لم تبلغ والدته بمرضه حتى لا تمرض، تعرف معزته بقلبها فهو وحيدها على ثلاث بنات تزوجن بأماكن مختلفة، هو فقط من جلس معها ورفض تركها رغم إصرارها. خرج الطبيب من الغرفة الموجود بها عابد، فركضت تمارا نحوه. "هو عامل إيه؟ الله يخليك قولي، هو ما كانش قادر ياخد نفسه." "اهدي يا مدام، ذبحة صدرية، ومن الواضح أنها بسبب ضغط أو حزن، لأنه ما شاء الله شاب وصحته كويسة جدا، يا ريت يبعد عن الحاجة اللي مدايقاه." "طب.. طب أقدر أشوفه امتى؟
"بكرة بإذن الله لو عدى النهارده على خير هيتنقل أوضة عادية وتقدري تقعدي معاه." أومأت برأسها للطبيب وجلست أمام غرفة العناية. باليوم التالي، تم نقل عابد إلى غرفة عادية فقد تجاوز مرحلة الخطر. كان يرفض النظر إليها أو الحديث معها، يتجنبها فقط. حتى أنه تحامل على نفسه حتى يأكل ويجعلها تقترب منه. امتدت يده إلى الكومود الموجود بجانبه حتى يجلب كوب الماء، فلم يستطع. نهضت هي من مكانها بسرعة وأمسكت بالكوب ومدت يدها به. "خد أهو."
أدار رأسه إلى الجهة الأخرى قائلاً بحدة خفيفة. "مش عاوز منك حاجة. للمرة المليون هقولهالك، امشي واطلبيلي أمي وروحي اقعدي مع عيالك لحد ما أخرج وأريحك من الجوازة دي." "مش هقدر أمشي وأسيبك يا عابد، لما تخرج بالسلامة هنشوف حل." صرخ بصوت أفزعها. "قلت برة، والحل الوحيد لما أخرج من هنا هو إني هطلقك، هجيلك شقة تعيشي فيها انت وعيالك لأنهم صغيرين لسه، برة بقى."
خرجت من الغرفة وهي تبكي بقوة من معاملته السيئة لها. أمسكت حقيبتها واتصلت بزهرة حتى تأتي إليها. "الو، أيوة يا زهرة، أنا في مستشفى... تعاليلي. لا لا مش أنا ده عابد امبارح جتله ذبحة صدرية وأنا في المستشفى، بسببي يا زهرة بسببي." بعد مرور ساعة تقريباً، كانت تمارا في أحضان زهرة وتبكي بقوة، وبجانبها ناير ينظر لها بأسف على حالتها هي وزوجها. "خلاص يا ناير، ادخله أنت وأنا هديها وأدخل." أومأ برأسه ثم دخل إلى الغرفة.
"حمد الله على سلامتك يا درش، اجمد كده أنت لسه شباب." "الله يسلمك يا سيدي، شباب! شباب فين بقي، أنا عجزت خلاص رايح برجلي على الـ 37 أهو، وشعري أبيض، وشلت الهم يا ناير." كان يتحدث بمرارة تقطر من كلماته. وجع بجنبات روحه يشعر به جيدا. أحس نفس الإحساس عندما رفضته زهرة بليلة زفافهما. ربت على كتفه قائلاً بنصح وابتسامة.
"عيال ناصر النوساني كلهم محتاجين الترويض يا عابد، أضعف واحدة فيهم عمرها ما هتيجي بالشدة ولا بالغصب، هاتها ع الهادي. بالمناسبة صح، يوم فرحي عليها قالتلي إنها مبتحبنيش، وزودت إنها بتحب واحد تاني من عندها، بس أنا صبرت وخلتها تحبني." هز رأسه نفياً وهتف بصوت حزين. "مراتك زودت مش فعلاً بتحب واحد تاني؟ أنا مختلف، تمارا لسه بتحب اللي أبوها رفضه وجوزاني بعدها، معركتي معاها خسرانة من قبل ما تبدأ."
"اللي تمارا عملته دلوقتي يخليني أقولك إنها بتحبك يا عابد، أنت مشوفتهاش بتعيط إزاي، كانت منهارة دلوقتي في حضن زهرة، صدقني." *** بعد مرور أسبوع، دلفت زهرة إلى غرفة الطبيب باران حتى ترى نتائج التحاليل. خرجت من المشفي منذ شهر، كانت تقوم بعمل التحاليل كل أسبوعين واستطاعت التغلب على نفسها ولم تتعاطى تلك السموم مرة أخرى. "صباح الخير يا زهرة." "صباح النور يا دكتور، هي التحاليل فيها حاجة؟ "اممم، فيها وفيها يا زهرة."
زهرة بنفي وخوف. "والله أنا ما أخدتش حاجة، صدقني أكيد التحاليل بتاعتي اتلخبطت مع حد تاني، أنا أخدت عهد على نفسي إني مش هتعاطى تاني." "اهدي، يا بنتي أنا قولت أصلاً إنها فيها حاجة من دي. أنا بقولك التحاليل فيها حاجة بس محددتش إيه هي." هتفت زهرة بصوت متوتر. "طب فيها إيه طيب أنا قلقت؟ رفع باران التحاليل أمامها قائلاً بابتسامة. "التحاليل بتقول إنك حامل."
ظلت زهرة تحدق به ببلاهة مضحكة حتى ضحك باران بالفعل هاتفاً من بين ضحكاته. "إيه يا زهرة، مش أنت متجوزة برضه، حامل في أسبوعين يا ستي، يعني لازم تاخدي بالك من نفسك بقى." ودعت الطبيب وخرجت من المشفي بفرحة عارمة، بعد ثمانية أشهر وأسبوعان بالتمام والكمال ستنجب ثمرة حبها هي وناير إلى الدنيا. ذهبت إلى المنزل حتى تهيئ الجو لأخباره.
بالمساء عاد ناير من الخارج. لا تعلم تحديداً أين يذهب منذ الصباح وحتى المساء، لكن لا يهم، فهي تثق به ثقة عمياء. تعلقت بعنقه بقوة. "حمد الله على سلامتك يا حبيبي." حاوط خصرها بيديه ورفعها إليه قليلاً يقبلها على شفتيها بسرعة خاطفة قائلاً بابتسامة. "الله يسلمك يا قلب حبيبك، عاملة إيه؟ أنا آسف بس نسيت موضوع التحاليل ده خالص، بس هنروح بكرة، ماشي؟ حركت رأسها يميناً ويساراً بابتسامة.
"لا خلاص، أنا رحت النهارده وكمان شفت نتيجة التحاليل." أنزلها ناير ونظر إليها بغضب شديد وصوت حاد. "إزاي يعني تروحي لوحدك يا زهرة؟ أنا مش قايل متعتبيش برا البيت من غير ما أكون معاكي، كلامي ما بيتسمعش ليه؟ نظرت إليه نظرات طفلة يوبخها والدها وقالت. "والله الدكتور اتصل بيا وقالي لازم أجي النهارده عشان فيه حاجة في التحاليل بتاعتي متستناش، فروحت." "ولو... برضه تنفذي كلامي، أنا مش هستحمل يجرالك حاجة تاني، المرادي هموت بجد."
وضعت يديها على شفتيه بسرعة قائلة بحب وصوت رقيق للغاية. "بعد الشر عليك، متقولش كده تاني، عاوز تسيبني يعني؟ وأمسكت بيده تضعها على بطنها المسطحة قائلة بابتسامة. "عاوز تسيبه هو كمان؟ اممم أنا حامل، حامل في أسبوعين وأنا معرفش." حملها ناير ودار بها بفرحة عارمة مختلطة بضحكاتها التي ملأت المكان بأكمله، حتى صمت أذنيه عن صوت والدته وزوجته الأخرى ومضايقتهم له. هي فقط من يهمه أمرها. ***
بمنزل عابد، سلمي. طوال ذلك الأسبوع وتحديداً بعد حديث ناير معه، كان يريد اختبارها جيداً. لم يتوقف عن الطلبات بطريقة مستفزة حتى يثير حنقها وتفلت أعصابها، لكنه لم يرى شيئاً من هذا القبيل، فقط الطاعة والراحة ما شاهدها عليه منذ مرضه. "هاتيلي ميه." "حاضر." وقفت أمام الكومود وأمسكت الدورق تصب الماء في الكوب. "لا... مش عاوز الكوباية دي، مبحبش أشرب فيها، هاتيلي كوباية تانية."
أومأت برأسها بهدوء وذهبت حتى تجلب كاسة أخرى وعادت. وضعت بها الماء وأعطتها له. "جعان، ومش عاوز فراخ، عاوز محشي ودلوقتي." ابتسمت رغماً عنها ولم تستطع كتمانها أكثر من ذلك. "حاضر هعملك محشي، بس ده هياخد وقت، تحب أجيبلك حاجة تانية تاكلها عقبال ما أخلص؟ "لا... مش عاوز، ويا ريت تبطلي ضحك وتروحي تعمليلي الأكل، اهو استفاد منك بحاجة." بعد مرور ساعتان، وضعت تمارا الصينية على الفراش. "أهو... اتفضل كل عشان العلاج."
"هاكل بإيدي يعني!! أنت مبتفهميش، قومي هاتي شوكة." نهضت من مكانها واقتربت منه ودست يدها في الطبق وأمسكت بواحدة من الملفوف، ورفعتها أمام فمه. "أولاً أنت مبتاكلش المحشي بشوكة، بتحب تلبص بإيدك زيي. ثانياً بقي أنت مبتحبش تاكل المحشي بالليل كده. ثالثاً وده الأهم... أنا بحبك." ودست ما بيدها في فمه، وابعدت عنه حتى تخرج من الغرفة عندما أوقفها عابد قائلاً. "مفكراني هصدقك بقي؟
أنا مش عارف إمتى أخف وأقوم على رجلي عشان أخلص منك وأمحيكي من حياتي نهائي، اطلعي برة وأوعي تيجي هنا تاني، مش عاوز منك حاجة." خرجت من الغرفة وذهبت إلى غرفة أطفالها وبكت بقوة على جرحه لها بهذا الشكل وإهانتها طوال الأسبوع الفائت. ***
تدهورت حالة ناصر الصحية كثيراً بعد اختفاء ابنته، وبعد ابنتيه الأخريتان عنه. تحامل على نفسه اليوم وارتدى ملابسه حتى يذهب لتمارا ويدعو ابنته الأخرى وزوجها. يريد العيش معهم وسطهم، لا يريد أن يموت وحيداً. سيظل يبحث عن ابنته الصغرى حتى الرمق الأخير، لكن الآن عليه إصلاح علاقته بتمارا وزهرة. خرجت من الغرفة حتى تفتح الباب فتفاجأت بوالدها أمامها. تسمرت مكانها ولم تدعوه للدخول حتى. "هتطرديني يا تمارا؟ "لا...
لا أطرد حضرتك إزاي، اتفضل." دلف ناصر إلى الداخل بهدوء وجلس على المقعد منتظراً دخولها وراءه. أجبرت ساقيها على التحرك وتتبعته إلى الداخل. "جوزك فين يا تمارا؟ "جوه." "عامل إيه دلوقتي؟ بقي كويس؟ "آآآ... أيوة الحمد لله." "الحمد لله، طيب، اطلبيلي زهرة خليها تيجي هنا، أنا طلبت ناير على هنا بس هي قالتله مش هروح، فيا ريت تطلبيها لأني عاوز أتكلم معاكوا أنتوا الاتنين."
أومأت برأسها والتفتت حتى تجلب هاتفها، لكنها عادت تسأله مرة أخرى بتردد. "حضرتك لقيت زمزم؟ "لا، ملقتهاش، بس هلاقيه، مش هسيبها إلا لما ألاقيها، روحي يلا." بعد مرور ساعتان تقريباً، ذهبت تمارا حتى تفتح الباب لشقيقتها وزوجها. سارت معها زهرة بخطوات مرتعشة، لاحت أمامها ذكري زمزم وما فعله بها والدها تلقائياً. وجدت نفسها تتشبث بيد ناير بقوة حتى دلفا إلى الغرفة الموجود بها وجلست بجانبه رافضة حتى أن تصافح والدها.
"عارف إن محدش منكوا أنتوا الاتنين طايقني، بس أنا لازم أتكلم معاكوا، ولازم تسامحوني وتنسوا، مش هقدر أغيب عنكوا وأبقى منبوذ كده. أنا جمعتكوا أنتوا كمان معاهم عشان فيه حاجة خاصة بيكوا. اللي عاوزة تطلق فيكوا أنا مستعد أطلقها، هطلقها وهتيجي تعيش معايا معززة مكرمة، عمري ما أدخل في حياتها تاني، مش هقدر أكمل كلامي إلا لما أعرف مين فيكوا عاوزة تطلق؟ أمسك ناير بكف زهرة ولثمه بقبلة رقيقة أمامهم ولم يخجل وهتف بقوة.
"أنا عمري ما هطلقها يا عمي، زهرة حياتي كلها، أنا بحبها وهي كمان بتحبني، وبعدين إحنا مستنيين نونة، مينفعش تيجي وتلاقينا منفصلين ولا فيه بينا أي مشاكل أصلاً." ابتسم ناصر بفرحة لهما، لكنه دارى ابتسامته حتى يأخذ رأيها أولاً. "وأنت يا زهرة، عاوزة تطلقي ولا لا؟ ردت زهرة محاولة التغلب على خوفها من والدها. "لا... لا... مش عاوزة أطلق، أنا عاوزة أفضل مع ناير، أنا بحبه."
أومأ برأسه بفرح شديد. أزال عن كاهله ذنب واحدة منهم. التفت إلى تمارا وباغتها بالسؤال. "عاوزة تطلقي يا تمارا؟؟ توقفت أعضاؤه كاملة، أصبح على حافة الانهيار، يكاد يتوقف قلبه من شدة خفقانه. بالتأكيد ستطلب الطلاق وبالتأكيد أيضاً أن والدها سينفذ لها ما تقوله. نظر إليها ينتظر قرارها، حتى لو كان تصريحها بحبها له صادق، فهي لن تتحمل الإهانة مرة أخرى وأمامها والدها يمد يد المساعدة لها. عاد ناصر يسألها من جديد قائلاً.
"عاوزة تطلقي يا تمارا؟؟ أخذت نفساً عميقاً ورفعت نظرها إلى والدها وهتفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!