بعد مرور أسبوع... "أهو جبتلك طلبك... إيدك بقى ع الحلاوة." تعلقَت عينا زهرة بما بيد تلك الممرضة بسعادة مرضية وهي تتأمل ذلك المسحوق الأبيض الذي بيدها راحتها وسعادتها كما تظن. مدت زهرة يدها حتى تلتقط الكيس الصغير، لكن الممرضة أبعدته عن مرمى يديها قائلة: "لأ لأ... حلاوتي الأول." عبست زهرة قليلاً وهتفت بصوت باكي: "الله يخليكي اديهوني... أنا مش معايا حاجة عشان أديهالك."
حولت الممرضة عيناها إلى الحلقة الذهبية الملفوفة حول إصبعها، فلم تتردد قط في نزعها وإعطائها لها. وتركت لها الممرضة الكيس وخرجت فرحة بما حصلت عليه من هذه المريضة الساذجة. بالداخل، أسرعت زهرة بفتح الكيس ووضعت بعضاً منه على يدها واستنشقته باستمتاع، وكذلك حتى أنهت الجرعة كاملة. خبأت الكيس بداخل ملابسها الداخلية حتى لا يراه أحد، وذهبت في سبات عميق.
باليوم التالي، استيقظت زهرة على ضوء الصباح يغزو الغرفة. فتحت عينيها ببطء ليطالعها وجه ناير المبتسم وهو يقول: "صباح الفل يا زهرتي... عاملة إيه النهارده." ابتسمت زهرة بشرود قليلاً وهتفت: "أنا الحمد لله... أحسن." "طيب الحمد لله... عملتي مشاكل الأسبوع اللي فات لحد ما ربطوكي كالعادة." قالها ناير بمشاكسة وهو يداعب أرنبة أنفها. رفعت زهرة قدميها ويديها لتري كيف يقيدونها، وقالت بسخرية: "حبيت أتسلّى شوية...
خصوصاً إنك سبتني الأسبوع اللي فات كله وما جيتليش خالص." ناير آسف: "سماح المرادي يا زهرتي صدقيني كان عندي شغل ضروري وما كانش ينفع يتأخر." رفعت حاجبيها الكثيفين بطريقة ساخرة وهي تمط شفتيها: "اممم... شغل... ضروري... وما يتأخرش... الكلام ده ما بيفكركش بحاجة؟ تغيرت معالم وجهه إلى الجمود والألم، ونهض من مكانه يقرب منها الطاولة الموجود عليها الطعام: "سيبك من شغلي يا ستي، اديني رجعت أهو وهجيلك كل يوم كمان...
اتفضلي افطري بقى." "عاوزة العلاج الأول." ابتسم ناير بخفة واقترب منها ليحرر يدها قائلاً: "تاكلي الأول وبعدين تاخدي علاجك... يلا أنا هفطر معاكي أهو." اضطرت زهرة أن تتناول طعامها أولاً حتى تحصل على ما تريده. "بالهنا... كده بقى تاخدي علاجك." تناولت علاجها، ثم بدأ الصداع يخمد قليلاً. نظرت إليه قائلة: "عاوزة أروح الحمام ممكن تفكني؟ ضحك ناير بقوة ثم هتف: "قولي إنك عاوزاني أفُكّك، ما فيهاش مشكلة بس بلاش حوارات يا زهرتي...
إنت عارفة إني مش بخاف منك يعني." ابتسمت له بسماجة هاتفة: "فعلاً... ممكن بقى تفكني؟ "طبعاً بس ثواني صغيرين أد كده." قام ناير من مكانه وأوصد الباب بالمفتاح ووضعه بجيب بنطاله، وسار نحوها وفك قيدها. "أهو يا ستي... ها بقى تعالي استحمي كده وسرحي شعرك ده وخلينا قاعدين مع بعض اليوم كله النهاردة." "مش عاوزة... عاجبني نفسي كده... وكمان مش عاوزاك تقعد معايا أصلاً." كان ناير ينظر إلى بقعة ما بغضب شديد، حتى رفع بصره إليها وهتف:
"مين؟ "مين إيه؟ "مين اللي لبسك بنص كم؟ ابتسمت زهرة بتشفي وفرح وهتفت بابتسامة عريضة وعيون مدمعة: "امبارح يا سيدي طلبت منهم أستحمى رفضوا... فقولتلهم ع الأقل أغير هدومي وواحدة من الممرضين أخدت رأيي في اللي هلبسه وأنا اخترت ده أصل الجو حر جداً." نهض من مكانه وسار إلى الحقيبة الموجودة وأخرج محتواها حتى عثر على كنزة أخرى بأكمام طويلة. أمد يده بها: "خدي البسي ديه." هزت رأسها نفياً ببراءة مصطنعة: "لأ... ديه مريحاني أكتر...
مش عاوزة اللي في إيدك." "البسيها يا زهرة بدل ما ألبسهالك غصب عنك... يلا." ربعت يديها والتفتت للجهة الأخرى وأردفت: "لأ... مش هلبسها... إنت جاي تقعد معايا ولا تضايقني." زمجر بغضب واقترب منها يحاول تبديل تلك الكنزة التي ترتديها بالموجودة بيده، لكنها نهضت من مكانها بسرعة وركضت في الغرفة وهي تضحك بطريقة غير طبيعية جعلته يجعد جبينه في شك. "زهرة... إنت مالك النهاردة فيه إيه؟ "مفيش حاجة بس عاوزة أجري...
وطبعاً مش مسموحلي إني أنزل الجنينة ف بحاول أعمل ده في الأوضة الكبيرة ديه." "ماشي يا زهرة بس غيري التي شيرت ده الأول والبسي التاني." "لأ... أنا هفضل بده يا إما إنت تمشي لو مدايق." زفر ناير بضيق وحنق قائلاً: "خلاص ماشي... تعالي اقعدي بقى." *** بالسرايا... تجلس زمزم بالمطبخ وتطهو الطعام كما أمرتها السيدة نجاة. تمسك بهاتفها تنتظر رسالته بفارغ الصبر بابتسامة رقيقة على شفتيها. حتى أعلن هاتفها عن وصول رسالة ما.
"أنا الحمد لله كويس... إنت أخبارك إيه؟ فتحت الرسالة بلهفة وكتبت: "الحمد لله... كويسة." "أخبار رجلك إيه؟؟ أحسن؟ ظلت تنظر إلى الهاتف بيدها بابتسامة فرحة وشعور بالكمال لأول مرة. فها هي لأول مرة يهتم أحد لأمرها سوى شقيقاتها وعمها وابنته. قطع شرودها صوت وقاص وهو يدلف إلى المطبخ: "عاوز ميه." لم تستمع إليه زمزم من الأساس، فقد كانت شاردة في الرسالة كما هي.
حول بصره ناحية ما يلهيها عنه فوجد الهاتف بيدها. فاقترب منها وهزها بقوة قليلاً. ذعرت زمزم من الحركة المفاجئة وسقط هاتفها منها. "ن... نعم." كانت تتهرب بعينيها من نظرات عينيه التي ثبتت عليها واخترقتها. "عاوز ميه... مش سامعاني؟ اخفضت رأسها عندما شاهدت إصراره على تفحصها وهتفت بصوت خافت: "كنت عاوز حاجة." "آه... ميه وتجيلي في أوضتي يمكن تفوقي من السرحان ده شوية." وخرج من المطبخ.
انحنت هي حتى تجلب الهاتف الذي سقط منها وذهبت إلى البراد حتى تجلب له الماء. دق باب الغرفة ففتحت شيماء الباب ونظرت إلى زمزم باستهزاء: "خير!! امدت لها يدها بزجاجة مياه وكوب قائلة برقتها المعهودة: "وقاص كان طالب ميه وقالي أجيبهاله في الأوضة." "طيب هاتيها... ممكن تمشي بقى؟ التفتت زمزم حتى تغادر، لكن صوت رنين هاتفها فردت بسرعة غافلة عن هذه المرأة وراءها وهي تتسمع على مكالمتها. "الو... أنا الحمد لله...
لأ كنت بعمل حاجات كده في المطبخ ومعرفتش أرد." جاءها صوت ياسر يقول: "ما روحتيش شفتي الأشعة ليه؟ أستاذ عبد القادر قالي دي رجلك مينفعش تسكتي عليها كده خصوصاً أن منظرها كان صعب جدا." "لأ لأ... أنا أصلاً مبحبش الدكاترة... والمرة اللي فاتت بابا هو اللي أصر على دكتور عشان رجلي... وسبحان الله يعني ارتحت لحضرتك وخليتك تكشف عليا... يعني تجارب الدكاترة مش سهلة أوي كده بالنسبالي." "عقدة صح؟؟ بسبب الحادثة اللي سببتلك الإعاقة...
"الو... الو... على الجهة الأخرى، أغلقت زمزم الهاتف دون قصد، فقد ارتجفت يداها بسبب خروج وقاص من الغرفة على حين غرة وهو يستدعيها حتى تتبعه إلى غرفتها. فأغلقت الهاتف وأزالت آخر مكالمة من سجل المكالمات. "تعالي... اقعدي بقى مش هفضل أقولك كل حاجة كده." سارت زمزم حتى جلست على الكرسي وانتبهت له. "دلوقتي إنتِ واحدة بس... أنا وشيماء اتنين... طبعاً من ساعة ما جينا واحنا بنام في الأوضة الصغيرة ديه...
وإنت بتنامي في الكبيرة لوحدك... ف إحنا عاوزين الأوض... قاطعته زمزم قائلة: "مفيش مشكلة... أنا أصلاً كنت عاوزة أستأذن نجاة هانم إني آخد الأوضة اللي في الجنينة... عاوز حاجة تاني مني؟ نهض وقاص من مكانه قائلاً: "لأ... هو ده الموضوع اللي كنت هكلمك فيه بس... إنت كنتِ بتكلمي مين في التليفون؟ ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت: "اا الرقم كان غلط." وقاص بشك: "الرقم كان غلط... اممم طيب...
" وخرج من الغرفة وهي وراءه حتى تعود لعملها بالمطبخ وتنهيه. *** بمنزل "عابد سلمي" كانت تمارا تجلس على الأريكة وبجانبها طفليها بمنزل جدتهم. عندما دلف إلى المنزل عابد بهيبته الطاغية. أمسك بيد والدته وقبلها قائلاً: "عاملة إيه يا ست الكل؟ ربتت والدته على كفه قائلة: "الحمد لله يا حبيبي... إنت أخبار شغلك إيه؟ عابد بابتسامة ونبرة ذات معنى: "الحمد لله... الشغل كويس جداً...
حتى إني أخدت أسبوع إجازة وهقضيه كله هنا عشان زينب سافرت لأهلها." ارتعشت تمارا رغماً عنها بعد أن صرح بمكوثه معهم لمدة أسبوع كامل، وبالطبع لن يتنازل عن حقه فيها. فمنذ يومين أخذها لموعد استشارتها مع الطبيبة التي طمأنته بتمكنها من وقف النزيف وأنهم بإمكانهم ممارسة حياتهم بطبيعية. "يلا يا تمرة قومي اطلعي مع جوزك." زاغت بعينيها تحاول الهروب وهتفت: "طيب بس أقفلك ع الأكل الأول."
"لأ يا حببتي خلاص كتر خيرك إنك عملتيه أنا هتابعه." حاولت تمارا الحديث لكن والدته أوقفتها وهي تقول بصرامة وقوة: "قلت مع جوزك يلا... جاي من الشغل تعبان وعاوز يرتاح." نهضت تمارا من مكانها بضيق شديد وسارت نحو الباب يتبعها عابد. دلفا إلى الشقة بهدوء شديد لم يتفوه أحدهم بكلمة، فقط الصمت هو الذي يسود الأجواء. "أنا جعان حضريلي الأكل لو سمحتي." أومأت تمارا برأسها إيجاباً وسارت إلى المطبخ حتى تطهو الطعام.
بعد الانتهاء من الطعام نظر عابد إلى تمارا قائلاً: "شيلي الأكل وتعالي الأوضة." أغمضت عينيها بقوة وهي تهدئ من روعها. تعلم أنه نسخة من والدها ولذلك رفضته عندما تقدم لها، لكن والدها وطغيانه أصر على إتمام تلك الزيجة. وبسبب خوفها من والدها لم تتمكن من إخباره بعدم رغبتها فيها. وكحال شقيقتيها اختارت التأقلم مع الظروف والتلوّي معها أينما انجرفت بدلاً من الاعتراض عليها من البداية. "سيبي النور مفتوح." أجابت بصوت باكي:
"لو سمحت خليني أقفلُه الله يخليك." كانت تتوسل إليه وهي تعلم أنه لن يجدي معه. عابد لا يضعف ولا يتأثر أمام دموعها، فقط الجمود هو ما يسود الأجواء بينهم. ولكن ذلك لم يمنعها من المحاولة مرة أخرى. "يا عابد... "خلصنا تعالي يلا." سارت بخطوات بطيئة مثقلة نحوه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!