داخل شركة المقاولات الخاصة بقدري النوساني... كان يجلس على الكرسي ويتحدث في الهاتف بملامح متجهمة وغاضبة. ذلك الشاب يركض وراءه منذ أكثر من شهرين منذ حفلة عيد ميلاد شيما. تلك الحفلة الملعونة. جاءت المصائب فوق رأسهم بعدها تباعًا. مجيء ناصر، وما حدث له، وما حدث لبناته وكشف بتلك الفترة. "طيب.. طيب أنا هقفل وأتصل بيك تاني.. هفهمك كل حاجة يا غانم باشا.. سلام." أغلق الهاتف وتأفف بضيق، ثم رفع سماعة الهاتف.
"أيوة يا بنتي.. اطلبيلي الأستاذ وقاص ضروري." بعد قليل، دلف وقاص إلى مكتب أبيه بعد أن سمع الإذن بالدخول. تحدث قدري بحدة وملامح غاضبة للغاية.
"شوف حل ف موضوع بنت عمك يا وقاص. ابن غانم طلبها للجواز. وأنا مش هفضل أداريها كتير. الأستاذ شافها ف عيد ميلاد الهانم اللي من ساعة ما دخلت البيت والمصايب نازلة على دماغنا. واللي أنت أصرت إنها تحضرها برضه. يا تعلن جوازك منها وساعتها هتبقى ملزم تعملها فرح، يا أما تطلقها ومحدش يعرف كده كده أنت ملمستهاش." اتسعت عينا وقاص بصدمة مما قاله والده، مستغربًا من معرفته بمعلومة شخصية كهذه.
"كلنا عارفين إنك ملمستهاش. كان زمان يخصني، لكن دلوقتي لأ. اللي أنت عاوز تعمله اعمله، بس تخلصني من غانم وابنه، مش ناقص زن أنا. اتفضل على شغلك ومش عاوز أسمع كلمة واحدة." خرج وقاص من المكتب وهو يكاد ينفجر من الغضب بسبب تلك المدعوة زوجته. لم يكن يريد أن يجرحها أو يقضي على مستقبلها. كان سينهي الأمر بكشف صغير حتى يتأكد من عفتها. لكن الآن، وبعد أن تحدث مع والده، محى ذلك من رأسه تمامًا.
رن هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله. تفاجأ عندما رأى رقم ذلك الرجل المكلف بمراقبتها. لماذا يتصل به الآن، فهو يقوم بسرد تحركاتها له عن طريق تقرير أسبوعي. من المؤكد أنه قد حدث أمر جلل. ولكن ما هو؟ "أيوة يا سيد... أغمض عينيه بقوة يعتصرهم بغضب شديد. لم يكن يتخيل أن تفعل ما فعلته. كان يحاول كبح جماح غضبه منذ أن علم بعلاقتها مع ياسر، لكن الآن لن يستطيع. بالنهاية هي زوجته، كما أنها تحمل اسم عائلته ودمه. ابنته عمه. ***
ساوره الشك نحوها عندما تحدثا بالأمس. كانت تتحدث كمن تملك درعًا حاميًا إذا ما تخلى عنها أو آذاها. لكن ذلك السند ليس بوالدها، فهي لا تتحدث معه. إذاً، من يكون؟ لم يفته ذلك التغيير فيها. لم يطلب منها قط اتباع حمية غذائية لإنقاص وزنها. إذاً، لمن فعلتها ونجحت بها، وهي التي تفشل وبجداره في كل شيء يخصه؟
كان سيواجهها ويطلب منها ردًا على تساؤلاته، لكنه تراجع، فهي لن تريح باله ولن تفصح عن الشيء الذي بدل حالها تمامًا. لذلك، ترك الأمور كما هي عليه وقرر الحديث معها بشأن موضوع ما. "تمارا... كانت منشغلة بمسلسل تتابعه على التلفاز. "هممم؟ نفخ بضيق قائلاً: "طب وطي الصوت واتفرجي عليها في الإعادة، لأني عاوز أتكلم في حاجة مهمة." كانت الصوت والتفتت له بضيق شديد وهتفت: "ها... نعم، أديني قفلته أهو."
"حضرتك بقالك سنة أهو ومحملتيش. إيه السبب بقي؟ رمشت بعينيها بدهشة وبلاهة ثم قالت: "نعم!!!! ده على أساس إني مخخلفتش يعني؟ احتدمت نظراته النارية نحوها واستأنف حديثه: "اتكلمي عدل يا تمارا. أنت جبتي عدي وكمل سنة وقبل ما يكملها كنتِ حامل في سجدة. المرادي لأ، ليه؟ نهضت من مكانها بعصبية ورمت الريموت كنترول على الأريكة بغضب شديد.
"المرادي لأ عشان عاوزة أحس إني ست مش أرنبة عمالة بتخلف وترمي، ويا ريت اللي بتحمل منه قاعد معاها مثلاً، لأ ده بيدور على مزاجه واتجوز. محملتش عشان باخد مانع حمل ومش هبطله. حس بيا بقى يا أخويا، حس بيا شوية، مش كل حاجة عاوز تربطني جنبك وتقتل أحلامي. كفاية أبويا قتل طموحي ومنعني إني أشتغل وأنت جيت كملت. لأ، إزاي عمال تتفنن في أذايا. اوف." دلفت إلى غرفتها تبكي على عنفه وقسوته معها في أبسط تفاصيل حياتهم. جارية...
جارية عرضها والدها للبيع ودون تعب. بعد مرور نصف ساعة، جاءتها تلك النغمة التي خصصتها للرسائل. وبالطبع كانت سببًا في تبدل حالها أو نسيان ما حدث مع زوجها لدقائق، وهي تعاود قراءة تلك الرسائل مرة أخرى. ***
دلفت زمزم إلى المنزل وهي تدور حول نفسها بسعادة غامرة وتدندن بعض الأغاني الرومانسية القديمة. اندمجت كثيرًا، خاصة وأنها تعلم أن السيدة نجاة والسيد قدري خرجا من المنزل حتى يزورا أقاربهم. فقط سيلين هي من توجد بالمنزل. فكت ربطة شعرها وأصبحت تتمايل به بسعادة، إلى أن وقف أمامها وقاص يحدق بها بنظرات حارقة. "كنتِ فين؟ وضعت قلبها على صدرها الذي خفق بجنون عندما تفاجأت به أمامها. "كنت ما كان م كنت... وسيبني بقى في حالي."
وتركته وصعدت على الدرج. دلفت إلى غرفتها وأسرعت بخلع ملابسها وتبديلها. اليوم ستظل مستيقظة مع ياسر على الهاتف حتى ينتهي من عمله الليلي بالمشفي. أمسكت الهاتف واتصلت به. "زمزم!! "فكرتك مش هتتصلي بيا"، قالها ياسر بدهشة. ابتسمت زمزم بحب وهي تقول برقة حقيقية: "أنا نيتي إني مرجعش في كلامي وعشان كده اتصلت. أنت بقى لو اتصالي مضايقك فخلاص ممكن أقفل." "عاوزني أقفل؟ أسرع ياسر يرد عليها بلهفة:
"لأ لأ تقفلي ليه. أنا أصلاً كنت هكلمك بس اتفاجئت إنها جت منك. المهم، أكل الحاجة عجبك؟ امتعضت ملامح زمزم بعض الشيء عندما تذكرت معاملة والدته لها، ولكنها تحملتها. فلن تكون أسوأ من السيدة نجاة. توجس ياسر من صمتها ذاك. ظن أن والدته وبختها بكلامها، خاصة وأنها تعلم الموضوع كاملاً. "زمزم، هي ماما ضايقتك ولا حاجة؟ اصطنعت ابتسامة على ثغرها وهتفت بصوت متداعي:
"لأ لأ، بالعكس مدايقتش خالص. أنا أصلي عارفة طنط. تقريبًا كده هي مبتاخدش على الناس بسرعة، بس متقلقش هتحبني إن شاء الله." زفر ياسر براحة، فقد كان قلبه على وشك التوقف من أن تكون والدته فعلت شيئًا لا يليق. بالأسفل، وبعد أن صعدت زمزم، قام وقاص برمي هاتفه على الأرض الصلبة حتى تحطم، تلاه الطاولة الموجودة أمامه وأسقط ما عليها من تحف غالية الثمن. جلس على المقعد يلهث بعنف وغضب عارم وهتف بشراسة:
"تقلّي حسابك. تقلّي حسابك معايا يا زمزم، هتدفعيه أضعاف مضاعفة. صدقيني." *** مر أسبوع كامل وهي بعيدة عنه. عن أحضانه. عن عالمه. تركته وذهبت حتى تجلس مع أختها الكبرى تمارا. لم تهاتفه مرة واحدة حتى ولو بالخطأ. ركب سيارته وأدارها عازمًا على تصفية الأمور بينهم حتى لا تتعقد أكثر. خاصة وأن ما حدث لم يكن له ذنب به. صعد إلى شقة عابد أولاً حتى يستأذنه بالدخول إلى منزله. "السلام عليكم"، قالها ناير وهي يمد يده حتى يصافح عابد.
بادله عابد السلام قائلاً: "وعليكم السلام. اتفضل يا ناير، ادخل." هز رأسه نفياً وهتف بابتسامة: "ربنا يخليك يا درش. أنا بس جاي أستأذن إني أطلع للمدام بتاعتي لأنها قاعدة في بيتك." قطب عابد جبينه قائلاً باستغراب: "وجاي تستأذن ليه؟ ما هي مراتك. ثم إنها أصلاً مش قاعدة حبي، ديه أصرت إنها تدفع حق قعادها رغم إني أصرت، بس دماغها ناشفة وأنا مش حمل مناهدة، فسبتها على راحتها." أومأ برأسه بابتسامة فأكمل عابد:
"بس أنت عرفت منين إنها هنا؟ ناير بأسف: "أنت عارف، يعني هي مبتكلمش أبوها، ومستحيل تروحله. ومبطقش جوز زمزم، فمستحيل بردوا. مفيش غيرك يا عابد. ده غير إن ليك معزة خاصة عندها. وأنا مش ناسي إنك أنت اللي أقنعتها بيا." ربت عابد على كتف ناير يحمسه، وبريق الخذلان يلمع بعينيه. "المهم إن حياتكوا متفشلش. مش مهم خالص مين اللي أقنعكوا ببعض. لأن ده مش هيفيد لو البيت لاقدر الله اتهد. اطلع لها يا ناير، اطلع."
صعد ناير الدرج وصولاً إلى الشقة التي تقطن بها زوجته العزيزة. دق الباب. مرت ثوانٍ قليلة ولم يستمع إلى صوتها، فقط خطواتها التي اقتربت من الباب حتى تتأكد من هوية الطارق. "افتحي يا زهرة. هنتكلم مع بعض بس." مرت دقيقة. اثنتان. وفتحت الباب مشيرة له بالدخول دون كلمة واحدة. دلف ناير إلى المنزل وجلس على المقعد منتظرًا قدومها. تحركت زهرة من أمام الباب بخطوات بطيئة مثقلة نحوه ووقفت أمامه حتى تخبره بخفية أنه غير مرغوب فيه.
"عارف إنك مش عاوزة تشوفي وشي، بس ياريت تقعدي. عشان إحنا لازم نتكلم يا زهرة." جلست أمامه ببطء ونظرت له بهدوء شديد. "عاوز إيه يا ناير؟ آخر مرة قولتلي هسيبك وهطلقك. جاي تاني ليه دلوقتي؟ ابتلع ريقه بصعوبة وهتف بصوت متحشرج: "عاوزك... جاي وعاوزك يا زهرة. صدقيني بعد ما قولتلك كده ومشيتي، رحت لمأذون. وجهزتلي كل حاجة عشان أطلقك غيابي وأريحك. بس مقدرتش... مقدرتش... أنا بحبك."
دمعت عيناها بلحظة ولم تستطع السيطرة على دموعها فانحدرت لتسقط على وجنتها وصوتها الباكي يقول: "وأنا... وأنا كمان بحبك يا ناير. بس اللي حصلي صعب. تخليك عني وأنا بناديلك وبترجاك تنقذني منهم وأنت تقولي آسف. صعبة. موتتني. وهما كملوا عليا لما أدمنت. بس الضربة اللي ضعفتني كانت منك أنت. هما كملوا اللي أنت بدأته مش أكتر."
بكى هو الآخر حزنًا عليها. أحس بسكين ينغرز بصدره وهو يستمع إلى معاناتها لأول مرة منها. إحساسه بالذنب يقتله. بالوقت الذي كانت ترى فيه العذاب ألوان، كان هو يتزوج. "شغلي كان بي... قاطعته هي مكملة بصوت هادئ باكي:
"شغلك بيجبرك إنك تختاره حتى لو خيروك بينه وبين ابنك. أو بينه وبين عيلتك. بس أنا بقولك لأ يا ناير. أنا مش هعيش كده. مش هعيش مع واحد بيفضل شغله عليا. مش هعيش مع ناصر النوساني تاني. ناصر بيه سابني لأمي ومن أمي للمربيات وهو كان مشغول في الترقيات ويروح هنا وهنا عشان يترقى. لما رفضتك، رفضتك عشان شغلك. واللي أقنعني بيك عابد، وهو كان السبب إن الخطوبة تطول وتبقى ٦ شهور عشان أتعرف عليك كويس. وساعتها مصدرش منك أي حاجة وحشة. كل حاجة صدرت منك كنت أنا بتمنى إنها تكون في شريك حياتي. يمكن أنا غلطت في الحكم عليك واتسرعت. لأنك كنت بتقول كلام وبس. متحطتش في موقف فعلي."
جلس على ركبتيه أمامها يتوسلها حتى لا تتركه. لن يستطيع الحياة بدونها. يريد تعويضها عما اقترفه بحقها. يريد مواصفات ذلك الشخص حتى يأتي به ويأخذ حقها منه. هي من شاهدته. "صدقيني يا زهرة، أنت كل حاجة في حياتي. اديني فرصة. فرصة واحدة بس. خليني أعوضك عن اللي حصلك بسببي."
أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى ترفض الحديث في ذلك الموضوع. لم تكذب على نفسها، هي تحبه بل تعشقه. عوضها عن وجود أبيها، كان يعاملها كابنته. لم يطالبها بحقوقه. تركها كما تريد. ذاب الجليد بينهم، وبطريقته معها، بعد ثلاثة أشهر من زواجهم. نهض ناير من مكانه وأزال عبراته بقوة ووقف أمامها يقول: "هترجعيلي يا زهرة. بنتي اللي ربيتها على إيدي مش هتقسى على أبوها. أبوها إنسان وبيغلط وهي لازم تسامحه."
وخرج من المنزل بأكمله تاركًا إياها وراءه تبكي على حالهم سوياً. فقط لو حاول بث الطمأنينة داخلها في ذلك الوقت، حتى لو كانت بالكذب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!