الفصل 13 | من 30 فصل

رواية القديمة تحلى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نرمين

المشاهدات
23
كلمة
2,121
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

لم يستطع تجاهل خفقات قلبه أكثر من ذلك. يريد أن يراها، يضمها إلى صدره حتى لو رغماً عنها. يومه ناقص بدونها مهما حاول الانشغال بالعمل. ابتعد عنها فقط أسبوعان، كان يحدثها بالهاتف يومياً لكن رؤيتها شيء آخر. يريد ليلة من لياليهم معاً يطفئ بها نار شوقه إليها وولعه بها. رغم علمه أنها لن تتجاوب معه، يستشعر نفورها منه. يرى تعبيرات وجهها الحزينة وهي بين يديه. التقط هاتفه حتى يتصل بها. "الو؟

كان ذلك صوتها. نبرتها الناعمة تلك اشتاق لها كثيراً. يفتقد كل شيء بها، لكنه لن يتحمل خيبة أخرى وخذلان آخر. "عاملة إيه يا تمارا؟ والعيال عاملين إيه؟ ردت هي بجفاء. "الحمد لله، كويسين." وصمتت. طمأنته على حالهم وصمتت. "تمارا أنا عايز أشوفك، عايز أشوف مراتي." قالها بهمس ونبرة ضعيفة مكسورة لم يستطع السيطرة عليها. تجاهلت تلك النبرة التي زعزعت كيانها بالكامل وهتفت بجمود قاسٍ.

"مراتك معاك يا عابد، زينب معاك. أنا أم ولادك. سلام." وأغلقت الهاتف وبكت. لم تنكر إحساسها بالنقص بدونه. لم تكرهه يوماً، لكنها لم تستطع تقبله كزوج. تحسست تلك الحلقة حول إصبعها وشردت في ليلة زفافها. كانت بكاء وعويل حتى يبتعد عنها. تجهمت ملامح وجهه بضيق وحنق قائلاً بصوت حاول إخراجه هادئاً. "طيب أنا عملت إيه دلوقتي؟ بطلي عياط أنا ما عملتش حاجة." لم ترد عليه وتابعت بكائها. فزمجر هو بغضب. "بطلي زفت وقوليلي فيه إيه؟

توقفت عن البكاء خوفاً منه وعدلت من وضع الشرشف حول جسدها. "أنا خايفة." تبدلت ملامح وجهه إلى اللين وحاوط كتفيها بذراعه. "متخافيش، أنا ما عملتش حاجة وأنتِ عمالة تعيطي. اهدي طيب." بعد قليل توقفت عن البكاء وهدأت قليلاً. أما هو فتراجع عما أراده وانشغل بتهدئتها حتى نامت. سحب يده برفق ودثرها بالفراش وخرج من الغرفة حتى يجلب ماء. بعد أن اطمأنت إلى خروجه فتحت عينيها وعاودت البكاء وهي تقول بصوت مسموع قليلاً.

"ربنا يسامحك يا بابا، ربنا يسامحك." توقف مكانه بصدمة. لم يكن من الصعب عليه أن يفهم معنى كلماتها. تمارا تزوجته رغماً عنها، أو بالأحرى بضغط من أبيها. وعلى مدار الأيام التالية كان يتعامل معها بجفاء. إلى أن مر أسبوع على زواجهم. اقترب منها حتى يتخلص من ذلك الشك الذي عصف برأسه. فعاودت البكاء والتشنج من مجرد لمسة لها. هنا لم يستطع التحلي بالصبر وهتف بغضب.

"بقولك إيه، خايفة ومش خايفة ده مش عندي. ده هيحصل هيحصل فاهدي كده وارخي نفسك، مش هتموتي." بذلك الأسبوع كانت نظرتها له بدأت بالفعل أن تتغير. لكن بما يريد فعله الآن وبما قاله تجسدت أمامها شخصية والدها الصارمة. تلقائياً وجدت نفسها تتوقف عن البكاء والحركة وتركته يفعل ما يريد. أدركت بما لا يقبل الشك أنها وقعت بنسخة ناصر النوساني وأنها أصبحت زوجته شاءت أم ابت. لذلك وجدت أن تتعامل معه كما تتعامل مع والدها.

لم تستطع أن تكون سعيدة بحملها بطفلها الأول. اتخذته كإجراء روتيني. تزوجت، ومن المؤكد أن تنجب أطفال. *** وكالعادة أصدر هاتفها صوتاً يخبرها بوصول رسالة. التقطت الهاتف وفتحت الرسالة. هذه المرة لم تكن مديح بها أو غزل. "الساعة ١٠ ونص، بحبك." قطبت حاجبيها باستغراب ولم تفهم. قلبت شفتيها بجهل وتركت الهاتف وأخذت طفليها حتى تذهب إلى موعد تدريبها وترى زمزم. فقد أخبرتها بالأمس بوجود ناصر النوساني بالمنزل. ***

ارتدت زمزم ملابسها تحت أنظار سيلين التي لم تتوقف عن الحديث عن عمها وترجوها أن تتحدث إليه، لكن زمزم لم تستمع لها. "يا زمزم حرام، عمو تعبان والله. طيب كلميه حتى لو بالكدب." تأففت بنفاذ صبر وهتفت بصوت حاد قليلاً. "قلت لك لا يا سيلين، لا. أنا أبويا مات. اللي تحت ده ضيف في البيت، متكلمنيش عنه تاني لو سمحتِ." آثرت سيلين تغيير الموضوع حتى لا تعاند أكثر وهتفت. "مش قولتيلي إن ياسر لسه مرجعش؟ رايح فين كده؟

"اممم، لسه مرجعش. أنا رايحة النادي هقابل تمارا هناك، ما تيجي معايا." "هنزل معاكي بس مش هروح النادي." غمزتها زمزم بخبث وابتسامة. "طيب تصدقي بقى إنك سافلة." وقذفتها بالوسادة. نزلا إلى الأسفل فقابلهم وقاص وهو يصوب نظراته نحو زمزم بحدة. "رايحة فين أنتِ ومراتي يا سيلين؟ تعمده الضغط على كلمة "مراتي" أثارت غريزتها بالضحك بقوة حتى أثارت غضبه. "أنا ما قلتش حاجة تضحك، وأحسن لك تقولي رايحة فين؟

توقفت عن الضحك حتى لا تثير المشاكل. فقد ساورها القلق عندما استمعت إلى صوت شقيقتها عبر الهاتف، كما أنها اتفقت معها على زيارة زهرة بالمستشفى اليوم. "رايحة النادي، هشوف أختي هناك. عندك مانع؟ وقاص بغموض وصوت هادئ. "لا، ما عنديش مانع. روحي." تعجبت من هدوئه المفاجئ ذاك، ولكن الآن تهمها شقيقتها أكثر، لذلك تركته وخرجت. بالنادي.

تركت تمارا طفليها بالمكان المخصص للأطفال وأمرت أحد الحراس بمتابعتهم وحمايتهم وذهبت حتى تجلس على طاولتها منتظرة زمزم. رغماً حولت بصرها بأنحاء المكان تبحث عنه، ولكنها لم تجده. رأت زمزم قادمة إليها فابتسمت بحنين. تري والدتها بزمزم. زمزم هي الوحيدة بينهم التي أخذت شعر والدتها البرتقالي وعيونها الزرقاء. عندما اقتربت منها زمزم، أسرعت تمارا باحتضانها بقوة وبادلتها زمزم العناق. "خلاص كفاية بقى خلينا نقعد."

ابتعد عنها تمارا وجلست على المقعد. "ناصر بيه عندك في البيت إزاي بقى؟ وإزاي رجع أصلاً؟ تنهدت زمزم ثم هتفت. "ناصر بيه عندي بقاله أسبوعين تقريباً." تمارا باستغراب. "أسبوعين؟ وإزاي متقوليش؟ أنتِ لسه قايلالي امبارح بس." ضحكت زمزم بسخرية قائلة. "أصله جه واتخانق معايا ومع وقاص ومع عمك." "ليه كل ده؟ مش معقولة ندم يعني؟

"حب يعمل أب ويتقن الدور. اتخانق مع وقاص عشان اتجوز عليا واتخانق مع عمك عشان ممنعوش. واتخانق معايا عشان رضيت ومحاولتش أوصله." "سيلين بتقولي إنه تعبان وعاوزاني أكلمه. شايفة إنه أبويا ومينفعش أقاطعه. عارفة... عارفة ناصر بيه راجع ليه؟

راجع عشان هيطلع على المعاش السنة الجاية. كان جاي هنا يقعد في وسطنا. شاف إنه كفايا بقى حاجة وتلاتين سنة غربة. وإحنا صغيرين مع ماما بترعانا. وبعدها إحنا كبرنا وهو كان صارم معانا واتربينا من غيره. بس وحلف على وقاص إنه يطلقني ووقاص مرضيش. وأدينا قاعدين أهو." انتهت زمزم من حديثها وانخرطا في نوبة ضحك هستيرية حتى أدمعت عيناهما. تحولت ضحكات تمارا إلى بكاء ناعم. "أما لو عرف إن عابد اتجوز عليا أنا كمان بعد تلت سنين بس جواز!

"ولو عرف إني بفضله وبفضل قراراته بقيت خاينة. بخون اللي اتحسب عليا جوزي بواحد تاني. لو عرف إنه سابني بعد جوازنا بشهر وسافر برة بحجة الشغل ورجعلي متجوز. لو عرف إني لسه بنت لحد دلوقتي. أنا اتدمرت. اتدمرت يا تمارا. بقيت حاسة إن ديه مش أنا. بقيت حاسة إني زبالة. زبالة ومش هنضف." وبكت هي الأخرى على حالها. امتدت يد تمارا إلى يد أختها وربتت عليها برفق.

"يا حبيبتي اهدي، أنتِ ولا زبالة ولا خاينة. أبوكي السبب في اللي أنتِ فيه. بقولك إيه قومي نروح لزهرة يلا." أومأت برأسها وسارت معها نحو سيارتها حتى يذهبا إلى المستشفى. كعادته طوال الأسبوعين الماضيين يذهب إليها المستشفى ويظل يراقبها من فتحة الباب كما يأمر الطبيب. كان يريدها أن تسأل عنه، أو حتى تذكر اسمه ولو بالخطأ، لكنها لم تفعل. نزعته من حياتها ولم تهتم به. فقط تتواصل مع شقيقتيها، حتى أنها لم تفكر في الاتصال بوالدها.

احتل الألم ملامحه عندما استمع إلى حديثها مع الطبيب. ازدادت ضربات قلبه حتى أوشكت أن تحطم عظام صدره. دهش باران من إجابتها على سؤاله، فطلب منها الإعادة. "أيوه، لما أخرج من هنا هدّور على شغل ومكان أعيش فيه." "مش قولتيلي إنك متجوزة؟ وكمان عندك عيلة وإخوات وباباكي عايش؟ ابتسمت زهرة عندما ذكر باران شقيقتيها. "اممم، عندي فعلاً. بس أنا همشي من هنا وهروح أقعد مع أخواتي. هما كمان عاوزين يقعدوا لوحدهم."

عاود باران سؤالها مرة أخرى. كان يشك بها من البداية واحتياجها لطبيب نفسي. "جوزك... جوزك فين يا زهرة؟ تبدلت ملامح وجهها للانزعاج وهتفت بضيق. "أيوه، بس أنا مبحبوش. ومش عاوزاه. ويوم ما أخرج من هنا مش هروح معاه. هو السبب في اللي أنا فيه أصلاً." إلى هنا ولم يستطع المتابعة، فالتفت حتى يغادر مدمع العينين على حالتها وما وصلت إليه. صحيح أن هذا السم يخرج من جسدها، لكن حالتها النفسية تنحدر أكثر.

رأى شقيقتيها يدخلان إلى الطابق الموجودة به غرفتها. ابتسم بألم وخرج من المستشفى بأكملها. بالغرفة. مدت زهرة يدها إلى باران قائلة. "هو فين التليفون؟ أنا عاوزاه." أعطاها الطبيب الهاتف وجلس ينظر إليها ثم نهض من مكانه حتى يخرج من الغرفة، لكن استوقفه صوت بكائها. "مالك يا زهرة؟ "محدش بيرد عليا، أخواتي مبيردوش. زهقوا مني." ربت على كتفها يهدئها. "اهدي بس يمكن التليفونات مش معاهم. آه."

لم يستطع المتابعة إذ أن أحدهم طرق على الباب، فسمح له باران بالدخول ظناً منه أنه زوجها، لكنه تفاجأ بفتاتين. حولت زمزم بصرها نحو شقيقتها فرأتها تبكي. "مالك يا زهرة؟ لم تصدق زهرة أذنيها ولا عيناها. لم تتخيل بأفضل أحلامها أن يأتوا إليها. فتشبثت بخصر أختها وهي تبكي بقوة. "طيب اهدي طيب، خلاص، خلاص يا زهرة هعيط أنا كمان والله." تركهم باران وخرج من الغرفة تاركاً إياها مع أختيها. "أنا مش مصدقة إنكم جيتولي. أنا كنت قربت أطق."

ربتت تمارا على كتفها قائلة بابتسامة. "بعد الشر عليكي. إحنا هنيجي لك طول خلاص. التليفون ده للطوارئ. ربنا يكرمك وتخرجي من هنا." ثم نظرت إليهم بأمل وحماية جديدة عليها. "لسه فيه حياة تانية مستنيانا يا بنات، مستنيانا إحنا واللي نختارهم." وأمسكت بيدهم تضغط عليها برفق وبريق الحماسة والعزم يتلألأ في عيناها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...