بعد أن أخبره قدري باختفائها لأسباب مجهولة، لم يجلس لدقيقة واحدة. ظل يبحث عنها في جميع الأماكن التي زاروها سوياً، لكنه لم يجدها. فضلاً عن مهاتفاتها طوال الوقت، والنتيجة باءت بالفشل في كل مرة. لم يستطع التركيز في عمله، فاضطر أن يأخذ إجازة حتى يعيد تركيزه. "مالك يا ياسر؟ بقالك يومين يا حبيبي مسهم كده؟ "زمزم اختفت يا ماما. اختفت ومش عارف السبب إيه." "يوووه! مش هنخلص بقي من البنت دي؟
أنا قولتلك مش هقبلها في حياتنا تاني. مش هقبلها زوجة ليك." تنهد ياسر بتعب قائلاً: "آهى اختفت يا أمي. اختفت. ولو حد السبب في ده هيبقى أنا. محدش غيري." والدته باستغراب وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها: "ليه يا ياسر؟ أنت اللي ورا اختفائها ده ولا إيه يا ابني؟ الله يخليك ابعد عن المشاكل دي كلها. عمك قدري زي أبوك، وعشان كده رضينا نخليك تساعده. ابعد عن المشاكل دي يا ابني."
تأفف بضيق ونهض من مكانه، وأخذ هاتفه وخرج من المنزل بأكمله، وتركها وراءه تنعي حظ ابنها. *** في شقة المعادي. لم يتوقف رنين هاتف قدري منذ الصباح. ذلك الشخص مجدداً "غانم". التقط الهاتف وضغط زر الإيجاب، عازماً على إنهاء ذلك الموضوع. "أيوه يا غانم." "غانم. زمزم مكتوب كتابها على ابني. أيوه محدش يعرف فعلاً لأنه كان على الضيق بسبب سفر أبوها. وأبوها رجع حالياً، قريب هنعمل الفرح. طبعاً يا باشا، أنت أول المعزومين. سلام."
أغلق الهاتف ورماه على الطاولة وهو يزفر بضيق. "يا ساتر! راجل خنيق. أوف." "فيه إيه يا بابا؟ "مفيش يا بنتي. من ساعة فرح سارة، زميتلك وأخوها ده عمال يدور يطلبها مني. زهقت. لأ ومكفاهوش هو عليا، جاب لي أبوه كمان." ضحكت سيلين بخفة: "معلش بقى هو كده دايماً. المهم إنك خلصت منهم." وذهبت حتى تجلس بجانبه. ضمها والدها إليه وقبل رأسها قائلاً بحنان أبوي: "وأنت يا حبيبة بابا، مش هفرح بيكي بقى؟
ده أنتِ حتى مبتحبيش حد. بترفضى من غير سبب كده. عايز أطمن عليكي مع واحد يقدرك صح." لم تجد داعي لإخفاء الأمر عن والدها أكثر من ذلك، كما أنها لن تقوله له مباشرة. "قريب يا حبيبي. قريب إن شاء الله. ادعيلي أنت بس." وابتسمت بحب وهي تتذكر ذلك الشاب الثلاثيني، من خطف قلبها دون استئذان. مدرب التنس بالنادي الذي ذهبت إليه أكثر من مرة برفقة زمزم حتى يذهبا إلى شقيقتها. "عمرو هاشم". *** صقيع.
الصقيع فقط ما يشعر به الآن من حوله. لم يتخيل في أسوأ أحلامه أن تطلب الانفصال عنه. تهابه، وذلك ما كان يريحه من هذا الجانب. لكن الآن ماذا حدث؟ هل تريد الانفصال عنه حتى تتزوج من آخر؟ تريد التسكع؟ تريد التحرر منه؟ اندفع إليها بسرعة وأمسك بخصلاتها يشدها بقوة. ألقتها وصوته الغاضب يكاد يصم أذنيها. "عايزة تطلقي؟ عايزة تطلقي عشان تدوري على حل شعرك؟ قابلتي مين في النادي اللي بتروحيه قلبك عليا؟
قابلتي مين خلاكي تغيري من نفسك وتغيري شكلك ولبسك عشانه؟ انطقي." حاولت التملص منه بقوة لكنها لم تستطع، فهتفت بصراخ غاضب: "مقابلتش حد!
أنا مش خاينة زيك. مش خاينة عشان أروح أعرف راجل تاني وأنام معاه زي ما أنت عملت. أنا مش زيك. مش زيك ولا هكون. أنت لعنة، لعنة واتحطت عليا من أبويا جاحد وقاسي زيه. طول الوقت خايفة منك، خايفة تضربني، خايفة ترميني برة وتاخد عيالي مني. خايفة أبويا يتفق معاك عليا زي ما عمل في زمزم. خايفة أتنفس براحة وأنا معاك. لو كنت خاينة، كنت سمعت كلام اللي حبيته قبلك وأبويا فرقني عنه بسببك." وقذفت له بالهاتف وهي تصرخ بهياج: "أهو!
اقرا. اقرا وشوف كان بيحسسني إني ست وليا قيمة. سابني أختار أهرب معاه وأخد عيالي، بس أنا مردتش. قولت الطلاق أكرملي. ابعد عني بقى وسيبني في حالي." وانخرطت في بكاء عنيف وشهقات متتالية. تدلت شفتاه من الصدمة، ضاق صدره مما تقول. "كنتي بتحبي واحد تاني؟
ردت بصوت باكي: "أيوه. واحد تاني حبيته وأنا في الجامعة وكان فقير وسافر برة عشان يرجع يتقدملي ويعيشني في نفس المستوى. بس أنت اتقدمتلي ولما قولت لبابا مش موافقة زعقلي. وقالي إنه عارف بموضوع اللي بحبه ده، بس هو عمره ما كان هيوافق. قالي إنه موافق عليك خلاص وهتحددوا الفرح بعد كام شهر. وده اللي خلاني أرفض إنك تلمسني. بس أنت قسيت عليا وأخدتني غصب. اتعاملت معايا زيه. موافقتي أو رفضي مش هيغيروا حاجة. كنت بدأت أعجب بيك، بس أنت موت الإعجاب ده بمجرد ما بدأ."
مع كل كلمة تقولها كان صدره يضيق أكثر. الهواء ينقطع عن رئتيه. فك أزرار قميصه يحاول جلب الهواء لرئتيه. "مش عارف آخد نفسي! مش عارف أتنفس يا تمارا." ركضت إليه بخوف شديد عليه، لا تريد خسارته. بالرغم من كل ما فعله بها، هو أفضل من أبيها. "لا، أنت كويس. اتنفس. اتنفس عشان خاطري. متسبنيش والنبي."
غاب عن الوعي ولم يستطع الصمود أكثر. فركضت هي إلى الهاتف وطلبت سيارة إسعاف على وجه السرعة، وعادت تجلس بجانبه وهي تبكي وتحتضن رأسه بقوة. *** في مكان آخر. وقفت زمزم أمام ماكينة الصرافة ووضعت بطاقة الائتمان المصرفي بها تريد سحب المال. وهناك يجلس ذلك السائق بسيارة الأجرة. "أنا هحاسبك على مشوارين يا آنسة. هاخد بدل العطلة دي. مليش فيه. أمين؟ "طيب. حاضر. هقف أسحب فلوس وهجيبلك حقك وتمشي."
اعتمدت على سرعتها في سحب المال حتى لا تطالها يد والدها مرة أخرى. بالطبع يتابع حسابها الآن حتى يصل إليها من خلال موقعها. بالطبع يسهل عليه معرفة مكان هوية ماكينة الصرافة التي تسحب منها المال. سحبت المال بسرعة وأعطت السائق حقه، وأشارت إلى سيارة أخرى ذاهبة إلى منزل ياسر. يجب أن توضح له كل شيء. تقص عليه معاناتها مع عائلتها جميعها. خاصة بعد أن فتحت الإنترنت في هاتفها لتخبر ياسر بقدومها إليه. تفاجأت بتلك الرسالة التي جعلتها تبكي حزناً وفرحاً، وجددت دعواتها إلى الله بأخذ حقها من كلاهما.
وقفت السيارة أمام البناية التي يقطن بها ياسر. أعطت للسائق الأجرة وهبطت منها تسير نحو البناية بحزن شديد وابتسامة مرارة تزين وجهها. كانت تريد أن يكون هو أول من يلمسها. صعدت إلى البناية ووقفت أمام الشقة. كان صوت ياسر ووالدته يكاد يزلزل البناية بأكملها من ارتفاعه وغضبه الذي وصل إلى عنان السماء. "هتجوزها يا ياسر! هتتجوزها غصب عنك. زمزم دي لأ، أنت سامع؟
لم تستطع سماع ما تقوله عنها. تشبعت روحها بالآلام والظلم. يكفي ما عانته على يد وقاص ووالدته ووالدها. دقت الباب بقوة حتى يصل صوتها إليهم ويكفوا عن الصراخ. ذهب ياسر حتى يفتح الباب، ففوجئ بها. "زمزم! *** قبل هذا الوقت بقليل. دق هاتف ناصر النوساني. التقطه ناصر بسرعة ورد بلهفة عندما شاهد رقم صديقه الذي طلب مساعدته للوصول إلى ابنته. "أيوه يا شاكر. ها وصلت لحاجة؟
"أيوه يا باشا. هي حالياً سحبت فلوس من الـ ATM اللي عند بنك "ف". لو تعرفوا حد في المنطقة دي أكيد هتلاقوها راحت عنده." أغلق الهاتف واتصل بأخيه حتى يسأله عن أي شخص يعرفه بتلك المنطقة. "أيوه. عايز إيه تاني يا ناصر؟ "قدري اسمعني، مش وقت كلامك ده. تعرف حد في "... "لا. معرفش حد في المنطقة دي، اشمعنى؟ "طب اسأل سيرين. هي كانت صاحبتها وتعرف عنها كل حاجة." "متعرفش حد هناك يا ناصر. فيه إيه طيب؟ تنهد ناصر بيأس فقد فشل في إيجادها.
"زمزم سحبت فلوس من ماكينة صرافة هناك، وأنا مش عارف هي ممكن تكون راحت فين. تعبت يا قدري، تعبت." "أنت السبب. أنت السبب يا ناصر." وأغلق الهاتف بوجهه. اتصل قدري على رقم ياسر يريد التحقق من شيء معين برأسه. "ياسر، زمزم جتلك؟ "لا. مجتش ولا بترد على تليفوناتي حتى. أنا قلقان قوي عليها." "هي احتمال تجيلك يا ابني، ولو جاتلك طمني عليها. أنا مش هرجعها تاني والله." أغلق الهاتف مع قدري وهو يدعو بداخله ألا يكشف أمره. نظرت إليه زمزم
وأمسكت بيده قائلة بشكر: "شكراً إنك أنقذتني منهم يا ياسر. صدقني عمري ما هنسالك الجميل ده." أومأ ياسر لها برأسه وشبح ابتسامة على شفتيه. الآن باتت مهمته أصعب. كيف سيقنع والدته بوجودها؟ قدري من المستحيل أن يصدقه وسيبحث عنها بمنزله أولاً. هز رأسه بضيق ويأس. الأمور تتعقد أكثر من اللازم وليس بيده شيء لحلها، فماذا سيفعل؟ بغرفة وقاص.
كانت شيماء تكاد تنفجر من غيظها وحقدها على زمزم. كانت تظن أنها فرطت بنفسها بالفعل، لذلك ذهبت إليه حتى تخبره بما تعرفه. لكن ما حدث كان العكس تماماً، فقد نأى بنفسه بعيداً عنها وكل ما يشغله إيجاد زمزم فقط. بالأمس عرضت نفسها عليه، فكان رده نظرة واحدة جعلتها تنكمش في نفسها وتذهب حتى تخلد للنوم. لكن اليوم أقسمت أن تقضي معه تلك الليلة. بأحضانِه ولن تتراجع عن حقها فيه. تريد أن تحمل طفله بأحشائها، خاصة وأن حزنه على زمزم تحول إلى حب خفي. لذلك تريد أن تربطه بجانبها بطفل يحمل اسمه.
دلف إلى الغرفة ولم ينتبه إلى التغيير الذي طرأ عليها من الأساس. اقتربت منه واحتضنته وقبلته على وجنته قائلة بصوت رقيق: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي. يلا ادخل خد شاور كده وفوق. أنا عملالك العشا بأيدي النهارده." عليها بجدية وصوت متحشرج: "الله يسلمك. تسلم إيدك يا شيماء. بس أنا مش جعان وكمان تغير هدومي وأنام. كلي أنت." وأزال يدها التي تحاول عنقه وتجاوزها. عضت على شفتيها بغضب وحاولت معه مرة أخرى.
"بس أنا مش هيجيلي نفس من غيرك. وكمان عاوزة أقضي الليلة دي مع جوزي حبيبي." رد عليها وقاص بنفاذ صبر: "وأنا قولت إني مش قادر ولا جعان. عايز أنام وبس لأني تعبان من الصبح. ومحبكتش النهارده تباتي في حضني يا شيماء." هذه المرة لم تستطع السيطرة على نفسها وصاحت بغضب: "وتعبان ليه؟
تعبان من اللف على رجلك على المستشفيات والأقسام والمبالغ اللي بتدفعها يومياً عشان الناس اللي بيدوروا على السنيورة. بس لما أجي أنا أطالب بحقي فيك وفي إني أخلف تقولي تعبان. بس فاضي لواحدة خاينة. فاضي تجري وراها. واحدة باعت نفسها عشان يا حرام مقدرتش تستحمل قعدتها كده. باعت نفسها برة وحرمتك تلمسها وكانت بترفضك." إلى هنا فقد صبره وأعصابه عليها وصفعها بقوة وجذبها من شعرها.
"أنا مفيش واحدة ترفضني يا شيما. وإذا كنت بجيلك قبل كده، فده لمتعتي ولأنه حقي. أنا دافع فيكي. أوعي تنسي نفسك. كنت حتة بياعة في محل لا راحت ولا جت. الحظ لعب معاها شوية وأنا شفتها. وعجبتني. فاتجوزتها. تتلمي وكني ف مكان بقى عشان قربت أقرف منك وأزهق. ولو ده حصل، هتطلعي من هنا زي ما جيتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!