انتهي ناصر من جمع اغراضه داخل الحقائب التي اتى بها، صاماً أذنيه عن توسلات أخيه وابنته حتى يتراجع عن قراره. لكنه لم يستمع له، فقط ما يتجسد أمامه معاناة زمزم، معاناتها حتى أصبحت بهذا الجمود. ناصر تقريباً يعاقب أخيه وعائلته بسبب تغير زمزم. لطالما كانت رقيقة، تتأثر بالنبرة الضعيفة المنكسرة. كان مطمئناً لضعفها، فهي ورقته الرابحة والتي سيضغط بها على ابنتيه الأخريين. ولكن لم يجد ما يريده، فقد أصبحت زمزم مثلهم.
ابتلع غصة مسننة بحلقه وهو يتذكر زوجته الراحلة وهي توصيه على جواهرها الثمينة. طلبت منه عدم الانشغال عنهم بعمله، لكن ماذا فعل هو؟ "يا ناصر اقعد.. هتروح فين بس؟ ما البيت موجود أهو... كل حاجة هتتحل صدقني." استلمت سيلين دفة الحديث من والدها قائلة بنبرة متوسلة. "الله يخليك يا عمو اقعد... أنا مبطقش اللي برة دي.. أنا مش هقدر أقعد من غير زمزم.. هي بتحس بيا."
جلس ناصر على الفراش بتخاذل، أنهكته ذكرياته مع زوجته، طلباتها ووصيتها التي خيل له أنه أتمها. "هقابل أمهم إزاي يا قدري!! هقولها إيه ولا إيه؟؟ وهقدر أصلاً أحط عيني في عينها؟؟ دمرتهم يا قدري... أنا رجعت.. رجعت عشان هطلع ع المعاش كمان سنة. جيت عشان آخد زمزم ووقاص يقعدوا معايا، يملوا عليا البيت بعيالهم... أنا تعبان.. تعبان وقلبي واجعني."
اقترب منه شقيقه يربت على كتفه مواسياً، واكتفى بالصمت. فلن يفيد الكلام بعد ما فعله ابنه. فماذا سيحل بأخيه المسكين إذا علم بما تواجهه ابنته على يد زوجته؟ ماذا لو علم أن قدميها بدأت تنزلق نحو الخطأ وأنها تكن مشاعر لرجل آخر وهي متزوجة؟ متزوجة!!! زمزم ما زالت كما هي. وقاص لم يقترب منها قط، حتى أنه لم يضعف ويتجه إليها كنوع من تفريغ شحنة غضب أو ضعف. ***
جلست تبكي بنشيج صامت وحار حتى لا ينتبه صغارها لها ويرتعبوا. نظرت من نافذة الغرفة وازداد بكائها عندما رأتها بالسيارة وهو ممسك بيد والدته يساعدها على السير نحو السيارة. جلست والدته بالسيارة والتفت هو عائدًا إلى خمسة رجال أقوياء يملي عليهم أوامره بحمايتها هي وأطفاله. لم يخطئ وينظر إلى النافذة، فقد انتهى من إلقاء أوامره وصعد إلى السيارة وابتعد. أصبحت قولاً وفعلاً وحيدة. تركها زوجها لأن قلبها لم يخفق له. ما ذنبها هي؟
شردت رغماً عنها متذكرة بداية دخوله إلى حياتها منذ البداية. كان هو أحد المدعوين لحفل خطبة سيلين، فقد استعان به عمها حتى يؤمن الحفل بالمنزل. "نفسي أفهم بس إيه لازمتهم البادي جارد دول؟ قالتها تمارا باستغراب وخوف قليلاً. ابتسمت سيلين هاتفة. "انتوا ناسيين انتوا ولاد مين يا تمارا ولا إيه؟ انتوا ولاد الفريق ناصر النوساني." ابتسمت زهرة بسخرية هاتفة. "ومالك بتقوليها وانت مبسوطة كده؟ شهقت سيلين بخفة وهتفت بدهشة.
"بقي حد يبقى عمو ناصر أبوه وميبقاش مبسوط؟! نظرت زهرة إلى شقيقتها الكبرى تمارا وهتفت بصوت ساخر. "اللي إيده ف الميه... "ها خلصتي ولا إيه؟ "آه خلصت."
نزلوا جميعهم إلى الأسفل بعد أن انتهت سيلين من زينتها وانطلقوا في الحفل، خاصة مع انشغال سيلين بصديقاتها. رفعت رأسها للأعلى تنظر إلى تلك الألعاب النارية، جذبتها كثيراً. كانت تنظر لها وهي تشرد بخيالها بعيداً نحو ذلك الذي سرق فؤادها وانطلق حيث لا تعلم. ظلت تسير وهي تطارد الألعاب دون انتباه إلى أن اصطدمت به. "أنا آسفة.. مم.. مأخدتش بالي." والتفتت حتى تعود إلى الحفل مرة أخرى، لكنه جذبها من ذراعها.
"أيوة يا آنسة حضرتك عاوزة مين ولا راحة فين؟ نظرت إليه باستغراب والتفتت حولها ووجدت نفسها بالخارج. "حضرتك أنا لسه خارجة من جوة.. أنا بنت عم العروسة و.." قاطعها بنفاذ صبر وصوت صارم. "التفاصيل وقصة حياتك ديه متخصنيش... ثم إني مشوفتكيش خارجة من جوة أصلاً، أنا جيت لقيت سيادتك واقفة قدام الباب... حضرتك بقي معاكي دعوة ولا مفيش؟
هزت رأسها نفياً ببراءة ولم تحاول الكذب حتى، ورفعت رأسها حتى تنهي المشكلة قبل أن يلاحظ والدها غيابها ويعنّفها كعادته. ولكن لم يستجب الله لأمنيتها وشاهدت والدها وهو يبحث عنها حتى وجدها وهو يصوب نحوها تلك النظرات النارية التي أرعبتها. "فيه إيه يا عابد؟ عابد بجدية مشيراً إليها. "مفيش يا باشا.. الآنسة تبقي قريبة العروسة وجاية ومش معاها دعوة وزي ما حضرتك عارف مقدرش أدخلها من غير دعوة حتى لو كانت قريبتها فعلاً...
ربت ناصر على كتفه قائلاً بتشجيع. "عندك حق يا عابد.. هو ده الشغل المظبوط... والتفت بوجهه إليها قائلاً بحدة. "وسيادتك إيه اللي خرجك من جوة أصلاً؟ شبكت كفيها ببعضهما وهي تلعب بهما من شدة توترها وخوفها. "ما تنطقي أنا مش قايل مفيش واحدة فيكو تخرج من جوة؟ دمعت عيناها وهتفت بصوت حزين. "كان فيه لعب بتنور ف السما وروحت أشوفها... مش قصدي... هتف ناصر بصوت أفزعها. "سيادتك خارجة برة عشان روحتي تشوفي اللعب في السما!!
حسابنا في البيت يا تمارا... "عابد تمارا تبقي بنتي وأنا معايا الدعوة بس جوة مع الأسف خليها تدخل تجيبها وأنا هفضل معاك هنا... رد عابد بلهفة. "العفو يا ناصر باشا... هي مقالتليش إنها بنت حضرتك...
دلفت تمارا إلى الداخل وهي ترتعد من أبيها، فهو صارم جداً خاصة مع من يخالف أوامره حتى أنه يعاقبهم وهم بهذا السن. وبالفعل منعها من الخروج مع صديقاتها بعد أن أعطاها موافقته غير عابئ بتوسلاتها حتى يتراجع عن كلامه. بعد ما فعله والدها بذلك اليوم تجنبته ولم تتحدث إليه مطلقاً، خاصة أن صديقتها أخبرتها بأن أحمد نصران سيسافر إلى الخارج حتى يحصل على فرصة عمل تناسب مكانة والدها وأنه يطلب رؤيتها، وأنها علمت ذلك من صديقه ورأته بالفعل لكنه غادر بعد أن أخبرته أن والدها منعها من الخروج.
بعد مرور يومان دلف ناصر إلى غرفة ابنته وجلس أمامها قائلاً. "أوعي تكوني مفكرة أن أسلوب القمص ده هيجيب معايا نتيجة... تبقي غلطانة.. انتي غلطتي وأنا عاقبتك.. تقدري تقوليلي بقي لو كان حد خطفك ولا أذاكي كنت هعمل إيه؟ "بس حضرتك لقيتني كويسة... وبرغم كده هزأتني قدام اللي كان واقف ده." لم يستمع إلى حديثها من الأساس، أو تجاهله عمداً. "المهم... جايلك عريس...
صمت حتى يرى تعبيرات وجهها وتابع حديثه عندما رأى الارتباك يحتل ملامحها. "اسمه عابد... عابد سلمي.. اللي هزأتك قدامه... "بـ.. بس أنا مش موافقة... *** "ياريتك كنت سبتني يا بابا... ياريتك مضغطش عليا... اتسببت ف قلة راحتنا احنا الاتنين." مسحت عبراتها والتفتت حتى ترتدي ملابسها لتذهب إلى النادي عندما أصدر هاتفها صوتاً يخبرها بوصول رسالة. "أجمل وردة ف حياتي.. صباحك بلون عيونك.. بحبك."
هنا سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف بخوف. صاحب الرسائل يعرفها، وهي تعرفه، لكن من هو لا تعلم. *** لم يستطع ناير زيارتها بالمشفى. كلماتها بآخر مرة ما زالت ترن بأذنه. ذراعها المتأذي بفعل الإبر ما زالت صورته نصب عينيه. إلى الآن لم يستطع سؤالها عن هوية ذلك الشخص. توالت عليه ذكريات كم شهر مضى وتوقف عندما هبطت دموعه لأول مرة عليها بهذه الطريقة. "ها يا سيادة الرائد جاهز؟ "أيوة يا يامن أنا جاهز...
بس الإخبارية اللي عندنا لسه فاضل ع المعاد نص ساعة بحالها، أكيد مش هنروح من دلوقتي يمكن المكان يبقى مترصد جواسيس ويبلغوهم." لم يستطع يامن إخباره بما أخبره به الجاسوس المندس بينهم كاملاً، فقد أخبره بجزءاً منه فقط. يامن بجدية. "لا هنروح دلوقتي يا ناير.. أنا طول عمري ماشي وراك.. امشي انت ورايا المرادي بقي... تبعه ناير بصمت ودون مجادلة عندما رأى جدية صديقه فعلم أن هناك شيئًا ما.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة كان ناير يصعد إلى سطح المبنى المقابل لمبنى المخابرات. منذ يومان استطاع الرجل التابع لهم إخبارهم بنية ذلك الرجل المقنع الملقب بالظل في القضاء على شخصية هامة بالمخابرات بتفجيره لرغبته في ضياع بعض الأوراق التي يمتلكها ذلك الرجل ضده، لكنه لم يستطع معرفة الاسم، فقط يعلم المكان والزمان. وصلا إلى الطابق الأخير عندما استمع ناير إلى صوت ما بالداخل. "يامن.. مش ع السطح.. هنا.. هنا فيه حد.."
دلفا إلى الشقة بحذر متخذين وضع الهجوم. التفت لهم ذلك الشاب وامتدت يده إلى خصره حتى يخرج سلاحه، ولكن يامن كان أسرع منه حيث أطلق عليه وأصابه بذراعه ليسقط السلاح منه، فيما اتجه ناير إلى الثاني واضعاً السلاح خلف رأسه.
حانت منه التفاتة نحو ما كان يعبث به، ولكنه توقف وسقط السلاح من يده وهو يراها منزوية في ذلك الركن تنظر أمامها بشرود وكأنها ليست معهم. عيناها غائرتان يحاوطهما السواد. وجهها شاحب. استغل الرجل الفرصة وأخرج سلاحه من خصره حتى يقتل ناير. صاح يامن بصديقه. "ناير.. نااااااير.. حاسب.." باللحظة الأخيرة انتبه ناير على نداء صديقه والتقط سلاحه وأطلق عليه الرصاصة برأسه فسقط صريعاً في الحال.
التفت إليه مرة أخرى يهزه برفق حتى تنتبه لوجوده، لكنها لم تنظر إليه حتى، ظلت على حالتها. ظل يهزها بعنف وهو يصيح باسمها بلوعة ووجع لا يعلم مصابها. وضع يامن يده على كتف صديقه قائلاً بتأثر. "ناير خدها وروح مستشفى يلا.. احنا منعرفش هي فيها إيه... لم يبدو عليه أنه استمع إليه، فقد ظل يهزها ويضرب على وجنتها بعنف تارة ورفق تارة أخرى. "لا.. لا هي هترد عليا.. ردي يا زهرة.. أنا آسف.. آسف...
انتي معايا.. أنا ناير.. ناير يا زهرة... خدتك منهم أهو زي ما قولتيلي.. زهررررررررة.... واحتضنها وهو يبكي بصوت غير عابئ بوجود صديقه أو من صعد من العساكر حتى يأخذ ذلك المصاب وجثة الآخر. "سيادة الرائد حضرتك معايا؟؟ بقولك المدام حالتها اتحسنت.. وتقدر تشوفها." كان ذلك صوت الطبيب الذي يتابع حالتها. "أيوة معاك... أنا مش عاوز أدخلها حضرتك ادخل وسيب الباب موارب أنا هشوفها من هنا...
أومأ الطبيب برأسه دون مجادلة، فهو يعلم أن هناك شيئًا بينهما. عندما دلف إليها بذلك اليوم يأخذ منها الهاتف سألها عن هوية من اتصلت به وظلت معه لنصف ساعة كاملة، فأخبرته بسعادة وحماس أنها تحدثت إلى شقيقتيها ولم تأتِ بسيرة زوجها مطلقاً. دلف إليها "باران" ورآها مبتسمة رغم تقييدها بالفراش. "إيه ده مين اللي ربطك كده؟ اخفضت عينيها بخجل وهتفت. "أصلي اتجننت شوية كده ف اضطروا يربطوني.. وأخدت العلاج وبقيت كويسة... ينفع تفكني؟
ابتسم باران وامتدت يده إلى وثاق يديها هاتفا. "طبعاً... انت عارفة مبحبش أقعد مع حالة وهي متكتفة كده... عاملة إيه النهارده؟ "الحمد لله... بفضل حضرتك طبعاً." باران بنفي. "لا طبعاً.. ده بفضل تعاونك انت ورغم الألم اللي كنتِ بتحسي بيه استمريتِ ومضعفتيش... "هو أنا هخرج من هنا إمتى؟ "إيه زهقتي مني ولا إيه؟ زهرة بحرج. "لا.. لا طبعاً مش قصدي.. بس أنا بقالي شهرين متبهدلة ف المستشفيات... وجيت هنا بقالي تلت أسابيع... باران بضحك.
"متقلقيش يا ستي أنا عارف إنك مزهقتيش.. عموماً كلها شهر واسبوع وتخرجي ده ف حالة إنك فضلتِ ماشية ع نفس الوضع ده... وبعد كده هتخرجي وتتابعي علاجك برة وهتيجي هنا بصفة دورية عشان نعمل تحاليل ونشوف النسبة قلت ولا إيه... ونشوف لو رجعتي تتعاطي تاني... أهم مرحلة ف علاج الإدمان هي تصرفك لما تخرجي من المستشفى لأنك بتباني برة بيبقى قدامك الطريق ده وده وعلي حسب اختيارك...
أومأت برأسها بسعادة وابتسامة صافية غابت عنها كثيراً حتى ظنت أنها لم تبتسم أبداً. كان يتابع حديثها مع الطبيب وفرحتها بتحسنها بوجع وألم يكاد يشطره إلى نصفين من شدته. يريد أن يدلف إليها ويبرح ذلك الطبيب ضرباً. يغار منه لأنه كان السبب في ابتسامتها التي عجز هو عن فعلها.
تجمد مكانه عندما أعطاها الطبيب الهاتف حتى تتحدث إلى من تريد. اعتقد أنها ستهاتفه أولاً، لكن خاب ظنه وعاد ذلك الألم يعصف به بقوة أشد وهو يستمع إليها وهي تتحدث إلى شقيقتها الكبرى. لم يرِ لوجوده معنى فغادر المشفى بأكملها بعد أن ألقى نظرة المجتمع ممزوجة بعبارات لم يستطع السيطرة عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!