها أسفل الغطاء وأمسكت بيده المحترقة تُقبلها وهي تبكي، كانت يده سوداء كالفحم، فما بال باقي جسده؟ انهارت من البكاء ثم نظرت إليه وبدأت بالتحدث. مريم ببكاء: "ليه؟ ليه تسيبني لوحدي؟ أنا قولتلك قبل كده إني بحبك وإني ماليش غيرك، فليه تعمل معايا أنا كده؟!
أنا حبيتك من كل قلبي يا ياسين. حبيتك من صِغري من غير ما أعرفك. قلبي اتعلق بأمل وهو إني هقابلك في يوم من الأيام. قلبي اتعلق بيك إنت. أنا عارفة إن في مشاكل واجهتنا كتير بس إحنا كنا قدها، أنا آه كنت بزعل بس لا. إحنا كنا بنرجع. والمفروض نرجع دلوقتي صح؟!
يعني أنا وإنت لسه كنا متصالحين سوا من كام ساعة، المفروض دلوقتي إني أكون في حضنك ومايبقاش ده حالي. المفروض إننا نكون بنضحك سوا على الأقل. نخلق السعادة الخاصة بينا إحنا. السعادة اللي أنا وإنت لسه ماعشنهاش. كان بإيدينا إن إحنا نكوِّن عيلة جميلة بس أنا غلطانة. أنا اللي كنت بزعل منك وببعد دايمًا. بس أنا ندمانة وبتمنى إنك تسامحني. بتمنى إني ماكنتش غبت عنك الشهور دي كلها. بتمنى إني عشت معاك كل اللي فاتنا. إحنا قصتنا لسه
ماتكتبتش يا ياسين. إحنا قصتنا كانت بداية سطورها عبارة عن لحظات وياريتها لحظات سعيدة. كانت لحظات مؤلمة لينا إحنا الاتنين. كان المفروض إحنا نعمل لحظات سعيدة لينا إحنا. أنا كنت مستعدة إني أعيش معاك تحت أي ظرف. المهم إنك تكون جنبي. أنا ببعدي عنك اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك يا حبيبي، عشان كده رجعت قبل ما تموت بدقايق. رجعت وأنا قلبي واجعني عليك وماقدرش على بُعدك. أنا آسفة. أنا محتاجاك تسامحني. وأنا مسامحاك وهفضل أحبك
عمري كله. هفضل دايمًا أفكر فيك. هتفضل دايمًا شاغل بالي وتفكيري. هتفضل إنت الحبيب الأول والأخير. إنت كل حياتي يا ياسين. ومن غيرك حياتي مالهاش أي معنى. أنا من بعدك بقيت يتيمة خلاص. من بعدك مابقتش عارفة أنا عايشة ليه؟
أنا مش عارفة أعمل إيه؟! هعيش إزاي من بعدك؟! كنت بتمنى أعيش معاك لحظات زيادة. كنت بتمنى إني أحضنك أكتر قبل ما تموت يا حبيبي." اقتربت بوجهها من وجهه وقبلت شفتيه قُبلة سطحية. مريم ببكاء: "أنا بحبك." ملست على الجهة غير المحترقة. مريم: "هتوحشني، وهفضل أتمنى أشوفك في أحلامي زي ما كان بيحصل من قبل ما أقابلك. هتفضل إنت ملك كل أحلامي."
قبلت يده مرة أخرى وأعادتها حيث كانت وقامت بتغطية وجهه وبكت بشدة لفعلها ذلك. تتمنى أن يحتضنها ياسين في تلك اللحظة ليقوم بتهدئتها ولكنه لم يعد موجودًا. بكت أكثر بسبب ذلك. نظرت لجثته القابعة أسفل الغطاء وتتمنى لو تنام بأحضانه لكي تطمئن وتهدأ قليلًا. مدت جسدها قليلًا للأمام وأسندت رأسها على صدره لعلها تطمئن وقد اطمأنت وغطت في نوم عميق متناسية أنها بمشرحة الجثث. بعد مرور وقت ليس بقصير، دخل الطبيب لغرفة المشرحة ووجدها نائمة مستندة برأسها على صدر زوجها لقد كان مظهرها يمزق قلب من ينظر إليها. قرر الطبيب أن يقوم بإيقاظها.
الطبيب: "مدام مريم." كانت نائمة بهدوء واطمئنان ولا تشعر بأي شيء حولها. اقترب الطبيب أكثر ووضع يده على كتفها. الطبيب: "مدام. اصحي." قامت مريم بفتح عينيها بنعاس وهي تنظر للطبيب الذي أردف بهدوء. الطبيب: "حضرتك نمتي هنا. وماينفعش تنامي في مكان زي ده." نظرت حولها لتستوعب أنها في مشرحة الجثث. هزت رأسها وقامت بسؤاله. مريم: "ياسين كان المفروض بيخرج من القصر وقتها إيه اللي حصله خلاه يقع عشان يتحرق."
قالت تلك الكلمة بصعوبة وهي تنظر للطبيب الذي يشعر بالأسف على حالها. أجاب الطبيب على سؤالها. الطبيب: "ياسين بيه مات قبل ما يتحرق. استنشق كتير من سموم دخان النار وده اللي خلاه فقد التنفس ووقع."
أغمضت عينيها وذرفت الدموع مرة أخرى حزنًا على وفاته. قام الطبيب بالمناداة على الممرضات ليأخذوها إلى غرفتها. بعد مرور وقت قصير كانت تجلس بسريرها الصغير تبكي على وفاته. لا تصدق أنها ستعيش يومًا وهي تعلم أنهما لن يتقابلا مجددًا. كانت دائمًا في كل وقت وحين تثق تمام الثقة أنهما سيتقابلان وستتشاجر معه، لكن الآن ذلك لن يحدث مطلقًا. انتبهت على دخول إحدى الممرضات وهي تقوم بجَرّ سرير صغير أمامها. الممرضة: "اتفضلي، ابنك أهو."
نظرت مريم للمولود النائم بالفراش وهنا شعرت بشيء غريب. دق قلبها بشدة عندما رأته كما كان يدُقُّ عندما تنظر في عيني زوجها. شعرت أن ياسين لم يبتعد عنها. اقتربت مريم نحوه بهدوء وحملته بين يديها. لقد كان صغيرًا جدًا. لا تدري ما سر الراحة العجيبة التي شعرت بها وهي تحمله كأن ياسين موجود معها في تلك الغرفة. نظرت حولها ولكنه غير موجود ولكنها تشعر بوجوده بداخلها. استيقظ الطفل الصغير وفتح عينيه السوداوين الشبيهة بأعين والده وهنا ابتسمت مريم وهبطت الدموع من مقلتيها وهي تنظر في عمق عينيه. انتبهت عندما تحدثت الممرضة.
الممرضة: "بسم الله ما شاء الله. زي القمر. قررتي تسميه إيه؟ ابتسمت مريم وهي تنظر في عينيه البريئتين. مريم: "براء. هسميه براء." الممرضة: "اسم على مسمى، ربنا يباركلك فيه." مريم: "آمين." عادت لتنظر في أعين طفلها الهادئ وقامت بتقبيل مقدمة رأسه وابتسمت له مرة أخرى. مريم بهمس: "براء ياسين المغربي."
انتبهت لصوت باب غرفتها الذي يُفتح ووجدت عماد يدخل الغرفة بكرسي متحرك تجره إحدى الممرضات. كان عماد يبكي وهو ينظر لمريم ولكنه انتبه للطفل الذي تحمله بين يديها. مريم بابتسامة: "عماد. تعالى شوف براء." اقترب عماد أكثر وحمل الطفل بين يديه ونظر له وابتسم وهو يبكي. عماد: "واخد عيون باباه، وملامحه. تقريبًا واخد كل حاجة."
هزت مريم رأسها وهي تبكي. قبل عماد مقدمة رأس براء ونظر له بأمل. الآن قد فهم حديث ياسين. كان يُخبره أن يفعل مع ابنه ما لم يفعله معه. لقد رزقه الله بـ "براء" آخر ليعوضه عما لم يفعله مع والده. سيكون له الجد الحكيم المُحِبُّ لهُ كثيرًا. خرجت مريم ومعها عماد وطفلها من المشفى وقاما بتحضير جنازة ياسين والتي كانت جنازة مُهيبة حضرها أغلب رجال الأعمال الذين كانوا يجتمعون معه دائمًا وأيضًا حضرها الصحافة وأغلب الشخصيات المهمة ذات
المنصب العالي بالبلد. وحضرها أيضًا مؤسسي ومدراء بعض الجمعيات الخيرية وأيضًا بعض المشايخ المعروفين مما زاد تعجب مريم وعماد أكثر. وبعد مرور أسبوع على جنازة ياسين، كانت أشرقت تنظر لمريم بحزن وهي تحمل براء بين يديها تُطعمه لأن الحزن لم ولن يرحل عن صديقتها أبدًا.
أشرقت: "محتاجة أساعدك في حاجة يا مريم؟ هزت مريم رأسها بالنفي وهي تُطعم ابنها. أشرقت: "مش هتيجي طيب تقعدي معايا اليومين دول؟ ولو كده عماد برده ييجي معاكي." مريم وهي تنظر إليها: "لا، أنا حابة أقعد هنا."
نظرت مريم حولها، فقد عادت لشقتها التي كانت تقطن بها للإيجار أثناء فراقهم هي وياسين في المرة الأولى. والتي علمت بعد ذلك أنها مُلكه منذ البداية. ابتسمت على ذكراها تلك، فقد كان هناك بعض الذكريات بينها وبين ياسين في تلك الشقة. عندما قام بحبسها في غرفتها لكي لا تخرج وتُخبرُ الشرطة أنه قاتل. وأيضًا عندما قام بإعداد الطعام لها في ذلك اليوم. كم تتمنى أن تعود تلك الأيام مرة أخرى. تتمنى لو يعود ويصنعان ذكريات جديدة سويًا. هبطت الدموع من مقلتيها وانتبهت لطفلها الذي قد انتهى من تناول الطعام ولم يَعُد جائعًا، ظل ينظر لها بعينيه السوداوين الناعستين حتى استسلم للنوم.
أشرقت: "مريم أنا مقدرة إنك تعبانة نفسيًا. بس إنتي محتاجة تغيري جو و... قطع حديثها صوت دقات على باب الشقة. تنهدت أشرقت واستقامت من مقعدها وذهبت لتفتح الباب لتُفاجأ برجل أربعيني يقف قبالتها يرتدي حُلّة سوداء ويحمل بيده حقيبة سوداء ضخمة. أشرقت باستفسار: "مين حضرتك؟ المحامي: "أنا محامي ياسين بيه الله يرحمه، أنا كنت جاي لمدام مريم، هي موجودة؟ أشرقت: "لحظة." تركته أشرقت وعادت لمريم.
أشرقت: "في حد بره بيقول إنه محامي جوزك، أدخله؟ هزت مريم رأسها واعتدلت. عادت أشرقت للرجل مرة أخرى. أشرقت: "اتفضل." دلف الرجل للشقة ونظر لمريم التي تقف وهي تحمل طفلها الرضيع بين يديها. اتجه المحامي نحوها بابتسامة رسمية. المحامي: "صباح الخير يا مدام، أنا صلاح محامي ياسين بيه المغربي. أنا جاي لحضرتك عشان أتكلم في الوصية بس طبعًا هحتاج عماد بيه يكون موجود." مريم: "حاضر. *نظرت لأشرقت* معلش ممكن تجيبي عماد؟
هزت أشرقت رأسها وذهبت لغرفة عماد الذي يجلس على كرسيه المتحرك وينظر للنافذة بشرود. مريم لصلاح: "اتفضل." جلس صلاح وجلست مريم هي الأخرى قبالته وعادت أشرقت وهي تجر كرسي عماد أمامها. عماد لصلاح: "أهلًا بحضرتك. اتفضل." أخرج صلاح بعض الأوراق من الحقيبة السوداء الضخمة والتي حتى الآن لا يعرفون سبب ضخامتها تلك. فهو يحمل أوراقًا قليلة فقط.
صلاح بتنهيدة: "طبعًا كل حد فيكم ليه نصيب ياسين بيه حدده قبل ما يتوفى وده طبعًا من خلال وصية هو كتبها بإيده قبل ما يموت بأيام. نبدأ ونقول بسم الله." نظر صلاح للورقة التي بيده وبدأ بالتحدث.
صلاح: "أوصي أنا. ياسين المغربي بعد وفاتي أن ترحل كل أموالي وممتلكاتي إلى كُلٍّ من. والدي عماد الرجل الذي آواني في بيته وزوجتي وحبيبة قلبي مريم أحمد سعيد هنداوي. *هبطت الدموع من مقلتيها عندما سمعت حديثه عنها في الوصية* وولدي العزيز الذي يحمل اسمي. على أن تكون الممتلكات بينهم مقسمة بنسبة متساوية وهي خمسة وعشرون بالمائة لكل من والدي وزوجتي أما بالنسبة لابني فهو يرث الباقي أي خمسون بالمائة من تركتي. وأملاكي عبارة عن...
قصرين بالقاهرة وفيلا بالإسكندرية وشركتي الأم بفروعها الأربعة ودار أيتام ومشفى خيري وجراج ملئ بالسيارات. أما بالنسبة للمشفى الخاص فهي لم تعد ملكي حيث قمت بكتابتها على اسم زوجتي العزيزة، حيث أنها مالكة المشفى قبل أن يتوفاني الله. ادعوا لي وسامحوني وكونوا على علم أني أحبكم جميعًا. أغلق صلاح الوصية ونظر لمريم وعماد اللذان يبكيان وتحدث بهدوء:
"ياسين بيه حاول يطبق العدل في الوصية، أي نعم حضرتك يا أستاذ عماد مش والده الحقيقي لكنه اعتبرك كده لإنك أنت اللي ربيته." نظر لمريم التي تنظر له في المقابل وهي تبكي:
"في بس ملحوظة حابب أتكلم فيها، طبعًا القصر اللي كنتوا فيه اتحرق بس المكان نفسه لسه موجود فطبعًا مش هنستبعده من الوصية. بالنسبة لدار الأيتام والمستشفى الخيرية، المنشأتين دول بياخدوا 50% من الأرباح السنوية بتاعة المستشفى الخاصة والشركة وياسين بيه كان دايمًا حريص على كده وبما إن المستشفى باقت بتاعة حضرتك فأعتقد كده هياخدوا فلوس بس من الشركة و... قاطعته مريم:
"زي ما احنا، نص أرباح المستشفى هتروح للمنشآت الخيرية دي، ما فيش حاجة هتتغير." صلاح بابتسامة: "شكرًا ليكي، ياسين بيه كان عارف إنك هتعملي كده، وعمومًا وقت ما تحتاجي حاجة أنا موجود تقدري ترجعيلي في أي وقت وده رقمي." أعطاها رقم هاتفه ثم تنهد ونظر للحقيبة. صلاح لمريم: "قبل ما أمشي، في حاجة أخيرة ياسين بيه كان سايبها لحضرتك." تابعته مريم بأعينها وهو يقرب الحقيبة السوداء الضخمة نحوها. صلاح:
"الشنطة دي خاصة بياسين بيه، كل محتوياتها باقت بتاعتك خلاص." اعتدل صلاح وتنهد بعمق وقام بضبط سترة حلته. صلاح: "أستأذن أنا عشان متأخر." أشرقت: "طب الشاي طيب؟ حضرتك ما شربتش حاجة." صلاح بابتسامة: "وقت تاني إن شاء الله." مريم بهدوء وهي تتدخل: "ما يصحش، حضرتك اتفضل اشرب حاجة قبل ما تمشي." صلاح باعتذار: "أنا آسف، بس أنا فعلًا متأخر ورايا ميعاد في المحكمة دلوقتي." مريم بتنهيدة: "تمام، ما فيش مشكلة." وجهت حديثها لأشرقت:
"معلش يا روحي وصليه عند الباب." صلاح: "ما فيش داعي." أشرقت: "لا اسمح لي." هز صلاح رأسه وتبع أشرقت للباب. أشرقت بابتسامة وهي تقوم بفتح الباب: "نورتنا يا متر." صلاح بابتسامة: "ده نورك يا... عقد حاجبيه باستفسار: "اسمك إيه؟ أشرقت بابتسامة: "اسمي أشرقت." صلاح وهو ينظر في عمق عينيها: "اسمك جميل يا أشرقت." تاهت في عمق عينيه هي الأخرى وظلت هكذا للحظات ولكنه صلاح استفاق على صوت رنين هاتفه. صلاح بحمحمة:
"بعتذر جدًا، مضطر أمشي، شكرًا ليكي." خرج من الشقة أما هي نظرت في خطاه ولكنها تفاجأت بمن وقف أمامها وهو أحد رجال ياسين. أشرقت: "أفندم؟ الرجل: "جاي لمريم هانم." أشرقت: "اتفضل." دلف الرجل للداخل ونظرت له مريم باستفسار. الرجل:
"إحنا تابعنا موضوع الرجالة اللي ساعدوا الدكتور طارق في إنهم يحرقوا القصر وخلاص هما اتسجنوا. بالنسبة لأخت الدكتور بلقيس هانم، انهارت في عزا أخوها واتنقلت لمصحة نفسية وعينا دكتورة نفسية ترعاها، أي حاجة تؤمريني بيها تاني؟ تنهدت مريم ثم ابتسمت له: "خلاص كده، ده آخر يوم ليكم معايا." الرجل: "بس إحنا على عهدنا مع ياسين بيه إننا هنفضل معاه دايمًا وهنحمي اللي بيهتم بيهم." مريم: "وإنتم كده عملتوا اللي عليكم وزيادة شكرًا ليكم."
نظر لها الرجل بتشتت، حاولت أن تقوم بالتوضيح وفي ذات الوقت تخفي حزنها. مريم: "ياسين خلاص مات، ومع موته خلاص العهد انتهى. تقدروا كل واحد يعيش حياته ويشوف وظيفة تانية أحسن من دي بكتير. تقدروا تعيشوا مرتاحين من غير أعباء على أكتافكم. أنا عارفة إن شغلكم ما كانش سهل، بس حان وقت الراحة. كل واحد يشوف الشغلانة اللي تناسبه، بلغ كل الحرس إن خلاص ياسين المغربي مات ما بقاش في داعي إنهم يكونوا موجودين."
هز الرجل رأسه لها بحزن ورحل. أما هي تنهدت بإرهاق وحزن. أشرقت: "بتقطعي أكل عيش الناس ليه؟ مريم: "لازم كل واحد فيهم يشوف وظيفة تانية أحسن من دي، وأكيد أنا مش محتاجة حراسة وكل واحد هييجي وقته." هبطت الدموع من مقلتيها: "زي ما ياسين جه وقته وما حدش عرف ينقذه." قامت أشرقت بضمها بقوة تربت على ظهرها بحنو. أشرقت: "راح للي أحسن مني ومنك ما تزعليش يا مريم، هو أكيد في مكان أحسن من هنا." مريم ببكاء: "أتمنى."
استفاقت مريم على صوت بكاء طفلها. استدارت للخلف ووجدت عماد يحاول تهدئته ولكنه لم يستطع. مريم لعماد: "تلاقيه جعان تاني، هأكله."
توجهت بنظرها نحو حقيبة ياسين السوداء ولكنها انتبهت لطفلها الصغير وأخذته من يدي عماد لتحمله بين يديها. أما بالنسبة لأشرقت فقد ساعدت عماد ليعود إلى غرفته لأنه يشعر بالإرهاق قليلًا. جلست تطعم طفلها مرة أخرى وهي تنظر للحقيبة السوداء بفضول. وبعد أن انتهت ونام طفلها مرة أخرى وضعته بالأريكة وقامت بفتح الحقيبة. وجدت بها عددًا كبيرًا من الدفاتر السوداء، تذكرت في تلك اللحظة أنها قد دخلت غرفة مكتبه ووجدته يدون شيئًا في دفتر أسود اللون. قررت أن تحمل دفترًا من بينهم وتقرأ ما به. فتحت الصفحة الأولى وهبطت الدموع من مقلتيها عندما رأت خط يده الذي تحفظه جيدًا عن ظهر قلب. بدأت بقراءة سطور الدفتر الأولى.
"تلك الفتاة التي أنقذتها من حافة الطريق المظلم، اتضح أنها أخصائية نفسية، عندما كنت أتحدث معها في يوم ما في المشفى وأعرض عليها أن تبدأ من جديد وسأساعدها بامتلاكها شقة. وقتها سألت عن إصراري في مساعدتي إياها؟
أنا وقتها لم أكن أعلم السبب، ولكن كل ما رأيته في مخيلتي هي والدتي، والدتي التي اغتصبت أمام عيني. رأت تلك الفتاة والتي تدعى سارة الحزن في عيني وعلمت أني أخفي الكثير بداخلي. وأخبرتني بشيء هو أن أدون كل ما أشعر به وكل ما أعيش في دفتر. وقد ساعدني ذلك قليلًا. أردت أن أشكرها على ذلك فقمت بشراء شقة لها وتوالت زياراتي لها لأجعلها تساعدني في حالتي دون أن تعلم أنها تساعد مريضًا نفسيًا يريد العلاج وذلك من خلال حديثنا المستمر عن
الحياة وكيف أنها تخطت حزنها فيما حدث لها. ظللت أقوم بزيارتها باستمرار حتى وقعنا في الخطأ دون أن نقصد، فهي كانت تبكي لما فعلناه وكانت تخبرني أن أتركها وشأنها، ولكن أنا لا أقبل بذلك مطلقًا. لذلك قررت أن أمنحها فرصة وأمنح نفسي فرصة أيضًا، سأقوم بشراء خاتم لها لكي أتزوجها...
قلبت مريم صفحات الدفتر وهي تقرأ عن قصة ياسين وأختها ورأت ذاك التاريخ، يوم موت أختها ووالدتها. "كنت أجلس في سيارتي أنظر لذلك الخاتم الماسي الرائع الموجود في علبته وذلك بعد أن قمت باختياره بعناية. ولكني انتبهت على صوت وصول رسالة على هاتفي. وتفاجأت بتلك الرسالة فقد كانت عبارة عن تسجيل صوتي. ولكن! كان بصوتها هي، وهي تخبرهم أنها ستساعدهم على قتلي. شعرت بأنني أحمق. لقد تم خداعي من قبل تلك الفتاة!
الفتاة التي رأيت فيها أمي والتي مع الأسف لم أعد أراها بها الآن. ما كانت والدتي ستخون والدي بهذا الشكل... قلبت مريم بالصفحات حتى توقفت على تلك الجملة. "لا أحد يستحق الثقة، حتى السيدات."
تركت مريم ذلك الدفتر وحملت دفترًا آخر وكان ياسين يحكي به عن قتله لبعض رجال الأعمال بسبب أنه رأى جمال بهم. قرأت دفتر يليه دفتر آخر دون أن تنتبه للوقت الذي يمضي ولم تشعر حتى أن أشرقت قد خرجت من الشقة ظلت هكذا حتى توقفت عند دفتر جعلها تبكي.
"لم يشعر بي أحد، جميعهم ظلموني. كنت وحيدًا منذ طفولتي وما زلت وحيدًا، لم يشعر بي عماد وزوجته. كل ما كانا يريدانه هو أن يعود طفلهم مرة أخرى. لم يروا صراخي ولا طلبي لنجدتهم. لم يروا أي شيء، حتى تصرفاتي لم تعجبهم لأنهم يصدقون أن ابنهم الراحل لن يفعل تلك التصرفات أبدًا. لم يروا ولم يفهموا أني شخص آخر مختلف عنه." نظرت مريم لدفتر آخر.
"أريد تحقيق العدالة التي لم تعد موجودة. أريد أن يخاف الظالم ويعلم أن دوره سيأتي يومًا ما، لا أريد أن يحدث مثلما حدث معي. فقد جعل جمال الشرطة تتكتم عن مقتل والدي وأظهروا أنه حادث. تلك المدينة يملؤها رجال فاسدون يجب إنهاؤهم كي لا يتكرر ما حدث معي مع أحد آخر... أغلقت مريم الدفتر وقامت بفتح دفتر آخر. "رأيتها!
رأيت شبيهتها اليوم، أو بمعنى آخر رأيت أختها. تلك الطبيبة الصغيرة. حينما رأيتها قد تأكلني شعور بالذنب ولا أدري ما السبب. وعندما علمت أنها أختها تيقنت أن نهايتي ستكون على يدها. لم أستطع أن أفسر سبب غضبي عليها في أول يوم رأيتها به، ولكني أعتقد أن السبب كان شعوري بالذنب نحوها، أنني قتلت أختها. وأيضًا علمت أنها الفتاة التي حضرت أول يوم أكون به قاتل. تلك الفتاة الصغيرة التي لم تكبر حتى الآن بالنسبة إلي. عندما علمت من هي ظللت أراها طفلة بعمرها العشر سنوات...
كانت تبكي وهي تقرأ كلماته عنها. "علمت الآن أني أشعر بالذنب لأني أنا السبب في كل ما حدث لها. لقد رأيتها اليوم تبكي بسبب ذلك الطبيب قريب طارق. تمسكت بسترتي تترجاني أن أساعدها في الاختفاء من أمام عينيه. لم أفهم سبب خضوعي وموافقتي لها ولكني كنت أتمنى لو مساعدتي لها تغفر لي ما فعلته بها قبلًا. فقد أقسمت أن أقوم بإسعادها منذ أن رأيتها تعويضًا عما فعلته بها... قلبت الصفحات قليلًا في ذلك الدفتر.
"تلك الطبيبة قاطعت اجتماعًا يساوي ملايين لكي تخبرني فقط أن عماد يحتاج إلى طبيب نفسي. ولكنني لم أحزن بسبب مقاطعتها إياه فقد اشتقت لرؤيتها ولكني كنت أتهرب من ذلك الشعور بغيابي الدائم والمستمر عن القصر." لأنني كنت أقع بحبها دون أن أشعر. قلبت بعض الصفحات بالدفتر.
اليوم كانت أجمل فتاة رأتها عيناي وهي ترتدي ذلك الثوب الأحمر في الحفل السنوي الخاص بالمشفى. إني أقع بها دون وعي مني ولكني شعرت بالضيق عندما رأيت ذلك الطبيب يمسك بذراعها كأنها ملكه، لا يعلم أنها ملكي أنا منذ البداية. ابتسمت وهي تقرأ تلك الجملة.
لقد اعترفت لي بأنها تحبني، ولكن ذاك الاعتراف جعلني أستفيق وأتيقن أننا لن نجتمع معًا أبدًا. لقد قمت بقتل أختها وتدمير حياتها. لن تجد السعادة معي مطلقًا. أريتها أنها لا تهمني مع أنها هي أكثر من يهمني. أحببتها أكثر مما ينبغي. تعلقت بوجودها حولي. لقد أنارت قلبي المظلم دون أن أدري. تلك أول فتاة أقع بحبها ويبدو أنها ستكون الوحيدة. بكت عندما رأت ما كتب.
منذ فراقنا وهي تبكي بسببي. لا تعلم أنني أتألم أكثر منها لفراقنا ذاك لدرجة أني لا أستطيع فراقها. أراقبها دائمًا وأطمئن عليها باستمرار دون علمها. جلبت لها وظيفة تخص مشفى أستثمر فيها كي لا تكون بعيدة عني. أريدها دائمًا أمامي حتى وإن لم تكن ملكي. قلبت الصفحات. ذلك الطبيب الذي يدعى آسر يتقرب ويتودد إليها. هي لا تعلم بالنار التي بداخلي والتي تجعلني أتمنى قتل ذلك الطبيب بيدي، لكن لا، هي تستحق السعادة. سيتركها لسعادتها.
بكت أكثر عندما قرأت تلك الكلمات الآتية. كادت روحي تخرج من جسدي عندما رأيت قطعة الزجاج تلك تخترق عنقها. كنت كالطفل الصغير الخائف من فقدان والدته مرة أخرى. تمنيت أن أموت مقابل أن تعيش هي.
ظلت مريم تقرأ تلك الدفاتر وهي تبكي وترى أن ياسين لا يحبها فقط بل هو يعشقها. لقد أحبها أكثر مما هي تحبه ولكنه كان يعلم أنهما لن يكونا سويًا ولن تكون سعيدة معه أبدًا، لذلك كان دائمًا يقوم بإبعادها عنوة عنه وعن ما يريد قلبه. ظلت مريم تقرأ بالدفاتر تلك وتتمنى لو تراه أمامها الآن وتضمه بقوة، ولكنه مات! ولم يعد موجودًا.
وأثناء حملها لدفتر آخر تقرأه، انتبهت لدفتر أبيض موجود أسفل تلك الدفاتر السوداء. تركت ما بيدها وأمسكت بذلك الدفتر وقامت بفتحه.
زوجتي العزيزة، معنى وصولك لذلك الدفتر هو أنك قرأت أغلب الدفاتر وإن لم يكن كلها. أريدك أن تعلمي شيئًا واحدًا فقط، هو أنني أحببتك كثيرًا منذ أول لحظة رأيتك بها. رؤيتي لك أحيت لي قلبي. كنت على يقين من البداية أني سأموت على يديك ولكنك خالفت توقعاتي، فلقد وضعت الدواء بدلًا من السم وهذا ما قد هزمني حقًا وجعلني أحبك أكثر. أتمنى أن تسامحينني مريم. أعلم أني فعلت ذلك بإرادتي ولكن كل ما أطلبه منك الآن هو أن تقومي بالعفو عني.
فأنا لا أستطيع أن أعيش بدون عفوك عني. سامحيني عزيزتي. في الآونة الأخيرة أنا أحلم بوالدي كثيرًا ولكنها أحلام غريبة أشعر من خلالها أني سأرحل عما قريب. سأعود لوالدي مريم، وأنا أنتظر ذلك اليوم منذ مدة. أعلم أنه كان ينبغي موتي معهم منذ البداية في ذلك الحريق ولكنه القدر. عشت أكثر من ثلاثين عامًا أنتظر نهايتي ولكنني عندما رأيتك شعرت أنني مذبذب قليلًا. أردت البقاء معك. أردت أن أرى بني وأحمله بين يدي. أردت أن أسمعه يناديني ب
"أبي". أردت أن أقوم بتكوين عائلة أحميها بكل ما أوتيت من قوة كما كنت أعهد بذلك لأبي في أحلامي دائمًا، وها أن الآن أشعر أنني قد قمت بتنفيذ عهدي ذلك. مريم، أخبري بني أني لطالما انتظرته. أخبريه أني تمنيت أن أحمله وأرى ابتسامته. أخبريه أني تمنيت أن أراه يحبو ويسير أول خطوة له بحياته. أخبريه أني كنت أشتهي ضمة منه تجعلني أنسى من أنا. أخبريه أني أحبه من كل قلبي. اجعليه يعيش طفولته وأن لا يصبح مثلي أنا. اجعليه ينعم بجميع
لحظات حياته. لا أريد أن يرى بني ما رأيته أنا بحياتي. أنا أثق بك زوجتي العزيزة وبتربيتك له. وأعلم جيدًا أنه سيكون شخصًا جيدًا يومًا ما. ذلك الدفتر الذي تقرئينه الآن هو آخر دفتر قمت بكتابته، وهو أبيض اللون لأنه يخصك أنت فقط، فإنه رسالة طويلة مني إليك. رسالة ستظل معك دائمًا. أحبك حتى النهاية وما بعد النهاية.
أكملت قراءتها في ذلك الدفتر وهي تبكي وترى رسالة زوجها لها وهو يتحدث إليها بعبارات الحب كلها. وعندما وصلت لنهاية الدفتر. أرجوك مريم، قومي بحرق الدفاتر الأخرى التي بها أسوأ أيام حياتي وحياتك واتركي ما تريدين واعلمي جيدًا أني في مكان رائع فقد تبت إلى الله وذهبت لعدة مشايخ وأخبروني أن الله سيقبل توبتي تلك، فيكفي شعوري بالندم على ما فعلت. أحبك زوجتي العزيزة ويا أغلى ما أملك. كوني قوية.
كانت تلك نهاية الدفتر وكانت وقتها تبكي بقهر، ولكنها استفاقت على صوت صغيرها يبكي. تركت ما بيدها وذهبت لتطعمه. وفي ذات الوقت تنظر لتلك الدفاتر السوداء تخطط لتحرق أي منهم. بعد مرور سبع سنوات. كانت مريم تجلس بمكتبها بالمشفى وهو مكتب ياسين السابق تنظر لعدة أوراق بيديها تخص الشركة وتتابع أعمالها، وتضع الهاتف على أذنها تستند به على كتفها تتابع أعمال المشفى أيضًا وكل ذلك في آن واحد.
مريم: الأدوية اللي طلبناها هتكون موجودة في ميعادها. همهمت ثم استأنفت: بالضبط. تمام كده. شكرًا لكم.
أغلقت المكالمة الهاتفية ثم تنهدت بارتياح وقامت بوضع الأوراق أمامها على المكتب. نظرت للإطارات الزجاجية الموجودة أمامها، أحدهم كانت صورتها مع ياسين والأخرى صورتها مع براء ابنها العزيز والذي يشبه أباه كثيرًا، والثالثة كانت صورة تجمعها هي وبراء وعماد الذي توفي منذ سنوات قليلة وترك لها نصيبه من ما تركه ياسين له، وكان لوفاته أثرًا على براء حيث أنه كان شديد التعلق بجده، ولكنها ظلت تساعده في التحسن حتى صار أفضل قليلًا.
ابتسمت بحب لتلك الصور ولكن ابتسامتها اختفت عندما تذكرت أمرًا ما. حفلة براء! استقامت من مقعدها بسرعة وخرجت من المكتب ولكنها اصطدمت بأشرقت. أشرقت: في إيه؟ بتجري كده ليه؟ مريم: حفلة براء هتبدأ ولازم ألحق. أشرقت: طب اهدي طيب، براحه، صلاح جاي على هنا استني طيب ونروح كلنا سوا. مريم: لا، أنا هسبق بس عشان ألحق براء وإنتي وجوزك تعالوا في أي وقت. أشرقت: تمام يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك.
هزت مريم رأسها وخرجت بسرعة من المشفى ركبت سيارتها وبدأت بالتحرك، نظرت إلى الدفتر الأبيض الموجود بسيارتها وابتسمت وهي تقود السيارة.
بعد مرور عدة دقائق، كان براء يقف خلف الستار بين زملائه الأطفال وينظر لآبائهم وأمهاتهم الذين يجلسون بمقاعد مسرح المدرسة، أما هو ينتظر والدته التي تأخرت عليه بالمجيء، صاحبة المقعد الفارغ. نظر للورقة التي بيده والتي سيقوم بقرائتها أمام الحضور بمناسبة الاحتفال بعيد الأم والذي لا يشترط التحدث عن الأمهات فقط، بل متاح التحدث عن الآباء أيضًا. تجهز الأطفال لأن الستار سيرفع. انضم براء لهم في الصف وأخذ نفسًا عميقًا وأمسك
بالورقة بقوة يتمنى أن تأتي والدته الآن. رفع الستار وتقدم الأطفال وبدأوا بإلقاء خطاباتهم على آبائهم وأمهاتهم. كان براء يعود للخلف في كل مرة يحين فيها دوره في انتظار والدته التي بالطبع ستأتي ولكن متأخرة قليلًا. نظر براء لساعة الحائط ثم تحدث لنفسه بهمس طفولي.
براء: إنتي فين يا ماما؟ ظل الأطفال يلقون خطاباتهم حتى تبقى براء فقط. ابتلع لعابه بتوتر عندما وجد الجميع ينظر إليه ليلقي خطابه. حمحم بإحراج وصمت وظل ينظر لباب المسرح الخارجي والذي تم فتحه بسرعة وابتسم عندما رآها تهرول للجلوس على المقعد الفارغ. عندما جلست ابتسمت له لكي يبدأ. أخذ نفسًا عميقًا وقام بفتح الورقة المطوية التي بيده. براء: الرسالة دي جزء منها لماما. نظرت له باستفسار ولكنه ابتسم لها في المقابل
وبدأ يتحدث بصوت طفولي: شكرًا لك أمي على مراعاتك لي، وتحملك مسئوليتي. شكرًا لك على كل لحظة كان يجب أن تنهاري بها ولكنك لم تفعلي بل كنت قوية لأجلي. كنت الجيش القوي والوحيد الذي يحميني. كنت كل شيء جميل يا أمي. أنا أحبك كثيرًا. حركت مريم شفتيها ب "وأنا أحبك أيضًا". ابتسم براء ببراءة لها ثم عاد ونظر لورقته. براء: بالنسبة لرسالة بابا. اختفت ابتسامتها ونظرت لبراء بأعين مليئة بالدموع.
براء: إلى أبي العزيز، لقد اشتقت لك كثيرًا. هل تعلم أنني أحببتك من قصص والدتي عنك وأنك كنت رجلًا قويًا يهابه الجميع. رجلًا يؤمن بالعدل. إلى ياسين المغربي، لم توجد ولا صورة واحدة تجمعني بك، إذ إني ولدت في يوم وفاتك أبي. ولكن لا تقلق، أنا أرى صورك التي كانت في الصحف والجرائد سابقًا. أقرأ دائمًا عنك وعن ما كنت تفعله. هبطت
الدموع من مقلتيه وأكمل: كم أتوق لمقابلتك أبي. كم أريد أن تضمني بقوة ولو لمرة واحدة تخبرني بها أن كل شيء سيكون على ما يرام كما تفعل أمي دائمًا. أشتاق إليك كثيرًا. أنا أحبك وأمي أيضًا تحبك. قام الحضور بالتصفيق له واستقامت مريم من مقعدها. نزل براء من على أدراج المسرح وركض نحوها لكي تضمه، وهي ابتسمت وقامت بضمه بقوة. النهاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!