الفصل 6 | من 30 فصل

رواية القديمة تحلى الفصل السادس 6 - بقلم نرمين

المشاهدات
20
كلمة
2,470
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

كان يجلس بجانبها على الفراش منتظراً استيقاظها من النوم كما أخبره الطبيب. فقد أخذها ناير من المشفى ونقلها إلى المنزل بعد أن جهز لها غرفة بالمنزل حتى يتابع ويشرف هو على علاجها. تململت زهرة في فراشها وفتحت عيناها وهي تضع يدها على رأسها بملامح منزعجة. ابتسمت زهرة عندما شاهدت ناير أمامها وهتفت: "إزيك يا ناير؟ فينَك بقالك كتير مبتجيش؟ ثم حولت بصرها بأنحاء الغرفة الموجودة بها. لم تكن غرفة المشفى. "أنا فين؟ "إنتِ ف البيت."

أفلتت ضحكة صغيرة منها ثم قطبت جبينها قائلة: "إزاي يعني ف البيت؟ وليه ف البيت أصلاً؟ مش المفروض إني بتعالج؟ أومأ ناير برأسه ونهض من مكانه قائلاً: "المفروض... المفروض إنك بتتعالجي فعلاً. بس لما تكوني إنتِ مش عاوزة تتعالجي ووجودك ف المستشفى بيتعبك أكتر وبيدهور حالتك أكتر، يبقى ملهاش لازمة وتخرجي منها. ولا إنتِ إيه رأيك؟

أُفزعت من كلامه غير المتوقع، فطوال فترة تعبها كانت مخدرة. فقد أمر ناير الأطباء بتخديرها حتى ينتهي من إجراءات خروجها من المشفى وينقلها إلى المنزل. "أنا مش فاهمة حاجة... بس أنا حالتي كانت كويسة ف المستشفى." ضحك ناير بسخرية ثم قال: "حالتك كانت كويسة!!! ده قبل البودرة ولا بعدها؟ على حد علمي إنتِ أول ما روحتي المستشفى مكنتيش طايقاها. ومن كام أسبوع بدأتي تحسي إنك مرتاحة فيها. مش حاجة غريبة؟

اتسعت عيناها بصدمة وخوف معاً، وتلقائياً وضعت يديها على بطنها. تفهم ناير جيداً، فهو إذا علم بتعاطيها المخدرات مرة أخرى كان عاقبها بداخل المشفى. لكن هدوءه والسخرية التي تظهر على وجهه الآن أخبرتها أن شيئاً ما حدث لجنينها. "اممم... فعلاً يا زهرة إنتِ مبقتيش حامل خلاص، مفيش عيل. وحتى إني قرفان أقرب منك عشان نجيب عيل تاني. بس صدقيني هدفعك تمن العيل اللي راح ده."

تحرك ناير ناحية الطاولة المستديرة الموجودة بالغرفة وأخذ صينية الطعام وسار ناحية زهرة. "أول أيام الجحيم يا زهرة. فطارك وكمان كام ساعة هيجيلك الغدا. لو وقعتي الأكل يبقى مفيش غيره. بالإضافة لأنك هتنضفي اللي عملتيه. أنا لا عندي مصحات ولا علاج. هتتحبسي هنا لحد السم ده ما يخرج من جسمك. حتى لو بعد ميت سنة. عاملتك زي الناس ووديتك مصحة بس إنتِ رفضتي النعمة. شيلي بقى."

وخرج وتركها في صدمتها وكل ما يدور برأسها أن أيامها هنا لن تمر بسلام أبداً. *** على طاولة الغداء كانت تجلس نجاة وزوجها، ووقاص وزوجته، وسيلين. وبجانبها زمزم التي تمسك بهاتفها طوال الوقت ولا تفارقها تلك الابتسامة المحبة على شفتيها. كان عمها يتابعها بابتسامة صغيرة وتعبيرات غامضة. إلى أن انتفضت زمزم على صوت زوجة عمها توبخها كعادتها. "ياريت تبطلي توزيع ابتسامات هنا، عاوزة توزعيها اطلعي أوضتك، مش ناقصين إحنا."

اخفضت زمزم رأسها ونظرت إلى طبقها بعينين مدمعتين. حتى تحدثت شيماء بنبرة خبيثة متوارية، ولكنها بالطبع لم تخفَ على نجاة. "معلش يا طنط سبيها، هي أكيد بتكلم صاحبتها أو حاجة. أصلاً طول اليوم فونها مش بيبطّل رسايل واتس آب." قبضت زمزم على هاتفها بقوة مذعورة ولم تقو على رفع عيناها. ولكن سيلين كانت تستعد للهجوم على تلك الماثلة أمامها، إذ أنها لا تحبها أبداً وتتمنى خروجها من المنزل بلا رجعة.

"ملكيش دعوة يا شيماء. رسايل واتس آب، مكالمات فيديو، حتى ملكيش علاقة. هي مبتجيش تقولك وريني تليفونك؟ وكلنا بنبقى سامعين الرسايل اللي بتجيلك على أي أب ف الفون. ف متدخليش ف اللي ملكيش فيه." قاطعها وقاص عندما نظر إلى زمزم بقوة قائلاً: "تعالي ورايا."

هربت الدماء من جسد زمزم وشحب لونها. لم تتوقع أن يأمرها باتباعه، فجميع لقاءاتها مع وقاص كان التجاهل هو ما يسيطر عليها. يلقي أوامره ثم يذهب من أمامها وهي تفعل ما يأمرها به بصمت خشية مواجهته أو التشاجر معه.

ابتسمت نجاة بتشفي وفرح، فهي تعلم ابنها جيداً. رغم هجره لها، لكنه لم ولن يرضى أن تقلل من احترامه أو تتصرف بما يضع رأسهم بالطين. لم يتحرك عبد القادر من مكانه ولم يتفوه بحرف أو يدافع عنها، حتى وذلك ما أثار ريبتها. فقط سيلين هي من نزعت منها الهاتف، حتى أنها لم تخبرها بما فعلته وأعطته لها مرة أخرى.

تحركت زمزم بخطى متثاقلة نحو الغرفة التي دلف إليها وقاص ومعها هاتفها. أوشك قلبها على التوقف من قوة نبضاته التي كادت أن تحطم أضلعها. أخيراً دلفت زمزم إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها كما أمرها وقاص. "هاتي تليفونك." مدت يدها بالهاتف بأصابع مرتعشة، خائفة من انكشاف أمرها. التقطه وقاص وحاول فتحه لكنه وجده بكلمة سر. "هو أنا فضل أزقك بقي ولا إيه؟ لما إنتِ عارفة إنه بزفت باسورد، متفتحيها. قول لي الزفت."

حمدت ربها أنها لم تضع كلمة السر حروف اسمه، لكانت الآن في عداد الأموات. فقط اليوم الأول الذي تقابلا به، ومن المؤكد أن بضعة أرقام منفردة كما تقولها هي، لن يستطيع وقاص معرفة هويتها أو ماذا تعني. فتح وقاص الهاتف وبحث في كافة محتوياته، لكنه لم يجد شيئاً -كما ظنت هي "طيب يا زمزم خدي تليفونك واطلعي." عقدت جبينها باستغراب وتوجس، فهو لم يتوصل لشيء. ولكن كيف؟

من المؤكد أن ما فعلته سيلين بالهاتف هو ما أدى إلى عدم معرفته بشيء بشأن ياسر. لا يهم أي شيء الآن، فقط ما يهمها أنه لم يكشفها. خرجت من الغرفة مسرعة قدر استطاعتها وصعدت إلى غرفتها. وتبعتها سيلين حتى تعلم ماذا حدث. ***

التقطت هاتفها حتى تتحدث إلى شقيقتها وتخبرها بقرارها الجديد الذي توصلت إليه بالنهاية. ضغطت على رقمها وانتظرت حتى ترد عليها شقيقتها. وبالفعل بعد ثوانٍ وصلها صوت زمزم المرتعش الخائف، وهي تعلمه جيداً. على الفور نسيت ما اتصلت بها بشأنه وراحت تسألها بلهفة وقلق. "مالك يا زمزم؟ صوتك ماله؟ جاءها صوت زمزم على وشك البكاء. "كـ... كنت هتكشف يا تمارا. أنا ميتة ف جلدي م الرعب." "ليه يا حبيبتي بس مالك؟ تتكشفي ليه؟

إنتِ بتعملي إيه أصلاً؟ انفجرت زمزم باكية بعنف وقالت: "ياسر... ياسر يا تمارا. كنت هتكشف فعلاً ووقاص اللي كان هيكشفني لولا سيلين مسحت الرسايل." تنهدت تمارا براحة ثم حاولت تهدئة زمزم قائلة: "طب اهدي بس. الحمد لله أهو متكشفتيش. الحمد لله. يلا قومي اغسلي وشك وتعالي عشان عاوزة أكلمك ف موضوع كده." نهضت زمزم من مكانها وفعلت كما أمرتها شقيقتها. "ها يا توتا كنتِ عاوزة تقولي إيه؟

بدأت تمارا الحديث بحماسة أثارت استغراب زمزم واهتمامها أيضاً، فانتبهت إليها بجميع حواسها. "شوفي يا ستي... طبعاً زي ما إنتِ عارفة أنا عجلة واايد كده على غير العادة. يعني وصلت لوزني ده ف ست شهور بس. وبسبب الوزن ده غيرت استايل لبسي كله وبقى عبايات أو تونيكات بس. بصراحة زهقت من شكلي كده ف أنا قررت إني أخس وأرجع زي الأول. إنتِ إيه رأيك؟ هتفت زمزم بصراخ وفرحة: "إنتِ بتسأليني ع رأيي؟

طبعاً معاكي يا متخلفة. إنتِ لازم تخسي وترجعي زي ما كنتِ طبعاً." زادت حماسة تمارا واتسعت ابتسامتها وتابعت: "إمبارح بدأت رجيم من صفحة ع الفيس بتنزل نظام أكل وكده، والحمد لله ماشية عليه كويس لغاية دلوقتي. بس فيه مشكلة صغنونة كده وإنتِ اللي ف إيدك الحل." زمزم بسرعة: "عنيا ليكي يا توتا، قوليلي بس أنا ف إيدي إيه وأنا هعمله فوراً."

"لازم رياضة. والرياضة دي مش هتيجي إلا إذا نزلت اتمشيت كل يوم ساعة على الأقل على مدار اليوم. وعابد مش هيرضى ينزلني إلا لو كان حد معايا، ف أنا فكرت إني أقولك عشان تنزلي معايا وهو كده يبقى مطمن. لأن انتِ عمو قدري مبيسيبكيش تنزلي من غير حراسة. ودي حاجة هتنفعني طبعاً." "أوكي يا توتا اتفقنا. بس خليها ع 10 الصبح كده ننزل، وأهو بعد الساعة أروح جلسة العلاج على طول. ماشي؟ "طبعاً ماشي يا قلب توتا. باي يا حبيبتي."

ودعتها زمزم كذلك وأغلقت الهاتف والتفتت إلى سيلين حتى تسألها ماذا فعلت بالهاتف وأخفت أثر حديثها مع ياسر. "سيلا إنتِ عملتي إيه ف التليفون؟ وقاص معرفش يطلع حاجة خالص من عليه؟ أمسكت سيلين بياقة قميصها وهتفت بغرور مصطنع:

"عشان تعرفي بس فايدتي ف حياتك يا بنت عمو ناصر. معملتش حاجة، بما إني عارفة باسورد الفون ف فتحته ومسحت الواتس خالص. وطبعاً بما إنك دهولة يا حياتي واديتيني أنا التليفون عشان أنزلهولك م الأساس، ف الرسايل مضاعتش. لا تقلقي عزيزتي." قفزت زمزم من مكانها وانقضت على سيلين تحتضنها بقوة وهي تبكي وتلقي على مسامعها عبارات الشكر والامتنان غير المنتهية. ***

مرت عليها الدقائق بثقل شديد. مع مرور كل ثانية كان ألم رأسها يتضاعف أكثر من ذي قبل. سابقاً وقبل أن تعاود تعاطي تلك السموم، كانت بدأت تعتاد على ألم رأسها قليلاً، ولكن إمكانية وجود المسحوق الأبيض جعلتها تلقي ما بنته خلال شهر من العلاج وراء ظهرها وانجرفت وراء الممرضة وعاودت تعاطي المخدرات.

تناولت طعامها كما أمرها ناير ولم تتسبب في أحداث ضجة قدر استطاعتها، فزوجها لن يتوانى عن تنفيذ تهديده إذا ما حاولت إثارة المشاكل بالغرفة أو العبث بمحتوياتها. فتح الباب ودلف منه ناير يحمل صينية طعام بيده. نفس المشهد يتكرر. وضع الصينية على الطاولة الصغيرة بالغرفة والتفت لها قائلاً: "الغدا. يلا كلي كده، إنتِ خسيتي خالص. عاوز أجي آخد الأطباق دي ألاقيها ممسوحة." واستعد حتى يخرج من الغرفة، فاستوقفته زهرة قائلة

بصوت مهتز وعينان مدمعتان: "مـ.. ممكن تـ.. تديني حاجة للصداع يا ناير؟ لم يلتفت لها وأجابها قائلاً بصوت حاد لا يقبل النقاش: "لا." اقتربت منه وأمسكت برسغه تترجاه وعبراتها تجري على وجنتيها. "الله يخليك يا ناير. صدقني أنا تعبانة. تعبانة ودماغي هتنفجر م الصداع. عاوزة بس أي حاجة تخفف الوجع والصداع ده."

حل وثاق رسغه من قبضتها. تابع سيره ناحية باب الغرفة، لكنه توقف مكانه عندما شاهد الطاولة الصغيرة وما عليها يطيحان بالأرض. تبعهم صراخها هي. "يعني إيه لا؟ إنتِ مفكر نفسك مين ها؟ إنتِ ملكيش دعوة بيا. إنتِ اتخليتِ عني وسبتني. جاي دلوقتي تتعبيني تاني؟ غور امشي. مش عاوزة منك حاجة." شهقت بمفاجأة وألم عندما جذبها ناير بسرعة من شعرها وهتف من بين أسنانه:

"مع الأسف يا حياتي مفيش غير الأكل اللي إنتِ وقعتيه ده لغاية العشا. علينا وعليكي بخير بقي. ولغاية العشا إن شاء الله، ف مراتي حبيبتي هتنضف اللي هي عملته ده. أحسن ما يبقي مفيش عشا كمان." صرخت بعنف وعناد: "مش هنضف حاجة. لا عاوزة أكل ولا شرب. هفضل كده لحد ما أموت وربنا يخلصني منك." حفر الألم معالمه على وجهه بوضوح مع كل كلمة تتفوه بها زهرة، ولكنه أخفاه بمهارة وراح يهزها بعنف. "أنا هربيكي يا زهرة."

ودفعها حتى سقطت على الأرض بجانب ما أسقطته من طعام. "براحتك يا حياتي. يعني أسافر وأنا مرتاح لإنك كده كده مش هتاكلي بقي وعاوزة تخلصي مني. اوكي أنا هساعدك. هتوحشيني يا زهرتي ف الكام يوم اللي هغيبهم دول." وخرج وتركها وأغلق الباب خلفه بالمفتاح. ثوانٍ وكانت صرختها القوية تشق الصمت من حوله بسبب ألم رأسها الذي بدأ في التزايد بصورة غير محتملة، خاصة مع جذبه لها من خصلات شعرها بقوة والتي ساعدت في مضاعفة الألم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...