بالسادسة صباحًا، دلف ياسر إلى المنزل فقد انتهى دوامه. يضع يديه على قلبه من والدته ومن رأيها بزمزم. دلف إلى غرفته الخاصة وذهب في سبات عميق بعد ساعات من الإرهاق المتتابع والمستمر. استيقظ ياسر من نومه يشهق بمفاجأة، فقد سكبت والدته عليه كوب ماء مثلج. "قوم، قوم لي يا عين أمك. هي دي بقى اللي أنت بتفضلها على ميرنا؟
متخشيش ذمتي ببصلة حتى. كفاية أوي اللي نعرفه عنها. واحدة معاقة ومش متربية ودايرة على حل شعرها. عايزني أقولها إيه؟ خدي ابني أهو واتجوزيه! حاول ياسر الحديث وتهدئة الوضع قائلاً: "يا ماما، يا ماما اهدي، اهدي بقى الله يخليكي. أولًا إنها تبقى معاقة ده مش عيب. ومش دايرة على شعرها ولا حاجة، حد قالك إني باخدها شقق مفروشة؟
"المرة الجاية تاخدها وماله يا حبيبي، عشان تبقى ديوث. تتجوز دي وتبقى عارف اللي بتعمله بس هي راكباك ومدلدلة رجليها. ما أنا أربي ودي تيجي تخطف عقلك ع الجاهز ومن غير مجهود." ثم صاحت بغضب: "البت دي تقطع علاقتك بيها، أنت سامع ولا لأ؟ وهتتجوز ميرنا، ولو مش عاوزها ف هتبقى لا دي ولا دي. قعدتك عندي هنا أكرم لي." وخرجت من الغرفة بغضب. أما هو، فقد دفن وجهه بين كفيه وهو يفكر بزمزم وحدها. شريط ذكرياتهم القصيرة معًا يلوح أمامه. ***
انتظر ذلك الأسبوع حتى يستطيع الوقوف على قدميه. لم يفته ما رأى على ابنته الكبرى بالمستشفى. كانت أضخم بكثير من حجمها عندما تزوجت وأنجبت عدي حفيده. هاتف عابد يطلب منه المجيء إليه حتى يتحدث معه. كان عابد يحمل هم تلك المقابلة على كتفيه. ماذا سيقول لوالدها إذا ما سأله السؤال المعتاد؟ ما سبب زواجه من أخرى؟
ليس ذلك فحسب، بل أنه جاء بها إلى ابنته بمنزلها دون أن يعرف له جفن. حتى أن ابنته لم تعترض، فمن المؤكد أنه ينتظر سببًا جللًا. بعد مرور ساعة، كان يجلس عابد أمام ناصر يتصبب عرقًا من أسئلة ناصر المتكررة عن سبب زواجه من أخرى. خبط ناصر على المكتب بقوة قائلاً بصوت حاد: "أنا مجوزتهاش عشان تتهان يا عابد. اتجوزت على بنتي ليه؟ إلى هنا، فقد صبره، فهتف بضيق شديد: "عشان عايز أحس إني راجل."
تجمد ناصر بمكانه، لم يستطع فهم ما يقوله عابد. كيف يريد أن يشعر برجولته؟ ألم ينجب منها عدي؟ "يعني إيه؟ حك ذقنه قليلًا ثم هتف بنبرة حزينة جادة:
"عايز أحس إني مرغوب فيا عندها. عايز لما أبقى في أوقاتنا الخاصة معاها محسش إني باغتصابها. عايزها تستنى رجوعي من الشغل بابتسامة وهدوم خليعة. عايز وعايز وعايز عشان أحس بس إني راجل. لما اتجوزت عليها جريت ع البيت ورحت قولتلها كنت عايز أشوف غيرتها عليا. بس لقيتها بتزعق في وشي وبتعيط. قالتلي إني ناقص وحاسس إنها كتير عليا. وعشان كده رحت لواحدة ناقصة زيي عشان أسد فراغات شخصيتي. عايز لما أشوف عدي مفتكرش كل مرة بلمسها فيها بتبقى عاملة إزاي بين إيديا. بتسكت وبتكتم نفسها. بتخاف. دايماً شايفاني حد جاحد وقاسي أنا معرفوش. أنا معرفش أنا قلت لحضرتك الكلام ده إزاي، بس أنا بعتبرك زي والدي وهي بنتك ومن حقك تطمن عليها."
من بينهم جميعًا، لم يتعاطف مع أحد كما تعاطف مع كلاهما. نهض من مكانه وربت على كتفه. الآن فقط فهم جملة زهرة بوقت زواج تمارا: "حضرتك هتبقى السبب في عدم راحتهم هما الاتنين. معرفش هييجي اليوم ده وأنا عايشة ولا لأ، بس ده حضرتك هتشوفه في أول الجواز بينهم. ولو كابروا فساعتها هيهدوا حياتهم بأيديهم." "طلقها يا عابد. طلقها وارتاح وريحها يا ابني." ابتسم عابد بسخرية مريرة قائلاً: "حضرتك عايزني أنا أقول لتمارا: أنتِ طالق!!!
طلاقها وإني أحررها مني يبقى أنا بنتحر. أنا بحبها. بحبها من أول يوم شفتها فيه. بحبها. جبت منها سجدة عندها سنتين. تمارا الصغيرة نسخة شكل وطباع. هي اللي بمسكها وأبوسها وألاعبها عشان أحس بوجود تمارا جنبي." قطب جبينه قليلًا وهتف بحيرة: "سجدة مين؟ وشبه مين؟ "سجدة يا عمي. سجدة عابد سلمي. حفيتدك التانية اللي مكنتش تعرف بوجودها."
استند ناصر بكفيه على طاولة المكتب وعادت تلك النخزات مرة أخرى. فاته الكثير والكثير بحياة بناته، وجميعها ذكريات سيئة، ترى أي منهما سيستطيع محوه؟ *** بالشقة التي استأجرتها زهرة بمنزل عابد. دق الباب، فذهبت حتى ترى هوية الطارق أولًا. وجدته رجلًا يرتدي زي ما مدون عليه اسم محل الورود الموجود بالمنطقة، لكنها شكت به فلم تفتح الباب وسألته من الداخل: "أيوة، حضرتك عايز مين؟
"أنا شغال في محل الورد اللي تحت والبوكيه ده جه لحضرتك. ولا تستلميه وتمضي على استلامه." عادت تسأله من جديد: "طب لو فيه كارت على البوكيه لو تسمح تقولي من مين؟ تأفف الشاب بنفاذ صبر. منذ أن دخلت تلك البناية ويوجد بها شيء غريب. التفتيش الذاتي عندما حاول الدخول. "من ناير يا فندم. ممكن بقى تفتحي الباب وتمضي بالاستلام؟ فتحت زهرة الباب بحذر وبيدها الأخرى سكين حتى تدافع عن نفسها. أمد الشاب يده بباقة الورود وبالدفتر.
"اتفضلي يا فندم. البوكيه وياريت تمضيلي ع الاستلام هنا." فعلت زهرة كما أملها الشاب وأخذت الباقة ودلفت إلى المنزل وهي تضم الباقة إلى صدرها. اشتاقت إلى أفعاله قبل أن تكون زوجته فعليًا وأمام الله. ثلاثة أشهر كان يغدقها بحنانه وحبه لها حتى ترضي عنه. ولم تتغير أفعاله تلك بعد زواجهم الفعلي، لكنها كانت تقل بسبب انشغاله بعمله. "بحبك بردوا. بحبك وكل اللي أنا بعمله ده فترة بحاول أنسى فيها اللي حصل أو أتعايش معاه." ووضعت يدها
على بطنها قائلة بحزن شديد: "عايزة حتة منك جوايا. عايزة أحس بيك في كل نفس بتنفسه." أخرجها رنين هاتفها من شرودها. أمسكت الهاتف ثم ابتسمت عندما شاهدت رقمه يضيء شاشة الهاتف. "أيوة؟ "يا ستار يا رب. بقي دي طريقة يا شيخة تتعاملي بيها واحد لسه جايب لك ورد؟ هتفت هي بجدية مصطنعة: "بقولك إيه، هتقول أنت عايز إيه ولا أقفل؟ جاءها همسة الخبيث الوقح الذي تعشقه، ولكن رغمًا عنها تصاعدت الحرارة إلى وجنتيها.
"اللي أنا عاوزه مبيتقالش في التليفون وانتِ ست العارفين أنا مواضيعي بتطول. أنا هقفل بقى لأني عارف إنك مش هتردي. بس كلها كام يوم وتبقي في بيتي وتحديدًا في حضني. سلام يا زهرتي." أغلق الهاتف معها وظل ينظر إليه وهو يبتسم بعشق خالص. يريدها بين أحضانه الآن حتى يطفئ نار شوقه إليها. منذ حادثة اختطافها وبعدها دورانها على المستشفيات، وهو لم يلمسها قط. تمهيد براحة، فقد أثمرت أولى مراحل استردادها. ***
توعك معدتها أصبح مميت. منذ فجر أمس وهي تجيء وتذهب إلى المرحاض تفرغ ما بجوفها. لا تعلم السبب، لكنها بالنهاية علمت أنه بسبب أكل ذلك المطعم الذي أصرت الدخول إليه بالرغم من تحذير ياسر لها. دلفت إليها سيلين بعد أن دقت الباب لفترة ولم تستمع لصوتها، ففتحت الباب بقلق. اقتربت منها سيلين عندما شاهدت جلوسها منحنية أعلى الفراش. "إيه ده؟ مالك يا زمزم؟ ردت بصوت واهن: "مفيش تعبانة بس شوية." سيلين بإصرار:
"قولي لي مالك، أنت شكلك عايزة دكتور أساسًا." أشارت لها زمزم حتى تقف مكانها وتحاملت على نفسها: "لا لا... مفيش داعي. أنا بس أكلت امبارح أكل الظاهر كده إنه مش نضيف وهو اللي بهدلني كده. بصي أنا بس عايزة حد يجبلي العلاج ده." أخذت سيلين الورقة التي أشارت إليها زمزم قائلة: "حاضر يا حبيبتي، هقول لصفية تجبهولك." وخرجت من الغرفة. أما زمزم، فقد تمددت على الفراش بتعب شديد حتى تأتي لها سيلين بالدواء. بغرفة زمزم القديمة.
دلت شيما إلى الغرفة بملامح مغتاظة وغاضبة، فقد تلصصت على غرفة زمزم كالعادة واستمعت إلى شكوتها من وجع معدتها وعلمت السبب. ولكن سيفيدها كثيرًا إضافة بعض الكلمات التي ستغير مجرى الحديث وتسئ الفهم. التفت وقاص إليها يغلق أزرار قميصه، فلاحظ توترها المصطنع. قطب جبينه قليلًا وهتف بتساؤل: "مالك يا شيما متوترة كده ليه؟ ردت هي بارتباك مصطنع: "مم... مالي يعني. م أنا كويسة أهو."
اقترب منها وقاص وهتف بصوت حاد تعرفه جيدًا، وتعلم أنه لن يتركها حتى يعرف. "كلامي مبحبش أعيده. فيه إيه؟ ابتلعت ريقها وهتفت بصوت خبيث: "بصراحة كده أنا كنت رايحة أطلب أكل من صفية. وبالصدفة سمعت صوت زمزم وهي عمالة تتوجع. جيت أدخلها لقيت سيلين دخلت وبعدين سمعتها من جوة بتقولها إن بطنها وجعاها وعمالة بترجع. سيلين قالت لها دكتور، زمزم انتفضت وزعقت لها قالت لها لا دكتور لا أنا دلوقتي هبقى كويسة. بـ بـ بـ بس... وقاص بنفاذ صبر:
"بس إيه يا شيما؟ "بصراحة كده أنا شاكة فيها. أنا عارفة إنه مش من حقي أدخل، بس لما ألاقي حاجة تمسك وتمس اسمك يبقى أتوكل." قاطعها وقاص بغضب وصوت مرتفع: "ما تخلصي بقى. هو إيه المقدمة الطويلة العريضة دي؟ شيما بسرعة خوفًا من غضبه هذه المرة، فهي تعمدت ألا تذكر شقيقته بالسوء حتى لا ينفضح أمرها إذا واجهها.
"زمزم على علاقة مع الدكتور اللي بتروح له. نسيت تليفونها في يوم وأنا كنت قاعدة بالصدفة فقريت رسالة جايلها. كنت شاكة فيها الصراحة عشان بتتكلم على الواتس كتير جدًا. ففتحتها لقيتها بتكلم الدكتور ده. وطبعًا العلاقة بينهم اتطورت لأن أنا أعرف الموضوع ده من كذا شهر." أنهت شيما كلامها بصرخة ألم عندما جذبها وقاص بسرعة لم تتداركها من خصلاتها قائلاً بغضب: "ولما أنتِ عارفة كل ده متقوليش ليه؟
سيباها على حل شعرها ولا أنتِ كمان زيها!! أنا هربيكي يا شيما بس لما هي تتربي الأول حاااااضر." ولفظها من يده وخرج من الغرفة بغضب. بعد خروجه، تنفست شيما الصعداء ودلت موضع الألم وهي تبتسم بخبث وفرحة. كان ياسر يتحدث بالهاتف بملامح متجهمة وضيق جلي يظهر على محياه. يرفض حديث ذلك الرجل ويرفض ما يطلبه منه. "أنا بحبها. حبيتها بجد. ومش هسيبها. وهي كمان بتحبني." جاءه صوت الطرف الآخر يقول بغضب: "يعني إيه؟
ده اتفاق. اتفاق يا ياسر. اللي أنا قلته هيحصل بدل ما أقلب الترابيزة عليك. اعقل كده ونفذ اتفاقنا." عاد ياسر يتوسل إلى ذلك الرجل من جديد: "ليه عايزين تدمرها كده!! كفاية بقى سيبوها. أنا حبتها بجد. اللعبة قلبت بجد وحبتها واتعلقت بيها زي ما هي اتعلقت بيا." جاءه صوت:
"اسمع يا ياسر. الحكاية كلها كانت لعبة. أمك عارفة كده كمان. أنا استعنت بيك لأنك زي ابني. وحط ميت خط تحت زي دي. في النهاية ولائي كله لابني وأحافظ على شرفه واللي يخصه. ابعد عنها يا ياسر. زمزم تخص عيلتي وبيتي." وأغلق الهاتف بوجهه دون زيادة كلمة أخرى. لم يستمع ياسر إلى أي من كلماته وفتح هاتفه مرسلاً إليها برسالة: "أنا بحبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!